عن الإحاطة بغيره، يحجب سمعه الجدار، وتحجب رؤيته الأستار، ويحجب إدراكه للأمور على تمامها ما غاب عنه من تفاصيلها ومجرياتها ونتائجها.
أمَّا إدراكه للسر الخفي في ضمير نفسه أو ضمائر غيره، من خطرات القلوب، وأحاديث النفوس فهو أعجز عنه، فضلًا عن عجزه الكامل عن إدراك ما سوف يحدث في المستقبل من حوادث ونوازل وخطرات وحركات.
وللإنسان ملك، ولكنه ملك محدود مسلوب، أتاه بعد أن لم يكن في يديه، وذاهب عنه بعد أن استولى عليه، وهو في حال امتلاكه لا يستطيع أن يمنع عنه كل الآفات، ولا أن يحفظه من كل البليات، بل قد يملك ما فيه ضرره، ويترك ما فيه خيره وصلاحه، وقد يتمسك بما فيه هلاكه وهو لا يدري، ويفرط في ما فيه نجاته وهو لا يعلم.
ولا يستطيع الإنسان مهما أوتي من قوة وإدراك أن يدفع عن نفسه -فضلًا عن غيره- ورادات الهموم والغموم، بل لا يستطيع أن يكشف كربة نفسه أو يجبر كسرها، أو يغني نفسه من الفقر إلَّا بإرادة اللَّه -جلَّ وعلا-، وكذلك أفعاله الأخرى في الهداية من الضلالة وإرشاد الحائر وإغاثة اللهفان وفك العاني وإشباع الجائع، وكسوة العاري، وشفاء المريض، وغير ذلك، فإنه لا يقدر على هذه الأفعال إلَّا بمشيئة اللَّه ، بل قد يريد فعل لشيء من ذلك فينعكس عليه الأمر، ويضطرب عليه الحال، وتنقلب الأمور رأسًا على عقب، فلا يعلم لم حصل ذلك كما أنه لا يقدر على دفع ذلك؛ لاستيلاء العجز عليه، ولمحدوديته الكاملة، وبشريته العاجزة.
والإنسان مع عقله وإدراكه، يفقد ذلك كل يوم بالنوم، ويفقد أحيانًا بالإغماء أو بالجنون أو بغير ذلك من العوارض، فلا يستطيع أن يدفع عن نفسه أثر هذه الأمور، بل هو يطلب النوم ويحتاجه، وتدركه السنة ويغلبه الوسن، ولا يقدر على دفع ذلك كما لا يستطيع دفع الضعف والخرف في العقل إذا كبرت به السن وتطاول به العمر.
والإنسان مع عقله وإدراكه تغلبه على عقله -أحيانًا- الشهوة،
стр. 1857
والغضب، والحزن والفرح، فيتصرف في تلك الأحيان تصرف الأحمق، ويتحرك حركة المجنون، ويعمل ويقول ما يتندم عليه، أو ما يتعجب من حصوله منه بعد ارتفاع هذه الواردات عنه.
والإنسان فيه -إلَّا من رحم اللَّه- أخلاط الأخلاق الرديئة، ورعونات النفس الأمارة، وفيه الشهوة العارمة، والأنانية الذاتية، والحسد، والأثرة والحب والكره، والانتصار للنفس، والكبر والعجب.
والنفس الإنسانية لا تخلو من عيوب تؤثر فيها، ومنها أنها تستجلب فك الضر ممن لا يملكه، وجلب النفع ممن لا يقدر عليه، ولا ترى نقصها وتقصيرها ولا تألف الحق إلَّا مكرهة، لأن الطاعة على خلاف سجيتها، وتحب متابعة الهوى والشهوات، وتغلب عليها الغفلة والتواني والإصرار والتسويف في شأن الحق والهدى، وتغلب عليها اليقظة والإسراع في شأن المعصية والشهوة والرغبة، وتشتغل بعيوب الناس عما بها من عيبها، وبتزيين الظواهر دون البواطن، وتطلب الرئاسة بالعلم والتكبر والافتخار به والمباهاة بما تمتلك وبما لديها من مواهب وقدرات، وإذا رضيت مدحت المرضي عنه وتجاوزت عيوبه، وإذا غضبت ذمت وتناست المحاسن، وفيها طمع وجشع وحرص على اقتناص الحظوظ، والانتقام للذات والخصومة والغضب، واتباع الهوى، وموافقة ما يرضى النفس، وتضييع الأوقات بما لا نفع فيه أو بما فيه ضرر، ووقوعها في الكذب والشح والبخل، والإصرار على ما به ضررها، والغفلة عن ما فيه مصالحها الحقيقية، وألفتها للخواطر الرديئة والإرادات الخبيثة، وحبها للترؤس والسيطرة والعلو، وميلها إلى التحكم والطغيان.
وغير ذلك من الصفات والأدواء التي لا يخلو من بعضها إنسان، وقد يجتمع أكثرها في بعض الناس، خاصة الذين يتصدون لحكم الناس أو الذين تكون لهم مناصب توجيه وتأمّر، إلَّا من رحم اللَّه وقليل ما هم.
ومن كانت هذه صفاته فلا مناص له من الوقوع في الخلل في الأقوال والأفعال، ولا مهرب له من التناقض والنقص في أفكاره وأعماله، ولا
стр. 1858
خلاص له من تبعات النقص البشري الراسخ في نجار هذه الكائن.
فإذا نظرنا إلى هذا الفرق الهائل بين حقيقة الألوهية وماهية النفس البشرية تبين البون الشاسع فيما يصدر عنهما من أحكام وتشريعات.
وهذا الفرق بينهما أشد وضوحًا من الفرق بين الإنسان والنملة، واللَّه ودينه وشريعته أجل وأعظم من هذه المقارنة، وإنَّما ذكرت ذلك -وأستغفر اللَّه- لأجل بيان قاعدة التصور عند المؤمنين الحاكمين بشرع اللَّه، وقاعدة التصور عند العلمانيين المشركين في الحكم، باتباع أحكام غير اللَّه -جلَّ وعلا-، وتاليه الإنسان ورفعه عن درجته البشرية، ونعته بالأوصاف الطاغية غير الحقيقة.
الرابع: أن الإنسان -بحكم كونه مخلوقًا للَّه تعالى- محكوم بهذه الطبيعة فهو ليس كليًا ولا مطلقًا، وليس أزليًا ولا أبديًا في هذه الدنيا، ومن ثم فإن إدراكه لابد أن يكون محدودًا بما تحده به طبيعته، ثم هو محدود في أعماله وأحكامه وتصرفاته بحكم هذه الطبيعة (١).
وقد وُهب من الإدراك ما يناسب عبوديته للَّه تعالى، ولم يوهب القدرة على إدراك كل الأمور، لا في ماهيتها ولا في إدراك كيفيتها، وإن كان يدرك إمكانها، وذلك أن حدود الطبيعة البشرية تقصر عند هذه الحدود، فكيف يُجعل الإنسان مشرعًا مع اللَّه أو من دون اللَّه وهو محصور في إطار هذه الحدود وحيز هذه الضرورات؟ ومع ذلك كله فالإدراك البشري مدعو للتدبر والتفكر، والنظر والاعتبار، والتكيف والتأثر، والتطبيق في إطار عبوديته، وفي دائرة كينونته الخَلْقية، لا في دائرة الإلحاد المظلمة، ولا في إطار التأله الكاذب الظالم؛ الكاذب لأنه متعدٍ على الحقيقة الإنسانية، والظالم لأنه متجاوز الحدود البشرية.
ولا يعني هذا أن دين الإسلام يقضي على الإدراك البشري أو يدعوه إلى الهبوط والضعف، ولكن هذا التوصيف الحقيقي للإنسان هو الذي
стр. 1859
يجعله يسير في حياته العلمية والعملية في خط تصوري واضح المعالم، وما من دين احتفل بالإدراك البشري، وإيقاظه وتحريكه، وتحريره، وتقويم منهجه في النظر، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة، والكهانة والغيبيات الباطلة، وصيانته في الوقت ذاته من التبدد في غير مجاله، ومن الخبط في التيه بلا دليل. . ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام، الذي وجه النظر إلى سنن اللَّه في الأنفس والآفاق وأوضح بجلاء طبيعة هذا الكون وطبيعة هذا الإنسان، وبين خصائصه وطاقاته المذخورة، ووسع دائرة إداراكاته توسيعًا لا يوجد في مثله (١).
الخامس: أن من خصائص الإسلام أنه "رباني" المصدر والمنهج والغاية والوجهة، فهو وحي من اللَّه تعالى، يحتوي على الكمال، لم يأت نتيجة لإرادة فرد أو أسرة أو طريقة أو حزب أو شعب، وإنَّما نتيجة لإرادة اللَّه الحكيم العليم، المتصف بصفات الكمال والجمال والجلال، الذي أراد للبشرية الهدى والنور، والبيان، والشفاء، والرحمة والخير، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٣)، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ (٤)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ (٥).
فهذا الدين يقوم على عقيدة ربانية وعبادات ربانية وتشريعات ربانية، وهو المنهج الوحيد في العالم الذي مصدره كلمات اللَّه وحدها، غير محرفة
стр. 1860
ولا مبدلة ولا مخلوطة بأوهام البشر، وأهواء البشر وانحرافات البشر.
إن الإسلام منهج رباني في عقائده وعباداته وآدابه وأخلاقه وشرائعه ونظمه، كلها ربانية إلهية في كل أحوالها.
والتشريعات -وهي مجال حديثنا هنا- تشريعات تقوم على هذا الأساس الإلهي، لضبط الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والدولية.
