← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

النصوص -اللَّه- محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا نجعل المتلقى - الإنسان بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد) (١). ثم ينفي أن يكون القرآن هو كلام اللَّه تعالى، ويجعل اعتقاد المسلمين بأنه كلام اللَّه المنزل مجرد تبرير ديني لوضع اجتماعي؛ وذلك لأن القائل بذلك: (يضفي على رؤيته تلك قداسة يستمدها من امتدادها التراثي وعبق التاريخ موهمًا أنها الإسلام ذاته) (٢). ثم يرجح قول المعتزلة في خلق القرآن، ثم يصل إلى غايته حين يجعل النصوص الشرعية وما بني عليها وما يستنبط منها مجرد نصوص لغوية، وذلك في قوله: (إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية) (٣). وهنا ظهر المخبوء وتجلت حقيقة نظرته إلى الدين من خلال نظرته إلى نصوص الوحي، فما دامت النصوص عنده لغوية ومخلوقة، فهي مثل أي نص لغوي ومثل أي مخلوق بشري قابلة للمناقشة والرد والرفض، وقابلة للاستمرار والانقطاع، وليس فيها أي قداسة، بل القداسة عنده مجرد وهم مصطنع، يقول: (الآن أصبحنا في موقف يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية، شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة) (٤). ثم يصرح بأن الوحي أصبح بشريًا (صار الإلهي بشريًا أو تأنس الإلهي) (٥). وبناء على ذلك فإنه يجعل "الحاكمية" (٦) التي يقول بها علماء الإسلام ودعاته وأولياؤه مجربى وهم قائم على اعتبار أن الوحي من عند اللَّه، وأن النص الشرعي نص مقدس.

стр. 1927

وعلى هذا الخبط الأعمى والتخرصات الجاهلة بنى أبو زيد وأتباعه مواقفهم المخاصمة والمناقضة للإسلام كله، بل هم قوم خصمون، جاهلون، في طغيانهم يعمهون. ومن ذلك قول علاء حامد في روايته الإلحادية: (نجد أن نظام التوارث هذا سابقًا (١) على صيغ الأديان، وأن الصورة التي رسمتها الأديان ليست سوى ترجمة غير أمينة لما سبقها من تشريعات) (٢). وهذا جهل فاضح، ومحاولة لإيجاد جذور قديمة للإلحاد، وذلك بجعله التشريعات الجاهلية في الميراث أو غيره أسبق من الأديان المنزلة من عند اللَّه تعالى. أمَّا أدونيس فيزعم أن التشريعات من وضع الخليفة، وذلك في سياق حديثه عن تاريخ المسلمين الذي يتجه دائمًا إلى ذمه وإلصاق كل العيوب والنقائص به، يقول: (وضع السيد الخليفة قانونًا من الماء، شعبُه المرق الطين، سيوف مصهورة، وضع السيد تاجًا مرضعًا بعيون الناس، هل هذه المدينة آيٌ؟ هل ثياب الناس من ورق المصحف) (٣). الأمر السادس: قولهم بوجوب فصل الدين عن الدولة وعن الحياة؛ لأن الدين -عندهم- شأن شخصي؛ ولأنهم يعتقدون أن إخضاع الدنيا للدين مشكلة وكارثة: وهذا في الحقيقة من الدعاوى المجردة، والمزاعم التي يحاولون بثها وترسيخها على أنها حقيقة قاطعة، ومسلمة يقينية ثابتة، مع أن النصوص الشرعية والأدلة العقلية، واتفاق الأمة كلها في مختلف أعصارها وأمصارها تدلى كلها على وجوب العبودية للَّه تعالى والدينونة له في كل شأن من شؤون الحياة.

стр. 1928

وليس للعلماني إزاء هذه الحقيقة القاطعة إلَّا أحد موقفين: إمّا أن يدعي بأن الإسلام ديانة روحية وقيم خلقية، وعقائد غيبية مجردة ولا ينظم إلَّا علاقة الفرد بربه، ولا علاقة له بما وراء ذلك من أمور الحياة، ومناشط البشر، وهذا من الكذب الجلي، والبهتان المكشوف؛ إذ الأدلة على عكس ذلك تمامًا، وقد علم الناس قديمهم وحديثهم وعالمهم وعاميهم أن الإسلام قد غطى بأحكامه وشرائعه كل أوجه الحياة، وجميع فروع المعاش، وهذا القول فيه تكذيب بآلاف الأدلة القطعية من القرآن العظيم والسنة النبوية، وفيه من الافتراء على العقل والحس والواقع والتاريخ ما لا يخفى على ذي بصيرة وعقل. وإمَّا أن يدعي بأن أحكام الإسلام وشرائعه لم تعد صالحة للتطبيق في هذا العصر، أو أن الزمان قد تجاوزها، أو أن إخضاع الدنيا للدين مشكلة وكارثة، أو أن أحكام الدين قاسية وبشعة ولا تناسب عصر التحرر والانفتاح، وكفر المجترئين على هذه الأقوال مما علم بالضرورة من دين الإسلام، فقد جعل اللَّه إبليس في نار جهنم خالدًا فيها لرده على اللَّه أمرًا واحدًا؛ فكيف بالعلمانيين الذين يردون كل شرائع الإسلام، ويناقضونها، ويستكبرون على اللَّه وعلى دينه؟. يقول المنيف بأن الدين مسألة شخصية، وليس له صفة الشمولية الكونية، ولا يُمكن قيام مجتمع على أساس ديني (١)، ويرى الخال أن الانحطاط والنهضة ارتبطت دومًا بمشكلة إخضاع الدنيا للدين، والمجتمع للشريعة (٢). وينفث النصراني المتهود، الحداثي المناضل في فلسطين!! أميل حبيبي (٣)، أحقاده على الإسلام ونظامه في مواضع كثيرة، منها أنه لما سئل

стр. 1929

عن النظام الإسلامي للحكم وهل هو مرحلة حتمية على الشعوب العربية؟ أجاب: (بالنسبة إلى الدين شأن شخصي، وعند تخطيه هذا الحد يصبح شعارًا. . . نحن العرب في الأراضي المحتلة نرفض النضال باسم الدين) (١). أمَّا كونه يرى الدين شأنًا شخصيًا فذلك من فروع العقائد النصرانية الحديثة، بعد التجديدات العصرية الملحقة بها!!، وله أن يقول ذلك عن دينه المحرف، أمَّا دين الإسلام فإنه أعلى من أن تطوله أيدي الأقزام وأذهان الأنعام، ولكنا نرى أنه يتحدث عن فلسطين وكأنه أحد مالكيها، ويرفض النضال فيها باسم الدين، وهذا واللَّه من التطاول البغيض الذي عم اليوم حتى أصبح النصراني والشيوعي والعلماني والمنافق يتحدث باسم المسلمين وعن ديار المسلمين، ولاشك أن إبعاد الإسلام عن الحرب ضد اليهود هو أعظم وأكبر أهداف اليهود، ولكن هذا الحداثي صاحب رواية "المتشائل" ليس إلَّا أداة في الأيدي اليهودية التي وهبته الجنسية، ولديه جواز سفر يهودي -هو وسميح القاسم (٢) - يتنقل به في الأرض على أنه من مواطني الدولة اليهودية. أمَّا نصر أبو زيد فإنه يرى أن (الدعوة إلى أسلمة العلوم والآداب والفنون دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب إنها دعوة تؤدي إلى تحكيم الفكر الديني الخاضع لملابسات الزمان والمكان والموقف الاجتماعي في مجالات فكرية، عقلية وإبداعية) (٣).

