← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

العلمانيين والحداثيين: "الحاكمية" و"العبودية" التي يرى أنها تسعى (في المساهمة في تكبيل الإنسان بكل أنماط القيود التي تجعله قابلًا لأي نظام اجتماعي/ سياسي ينتزف قواه ويقضي على إنسانيته) (١). ثم يتوجه بتلبيس لا يستطيع معه إخفاء حقده فيقول: (وحين يحصر الخطاب الديني العلاقة بين اللَّه والإنسان في بعد "العبودية" وحده فإنه يستحضر المعنى المجازي للعبودية، بل يصر على تأكيد الدلالة الحرفية، وهي الدلالة التي تتأكد بطريقة حاسمة حين توضح في سياق التأويل الحرفي لصورة الإله الملك صاحب العرش والكرسي والصولجان والجنود التي لا حصر لها) (٢). وهكذا تطفح عقيدته الساخرة باللَّه تعالى وملائكته الكرام وبالشريعة الإسلامية كلها، فلا يستطيع الانفكاك -مع كثرة التلاعب والالتواء اللفظي- من ظهور غدد وبثور الإيدز العلماني على وجه كتابته الكالحة. ومن أمثلة ذلك غير ما سبق قوله: (إن إصرار الخطاب الديني على اختصار علاقة الإنسان باللَّه في بُعد "العبودية" بالمعنى الحرفي التاريخي إصرار يصادم الموقف الإسلامي ذاته) (٣). كيف ذلك؟ لا يجيب، بل يسترسل بعد تقرير هذا الكلام فيقول: ("الحاكمية" مفهوم يتنامى في أطروحات الخطاب الديني على مقولة "العبودية" -ثم يسوق بعض الآيات الآمرة بالتحاكم إلى اللَّه ورسوله ثم يقول- إن الدعوة إلى تحكيم الرسول ﵇ في أي خلاف يشتجر بين اثنين أو بين جماعتين أمر طبيعي في بنية المجتمع العربي آنذاك، ألم يختلفوا في شأن الحجر الأسود فاتفقوا على أن يرضوا بحكم أول الداخلين، ولم يكن ذلك يعني إعطائه (٤) أي صلاحيات خارج إطار الخلاف موضوع الحكم،

стр. 1892

النص لم يتحدث عن الحكم بالمعنى الشامل الواسع الذي يطرحه الخطاب الديني) (١). وهكذا بكل كذب ومغالطة يصادر النص القرآني ودلالته القطعية، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) ويجعل حكم اللَّه ورسوله المأمور به مثل الحكم الطارئ الذي حدث قبل بعثة الرسول ﷺ عند وضع الحجر الأسود، ويعمم ذلك تعميمًا ظالمًا جائرًا مؤداه: أن تحكيم الرسول كان عند قريش في شأن الحجر الأسود بعد أن اختلفوا فيه مجرد عادة كانت تحدث في بنية المجتمع آنذاك، الذي لم يعط محمدًا ﷺ صلاحية الحكم في غير هذه القضية، وهذا هو معنى الآية، ومدلولها -حسب جهله وكذبه- أي أنه لا حكم في الإسلام ولا حكم للإسلام مطلقًا، وأن الرسول لم يحكم إلَّا في قضايا محدودة، حسب العرف في عصره ذلك. وهذا كله مغالطة مكشوفة، وجهل فاضح، ولكن العلمانيين لا يستحيون!!. ويمضي أبو زيد في تطبيق جهالاته فيطالب بالمساواة بين الذكور والإناث في الميراث، ثم أحكام اللباس واللحية وطريقة الطعام تحت ستائر التضليل العلماني المهترئ، مثل الاحتجاج بدلالة مغزى النص (٣) الذي يريد به فتح المجال للاجتهادات العلمانية الحداثية!!؛ لكي تلعب بنصوص الشريعة كيف شاءت، ذلك أن "مغزى النص" يقوم عنده على إلغاء دلالته الظاهرة والمعهودة عند السلف والمعروفة عند المسلمين طوال تاريخهم، ومثل الاحتجاج بما يسميه المضمر والمسكوت عنه في النص (٤)، وهو نوع من التأويل الباطني الحداثي يسوقه ضمن فذلكة بنيوية متهافتة.

стр. 1893

وكل ذلك لكي يخلص إلى مقصده المنحصر في إسقاط حكم اللَّه جملة وتفصيلًا من خلال العبث بنصوص الشريعة الإسلامية، ونصب أحاييل المصطلحات والألفاظ المولدة سفاحًا في بيوت الدعارة الفكرية، والتزاوج السفاحي مع المذاهب الأوروبية والفلسفات المادية. ومن نتاج ذلك ما قاله الصادق النيهوم: (. . . منذ مطلع القرن الهجري الأول، كان الفقه الإسلامي يتلقى علومه بحماسة كبيرة في مدرسة التوراة) (١). ثم يستشهد على ذلك بقضية الحيض والحجاب فيقول: (وكان موضوع الطمث، قد أعيد إلى خانة "النجاسة" من جديد، فتحولت المرأة المسلمة خلال فترة الطمث إلى امرأة "غير طاهرة" مرة أخرى، وعمد الفقهاء إلى إبطال صلاتها وصيامها طوال أيام الحيض في فتوى، لا تستند إلى نص القرآن بل تستند إلى قول التوراة. . . وفي ظروف هذا الانقلاب العبراني على لغة القرآن، قامت القيامة سرًا، وبعث عالم التوراة حيًا في واقع المسلمين، فأصبح عزل المرأة المسلمة فريضة في أصل الشريعة، وتحولت المرأة نفسها إلى "حرم" لا يراه سوى الأقارب، وصار النظر إلى جسدها خطيئة، وتصاعدت هذه الحرب السماوية ضد المرأة إلى حد جعل مجرد لمس يدها "نجاسة" تنقض الوضوء. . . فحجاب المرأة ليس شريعة من أي نوع، بل منهجًا تربويًا مكتوبًا بلغة السحرة، قاعدة النظرية أن "المرأة مخلوق نجس" وقاعدته العملية أن يقنع المرأة نفسها بقبول هذه الشخصية) (٢). وهكذا نرى المرض العلماني يستولي على عقل صاحبه حتى يجعله يتخبط في الجهالات تخبط الغريق، بيد أنه يجب أن يعلم أن هذا الكاذب المسمى الصادق النيهوم حين يتحدث عن الإسلام بهذه الطريقة ليس لأنه يؤمن بالإسلام، فهو أصلًا ينكره ويجحده، ويريد نقضه، ويسعى في هدمه وإزاحته من واقع الحياة، ومن يطالع كتابه "الإسلام في الأسر" يوقن بهذا.

стр. 1894

ويتبين له كيف يستخدم الآيات والأحاديث وقضايا ومصطلحات الإسلام استخدامًا مغالطًا مضللًا كاذبًا، في محاولة سبئية دائبة لطمس الإسلام، وتشويه حقائقه، والتلاعب بمضامينه تحت سيل من الآراء الباطلة وإلادعاءات الكاذبة ليكونوا رأس رمح في الغارة الجديدة على الإسلام وأهله، وليثبتوا لأسيادهم أنهم قاموا بالدور المرسوم لهم في حرب دين اللَّه وأوليائه. يقول أحدهم: (أن أهم خطر يواجه الإسلام الآن يكمن في الدعوة إلى تحويله من عقيدة إلى نظام للحكم "ثابت وأزلي" لم يوجد أبدًا، ولن يوجد في المستقبل أيضًا، أن القوة الروحية والثقافية للإسلام "وهذا هو جوهره" تكمن في دعواه من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية) (١). ويقول: (إن الذين يريدون إقامة أنظمة دينية، أنظمة تتطابق فيها السماء مع الأرض، إنَّما يرتكبون خطأً كبيرًا بحق الدين نفسه، وهو خطأ يشير إلى سذاجة فهمهم للدين والدنيا في آن. . . إن الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية ينبغي أن يقولوا لنا أولًا: أي شريعة يعنوان؟ إن كل مذهب يمتلك تصورًا خاصًا به عن الدولة الإسلامية التي يريدها، وهي تصورات سوف تقود الإسملام المتحول إلى أنظمة سياسية فقهية إلى ظلمات القرون الوسطى، إلى الحروب والمجازر) (٢). (هذا الإسلام الذي يرتبط ببتر الأطراف وتعليق الأكف على واجهات المساجد وضرب الأعناق بالسيوف فى مهرجانات شعبية، ورجم النساء بالحجارة، واتخاذ العبيد والجواري، وتحويل النساء إلى عاهرات باسم الشرع "زواج المتعة" لا يُمكن أن يشكل جوهر الرسالة التي حملها محمد إلى البشرية) (٣).