وهذه الميزة الفريدة للتشريع الإسلامي هي التي يتميز بها على ما سواه من التشريعات القديمة والحديثة، ذلك أنه التشريع الوحيد الذي أساسه وحي اللَّه وكلماته التامة المبرأة من الخطأ والضلال، المنزهة عن الظلم ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (١).
وبهذا تقرر في الأصول الإسلامية أن المشرع الوحيد هو اللَّه تعالى وحده؛ دون غيره، فهو الذي يأمر وينهي، ويحلل ويحرم، ويكلف ويلزم، بمقتضى ربوبيته وألوهيته، وملكه لخلقه أجمعين، فهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، له الخلق والأمر.
وكما أن الإسلام رباني المصدر والمنهج، فهو رباني الغاية والمنهج.
فعلى كثرة الغايات والأهداف في الإسلام، إلَّا أننا -عند التأمل- نجد أن هذه الأهداف الكثيرة تصب في الهدف الأكبر، وهو: مرضاة اللَّه وحسن مثوبته، فكل ما في الإسلام من تشريع وتوجيه وإرشاد إنَّما يقصد إلى إعداد الإنسان ليكون عبدًا خالصًا للَّه وحده، لا لأحد معه أو سواه، ولهذا كان روح الإسلام، وجوهره هو "التوحيد"، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا
стр. 1861
شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ. . .﴾ (١).
إن الإنسان خلق أصلًا ليكون عابدًا للَّه تعالى ولم يخلق لمجرد أن يعيش، والمؤمن يعيش ليعبد ربه ويطبق حكمه متطلعًا إلى رضوانه، أمَّا الكافر فإنه يعيش ليأكل ويأكل ليعيش، ولا يجد في عقيدته الكافرة -قديمة كانت أو حديثة- أي جواب صحيح شافٍ لقضية خلقه وحياته وموته.
ولقد قرر القرآن هذه الحقيقة بوضوح حين ذكر الغاية من خلق الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢) بل بين القرآن أن خلق العالم كله علوية وسفلية، لم تكن الغاية منه إلَّا أن يعرف الناس ربهم ويعبدوه، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٣).
ومن ثمرات هذه الربانية:
١ - أن يعرف الإنسان غاية وجوده، وحكمة حياته، ووظيفة في هذه الحياة بعيدًا عن التخبط والتيه والضلال، والعيش في عمايات الغايات الهابطة، والضلالات الساقطة.
٢ - أن الإنسان يهتدي إلى فطرته التي فطره اللَّه عليها، والتي تطلب الإيمان باللَّه تعالى، ولا يعوضها شيء غيره ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٤).
وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والضياع والتمزق حتى تؤمن باللَّه
стр. 1862
وتتوجه إليه وتطبق منهجه في الحياة، هنا فقط ستسلم من غوائل التمزق، وتستريح من تعب التيه، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف، وتحس بالهداية بعد الحيرة والاستقرار بعد التخبط والاطمئنان بعد القلق.
٣ - وحين يستقر في أعماق النفس التحرر من التمزق والضياع وتسلم من الصراع الداخلي والتوزع والانقسام بين مختلف الغايات وشتى الاتجاهات، وذلك بعبادة للَّه وحده واتباع شريعته، حين يفعل ذلك يتحرر، نعم يتحرر من العبوديات الكثيرة الخالبة، يتحرر من العبودية الأنانية، وشهوات نفسه، ولذات حسه، ومن الخضوع والاستسلام للمطالب المادية والرغبات الشخصية، ويخلع عن رقبته نير العبودية للهوى والشهوات، ويسلم من الهلكة في شعاب الغايات الهابطة والمقاصد البهيمية. والعبودية أنواع وألوان، وأشدها خطرًا، وأبعدها أثرًا هو خضوع الإنسان لإنسان مثله، يحل له ما يشاء، ويحرم عليه ما شاء كيف شاء، ويأمره بما أراد فيأتمر، وينهاه عما يريد فينتهي، يضع له "نظام حياة" فلا يسعه إلَّا الخضوع والإذعان والاستسلام له.
ولما كان الإسلام دعوة تحرير شامل للإنسان من العبودية لغير اللَّه، وجدناه، يوجهه نداءه إلى البشرية ليتحرروا من عبودية النظم والتشريعات الجاهلية، ليفردوا اللَّه وحده بالانقياد لشرعه وحكمه مثلما ينقادوا له في عبادته.
٤ - ومن مزايا هذه الربانية وآثارها عصمة الإنسان والإنسانية جميعا من الضياع في أودية المناهج المختلفة والأنظمة المتشاكة. فالبشر -بطبيعتهم- يتناقضون، ويختلفون من عصر إلى عصر، ومن قطر إلى قطر، بل يتناقضون في العصر الواحد والقطر الواحد والبيئة الواحدة والأمة الواحدة.
بل الإنسان الواحد يتغير بل يتناقض في فترات حياته ما بين مرحلة الشباب إلى الكهولة، وما بين حالات فقره وغناه، وفرحه وترحه، وعقله متأثر بالزمان والمكان والأوضاع والأحوال، ولذلك لا يبرأ من التناقض والاختلاف في آرائه وأقواله وأحواله، وبالتالي لا يُمكن أن تبرأ مناهجه في
стр. 1863
التصور والاعتقاد، أو العمل والسلوك من هذا التناقض والاختلاف والنقص.
ومن مظاهر هذا التناقض ما نراه ونلمس اليوم في كل الأنظمة البشرية والدينية الوضعية، والمحرفة، من أفراط وتفريط، كما هو واضح من موقفها من الروحية والمادية، والغيب والشهادة، والفردية والجماعية، الواقعية والمثالية، والتطور والثبات، وغير ذلك من المتقابلات، التي وقفت فيها المذاهب والنظم الوضعية والمحرفة موقف الغمط والجور، وسبب ذلك ما في الطبع البشري من قصور، وما يتأثر به التفكير الإنساني من أوضاع وأحوال وخلفيات.
٥ - البراءة من التحيز والهوى، والجور والعدوان، والخلاص من تأثيرات الميولات الخاصة، والتوجهات البشرية المتلونة والميولات الإنسانية المتنوعة.
والمتأمل في المناهج والتشريعات البشرية -الوضعية، أو المحرفة عن أديان أصلها صحيح- يرى أنه لا يسلم منهج منها من التأثر بالأهواء البشرية، المتحيزة إلى جانب دون جانب، أو فريق دون فريق.
أمَّا نظام الإسلام فهو صادر عن اللَّه تعالى رب الناس أجمعين، العالِم بما يصلحهم وما يفسدهم، وهو لا يتأثر بالزمان والمكان؟ لأنه خالقهما، ولا تحكمه -سبحانه- الأهواء والنزعات؛ لأنه المنزه عن الأهواء والنزعات، ولا يتحيز -جلَّ وعلا- لجنس ولا لون ولا طائفة؛ لأنه رب الجميع، وكلهم عبيده.
ومن ثم اعتبر القرآن العظيم ما عدا شريعة اللِّه وحكمه "أهواء" يجب الحذر منها ومن أصحابها ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ (١)، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢).
стр. 1864
٦ - ومن ثمرات هذه الربانية أنها تضفي على النظام المنبثق منها، قدسية واحترامًا لا يظفر بهما أي نظام، أو منهج من صنع البشر.
ومنشأ هذا الاحترام والتقديس اعتقاد المؤمن بكمال اللَّه تعالى وتنزهه عن كل عيب ونقص، في خلقه وأمره، فهو الحكيم فيما خلق وقدر، والحكيم فيما أمر ونهى، والعالم بكل شيء.
ويتبع هذا الاحترام والتقديس لشرع اللَّه، الرضا بكل تعاليم هذا النظام وأحكامه وتقبله بقبول حسن، والانقياد له بطواعية تامة وانشراح صدر واقتناع عقل وطمأنينة قلب، مما يؤدي إلى المسارعة إلى التنفيذ، والسمع والطاعة في المنشط والمكره، دون تلكؤ أو تكاسل، أو تحايل على الهرب من تكاليف النظام والتزاماته (١).
السادس: من خصائص الإسلام وميزاته التي تميز بها على كل ما عرفه الناس من فلسفات ومذاهب، "الشمول".
فالوجود كله بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل تحورٍ وتغير خاضع لإرادة اللَّه وخلقه وعلمه، ومن هنا تبدأ خاصية الشمول في الكون والحياة والإنسان، إذ هي كلها مخلوقة للَّه خاضعة لمشيئته المطلقة.
ثم الوجود كله في سلك العبودية القهرية للَّه تعالى.
ومن هنا جاء الإسلام ليعرف الناس بطبيعة الكون الذي يعيشون فيه وارتباطه بخالقه، ودلالته على خالقه، جاء ليحدث عن الحياة والأحياء ومصدر الحياة فيهما، وجاء ليعرف بالإنسان وحقيقته ومصدر نشأته وغاية وجوده ومركزه في الكون، وخصائصه، ويرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد تتلقى منه التصورات والمفاهيم والقيم والموازين والشرائع؛ ذلك لأن
стр. 1865
الكون كله وأمر الحياة والإحياء وأمر الإنسان والأشياء تعود كلها إلى أمر واحد إلى إرادة من له الخلق والأمر (١).
إن شمول الإسلام ينطلق من هذه القاعدة، ليكون في حقيقته وذاته متضمنًا المعاني والأبعاد التي تقصر دون بعضها سائر النظم والمذاهب والفلسفات.
إنه شمول يستوعب الزمن كله والحياة كلها وكيان الإنسان كله.