стр. 1930

ويرى البياتي أن العدالة الدينية إنَّما هي عدالة أخروية، وأن استعجالها في عالمنا الأثيم يعارض الدين (١). وهكذا يظهر الماركسي المادي في مسوح المعترف بالدين والمشفق عليه من التلوث والتدنيس، وهو الذي لم يبق جهدًا في جحد وجود اللَّه تعالى وألوهيته والسخرية بذاته العلية وأسمائه وصفاته والتكذيب للوحي والأنبياء. وقد سبق نقل أقوال عديدة من كلامهم في هذا الصدد، كقول أحدهم: (الإسلام كأي دين آخر يجب أن يبقى منفصلًا عن الدولة والنظام السياسي) (٢)، وقول حسين أحمد أمين في أن اليقظة الدينية لا تأخذ أى منحى إيجابي بل تزيد الوضع تفاقمًا ورجعية (٣). وعلى نحو الشفقة الكاذبة التي أطلقها البياتي في القول المذكور آنفًا، يقول النصيري الملحد أدونيس: (كان الدين صلة بين الإنسان واللَّه، فتحول إلى صلة بين الإنسان والدولة، الدين صار جزءًا من مؤسسات الدولة، وبذلك ضمر) (٤). الأمر السابع: القول بوجوب تفسير الإسلام تفسيرًا عصريًا، وتطبيقه تطبيقًا علمانيًا: وهو قول يجري في مجرى المخادعة والتلبيس، وضمن حرب المصطلحات المفاهيم وأحابيل اللُعب العلمانية ضد دين اللَّه تعالى. . فهم يظهرون من خلال هذا القول -أحيانًا- في مظهر من يعترف بالدين ويحترمه ويقدسه، ويريد بقاءه واستمراره، والمحافظة على أثره في الواقع. وبعد أن تلبس الذئاب جلود الخرفان، وتُظهر الأفاعي لين جلدها،

стр. 1931

تتبدى بعد ذلك الحقيقة وتتجلى، حين تسمع أنهم يريدون الإسلام مفسرًا بطريقة عصرية، أو بمنهج "تنويري"، أي أنهم يريدون إسلامًا تتلاعب به الأهواء الكفرية وتتقاذفة الشبهات الضلالية العلمانية، حيث لا يبقى بعد ذلك إسلام ولا إيمان. إنهم بهذه الدعوى يكشفون خبث طواياهم، ولؤم مسالكهم، ولو قال قس نصراني أو كاهن يهودي بأنهم يريدون تفسير الإسلام تفسيرًا يهوديًا أو نصرانيًا؛ لكان هذا القول -رغم بشاعته وانحرافه وكفره- أقرب من قول العلماني والحداثي أنه يريد تفسير الإسلام أو تطبيقه بطريقة علمانية حداثية؛ لأن الملة الحداثية والعلمانية تقوم أصلًا على "اللادينية" فكيف يتفق هذا مع هذا القول؟!. أضف إلى ذلك ما في رصيدهم الخائب من عداوات مستعرة ضد الإسلام، وأحقاد طائشة ضد شريعة اللَّه تعالى ومسعى دائب لهدمه وتشويهه وإبادته، فكيف يتفق هذا مع هذا الطرح السخيف؟!. يقول عبد الرحمن منيف: (يبقى على الإسلام، كثقافة وحضارة ومجموعة قيم، أن يساهم في إغناء المجتمع بمعالم جديدة قد تزيده إنسانية، من هذا المنطلق يُمكن للدين المشاركة في إعادة بناء وتنظيم المجتمع، بشرط أن يستند هذا التنظيم إلى ركائز علمانية على ضوء العصر) (١). ويقول توفيق الحكيم عندما سئل: هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام ونظام حكم: (ممكن، ولكن يتعين اعتماد تفسيرات جديدة تتفق والمفاهيم العصرية، والمؤسف تبني البعض تفسيرات القرون الوسطى للنصوص الدينية) (٢). ويقول لويس عوض: (. . . وإذا تمكن الإسلام من التغلب على

стр. 1932

"بيزنطيا" سابقًا؛ فلأنه كان دينًا علمانيًا أكثر من الدين المسيحي في القرن السابع) (١). ويقول آخر: (أنا أدعو للدولة العلمانية، التي تبدو أكثر ملاءمة لإدارة مجتمع عصري، بينما يعني الإسلام بعلاقات الفرد ربه ومع الغير، لقد تبدل المجتمع وتغيرت أحواله فلم يعد كالمجتمع الإسلامي في مكة والمدينة أيام النبي، يمكن للإسلام وضع المبادئ الأساسية للمجتمع وعدم الاهتمام مباشرة بعملية التطبيق، فمبدأ الزكاة مثلًا لا يمنع من فرض ضرائب بالمعنى العصري للكلمة، إذ أن فرضها سبيل للعدالة الاجتماعية، إحدى مبادئ الإسلام عملًا بالقول بأن البشر خلقوا متساوين كأسنان المشط) (٢). وفي سؤال وجهه مؤلف كتاب "أسئلة الشعر" إلى يوسف الخال، قال فيه: (قرأت منذ فترة كتابًا للأب ميشال حايك يتصور فيه أنه لا يُمكن حل القضية الفلسطينية إلَّا بتنصير المسلمين، على اعتبار أنهم يؤمنون مع المسيحيين بنزول المسيح لتخليصهم، كيف تتصور أنت من وجهة نظر مسيحية شرقية مستقبل القضية الفلسطينية، في الوقت الذي يعتبر فيه كثير من المسيحيين أن قيام إسرائيل هو نبؤة إنجيلية؟) (٣). أجاب الخال قائلًا: (ليس من الضروري أن يتنصر العالم الإسلامي، وهذا غير وارد، لا يستطيع البت فيه إلَّا اللَّه، وكل ما يُمكن قولهم إن الإسلام يجب أن يعاد تفسيره في ضوء معطيات الحضارة الإنسانية الواحدة. . .) (٤). الأمر الثامن: السخرية بأحكام الإسلام: وقد بينا كيف يستخدم أعداء الإسلام السخرية لمحاربة الدين،

стр. 1933

وهدمه، وتدنيسه، وقد ذكرت جملة كبيرة من الشعائر والأحكام في الفصل الأول من هذا الباب، وسوف أذكر هنا بعض الأحكام الشرعية التي أجالوا حولها عبارات سخفهم وسخريتهم واستخفافهم. فمن ذلك كلام نصر أبو زيد عن حرمة الغناء (١)، وعن أحكام الرق والعتق (٢)، وعن حكم أخذ الجزية (٣)، واعتراضه وسخريته بحكم تحريم الربا (٤)، ومسألة ميراث البنات (٥)، واعتراضه على مبدأ لا اجتهاد فيما فيه نص (٦). ويقول النصراني المتهود أميل حبيبي: (. . . ليس كل ما حرمه الإسلام كان منتشرًا في الجاهلية فأين كانت العرب العاربة تجد مثلًا لحم الخنزير؟ كانت صعاليكهم تبحث عن الماء في الفيافي حتى تموت عطشًا، فأين كانت تجد الخمرة؟ ولو وأد العرب بناتهم "في الجاهلية" لانقرضوا. . . . . . حتى يومنا هذا. . . تئد البنين والبنات وتئد المستقبل وهو في الأرحام. . . فأسدلوا على وجوههن البرقع والخمار وحجبوهن جيلًا بعد جيل وحتى يومكم هذا. . . تراثنا هو ما خلفه لنا الفعلة والأكارون لا ما خلفه لنا مدعو الخلافة الأكالون النكارون) (٧). ويقول توفيق الحكيم: (. . . باعتقاد بعضهم أن في اعتماد الإسلام نظامًا يتحقق المجتمع المزدهر كما وُصف في التاريخ، علمًا بأن المجتمع الإسلامي، ككل مجتمع، يقوم على أفراد يتصفون بالقوة حينًا وبالضعف أحيانًا، ويظن الشباب الطالع الداعي لتطبيق الشريعة أن قطع يد السارق يضع

стр. 1934

حدًا للسرقة، هذه الرغبة في العودة إلى الماضي، وحتى إلى العصر الحجري، تتأتى من يأس بالحاضر والمستقبل، وفقدان الجذور الثقافية) (١). ويصف أحدهم حكم القرآن بأنه مفاهيم العصور القديمة، ويصف حكم عبد الناصر بأنه حكم شرعي (٢). أمَّا أركون فإنه يورد قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) ثم يقول: (إنني أنتفض بلا ترو حيال مواقف يستمدها البعض من فكرة وجود حالات فريدة في الإسلام لا تأتلف مع أوضاع أخرى، فيستبيح الجهاد كل الأعمال، أمر لا يُمكن التسليم به) (٤). ويقول أحدهم في كذب وسخرية بالإسلام وأحكامه قائلًا: (تستوقفنا نماذج أخرى كالتمييز بين إسلام الرجل وإسلام المرأة، فالدين يشهد هذا النوع من الانقسام الداخلي، إذ أن إسلام المرأة ينطوي على ممارسات سحرية وعادات وخرافات تتفاعل وسط الأسرة) (٥). ويسرد العلماني المحترق عادل ظاهر في ندوة الحداثة والإسلام جملة من الأحكام الشرعية، وينتقد الذين يرون ثبات هذه الأحكام، ويرى أن ذلك دليل على فساد موقفهم. والأحكام التي ذكرها هي: أنصبة الورثة في التركة، وعدد مرات الطلاق، والحدود المنصوص عليها كحد الجلد، أو قطع يد السارق، أو جلد الزانية، والمحرمات مثل الربا وشرب الخمر وقذف المحصنات والقتل وشهادة الزور (٦).