стр. 1895

وقبل ذلك يذكر استطلاعًا قام به أحد الألمان أيام الحرب العالمية، يقوم على سؤالين: "هل تؤمن باللَّه؟ وكيف تتصور اللَّه؟ " ثم يذكر جملة من الإجابات: (تقول إحدى النساء: "اللَّه حزين ينبغي علينا أن نواسيه"، ويرى أحد الرجال: "كان اللَّه موجودًا ولكنهم قتلوه" وتقول امرأة أخرى: "هناك إلهان، إله للأغنياء وإله للفقراء" ثم تضيف: "أحدهما شديد، ولكن لا سلطان له، وآخر رفيق ولكنه طاغ طاغ") (١). تعالى اللَّه وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا. بهذا النقل يسوغ الكاتب العلماني الحداثي فكرته القائمة على هذه المعاني الإلحادية، وفي آخر المقال يمتدح الشيوعية التي يزعم أنها هي وحدها (القادرة على تقديم برامج ومواقف مختلفة، تعكس مستويات الوعي المختلفة والقدرة على فهم الإبداع التاريخي) (٢). أمَّا عبد الرحمن المنيف فإنه يصرخ بأنه (لا يسعنا تصور مجتمع قائم على أسس دينية في زمننا الحاضر، فالدين بات مسألة شخصية لا يتعدى هذا التخوم، لذا يستحيل قيام مجتمعنا على دعائم دينية كما يستحيل إغضاء (٣) على أحد الأديان صفة الشمولية الكونية) (٤). والمتفرنس المتغطرس محمد أركون الذي يهرب من كل شيء يسأل عنه أو يتحدث عنه إلى التحليل والتفلسف الفارغ والاحتيال الكاذب والدسيسة الخادعة تحت مسمى التحليل والدراسة؛ سئل: (هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟ فأجاب:

стр. 1896

تندرج عبارة "دعوة شاملة" في معرض خطبة دينية، يجب تحليل هذا المفهوم الكوني على ضوء معطيات تاريخية وثقافية جديدة. . . بالنسبة للإسلام، كما لباقي الديانات يتعين تجديد مفهوم الكونية والشمولية، وكيف سيتمكن الإسلام من الانسجام مع هذه الثقافة الكونية الشاملة المستقبلية! فهي مسألة تستدعي التأمل) (١). ويعد هذه المراوغة لم يستطع إلَّا التصريح عندما سئل: هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟ أجاب: (أرفض هذه الصيغة، فالإسلام ليس بنظام حكم، لا تاريخيًا ولا عقائديًا) (٢). أمَّا محمود المسعودي فإنه يعبر عن وجهة نظره العلمانية الرافضة لحكم الإسلام، فيجعل أساس ذلك، جعل الإنسان محورًا، بناء على ثقافته الفرنسية والتلقين الفرنسي الذي تلقاه من شبابه، فيقول: (. . . كأبناء جيلي، شبيت على أيدي موجهين فرنسيين، فلقنوننا الأدب الفرنسي. . . فكان لنا بمثابة عصارة الثقافة والحضارة إنسانية. المحور كان الإنسان في مكانته وكرامته ورسالته الإنسانية، إلى جانب هذا، انطبعنا على تحديد للإنسان، ضيق متحجر، فنحن من خلق اللَّه، وما جاء به الخالق يسيره القدر، أي اللَّه. كتب علينا تقصي أسس لثقافتنا تبني على نظرة جديدة حول الإنسان وعيشة البيئي، غير تلك الموروثة عن أجيال الانحطاط) (٣). ويقول أيضًا: (. . . المسؤولية والعظمة التي يتحلى بها الكائن البشري، كممثل للَّه في الكون، فينبغي عليه الخلق والإبداع لينوب عن الخالق في عمله الخارق، فعليه إذًا، رسم خطوط مصيره وابتداع ذاته أولًا، فالإنسان عطية الطبيعة حسب القرآن، والفطرة إطار خالي (٤) يملأه (٥)

стр. 1897

الإنسان، تلك هي مغامرة المدنيات والثقافات. . . فعليه إذًا إبداع ذاته، وتغيير العالم وخلق ظروف حياته في هذه الفانية. . . .) (١). ثم يصل في إجابته على الأسئلة إلى نقطة النهاية حيث قال: (يتحتم إدخال تعديلات على أحكام الشرع، والتسليم بأن بعض نصوصه. تجاوزها الزمن وضروريات الحياة العصرية) (٢). وإن كان المسعودي التونسي يشير إلى الإسلام في مقطتفات من كلامه، على أساس أنه لا ينفي وجود الإسلام ولا أثره، وفق النظرة العلمانية، فإننا نجد غيره من حداثيي المغرب يعتبرون الإسلام واللغة العربية غزوًا دينيًا ولغويًا واقتصاديًا، ويعتبرونه استعمارًا تسلط على بلاد المغرب، وفتوحات عسكرية، تسلطت على الناس. فهذا هو نبيل فارس البربري الجزائري يقول: (إن وصف تلك البلاد بالمغربية جغرافيًا وأحيانًا بالمستغربة، له دلالة رمزية أكيدة، وإذا ذكرنا تعرضها لغزوات لغوية، اقتصادية ودينية، لفهمنا تسمية "المغرب" هذه -وهي مستوردة أصلًا إذ أطلقها الآخرون عليها- فمصدرها غربة الأصل، ومردها نظرة العرب لهذه البلاد أبان فتحها. . . . . . هيكلية الإسلام الذاتية المرتبطة بحلم التوسع الامبراطوري حلم الأمة الواحدة العائدة بقوة وعنف. ينبغي إذًا تخطي أمل العودة للأصل والقديم، بالنسبة لنا نحن المغاربة، الإسلاه ظاهرة تاريخية وافقت فتوحات عسكرية واستعمار) (٣). ويقول البربري الجزائري الآخر كاتب ياسين الذي يتمنى أن اسمه كاتب لينين: (قبل الاستقلال كنت على قناعة من انتسابي إلى ماض أسطوري، بالتحديد إلى القبائل العربية الفاتحة، مثل بني هلال، ذلك أن في

стр. 1898

تلك الحقبة الزمنية ما كان "الإسلام العربي" ظاهرة خطيرة، بل كنا نتوسله ضد الاستعمار، أمّا اليوم وبعد كل ما حصل يجب القضاء على الأساطير. . . ترى هل أن "الإسلام العربي" هو جزء من صميم شخصيتنا أم لا؟ أنا أقول: لا، ومجرد النفي هذا ينطوي على إرادة القضاء على تلك التصورات، فبالنسبة إلى المرأة الجزائرية يشكل الإسلام العربي طوقًا لا يحتمل، كما يشكل "التعريب" -لكونه سلاحًا سياسيًا ووسيلة تلاعب بالعواطف- بالنسبة إلينا في الجزائر، جرحًا داميًا نازفًا وآفة، من هنا القول: إن كل ما يتعلق بالإسلام العربي يتطلب توضيحًا، بغية الحد من الأضرار التي يلحقها بنا) (١). ويسترسل في هذه العنصرية الحاقدة والإلحادية الوقحة فيؤكد أنه يجب (الحذر من الأوهام والادعاءات العقائدية الدعائية من أجل العروبة، من هنا تمردي على القول بأن الجزائر عربية. . . لا وجود لعرق عربي، برأي، لذا يجب أن ننفض غبار الغموض، القاتل والمتأتي من تفاعل وتزاوج اللغة والدين: الدين العربي الإسلامي، كلنا مأخوذ وبنسب متفاوتة بهذا المعتقد. . . لقد فرض علينا الإسلام دينا، وذلك في بلد يقول بالاشتراكية نظامًا وهو أمر على جانب كبير من الخطورة. . .) (٢). فهذا والذي قبله يحاربون الإسلام كله في أي مظهر ظهر، وفي أي صورة من الصور: في لغة أو شريعة أو حكم أو منهج حياة، أو سلوك، إنهم كما وصفهم زميلهم الماركسي الجزائري رشيد بوجدره "عرب الخدمات الفرنسية"، وذلك في قوله: (الكلام الذي قاله المؤدب والقاسمي وآخرون ممن عرفوا ككتاب مغاربيين فرانكفونيين، يعد فضيحة حقيقة، يقولون أيضًا

стр. 1899

إن الفرنسية هي لغة التحرر، واللغة العربية هي لغة الدين والعبادة واللاهوت؛ لأنهم يجهلون التراث واللغة والحضارة العربية الرائعة، إن موقفهم يعبر عن جهل وخيانة بل وعن خبث، وليسوا الوحيدين المعروفين بمفهوم "عرب الخدمات الفرنسية" الذين يستجيبون لأيديولوجية تعادي الحضارة العربية الإسلامية. . . إنه وصولية سياسية وإذا أردت أصولية أيديولوجية، وللأسف مثل هؤلاء يعدون أنفسهم حداثيين وتقدميين بالرغم من أن أدبهم يستجيب لمقاييس غير إبداعية، والدليل على ذلك ضحالة وضعف الكثير من الكتابات الأدبية التي يروج لها في الإعلام الغربي. . . عرب الخدمات الفرنسية يجحدون اللغة الفرنسية؛ لأنها تضمن لهم العيش باسم الأدب والصحافة -ثم يتحدث عن كاتب ياسين فيقول- للأسف لقد قال ما يرضي أسياده، وأنا لن أمسح له هذا الموقف، وسيبقى وصمة عار في جبينه، وسياسيًا ياسين يختلف عن الذين ذكرتهم، وسياق مواقفه تختلف من الأدباء المغاربين الذين "أدمنوا" على الانتهازية السياسية، لكنه بدوره يجهل الحضارة العربية الإسلامية، ووقع في فخ الخلط بين الموقف السياسي والمعرفة الحضارية والثقافية والتاريخية، في حين أن البعض "عرب الخدمة" لا يجهلون الحضارة العربية الإسلامية والإبداع الأدبي العربي، لكنهم منافقون لأغراض مصلحية ومادية) (١). وهذه شهادة رجل من أهل الحداثة، ومن الذين تربو على الفكر المادي، بل هو من أجرأ الحداثيين على الاعتراف بالكفر إلى حد أنه يقول: (التدين عندنا خبث) (٢)، ويقول: (أنا الملحد) (٣) ويصرح بأنه يسعى التشكيل اتحاد ملحدين جزائريين يمكنهم الدفاع عن أنفسهم كجماعة، يكفيها شيء من الأقدام والجرأة لتفرض احترامها. . . نحن الأقلية المظلومة يعتري التباعد علاقاتنا مع السلطة خلافًا للمسلمين المؤمنين، فمن السهل أن