(إن الإسلام كدين عام انتظم كل شؤون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل الأعصار والأزمان) (٢)، (إنه دين ومجتمع، ومسجد ودولة، ودنيا وآخرة) (٣)، (إنها الرسالة التي امتدت طولًا حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة) (٤).
وإذا تأملنا حقيقة الشمول في الإسلام ورسالته وجدناها: رسالة الزمن كله، ليست موقوتة بعصر معين أو زمن مخصوص، رسالة المستقبل المديد، ورسالة الماضي البعيد، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٥)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (٦).
ورسالة العالم كله، ليست محدودة بعصر ولا جيل، ولا بمكان ولا بامة ولا بشعب ولا بطبقة، بل هي الرسالة الشاملة التي تخاطب كل الأمم وكل الأجناس وكل الشعوب وكل الطبقات وكل الأرض ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي
стр. 1866
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (٢).
ورسالة الإنسان كله، روحه وعقله، وجسمه، وضميره وإرادته ووجدانه، وكل أعماله وعلاقاته.
ورسالة للإنسان في كل أطوار حياته، ورسالة للإنسان في كل مجالات حياته، وكل ميادين نشاطه البشري، منفردًا كان الإنسان أو مجتمعًا مع غيره، عاملًا لتقوية روحه، أو لتغذية جسده، ساعيًا في شأن آخرته أو شأن دنياه.
وشمول هذه الرسالة للنشاط البشري لا يقتصر على جانب دون جانب، فالإسلام لا يدع الإنسان وحده بدون هداية من اللَّه في أي طريق يسلكه، وفي أي نشاط يقوم به: ماديًا كان أو روحيًا، فرديًا أو اجتماعيًا، فكريًا أو عمليًا، دينيًا أو سياسيًا، اقتصاديًا أو أخلاقيًا.
ومن شمول الإسلام: شمول تعاليمه وأحكامه، يتجلى ذلك في شمول العقيدة التي تفسر كل القضايا الكبرى في هذا الوجود، وتجيب على الأسئلة التي تشغل الفكر الإنساني، في قضية الألوهية وقضية الخلق والمصير، وقضية النبوة والبعث، وعالم الغيب والشهادة.
والشمول في عقيدة الإسلام يتعلق بمصدرها وأدلتها وأحكامها ومتعلقاتها.
فلا يصح في عقيدة الإسلام أن يقول إنسان مّا: أنا مؤمن بالإسلام في شأن الشعائر والعبادات أو ما يسمى بالأحوال الشخصية، ولكن لا أؤمن بما جاء به في شأن النظام والتشريع.
فهذا رد للإسلام، وتناقض صارخ مع شموله، وكما أن عقيدة الإسلام شاملة فكذلك عباداته شاملة تستوعب الكيان البشري، فالمسلم لا يعبد اللَّه
стр. 1867
بلسانه فحسب، أو ببدنه فقط أو يقلبه لا غير، أو بعقله مجردًا، أو بحواسه وحدها، بل يعبد اللَّه بهذه كلها، ويعبده كذلك بماله وسلطانه وسائر أعماله ومناشطه، ويعبده -على وجه الخصوص في هذا المقام- بتطبيقه لشرع اللَّه وإنفاذه لأحكام اللَّه، وسيره على منهج اللَّه في الحياة.
ومن شمول الإسلام شموله في ميدان الأخلاق والفضائل التي لم تدع جانبًا من جوانب الحياة الإنسانية: روحية أو جسمية، دينية أو دنيوية، عقلية أو عاطفية، فردية أو اجتماعية، إلا رسمت له المنهج الأمثل للسلوك الرفيع.
ومن شمول الإسلام أن التشريع فيه تشريع شامل، لا يشرع للفرد دون الأسرة، ولا للأسرة دون المجتمع، ولا للمجتمع منفردًا عن غيره من المجتمعات.
فهو تشريع يشمل التشريع للفرد في تعبده وصلته بربه "العبادات" والتشريع له في سلوكه الخاص والعام "الحلال والحرام".
ويشمل التشريع ما يتعلق بأحوال الأسرة من زواج وطلاق ونفقة وميراث وولاية وغير ذلك، وهو ما يطلق عليه في هذا العصر "الأحوال الشخصية".
ويشمل التشريع للمجتمع في علاقاته المدنية والتجارية، وما يتصل بتبادل الأموال والمنافع، مثل البيوع والإجارات، والقروض والمداينات والرهن والحوالة، والكفالة والضمان وغيرها.
ويشمل التشريع ما يتصل بالجرائم وعقوباتها المحدودة شرعًا كالحدود أو المقدرة تعزيرًا، وهو ما يطلق عليه في هذا العصر "التشريع الجنائي" أو "الجزائي" أو "قانون العقوبات".
ويشمل ما يتعلق بواجب الحكومة نحو المحكومين، وواجب المحكومين نحو الحكام، وتنظيم الصلة بين الطرفين، وهو ما عرف في عرف الفقهاء بأحكام الإمامة، والسياسة الشرعية، والأحكام السلطانية، وهو ما يعرف في عصرنا بـ "التشريع الدستوري" أو "الإداري".
стр. 1868
ويشمل تشريع الإسلام ما ينظم العلاقات الدولية في السلم والحرب بين المسلمين وغيرهم، مما عنيت به كتب "السير" و"الجهاد" في فقهنا الإسلامي، وهو ما يعرف الآن بـ "القانون الدولي".
ومن هنا لا توجد ناحية من نواحي الحياة إلَّا دخل فيها التشريع الإسلامي آمرًا أو ناهيًا، أو مخيرًا.
ومن شمول الاسلام: شمول الالتزام به كله في شموله وعمومه وسعته من مخير تبعيض، فلا يجوز الأخذ بجانب من تعاليمه وأحكامه وطرح جانب آخر، قصدًا أو إهمالًا؛ لأن الإسلام كل لا يتجزأ فلا يصح في الإسلام أخذ جانب العقيدة والإيمان من تعاليمه وإغفال جانب العبادة أو الأخلاق، كما لا يجوز الأخذ بالجانبين وترك جانب الشريعة التي نظم اللَّه بها حياة الخلق، وأنزل بها الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (١).
السابع: أن الرضا بالإسلام دينًا ليس مجرد دعوى أو شعار يرفعه الإنسان، بل هو التقيد والالتزام بكل ما جاء به النبي ﷺ من عقائد وشرائع وشعائر وأخلاق، وهذه كلها وسائر فروعها ولوازمها هي الدين، وهي المقصودة بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).
والرضا بالإسلام دينًا هو الرضا بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، قال صاحب المدارج ﵀: (وأمّا الرضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى، رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها) (٣).
الثامن: أن الرضا بمحمد نبيًا أصل من أصول الإسلام، والجزء الثاني من كلمة التوحيد المتضمنة للشهادة للَّه بالوحدانية ولمحمد ﷺ بالرسالة.
стр. 1869
وحقيقة الرضا بنبوة محمد ﷺ تتمثل في أتباعه اتباعًا كاملًا، وذلك بتصديقه فيما أخبر، وأتباعه فيما أمر، واجتنباب ما نهى عنه.
ومن ذلك اتباع شريعته الحنيفية السمحة: (وأمَّا الرضي بنبيه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلَّا من مواقع كلماته ولا يحاكم إلَّا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكامه ظاهرة وباطنة، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلَّا بحكمه (١).
ولهذا أقسم اللَّه تعالى بربوبيته أنه لا يصح إيمان أحد حتى يحكّم رسول اللَّه ﷺ ثم يرضى بحكمه ولا يبقى نفسه هو أدنى، تحرج أو تردد، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢).
فمن رضي بمحمد ﷺ نبيًا فلا بد أن يتبع الشريعة التي جاء بها ويسير على المنهج الذي رسمه، ويطبق النظام الذي سار عليه وطبقه وورّثه، ومن لم يكن كذلك فليس راضيًا بنبوة محمد ﷺ وإن ادعى ذلك.
التاسع: من أصول الإسلام وقواعده الأساسية أن الحاكمية والسيادة المطلقة هي للَّه وحده، ولشريعته النقية، ودينه الحنيف، الذي له وحده الحكم الأعلى والحجة القاطعة.
ومن لم يعتقد أن السيادة العليا لشرع اللَّه دون غيره، فإن انتسابه إلى الإسلام دعوى بلا برهان، بل البرهان على خلاف ذلك.
وكل من اعتقد أن هناك سيادة عليا لغير اللَّه ودينه ونبيه فهو منازع للرب تعالى، ومنحرف عن دينه، ومعاند لرسوله ﷺ ، وداخل من أوسع أبواب الردة.
стр. 1870
العاشر: أن التوحيد هو عقيدة المسلمين وشعارهم في مقابل الوثنية والإلحاد والتثليث وسائر أنواع الكفر.
وهذا التوحيد يشمل الاعتقاد والعمل، أو التوحيد العلمي النظري، والتوحيد الطلبي الإرادي، والقسم الثاني هو ما يعرف بتوحيد الألوهية أو توحيد العبادة، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وتتحقق بكمال الخضوع للَّه مع كمال المحبة له، وتصح بالإخلاص للَّه والمتابعة لشرعه.
وهي أنواع عديدة منها العبادة الاعتقادية كاعتقاد أن اللَّه تعالى هو الخالق الرب الواحد الذي له الأسماء الحسنى والصفات الحسنى، ومنها العبادة القلبية كالخوف والرجاء والخشوع والخشية، ومنها العبادة القولية كالدعاء والذكر والاستعاذة والتلاوة، ومنها العبادة العملية كالصلاة والحج، ومنها العبادة المالية كالزكاة والصدقة، ومن العبادات العملية: الحكم بما أنزل اللَّه والتشريع بما شرع اللَّه، وهذا يشمل العبادة الاعتقادية والقولية والعملية.