стр. 1935

ويصور صلاح عبد الصبور القضاء الشرعي في صورة هزيلة، ويجعل الأحكام الشرعية محلًا للتلاعب وذلك في مسرحيته مأساة الحلاج (١). أمَّا نزار قباني فإن كثرة أقواله الساخرة بأحكام الشرع تحتاج إلى حيز كبير من هذا البحث، وتكفي بعض النماذج الدالة على المراد، ويكفيك من شر سماعه!!. يقول نزار في هجومه على الثقافة والتراث وأحكام الشرع: (ثقافتنا فقاقيع من الصابون والوحل فما زالت بداخلنا راوسب من "أبي جهل" وما زلنا، نعيش بمنطق المفتاح والقفل نلف نساءنا بالقطن، ندفنهن في الرمل ونملكهن كالسجاد كالأبقار في الحقل ونهزأ من قوارير بلا دين ولا عقل ونرجع آخر الليل نمارس حقنا الزوجي كالثيران والخيل بلا شوق بلا ذوق ولا ميل. . . . قضينا العمر في المخدع وجيش حريمنا معنا

стр. 1936

وصك زواجنا معنا وصك طلاقنا معنا وقلنا: اللَّه قد شرّع ليالينا موزعة على زوجاتنا الأربع هنا شفة، هنا ساق هنا ظفر، هنا إصبع كأن الدين حانوت فتحناه لكي نشبع تمتعنا "بما أيماننا ملكت" وعشنا في غرائزنا بمستنقع وزورنا كلام اللَّه بالشكل الذي ينفع ولم نخجل بما نصنع عبثنا في قداسته نسينا نبل غايته ولم نذكر سوى المضجع ولم نأخذ، سوى زوجاتنا الأربع أنا طروادة أخرى أقاوم كل أسواري وأرفض كل ما حولي ومن حولي بإصرار أقاوم واقعي المصنوع من قش وفخار

стр. 1937

أقاوم كل أهل الكهف، والتنجيم، والزار تواكلهم تآكلهم تناسلهم كأبقار. . . . تظل بكارة الأنثى بهذا الشرق عقدتنا وهاجسنا) (١). ومن هذا الهجوم السافر على أحكام الإسلام، والسخرية بها وتدنيسها يتبين مقدار ما ينطوي عليه قلبه المظلم من كراهية لدين اللَّه القويم، فهو ينتقد ساخرًا ممارسة الجنس مع الزوجات، ويدعو في مواضع كثيرة إلى الزنا والدعارة والمتاجرة بالأعراض والأبضاع، بل كل دواوينه القذرة تختصر المرأة إلى مجرد أعضاء للجنس والتلاعب الداعر. ومن أقواله الساخرة بأحكام الشرع وعفة المرأة قوله: (حين كنا في الكتاتيب صغارًا حقنونا بسخيف القول ليلًا ونهارًا درسونا: "ركبة المرأة عورة" "ضحكة المرأة عورة" "صوتها، من خلف ثقب الباب عورة" (٢). إلى أن يقول: (خوفونا، من عذاب اللَّه إن نحن عشقنا هددونا، بالسكاكين، إذا نحن حلمنا فنشأنا، كنباتات الصحارى

стр. 1938

نلعق الملح ونستاف الغبارا) (١). ويقول أيضًا: (وحين تصير الحرية مومسًا سرية غير مرخص لها بمزاولة المهنة. . فأنت منفي وحين يقتلونك إذا كنت مؤمنًا. . ويقتلونك إذا كنت مشركًا. . ويقتلونك إذا قلت "أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه" ويقتلونك إذا لم تقلها. . فأنت منفي) (٢). ويقول: (أشهد أن لا امرأةً قد غيرت شرائع العالم إلَّا أنت وغيرت خريطة الحلال والحرام إلَّا أنت) (٣). ولغيره ممن يُسمون شعراء الحداثة ومن كتاب الرواية الحداثية الكثير من هذا القبيل (٤).

стр. 1939

الوجه الثاني من أوجه انحرافاتهم: دعوتهم إلى تحكيم غير الإسلام . وهذه نتيجة حتمية لكل تلك المقدمات الضالة المنحرفة، فمن لم يرضى باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا وبالقرآن والسنة دستورًا، فلابد أنه قد رضي بأشياء أخرى، وهذا هو الواقع فعلًا، وأقرب شيء يستدل به هو انتماؤهم للحداثة، التي تبين بالأدلة الكثيرة القاطعة أنها ملة كفرية مناقضة كل المناقضة للإسلام عقيدة وشريعة. ثم انتماؤهم للعلمانية التي هي في الحقيقة "اللادينية" وافتخارهم بهذين الانتمائين، ودعوتهم إليها، ودفاعهم عنهما، والسعي في نشرهما ونصرهما. ولاشك أن بعض ذلك كافٍ في أعطاء تصور كامل عن مقدار البون الشاسع بينهم وبين الإسلام بل بعض ذلك فيه ما تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا!!. وفيه من البهت المكشوف والكذب المفضوح والعداء السافر للدين، والرد الصريح لعقائده وشرائعه، والاجتراء الكافر، ما يُعلم معه بالضرورة من دين الإسلام أن القوم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، وقد استحق زعيمهم إبليس صفة الخلد في نار جهنم أبد الآبدين؛ لأنه رد على اللَّه أمرًا واحدًا، فكيف بهؤلاء الذين يردون كل عقائد الإسلام وشرائعه، ويسعون في آيات اللَّه معاجزين ويدعون إلى حرب الإسلام جادين عامدين؟. فهذه قاعدة عامة يُمكن من خلالها تصور ما هم عليه من دعوة إلى تحكيم غير الإسلام، بيد أنهم في فروع هذه القاعدة قد تشعبوا إلى شعب كثيرة. فمنهم الداعي إلى الشيوعية الماركسية، المنتمي إليها، أو إلى فرعها الاقتصادي المسمى بالاشتراكية، وهؤلاء كانوا كثرة أيام كانت للشيوعية دولة تحميها وتنشرها، وهي دولة الاتحاد السوفيتي، وقد استمر بعضهم في هذا الاتجاه موقنًا بأنه ماركسي أكثر من ماركس ولينين، ويرى أن تلك التجارب

стр. 1940

المنهارة في روسيا وشرق أوروبا وغيرها ليست إلَّا تجارب خاطئة لفكرة هي في الأصل صائبة (١). ومنهم الداعي إلى القومية العربية (٢)، وأكثرهم ينتمي إلى اليسار، ويعتبر من أدباء الواقعية الاشتراكية، وسبب ذلك أن أكبر الأحزاب القومية مثل الناصرية (٣) والبعثية (٤) وحركة القوميين العرب (٥) تبنت الخط اليساري واتخذت من الاتحاد السوفيتي والصين قبلة لها.

стр. 1941

وكلهم يدعون إلى تحكيم غير الإسلام. ومنهم الداعي إلى الليبرالية (١) الغربية، وهي ذات فروع عديدة في الثقافة والمذاهب الفكرية خاصة، وعلى إثر سقوط الاتحاد السوفيتي وشيخوخة الناصرية، وتآكل حزب البعث وانكساره بعد حرب الخليج، وما تبعها من "استسلام" لليهود باسم السلام، استدبر جملة من الحداثيين والعلمانيين قبلتهم الأولى في موسكو وبكين ووارسو وبرلين، واتجهوا صوب واشنطن ولندن وباريس ومدريد وتل أبيب، وانتقلوا من أقصى اليسار الاشتراكي إلى اليمين الديموقراطي، وكلما ازدادت هيمنة أمريكا واستكبارها، وارتفعت راية اليهود وقويت شوكتهم، ازداد عدد المنتمين إلى هذا الاتجاه الليبرالي الديموقراطي الرأسمالي، وقد نجد في أسماء هذا الاتجاه من كان ماركسيًا قحًا أو قوميًا متعصبًا فإذا به يصبح بين عشية وضحاها ليبراليًا متحررًا (٢)!!. وأيًّا ما كانت الانتماءات والتسميات فإن الكفر ملة واحدة، ويد واحدة

стр. 1942

ضد الإسلام والتوحيد. وسواء صحت نسبة من ذكرت من الأسماء إلى هذا الاتجاه أو ذاك أو لم تصح، فإنه مما لاريب فيه أن صاحبه يدعو إلى تحكيم غير الإسلام، بل وإلى إبطال الإسلام، وإزاحته عن التأثير في شؤون الحياة، وكفى بذلك إثمًا مبينًا. • • •

стр. 1943

الفصل الثالث السخرية من الأخلاق الإسلامية والدعوة إلى الانحلال والفوضى الخلقية إن للأخلاق في الإسلام منزلة عظيمة ودرجة كبيرة، ومكانة سابقة إلى درجة أن النبي ﷺ جعل صاحب الخلق الحسن أكمل الناس إيمانًا، حيث قال ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (١)، وقال ﷺ : "إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة" (٢). وذلك أن التقيد بالأخلاق الحسنة ابتغاء مرضاة اللَّه تعالى يقتضي المصابرة والمجاهدة، وذلك بتحمل مشقة مخالفة الهوى، ومشقة معالجة أمور الحياة الاجتماعية المتقبلة، على أن حسن الخلق لا يغني عن فروض العبادات كما أن الفروض نفسها لا يغني بعضها عن بعض، فأداء فرض