стр. 1900

تكون مسلمًا في هذه البلاد، ولكن من الصعوبة بمكان أن تكون ملحدًا) (١). هذا الملحد الماركسي المتبجح يعلن عن خبرة ودراية عن الحداثيين الذين يمثلون -حسب قوله- "عرب الخدمات الفرنسية"، وسوف نجد أيضًا "عرب الخدمات الأمريكية" مثل الصايغ وجبران والريحاني و"عرب الخدمات الماركسية" مثل بو جدرة والبياتي وسعدي يوسف وبسيسو، و"عرب الخدمات اليهودية" مثل أميل حبيبي وسميح القاسم وتوفيق زياد، وكل هؤلاء يشهدون بواقعهم وبأشخاصهم وكتاباتهم على هذه الأوصاف الملازمة لهم. ومن الأسماء الذين نص عليهم رشيد بو جدرة على أنهم من عرب الخدمات الفرنسية: عبد الوهاب المؤدب (٢)، الذي يقول: (لا أعتقد أن التوحيد هو تقدم بالنسبة للوثنية) (٣). ويؤكد في ادعائية فجة أنه لا يتم بلوغ الكمال الإنساني إلَّا بعيدًا عن الضغوط الدينية في سبيل حياة أفضل بين الناس، بفعل منطق لا يحتاج معه الاستعانة باللَّه (٤)، ولما سئل: (هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم قال: كلا) (٥). أمَّا عادل ظاهر فلن أنقل من كلامه شيئًا في هذا الصدد، وذلك لكثرته، وبشاعته، وامتلائه بالأكاذيب والجهالات والمغالطات التي يصوغها -

стр. 1901

كما يظن بجهله- في أسلوب فلسفي، وقد تحدث في ندوة دار الساقي في لندن عن "الإسلام والعلمانية" (١) وأطلق أباطيله، ونفث بعض حقده على الإسلام والمسلمين متظاهرًا بالموضوعية والنقاش المجرد، ولكن خبيئة قلبه المريض أبت عليه إلَّا أن يبدي ما استتر، ويظهر ما اختفى، ومثل هذا وأشنع منه وأخبث ما سطره بيده الشلاء في كتابه "الأسس الفلسفية للعلمانية" (٢) الذي أفاض فيه من الأقوال الخائبة، التي ينصر بها الإلحاد والعلمانية، ويحارب بها الإسلام لا في مجال الحكم والتشريع فحسب، بل في كل مجال من مجالات الإسلام، من العقائد والأحكام، والأصول والقواعد، ابتداءً بمحاولة هدم الوحي، والنبوة، وانتهاء بمحاولة هدم التطبيق والعمل المبني على الوحي والنبوة. غير أن كتابته في هذا الكتاب وغيره تتميز بالإسهاب الممل، والغموض والتفكك والالتواء، وعدم القدرة على الإفهام والإيضاح، ومحاولة التفلسف الجوفاء، والبلادة في الأسلوب، وهو ما يذكر بقول الناقد الحداثي حامد أبو أحمد (٣)، الذي يصف فعل الحداثي الذي: (اقتطع بعض أجزاء مفرقة من الكتاب الأجنبي ثم ترجمها مع بعض التصرف أو الاختصار، ثم ربط هذه الأجزاء المبعثرة بطريقة الربط التي شاعت في كثير من الكتب خلال العشرين عامًا الماضية، وهي طريقة يعلم الكافة الآن أن لها خصائص محددة من بينها أنك يا عزيزي القارئ ينبغي أن تضرب رأسك في الحائط حتى تفهم، وإذا لم تفهم فهذا أفضل؛ لأنك في هذه الحالة لن تكتشف

стр. 1902

طرق التزوير التي لجأنا إليها، وستظل تحس بالقصور تجاه هذه العلوم الجديدة التي لا يفهمها إلَّا جنس ثالث من المثقفين، الذين لا يمتون إلى العرب ولا إلى العجم بأية صلة. . .، ومن ثم فليس غريبًا أن يحس القارئ المتخصص بغربة ليتها تشبه غربة المتنبي في شعب بوان، ولكنها غربة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، وأنا حقيقة ما زلت في حيرة من هذه الظاهرة الغريبة: كيف استطاعت ثلة من المؤلفين العرب أن تفرض على الثقافة العربية نوعًا غريبًا من التأليف لم تشهده هذه الثقافة على امتداد تاريخها الطويل؟!. لقد تعامل المؤلفون العرب القدامى مع الثقافة الوافدة تعاملًا يعكس روح الانتصار التي كانت تستشرفها النفوس العربية الأبية، وتحققها على أرض الواقع، أمَّا تعاملنا الحالي فليس إلَّا انعكاسًا لروح الهزيمة المسيطرة على أرض الواقع) (١). إن من يقرأ كتابات عادل ظاهر وأركون وبنيس وأدونيس وغيرهم يجد مصداق هذا القول الذي ذكره أبو حامد، بل يجد أشنع مما وصف. وإذا انتقلنا إلى "عرب الخدمات الأمريكية" فإننا نجد أحد كبار ممثليهم المسمى "هشام شرابي" يقول: (إن الإنسان قادر بمفرده "ودونما حاجة إلى العودة إلى نص ديني أو شبه ديني" على أن يعرف ما الذي ينبغي له أن يقوم به على المستوى السياسي والاجتماعي والقانوني والإداري) (٢). ومن الحضيرة ذاتها: جابر عصفور الذي سبق نقل كلامه في مواطن عديدة، حيث جعل القدر والشرع مهانة للإنسان وإذلالًا له وفرض وصاية عليه، وإيهامًا بالهداية، مع سخرية باللَّه تعالى وشرعه ودينه، وهو بكل هذا يسعى في نسف الأصول الشرعية التي ينبني عليها التشريع الإسلامي، ويسارع في نقض الإسلام ومناقضته (٣).

стр. 1903

أمَّا عزيز العظمة الذي لا يخفى إلحاده، ولا يتوارى بعداوته للإسلام، فإنه قد أكثر من الانتصار للعلمانية الإلحادية خاصة، على طريقة عادل ظاهر، وقد سجل معظم آرائه في كتابه المسمى "العلمانية من منظور مختلف" (١) الذي بسط فيه ما يظنه هدمًا للدين والملة، ونقضًا للحكم والشريعة، ووضع الأسس التي يكون بها ترسيخ العلمانية في الواقع، وعلى كل حال فالكتاب في مجمله وتفصيله يحتوي على الرفض الصريح للإسلام، والرد الواضح لحكمه جملة وتفصيلًا، والسعي لهدم أصول التشريع الإسلامي، ونماذج الحكم الإسلامي ابتداءً بقرون الهجرة الأولى، وفيه محاولات فلسفية مفككة وانتصارات علمانية خطابية، وادعاءات حداثية جوفاء كل ذلك في سبيل نصر اللادينية (٢). ولعزيز العظمة مقالات منشورة في مجلات الحداثة، ومشاركات في ندواتهم، منها ندوة الإسلام والحداثة التي كرر فيها مقولاته الهدامة، حيث تعرض لأصول الفقه واعتبره مجرد أداة لتسويغ الأحكام الشرعية (٣)، وتحدث عن الإجماع على أنه ممارسة سلطانية تسلطية (٤)، وتحدث عن الحج واعتبر شعائره مجرد طقوس جاهلية وأساطير مأخوذة من الجاهلية (٥)، ثم عقب بعد كل ذلك بتقرير أن أحكام الكفر والردة لا قيمة لها في هذا العصر؛ لأنها أصبحت ممجوجة (٦) إلى آخر ما سرده من أقاويل علمانية، حداثية، تدل غاية الدلالة على أن القوم قد تظافروا على رفض أحكام الإسلام. وهو في هذا كله يحاول تقوية أصول العلمانية وبث الحياة في أعجاز نخلها المنقعر، وتشييد بنيانها بلبنات الرماد الكفري الممزوج بسراب الإلحاد والمادية.