فمن حكم أو خضع -اختيارًا- لغير شريعة اللَّه، واستسلم -طوعًا- لتشريعات أهل الأرض مستحسنًا لها، فلا ريب أنه مخل بتوحيد الألوهية، مناقض لملة محمد ﷺ ، ولا ينتفع مع استحسانه وقبوله وتنفيذه لمذاهب الطاغوت بشيء من أعماله (١)؛ لأن ذلك من اتخاذ العبد أندادًا من دون اللَّه، يساويهم برب العالمين، ويخضع لأحكامهم، ويتبع تشريعاتهم.
(ولا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول اللَّه ﷺ في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن، وجحد بعضه) (٢). فهذا لاريب في أنه مناقض للإيمان ولتوحيد الرحمن -جلَّ وعلا-، وقد عد أهل العلم من نواقض الإيمان (من اعتقد
стр. 1871
أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر) (١)، (ومن اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سببًا في تخلف المسلمين أو أن يُحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى،. . . ومن يرى أن إنفاذ حكم اللَّه في قطع يد السارق أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر، ويدخل في ذلك أيضًا من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة اللَّه في المعاملات أو الحدود أو غيرها، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة؛ لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرم اللَّه إجماعًا وكل من استباح ما حرم اللَّه، مما هو معلوم بالضرورة كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة اللَّه فهو كافر بإجماع المسلمين) (٢).
والخلاصة أن التوحيد لا يصح حتى يفرد اللَّه وحده بالحاكمية العليا والسيادة المطلقة، كما يفرد بالعبادة وحده دون سواه، ولا يكون التوحيد توحيدًا حتى يكون لدينه الحكم الأعلى على أي حكم، وحتى يصبح المرجع الوحيد والنهائي عند التنازع، وحتى يكون هو وحده الآمر الناهي، وحتى يكون التحليل والتحريم والجزاء مأخوذًا من الكتاب والسنة -فقط- دون غيرها، من الدساتير والبرلمانات وإرادة الشعب، وغير ذلك.
فمن أراد أن يكون مسلمًا موحدًا فعليه أن يلتزم بالتوحيد جملة وعلى الغيب، ويطبق مقتضاه برضا وطاعة وانقياد من غير تردد ولا حرج، ومن أعظم مقتضيات هذا التوحيد الالتزام بالأحكام الشرعية واعتقاد سيادتها المطلقة على كل ما عداها، فإن عقد الإسلام لا يثبت إلَّا على قدم التصديق والانقياد.
الحادي عشر: أن الإيمان، لا يتحقق في واقع الإنسان بمجرد التسمي
стр. 1872
أو التشهي أو الانتساب المجرد، بل هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
وهذا لا يقوم إلَّا على أصل تصديق الخبر والانقياد للأمر، فمن لم يتحقق في قلبه التصديق والانقياد فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد، تصديق الرسول فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر، كما أن الإقرار باللَّه هو الاعتراف به والعبادة له، والكفر هو عدم الإيمان، سواء كان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض، فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر (١).
ولذلك أنكر اللَّه تعالى على من ادعى الإيمان بما أنزل على رسوله وعلى الرسل قبله من أحكام وشرائع، ثم يذهب بعد هذا الادعاء إلى الطواغيت يتحاكم إليهم، وبين اللَّه تعالى أن من يفعل ذلك ليس إلَّا من المنافقين الذين يصدون عن اللَّه وعن دينه وشريعته، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ (٢).
(فإن قوله : ﴿يَزْعُمُونَ﴾ تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر، و"الطاغوت" مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ﷺ ، أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك أنه من حد كل أحد أن يكون حاكمًا بما جاء به النبي ﷺ فقط لا بخلافه، كما أنه
стр. 1873
من حد كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي ﷺ ، فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى وجاوز حده حكمًا أو تحكيمًا، فصار بذلك طاغوتًا لتجاوزه حده.
وتأمل قوله : ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ تعرف منه معاندة القانونين وإرادتهم خلاف مراد اللَّه منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعًا والذي تعبدوا به هو الكفر بالطاغوت لا تحكيمه ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (١).
ثم تأمل قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ كيف دل على أن ذلك ضلال وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى) (٢).
فلا ريب عند أهل العلم والإيمان أن تحكيم شريعة اللَّه وجعل السيادة العليا لها وحدها شرط للإيمان كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣).
الثاني عشر: أن من معنى "لا إله إلَّا اللَّه" نفي استحقاق العبادة لكل ما سوى اللَّه -جلَّ وعلا-، وإثباتها للَّه تعالى وحده دون سواه، ولا ريب أن اتباع حكم اللَّه وشريعته عبادة للَّه تعالى، كما أن صرف ذلك لغير اللَّه شرك مع اللَّه تعالى.
أن "لا إله إلَّا اللَّه" ليست مجرد كلمة يفوه بها اللسان بل هي عقيدة راسخة، وشريعة نافذة، ومنهاج حياة شامل متكامل.
أن من أصل معنى "لا إله إلَّا اللَّه" أن يتحاكم الناس إلى شرع اللَّه الإله الحق المبين، وأن يطرحوا شرائع الآلهة الباطلة والأرباب المزعومة،
стр. 1874
وإذا كان من المعلوم أن "لا إله إلَّا اللَّه" تعني عبادة اللَّه وحده لا شريك له والإقرار بذلك، فإنه من المعلوم ضرورة أن (تحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة اللَّه وحده دون ما سواه) (١).
ومن شروط "لا إله إلَّا اللَّه": الانقياد المنافي للترك، ومن ذلك الانقياد لحكم اللَّه تعالى واستسلام لجميع شرعه الوارد في الكتاب والسنة، فمن لم يفعل ذلك فقد أخل بهذا الشرط، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (٢).
ومن شروطها: القبول المنافي للرد، وذلك بقبول كلمة التوحيد قبولًا كاملًا، وقبول جميع ما يلزم من مدلولها ومقتضاها، بحيث يقبل الناطق بها جميع ما ورد عن اللَّه ورسوله دون رد، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣).
وقال تعالى في شأن الذين لم يقبلوا كلمة التوحيد، وردوها أو ردوا لوازمها ومقتضياتها: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
стр. 1875
يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ (١).
ومن شروط "لا إله إلَّا اللَّه": الإخلاص المنافي للشرك، فمن حكم بغير شرع اللَّه تعالى فقد ناقض الإخلاص.
ومن شروطها: الصدق المنافي للنفاق والكذب والتكذيب، وذلك ببذل الجهد في طاعة اللَّه وامتثال أوامره، وحفظ حدوده والغيرة على حرماته والغضب له، والانتصار لدينه دون تهاون أو فتور، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (٢).
ومن شروطها: المحبة المنافية للبغض، وهذا المحبة هي المقرونة بالإجلال والتعظيم والخوف والرجاء، وحصر التأله للَّه بالقيام بجميع شروط هذه المحبة ولوازمها، وذلك لا يتم إلَّا بالتوجه الكامل إلى اللَّه تعالى، وحصر العبادة والطاعة له سبحانه، وذلك بعبادته وحده دون سواه، واتباع شريعته وحده دون سواه.
فهذه كلمة "لا إله إلَّا اللَّه" الركن الأول من أركان الإسلام، والقضية الكبرى في هذا الدين التي دار القرآن كله في خبره وأمره ووعده ووعيده وقصصه عليها، فالحديث عنها ليس حديثًا لفترة ثم ينتقل إلى غيرها، وإنَّما هي حديث مؤكد وبرهان ثابت يذكر ثم يذكر ثم ينتقل به ومعه إلى غيره، وهي دعوة الرسل جميعًا، وهي نقيض الجاهلية في كل التاريخ، ولذلك لم يتغير موقف الجاهلية من "لا إله إلَّا اللَّه" خلال التاريخ البشري كله، بل كان موقفها موقف الرفض والصد والإعراض بل والمحاربة في سبيل إزالتها، ولى يكن رفض الجاهلية لهذه الكلمة رفضًا لألفاظها وأحرفها فهي أهون عليهم من كثير من الكلام، ولكن رفضهم كان لمعناها ومدلولها ومقتضياتها ولوازمها.
стр. 1876
ولذلك كان الشرك يتمثل في اعتقاد آلهة أخرى غير اللَّه، يتوجه إليها الإنسان بالعبادة، أو يتوجه بطلب التحليل والتحريم من دون اللَّه.
وثبوت صفة الإسلام لأي إنسان في الحياة الدنيا لا يأتي بمجرد التلفظ بكلمة التوحيد -وإن عصمت دمه وماله، وحكم له ظاهرًا بالإسلام (١) - بل يكون منوطًا بالالتزام الحقيقي بـ "لا إله إلَّا اللَّه" وتحقيق شروطها، وتطبيق مقتضياتها.