стр. 1944

الصلاة لا يغني عن أداء فرض الصيام، وأداء الصلاة والصيام لا يغني عن أداء فريضة الحج لمن استطاع وهكذا. وقد جعل الإسلام حسن الخلق جماعًا للفضائل كلها، كما جاء في الحديث عنه ﷺ : "البر حسن الخلق" (١) الحديث. والبر هو جماع أفعال الخير، ونعته النبي ﷺ بأنه حسن الخلق. وأخبر النبي ﷺ بأن الخلق الحسن من الأمور التي تجلب الحسنات الكثيرة فقال: "ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، فإن اللَّه يبغض الفاحش البذيء" (٢). وقال ﵊: "ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق الحسن ليبلغ درجة صاحب الصوم والصلاة" (٣). بل أخبر عن نفسه ﷺ بقوله: "إنَّما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" (٤). وهذا القول وحده كافٍ في الدلالة على المنزلة الكبيرة للأخلاق في دين اللَّه القويم، ويُمكن أن تتبين منزلة الأخلاق ودرجتها في الإسلام وبعض أحكامها وأقسامها من خلال ما يلي: أولًا: ما المراد بالأخلاق؟ وما صلتها بالسلوك والآداب ؟: الأخلاق جمع خلق وهو (صفة مستقرة في النفس -فطرية أو

стр. 1945

مكتسبة- ذات تأثير في السلوك محمودة أو مذمومة) (١). فأمَّا استقرار الخلق في النفس، فهو أصل، فإن كان الخلق حميدًا كانت آثاره حميدة، وإن كان ذميمًا كانت آثاره ذميمة. وهذه الصفة المستقرة في النفس قد تكون فطرية جُبل الإنسان عليها، وتكون مكتسبة استفادها من التعلم أو التخلق أو من الاعتقاد أو من المجتمع المحيط به، وهذه الصفة المستقرة في النفس يُمكن معرفتها وقياسها عن طريق قياس آثارها في سلوك الإنسان. وليست كل الصفات المستقرة من قبيل الأخلاق، بل منها غرائز ودوافع لا صلة لها بالخلق، والذي يميزها عن جنس هذه الصفات، كون آثارها في السلوك قابلة للحمد أو للذم، ومع ذلك فهناك بعض التشابك بين الأخلاق والغرائز، فالأكل عند الجوع بدافع الغريزة ليس فيه ما يحمد أو يذم من جهة السلوك الأخلاقي، لكن الشره الزائد عن حاجات الغريزة العضوية أمر مذموم؛ لأنه أثر لخلق مذموم، هو الطمع المفرط (٢). أمّا السلوك الإرادي للإنسان فمنه ما هو أثر من آثار خلق في النفس محمود أو مذموم، كالعطاء عن جود، والإمساك عن شح، والاعتراف عن حب للحق، والإنكار عن كبر، والتحمل عن صبر، ومن السلوك ما هو استجابة لغريزة من غرائز الجسد كالأكل المباح عن جوع، والشرب المباح عن ظمأ، ومنه ما هو استجابة لغريزة من غرائز النفس الفطرية كالسعي في اكتساب الرزق تلبية لداعي الفطرة، والاستمتاع المباح تلبية لطلب النفس، والترويح عن النفس بشيء من مباحات اللهو واللعب ومن السلوك ما هو استجابة إرادية لترجيح فكري، كأن يرى بفكره أن هناك مصلحة ومنفعة في سلوك ما، فتتوجه إرادته لممارسته، وعلى هذا معظم أعمال الناس اليومية في وجوه الكسب، ومن السلوك ما هو من قبيل الآداب الشخصية أو

стр. 1946

الاجتماعية، كآداب الأكل والشرب واللباس والتأنق ونظافة الجسد، وإبداء كل حسن في ذلك احترامًا لأذواق الناس وتكريمًا لهم، ومراعاة لمشاعرهم، وربّما يكون التزام بعض هذه الآداب أثرًا من آثار خلق في النفس محمود. ومن السلوك ما هو طاعة للتكاليف والأوامر الشرعية أو غير الشرعية، وقد تكون هذه الأوامر والتكاليف ملزمة بسلوك أخلاقي، أو ملزمة بأعمال هي من قبيل العبادات المحضة في حالة صدور الأوامر من قبل الشرع، أو ملزمة بأعمال هي من قبيل الآداب، أو ملزمة بأعمال تحقق المصالح والمنافع للناس، ومن السلوك ما هو من قبيل العادات، وقد ترجع إلى موجه أخلاقي أو موجه غريزي، أو موجه تكليفي أو موجه اجتماعي، وقد لا تكون إلَّا مجرد ممارسات عابثة استحكمت بالعادة، ومن السلوك ما هو من قبيل التقاليد الاجتماعية التي تسري في سلوك الأفراد بعامل التقليد المحض أو بقوة التأثير الاجتماعي، وقد تكون هذه التقاليد حسنة وقد تكون سيئة، وبهذا يتضح أن السلوك الإرادي الإنساني له أنواع شتى، فليس كل سلوك مظهرًا من مظاهر الأخلاق في النفس الإنسانية (١). ثانيًا: السلوك الظاهر يدل على الخلق المستقر في النفس: سبقت الإشارة إلى أن الخلق في حقيقته تكوين خاص ثابت في النفس فطري أو مكتسب له ظواهر في السلوك، وهذا يدل على أن السلوك الأخلاقي يدل على الخلق الأصيل الثابت في قرارة النفس، وإن كانت هذه الدلالة ظنية وليست قطعية؛ لأنه قد يكون السلوك الظاهر صادرًا عن تكلف وتصنع أو خوف أو طمع، أو محبة مدح أو خوف قدح، وقد يكون صاحبه مخلصًا يريد تطويع نفسه وترويضها وقسرها حتى تكتسب الكريم ولو لم يكن ذلك من أصل طبعها. فقد يجود الشحيح لغاية في نفسه، فنسمي هذا السلوك عطاءً كريمًا، ولكن صاحب هذا العطاء غير متصف بخلق الجود، وإنَّما ظهر ذلك منه

стр. 1947

تكلفًا أو لطلب المدح أو لدفع القدح، أو يتطبع بذلك ليتحول بالتدريب والعادة إلى اكتساب خلق الجود، ومع ذلك فليس حاله، وإن تطبع كحال المفطور على خلق الجود (١). ثالثًا: ضبط السلوك وتوجيهه نحو الأحسن والأجمل واعتناق مكارم الأخلاق والتزام فضائل الآداب واجتناب الأخلاق الذميمة، كل ذلك من مقتضيات العقل السليم والدين القويم والفطرة المستقيمة . كما أن رذائل الأخلاق وانفراط السلوك وتوجيهه نحو الأقبح والأخبث من الأمور التي تخالف العقل السليم والدين القويم والفطرة السليمة. فأمَّا دلالة الدين على القضية فواضحة غاية الوضوح. وأمَّا دلالة العقل والفطرة فإنه مما يُمكن التمييز به بين الأخلاق الحميدة عن غيرها: التقاء النفوس البشرية على استحسان الأخلاق الحميدة كالأخذ بالحق أو الخير أو الجمال وإن خالف الهوى، وترك الباطل والشر والقبح وإن وافق الهوى والشهوة. وعلى استقباح الأخلاق الذميمة كالأخذ بالباطل أو الشر أو القبح، وترك الحق أو الخير أو الجمال اتباعًا للهوى أو الشهوة، وعلى هذا فيمكن أن يقال على سبيل التفريع بأن الخلق المحمود: صفة ثابتة في النفس فطرية أو مكتسبة تدفع إلى سلوك إرادي محمود عند العقلاء، وعكس هذا في الخلق المذموم (٢). إذن فكل سلوك أو خلق فردي واجتماعي التقت النفوس البشرية مهما اختلفت أديانها ومذاهبها وعاداتها وتقاليدها ومفاهيمها، على اعتباره وتلقيه بالقبول، فهو سلوك وخلق محمود والعكس بالعكس؛ وذلك أن النفوس فطرت على محبة الخلق الجميل وبغض الخلق الذميم، والعقول تدرك حسن الخلق الحسن وقبح الخلق الذميم، ولكنها لا تستقل بالأمر والنهي، أو الوعد