стр. 1904

ومن أقوال شعراء الحداثة التي فيها رفض شريعة اللَّه وحكمه والتعدي عليها والتفاخر بمخالفتها ومناقضتها قول نزار قباني المستبيح للزنا: (فكرت أن استولدك قصيدة فكرت في ليالي الشتاء الطويلة أن اعتدي على جميع الشرائع وأزرع في رحمك عصفورًا يحفظ سلالة العصافير فكرت في ساعات الهذيان واحتراق الأعصاب أن استنبت في أحشائك غابة أطفال يحفظون تقاليد الأسرة في كتابة الشعر ومغازلة النساء) (١). ويذكر الخليفة ساخرًا به، متحدثًا عنه على أنه مجرد شهواني متلاعب، ثم يعلن أنه يبصق فوق وجهه ووجه دولته، وفي هذا تعبير واضح عن بغضه ورفضه لحكم الإسلام الذي عرف في التاريخ بأن الخليفة هو رمزه ومحور إنجازه، وفي ذلك يقول: (أدخل مثل البرق من نافذة الخليفة أراه لا يزال مثلما تركته منذ قرون سبعة مضاجعًا جارية روميّة

стр. 1905

اقرأ آيات من القرآن فوق رأسه مكتوبة بأحرف كوفية عن الجهاد في سبيل اللَّه، والرسول والشريعة الحنفية أقول في سريرتي: تبارك الجهاد في النحور والأثداء والمعاصم الطرية يا حضرة الخليفة أعبر من سرادق الحريم كالمنية. . . أدخل مثل الموت من نافذة الخليفة. . . أبصق فوق وجهه وفوق وجه الدولة العلية) (١). أمَّا أحمد دحبور فإنه يعترض على حكم اللَّه تعالى في رجم الزانية، ويدافع عن رذيلة الزنا من خلال دفاعه عن ما يسميه "العاشقة" فيقول تحت عنوان "ماذا تغني العاشقة": (من ضفائرها تسحب العاشقه رحمة، رحمة ويطوف بها الراجمون يد اللَّه فوق الأنام ويحتفلون بأمر من اللَّه.

стр. 1906

ثم يجاء لسيدنا بالغلام المخلد حتى إذا ما قضى وطرًا منه ألقى على رأسها حجرًا ومضى، طاهر الثوب واليد حقل من النفط يمتد بين عباءاته والهدى رحمةً، رحمةً ويمر وزير الهبات فيثني على بارئ الكائنات بما هو أهل رحمة، رحمة، رحمة ثم يندلق الموت يختلط النفط بالدعوات ولا ضوء في الداجيات هي الحكمةُ الظلمةُ الأمةُ الموت والعلم الأمريكي. . .، (١) لم يبق إلَّا. . .، (٢) وتصعد من هوة الرجم قبره فيفيق على صوتها شاهدان ومقبرة وتطير فيشهدها الخلق: من جرحها البرق

стр. 1907

في صوتها الحق والحزن بين علاماتها الفارقه. . . . . . بيت المال يرفل بالحلال ويشعل النفط المبارك للجواري الصالحات نقود سيدنا فيوقدن الشموع لليلهِ حبًا ويرفع بئره نخبًا فتسقط جمرة من عامه الهجري حيث يموت أربعة من الأطفال حرقًا. . . . . . هكذا يخسف المتنبي ويحذف من شرعة المؤمنين الحرام هكذا، ركعة تجفل القدس منها وينشق عنها كتاب الصلاة فيختلط النفط بالدعوات ولا ضؤ في الداجيات. . . . . . لماذا أصلًا تنقلب الأحلام إلى بقرات؟ ثم لماذا لا نتجول في الممنوع فنسأل عن أسعار النفط وختم الجوع وندخل كل القاعات المضروبة بالشمع الرسمي الأحمر. . . . . . الأرض بساط اللَّه. بساط اللَّه الآن يحاط بجيش اللَّه الأمريكي فمن جهة بالنار ومن جهة بصلاة العار

стр. 1908

وخلفهما حكم عدل يتساقط عدلًا فاستغفر، واختر أحد الموتين أو ارحل، دون وطن) (١). وهي مقطوعة طويلة انتخبتُ منها ما يناسب الاستشهاد، وقد ملأها بالسخرية باللَّه تعالى ودينه وشريعته ومزج ذلك -تهكمًا واستخفافًا- بالنفط، إشارة إلى هذه البلاد التي تحكم محاكمها على الزناة بالحد الشرعي، وألصق كل ذلك بالأمريكان، حسب التفكير اليساري أيام كانت دولتهم الناصرية وأمها السوفيتية، فكان المثقف اليساري الذي يريد إثبات يساريته لابد أن يذم عدوه بالعمالة للامبريالية والأمريكان، واليوم وبعد أن تغيرت الأمور، واستطار شأن اليهود والأمريكان نراهم يهرعون للعق موائد الامبريالية التي طالما اعتبروها عدوة الشعوب، مثيرة الحروب، واعتبروها سبة لا يعادلها سبة؛ ولذلك نادى دحبور في هذه المقطوعة بعد أن سبّ اللَّه تعالى وتقدس، فقال: (بساط اللَّه يحاط بجيش اللَّه الأمريكي. . .) (٢). ثم قال بعد ذلك: (يا أعداء العلم الأمريكي اتحدوا) (٣). وعلى أية حال فإن العداوة لدين اللَّه وشريعته تقتضي أن يكون المعادي لها والرافض لتطبيقها قد انتمى إلى عقيدة أخرى، ارتضى منهجها وقبل حكمها، ودعى إلى سبيلها المظلم، أيًا كان هذا المنهج أو الحكم أو السبيل، فما دام أنه ليس منهج الإسلام ولا حكم اللَّه ولا سبيل المؤمنين، فليس إلَّا الضلال والردى، بأي اسم تسمى، وبأي شعار ظهر، وإلى أي دولة أو مذهب أو فلسفة انتمى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ

стр. 1909

(٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ (١). ويقول علاء حامد مؤسسًا قاعدة إلحاده: (نحن الحقيقة وما عدانا هو الوهم، نحن الحقيقة والحقيقة نحن، وطالما أن اللَّه حقيقة، فلسنا سوى اللَّه، الأمطار دموعه، والريح زفرته، والغضب بواكينه، والعلم عقله، والإنسان وسيلته، والسلطان رغبته، والكون سلوته. وإذا كان اللَّه والإنسان واحد [كذا] لا يتجزء فلماذا يعجز الإنسان عن المعرفة الكلية؟!) (٢). وهذه القاعدة الإلحادية المتمثلة في تأليه الإنسان هي أساس رفضهم للدين، وردهم لحكم رب العالمين، واعتناقهم للمناهج الأرضية، وتقديسهم للأحكام البشرية. وعلى هذه القاعدة جرى علاء حامد في غيه الإلحادي، فراح يسوق اعتراضاته الجاحدة، وانتقاداته الساخرة لأحكام شرع اللَّه، فاعترض على قضية الميراث وزعم -جهلًا وادعاءً- أنها كانت قبل الأديان ثم قامت الأديان بترجمتها توجمة غير أمينة (٣)، واعترض على الوصية في التركة (٤)، ودعا إلى المساواة المطلقة بين الرجل والأنثى (٥)، ودعا إلى نبذ الزواج والمعاشرة الزوجية التي سنها الدين ونظم أمورها (٦)، واعتبر العقوبات الشرعية في قطع السارق ورجم الزاني المحصن وقتل القاتل عقوبات قاصوة عن النظرة الحديثة التي يجب أن تسود (٧)، وتهكم بأحكام الحجاب وبالمتحجبات (٨)، وشرع يصف الأديان -ويقصد الإسلام- بالعجز والقصور

стр. 1910

والتبدل فقال: (إن أحكام الأديان ليست سوى قطع شطرنج على مربع الحياة يُمكن في أي وقت من الأوقات استبدالها بصيغة أكثر نضجًا واتساقًا مع العصر) (١). ثم قال: (شرائع الأديان أصبحت الآن في أغلبها كسيحة عن ملاحقة التطور المذهل للبشرية) (٢). ومثله نوال السعداوي في روايتها "سقوط الإمام" المليئة بالانحرافات الكفرية، فيما يتعلق باللَّه تعالى ورسله واليوم الآخر، وقد سبق نقل أشياء من ذلك، أمّا ما يتعلق بأحكام الشريعة فقد اتخذتها هدفًا لسخريتها، ورفضها وردها، بدأ من سخريتها بالإمام الذي تصوره في صورة هزلية هابطة، وتجعله مرة الحاكم والخليفة، ومرة تصفه بأنه هو اللَّه (٣)، تعالى اللَّه وتقدس. وتتحدث عن بعض أحكام الشرع ساخرة هازئة مثل حديثها عن الرجم (٤) والختان (٥)، والوضوء والصلاة (٦)، والحجاب (٧)، والسخرية بكل أحكام الشرع (٨)، وبتطبيق الشريعة مع مخاطبة دنيئة للَّه تعالى (٩). أمّا شوقي عبد الحكيم (١٠) فإنه يجعل أحكام الإسلام ضمن الأساطير