ولم يحدث في تاريخ الإسلام خلال الثلاثة عشر قرنًا الماضية التي كانت تطبق فيها أحكام الإسلام، وتنفذ فيها شريعة اللَّه، أن أحدًا من الناس، قال لم أكن أعلم أن للإسلام لوازم عملية، أو أن لكلمة التوحيد مقتضيات عبادية تشريعية، ولو كان أجهل الناس بأحكام الفروع، أو أكثرهم وقوعًا في المعاصي والذنوب، لقد كانت هذه القضية مسلمة لا جدال فيها، ومبرهنة لا مراء فيها عند جميع المسلمين حكامًا ومحكومين، كانوا جميعًا يعلمون أنه ليس هناك إسلام بلا تكاليف، ولا توحيد بلا حكم، ولا إيمان بلا تشريع، وكان أهل العلم والإيمان يقررون بأنه اليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلَّا اللَّه، وأن اللَّه رب كل شيء ومليكه كما كان عباد الأصنام يقرون بذلك، وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة اللَّه والخضوع له والذلة له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها) (٢).
الثالث عشر: أن من نواقض الإسلام ونواقض التوحيد "الحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى" وهو تفضيل أو مساواة حكم غير اللَّه، بحكم اللَّه تعالى في أي أمر من الأمور؛ كالهوى والرغبة الدنيوية والأعراف القبلية والقوانين الوضعية، والمقررات العقلية المخالفة للشرع وغير ذلك.
стр. 1877
وهو على أقسام:
الأول: أن يشرع حكم غير اللَّه، ويستبدل هذا بحكم اللَّه، ويحكم بغير ما أنزل اللَّه، وهو عالم بحكم اللَّه في ذلك، ولكنه يرى أن الحكم المخالف له أولى وأنفع للعباد من حكم اللَّه، أو أنه مساوٍ لحكم اللَّه، أو أن العدول عن حكم اللَّه إلى غيره جائز، فهذا كافر كفرًا مخرجًا من الملة، ولو صلى وصام وحج وزكى وفعل كل أفعال الإسلام فإنها لا تنفعه بل هي حابطة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ (١).
ويلحق بهذا من يعتقد أن أحكام اللَّه وشريعته رجعية أو متخلفة أو يحتقرها، أو يسخر منها أو من بعضها، أو يصفها أو بعضها بأنها بشعة أو غير ملائمة للعصر، أو أنها سبب للتخلف وعائق عن التقديم، أو يدعي أنه لا حكم في الإسلام أصلًا، أو يقول بأن إخضاع الدنيا للدين مشكلة، أو أن أحكام الشريعة بشرية من صنع البشر أو عادات وتقاليد الصحابة، أو يعتقد أن الدين شيء شخصي فقط، أو يعتقد أنه لا يُمكن اعتماد الإسلام نظامًا للحكم، أو يرى وجوب تفسيره تفسيرًا عصريًا علمانيًا أو ماديًا.
وكذلك يكفر من يضع القوانين ويشرعها للناس، ويلزمهم بالتحاكم إليها؛ لأنه إنَّما شرع ذلك لاعتقاده أنها أصلح من الإسلام وأنفع للعباد، وهذا هو أحد أظهر أنواع الكفر في هذا العصر.
الثاني: أن يستبدل بحكم اللَّه تعالى حكمًا مخالفًا له في قضية معينة دون أن يجعل ذلك قانونًا يجب التحاكم إليه، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يفعل ذلك عالمًا بحكم اللَّه معتقدًا أن ما خالفه أولى منه وأنفع للعباد أو أنه مساوٍ له أو أن العدول عن حكم اللَّه إلى غيره جائز، فهذا كافر كفرًا مخرجًا من الملة.
الثانية: أن يفعل ذلك عالمًا بحكم اللَّه معتقدًا أنه أولى وأنفع لكن خالفه
стр. 1878
بقصد الإضرار بالمحكوم أو نفع المحكوم له، فهذا ظالم وليس بكافر.
الثالثة: أن يكون كذلك ولكن خالفه لهوى في نفسه أو مصلحة تعود إليه، فهذا فاسق وليس بكافر (١).
ولا مناص من هذه الفواقر العظيمة ولا مخرج من هذه القواصم إلَّا بالرجوع إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ في كل أمر، والتحاكم إلى شرع اللَّه بانشراح صدر، وتسليم وقبول كاملين، وهو فرض من فروض الدين، لا يتم إيمان المسلم إلَّا به اعتقادًا وعملًا، وأركان الإيمان بهذا الفرض العظيمة ثلاثة:
الأول: أن يكون التحاكم في كل نزاع إلى شرع اللَّه تعالى دون سواه.
الثاني: أن تنشرح الصدور بحكمه ولا يكون في النفس حرج أو ضيق منه.
الثالث: أن يحصل التسليم التام بقبول ما حكم به الشرع وتنفيذه بدون توانٍ أو انحراف.
ولابد من البيان هنا أن المراد بالحكم بما أنزل اللَّه عند علماء الإسلام ودعاته، والمتبعين له هو الاستمساك بكل شرع اللَّه في كل قضية علمية أو عملية.
ويُمكن القول بأن له معنيين:
أحدهما: عام، وهو التحاكم إلى الوحي في كل أمر من الأمور العلمية والعملية في الاعتقاد أو الاستنباط الفقهي، أو أمور التعامل مع الآخرين، وغير ذلك.
الثاني: خاص، ويراد به تطبيق شريعة اللَّه في سياسة الدول ودساتيرها وأنظمتها، وهذا الذي وقع فيه الشرك الكبير في هذا العصر، ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّه (٢).
стр. 1879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1880
وبعد هذه المقدمة التي لابد منها لبيان مكانة هذه القضية من الدين وللرد على شبهة العلماني والحداثي، نخلص إلى موقف أهل الأدب المعاصر من حكم اللَّه وشرعه، ويتجلى ذلك في أمرين:
الأول: محاربتهم للحكم الإسلامي.
الثاني: دعوتهم إلى تحكيم غيره.
ومن غير المستبعد على قوم أنكروا وجود اللَّه أو شككوا فيه، وأنكروا ألوهيته أو ترددوا في قبولها، وأنكروا النبوات أو ارتابوا فيها، وجحدوا الوحي، ونفوا المعاد؛ أن يكونوا أعداء لشريعة اللَّه السمحة، ولدينه الحنيف، وأن يرفضوا تحكيم الشريعة، مشككين في ثبوتها أصلًا، أو رافضين لها كلها، أو زاعمين أنها من عوائق التقدم أو مدعين -كذبًا- أنه
стр. 1881
لا حكم في الإسلام، وإنَّما الدين شيء شخصي وعلاقة ذاتية بين الإنسان وربه، أو زاعمين، بأن أحكام الإسلام لا تلائم العصر؛ لأنها ضد الحرية الشخصية، أو لأن نظام الإسلام -إن كان فيه نظام- لا تحرر فيه ولا تقدم؛ لأنه مجرد عادات، وتقاليد وضعها محمد والصحابة والبدو في القرون المتخلفة، وعلى ذلك فلا يُمكن اعتماد الإسلام نظامًا للحكم، بل يجب إبعاده، ومحاربة من يدعو إلى ذلك، وتحكيم الديموقراطية الليبرالية أو الاشتراكية الماركسية، وتحكيم إرادة الأمة والتحاكم إلى قول الشعب ونواب الشعب، ووضع الدساتير بناء على ذلك، والإقسام على احترامها وتطبيقها وعدم مخالفتها، إلى آخر ما هناك من أباطيل راسخة عند العلمانيين والحداثيين، وضلالات مزوقة بمعسول القول، وجاهليات مموهة بالتدليس والتلبيس، والكذب على اللَّه تعالى، والافتراء على رسوله، والافتئات على دينه وشريعته.
ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن هذه القضية هي معقد التفرقة بين الإيمان والزندقة، والإسلام والكفر، وأن التزام الشريعة الإسلامية، تصديقًا وانقيادًا، وقبولًا رضًا هو الإيمان، وأن المماراة في شيء منها، تكذيبًا أو ردًا أو تشكيكًا أو اعتراضًا هو الكفر الذي لا يبقى معه من الإيمان حبة خردل (١).
ولكيلا يبقى الأمر على عواهنه، أورد هنا شواهد من كلامهم تدل على انحرافاتهم الهائلة في هذا الباب.
أولًا: محاربة الحكم الإسلامي، ويتجلى ذلك في عدة أمور:
١ - رفضه ورده جملة وتفصيلًا، والسعي لهدم أصول التشريع الإسلامي.
٢ - الزعم بأنه لا حكم في الإسلام.
٣ - الزعم بأنه لا يلائم العصر، وأنه لا يُمكن اعتماد الإسلام نظامًا للحكم.
стр. 1882
٤ - الزعم بأنه سببب للتخلف وعائق عن التقدم، وأنه لا تحرر فيه بل هو ضد الحرية.
٥ - الزعم بأن أحكام الشريعة بشرية من صنع البشر وليست إلهية.
٦ - القول بوجوب فصل الدين عن الدولة؛ لأن الدين شأن شخصي فقط، ولأن إخضاع الدنيا للدين مشكلة وكارثة عندهم.
٧ - القول بوجوب تفسير الإسلام تفسيرًا عصريًا، وتطبيقه تطبيقًا علمانيًا.
٨ - السخرية بأحكام الإسلام.
ومن خلال هذه الأمور يتجلى الموقف العدائي الذي ينطوي عليه أصحاب هذا الاتجاه الهدام، تجاه الإسلام والمسلمين، وهو ما يدل دلالة قطعية على عمق المضادة والمناقضة والعداوة لدين الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حكم ومنهاجًا للحياة، وتاريخًا وحضارة.
الأمر الأول: رفض ورد حكم الإسلام جملة وتفصيلًا، والسعي لهدم أصول التشريع الإسلامي .