стр. 1948

بالثواب أو الإيعاد بالعقاب، فإن ذلك من حق الشرع الذي جاء بما يوافق العقول والفطر لا بما يخالفها. فمن تفلسف وادعى قبح الأخلاق المحمودة، أو حسن الأخلاق المذمومة؛ فإنه محجوج بالعقل والفطرة والشرع. ومثله في ذلك مثل من يستقبح الماء الزلال ويستحسن البول النجس، أو يستقبح الفاكهة الطيبة الناضجة، ويستحسن العذرة، فإن الفطرة والعقل والشرع على عكس استحسانه واستقباحه. فالعقل يدرك الحسن والقبح فيما هو ملائم للطبع أو مضاد له، فإذا لاءم الغرض الطبع فحسن، كاللذة والحلاوة، وإذا نافره فهو قبيح كالألم والمرارة، وهذا القدر معلوم بالحس والعقل والشرع، مجمع عليه بين الأولين والآخرين بل هو معلوم عند البهائم (١). أمَّا الحسن والقبح المتعلق بالشرع بمعنى كون الفعل سببًا للذم والعقاب أو المدح والثواب، وهل يعلم ذلك بالعقل أم لا يعلم إلَّا بالشرع أم يعلم بهما معًا؟. فهذا محل افتراق وتنازع، والقول الحق في ذلك هو قول أهل السنة والجماعة، وحاصله أن الحسن والقبح يدركان بالعقل، ولكن ذلك لا يستلزم حكمًا في فعل العبد، بل يكون الفعل صالحًا لاستحقاق الأمر والنهي والثواب والعقاب من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه أو ينهي عن نقيض ما أدرك العقل قبحه؛ لأن ما أدرك العقل حسنه أو قبحه راجح ونقيضه مرجوح، بمعنى أن صفة الحسن في الفعل ترجح جانب الأمر به على جانب الأمر بنقيضه القبيح، وصفة القبح في الفعل ترجح جانب النهي عنه على جانب النهي عن نقيضه الحسن، عملًا في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة من صفات اللَّه فلا حكم إلَّا من الخطاب الشرعي ولا أمر ولا نهي إلَّا من قبل الشارع الحكيم، وخطابه

стр. 1949

وأمره ونهيه جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول من تحسين الحسن والأمر به، وتقبيح القبيح والنهي عنه (١). وهذا كله يصدق على الأخلاق التي أمر بها الإسلام لحسنها والتي نهى عنها لقبحها. فمكارم الأخلاق يؤيدها الفكر العلمي ويستحسنها ويحث عليها، ورذائل الأخلاق يؤيد العقل اجتنابها ويستقبحها ويحث على البعد عنها، وهي إضافة إلى ذلك فطرية مغروسة في وجدان الناس، فإنه من المعلوم أن في فطر الناس ميلًا إلى مكارم الأخلاق، ورغبة داخلية في ممارسة كل سلوك تدفع إليه، وفي فطر الناس نفور واشمئزاز من رذائل الأخلاق، ورغبة داخلية باجتنابها واجتناب كل سلوك هو من آثارها، وهي إضافة إلى ذلك وفوق ذلك تعود إلى القاعدة الإيمانية في الإسلام، التي تلزم بطاعة اللَّه في أوامره ونواهيه، وأتي منها التوجيه للعمل بمكارم الأخلاق واجتناب رذائلها وقرنت ذلك بالوعد بالثواب لمن أطاع والوعيد بالعقاب لمن عصى (٢). رابعًا: ارتباط الأخلاق بالأيمان والعبادة للَّه تعالى . إن عقيدة الإسلام ليست مجرد عقيدة قلبية مجردة معزولة في الوجدان، وليست مجرد ألفاظ تردد على الألسن أو تدون في الكتب، وليست مجرد تفكير عقلي أو ثقافة ذهنية فقط، وليست مجرد جهد بدني أو عمل جوارحي فقط، بل هي ذلك كله؛ إذ الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.

стр. 1950

ومن تأمل دين الإسلام وجده -في التقسيم المنهجي أو التصنيفي- يدور حول عدة قضايا هي العقيدة والشعيرة والشريعة والأخلاف، فالأخلاف ربع الإسلام -إن صحت التسمية والقسمة- وهي مربوطة بالعقيدة، موصولة بها، مثل ارتباط الشريعة والشعيرة. ويتبين هذا الارتباط من خلال النظر إلى الإسلام على حقيقته الصحيحة، على أنه وحدة كاملة متشابكة مترابطة لا انفصال بين أجزائها وعناصرها وأقسامها في الواقع، وإن جرى على ألسنة وأقلام أهل الإسلام تقسيمه إلى عبادات وعادات أو عقائد وشرائع وأخلاق، فهذا التقسيم هو من الناحية النظرية التعليمية التصنيفية حيث جرى العرف العلمي على تجميع كل فئة منها تحت كلية من الكليات. وإذا نظرنا إلى أوجه الارتباط بين العقيدة والأخلاق وجدناها تتمثل فيما يلي: ١ - إن العقيدة الإيمانية هي أساس الدين، وأصل كل شيء في ملة الإسلام، فالمصلي يصلي للَّه تعالى مؤمنًا بألوهيته وربوبيته مطيعًا أمر رسوله راجيًا ثوابه في المعاد، وكذلك صاحب الخلق الحسن، يظهر خلقه الحسن في سلوكه راجيًا -في حال احتسابه- الأجر من اللَّه تعالى؛ لأنه يطيع أمر اللَّه الإله الحق، ويقتدي بالرسول الكريم ﷺ ، فهو بذلك يطبق لوازم إيمانه باللَّه ورسوله والوحي والمعاد. ٢ - أن الإيمان باللَّه تعالى يندرج تحت الدوافع الأساسية للأخلاق، بل هو من أعظم الدوافع وأهمها وأقواها تأثيرًا في غرس فضائل الأخلاف وتعهدها وجعلها سلوكًا، وفي النهي عن رذائل الأخلاف. ٣ - لارتباط الخلق بالإيمان نجد أن دين الإسلام يعتمد في غرس الفضائل وتعهدها والنهي عن الرذائل على صدق الإيمان وكماله، كقوله ﷺ : "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (١).

стр. 1951

وقوله ﷺ : "ليس بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله" (١). وقوله ﷺ : "إن الحياء والإيمان قرنا جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" (٢). وقوله ﷺ : "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان" (٣). وقوله ﷺ عن الغدر: "الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن" (٤). وقوله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (٥). وقوله ﷺ : "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" (٦). ٤ - وعلى ما سبق يُمكن القول بأن الإيمان القوي يلد الخلق القوي، وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان أو فقدانه؛ لأن الإيمان قوة مانعة عن الدنايا، دافعة إلى المكرمات، وما أكثر الآيات المبدوءة بقوله

стр. 1952

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبعدها يرد الأمر بالفضيلة والخير والبر أو النهي عن الرذيلة والشر والإثم، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (٣)، وغيرها من الآيات. فالإيمان واتباع منهج الإسلام سلوك إرادي توجبه فضائل الأخلاق، وهو -في الوقت نفسه- يدل ويوصل إلى فضائل الأخلاق، وينهى ويحذر عن وذائلها، والإيمان في حقيقته يستلزم كل الفضائل ويستلزم النهي والمفارقة لكل الرذائل، بل هو كذلك في صميمه إضافة إلى ما يستلزمه ويقتضيه. ٥ - الإيمان في أصله إذعان للحق واعتراف به وانقياد، وهذا عمل أخلاقي عظيم تطلبه النفوس التواقة، بخلاف الكفر فهو استكبار عن الحق ورد له وتعال عليه، وهذه دناءة خلقية عظيمة، تنحط إليها النفوس الرذيئة. ومن هنا يُمكن أن نفهم قول النبي ﷺ : "اكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (٤). فأحسن الناس خلقًا لابد أن يكون أصدقهم إيمانًا وأخلصهم نية، وأكثرهم التزامًا بما يجب على العباد نحو ربهم من عبادة، وأكثرهم التزامًا بحقوق الناس المادية والأدبية، فالأسس الأخلاقية والأسس الإيمانية ذات أصولٍ نفسية واحدة، وإن كانت بعض الأوامر الشرعية تستند إلى محض التعبد لكونها أوامر من اللَّه تعالى، يجب إنفاذها على الوجه الذي أمر اللَّه به كعدد ركعات الصلاة وهيئاتها، ولا يستدعيها أساس أخلاقي منفصل عن