стр. 1911

والخرافات، حيث جعل سيادة الرجل على المنزل وعلى المرأة خرافة (١)، وجعل الميراث خرافة (٢)، وكذلك الشعائر العبادية الاستعاذة والرقى والطهارة وأحكام الحيض (٣)، وجعل السعي بين الصفا والمروة من شعائر الجاهلية ومن الخرافات (٤)، وكذلك الختان (٥). وبالجملة فالقوم قد استهدفوا أحكام شرع اللَّه تعالى بالرفض والرد والهدم، لكي يتمكنوا من إقامة شرائع جاهلياتهم المعاصرة، ومناهج ضلالاتهم المظلمة. الأمر الثاني: زعمهم بأنه لا حكم في الإسلام: ففي سياق حربهم المستعرة ضد الإسلام وأحكامه وعقائده وحضارته، نصبوا أحابيل التلبيس، ووضعوا شرك التدليس، بحثًا عن أي ثقب يعينهم على تضليل أبناء المسلمين وغسل عقولهم، وإخراجهم من دينهم. ومن ذلك أنهم يظهرون في مسرح المحترم للدين، فيدعون مرة أنهم يريدون تنزيهه عن النزول إلى ألاعيب الحكم والسياسية، ويدعون أخرى أنهم عارفون بالدين، مطلعون على حقيقته، وأنهم قد تبين لهم أن دين الإسلام ليس فيه إشارة للحكم أصلًا، وليس فيه أحكام دولة وسياسة ونظام حياة، بل هو مجرد عقائد بحتة وأخلاق، وهو في أحسن الأحوال -عند بعضهم- علاقة بين الفرد وربه، يحدد الفرد بنفسه نوعية ومكان وزمان هذه العلاقة بالكيفية التي يريد. وبما أنهم قد استنسخوا عقائدهم الحداثية والعلمانية عن أسيادهم الغربيين، الذين ورثوا ثمرات الصراع الطويل بين الكنيسة والعلم، والكنيسة

стр. 1912

والإنسان والحياة والتقدم، فما كان أمامهم إلَّا أن يحاربوا الدين كله، سعيًا لإسقاط هيمنة الكنيسة الظالمة الجاهلة المحرفة، وإسقاط تسلط أرباب الدين الظلمة، ولكنهم لم يكتفوا برفع الظلم عن أنفسهم من خلال تبيين الحقيقة على وجهها ومعرفة الدين الحق، أو من خلال رفع مظالم الرهبان والقساوسة، بل اتجهوا بكل عنف وقسوة وطيش لهدم الدين كله، ونفي الألوهية والربوبية، وتأليه الإنسان. ولما أخذ أبناء المسلمين عنهم في هذا العصر ما أخذوا من عقائد وأفكار، أخذوا هذه القضايا، ونقلوا حلقات الصراع بين الكنيسة والعلم والعقل والإنسان، وأحداثها الدامية الطويلة، نقلوها إلى الإسلام دين العلم والعقل واحترام الإنسان، والذي لم يكن يومًا مّا ضد أي شيء من هذه القضايا، بل كان لها راعيًا وحافظًا وحارسًا وحاميًا. ولكن الحقد الذي انغرست بذوره في قلوب وعقول المستطرقة عقولهم من أبناء المسلمين، أبت إلَّا أن تنبت ثمار الشنآن فأصبحوا كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ (١). فإذا ذكر هيجل أو نيتشه أو ماركس أو سارتر أو سيبنوزا إذا هم يستبشرون، وإذا ذكر اللَّه تعالى أو رسوله ﷺ أو أصحابه أو علماء المسلمين أو مصطلحات الإسلام أو مضامين الإيمان إذا وجوههم مظلمة كأنما أغشيت قطعًا من الليل مظلمًا. وقد شاهدت ذلك ورأيته رأي العين في كتبهم ومجلاتهم وفي مجامعهم وأنديتهم، وما ذاك إلَّا لتأثير العقيدة الضالة في قلوبهم. فالفكر عندهم ما قاله الغرب أو تلامذته من طه حسين والطهطاوي حتى عشماوي وعصفور وأدونيس، فإذا دار الكلام عن هؤلاء وأضرابهم وأشباههم بل وحتى أتباعهم من فروخ الحداثة الصغار؛ سموا ذلك الكلام

стр. 1913

فكرًا وأدبًا وحوار مثقفين، وندوة فكرية، وأمسية نقدية أو أدبية. وإذا جيء بقول اللَّه تعالى أو كلام رسوله ﷺ أو كلام أحد من علماء المسلمين أو مفكريهم قالوا هذه خطابية ووعظ، وكلام مدرسي، وإنشاء مدرسي، وربما قالوا: هذه أصولية وتطرف وإرهاب!!!. كل ذلك لأن القوم قد أشربوا العجْل الحداثي وتعلقوا بالسامريّ العلماني، وأقعوا عاكفين عليها، حتى أصابتهم الذلة في عقولهم وقلوبهم فأصبحوا يرون الحق باطلًا ويسعون لحربه واجتنابه، ويرون الباطل حقًا ويسعون لنشره واتباعه وتكثير سواد أتباعه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ (١). وقد بدأت دعوى: أنه لا حكم في الإسلام من بدايات الاتصال بالغرب، اتصال التلمذة والشعور بالنقص، والتبعية المفعمة بتقليد الغالب المسيطر، حيث عاد المنهزمون إيمانيًا وفكريًا ليطرحوا فكرة عزل الدين عن الحياة على أساس أنها هي قاعدة التقدم والنهضة والرقي والازدهار!! حسب ما شُبَّه لهم، وحسب ما تلقنوه في الغرب، أو ما وصل إليهم من خلال المبتعثين والصحف التي كان يسيطر عليها نصارى الشام ومصر، من موارنة وأقباط. وحيث إن هذه الطلائع في جو لا يسمح لها بإنكار الدين كله ومحاربته والسعي للقضاء عليه، أو لأنهم ما زالت عندهم بقية من اعتراف بالدين بصورة ممسوخة مجزوءة، فإنهم لم يعلنوا الحرب الشاملة عليه، كما هو حال العلمانيين اليوم. ولذلك طرحت طلائع العلمانية فكرة أنه لا حكم في الإسلام، وكان من أبرز من دعا إلى ذلك رفاعة الطهطاوي، وعلي عبد الرازق (٢)، وخير

стр. 1914

الدين التونسي (١)، وغيرهم ممن عجن في معامل فرنسا وبريطانيا، ثم استمدوا قوتهم في ظل الاستعمار، وتمدد فكرهم بهدوء وفعالية تحت هيمنة وحماية الانتداب البريطاني خاصة، الذي مد نفوذه إلى التعليم والإعلام والسياسة. حتى تخرج في معامل التفريخ التغريبي جيل بل أجيال لا تشك في بعض قضايا الإسلام كالحكم والتشريع، بل تشك وتجحد وتضاد الإسلام كله جملة وتفصيلًا. لقد كانت "مدرسة المعلمين العليا" (٢) -مثلًا- إحدى المؤسسات المكملة للتخطيط الدنلوبي الإنجليزي، وأحد المراحل الأولى للعلمانية المرسومة بعناية من قبل الغرب في مخططهم طويل الأمد المضاد للإسلام، ولقد كانت الحركات القومية والروابط الأدبية والمجامع الثقافية المهجرية، وغير المهجرية تقوم بالدور ذاته. ولقد كانت الصالونات الأدبية المرعية من الدولة البريطانية ذات أثر بالغ ونفوذ كبير في احتضان فراخ الغرب وتخريجهم (٣) ليكونوا عينًا وأذنًا

стр. 1915

للغرب، وعقلًا مستعارًا لأفكاره ومناهجه ومبادئه، وليكونوا في الوقت ذاته عدوًا وحزنًا للأمة ودينها ومقومات نهضتها وحياتها. ولقد وصل نفوذهم إلى الأزهر، وإلى من ينتسب إلى العلم والدين فأصدروا الفتاوى العجيبة في تبرير القوانين الوضعية، وتسويغ الحكم الجاهلي، والدفاع عن الحكومات الكافرة التي تتحكم في رقاب وبلاد المسلمين (١). نعم لم يكن الأمر في أول نشأته محاربة للدين بصورة مكشوفة، فقد كان المخطط البريطاني يقتضي عدم استفزاز مشاعر المسلمين بالمعارضة الجريئة أو المواقف الفاصلة ضد الدين، كان يمشي على الأسلوب الإنجليزي المعروف (بطيء ولكنه أكيد المفعول) (٢). ولكن جوهر عملهم كان يرتكز على وضع نقطة صغيرة هي"الحضارة الغربية" بجانب المرتكز الأول والوحيد الذي هو "الإسلام" ثم الدعوة إلى تلك النقطة الصغيرة وتسمينها قليلًا قليلًا، حتى تكبر وتضخم، وتصبح نقطة ارتكاز ثانية في حياة المسلمين إضافة إلى الإسلام، ومع التضاؤل التدريجي المدروس والموجه ضد الإسلام الذي "كان" نقطة ارتكاز وحيدة، يتعاظم شأن النقطة الثانية ويستعلي شأنها، من خلال ما يضخ لها من عوامل القوة والدعاية والإمداد المادي والمعنوي، حتى يأتي وقت تصبح فيه تلك النقطة الضئيلة هي نقطة الارتكاز الرئيسة، وتصبح نقطة الارتكاز الضخمة السابقة نقطة جانبية تكاد تنمحي من الوجود. لقد استغرقت عملية الانتقال التدريجي ما يقرب من قرن من الزمن، ولكنها عملية مستمرة لا تتوقف، بل تتوسع على الدوام (٣). وما نراه اليوم من تفاقم الانحراف، وانتفاش العلمانية وانتفاخ الإلحاد والفساد، والمجاهرة بذلك والحماية له ليس إلَّا حلقة في سلسلة الانحراف