وهذا مما يكاد يتفق عليه الجميع، ولكن بعضهم تهيأت له الظروف المناسبة -وما أكثرها اليوم- فصرح وأعلن وجاهر بذلك، وبعضهم لم تتهيأ له هذه الظروف، فلمّح ولوَّح والتوى، وركب متون الشبه والإلباس، وخاض مستنقعات التلاعب بالمفاهيم والمصطلحات والألفاظ، ليصل في النهاية إلى عين ما وصل إليه الأولون، فإذا هم في حقيقة الأمر مجتمعون على محاربة الإسلام، مجمعون على رفض حكمه وإنَّما الفرق بينهم في الطريقة والأسلوب.
يقول أدونيس في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" ممتطيًا جبران ليعبر من خلال عن أفكاره وعقائده: (لا يستطيع الإنسان كما يرى جبران في "المجنون" وفي نتاجه كله، أن يصبح نفسه، إلَّا إذا هدم ما يعادي حريته الكاملة، وتفتحه المليء، وما يقف حاجزًا دون طاقته الخلاقة وتتجسد هذه
стр. 1883
القوة المعادية، كما يرى جبران، فيما يسميه "الشريعة" بتنوعاتها وأشكالها السلطوية، الماورائية، والاجتماعية: اللَّه "بالمفهوم التقليدي"، الكاهن، الطاغية، الإقطاعي، الشرطي. . . إلخ.
من المقطوعات المهمة التي توضح ثورة جبران على ما يسميه الشريعة العظيمة، مقطوعة في كتابه "السابق" (١٩٢٠) بعنوان "البهلول" ففيها يتمرد البهلول على الشريعة بخضوعه الكامل لها، الإنسان يرفض الشريعة إمّا بشكل مباشر، حيث يعلن انفصاله عنها، وإمَّا بشكل غير مباشر، أو بشكل ساخر حيث ينفذها تنفيذًا حرفيًا كما يفعل البهلول.
وتكشف هذه الطريقة في رفض الشريعة عن براءة الإنسان المطلقة وعن تجاوز إنسانيته لكل شريعة، فالإنسان قبل الشريعة هو الأصل. . . الشريعة في نظر جبران، ترتبط دائمًا بمقتضيات المحافظة وبما يغتصب السيادة الحقيقية، فالشريعة خداع واغتصاب، إنها مؤامرة الذين يريدون أن يظلوا أسيادًا على عبيد، أو أن يكونوا ساحقين، فالشريعة هي الإرهاب الإنساني بامتياز، بل إن المجتمع لا يكون طاغية، ولا يكون عدوًا للتقدم والحرية إلَّا بالشريعة واستنادًا إليها، إن الطغيان والعبودية من ثمار الشريعة. . .
. . . من يخضع للشريعة ليس عادلًا ولا يشعر أنه عادل، بل على العكس يشعر أنه مذنب، إنه أخطأ قَبْليًا، وهكذا تبدو الشريعة وجودًا سابقًا على الإنسان وتجعل منه، بالتالي، أو تنظر إليه على أنه مخطيء أو مجرم، مسبقًا، وأنها موجودة لانزال العقاب الملائم، بغية إصلاحه، ومن هنا تغير موقف الإنسان من الشريعة: كان في الماضي يدعمها ويحافظ عليها، أمّا اليوم فيرفضها ويغيرها.
المثل العربي البارز على رفض الشريعة من أجل الحقيقة، أي من أجل ما يتجاوز الشريعة، هو التصوف - على صعيد التجربة الفكرية، وهو الصعلكة على صعيد التجربة الحياتية. . .، أمّا الاتجاه الثاني القائم على الفكاهة والدعابة فهو نوع من الحركة التي لا تصعد من الشريعة إلى مبدأ أسمى منها،
стр. 1884
بل على العكس، تهبط من الشريعة نحو نتائجها، أي نحو تطبيقها بشكل حرفي، فالتطبيق الحرفي للشريعة ينقلب إلى هزء بالشريعة، بحيث تبدو عبثية وباطلة، وبحيث يستمتع من يطبقها استمتاعًا كاملًا بما تحرمه عليه وتمنعه من تحقيقه.
في موقف جبران من الشريعة نلمح هذين الاتجاهين: فهو من جهة كما يتجلى في مقطوعة "البهلول" يتجاوز الشريعة بروح الدعابة - بتطبيقها حرفيًا، كأن العقاب شرط يجعل اللذة الممنوعة ممكنة، وهو من جهة ثانية، كما يتجلى في مقطوعة "الشرائع" مثلًا، يتجاوز الشريعة بالدعوة إلى الطبيعة الأصلية التي تسبق الشريعة ولا تعرفها - والتي هي شريعة نفسها، الإنسان هو الطبيعة الأولى، أمَّا الشريعة فطبيعة ثانية، وجبران ينادي بالطبيعة الأولى ويدعو إلى العودة إليها) (١).
هذا القول يعتبر تأصيلًا للحداثة في موقفها من الشريعة، ونصًا محتذى من قبل أتباع الحداثة، عليه يدورون وعلى منواله ينسجون، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هو دلالة صارخة على مقدار العداوة لشريعة الإسلام، وحقد متجذر في الموقف من الإسلام كله.
وليست الشريعة في هذا القول سوى الشريعة الإسلامية، وإن حاول أدونيس أن يلبس بذكر ما سماه الأشكال السلطوية مثل الكاهن والطاغية والإقطاعي والشرطي، إذ مراده الأصل ما ذكره أولًا: "اللَّه بالمفهوم التقليدي" حسب افترائه الإلحادي.
ثم استعارته لشخصية "بهلول" (٢) الذي يظهر أنه تظاهر بالجنون ليقول
стр. 1885
ما لا جرأة للعقلاء على إظهاره، وكان يعظ ويأمر بمعروف وينهى عن منكر ويقاوم ظلم الحكام وعمالهم، ذكره للبهلول يدل على أن مراده ومراد جبران من الشريعة شريعة الإسلام، وليست شريعة اليهود ولا دين النصارى ولا دين النصيرية.
ثم إن دعواه المتكررة أن الإنسان قبل الشريعة، دعوى عرية من البرهان، ومجازفة بالقول الكاذب من غير دليل، وهو دأب أدونيس وأضرابه، الذين يقررون القول تقريرًا يظن سامعه أنه هو الصواب الوحيد، والقول الحق الفريد، ثم يسترسل بعد ذلك في دعاوى لا تقل بهتانًا عن هذا، كقوله الشريعة اغتصاب وخداع ومؤامرة، وإرهاب، وعدوًا للتقدم والحرية، والخضوع لها ظلم وذنب، إلى غير ذلك من الدعاوى الجوفاء المجردة حتى من دليل سوفسطائي!!.
ثم يذكر الصوفية الباطنية التي رفضت الشريعة؛ ليكون ذلك دليلًا آخر على أن مراده بالشريعة "الإسلام وليس غير" ثم ليكون ذلك دليلًا آخر على باطنيته المتأصلة، ونصيريته المتعمقة في صميم قلبه وعقله.
ثم هو في سياق كلامه عن الصوفية الرافضة للشريعة يؤكد أنهم ما رفضوا الشريعة إلَّا من أجل الحقيقة ثم يضيف: (أي من أجل ما يتجاوز الشريعة)، وهذه دعوى كاذبة بلا دليل، وهي -في الوقت ذاته- دعائية إلحادية مجانية هابطة، يضحك بها على عقول البلهاء أتباع الحداثة.
ثم يعاود أدونيس الكلام على الطريقة نفسها فيقول: (من الثورة على الشريعة - السلطة ورموزها، ينتقل جبران إلى الثورة على الأسباب العميقة التي تكمن وراءها وتؤدي إليها، هكذا يعلن الثورة على الماضي، وهي الثورة التي تتضمن كذلك الاتجاه نحو المستقبل، المظهر الأول لهذه الثورة هو في التحرر من التقاليد، سواء كانت هذه التقاليد عبادات أو عادات) (١).
ثم يستشهد أدونيس بكلام من مقطوعة لجبران بعنوان "حفار القبور"
стр. 1886
ثم يقول: (وفي هذه المقطوعة يسمي اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة، وهي قائمة بقوة الاستمرار، لا بقوة الحقيقة، شأن الزواج الذي هو "عبودية الإنسان لقوة الاستمرار" والتمسك بهذه التقاليد موت، والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية لتحرره) (١).
ثم يذكر بعد ذلك أمثلة للتحرر ويستشهد بإباحية جبران الذي عده (من رواد الثورة الجنسية المعاصرة) (٢) والذي ينادي بترك العلاقة بين الرجال والنساء حرة، ويطلق الجنس بينهما بإباحية مطلقة، ويقف ضد الزواج، وينادي بتحرير المرأة وأن تسلك ما تريد بمقتضى قلبها وحبها، ويسمي رجم الزانية شريعة عمياء (٣).
وعند هذا السياق يجب أن نشير إلى جبران الممتطى من قبل أدونيس في هذه القضية وغيرها، إشارات توضح لنا مقدار كاهن الحداثة القديم، فقد كان نصرانيًا حتى آخر لحظة من حياته (فقبل أن يلفظ جبران أنفاسه الأخيرة، تقبل الأسرار الإلهية، وقد نشرت صورة الكاهن الذي تولى هذا الأمر، واسمه الخور أسقف فرنسيس واكيم؛ راعي كنيسة القديس يوسف المارونية في نيويورك) (٤).
ومع ذلك فقد تبناه أحد كبار اليهود، ونسبه إلى اليهودية روحيًا، أي أنه قام بالدور المطلوب والمرغوب يهوديًا ولذلك (حسبه الأستاذ فرانكل رئيس الطائفة اليهودية في مدينة ديترويت ميتشغان في المحاضرة التي ألقاها حول تحليل كتاب "النبي" في ٢٨ من كانون الأول ١٩٢٤ م إنه ليس يهوديًا بطائفته ولكنه يهودي بروحه) (٥).