стр. 1953

الإيمان، فيُظن أنه لا ترابط بين هذا وذاك، غير أنها في الحقيقة مترابطة، لكونها عائدة إلى الإيمان وهو في أساسه إذعان للحق واعتراف به وانقياد له، ومن هنا نقول بأن هذه الفصيلة الخلقية توجب القيام بهذه الطاعة من جهة أن اللَّه تعالى أمر بها، إذ الفضيلة الخلقية توجب طاعة اللَّه تعالى لأنه الخالق المنعم المالك الإله الحق المبين (١). وخلاصة القول: أن الإيمان باللَّه تعالى وعبادته مما توجبه الأخلاق الفاضلة، ومن أولى الواجبات التي تفرضها مكارم الأخلاق، وأن الكفر باللَّه ورفض عبادته من أقبح رذائل الأخلاق؛ لأنه إنكار للحق من عدة وجوده: فهو إنكار لربوبية اللَّه تعالى -مع أن كون اللَّه تعالى رب لكل شيء وخالق كل شيء حقيقة قاطعة واضحة تفرض نفسها على كل منصف محب للحق- وهو جحود لألوهية اللَّه واستكبار عن عبادته، وهذا الجحد والاستكبار أشنع الرذائل الخلقية وأخبثها. ٦ - وفي الإسلام ارتباط بين العبادة والأخلاق، ذلك أن العبادة هي كمال المحبة مع كمال الخضوع للَّه -جلَّ وعلا-، والقيام بذلك واجب أخلاقي متحتم، وعدم القيام به كفر ورذيلة أخلاقه شنيعة. والفضيلة الخلقية في العبادة باللَّه تعالى تفرض على الإنسان أنواعًا من السلوك الأخلاقي الراقي منها الإيمان باللَّه؛ لأنه الإله الحق، ومنها الاعتراف له بكمال الأسماء والصفات والأفعال، ومنها شكره على نعمة التي لا تحصى، وطاعة أوامره واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره؛ ذلك أن طاعة من تجب طاعته، وتصديق من يجب تصديقه ظاهرة خلقية يدفع إليها حب الحق وإيثاره، وبغض الباطل واطرحه، والذين يستكبرون عن عبادة اللَّه تعالى محرمون من هذه الفضيلة الخلقية الجليلة، مقارفون لرذيلة خلقية شنيعة هي الاستكبار، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ

стр. 1954

إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (١)، وقال سبحانه عن عبادة الملائكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ (٢). ولو ذهبنا نستقصي الأوامر والنواهي الشرعية فإننا نجدها -إضافة إلى هذا المعنى الأساسي- تشير من قريب أو من بعيد إلى خلق قويم أو تنهى عن خلق ذميم، فالمعاملات كلها قائمة على أساس الحق والعدل ومعلوم أن حب الحق أحد الأسس الأخلاقية العامة، وقائمة على مجانبة الظلم، وهذا مرتبط بالأخلاق أيضًا. ومن تأمل أحكام البيع والإجارة والقرض وأحكام النكاح والطلاق، وأحكام الحدود الشرعية والقضاء، وجدها تدل على هذه المعاني الخلقية أوضح دلالة، وتدل في فرعياتها على فرعيات خلقية كثيرة، بل نجد فيها ألوانًا من الحكمة الخلقية والمقصد الخلقي لا يوجد في غيرها من أحكام القوانين الأرضية الجاهلية. بل إذا تأملنا العبادات الشرعية المحضة مثل الشعائر التعبدية وجدناها تشير إلى معاني أخلاقية، فالصلاة -وهي الركن الثاني- قال اللَّه عنها: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٣) والصيام قال عنه النبي ﷺ : "إذا كلان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم" (٤). وفي فريضة الحج قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥).

стр. 1955

وفي عموم الأمر بالعبادة نجد هذه الروابط الوثيقة بين الخلق والعبادة، ومن ذلك أن النبي ﷺ سأل أصحابه عن المفلس فقال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار" (١). وفي هذا دلالة قوية على أهمية أمر الخلق، وعظم منزلته، فالمتدين الذي يباشر بعض العبادات، ويبقى بعدها بادي الشر، كالح الوجه، قريب العدوان، كيف يحسب إنسانًا تقيًا (٢)؟ ولذلك عده رسول اللَّه ﷺ مفلسًا. وخلاصة القول: أن الأخلاق ذات مكانة عالية، ومنزلة مرموقة ودرجة سامقة في الإسلام، وهي متصلة بوشائج متداخلة مع عقيدة الإسلام وعباداته وأحكامه وتشريعاته وهي مطلوبة من المؤمن، مأمور بها، منهي عن ضدها، موعود عليها بالثواب الجزيل من اللَّه الكريم. وإذا انتقلنا إلى الجاهلية المعاصرة وموقفها من الأخلاق فإننا نجدها تخبطت في شأنها بشتى أنواع التخبط، ومن ذلك: ١ - أنها في جحدها لوجود اللَّه تعالى أو في جحدها لألوهيته وحقه في العبادة والطاعة قارفت أعظم الرذائل الخلقية، وجانبت أعظم الفضائل الخلقية وبيان ذلك في أن الإيمان باللَّه وعبادته أمر توجبه فضائل الأخلاق الفكرية، بل هو أسمى الفضائل وأبرز مظاهر الكمال الخلقي في الإنسان؛ ذلك لأن اعتناق الحق والاعتراف به والتزامه فضيلة خلقية لها مستند من العقل السليم والفطرة القويمة.

стр. 1956

وشكر المنعم بالوجود والحياة والعقل وسائر النعم واجب أخلاقي متحتم، وعدم شكره والاستكبار عليه رذيلة أخلاقية شنيعة، فيها الكبر والكذب والتكذيب وكراهة الحق، والظلم إضافة إلى ما في لوازم ذلك من فساد كبير في الأخلاق والسلوك والعمل. ٢ - أن النفس الإنسانية منذ تكوينها وتسويتها أُلهمت فطرتها إدراك طريق الفجور، وأعظمه وأخبثه الشرك، وطريق التقوى وأعظم التقوى التوحيد والإيمان، وهذا الحس الفطري الذي تدرك به الخير والشر والحق والباطل في بعض أوجهه فضيلة خلقية يسعى المؤمن في تنميتها وتزكيتها، ويسعى الكافر فى تدسيتها ودفنها والهبوط بها ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ (١) فالإيمان باللَّه وبدينه ورسوله أعظم ما يعتنقه المكلف، والكفر أشنع ما يعتنق، وبالإيمان تتزكى القلوب والأعمال والأخلاق، وتشرق حياة الإنسان بالعمل الصالح والخلق القويم، وبالكفر تتدنس القلوب والأعمال، وتظلم حياة الكافر بالعمل الفاسد والخلق الدنيء. ومن نظر في حياة المؤمنين الصادقين وأخلاقهم وأعمالهم، وحياة الكافرين والمنافقين والمشككين وأخلاقهم وأعمالهم، وجد البون الشاسع والفرق الهائل، الذي هو أعظم في سعته من الفرق بين الثرى والثريا، وأكبر في حقيقته من الفرق بين البصل والمسك، وأجلى في ذاته من الفرق بين التراب والجوهر. ومن تأمّل أحوال فلاسفة الأخلاق القدماء والمعاصرين وقارنها أدنى مقارنة مع أحوال الأنبياء وأخلاقهم تبينت له هذه الفوارق، وما ذلك إلّا لما في الكفر من ظلام وتخبط وفساد، وما في الإيمان من نور واستقامة وصلاح. ٣ - أن النظرة المادية التي تسلطت على أفكار فلاسفة الغرب الماديين

стр. 1957

قادتهم إلى اعتبار الإنسان مادة مجودة من الروح وآفاقها، وسلكته في سلك الحيوان. أبطلت تميزه واختصاصه، وألغت تفرده، ونظمته في نظام الحيوانية الهابطة، فهو في نظرهم مخلوق ذو طبيعة واحدة تتحدد بحدود الجسد والغرائز، جسمه هو مصدر طاقته، وغرائزه هي الموجه له، وتصرفاته الغريزية هي عالمه الأوحد. إلغاء كامل وصريح ومتعمد لإنسانية الإنسان، وجحد للحقيقة الروحية والرغبات والأشواق والآفاق، والسلوكيات المنبثقة عنها. مصادرة كاملة لكل القيم العليا في الإنسان: قيم الحق والخير والجمال والحرية والإخاء والحب، وتحويلها إلى مجرد وسائل، أو حيل يحتال بها الإنسان لتحقيق مراداته الغرائزية. ٤ - بناء على هذه النظرة المادية الحيوانية للإنسان أقامت أوروبا سياستها واقتصادها وحياتها الاجتماعية والنفسية بمعزل عن القيم الروحية، وبمعزل عن الأخلاق، وبمعزل عن الدين كله جملة وتفصيلا. وكانت النتيجة هذا الانفلات الرهيب في الأخلاق، والصراع المدمر العنيف، والشد والجذب في داخل النفس والمجتمع بصورة تتلف المشاعر وتمرض الأعصاب وتدمر النفوس وتسحق الإنسان، حتى وصلت حوادث الانتحار والجنون والأمراض النفسية والعصبية إلى درجة لا مثيل لها في تاريخ البشرية، لقد وصلت النظرة المادية للإنسان إلى أنحاء عديدة أصيلة من الحياة العامة، وأثرت في تصورات إنسان الغرب وسلوكه وسائر مناشطه، وظهر تأثيرها جليًا في مجال الأخلاق والسلوك، وكلها تعود إلى التصور الأعور للكيان الإنساني، التفسير الناقص قصير النظر محدود الرؤية الذي جعلوه أساسًا شاملًا لمنطلقاتهم الفكرية والعملية، إنه التفسير المادي الحيواني للإنسان، وبناء عليه تفرعت نظراتهم للإنسان وأعماله وأخلاقه، ومن أظهر ذلك: أولًا: التفسير المادي الذي يقول: إن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث

стр. 1958

عن الطعام، واللهاث خلف الظواهر الاقتصادية، وحصر إنساينة الإنسان في العبودية الخانعة للمال والتأليه الأعمى للمادة، وبناء على ذلك فالاقتصاد -عند الماركسيين أصحاب التفسير المادي-، أو البحث عن الطعام والشراب هو منبع كل عقيدة وتصور، وأساس كل قيمة وسلوك وخلق. وقد تفرع عن هذه النظرية الحمقاء مصائب كثيرة عادت بالبلاء والهلاك على الناس الذين اتبعوها، على أنه يجب ألّا ننسى أن الإطار الفلسفي لهذه النظرية الهابطة مأخوذ من نظرية داروين، وأن المنهج التطبيقي منقول عن هذه النظرية الخرافية مع إضافة فرضيات فلسفية أخرى، ولا يصح أن ننسى مطلقًا أن هناك مصدرًا مهمًا لنظرية التفسير المادي الماركسي يتمثل في التراث اليهودي التلمودي والنفسية اليهودية، المشهورة بعبادتها للمال، وتأليهها للكسب، وحقدها الحارق على البشرية وقيمها وتراثها ومقدساتها. وإذا أخذنا الأخلاق -وهي مجال حديثنا هنا- مثالًا للتفسير المادي الماركسي بخلفياته المادية الداروينية، وخلفياته اليهودية الساعية في الأرض فسادًا؛ وجدنا أصحاب هذا الاتجاه ينظرون إلى القيم والأخلاق بمنظارين: أحدهما: أن القيم والأخلاق ليست سوى انعكاس للأحوال المادية والاقتصادية القائمة في أي وقت من الأوقات، وكل وضع اقتصادي أو مادي قائم هو الذي ينشيء كل ما يتعلق بالدين والأخلاق والأسرة، وكلما تغيرت الأوضاع الاقتصادية المادية تغير الدين والأخلاق. يقول فردريك إنجلز: (إن الناس عن وعي أو لا وعي يستمدون مفاهيم الأخلاقية -في التحليل الأخير- من العلاقات العملية التي يقوم عليها وضعهم الطبقي، أي من العلاقات الاقتصادية التي ينتجون بها ويتبادلون فيها) (١). وقول مجموعة من العلماء والأكادميين السوفييت في كتابهم الموسوعة الفلسفية تحت عنوان "الأخلاقية" (شكل من أشكال الوعي الاجتماعي

стр. 1959

تنعكس وتثبت فيه الخصال الأخلاقية للواقع الاجتماعي. . .، ويتحدد طابع الأخلاقية بفعل النظام الاقتصادي والاجتماعي، ويعكس مستواها المصالح الطبقية. . .) (١). وعندما ذكرت آنفًا الجذر الدارويني لهذه النظرة المادية الاقتصادية الحيوانية، فإن ذلك لم يكن لمجرد استنتاج من فحوى هذا المذهب، وإن كان الاستنتاج يدل على هذا المقصد بجلاء، بل إن فردريك إنجلز ينص على هذه المرجعية في تلخيص بليد يدل على عته فكري، ويدل على إيمانٍ بغيبٍ مّا، وإن كان هذا الغيب خرافة. يقول إنجلز: (منذ مئات عدة من ألوف السنين كان يعيش في مكان ما من الدائرة الاستوائية عرق من القردة الشبيهة بالبشر بلغت تطورًا رفيعًا بوجه خاص، وقد أعطانا داروين وصفًا تقريبًا لهذه القردة التي قد تكون أسلافنا. . . وقد أخذت هذه القردة -متأثرة بالدرجة الأولى دون شك بنمط- معيشتها الذي يتطلب أن تنجز الأيدي من أجل التسلق غير وظائف الأرجل، أخذت تفقد عادة الاستعانة بأيديها من أجل السير على الأرض واتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية، وهكذا ثم اجتياز الخطوة الحاسمة لانتقال القرد إلى إنسان -وبعد كلام طويل يضيف قائلًا- ينسى الناس أن الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق التي لديهم مثلما أنهم نسوا أنهم قد نسلوا من عالم الحيوان) (٢). ثانيهما: أن الأخلاق وجميع أصولها وأسسها ليست قيمًا ثابتة بل هي نسبية متحولة فلا ثبات لها ولا قدسية، وهذه القضية مبنية على جحدهم أن الإنسان مخلوق للَّه تعالى من عدم، ومبنية على أن التطور أمر حتمي لازم لا فكاك منه مطلقًا، وهذا مأخوذ عن الداروينية. قال علماء السوفييت في موسوعتهم الفلسفية: (ليست القواعد

стр. 1960

والعلاقات الأخلاقية شيئًا يبزغ مرة وإلى الأبد، كما يعتقد المتافيزيقيون، وليست الأخلاقية من محض خلق العقل أو الروح، كما يؤكد المثاليون واللاهوتيون) (١). ويقول إنجلز: (وهكذا فإننا نرفض كل محاولة لإلزامنا بأية عقيدة أخلاقية مهما كانت على اعتبارها شريعة أخلاقية أبدية، نهائية، وثابتة أبدًا، بحجة أن للعالم الأخلاقي أيضًا مبادئه الدائمة التي تنهض فوق التاريخ، وفوق الفوارق بين الأمم. . إنا ننادي على النقيض من ذلك بأن سائر النظريات الأخلاقية قد كانت حتى هذا التاريخ، في آخر تحليل، نتاجًا لأوضاع المجتمع الاقتصادية السائدة في زمنها) (٢). ويقول أيضًا: (منذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة كان لابد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق، فهل يعني أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية؟ كلا أبدًا!، ففي مجتمع أزيلت منه دوافع السرقة. . . لا يُمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين، كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود أن يعلن على رؤوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لا تسرق. ولهذا فإننا نرفض كل طمع بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدي نهائي لا يتزعزع بعد اليوم بذريعة أن لعالم الأخلاق هو أيضًا مبادئه الدائمة، التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية) (٣). هذه أصول نظرتهم إلى القيم والأخلاق في الناحية الفلسفية، أمَّا من الناحية التطبيقية فقد سعت الشيوعية إلى إبادة كل خلق إنساني أصيل باعتباره شيئًا من الفردية المحرمة، أو باعتباره حيلة برجوازية للاستغلال والسيطرة!!

стр. 1961

فالأسرة والزواج -عندهم- من بقايا البرجوازية ومن التصورات اللاهوتية المترسبة، ولذلك دعت الشيوعية إلى الجنس المشاع والإباحية المطلقة، وجعلت ذلك من أهم أهداف الثورة الشيوعية. وقد تبنت الدول الشيوعية عمليًا محاربة الدين وأعلنت ذلك رسميًا وقامت بتدريس الكفر والإلحاد، وبذلت كل الوسائل للتنفير من الدين والأخلاق، واعتبرت أن الحق والعدل والفضيلة والصدق وغيرها من الفضائل الخلقية مجرد هراء، ولا وجود لشيء من ذلك إلّا في أذهان اللاهوتيين والمثاليين!!. واعتبروا بث هذه الأفكار ونشوها عنوانًا للوعي والتقدم والنضال الشريف، واعتبروا أي دعوة للدين أو للإصلاح الأخلاقي أو الاجتماعي علامة تخلف ورجعية يجب على الثورة الشيوعية مقاومة ذلك، ويجب على الثوار المناضلين استئصال أولئك بالقتل والاغتيال. وفي سياق التعصب الشيوعى الماركسي لا يسمح لأي أحد أن يناقش أو ينافس العقيدة الماركسية، ولابد أن تسيطر على كل مناحي الحياة، فالعلم يجب أن يكون أداة لبث الإلحاد، وترسيخ العقيدة الماركسية والأدب والفن لابد أن يكون في بوتقة "الواقعية الاشتراكية" والإعلام يقوم بالدعاية للشيوعية ومشاريعها وشخصياتها، والدعاية المضادة للمخالفين والمناوئين لها. ثانيًا: التفسير الجنسي الحيواني: يعتبر اليهودي فرويد أشهر من تبنى التفسير الجنسي ونشره ودافع عنه بتعصب شديد، ولم يكن فرويد أول من تحدث عن اللامعقول ولا الجانب الشهواني من الطبيعة البشرية، بل هو أظهر من تجرأ فأشار إلى هذه الجوانب، لقد كانت أوروبا تعج بالآراء والأفكار الجنسية الشهوانية (ولم يكن فرويد هو العالم الوحيد الذي كان يبحث في الجنس وقضاياه، بل كان هناك أيضًا العالم الاشتراكي الرائد في علم الجنس هافلوك إليس، ففي العشرينات من القرن العشرين، سقط الاحتشام الفكتوري المألوف، وقد أصدرت الروائية البريطانية إلينور جلن روايتها "ثلاثة أسابيع" حيث روت فيها