стр. 1916

والتغريب الذي، بدأ ضئيلًا صغيرًا، وكبر حتى أصبح أعظم فتنة تواجه المسلمين في هذا العصر. وعلى الرغم من أن عباد الغرب وشياطينه تصوروا أنهم قد تجاوزوا مرحلة التلبيس والشبهات، إلى مراحل الهجوم الثوري الهدام المدمر الموجه مباشرة إلى الإسلام، جحدًا ورفضًا وردًا ومناقضة علمية وعملية؛ إلَّا أنهم فوجئوا بقوة الصحوة الإسلامية، وأثرها وامتدادها الفعال والمؤثر، فعادوا إلى أسلوبهم القديم في التشكيك وإثارة الشبهات والأقاويل عن الإسلام، من داخل الإسلام، وما حديث الحداثيين والعلمانيين اليوم والذي يسترجعون فيه أصول الحكم لعلي عبد الرزاق وأقوال الطهطاوي والتونسي (١) إلَّا من ضمن هذا المخطط التغريبي التخريبي. ومن هذا المنطلق استعاد العلمانيون والحداثيون أكل قيئهم القديم، والذي من ضمنه زعمهم بأنه لا حكم في الإسلام. وفي كتاب "رأيهم في الإسلام" الشواهد الكثيرة على هذا، يقول عبد الرحمن منيف: (لا يسعنا تصور مجتمع قائم على أسس دينية في زمننا الحاضر، فالدين بات مسألة شخصية) (٢). ولما سئل هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟. أجاب: (. . . يبقى على الإسلام كثقافة وحضارة ومجموعة قيم أن يساهم في إغناء المجتمع بمعالم جديدة قد تزيده إنسانية، من هذا المنطلق يُمكن للدين المشاركة في إعادة بناء وتنظيم المجتمع، بشرط أن يستند هذا

стр. 1917

التنظيم إلى ركائز علمانية، على ضوء مقتضيات العصر) (١). ولما وجه هذا السؤال إلى يوسف الخال أجاب بسؤال خبيث قائلًا: (هل أن أحكام الشريعة إلهية أم من صنع البشر وبالتالي تحتمل التطوير؟، وفي معرض هذا الاستفهام توقفنا مسألة أخرى: هل القرآن منزل حرفيًا أم أوحي به معنى وروحًا، كما هي الحال بالنسبة للدين المسيحي) (٢). وأجاب أميل حبيبي على السؤال نفسه بقوله: (لو كان في الشريعة الإسلامية أحكام كفيلة بإنشاء وإدارة دولة عصرية لتحقق الحلم، وفي الواقع لم يتحقق) (٣). أمَّا البياتي فيقول: (الإسلام كما غيره من الأديان، حضارة وثقافة ولا يسعه فرض نهج حياة أو نظام سياسي معين. . . العدالة الإلهية في القرآن والإنجيل هي عدالة العالم الآخر، فلما (٤) استعجال تطبيقها في عالمنا الأثيم؟ ذاك يتعارض والتعاليم الدينية) (٥). ويجيب آخر على السؤال الآنف الذكر قائلًا: (لا أعتقد ذلك، ولا يُمكنها اعتماد أي دين كان) (٦). ويجيب على السؤال نفسه حسين بن أحمد أمين (٧) بقوله: (لا طبعًا إذا اكتفت الشريعة باقتباس أحكامها من القرآن والسنة فقط) (٨).

стр. 1918

وهو الذي قيل عنه في، الكتاب نفسه بأنه (قال بفكرة مرفوضة لدى الأوساط الشعبية، وأن تقبلتها الأوساط القانونية، تعتبر أن الشريعة -إذا ما درست وحللت دون أفكار مسبقة- ليست إلهية بالكامل وإنّما نتيجة تطور تاريخي لجملة تقاليد وعادات وانتماءات متعددة وأحيانًا متناقضة) (١). أمّا يوسف إدريس الذي وصفه مؤلفا كتاب رأيهم في الإسلام بأن (الصدمات التي أحدثها نضاله العلماني فصدع أوصال الإسلام الرجعي) (٢) أجاب على السؤال المذكور بالنفي القاطع، أي: يعتقد أنه لا يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم (٣). أمّا لويس عوض فيرى أن الإسلام دين علماني!!! ولذلك استطاع أن يتغلب على بيزنطيا (٤). وأجاب على السؤال بقوله: (كلا، فليس لدى الإسلام نظام سياسي خاص) (٥). ويجيب آخر بقوله: (أنا أدعو للدولة العلمانية، التي تبدو أكثر ملاءمة لإدارة مجتمع عصري، بينما يعني الإسلام بعلاقات الفرد مع ربه ومع الغير) (٦). ويجيب آخر بكلام مائع متردد مؤداه أنه لا حكم في الإسلام (٧). أمَّا أركون فإنه لا يفارق ضبابية التعبير والكتابة وعماياتها فيقول: (بينما تنطلق الدعوة لتطبيق الشريعة اليوم من مفاهيم الإسلام الدينية والفقهية الحقة) (٨).

стр. 1919

وقبل ذلك يقول: (إن استجابت (١) محاولات أسلمة المجتمع، حاليًا، عن طريق تطبيق الشريعة لحاجات أدبية وسياسية، فيعوزها التقصي عن واقع الفقه الإسلام عبر التاريخ) (٢). أي: أن علماء المسلمين وعقول المسلمين من عصر النبوة إلى اليوم لم يصلوا إلى ما وصل إليه أركون الذي تقصى عن واقع الفقه الإسلامي عبر التاريخ!!. ولما سئل هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؛ أجاب: (أرفض هذه الصيغة فالإسلام ليس بنظام حكم لا تاريخيًا ولا عقائديًا) (٣). أمّا رشيد بو جدرة فإنه يعلن أنه ملحد وماركسي ويجيب على السؤال بقوله: (إطلاقًا هذا مستحيل. . . لا أرى كيف يُمكن للإسلام أن يكون نظام حكم، علمًا بأنه لم يكن أبدًا كذلك) (٤). ويجيب أحد زملائه الماركسيين الحداثيين بإجابة اعتقادية بحتة قائلًا: (الدين أفيون الشعوب) (٥). وأجاب على السؤال بقوله: (كلا) (٦). أمّا كاتب ياسين فإن إجابته أصرح في العداوة حيث يقول: (لدينا كل الدوافع لمحاربة العروبة الإسلامية) (٧). وهو بالتالي يجيب على السؤال بالنفي القاطع أن يكون في الإسلام نظام حكم. ومن المغرب أجاب أحد الحداثيين قائلًا: (لا، لم يعد ذلك بالإمكان) (٨)،

стр. 1920

وقال: (العودة لدولة شرعية دينية أضحت مستحيلة) (١). وأجاب عبد الوهاب المؤدب من المغرب بالنفي القاطع، ولما سئل هل النظام الإسلامي للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية! قال: (أخشى أن يكون الجواب نعم، وأتمنى أن يكون لا) (٢). هذا بعض ما جاء في كتاب رأيهم في الإسلام الذي كان موجهًا أصلًا لاستقصاء آراء التلامذة النجباء الذين درسوا في الغرب أو نشأوا على العقائد الغربية، لمعرفة مدى رسوخ عداوتهم للإسلام، ومدى استيعابهم للحقد المبرمج الذي تلقوه ضد شريعته ومنهاجه. الأمر الثالث: زعمهم بأن أحكام الإسلام لا تلائم العصر ولا يُمكن اعتماد الإسلام نظاما للحكم: فمن جهلهم بالإسلام، وتغلغل العداوة في قلوبهم ضده، وانبهارهم بالغرب، واسترقاقهم لمذاهبه وعقائده ومناهجه، أطلقوا أحكامهم الجاهزة، وأقاويلهم الملقنة لهم، دون أدنى تمحيص أو نظر أو تأمل، وفق متطلبات "الإمعية" التي وصفها أبو جدرة بأنها (وصولية سياسية وإذا أردت أصولية ايديلوجية) (٣)، ووصف زمرته من حداثي البلاد المغربية بأنهم (عرب الخدمات الفرنسية). ومثل ذلك يقال عن سائر الإمعات من عرب الخدمات الغربية والروسية. وقد مرّت معنا شواهد من كلامهم في الإجابة على السؤال: "هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟ " وقد أطبقوا على أنه

стр. 1921

لا يُمكن للإسلام أن يكون نظام حكم في دولة عصرية. ويقول عبد الرحمن منيف: (ولست أرى في الزكات (١)، مثلًا، سبيلًا لحل مشكلة الفقر، كما لا أعتقد أن ما راج في فجر الإسلام قابل للتطبيق حاليًا) (٢). ويقول محمود المسعودي من تونس: (. . . يتحتم إدخال تعديلات على أحكام الشرع والتسليم بأن بعض نصوصه تجاوزها الزمن وضروريات الحياة المعاصرة) (٣). ويقول بو جدرة: (الإسلام لا يتفق ودولة حضارية) (٤). الأمر الرابع: الزعم بأن حكم الإسلام سبب للتخلف وعائق عن التقدم وأنه لا تحرر فيه بل هو ضد الحرية: وهذا تابع في المعنى للأمر الثالث، وقد سبقت الشواهد الكثيرة على قولهم هذا عند الكلام عن توحيد الألوهية، وعن النبوة، والوحي، وقد عبر عن هذا المعنى الهابط أدونيس في قوله عن الإسلام وأحكامه: (في أرضنا شبح يتمطى وسرابًا ورملًا ويملأ أعماقنا يباسًا ويملؤها دكنة ومحلًا وفي أرضنا ملل يبدع المقابر وينثرها، عبر أيامنا، أنينًا وعبر خطانا، مجازر) (٥).

стр. 1922

وقد نقلنا في الوجه الأول قوله وقول جبران أنه لابد من هدم الشريعة؛ لأنها تعادي حرية الإنسان الكاملة، وتفتحه المليء (١)، ثم أضاف قائلًا: (فالشريعة هي الإرهاب الإنساني بامتياز، بل إن المجتمع لا يكون طاغية ولا يكون عدوًا للتقدم والحرية إلَّا بالشريعة واستنادًا إليها، إن الطغيان والعبودية من ثمار الشريعة) (٢). ومثل هذا القول الردي كتبه الخال فقال: (. . . مسألة الانحطاط والنهضة والتقدم ارتبطت دومًا، وثيق الارتباط، بمشكلة إخضاع الدنيا للدين والمجتمع للشريعة) (٣). ولما سئل: هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التي برزت في السنوات العشر الماضية منحى إيجابيًا؟ قال: (لا، لا تتمتع بأي وجه إيجابي) (٤). ويصف بحقد نصراني عارم من يدعو إلى نشر دين اللَّه وهديه في الأرض بقوله: (الخبيث الذي يدعي عن غير اقتناع أن الخضوع للشريعة الإسلامية واجب على كل المجتمعات، ويضم هذا التيار عدد من المثقفين لا يستهان به) (٥). وعندما يتحدث البياتي شارحًا رأيه في كتاب رأيهم في الإسلام يقول: (حرية الإنسان لا ترتهن بدين أو عقيدة، فهي أولًا وآخرًا، حرية معتقة مطلقة، وما المدينة المثالية إلَّا حيث يرتع الإنسان حرًا فيبتاع عقائد لخدمة حريته) (٦). علمًا بأن البياتي يدين بالشيوعية، ويعتقد الماركسية ويتبنى العلمانية، وينتمي إلى الحداثة، فلِمَ لم يجعل هذه مضادة لحرية الإنسان مع ما فيها

стр. 1923

من إصر وأغلال جاهلية، أم أن المراد محاربة دين الإسلام وعقائد الإيمان؟ ومن هذا المنطلق أجاب البياتي على السؤال السابق المذكور عند الكلام عن الخال بأن ظاهرة اليقظة الدينية (ليست بالظاهرة الإيجابية) (١). وآخر من حداثيي ونصارى لبنان يقول: (. . . الشعارات، كالإسلام الأصولي (٢)، الوطن، القومية لم تعد تجدي نفعًا) (٣). وآخر من حداثيي المغرب يجيب عن السؤال المتعلق بظاهرة اليقظة الدينية قائلًا: (ليست بالظاهرة الإيجابية، غير أنها طبيعية وعادية، إنها تشكل عاملًا معيقًا للتطور الاجتماعي) (٤). أمَّا جابر عصفور فإنه يعتبر القدر والشرع مهانة للإنسان وإذلال وفرض وصاية وعائق (٥). أمّا نزار فيصوغ موقفه من الشريعة في شكل تفعيلات فيقول: (- إن الجريمة عاطفية - إن النساء جميعهن مغامرات، والشريعة عندنا ضد الضحيه. . - يا سادتي إن المخطط كله من صنيع أمريكا، وبترول الخليج هو الأساس، وكل ما يبقى أمور جانبيه - ملعونة أم السياسة. . نحن نحب أزنافور والوسكي بالثلج المكسر، والعطور الأجنبيه - إن النساء بنصف عقل. . والشريعة عندنا

стр. 1924

ضد الضحيه - كل القوانين القديمة والحديثة عندنا ضد الضحيه) (١). الأمر الخامس: زعمهم بأن أحكام الشريعة بشرية وليست إلهية: على الرغم من جحد أكثرهم لوجود الإله العظيم ﷻ إلَّا أنهم في سعيهم الحثيث لتلويث عقول المسلمين، وإتراعها بالتشويه والتلبيس والمخادعة، وقذف الشكوك في القلوب وغرس الريب مكان اليقين؛ يستعملون أي قضية تخدم مسلكهم ولو كانوا لا يؤمنون بها. وسواء كان جحدهم لألوهية اللَّه تعالى جحدًا كاملًا، أو كان جحدهم لبعض الألوهية أو بعض مقتضياتها، فإن المؤدى واحد، والمصب واحد، إنه المستنقع الجاهلي الآسن. ومن مزاعمهم في هذا الباب قول النيهوم: (فمنذ مطلع القرن الهجري الأول كان الفقه الإسلامي يتلقى علومه بحماسة كبيرة في مدرسة التوراة) (٢). ومن ذلك التساؤل الخبيث الذي أجاب به يوسف الخال عن سؤال وجه إليه عن إمكانية اعتماد دولة عصرية على نظام الحكم في الإسلام قال: (هل أن أحكام الشريعة إلهية أم من صنع البشر وبالتالي تحتمل التطوير؟ وفي معرض هذا الاستفهام تستوقفنا مسألة أخرى: هل القرآن منزل حرفيًا أم أوحي به معنى وروحًا، كما هي الحال بالنسبة للدين المسيحي) (٣). أمَّا حسين أحمد أمين، فيجعل الإسلام عقيدة وشريعة مجرد قيم عادلة جاءت مشوبة بتقاليد البدو، ويصوغ هذا القول في سياق امتداح وتبجيل للإسلام، وهو في الحقيقة ذم وشتم وتنقص، بقول: (لا تحد الإسلام تخوم المفاهيم الدينية، كالدين المسيحي، وإنَّما يتعداها فيطبع الواقع بطابعه

стр. 1925

الحضاري المشوب بالتقاليد البدوية التي حملها معه زادًا من أرض نشوئه، فالإسلام حضارة كما غيرها من الحضارات، يقوم على قيم دائمة عادلة، ومشروعه في هذا المجال فحسب) (١). أي أن الإسلام عنده -وفي أحسن الأحوال- جاء من عند اللَّه، وانتقل إلى الناس مشوبًا بالتقاليد البدوية، أي أنه من صنع البشر، وليس من وحي اللَّه تعالى؛ ذلك ليسقط عنه القداسة، تمهيدًا لإلغائه وإلقائه في ساحة التلاعب العلماني، ثم ليصل إلى القول بأن الإسلام المشاب بالتقاليد البدوية لا يتوافق مع العصر ولا مع الحضارة!!، وهذا ما صرح به قائلًا: (. . . إن عنينا باليقظة عودة لعادات وتقاليد الصحابة فذاك ضعف وعرقلة لكل تقدمية وسبيل للرجعية) (٢). ويعبر حسن حنفي عن هذه العقيدة الباطلة بفتواه العلمانية في أن الحدود الشرعية ليست مطلقة (٣). أمّا نصر أبو زيد فيتلاعب بالمفاهيم قائلًا بأن (الدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيًا في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها) (٤). وهو قول طالما ردده العلمانيون في محاولة التواري لشن الهجوم على الإسلام من داخل الإسلام، فإذا قيل لهم في ذلك شيء قالوا نحن نناقش الفكر الديني، أمّا الإسلام فله قداسته: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٥). ولكن اللَّه أخرج أضغانهم وفضح بواطنهم المظلمة، فها هو أبو زيد لم يستطع الاستتار بمقصده فقال: (وإذا كان الفكر الديني يجعل قائل

стр. 1926

النصوص -اللَّه- محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا نجعل المتلقى - الإنسان بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد) (١). ثم ينفي أن يكون القرآن هو كلام اللَّه تعالى، ويجعل اعتقاد المسلمين بأنه كلام اللَّه المنزل مجرد تبرير ديني لوضع اجتماعي؛ وذلك لأن القائل بذلك: (يضفي على رؤيته تلك قداسة يستمدها من امتدادها التراثي وعبق التاريخ موهمًا أنها الإسلام ذاته) (٢). ثم يرجح قول المعتزلة في خلق القرآن، ثم يصل إلى غايته حين يجعل النصوص الشرعية وما بني عليها وما يستنبط منها مجرد نصوص لغوية، وذلك في قوله: (إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية) (٣). وهنا ظهر المخبوء وتجلت حقيقة نظرته إلى الدين من خلال نظرته إلى نصوص الوحي، فما دامت النصوص عنده لغوية ومخلوقة، فهي مثل أي نص لغوي ومثل أي مخلوق بشري قابلة للمناقشة والرد والرفض، وقابلة للاستمرار والانقطاع، وليس فيها أي قداسة، بل القداسة عنده مجرد وهم مصطنع، يقول: (الآن أصبحنا في موقف يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية، شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة) (٤). ثم يصرح بأن الوحي أصبح بشريًا (صار الإلهي بشريًا أو تأنس الإلهي) (٥). وبناء على ذلك فإنه يجعل "الحاكمية" (٦) التي يقول بها علماء الإسلام ودعاته وأولياؤه مجربى وهم قائم على اعتبار أن الوحي من عند اللَّه، وأن النص الشرعي نص مقدس.

стр. 1927

وعلى هذا الخبط الأعمى والتخرصات الجاهلة بنى أبو زيد وأتباعه مواقفهم المخاصمة والمناقضة للإسلام كله، بل هم قوم خصمون، جاهلون، في طغيانهم يعمهون. ومن ذلك قول علاء حامد في روايته الإلحادية: (نجد أن نظام التوارث هذا سابقًا (١) على صيغ الأديان، وأن الصورة التي رسمتها الأديان ليست سوى ترجمة غير أمينة لما سبقها من تشريعات) (٢). وهذا جهل فاضح، ومحاولة لإيجاد جذور قديمة للإلحاد، وذلك بجعله التشريعات الجاهلية في الميراث أو غيره أسبق من الأديان المنزلة من عند اللَّه تعالى. أمَّا أدونيس فيزعم أن التشريعات من وضع الخليفة، وذلك في سياق حديثه عن تاريخ المسلمين الذي يتجه دائمًا إلى ذمه وإلصاق كل العيوب والنقائص به، يقول: (وضع السيد الخليفة قانونًا من الماء، شعبُه المرق الطين، سيوف مصهورة، وضع السيد تاجًا مرضعًا بعيون الناس، هل هذه المدينة آيٌ؟ هل ثياب الناس من ورق المصحف) (٣). الأمر السادس: قولهم بوجوب فصل الدين عن الدولة وعن الحياة؛ لأن الدين -عندهم- شأن شخصي؛ ولأنهم يعتقدون أن إخضاع الدنيا للدين مشكلة وكارثة: وهذا في الحقيقة من الدعاوى المجردة، والمزاعم التي يحاولون بثها وترسيخها على أنها حقيقة قاطعة، ومسلمة يقينية ثابتة، مع أن النصوص الشرعية والأدلة العقلية، واتفاق الأمة كلها في مختلف أعصارها وأمصارها تدلى كلها على وجوب العبودية للَّه تعالى والدينونة له في كل شأن من شؤون الحياة.

стр. 1928

وليس للعلماني إزاء هذه الحقيقة القاطعة إلَّا أحد موقفين: إمّا أن يدعي بأن الإسلام ديانة روحية وقيم خلقية، وعقائد غيبية مجردة ولا ينظم إلَّا علاقة الفرد بربه، ولا علاقة له بما وراء ذلك من أمور الحياة، ومناشط البشر، وهذا من الكذب الجلي، والبهتان المكشوف؛ إذ الأدلة على عكس ذلك تمامًا، وقد علم الناس قديمهم وحديثهم وعالمهم وعاميهم أن الإسلام قد غطى بأحكامه وشرائعه كل أوجه الحياة، وجميع فروع المعاش، وهذا القول فيه تكذيب بآلاف الأدلة القطعية من القرآن العظيم والسنة النبوية، وفيه من الافتراء على العقل والحس والواقع والتاريخ ما لا يخفى على ذي بصيرة وعقل. وإمَّا أن يدعي بأن أحكام الإسلام وشرائعه لم تعد صالحة للتطبيق في هذا العصر، أو أن الزمان قد تجاوزها، أو أن إخضاع الدنيا للدين مشكلة وكارثة، أو أن أحكام الدين قاسية وبشعة ولا تناسب عصر التحرر والانفتاح، وكفر المجترئين على هذه الأقوال مما علم بالضرورة من دين الإسلام، فقد جعل اللَّه إبليس في نار جهنم خالدًا فيها لرده على اللَّه أمرًا واحدًا؛ فكيف بالعلمانيين الذين يردون كل شرائع الإسلام، ويناقضونها، ويستكبرون على اللَّه وعلى دينه؟. يقول المنيف بأن الدين مسألة شخصية، وليس له صفة الشمولية الكونية، ولا يُمكن قيام مجتمع على أساس ديني (١)، ويرى الخال أن الانحطاط والنهضة ارتبطت دومًا بمشكلة إخضاع الدنيا للدين، والمجتمع للشريعة (٢). وينفث النصراني المتهود، الحداثي المناضل في فلسطين!! أميل حبيبي (٣)، أحقاده على الإسلام ونظامه في مواضع كثيرة، منها أنه لما سئل

стр. 1929

عن النظام الإسلامي للحكم وهل هو مرحلة حتمية على الشعوب العربية؟ أجاب: (بالنسبة إلى الدين شأن شخصي، وعند تخطيه هذا الحد يصبح شعارًا. . . نحن العرب في الأراضي المحتلة نرفض النضال باسم الدين) (١). أمَّا كونه يرى الدين شأنًا شخصيًا فذلك من فروع العقائد النصرانية الحديثة، بعد التجديدات العصرية الملحقة بها!!، وله أن يقول ذلك عن دينه المحرف، أمَّا دين الإسلام فإنه أعلى من أن تطوله أيدي الأقزام وأذهان الأنعام، ولكنا نرى أنه يتحدث عن فلسطين وكأنه أحد مالكيها، ويرفض النضال فيها باسم الدين، وهذا واللَّه من التطاول البغيض الذي عم اليوم حتى أصبح النصراني والشيوعي والعلماني والمنافق يتحدث باسم المسلمين وعن ديار المسلمين، ولاشك أن إبعاد الإسلام عن الحرب ضد اليهود هو أعظم وأكبر أهداف اليهود، ولكن هذا الحداثي صاحب رواية "المتشائل" ليس إلَّا أداة في الأيدي اليهودية التي وهبته الجنسية، ولديه جواز سفر يهودي -هو وسميح القاسم (٢) - يتنقل به في الأرض على أنه من مواطني الدولة اليهودية. أمَّا نصر أبو زيد فإنه يرى أن (الدعوة إلى أسلمة العلوم والآداب والفنون دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب إنها دعوة تؤدي إلى تحكيم الفكر الديني الخاضع لملابسات الزمان والمكان والموقف الاجتماعي في مجالات فكرية، عقلية وإبداعية) (٣).

стр. 1930

ويرى البياتي أن العدالة الدينية إنَّما هي عدالة أخروية، وأن استعجالها في عالمنا الأثيم يعارض الدين (١). وهكذا يظهر الماركسي المادي في مسوح المعترف بالدين والمشفق عليه من التلوث والتدنيس، وهو الذي لم يبق جهدًا في جحد وجود اللَّه تعالى وألوهيته والسخرية بذاته العلية وأسمائه وصفاته والتكذيب للوحي والأنبياء. وقد سبق نقل أقوال عديدة من كلامهم في هذا الصدد، كقول أحدهم: (الإسلام كأي دين آخر يجب أن يبقى منفصلًا عن الدولة والنظام السياسي) (٢)، وقول حسين أحمد أمين في أن اليقظة الدينية لا تأخذ أى منحى إيجابي بل تزيد الوضع تفاقمًا ورجعية (٣). وعلى نحو الشفقة الكاذبة التي أطلقها البياتي في القول المذكور آنفًا، يقول النصيري الملحد أدونيس: (كان الدين صلة بين الإنسان واللَّه، فتحول إلى صلة بين الإنسان والدولة، الدين صار جزءًا من مؤسسات الدولة، وبذلك ضمر) (٤). الأمر السابع: القول بوجوب تفسير الإسلام تفسيرًا عصريًا، وتطبيقه تطبيقًا علمانيًا: وهو قول يجري في مجرى المخادعة والتلبيس، وضمن حرب المصطلحات المفاهيم وأحابيل اللُعب العلمانية ضد دين اللَّه تعالى. . فهم يظهرون من خلال هذا القول -أحيانًا- في مظهر من يعترف بالدين ويحترمه ويقدسه، ويريد بقاءه واستمراره، والمحافظة على أثره في الواقع. وبعد أن تلبس الذئاب جلود الخرفان، وتُظهر الأفاعي لين جلدها،
следующие страницы →