стр. 1887
وهو مع ذلك كله ينفي البعث والآخرة ويقول بتناسخ الأرواح: (إن جبران كان يعتقد بتناسخ الأرواح، فالمرء لا يزول من هذه الدنيا، بل إنه ينتقل منها إلى عدة حيوات، وقد روى لماري هاسكل عن انتقاله هو بالذات، مرارًا وتكرارًا فقال: إنه غاش حياة بشرية في الماضي مرتين في سوريا ومرة في إيطاليا وأخرى في اليونان، ومرة في مصر وست مرات أو سبع في بلاد الكلدان وواحدة في كل من الهند وفارس) (١).
أمّا دعارته وانحطاطه الجنسي فهو أمر اشتهر وعرف، أمّا سرقاته من الغرب وانتحالاته فقد أضحت ثابتة حيث إن جبران (عرب قصيدة "الأرض" عن شاعر إنكليزي مجهول وادعى أنها من وضعه، وهذه القصيدة عثر عليها أحد السياح الأمريكيين وهي محفورة على مدخل قصر قديم مهجور في بريطانيا ونشرت هذه القصيدة في المجلات الأمريكية) (٢).
وهكذا يتمدد أدونيس من خلال هذه النظريات الإلحادية التي يهدف من ورائها إلى إلغاء الشريعة جملة وتفصيلًا، ويجد له آذانًا صاغية من ذوي العقول المستطرقة تحت أقدام ذوي الشبهات والشهوات.
والأهم في هذا الصدد كله أن أدونيس يثبت من خلال هذا الطرح في هذه المقاطع، وفي كتابه كله، أنه لا إبداع ولا تحديث ولا تقدم، إلَّا من خلال هدم الدين، وتحطيم عقيدة المسلمين، وإبعاد الشريعة الإسلامية، أي: أن هذه المقدمات هي الشرط الأول للحداثة، وهذا ما حصل -فعلًا- في الحداثة، وإن كانوا في ذلك بين مقل ومكثر، ومجاهر ومستتر.
ومن ألاعيب التلبيس ما كتبه نصر حامد أبو زيد عن "الحاكمية" في مقال له بعنوان "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع" حيث هاجم عقيدة الحكم بما أنزل اللَّه عن طريق مهاجمته للخطاب الديني أو الخطاب الأصولي -حسب وصفه- حيث جعل الدعوة إلى أسلمة العلوم والفنون، والدعوة إلى تحكيم الشريعة كلها (تنتهي إلى مد سلطة رجال الدين على كل
стр. 1888
مجالات الحياة، إنها تنتهي إلى "محاكم التفتيش" التي تدين بل تحرم كل اجتهاد إنساني في كل المجالات المعرفية، فتصمه بالانحراف والضلال والإلحاد. . . وهكذا تتبدى مغالطة الخطاب الديني الذي ينكر النتائج المنطقية لكل فى عواه بإنكار أن "الحاكمية" تعني تحكيم رجال الدين في كل شؤون الحياة) (١).
فبدلًا من مهاجمة نصوص الشريعة كما هو عنوان مقاله، وبدلًا من مهاجمة الإسلام مباشرة، يلجأ إلى مهاجمة ما يسميهم رجال الدين، وهي شنشنة معهودة معروفة من العلمانيين المتسترين بالدراسات والتحليلات.
أمَّا حديثه عن توقعه أن تتحول الحياة -إذا حكم أهل الإسلام- إلى محاكم تفتيش، فهو تحكم بالقول وادعاء بلا بينة، فقد أثبت التاريخ الماضي أن دول الإسلام لم يكن فيها محاكم تفتيش كما كان بين البروتوستانت والكاثوليك، وإن كان هناك بعض المظالم والتعديات المحدودة، لكنها لم تصل إلى هذا الحد الذي اقتبس صورته أبو زيد من الغرب ليطبقه على الإسلام والمسلمين، كعادته في كل منهجه.
ثم إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى فإننا نجد أن العلمانيين الذين حكموا بلاد المسلمين هم الذين مارسوا "محاكم التفتيش" التي تدين بل تجرم كل من دعا إلى اللَّه أو طالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، أو نادى بأسلمة الحياة.
وما أنباء سجون عبد الناصر والسادات وحسني ببعيدة عن سمع وبصر هذا العلماني وغيره من العلمانيين.
وما أنباء الجزائر وتونس وليبيا وسوريا والعراق والصومال وما كان يعرف باليمن الجنوبي، وتركيا والجمهوريات الإسلامية فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي وغيرها؛ إلَّا أدلة ساطعة قاطعة على "محاكم التفتيش
стр. 1889
العلماني" التي سكت ويسكت عنها جميع العلمانيين، بل ويؤيدها أكثرهم تحت حجة مقاومة الإرهاب، والتطرف الديني، وليس لهم من مراد إلَّا إبعاد الإسلام عن الحياة بالإعلام أو بالسياسة أو بالتعليم أو بالسجن والقتل والتدمير، وفي مؤتمر "شرم الشيخ" الذي عقد في شوال من عام ١٤١٦ هـ أوضح دليل على الخطو المتسارع الذي يسعى فيه هؤلاء لحرب الدين والأمة، تحت شعار مكافحة الإرهاب.
وإنني وأنا أكتب هذا الفصل وأسمع هذه الأنباء المتتالية لأعجب من عدم اكتفاء الأنظمة العلمانية المفروضة بما فعلوه من سجن وطرد وتشريد وتنكيل وإيذاء أولياء اللَّه من علماء الإسلام ودعاته، حتى استعانوا باليهود والنصارى ليكون بعضهم لبعض ظهيرًا في حرب دين الإسلام وأهله.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (١).
وبعد مهاجمة نصر حامد أبو زيد للخطاب الديني المعاصر الذي يرى أنه مناهض لإنجازات النهضة والتنوير -حسب عقيدته الجاهلية- ويرى أنه (خطاب ديني غاشم يسعى إلى إطفاء كل المصابيح الإنسانية) (٢).
ثم يطالب بأن (يرفع غطاء القداسة عن الخطاب الديني القديم والحديث على السواء) (٣) من خلال دراسة النصوص الدينية لا على أنها مطلقة وقاطعة، بل على أنها تاريخية ضمن إطار ما يسميه: "الوعي التاريخي العلمي للنصوص الدينية" والذي يفسره بقوله: (إن ما نعنيه بالوعي التاريخي العلمي للنصوص الدينية يتجاوز أطروحات الفكر الديني قديمًا وحديثًا، ويعتمد على إنجازات العلوم اللغوية خاصة مجال دراسة النصوص، وإذا كان الفكر الديني يجعل قائل النصوص -اللَّه- محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا
стр. 1890
نجعل المتلقى - الإنسان ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي، هو نقطة البدء والمعاد) (١).
وبهذه الطريقة الغائمة العائمة فوق طفح الفلسفات الغربية يسعى أبو زيد لإلغاء الدين كله من خلال إلغاء مصدره الذي هو الوحي، وإبطال قدسية نصوصه، وهو ما سبق الحديث عنه في الكلام عن الانحرافات المتعلقة بالكتب المنزلة، ومن ذلك حديثه عن خلق القرآن وتأييده لهذه البدعة الشنعاء ليصل من خلالها إلى أن الوحي وما ترتب عليه من أحكام شرعية ليست سوى نتاج بشري محض أو كما قال: (إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية) (٢)، بل يرى أنه (يُمكن أن يقال: أن كلام اللَّه قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين: تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في الإسلام نصًا لغويًا في لغة بشرية هي اللغة العربية، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًا، أو تأنس الإلهي) (٣).
- ثم يخلص بعد ذلك إلى القول: (الآن أصبحنا في موقف يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة) (٤).
ثم طبق هذه النظرية الإلحادية على صفات اللَّه وأخبار الغيب (٥)، ثم اتجه إلى أحكام شرعية أخرى مدعيًا سقوطها وبطلانها وانتهاءها بحكم بشرية النصوص، وإنسانية الوحي، حسب مزاعمه الإلحادية.
ومن الأحكام التي تحدث عنها بهذا المنظور: ملك اليمين، عتق الرقبة، أحكام الرق، أخذ الجزية، أحكام أهل الكتاب (٦)، ثم تحدث عن الربا ونادى بإسقاط حكمه الشرعي (٧)، ثم يتجه إلى قضية القضايا عند
стр. 1891
العلمانيين والحداثيين: "الحاكمية" و"العبودية" التي يرى أنها تسعى (في المساهمة في تكبيل الإنسان بكل أنماط القيود التي تجعله قابلًا لأي نظام اجتماعي/ سياسي ينتزف قواه ويقضي على إنسانيته) (١).
ثم يتوجه بتلبيس لا يستطيع معه إخفاء حقده فيقول: (وحين يحصر الخطاب الديني العلاقة بين اللَّه والإنسان في بعد "العبودية" وحده فإنه يستحضر المعنى المجازي للعبودية، بل يصر على تأكيد الدلالة الحرفية، وهي الدلالة التي تتأكد بطريقة حاسمة حين توضح في سياق التأويل الحرفي لصورة الإله الملك صاحب العرش والكرسي والصولجان والجنود التي لا حصر لها) (٢).