стр. 1962

قصة خيالية تدور حوادثها حول مباهج الزنا والتزاني، الأمر الذي لم يكن ليفهمه أو بالأحرى ليتسامح به العهد الفكتوري، وقد لاقت روايتها هذه رواجًا مذهلًا. . .) (١). جاء فرويد في هذا الجو المحموم مدفوع بخلفيته اليهودية الحاقدة (٢) على البشرية، وبمزاجه الساخر بل لقد كان "كلبي المزاج" (٣) و (كان أيضًا دوغماتيًا شديد التزمت) (٤)، وورث عن داروين نظرته القائلة بحيوانية الإنسان، وتوافق ذلك مع خلفياته اليهودية التي تقرر أن ما عدا اليهود هم ليسوا سوى حيوانات في هيئة بشر خلقوا ليكونوا خدمًا لشعب اللَّه المختار!!. تمازجت هذه الأمور كلها في عقلية فرويد فخرج بنظريته الجنسية الحيوانية. أمَّا الدين فكانت معاول الهدم قد توجهت ضده في أوروبا التي فرحت بالخلاص من ضغط وهيمنة الدين النصراني المحرف المليء بالتحريف والسيطرة الظالمة من رجاله، واستفاد فرويد من هذه الفرصة أيما استفادة، فراح ينشر فكرته الجنسية بكل حرية وجرأة بل بكل تعصب وتزمت. رسم فرويد صورة ثابتة لكيان الإنسان على أساس الجانب الحيواني المادي في الإنسان، وتمددت فكرته المدمرة تحت ظل البحث العلمي، وتحت شعار علم النفس!!. ولئن كان ماركس نظر إلى النفس الإنسانية من خلال عالمها الخارجي ومن خلال المؤثرات الخارجية، الاقتصادية بالذات؛ فإن فرويد نظر إلى

стр. 1963

النفس الإنسانية من خلال عالمها الداخلي، ولكنهما وصلا في النهاية إلى نتيجة واحدة في موضوع الدين والأخلاق، واتخذوا التفسير الحيواني للحياة الإنسانية وللإنسان. التقى ماركس وفرويد عند نقطة تسخيف الدين والأخلاق واعتبارهما قيمًا غير أصيلة في الحياة البشرية، وإنّما انعكاسًا لشيء آخر، مادي في أصله وحيواني. بيد أن فرويد كان أفحش وأخبث في تلويثه للنفس الإنسانية والانحطاط بها إلى الحضيض، وذلك من خلال نظريته المسماة نظرية التحليل النفسي (١) حين قرر أن الحياة النفسية للإنسان ليست حيوانية فحسب ولكنها كلها تنبع من جانب واحد، من جوانب الحيوان جانب الجنس، الذي اعتبره العامل المهم بل الوحيد المسيطر على كل تصرفات الإنسان، ويُمكن تلخيص حيوانية فرويد -التي يطلق عليها اسم نظرية التحليل النفسي- في عدة نقاط: ١ - الإنسان ليس مخلوقًا للَّه تعالى، بل هو نتاج الطبيعة، وهو في أصله حيواني. ٢ - الإنسان ليس فيه شيء اسمه الروح بل هو مجرد جسد. ٣ - التكوين النفسي للإنسان على ثلاث درجات بعضها فوق بعض، أولها وأدناها الطاقة الشهوانية وموطنها الذات السفلي وهي طاقة جنسية لها السيادة التامة، ثانيها النفس الواعية التي تواجه المجتمع وتحتك به، وتحاول التوفيق بين الرغبات المتناقضة في داخل النفس، وبين الحقيقة المادية الخارجية، ثالثها الذات العليا، وهذه تنشأ من تلبس الطفل بشخصية والده،

стр. 1964

وحينئذ تنشأ عقدة أوديب كنتيجة طبيعية لحب الولد لأمه حبًا جنسيًا، يحول وجود الأب دون تحقيقه، فيتكون في نفس الطفل نحو أبيه شعور مزدوج من الحب والكراهة في آن واحد. ٤ - عقدة أوديب، محور من محاور نظرية التحليل النفسي عند فرويد وأتباعه، وأصل قولهم بهذه العقيدة، وأختها الأخرى المسماة عقدة الكترا، تلك الخرافة الخيالية التي افترضها فرويد وصدقها، وتبعه على ذلك من تبعه، وملخص هذه الخرافة المستمدة أصلًا من خرافة داروين: أن الأبناء في مطلع البشرية اتجهوا نحو أمهم بدافع الرغبة الجنسية، فوجدوا والدهم عائقًا في طريق رغبتهم فقتلوه، فأحسوا بالندم على قتله، فتعاهدوا على تقديس ذكراه فعبدوه، ومن هنا نشأ الدين ونشأت عبادة الأب التي تحولت فيما بعد إلى عبادة للطوطم، ولما وجدوا أنهم سوف يتقاتلون على الأم قرروا تحريمها على أنفسهم بدلًا من الخصام، فنشأت القيم، وهكذا بقيت هذه الحادثة تطبع البشرية بهذا الطابع منذ ذلك الزمان وحتى الآن، فكل طفل يعشق أمه بدافع الجنس، وكل طفل يكبت ذلك العشق فتنشأ عقدة أدويب نسبة إلى أوديب التي تقول الأساطير الإغريقية، أنه قتل أباه وتزوج أمه دون أن يعلم حقيقة ما فعله. وكذلك الطفلة تعشق أباها بدافع الجنس ثم تكبت هذا العشق فتنشأ في نفسها عقدة الكترا، التي تعني في مدرسة التحليل النفسي تعلق الابنة بوالدها، وشعورها بالعداء نحو والدتها التي تنافسها أو تستبد بالوصال الجنسي مع أبيها، وهذه الرغبة ناتجة عن وعي أو غير وعي في نفس الطفلة، وتسفر عن الشعور بالعداء والبغض للأم كما تؤدي إلى شعور بالذنب نتيجة تضارب عواطف الفتاة. ٥ - من عقدة أوديب والكترا، والكبت الملاصق لهما يقرر فرويد أن الدين والأخلاق والتقاليد والقيم العليا تنشأ وتنطلق من هاتين العقدتين، فالكبت الذي بدأ منذ قتل الأبناء والدهم مستمر لم ينته، ويتحول دائمًا إلى قلق نفسي دائم لا يترك البشرية في راحة، وإنّما اخترع

стр. 1965

الناس الأديان -حسب قول فرويد- لحل هذه المشكلة. ٦ - ومن هذه المنطلقات والتحليلات والتفريعات توجه فرويد نحو الدين والأخلاق والتقاليد والقيم العليا يدنسها ويقذرها في نفوس الناس، ويغمسها في مستنقع الجنس، ثم يخرج حلوله بعد ذلك من المستنقع ذاته يتقاطر منها الجنس المكبوت. ٧ - ينشأ الضمير والأخلاق عند فرويد من قضية الكبت والقمع للشهوات الجنسية، أي أن الضمير والأخلاق ليست موجودة في عالم الحقيقة وإنّما هي خرافة تنشأ بسبب عوامل الكبت والقهر. ٨ - ينفي فرويد كل قيمة خلقية ذاتية؛ لأنه لا يستطيع أن يتصور أن إنسانًا يُمكن أن يتنازل عن متعته من أجل قيمة عليا أو خلق قويم. ٩ - يفسر فرويد الدوافع الإنسانية النبيلة تفسيرات تدنيسية تُذهب جلالها وتطمس ما فيها من خير وإشراق، فهو يعتبر كل ارتفاع خلقي مجرد حيلة لا شعورية لمداراة خسة هابطة، وكلما ازداد الإنسان رقيًا وخلقًا وتطهرًا في الظاهر كان ذلك عند فرويد دليلًا على عمق مشاعر الإجرام والنذالة التي يكبتها في لاشعوره. ١٠ - يفسر كذلك كل العلاقات العاطفية بالتفسير التدنيسي نفسه، فحزن الأهل على ميتهم -مثلًا- ليس شعورًا بالحزن على فراقه، ولكنه مداراة للفرحة الخفية التي يحس بها الأقارب عند التخلص من هذا الشخص الذي يكرهونه ويتمنون موته، والولد يكره والده، والبنت تكره أمها، والزوجة تبغض زوجها وتتمنى له الموت، وليس هذا عنده على مستوى المشاعر الفردية، بل يمتد حتى يشمل الحياة النفسية كلها بين الأفراد والمجتمعات، فالجميع يكبتون مشاعر الكراهية الثابتة في نفوسهم تجاه من يتظاهرون بحبه، وليس في حسابه أي سمو إنساني، ولن يحدث مثل هذا السمو -إن حدث- إلّا بالكبت القهري للنوازع، ولا سبيل عنده لارتفاع الإنسان عن أي رذيلة في سبيل خلق أو قيم عليا أو فكرة قويمة. ١١ - ينكر فرويد جميع المعنويات، وينكر كل حقيقة خارجة عن
следующие страницы →