وهكذا تطفح عقيدته الساخرة باللَّه تعالى وملائكته الكرام وبالشريعة الإسلامية كلها، فلا يستطيع الانفكاك -مع كثرة التلاعب والالتواء اللفظي- من ظهور غدد وبثور الإيدز العلماني على وجه كتابته الكالحة.
ومن أمثلة ذلك غير ما سبق قوله: (إن إصرار الخطاب الديني على اختصار علاقة الإنسان باللَّه في بُعد "العبودية" بالمعنى الحرفي التاريخي إصرار يصادم الموقف الإسلامي ذاته) (٣).
كيف ذلك؟ لا يجيب، بل يسترسل بعد تقرير هذا الكلام فيقول: ("الحاكمية" مفهوم يتنامى في أطروحات الخطاب الديني على مقولة "العبودية" -ثم يسوق بعض الآيات الآمرة بالتحاكم إلى اللَّه ورسوله ثم يقول- إن الدعوة إلى تحكيم الرسول ﵇ في أي خلاف يشتجر بين اثنين أو بين جماعتين أمر طبيعي في بنية المجتمع العربي آنذاك، ألم يختلفوا في شأن الحجر الأسود فاتفقوا على أن يرضوا بحكم أول الداخلين، ولم يكن ذلك يعني إعطائه (٤) أي صلاحيات خارج إطار الخلاف موضوع الحكم،
стр. 1892
النص لم يتحدث عن الحكم بالمعنى الشامل الواسع الذي يطرحه الخطاب الديني) (١).
وهكذا بكل كذب ومغالطة يصادر النص القرآني ودلالته القطعية، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) ويجعل حكم اللَّه ورسوله المأمور به مثل الحكم الطارئ الذي حدث قبل بعثة الرسول ﷺ عند وضع الحجر الأسود، ويعمم ذلك تعميمًا ظالمًا جائرًا مؤداه: أن تحكيم الرسول كان عند قريش في شأن الحجر الأسود بعد أن اختلفوا فيه مجرد عادة كانت تحدث في بنية المجتمع آنذاك، الذي لم يعط محمدًا ﷺ صلاحية الحكم في غير هذه القضية، وهذا هو معنى الآية، ومدلولها -حسب جهله وكذبه- أي أنه لا حكم في الإسلام ولا حكم للإسلام مطلقًا، وأن الرسول لم يحكم إلَّا في قضايا محدودة، حسب العرف في عصره ذلك.
وهذا كله مغالطة مكشوفة، وجهل فاضح، ولكن العلمانيين لا يستحيون!!.
ويمضي أبو زيد في تطبيق جهالاته فيطالب بالمساواة بين الذكور والإناث في الميراث، ثم أحكام اللباس واللحية وطريقة الطعام تحت ستائر التضليل العلماني المهترئ، مثل الاحتجاج بدلالة مغزى النص (٣) الذي يريد به فتح المجال للاجتهادات العلمانية الحداثية!!؛ لكي تلعب بنصوص الشريعة كيف شاءت، ذلك أن "مغزى النص" يقوم عنده على إلغاء دلالته الظاهرة والمعهودة عند السلف والمعروفة عند المسلمين طوال تاريخهم، ومثل الاحتجاج بما يسميه المضمر والمسكوت عنه في النص (٤)، وهو نوع من التأويل الباطني الحداثي يسوقه ضمن فذلكة بنيوية متهافتة.
стр. 1893
وكل ذلك لكي يخلص إلى مقصده المنحصر في إسقاط حكم اللَّه جملة وتفصيلًا من خلال العبث بنصوص الشريعة الإسلامية، ونصب أحاييل المصطلحات والألفاظ المولدة سفاحًا في بيوت الدعارة الفكرية، والتزاوج السفاحي مع المذاهب الأوروبية والفلسفات المادية.
ومن نتاج ذلك ما قاله الصادق النيهوم: (. . . منذ مطلع القرن الهجري الأول، كان الفقه الإسلامي يتلقى علومه بحماسة كبيرة في مدرسة التوراة) (١).
ثم يستشهد على ذلك بقضية الحيض والحجاب فيقول: (وكان موضوع الطمث، قد أعيد إلى خانة "النجاسة" من جديد، فتحولت المرأة المسلمة خلال فترة الطمث إلى امرأة "غير طاهرة" مرة أخرى، وعمد الفقهاء إلى إبطال صلاتها وصيامها طوال أيام الحيض في فتوى، لا تستند إلى نص القرآن بل تستند إلى قول التوراة. . . وفي ظروف هذا الانقلاب العبراني على لغة القرآن، قامت القيامة سرًا، وبعث عالم التوراة حيًا في واقع المسلمين، فأصبح عزل المرأة المسلمة فريضة في أصل الشريعة، وتحولت المرأة نفسها إلى "حرم" لا يراه سوى الأقارب، وصار النظر إلى جسدها خطيئة، وتصاعدت هذه الحرب السماوية ضد المرأة إلى حد جعل مجرد لمس يدها "نجاسة" تنقض الوضوء. . . فحجاب المرأة ليس شريعة من أي نوع، بل منهجًا تربويًا مكتوبًا بلغة السحرة، قاعدة النظرية أن "المرأة مخلوق نجس" وقاعدته العملية أن يقنع المرأة نفسها بقبول هذه الشخصية) (٢).
وهكذا نرى المرض العلماني يستولي على عقل صاحبه حتى يجعله يتخبط في الجهالات تخبط الغريق، بيد أنه يجب أن يعلم أن هذا الكاذب المسمى الصادق النيهوم حين يتحدث عن الإسلام بهذه الطريقة ليس لأنه يؤمن بالإسلام، فهو أصلًا ينكره ويجحده، ويريد نقضه، ويسعى في هدمه وإزاحته من واقع الحياة، ومن يطالع كتابه "الإسلام في الأسر" يوقن بهذا.
стр. 1894
ويتبين له كيف يستخدم الآيات والأحاديث وقضايا ومصطلحات الإسلام استخدامًا مغالطًا مضللًا كاذبًا، في محاولة سبئية دائبة لطمس الإسلام، وتشويه حقائقه، والتلاعب بمضامينه تحت سيل من الآراء الباطلة وإلادعاءات الكاذبة ليكونوا رأس رمح في الغارة الجديدة على الإسلام وأهله، وليثبتوا لأسيادهم أنهم قاموا بالدور المرسوم لهم في حرب دين اللَّه وأوليائه.
يقول أحدهم: (أن أهم خطر يواجه الإسلام الآن يكمن في الدعوة إلى تحويله من عقيدة إلى نظام للحكم "ثابت وأزلي" لم يوجد أبدًا، ولن يوجد في المستقبل أيضًا، أن القوة الروحية والثقافية للإسلام "وهذا هو جوهره" تكمن في دعواه من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية) (١).
ويقول: (إن الذين يريدون إقامة أنظمة دينية، أنظمة تتطابق فيها السماء مع الأرض، إنَّما يرتكبون خطأً كبيرًا بحق الدين نفسه، وهو خطأ يشير إلى سذاجة فهمهم للدين والدنيا في آن. . . إن الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية ينبغي أن يقولوا لنا أولًا: أي شريعة يعنوان؟ إن كل مذهب يمتلك تصورًا خاصًا به عن الدولة الإسلامية التي يريدها، وهي تصورات سوف تقود الإسملام المتحول إلى أنظمة سياسية فقهية إلى ظلمات القرون الوسطى، إلى الحروب والمجازر) (٢).
(هذا الإسلام الذي يرتبط ببتر الأطراف وتعليق الأكف على واجهات المساجد وضرب الأعناق بالسيوف فى مهرجانات شعبية، ورجم النساء بالحجارة، واتخاذ العبيد والجواري، وتحويل النساء إلى عاهرات باسم الشرع "زواج المتعة" لا يُمكن أن يشكل جوهر الرسالة التي حملها محمد إلى البشرية) (٣).
стр. 1895
وقبل ذلك يذكر استطلاعًا قام به أحد الألمان أيام الحرب العالمية، يقوم على سؤالين: "هل تؤمن باللَّه؟ وكيف تتصور اللَّه؟ " ثم يذكر جملة من الإجابات: (تقول إحدى النساء: "اللَّه حزين ينبغي علينا أن نواسيه"، ويرى أحد الرجال: "كان اللَّه موجودًا ولكنهم قتلوه" وتقول امرأة أخرى: "هناك إلهان، إله للأغنياء وإله للفقراء" ثم تضيف: "أحدهما شديد، ولكن لا سلطان له، وآخر رفيق ولكنه طاغ طاغ") (١).
تعالى اللَّه وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
بهذا النقل يسوغ الكاتب العلماني الحداثي فكرته القائمة على هذه المعاني الإلحادية، وفي آخر المقال يمتدح الشيوعية التي يزعم أنها هي وحدها (القادرة على تقديم برامج ومواقف مختلفة، تعكس مستويات الوعي المختلفة والقدرة على فهم الإبداع التاريخي) (٢).
أمَّا عبد الرحمن المنيف فإنه يصرخ بأنه (لا يسعنا تصور مجتمع قائم على أسس دينية في زمننا الحاضر، فالدين بات مسألة شخصية لا يتعدى هذا التخوم، لذا يستحيل قيام مجتمعنا على دعائم دينية كما يستحيل إغضاء (٣) على أحد الأديان صفة الشمولية الكونية) (٤).
والمتفرنس المتغطرس محمد أركون الذي يهرب من كل شيء يسأل عنه أو يتحدث عنه إلى التحليل والتفلسف الفارغ والاحتيال الكاذب والدسيسة الخادعة تحت مسمى التحليل والدراسة؛ سئل: (هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟ فأجاب: