فالأسرة والزواج -عندهم- من بقايا البرجوازية ومن التصورات اللاهوتية المترسبة، ولذلك دعت الشيوعية إلى الجنس المشاع والإباحية المطلقة، وجعلت ذلك من أهم أهداف الثورة الشيوعية.
وقد تبنت الدول الشيوعية عمليًا محاربة الدين وأعلنت ذلك رسميًا وقامت بتدريس الكفر والإلحاد، وبذلت كل الوسائل للتنفير من الدين والأخلاق، واعتبرت أن الحق والعدل والفضيلة والصدق وغيرها من الفضائل الخلقية مجرد هراء، ولا وجود لشيء من ذلك إلّا في أذهان اللاهوتيين والمثاليين!!.
واعتبروا بث هذه الأفكار ونشوها عنوانًا للوعي والتقدم والنضال الشريف، واعتبروا أي دعوة للدين أو للإصلاح الأخلاقي أو الاجتماعي علامة تخلف ورجعية يجب على الثورة الشيوعية مقاومة ذلك، ويجب على الثوار المناضلين استئصال أولئك بالقتل والاغتيال.
وفي سياق التعصب الشيوعى الماركسي لا يسمح لأي أحد أن يناقش أو ينافس العقيدة الماركسية، ولابد أن تسيطر على كل مناحي الحياة، فالعلم يجب أن يكون أداة لبث الإلحاد، وترسيخ العقيدة الماركسية والأدب والفن لابد أن يكون في بوتقة "الواقعية الاشتراكية" والإعلام يقوم بالدعاية للشيوعية ومشاريعها وشخصياتها، والدعاية المضادة للمخالفين والمناوئين لها.
ثانيًا: التفسير الجنسي الحيواني:
يعتبر اليهودي فرويد أشهر من تبنى التفسير الجنسي ونشره ودافع عنه بتعصب شديد، ولم يكن فرويد أول من تحدث عن اللامعقول ولا الجانب الشهواني من الطبيعة البشرية، بل هو أظهر من تجرأ فأشار إلى هذه الجوانب، لقد كانت أوروبا تعج بالآراء والأفكار الجنسية الشهوانية (ولم يكن فرويد هو العالم الوحيد الذي كان يبحث في الجنس وقضاياه، بل كان هناك أيضًا العالم الاشتراكي الرائد في علم الجنس هافلوك إليس، ففي العشرينات من القرن العشرين، سقط الاحتشام الفكتوري المألوف، وقد أصدرت الروائية البريطانية إلينور جلن روايتها "ثلاثة أسابيع" حيث روت فيها
стр. 1962
قصة خيالية تدور حوادثها حول مباهج الزنا والتزاني، الأمر الذي لم يكن ليفهمه أو بالأحرى ليتسامح به العهد الفكتوري، وقد لاقت روايتها هذه رواجًا مذهلًا. . .) (١).
جاء فرويد في هذا الجو المحموم مدفوع بخلفيته اليهودية الحاقدة (٢) على البشرية، وبمزاجه الساخر بل لقد كان "كلبي المزاج" (٣) و (كان أيضًا دوغماتيًا شديد التزمت) (٤)، وورث عن داروين نظرته القائلة بحيوانية الإنسان، وتوافق ذلك مع خلفياته اليهودية التي تقرر أن ما عدا اليهود هم ليسوا سوى حيوانات في هيئة بشر خلقوا ليكونوا خدمًا لشعب اللَّه المختار!!.
تمازجت هذه الأمور كلها في عقلية فرويد فخرج بنظريته الجنسية الحيوانية.
أمَّا الدين فكانت معاول الهدم قد توجهت ضده في أوروبا التي فرحت بالخلاص من ضغط وهيمنة الدين النصراني المحرف المليء بالتحريف والسيطرة الظالمة من رجاله، واستفاد فرويد من هذه الفرصة أيما استفادة، فراح ينشر فكرته الجنسية بكل حرية وجرأة بل بكل تعصب وتزمت.
رسم فرويد صورة ثابتة لكيان الإنسان على أساس الجانب الحيواني المادي في الإنسان، وتمددت فكرته المدمرة تحت ظل البحث العلمي، وتحت شعار علم النفس!!.
ولئن كان ماركس نظر إلى النفس الإنسانية من خلال عالمها الخارجي ومن خلال المؤثرات الخارجية، الاقتصادية بالذات؛ فإن فرويد نظر إلى
стр. 1963
النفس الإنسانية من خلال عالمها الداخلي، ولكنهما وصلا في النهاية إلى نتيجة واحدة في موضوع الدين والأخلاق، واتخذوا التفسير الحيواني للحياة الإنسانية وللإنسان.
التقى ماركس وفرويد عند نقطة تسخيف الدين والأخلاق واعتبارهما قيمًا غير أصيلة في الحياة البشرية، وإنّما انعكاسًا لشيء آخر، مادي في أصله وحيواني.
بيد أن فرويد كان أفحش وأخبث في تلويثه للنفس الإنسانية والانحطاط بها إلى الحضيض، وذلك من خلال نظريته المسماة نظرية التحليل النفسي (١) حين قرر أن الحياة النفسية للإنسان ليست حيوانية فحسب ولكنها كلها تنبع من جانب واحد، من جوانب الحيوان جانب الجنس، الذي اعتبره العامل المهم بل الوحيد المسيطر على كل تصرفات الإنسان، ويُمكن تلخيص حيوانية فرويد -التي يطلق عليها اسم نظرية التحليل النفسي- في عدة نقاط:
١ - الإنسان ليس مخلوقًا للَّه تعالى، بل هو نتاج الطبيعة، وهو في أصله حيواني.
٢ - الإنسان ليس فيه شيء اسمه الروح بل هو مجرد جسد.
٣ - التكوين النفسي للإنسان على ثلاث درجات بعضها فوق بعض، أولها وأدناها الطاقة الشهوانية وموطنها الذات السفلي وهي طاقة جنسية لها السيادة التامة، ثانيها النفس الواعية التي تواجه المجتمع وتحتك به، وتحاول التوفيق بين الرغبات المتناقضة في داخل النفس، وبين الحقيقة المادية الخارجية، ثالثها الذات العليا، وهذه تنشأ من تلبس الطفل بشخصية والده،
стр. 1964
وحينئذ تنشأ عقدة أوديب كنتيجة طبيعية لحب الولد لأمه حبًا جنسيًا، يحول وجود الأب دون تحقيقه، فيتكون في نفس الطفل نحو أبيه شعور مزدوج من الحب والكراهة في آن واحد.
٤ - عقدة أوديب، محور من محاور نظرية التحليل النفسي عند فرويد وأتباعه، وأصل قولهم بهذه العقيدة، وأختها الأخرى المسماة عقدة الكترا، تلك الخرافة الخيالية التي افترضها فرويد وصدقها، وتبعه على ذلك من تبعه، وملخص هذه الخرافة المستمدة أصلًا من خرافة داروين: أن الأبناء في مطلع البشرية اتجهوا نحو أمهم بدافع الرغبة الجنسية، فوجدوا والدهم عائقًا في طريق رغبتهم فقتلوه، فأحسوا بالندم على قتله، فتعاهدوا على تقديس ذكراه فعبدوه، ومن هنا نشأ الدين ونشأت عبادة الأب التي تحولت فيما بعد إلى عبادة للطوطم، ولما وجدوا أنهم سوف يتقاتلون على الأم قرروا تحريمها على أنفسهم بدلًا من الخصام، فنشأت القيم، وهكذا بقيت هذه الحادثة تطبع البشرية بهذا الطابع منذ ذلك الزمان وحتى الآن، فكل طفل يعشق أمه بدافع الجنس، وكل طفل يكبت ذلك العشق فتنشأ عقدة أدويب نسبة إلى أوديب التي تقول الأساطير الإغريقية، أنه قتل أباه وتزوج أمه دون أن يعلم حقيقة ما فعله.
وكذلك الطفلة تعشق أباها بدافع الجنس ثم تكبت هذا العشق فتنشأ في نفسها عقدة الكترا، التي تعني في مدرسة التحليل النفسي تعلق الابنة بوالدها، وشعورها بالعداء نحو والدتها التي تنافسها أو تستبد بالوصال الجنسي مع أبيها، وهذه الرغبة ناتجة عن وعي أو غير وعي في نفس الطفلة، وتسفر عن الشعور بالعداء والبغض للأم كما تؤدي إلى شعور بالذنب نتيجة تضارب عواطف الفتاة.
٥ - من عقدة أوديب والكترا، والكبت الملاصق لهما يقرر فرويد أن الدين والأخلاق والتقاليد والقيم العليا تنشأ وتنطلق من هاتين العقدتين، فالكبت الذي بدأ منذ قتل الأبناء والدهم مستمر لم ينته، ويتحول دائمًا إلى قلق نفسي دائم لا يترك البشرية في راحة، وإنّما اخترع
стр. 1965
الناس الأديان -حسب قول فرويد- لحل هذه المشكلة.
٦ - ومن هذه المنطلقات والتحليلات والتفريعات توجه فرويد نحو الدين والأخلاق والتقاليد والقيم العليا يدنسها ويقذرها في نفوس الناس، ويغمسها في مستنقع الجنس، ثم يخرج حلوله بعد ذلك من المستنقع ذاته يتقاطر منها الجنس المكبوت.
٧ - ينشأ الضمير والأخلاق عند فرويد من قضية الكبت والقمع للشهوات الجنسية، أي أن الضمير والأخلاق ليست موجودة في عالم الحقيقة وإنّما هي خرافة تنشأ بسبب عوامل الكبت والقهر.
٨ - ينفي فرويد كل قيمة خلقية ذاتية؛ لأنه لا يستطيع أن يتصور أن إنسانًا يُمكن أن يتنازل عن متعته من أجل قيمة عليا أو خلق قويم.
٩ - يفسر فرويد الدوافع الإنسانية النبيلة تفسيرات تدنيسية تُذهب جلالها وتطمس ما فيها من خير وإشراق، فهو يعتبر كل ارتفاع خلقي مجرد حيلة لا شعورية لمداراة خسة هابطة، وكلما ازداد الإنسان رقيًا وخلقًا وتطهرًا في الظاهر كان ذلك عند فرويد دليلًا على عمق مشاعر الإجرام والنذالة التي يكبتها في لاشعوره.
١٠ - يفسر كذلك كل العلاقات العاطفية بالتفسير التدنيسي نفسه، فحزن الأهل على ميتهم -مثلًا- ليس شعورًا بالحزن على فراقه، ولكنه مداراة للفرحة الخفية التي يحس بها الأقارب عند التخلص من هذا الشخص الذي يكرهونه ويتمنون موته، والولد يكره والده، والبنت تكره أمها، والزوجة تبغض زوجها وتتمنى له الموت، وليس هذا عنده على مستوى المشاعر الفردية، بل يمتد حتى يشمل الحياة النفسية كلها بين الأفراد والمجتمعات، فالجميع يكبتون مشاعر الكراهية الثابتة في نفوسهم تجاه من يتظاهرون بحبه، وليس في حسابه أي سمو إنساني، ولن يحدث مثل هذا السمو -إن حدث- إلّا بالكبت القهري للنوازع، ولا سبيل عنده لارتفاع الإنسان عن أي رذيلة في سبيل خلق أو قيم عليا أو فكرة قويمة.
١١ - ينكر فرويد جميع المعنويات، وينكر كل حقيقة خارجة عن
стр. 1966
نطاق الأرض، وبناء على ذلك يعالج المرضى ويفسر الأحلام. فلا غيب عنده ولا روح، ولا شيء خلف المادة ومعطياتها وفرعياتها، أمَّا الدين فقد ذكرنا في نقطة سابقة خرافة قتل الأبناء لأبيهم ثم أسفوا لذلك وقدسوا ذكراه وعبدوه، وهكذا ظهرت أول ديانة في الأرض حسن خرافة فرويد، ولذلك عادى فرويد الدين واعتبره خطرًا على الإنسان؛ لأنه يعتقد أن الدين يصرف الانسان عن التعامل مع الواقع إلى أوهام تفسد عليه حياته.
١٢ - يعتبر فرويد الأخلاق والتقاليد والقيم العليا وسلطة المجتمع حراس كبت وقهر، يتوبصون بالفرد الدوائر ليفتكوا به ويوقعوه في سلطانهم ويخضعوه لمشيئتهم، والفرد في صراع دائم ضد هؤلاء الحراس بوعي أو بغير وعي يبحث عن أي فرصة للانقضاض عليهم علانية إذا أمن، أو خفية واحتيالًا إذا خشي العاقبة.
وعلى هذا المبدأ يصور فرويد مريض العقل والنفس والمصاب بالجنون والهستيريا والانفصام، والمجرم والشاذ، يصورهم جميعًا ضحايا لكبت المجتمع والأخلاق والقيم، وضحايا الدين ووخز الضمير، ضحايا هذه العوائق التي تحطم الفرد وتكبت غرائزه وتحطم كيانه.
١٣ - وبناء على ذلك فإنه يصور أن الإنقاذ للإنسان والخلاص له من العقد النفسية والاضطرابات العصبية والهلوسات وانهيار الأعصاب إنّما يحصل بإزالة هذه الحواجز: "الدين، الخلق، الحالة الاجتماعية، القيم، الضمير، التقاليد" وإطلاق المشاعر المكبوتة.
لقد سمى هذه الأشياء "المشاعر العليا" بعد أن وجه إليه النقد الشديد واعترف بوجودها ولكنه أصر على القول بأنها جميعًا تنشأ من قهر النوازع الفطرية في عقدة أوديب، أي أنه اعترف بها اعترافًا أسوأ من النفي.
١٤ - بنى كل أحكامه على تجاربه في الشاذين والمتخلفين والمجرمين، وكل تجاربه كانت في هذه الأصناف، ومن هؤلاء الشواذ استنبط أحكامه وعممها على الأصحاء مشيًا على قاعدته القائلة أن في كل
стр. 1967
إنسان قدرًا من الشذوذ، وأن كل البشر مصابون بعقدة أوديب أو عقدة الكترا، ثم يتغلبون عليها بطريقة ما.
وبناء على هذه الأحكام المستمدة من الشاذين، والمأخوذة من جيل معين هو جيله الذي عاش فيه، ومن مجتمع معين هو المجتمع الأوروبي، عمم فرويد أحكامه على البشرية كلها في جميع أحقابها الماضية والراهنة والآتية، وعلى جميع أنماط ومناشط البشر باختلاف بيئاتهم وخلفياتهم وعقائدهم وأديانهم.
١٥ - يرى فرويد أن الإنسان ليس له إلّا أحد طريقين، إمَّا انطلاقة الطاقة الشهوانية الجنسية انطلاقًا حرًا، أي "حيوانيًا" وإمَّا الكبت المدمر للاعصاب المبدد للطاقات المفسد للحياة.
١٦ - الحياة كلها جنس، ومنبثقة من خلال الجنس، والجنس يبداء منذ أن يولد الإنسان، فهو يولد جنسًا خالصًا في إهاب طفل حيواني صغير، وكل أعمال الطفل تعبير عن طاقة الجنس، فالرضاعة ومص الإيهام والتبول والتبرز والالتصاق بالألم كلها جنس في جنس ولمقصد جنسي.
١٧ - لقد لخص فرويد خطته كلها لتلميذيه يونج وأدلر بقوله: إننا ينبغي أن نحطم كل العقائد الدينية، ونجعل من الجنس عقيدة (١).
стр. 1968
هذه نظرية فرويد التي أثرت في الحياة الغربية كما لم تؤثر نظرية أخرى باستثناء سابقتها المسماة نظرية النشوء والارتقاء، التي تأثر بها فرويد أيما تأثر، فماذا صنع فرويد ونظريته في الحياة الغربية في مجال الأخلاق والقيم؟.
لقد نزع عن الإنسان إنسانيته وألقاه في حضيض الحيوانية، بل أفحش في تصوير حيوانية الإنسان، حين صور أن الحياة الإنسانية ليست حيوانية فحسب، ولكنها كلها تنبع من جانب واحد من جوانب الحيوان، من الجنس، من الغريزية الشهوانية، وعلى ذلك فإن أي عائق يعوق انطلاق هذه الغريزة فهو كبت يجب تجاوزه بل يجب تحطيمه، وأهم هذه العوائق عند فرويد الدين والأخلاق، التي اعتبرها قيما غير أصيلة في الحياة البشرية، وإنّما هي -عنده- انعكاس لشيء آخر، مادي في أصله وحيواني.
إذن فالأخلاق والقيم مجرد خرافة وزيف يمارسها الناس مع بعضهم عن طريق المخادعة والتلبيس.
وبهذا الشكل استطاغ فرويد تلويث فكرة الدين والأخلاق والتقاليد وتقذيرها وتدنيسها في نفوس الناس، حتى لقد اجترأ في خبث يهودي معهود - فسمى التسامي الخلقي شذوذًا، وقرر أن الكبت الجنسي خطر على الكيان النفسي والعصبي؛ لأنه يصيب النفس بالعقد والاضطرابات.
طارت هذه النظرية الجنسية في آفاق الحياة الغربية، وأصبح فرويد قواد الجيل الحديث إلى كل رذيلة وانحطاط و (امتد تأثيره إلى ميادين التربية والتعليم والآداب والفنون والدين والفلسفة والأخلاق والثقافة الشعبية) (١).
لقد كان أثره عنيفًا في الحياة الغربية، اعتنقت الجماهير آراءه، وظاهرهم في ذلك كثير من العلماء، بل توسع بعضهم في تفسير هذه النظرية واستطرد مع لوازمها ومقتضياتها في تواصل جذري مع نظرية داروين التي تعتبر أصلًا ومنطلقًا لنظرية فرويد، إلى حد أن أحدهم كتب كتابًا عن
стр. 1969
الإنسان ودراسة أحواله العضوية والجنسية والاجتماعية فلم يجد ما يسمى به الإنسان إلّا اسم "القرد العاري" (١) حيث جمع في هذه التسمية بين داروين وفرويد، فالإنسان حيوان بل قرد، وهو عاري لأن أصله كما افترضت خرافة فرويد، حيوان شهواني جنسي تساقط عنه الشعر واستقامت قامته، وعاش بغريزة الجنس ومن أجلها!!.
انطلق الغربيون جماهير وعلماء خلف خرافة فرويد، وانغمسوا في مفاهيمها نظريًا وعمليًا، فانطلقت الغرائز بلا حد ولا ضابط، وتهدمت القيم والأخلاق والتقاليد؛ لأن فرويد أخبرهم بأن هذه عوائق في سبيل الانطلاق، وبدأ الناس -وخاصة الشباب وصناع الفن الإعلامي- ينظرون إلى الأخلاق والدين نظرة عداء ومناقضة، ويعتبرون وجودها أو الحديث عنها حديثًا عن أشياء وهمية وغير منطقية، بل أشياء معادية للتحرر والانطلاق، وليست -في أحسن الحالات- إلّا تراثًا من الماضي العتيق الذي كأن غارقًا في التخلف والرجعية والانكبات.
وسرت في الجماهير لوثات عديدة شكلت عقليتها وممارساتها وأهدافها ونظرتها للكون والإنسان: لوثة داروين المتمثلة في حيوانية الإنسان، والتطور المطلق بلا حدود، ولوثة فرويد المتمثلة في الإباحية الجنسية، والعداء للدين والأخلاق.
نشأ الجيل الغربي وقد رسمت أمامه طريقان:
أحدهما: احترام وصايا الدين، والأخلاق، والمجتمع ، وتقدير القيم المعنوية والخلقية، وهذه قال فيها فرويد وسائر المتأثرين به من فلاسفة وتربويين وإعلاميين وعلماء نفس واجتماع، بأن هذه القضايا ليست أصيلة ولا ذات جذور، وليست ثابتة، بل هي ناشئة عن الكبت، واتباعها يولد الكبت والمرض والاضطراب والتخلف الشخصي والاجتماعي.
الثاني: تحطيم العوائق من أجل التحرر والانطلاق ، والزعم بأنه لا تتم
стр. 1970
سعادة الفرد إلّا بسحق الدين والأخلاق وتقاليد المجتمع، وأول ما تبدأ سعادة الفرد وحريته بالحصول على اللذة الجنسية وإطلاقها من قيود القيم الخلقية والدينية، ليتحقق للفرد شعوره بذاته واستقلاله وحريته وسعادته.
وبالطبع لقد اختار الناس الطريق الثاني، فهو أسهل وألذ، ولا يكلف شيئًا، في حين أن الطريق الأول قد تحطمت أسباب بقائه منذ الصراع القديم بين الكنيسة والعلم.
وبعد الحرب العظمى الأولى وجدت الأرض الاجتماعية والنفسية القابلة لهذه النظرية فقد جند للحرب ملايين الشباب وعاشوا في أتونها سنين عديدة تحت ألوان القصف والتدمير الحسي والمعنوي، وقتل منهم الملايين وبعد انتهاء الحرب انفلت البقية من خنادق القتال بعد كبت وقهر الحرب ضمأى يبحثون عن أي شيء يروي غرائزهم المشتعلة.
وكانت المرأة قد أخرجت من بيتها بعد قتل عائلها، تبحث عن الرزق في المصنع وفي غيره، وهناك وقعت الواقعة وكانت الفرصة مناسبة لاتباع تعاليم خرافة فرويد، وكانت الظروف كلها تدفعهم للانطلاق في هذا المضمار، ووجدوا في فرويد ونظريته المتكأ العلمي -كما زُعم لهم- فانطلقوا خلف نزواتهم الجنسية الملتهبة.
وتحولت القضية تحولًا كاملًا، فبدلًا من ظهور أصحاب التحلل الخلقي والشذوذ الجنسي في هيئتهم الحقيقة كمجرمين وشاذين ومنحرفين، هيأت لهم نظرية فرويد السند العلمي -بزعمهم- ليقولوا إنّما نحن من أتباع العلم، ورواد التقدم، وطلائع التحرر، وهذه أولى بالاتباع وأحق بالاعتناق من أساطير الأخلاق والدين.
وتركزت الفتنة في أول أمرها فيما أسموه "تحرير المرأة" فأخرجوها في الشوارع عارية سافرة وبغضوا إليها المنزل والاستقرار فيه، وجعلوا العمل في المنزل وتربية الأولاد سبة تنفر منها كل امرأة عصرية، وكتب في ذلك الكتاب والصحفيون والإعلاميون والأدباء، وتحركت الأفلام السينمائية ثم التلفازية ثم أشرطة الفيديو تصور المرأة عارية داعرة داعية إلى الفساد،
стр. 1971
وتحركت بيوت الأزياء، ومعارض الأزياء وأدوات الزينة، ووسائل الدعاية متخذة من المرأة سلعة وأسلوبًا للترويج من خلال إظهار المفاتن وكشف العورات.
وأضحت هذه كلها وغيرها صورة عادية من صور الحياة الاجتماعية، وأضحى المجتمع المنحل لا يستغني -لشدة ألفه وانطماس بصيرته- عن المرأة الفاتنة الجذابة بجسدها بل بعورتها!!.
وأصبحت هذه الفتنة جزءًا من الحياة، واستمر الحال في ازدياد، حتى أصبح لكل فتاة عشيقها أو صديقها الذي تمارس معه الجنس كاملًا في أغلب الأحيان، وأصبح الأمر عرفًا اجتماعيًا عاديًا لا يستطيع أحد أن يفكر في استنكاره فضلًا عن الجرأة في ذلك، إلّا بقية قليلة ضعيفة تنادي في خضم هذه الأمواج المتلاطمة بالعودة إلى الدين والأخلاق، ويضيع صوتها، بل توصم بالجنون والتخلف والرجعية، فقد استقر عند الجميع أن الدين والأخلاق عوائق لابد من تحطيمها!!.
وتمادى الحال حتى وجدت بيوت الدعارة المحمية من الدول، وجمعيات الشاذين والشاذات الذين يطالبون بحقوق التحرر الكامل كما يريدون، وتصل قوتهم إلى حد دخولهم نسيج السياسة والحياة العامة ليطالبوا بالمزيد من التحلل والشذوذ والمزيد من الحماية، وطلب سن القوانين لحماية حقوق أصحاب الشذوذ والجريمة والانحراف، كما حدث في بريطانيا حينما خرج الشذاذ من الرجال في كامل زينتهم وعريهم واضعي المساحيق على وجوهم والحلي في آذانهم وأعناقهم، مبرزين مؤخراتهم كاتبين عليها عبارات الدعاية لفاحشة اللواط، خرجوا في مظاهرة عارمة في شوارع لندن يطالبون بتشريع قانون يبيح للبالغين إقامة علاقات الشذوذ الجنسي، وإبطال كون ذلك مخالفًا للقوانين، وبالفعل حصلوا على ذلك في عام ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م (١).
стр. 1972
وعندما حصلت الضجة حول "جيرمي ثورب" زعيم حزب الأحرار البريطاني حول علاقته الشاذة بالشاب "نورمان سكوت" لم يكن من هذا الزعيم السياسي إلّا أن احتج بأن القانون البريطاني الجديد يحميه من المؤاخذة على هذا الفعل ولو كانت العلاقة تعود إلى خمسة عشر عامًا من قبل (١)، بل وقف الشاب في المحكمة يقول: (إنهم يضطهدوني بسبب علاقتي الجنسية مع جيرمي ثورب) (٢) وهو يعني الصحافة التي اتخذت من الحدث مجالًا للإثارة والتسلية وتصفية الحسابات السياسية.
ولم تعد هذه الأمور تشكل في حس الغربي أي مراجعة أو مؤاخذة أخلاقية، فقد أضحى عدد الشواذ في بريطانيا وحدها حسب إحصائيات عام ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ خمسة ملايين شاذ (٣).
هذه بعض الأمثلة على بعض آثار نظرية فرويد، وسوف أذكر المزيد من ذلك بعد ذكر بعض الآراء الفلسفية والنظرية في قضية الأخلاقي، والتي كان ذات تأثير في هذا الميدان وإن كانت دون تأثير ماركس وفرويد، وسوف أجمل ذكر هذه المذاهب والآراء، في النقطة التالية:
ثالثًا: جملة مذاهب في الأخلاق تعود إلى الشجرة المادية المترعرة في الغرب:
أ- المذهب العقلي في الأخلاق، ويستند أصحابه إلى العقل في تقرير الخير وقواعد السلوك وأشهر أصحابه سبينوزا وكانط (٤) حيث يرى هذا
стр. 1973
الأخير أن القانون الخلقي ينبع من العقل وحده لا عن ابتغاء مرضاة أحد، أو تحصيل منفعة، فإذا قرر العقل ذلك وجب اتجاه الإرادة نحوه، ومن ثم يصبح القانون الخلقي ضرورة ويستحيل أمرًا يقيد الإرادة ويلزمها، ومن ثم يصبح أمرًا كليًا مطلقًا، ويرى أنه لا ارتباط بين الأخلاق والإيمان باللَّه تعالى؛ لأنه يزعم أن العقل النظري قد عجز عن التدليل على وجوده، وإن استلزم العقل العملي افتراضه، ومع ذلك فإنه يرى أن الدين لم يسبق الأخلاق ولم يحددها، وأن الأخلاق، على العكس، هي التي أدت إلى الدين (١).
وعلى الرغم من أن نظرية كانط هذه تعد أمثل من النظريات المادية البحتة أو الحيوانية الصرفة إلّا أنها لا تبعد كثيرًا عن المجال المادي، وإن عد الفلاسفة نظرية كانط من الفلسفات والنظريات المثالية، إلّا أن ذلك لا يبعدها عن الإطار المادي، وذلك حين استبعد الإيمان باللَّه تعالى والدين عن الأخلاق، أو قلل من شأنهما.
ولولا اللَّه تعالى ما استند قانون الأخلاق إلى أساس متين، ولولا الدين ما استقامت الأسس الأخلاقية ولا استمرت، ويُمكن القول بأن حاجة الإنسان في الاحتفاظ بأخلاقه إلى وجود اللَّه ضرورة لأنه بيده وحده مكافأته عليها حيث لا مكافيء، وهذا ما لا يزال يقوله أنصار الدين من أنه لا أخلاق معولّا عليها من غير دين (٢).
أمَّا سبينوزا اليهودي الهولندي فقد سبق الحديث عن فلسفته، ويهوديته في مواضع من هذا البحث (٣).
стр. 1974
ب - المذهب الطبيعي في الأخلاق، وسمي طبيعيًا لأن أصحابه يحددون معنى الخير بمفهوم طبيعي -حسب قولهم- فكل ما يؤدي إلى لذة أو منفعة للناس فهو خير (١)، ومن هذا المذهب انبثقت الفلسفة المعاصرة المسماة بـ "البرجماتية" (٢)، والتي أثرت في الأخلاق والسياسة وعظم تأثيرها في السلوك السياسي المعاصر وخاصة في أمريكا التي تقوم سياستها على البرجماتية، أي الذرائعية، ويتبعها في ذلك -تقليدًا وانهزامًا- كثير من الدائرين في فلكها، فالأخلاق عند البرجماتيين هي التي تكون لها نتائج طيبة، وهي التي توصل إلى المراد، بغض النظر عن نوعية هذه الأخلاق، وقد تأثرت هذه الفلسفة البرجماتية الأمريكية بنظريات أحد أعلام البرجماتية (٣) الذي كان بدوره متأثرًا بنظرية داروين؛ ولذلك كانت بهذه المثابة من المادية، وعدم الثبات، فالمعيار عندهم للحقيقة والخلق والقيم هو نجاح الأفكار والوصول إلى الأهداف، بل وصف هذا البرغماتي المؤسس العمل الصادق بأنه المفيد (٤).
وعلى هذا فلا إيمان عند البرجماتيين بأخلاق ولا قيم، بل هي عندهم نسبية وغير ثابتة، ومقياس نجاح كل شيء الوصول إلى نتيجة.
وتوجه الغرب بقيادة أمريكا اليوم إلى هذه الفلسفة بكليته، وأقام
стр. 1975
الأعراف السياسية والأخلاقية على نوع من التهذيب النفعي الذرائعي، بعيدًا عن التهذيب الخلقي الإنساني؛ لأن الأخلاق عندهم ليست أصيلة ولا مستقرة، بل هي متغيرة حسب المصلحة؛ ولأن طبيعة الغرب طبيعة مادية نفعية، وعلى ذلك ترتبت أفكاره ومشاعره وسلوكياته، وانطلق في دركات الانحطاط الخلقي بصراحة حمقاء، وألقى قناع الحياء، بل راح ينظّر لهذا الانحدار ويفلسف له، ويسعى في ترسيخه واقعًا عمليًا بين الناس في كل الأرض، وما إعلام الشهوات الهائجة، وسياسة الظلم الأهوج، والمكاييل المزدوجة التي تمارسها أمريكا والدول الأوروبية إلّا نماذج لهذه البرغماتية المادية المبرأة من كل إنسانية، والمشبعة بكل ألوان النتن والسخف والجهالات.
ويقول بعض المنبهرين أن هذه السياسة قد نجحت في السيطرة، ونجحت في تحرير الإنسان والرقي به، واستمرارها دليل نجاحها.
وهذه الفكرة من فرعيات المذهب البرجماتي، فليس الأخلاقيات الأمريكية البرجماتية بذات نجاح في ذاتها، وما يتصوره المنهزمون نجاحًا في الواقع ليس إلّا نتاجًا لقوة السيطرة، وتحكم القوى، وتغلب القوي، وإلّا فما قيمة فلسفة أو نظرية أو ممارسة تنكر كل القيم العليا وتؤمن بالمادية النفعية، وتنكر إنسانية الإنسان، وتصهره في بوتقة الذرائعية، وتنهيه في المستنقع الجنسي الإباحي وتظلمه وتسلب حقوقه، وتتلاعب بإمكانياته وقدراته، من أجل الوصول بها إلى خدمة ومنفعة ثلة متحكمة من اليهود ومطاياهم؟.
والمتأمل بعين البصيرة المتفتحة في حال الإنسان هناك، وفي وقائع الأحداث اليومية، والجرائم الخلقية وفي عدد زوار العيادات النفسية، وفي إحصائيات الانتحار والمخدرات والسطو والفتك والاغتصاب يوقن إلى أي مدى أثرت هذه الفلسفة البرغماتية وما ظاهرها من فرويدية وداروينية.
أمَّا النظر في تطبيقات الأخلاق البرغماتية في سياسة التعامل مع الدول والشعوب الأخرى فإنه يدرك لا محالة -إن كان له بصيرة-
стр. 1976
الروح اليهودية في التصرفات والمواقف والعلاقات، روح العلو والفساد، كما أخبر في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ (١)، وقوله جلّ شأنه في شأنهم: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٢) يجد أخلاقيات السياسة الظالمة المستعلية، المجاهرة بظلمها وعلوها وفسادها، ويجد أنه ليست لديهم مشاركة وجدانية لغيرهم في سعادة أو ألم؛ لأنهم أنانيون مفرطون في أنانياتهم، نفعيون يسعون فيما فيه سعادة أنفسهم، وتحقيق مصلحتهم، ولو كان ذلك على جثث الأبرياء أو من خلال الخوض في وحول دمائهم أو في غابات أشلائهم!!.
جـ - مذهب العاطفة في الأخلاق، ويمجد أصحاب هذا المذهب العاطفة على صورتها الحيوية أو على صورة التعاطف والمحبة، ويجعلون أساس الأخلاق ما تستحسنه أو تميل إليه (٣).
د - مذهب الإرادة الأخلاقية، ومخترعه "نيتشه" ويصف القائلون به الخير بأنه كل ما يعلي في الإنسان شعوره بالقوة وإرادة القوة، والشر بأنه كل ما يصدر عن ضعف، وقد كان هذا المذهب سابقًا على فرويد، ولذلك لم يخف فرويد إعجابه بنيتشه رغم عداء نيتشه لليهود، وذلك لما في كتب نيتشه وفلسفته من نقد للدين والقيم والتقاليد والأخلاق، بل وما فيها من هدم وزعزعة لهذه القضايا (٤).
وعلى فلسفة نيتشه هذه قامت النازية في ألمانيا وفعلت بالعالم ما فعلت، وهي تطبيق أخلاقي عسكري وسياسي لفلسفة إرادة القوة (٥).
стр. 1977
هذه بعض النظريات الفلسفية الأخلاقية التي كان لها التأثير البالغ في الحياة الغربية المعاصرة، سواء في مجال الأفكار والمفاهيم -وهي الأساس- أو في مجال التطبيق والممارسة، بيد أن أهم محاور الأخلاق هناك تعود إلى:
١ - القول بنسبية الأخلاق، وأنه ليس لها حقائق ثابتة، بل هي خاضعة للتبدل والتغير.
٢ - القول بأن الإنسان أو الظروف المحيطة به هي مصدر الأخلاق والقيم.
٣ - فصل الأخلاق عن الدين.
٤ - حرية الإنسان لا تتم إلّا بالتخلي عن العوائق وهي الدين والأخلاق.
وبعد هذا، سوف أذكر شيئًا من تأثيرات هذه الفلسفات على أعمال وتصرفات الإنسان الغربي، وسوف أورد أولًا نَماذج من حياة مفكريهم وفلاسفتهم وأدبائهم ومنظوي الأخلاق عندهم!!، ولنبدأ بذكر المبدعين الذين هم قدوة الأدباء والفنانين المنهزمين من أبناء البلاد الإسلامية.
جاء في كتاب "الجنس والنفس في الحياة الإنسانية" في فصل عن الشذوذ الجنسي، عنوان "الجنسية المثلية (١) والإبداع" قال فيه: (هنالك ما يسترعي الانتباه والملاحظة في أن ممارسة الجنسية المثلية بدرجة أو أخرى تكثر في المجال الفني والإبداعي، ولا يعرف تمامًا فيما إذا كان تفسير ذلك يعود إلى أسس بايولوجية تكمن وراء الاتجاهين الجنسي والإبداعي، أو أن طبيعة الظروف الحياتية لبعض المبدعين هي التي تساعد على نشوء ذلك، ومع أن من المستحيل على أحد أن يعطي نسبة وقوع الجنسية المثلية في حياة المبدعين، إلّا أن هنالك الكثيرين من المبدعين في مجال أو آخر ممن
стр. 1978
عرفوا نزعتهم الجنسية المثلية، ومن هؤلاء الرسام والنحات مايكل أنجلو، وليوناردودفينشي والموسيقار شايكوفسكي، وواجنر، والكتاب: فلوبير وأوسكار وايلد، وجين كوكتو، والشاعر فيرلان، وغيرهم كثيرون ممن مارسوا الجنسية المثلية بصورة حصرية أو غالبة، ونحن لا نستطيع بيان الأثر لهذه الممارسة على أعمالهم الإبداعية، وإن كان هنالك ما يسوغ النظرية التي تفسر مقدرة بعض المبدعين على وصف دقائق الحياة الشعورية للأنثى، كما هو الحال في وصف فلوبير لمدام بوفاري، على أساس تمتعهم بميول جنسيته ثنائية، وقد يجد الباحث ما يسند هذه النظرية في دراسته للأعمال الإبداعية عند بعض المبدعين) (١).
ثم أضاف في الهامش: (وقد لوحظ أن بعض ممارسي الجنسية المثلية في بعض المجتمعات يتباهون بممارستهم ويتفاخرون علنًا بها وبأنهم ينتمون إلى فئة مختارة تتميز ليس بانحرافهم في الحب وإنّما بشخصيتهم المرهفة الإحساس والإبداعية في الفنون، كما لوحظ أن الكثيرين من الذين يعرفون بجنسيتهم المثلية في هذه المجتمعات يمارسون أعمالًا فنية أو مسرحية) (١).
وقد شرح كولن ولسن (٢) بعض الدوافع النفسية والإبداعية في قضية الشذوذ الجنسي وأورد في كتابه "أصول الدافع الجنسي" تفصيلًا مشينًا وقذرًا للواط عند بعض الكتاب والأدباء الغربيين ومقاطع من كلامهم في هذه القضية وغيرها من أمور الدعارة وأحوال الشاذين والمومسات (٣).
стр. 1979
والكتاب كله مليء بالشواهد والأمثلة الكثيرة على أنواع اللواط وزنا المحارم والشذوذ والدعارة والانحراف عند الكتاب والأدباء والروائيين والشعراء الغربيين التي حكوها أو مارسوها.
ولم نذهب مع كولن ولسن في دراسته لروايات وكتب الآخرين؟ وروايته "ضياع في سوهو" أكبر شاهد على مقدار الانحلال والفوضى الخلقية، سواء في الجانب التأليفي الكتابي الإبداعي -كما يحلو لهم أن يقولوا- أو في الجانب الواقعي حيث يصف ولسن حي سوهو الشهير في لندن، والذي قال عنه: (كان حي سوهو قد خيب أملي، كنت أتوقع أن أجد فيه نوعًا مثاليًا من حرية الروح) (١).
هذا الحي الذي خيب الأمل الوجودي لدى ولسن، أي أنه لم يجد فيه الأشباع كما كان يطمح، وصفه في روايته ضياع في سوهو أدق ما يكون الوصف، الحياة الشهوانية الحيوانية في صورة حقيقية دقيقة واضحة، ووصف التشرد والضياع والتفاهة والعربدة والشذوذ والإجرام والإباحية الجنسية، وغير ذلك من الحياة التي يعيشها أهل سوهو، حيث تمثل هذه الرواية وهذا الحي الصورة الصارخة عن الحياة الغربية، المرآة العاكسة للموت الإنساني والضياع البشري، للأجساد الهائمة عطشًا في أودية الجنس كل أنواع الجنس، أجساد صارخة بالشهوة والشهوة فقط، نموذج للحرية الفرويدية ولانسحاق الأخلاق والقيم والانسلاخ من كل إنسانية لأجل الوصول إلى لا شيء. . .، لا عقيدة ولا خلق ولا ضوابط ولا قيم ولا حتى تقاليد متوارثة عن الأقدمين، لا طموح ولا آفاق ولا أشواق ولا أهمية، سوى تلك الآفاق الجنونية التي تتسلل إلى أدمغتهم من خلال سجائر الأفيون.
الرواية شاهد موت للإنسانية في الغرب، ودليل عدمه واضمحلاله
стр. 1980
وتلاشيه في بحيرات النتن، في الجنس والخمر والحشيش، في التفاهة والعربدة والمجون والسقوط والضياع (١)، وصدق اللَّه القائل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ (٢).
أمَّا كتابه "رحلة نحو البداية" الذي خصصه للحديث عن نفسه وفكره وحياته وفلسفته في الحياة، لا باعتباره مجرد كاتب وروائي بل كما قال مترجم هذه الرواية أن ويلسون اكتشف أنه (منقذ الفلسفة الغربية من الأفلاس) (٣)، فما هي حياته التي وصفها في هذا الكتاب، إنها قصة حياة الضياع والتشرد والتيه والانحلال، حياة التناقض والتشاكس والعبثية والضنك، سواء كان ذلك في وصفه لحياته أو لحياة أمثاله من الكتاب والفلاسفة، أو لحياة بعض عامة الناس.
وسوف أذكر بعض مفردات هذه الحياة مشيرًا إلى صفحاتها في الهامش: الضجر والفراغ، اللامبالاة، الافتقار للهدف، اللواط الذي وقع به وهو صغير، وسمى الفصل الرابع "العدمية" وبدأه بذكر إحساسه العميق بعبثية الحياة، وكراهته للجنس البشري، وتفكيره في قتل نفسه، ووصفه للدياثة، وكتابته لرواية عن الشذوذ الجنسي على ضوء فلسفة فرويد، وإلحاده، وعبادته للشيطان، ووصفه للشذوذ الجنسي بين أفراد الجيش البريطاني، وأثر الدعايات التجارية الجنسية في إثارة الجنس لدى الشباب، وتصويره لبعض أعماله الداعرة، وعلاقته بأحد الشاذين جنسيًا، وشرحه عن المقاصد الجنسية والنفسية والخلقية لروايته طقوس في الظلام، وتصريحه بأن الحضارة تجعلهم خانعين كالأغنام ثم تقتل أرواحهم من الجوع والجدب، وانضمامه إلى مجموعة الفوضوين في لندن، وذكره علاقته الداعرة مع فتاة شيوعية والجنس القذر معها وإصابته بالعجز الجنسي، ووصفه لحياة التشاكس
стр. 1981
والضنك الذي يعيشه وشعوره بالتفاهة وسعيه مرة أخرى إلى الانتحار، ووصفه لعلاقة جنسية انتهازية مع فتاة متشردة بلا أسرة ولا منزل ولا نقود، وذكره لمجموعة من الكتاب الغربيين ونماذج من حياتهم الفاسدة المنحرفة المنحطة، وخصص الفصل الثالث عشر للحديث عن الجنس، وفيه ذكر نماذج من دعارته ومطاردته للنساء، وتحبيذه لحياة الدعارة، وذكره لتجربة تعاطيه لمخدر المسكالين وكيف وصف التجربة في كتاب ما بعد اللامنتمي، وذكره لحالات استغواء الأساتذة لتلميذاتهم الصغيرات وعمل الفاحشة فيهن (١).
أمَّا أحاديثه عن الجنس وأوصافه وأحواله وممارساته المتنوعة فأكثر من إمكانية إحصائية هنا، وفي هذا الكتاب أبلغ الشواهد على الحياة الغربية الخلية من القيم والأخلاق ممثلة في سلوك منظر وفيلسوف الشباب في بريطانيا وأمريكا.
ومن نماذج الانحرافات الخلقية والهبوط والعدمية ما كتبه اليساري الإيطالي محبوب الحداثيين العرب "ألبرتو مورافيا" (٢) الذي تخصص في وصف الجنس بأشكاله وألوانه البهيمية.
وقد وصف بأنه (جعل من نفسه شاهدًا على قضايا عصره. . .، وطمح أن يصبح ضمير عصره والشاهد على مشكلاته، وقد دفعه هذا الطموح على الرغم من النجاحات الباهرة التي حققتها أعماله الروائية ويخص
стр. 1982
من بينها بالذكر السأم، والملتزم، واللامبالون، والرومانية الحسناء، والحب الزوجي، وأنا وهو، والانتباه، والاحتقار، دفعه إلى ممارسة العمل الصحفي وإلى كتابة تحقيقات مطولة في موضوعات تتمحور حول معاناة الإنسان المعاصر. . .) (١).
هذا المديح كتبه عنه أحد العرب المعجبين!!، وإذا أخذنا روايته "أنا وهو" وجدناها أبشع مثال عن الانحدار الخلقي الذي وصل إليه الغرب، فهو يعني نفسه بلفظ "أنا" ويعني فرجه بلفظ "هو" وتدور الرواية حول تأثير الفرج على العقل والتصرف والسلوك، بل الرواية تدل كلها على أن المتحكم في الإنسان والمتصرف في مشاعره وأحاسيسه وأعماله هو الفرج (٢)، وهي باختصار تطبيق روائي لنظرية فرويد.
أمَّا روايته الانتباه فتدور حول قصة صحفي يمل من زوجته ومن معاشرتها جنسيًا، فيهجرها ويسافر في رحلات طويلة، وحين عاد من سفره وجد زوجته بغيًا تدير مواعيد البغاء في منزله، ويكتشف أن ابنتها منه بالزنى قد كبرت وأصبحت جميلة فيقع في غرامها ويمارس معها الزنى (٣).
وله مجموعات قصصية يدور بعضها حول الجنس والزنى والفساد الخلقي (٤).
وإذا نظرنا إلى سلوكيات أخرى من سلوكيات أصحاب الاتجاهات الحديثة والفلسفات المادية وماذا آلوا إليه وجدنا -مثلًا- أن ماركس انتحرت زوجته وثلاث بنات له، وكانت إحداهن تمارس الدعارة في الشوارع، وهو نفسه مات ميتة غامضة.
стр. 1983
وفي كتاب "نهاية عمالقة في حضارة الغرب" إشارات عديدة لحياة ماركس الهابطة، ومن ذلك ما كتبته الأستاذة الجامعية "فرانسواز ليفي" تحت عنوان "كارل ماركس تاريخ برجوازي ألماني" ففي هذا الكتاب ص ٣٥٧ اتهام له بالتجسس وعلاقته المشبوهة بالكولونيل "بانجيا" الذي يعمل لحساب الحكومة الروسية، وفي ص ١٧٦ أنه كان يعيش في حي الباغيات "سوهو" في لندن سنة ١٢٦٧ هـ/ ١٨٥٠ م، وثبت في سلوكه الاختلاس وسرقة أموال الفقراء، وتزوج البارونة جيني المنتسبة إلى أعرق العائلات البروسية والتي أنجبت منه العديد من الأطفال، وكان يعايشها في منزلها الخادمة هيلين التي أنجبت من ماركس عن طريق السفاح، وقد قالت زوجة ماركس: "لو أنه خير لي أن أعيش مرة أخرى لما تزوجت"، أمَّا "اليانور" و"لورا" بنتا ماركس فقد انتحرتا، وإحداهما اختارت لذلك مع زوجها عيد رأس السنة (١).
وأمَّا نيتشه فقد عاش مجنونًا ومات في مصحة عقلية (٢).
وأمَّا فرويد فقد مات مصابًا بالعصاب، وكان مدمن مخدرات، حيث كان جميع أصدقائه يعرفون أنه كان يتعاطى الكوكايين لمحاربة الخجل واكتساب الشجاعة والثقة، بل كان ينصح مرضاه بتعاطيه وزعم أنه دواء له مفعول سحري، ولما أدمن بعض مرضاه عليه وهوجم بسبب ذلك سنة ١٣٠٤ هـ/ ١٨٨٧ م قال بأن الكوكايين والخمر والمورفين ليست في ذاتها سببًا للإدمان، وإنّما المدمن شخص ضعيف الإرادة مؤهل للتعود والإدمان.
وكان فرويد كثير التطير والتشاؤم وخاصة من اليوم ١٧ في الشهر، وسيطرت عليه فكرة أنه سيموت في عمر ٦٢ سنة وبالتحديد سنة ١٣٣٦ هـ/ ١٩١٨ م وحينما مر عليه العام دون أن يموت قال بأنه لم يعد يثق في الخوارق ولا يؤمن بها.
يُمكن هنا ملاحظة الموضوعية وعمق الاستدلال!!!.
стр. 1984
وقد كان فرويد ملتزمًا في زواجه بيهوديته بل كان يرى أنه كان يقوم في جمعية التحليل النفسي بدور موسى التحليل النفسي وليس موسى التوراة، وكان يخاطب أحد زملائه قائلًا: "إذا كنت أنا موسى فأنت المسيح لاستعادة أرض الميعاد"، ومن سيرته أنه فكر بالانتحار مرات، وكان مدمن تدخين وكان يقول: "لا حياة بدون تدخين"، وأخبر عنه ارنست جونس أقرب المقربين إليه أن كل أنواع المعاناة والعوارض التي كانت في حياته آتية من "الذهانية العصابية التي كان يعاني منها فرويد"، وبعد سرطان الذقن الذي أصابه، وانبعثت منه الروائح الكريهة قال لطبيبه: "والآن كل شيء يعني الآلام المتصلة، ولم يعد للحياة أي معنى يستحق الذكر" وطلب منه أن يضع حدًا لآلامه بمضاعفة جرعة المورفين حتى يموت، وبالفعل حقنه الطبيب بجرعات كبيرة قاتله حتى هلك، وأحرق بناء على وصيته ووضع رماده في مزهرية قديمة، وهكذا أعلن عابد الحياة المنبهر بها أنه لم يعد لها أي قيمة، وانهارت أمام ناظره معبودته الدنيا التي كان يعتبرها الأولى والأخيرة (١).
وسارتر قال على فراش الموت: ائتوني بقس، وقال: لقد قادتني فلسفتي إلى الهزيمة (٢).
ولوي ألتوسير الفيلسوف البنيوي الماركسي الفرنسي، شارح كتب ماركس، وصاحب المنهج التجديدي في الماركسية والذي وصفه رئيس فرنسا بأنه "عقل فرنسا" ذبح زوجته ونقل للمصحات العقلية، وبقي فيها حتى توفي سنة ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م (٣).
والقاص الأمريكي أرنست همنغواي صاحب الرواية الشهيوة الشيخ والبحر، انتحر سنة ١٣٨٠ هـ/ ١٩٦١ م (٤).
стр. 1985
هذه حياة قدوات المنبهرين والمخدوعين من المستغربين الداعين إلى محاكاة الغرب وتقليده والسير على منواله واقتفاء آثاره في الفكر والأخلاق والسلوك.
أمَّا الأمثلة من الحياة العامة الغربية فهي كثيرة لا يُمكن استقصاؤها؛ لأنه لا يُمكن جمع البحر في فنجان (١)، ولكن نستدل ببعض الشواهد الدالة على مدى الانحراف الأخلاقي والانهيار السلوكي والجرائم وأنواع الانحطاط في حياة الغربيين:
١ - خمسة ملايين شاذ جنسيًا في بريطانيا (٢).
٢ - جاء في كتاب "الثورة الجنسية" لبيتريم ساروكين مدير مركز الأبحاث بجامعة هارفارد ما نصه: (إننا محاصرون من جميع الجهات بتيار مطرد من الجنس يغرق كل غرفة من بناء ثقافتنا وكل قطاع من حياتنا العامة، وهذه الثورة التي تعبر بنا آخذة في تغيير حياة كل رجل وكل امرأة في أمريكا أكثر من أي ثورة أخرى في هذا العصر) (٣).
٣ - صرح جون كيشلر أحد علماء النفس الأمريكيين في شيكاغوا أن ٩٠ % من الأمريكيات مصابات بالبرود الجنسي، وأن ٤٠ % من الرجال مصابون بالعقم، وأن الإعلانات التي تعتمد على صور الفتيات العارية هي السبب في هبوط المستوى الجنسي للشعب الأمريكي (٤).
٤ - نشرت مجلة الجمعية الطبية البريطانية مقالًا بعنوان "الحمل عند فتيات المدارس" جاء فيه: أن بنات المدارس غير المتزوجات اللواتي يحملن وهن في سن يتراوح بين ١٦ و ١٩ سنة أصبحن مشكلة تواجه الهيئات الطبية والاجتماعية في بريطانيا، كما أنهن يسببن المشاكل
стр. 1986
لأنفسهن ولأهلهن، ولكن مع ذلك قسم منهن يستطعن العمل وكسب عيشهن ومنهن من يتزوجن بمن حملن منهم، إلّا أن المشكلة الحقيقية تأتي عند التلميذات اللواتي يحملن دون السادسة عشرة، وذلك لكونهن لا يستطعن الزواج ولا العمل، وهنا تاتي مشكل الأهل أيضًا الذين عليهم تدبير أمرهن، لقد بلغ عدد التلميذات اللواتي وضعن أطفالهن وهن دون السادسة عشرة حوالي "٢٠٠" فتاة في منتصف الخمسينات في إنكلترا وويلز، ولكن هذا العدد ازداد بشكل مضطرد خلال العشرين سنة الأخيرة فبلغ "١٧٤٣" في عام ١٩٧٣ م، وفي نفس العام بلغت الإجهاضات التي تمت بمعرفة القانون "٣٠٩٠" في فتيات في نفس الأعمار مما رفع عدد حالات الحمل غير الشرعية إلى "٤٨٣٣" وفي عام ١٩٧٥ م بلغ عدد التلميذات اللواتي وضعن أطفالهن بدون زواج إلى "٣٥٢٦" إلّا أن نسبة الإجهاضات انخفضت بنسبة ٢.٥ % (١).
٥ - في عدد واحد من صحيفة "فرانس سوار" جاء ما يلي: في أربع وعشرين ساعة مضت حدث ما يأتي:
- في مدينة ديجون، على كتف باريس، ثمانية أولاد بينهم ست فتيات يتولون بسادية عجيبة تعذيب طفل في الثالثة عشرة من عمره، فبعدما أوثقوا يديه ورجليه راحوا يضربونه ويوخزونه بالإبر وينتفون شعيرات مّا من جسده النحيل، ولا يكتفون بذلك كله بل أصلوا الحديد على النار وكووا له ظهره بعلامات ط.
- في "ليل" خطفت سيدة من مطعم شعبي كي تمارس الجنس -رغم إرادتها- مع امرأة في مثل سنها.
- في "ليل" أيضًا الرجل المسن المتقاعد جورج فالون قتل بيده ثلاثة صبية يتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والعشرين.
- في "الهافر" اعتقل البحار "بون زينفر" لاعتدائه على أولاد صغار.
стр. 1987
- في المترو بين محطتي "سان ميشال" و"داكلاركي" اغتُصبت فتاة لا تتعدى الثالثة عشرة من العمر (١).
ونشرت الصحيفة في العدد نفسه إحصائية كاملة للدعاوى التي نظرت فيها محكمة "السين" في ذلك اليوم وهي: ٢٣٥ حالة ضرب وجرح حتى الموت، ٣٥٨ تعذيب أولاد، ١٠٠٧ اغتصاب، ٢١١٠ قتل ٣٨٨ سرقة بدون مبرر، ٤١ سرقة موصوفة (٢).
ثم أضافت الصحيفة قائلة: إنه في اليوم الواحد تغتصب ١٣٠ امرأة أو فتاة، ويقتل ١٩ شخصًا ويعذب ٣٠ شخصًا كل دقيقتين، وكل ٢٠ ثانية تحدث سرقة، وكل ٤ دقائق هناك عملية اختلاس، وكل ربع ساعة هناك سرقة سيارة، وكل ٤ دقائق يخلع بيت (٣).
٦ - وفي مقابلات أجراها مراسل مجلة الحوادث البيروتية مع مجموعة من الشباب الباريسي في الحي اللاتيني أجابه أحدهم قائلًا: (نحن كالكومبيوتر نعمل في خط وخطة واحدة: على الذين أعدوا لنا الحياة، وبرمجوها لنا أن يحاسبوا أنفسهم عنا، نحن تعساء مرصودون بوجه الحياة شرًا كانت أم خيرًا، أمَّا السجن فلا يخيفنا بل يقتل الإحساس ويقوي روح العنف فينا، والثالث يعلق: ما دامت الحياة قصيرة تافهة مصطنعة فلم لا نسرع؟ لم لا نقتل أو نسرق أو نغتصب؟ والرابع يستطرد: نحن كلنا ضحايا أمراض الأخلاق، نحن نعيش في عالم متوحش فقد ضميره، وراح يتقاتل مع أخيه بالمخلب والناب والسكين، ويقاتل فيه أقوياؤه ضعفاءه، وتسوده فلسفات الإجرام والنهب والسلب وتحكمه مبادئ مادية عمياء ومصالح باردة. . .) (٤).
ويواصل الصحفي مشاهداته في ساحات باريس ساحة "بيكال": (هذا لص محترف يريد سرقة سيارة، وهذا بائع الهيروين بالمفرق يبيع بالشمة،
стр. 1988
وثالث مريض جنسيًا يبحث عن طريدة، والطريدة في باريس موجودة في كل مكان، تلقاها منذ الصباح في ميدان "الأوبرا" على الرصيف، وعند الفجر في "السان ميشال" أو "السان جرمان دي بري" وبين غروب الشمس وحلول الظلام تسرح على "العمياني" هنا وهناك وهنالك، وعلى الرصيف المواجه لفندق "غير ان أوتيل" صبية شقراء تدعوك لقبول دعوة حب صريحة بـ ٥٠٠ فرنك لليلة الواحدة ومائتين للجلسة العابرة، فإذا راق لك العرض حملتك في سيارتها الصغيرة المنمنة وطارت بك إلى شقتها في البناء القديم في الحي المتاخم لميدان الأوبرا. . . في ساحة الأوبرا طلوعًا ناحية المطعم شبان يعرضون أجسادهم للبيع بحفنة من الفرنكات أو الدولارات لا فرق، قتيات يعرضن أجسادهن على مثيلاتهم من بنات جنسهن مقابل كذا فرنكات في الساعة (١).
٧ - أوردت مجلة "رياليتيه" أن بين كل عشر نساء في باريس ست نساء شاذات، وبين كل عشرة رجال هناك أربعة يفضلون حب الجنس الواحد، ويعملون بمبادئه (٢).
٨ - في ساحة "البغال" يجد المار من هناك فئة الشباب الذين يتزينون على شاكلة النساء ويلبسون لباسهن، ويتبرجون بحليهن ويتصايحون ويتنهدون، والبوليس ليس مكلفًا بمطاردة هؤلاء فالحرية تكفل لهم حق التحرك كيفما اتفقت لهم أو شاؤوا (٣).
٩ - من حوادث باريس هذا الخبر: اعترضت ثلاث فتيات جميلات طريق شاب وسيم وأصعدنه بالقوة معهن في السيارة، وأمام منزل مهجور يقع وسط غابة ترجلت الفتيات وترجل الفتى المخطوف وهو يسأل مستغربًا: ماذا تردن مني؟ فأجابته الكبرى وهي لم تتجاوز سن السادسة عشرة: سوف تقوم باغتصابنا الواحدة تلو الأخرى ورفض الشاب، لقد أصيب بصدمة نفسية
стр. 1989
قاتلة جعلته عاجزًا عن ممارسة الجنس، وكان انتقامهن منه رهيبًا: أوثقنه إلى جذع شجرة، وقتلنه رجمًا بالحجارة (١).
١٠ - في عام ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٣ م تقول الأكسبرس أن جرائم الشباب الفرنسي ارتفعت خلال عشر سنوات بنسبة ١٥٦ %، وأكثرهم من الشباب الذين تعدوا مرحلة المراهقة ولم يصلوا إلى سن الرجولة بعد (٢).
١١ - بروز ظاهرة صور السفاحين والمجرمين على قمصان الشباب والفتيات، رمزًا لافتخارهم واعتزازهم بهؤلاء المجرمين (٣).
١٢ - تقول نشرة صدرت في نيويورك عام ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٣ م أن أكثر من ٣٥ % من النساء الأمريكيات يتعرضن للضرب المبرح من قبل أزواجهن، ونسبة كبيرة من هؤلاء النسوة يصبن بإصابات بالغة، ويقول مدير شرطة نيويورك في حديث له عن هذه القضية، إن أكثر من مائتي امرأة تنقل شهريًا إلى المستشفى نتيجة إصابات كبيرة وتهشيم ضلوع أو كسر في العظام من قبل الأزواج (٤).
١٣ - جاء في إحصائيات المؤسسة الأمريكية الاجتماعية أن هناك على الأقل مئة ألف فتى وفتاة في الولايات المتحدة يمثلون الأفلام الجنسية، وهناك أكثر من مليون فتى وفتاة لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة يهربون من منازلهم، وهناك ميلونان ونصف المليون من الفتيان والفتيات يمارسون "التحشيش" على جميع مستوياته، وثلاثة ملايين ولد من الجنسين يعملون في الدعارة (٥).
١٤ - في نيويورك وفي الشارع الثامن منه حيث الحي المشهور بأنه
стр. 1990
حي الحشاشين والسكارى والمعربدين تطالعك مئات الصور من الأولاد الذكور تتراوح أعمارهم ما بين تسع سنوات إلى تسع عشرة سنة يعرضون أنفسهم لمن يمارس معهم الشذوذ مقابل المال، ٥٠ % من هؤلاء من بورتوريكو، و ٣٠ % من السود، و ٢٠ % من البيض، وهؤلاء الأولاد لا يأوون إلى منازلهم، بل إلى دور السينما في أكثر الأحيان، وإذا عادوا إلى منازلهم فيعودون عند مطلع الفجر حيث يجدون أهاليهم بانتظارهم ليقبضوا منهم ما جنوه خلال الليل، أو لا يجدونهم لا فرق، فيجب على هؤلاء الأولاد أن يناموا ليستيقظوا في مساء اليوم التالي ليعودوا إلى الشارع الثامن النيويوركي ليفتشوا عن المشتري (١).
١٥ - صدر في بريطانيا كتاب بعنوان "في البالوعة" يتحدث فيه أحد أعضاء "جماعة التافهين" عن نفسه وعن جماعته يقول: (نحن نريد أن يرانا الناس مختلفين نحن نريد أن نبدو لهم كالشياطين والناس لا يستطيعون التوقف عن النظر في وجوهنا وملابسنا؛ لأننا سحرناهم وفتناهم بهذه التقليعة إنهم جميعًا يقفون مشدوهين ويظنون بأننا خياليون غريبو الأطوار) (٢).
وصورة غلاف الكتاب تدل فعلًا على أن فكر هؤلاء التافهين هو على مستوى عنوان الكتاب، فالغلاف عبارة عن صورة فتاتين:
الأولى حلقت شعرها إلّا من خصلات قصيرة، رفعت إلى أعلى بمادة صمغية ودهنت بلون فضي براق فبدأ صلع رأسها في بعض أجزاء من رأسها وخاصة في المقدمة، أما رقبتها فلفتها بحلقة جلدية مثل التي تربط في أعناق الكلاب، ووجها أقرب للبشاعة بسبب الأصباغ المتنافرة التي لطخت بها وجهها.
أمَّا الفتاة الأخرى فهي أكثر بشاعة حيث حلقت كل شعرها وظهرت صلعاء وزاد من بشاعتها تلك الأصباغ السوداء التي امتدت من عينيها إلى
стр. 1991
مؤخرة رأسها بشكل متموج مرعب بشع، أمَّا أذنها فقد ثقبت بستة ثقوب لتضع فيها الأقراط بشكل فوضوي.
هذا الكتاب وما فيه ومن فيه تعبير عن جماعة أعلنت نفسها باسم "التافهين" بديلًا عن جماعات سابقة هي الخنافس والهيبيز والقرود (١).
يقول أحد المدرسين عنهم في إحدى المعاهد البريطانية: (بكل أمانة أنك تنمو في هذا المجتمع معتادًا لظهورهم بل لا تستطيع أن تلاحظ هذا الأمر بعد فترة، فأحد هؤلاء التافهين تراه مميزًا بعلامات أو ندبات في وجهه أوجدتها الحروق أو الآلات الحادة القاسية، إنه أمر سخيف حقًا عندما تفكر فيه، أن يكون عندك أحد الطلبة من هؤلاء الشباب ذوي الشعور المصبوغة باللون القرنفلي ومن دون حواجب وأمواس الحلاقة معلقة بشحمتي أذنيه، جالسًا أمامك على منضدته في قاعة الدرس يناقشك في قصيدة من قصائد شكسبير) (٢).
ويقول أحد التافهين في هذا الكتاب واصفًا حادثة: (بعصبية وغضب شديد يقول: إذا أردت أن تشاهد مثلًا فرقة موسيقية أو غيرها من الفرق الأخرى فإنه يجب عليك الاصطفاف أيامًا في الطابور حتى يمكنك أن تشتري تذكرة دخول حفلهم الموسيقي العامر، إنك بهذه التذكرة سوف تذهب إلى جزيرة الأعباء الثقيلة وأقول ثقيلة لأنك ستجد في مكان حفلهم -وعادة تكون في مكان فسيح واسع كملعب رياضي أو حديقة كبيرة- الطين في كل مكان والمستنقعات والناس يبولون على أكياس النوم وفي كل اتجاه ومكان بشكل فوضوي. . .) (٣).
١٦ - في أمريكا جامعة باسم "سير جورج وليمز" لديها الكثير من المنح الدراسية وتشترط في المتقدم لها أن يكون "لوطيًا أو مخنثًا" (٤).
стр. 1992
١٧ - في مدينة لوس أنجلوس في كلفورنيا يتجمع أكثر ٣٠٠ ألف من الشاذين جنسيًا (١).
١٨ - نشرت مجلة أخبار اللوطيين الصادرة في بريطانيا خبرًا بالخط العريض مفاده أن (الدين سبب لكل المشاكل في الدنيا) (٢).
١٩ - نشرت جريدة الرأي العام الكويتية عن رئيس وزراء الهند موراجيس ديساي أنه يشرب بوله على الريق كل صباح ويقول: هذا نافع جدًا جدًا، ولست بحاجة لأدفع ثمنه إنه بالمجان، وهو أيضًا نافع لتدليك الجسد وليس لي فقط بل إن شقيقتي شفيت بعد جرعات من بولي (٣)!!.
٢٠ - كانت جمعيات الشذوذ الجنسي موجودة في أمريكا وبريطانيا تحت تسمى "كلوزت براكتيس" وكانوا يقومون بمزاولة كل أكمالهم في الخفاء، حتى قام أحد ضباط الصف اليهود بوضع قطعة كبيرة خلفه في مكتبه العسكري في أمريكا وكتب فيها "أنا لوطي" فقام الجيش بطرده وقامت الدنيا ولم تقعد على الجيش لاتخاذه مثل هذه الخطوة، ونشرت التايمز الأمريكية صورته على غلاف الصفحة الأولى، ودُعى إلى عدد كبير من المؤتمرات ليلقى فيها محاضرات، وبعدها فجأة انتشرت جمعياتهم في كل مكان فدم تبق جامعة تقريبًا في الولايات المتحدة أو في أوروبا أو في استراليا أو في نيوزلندة إلّا وفيها فرع للشذوذ الجنسي، ولقد استطاعوا أن يجعلوا الكثير من الممثلين والمطربين وحتى الوزراء ينضمون إلى مثل هذه الجمعيات فمثلًا في مقاطعة كوبيك في كندا يوجد ثلاثة وزراء يعلنون جهارًا نهارًا أنهم شاذون جنسيًا ولذلك أصدروا قوانين كلها تؤيد الشذوذ الجنسي بالخفاء (٤).
هذا ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن الشواذ جنسيًا استطاعوا في
стр. 1993
أمريكا بعد تولي بل كلنتون وفي عام ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٣ م أن يستصدروا أمرًا إلى الجيش بتوسيع توظيف الشاذين جنسيًا في قطاعات الجيش، كما أنه أتاح لجماعات الضغط من لوطيي كلفورنيا وغيرها أن يدخلوا في الانتخابات بشعاراتهم ومشروعاتهم الجنسية، وبالفعل نجح مجموعة من الشاذين جنسيًا للدخول في الكونجرس ومجلس الشيوخ.
ولما ذهبت إلى أمريكا في رمضان سنة ١٤١٤ هـ كانت أجهزة الإعلام تتحدث عن الشاذين، وأنه يجب التعامل معهم على أنهم أسوياء، ومواطنون عاديون، وليسوا شواذًا كما كان يقال!!، واقترحت برامج للأطفال والأسر لإشاعة هذه الفكرة بين الناس، من أجل تطبيع علاقة هؤلاء الشواذ بقطاعات المجتمع!!.
وكان مما ألقي في هذه البرامج أنه يلزم تجاوز عُقُد الماضي حينما كان يمنع الشواذ من التمثيل النيابي والعمل في الجيش، ذلك أن الحقبة الأخيرة قد أتيحت لهم فيها الفرص الواسعة حتى لقد أصبح من أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ ما يزيد على خمسة عشر نائبًا يعرفون بالشذوذ ويعلنون ذلك ولا يخفون به، وهناك أضعاف هذا العدد من النواب والوزراء وكبار شخصيات الحكومة الأمريكية الذين لم يعلنوا عن كونهم من الشاذين جنسيًا، وهم في الحقيقة كذلك، وهكذا كانت هذه الحيثيات وغيرها من أجل تطبيع الشذوذ في المجتمع.
وفي ١٤/ ٩/ ١٤١٤ هـ وأنا في مدينة "تيمبي" من ولاية "أرزونا" كتبتُ عن إحدى المحطات التلفازية هذه المعلومات، كل عشرين ثانية تسرق سيارة، وكل ثماني عشرة ثانية حالة اغتصاب، يوجد في المنازل الأمريكية اثنان وخمسون مليون كلب وأربعة وخمسون مليون قط تُربى ويُعتنى بها، بل بعضهم استعاض بها عن أبنائه وبناته الذين تركوا المنازل أو طردوا منها، وعرضت برامج ومقترحات لحل مشكلات البنات القواصر من إحدى عشرة سنة إلى سبع عشرة سنة اللاتي يحملن سفاحًا ويضعن أطفالًا، أو يقمن بعمليات إجهاض، وبعض هذه البرامج جاء بعنوان "طفلات يحملن ويضعن
стр. 1994
أطفالًا"، وتوجد جماعة ذات انتشار في الولايات الأمريكية تعبد الشيطان ومن طقوسها ذبح أحد البشر، فإن لم يتهيا ذلك ذبحوا أحد الحيوانات بصورة بشعة، ومن المشاهدات شعار جامعتي "تنبي" على شكل شيطان، وفي بعض الإسكانات الجامعية توجد حمامات مشتركة بين الجنسين ومفتوحة على بعضها بحيث يُرى من يغتسل ومن يتغوط، ومن المشاهد المالوفة عند الإشارات ومداخل الفنادق فئة "الهوملس" الذين لا منازل لهم، يبحثون عن أي مأوى أو أي قوت، وبعضهم يضيف أنا ممن قاتل في فيتنام، وفي محلات بيع أدوات الإجرام والتجسس ترى صواعق كهربائية لشل قدرة الخصم وبخاخات تفعل ذلك أو تدمع العين، وأجهزة تجسس صغيرة تباع لعامة الناس، وأصابع تفجير وسكاكين مخفاة في أقلام وساعات، وثياب واقية ضد الرصاص، وكتب تعلم الإجرام مثل: كيف تقتل الآخرين؟، كيف تنتقم؟، تقنية الاختطاف، القتل بالخنق، كيف تتخلص من المطاردة، كيف تتغلب على مطاردة البوليس، كيف تخفي شخصيتك، وهناك محلات لبيع أدوات الجنس، وفيها من القذارة ما لا يخطر على بال.
وذهبت إلى مدينة سان فرانسيسكو، ومررت مع أحد المسلمين من شارع هناك اسمه "شارع كاسترو" في وسط المدينة، فقال: سأريك نموذجًا للتقدم الأمريكي!!.
وكان هذا الشارع شارع الشاذين جنسيًا. . . وهناك رأيت ما تقشعر له الأبدان، رجال وفتيان من كل الأعمار ونساء كذلك، كل اثنين متشابكين بالأذرع (يوجد عرف لدى الأمريكان أنه لا يأخذ أحد بيد الثاني أثناء المشي إلّا كان هذا دليلًا على عشق جنسي بينهما، سواء كانا رجلين أو امرأتين أو رجلًا وامرأة).
ورأيت في هذا الشارع مقاهي وخمارات يقف الرجل خلف الرجل في وضع جنسي قذر، ويجلس الرجل في حجر الآخر، ويقبل أحدهما الآخر على الشفاه وفي الوجنات.
وهناك المكتبات ومحلات الفيديو المليئة بالصور الجنسية للشاذين من
стр. 1995
الجنسين وصور الأعضاء التناسلية وصور العورات بطريقة مكشوفة فاحشة قذرة خبيثة غاية الخبث، وأمام مطعم صغير في هذا الشارع مجسم للشطيرة المسماة عندهم "الهامبرجر" وبدلًا من أن يكون وسط الشطيرة لحمًا أو غيره مما يؤكل كان الموجود في هذا المجسم ذكر رجل!!.
ويقال أن البرج العالي في هذه المدينة والذي يشرف على أكثر أجزائها صممه ونفذه هؤلاء الشواذ وجعلوه في شكل ذكر رجل!!.
وفي هذا الشارع وفي غيره ترى أشكالهم الملفتة، أقراط كثيرة في آذانهم وأنوفهم وأثدائهم ووجناتهم ورقابهم، معلقة في الجلد المخرم لهذا الغرض، أمّا الملابس وأشكال شعر الرأس والصور المنقوشة على الأجساد وعلى الملابس، والأصباغ على الوجوه، فشيء يفوق الوصف لكثرته وبشاعته وشذوذه.
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ (١).
٢١ - جاء في جريدة أخبار اللوطيين في ٦ مارس سنة ١٩٨٠ م/ ١٤٠٠ هـ ما يلي: (لمدة ست سنوات كنا في مساعدة جماعة الشاذين جنسيًا، إننا نعتبر هذه المساعدة لهم خدمة إنسانية نقوم بها مع سبعين من المتطوعين الذين نذروا أوقاتهم للرد على استفسارات ما يقارب من ثلاثمائة ألف مكالمة هاتفية في كافة المواضيع، فنحن نمدك بمعلومات وبيانات عن النوادي والحانات والفنادق وتجمعات الشاذين من كافة الاتجاهات والميول، ونحن بالإضافة إلى ندردش مع الوحيدين وغير المحبوبين، وبابنا دائمًا مفتوح لكم، فنحن نقدم هذه الخدمة المجانية خلال الأربع والعشرين ساعة في اليوم على مدار فصول السنة، إن المتطوعين لهذا العمل لا يأخذون مقابلًا لهذا العمل ولكن حتى نستمر في هذه الخدمة الإنسانية فإن ذلك يكلفنا كثيرًا. . .) (٢).
стр. 1996
٢٢ - جاء في جريدة السياسة الكويتية في ٢٢/ ٨/ ١٩٧٧ م/ ١٣٩٧ هـ هذا الخبر: (قدم خمسمائة شخص يمثلون حوالي خمسين جمعية ورابطة من جمعيات الشذوذ الجنسي بمظاهرة أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك للمطالبة بإلغاء أي تفرقة في المعاملة لأعضاء هذه الجمعيات تقوم على أساس السلوك الجنسي الشاذ وقد بعث المتظاهرون برسالة إلى سكرتير عام الأمم المتحدة يطالبونه فيها بإنهاء الوضع الحالي الخاص بسكوت الأمم المتحدة عن موضوع "الحريات الخاصة بالشواذ جنسيًا". . .) (١).
هذه قطرة صغيرة من بحار الانحرافات ومحيطات الانحلال الخلقي، وهي على قلتها -بالنسبة للواقع هناك- تدل دلالة واضحة على مقدار الانتكاس الذي وصلت إليه البشرية في تلك البلاد وعلى ضخامة الهبوط والسقوط الذي تردت إليه تلك الأمم التي تتحدث دعاياتها الإعلامية عن الإنسانية الرفيعة، والضمير وحقوق الإنسان.
(قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا شيئًا … كما أكلوا الإنسان أو شربوا) (٢)
ومع كل ذلك ما زلنا نرى الدمى من أبناء البلاد الإسلامية ينادون بالسير على هذا الطريق النتن المظلم، المدمر المحطم لكل قيمة إنسانية!!.
لقد استطاع الغرب المتقدم في أمور التقنية والمكتشفات، والمسيطر بقوته العسكرية والاقتصادية والصناعية أن يبهر ضعفاء العقول من أبناء الشعوب الضعيفة المسماة -تلطفًا- دول العالم الثالث، أو الدول النامية، فأقبلوا على الغرب يأخذون ما لديه بلهف، ويتلقون ما عنده بشغف.
ومن هؤلاء الذين بهروا بالغرب وما فيه، أبناء البلاد الإسلامية، فقد تسابق كثير منهم، وخاصة أصحاب التأثير المعنوي والحسي في استجلاب ما في الغرب، بل أسوأ ما فيه، جلبوا الفكر والثقافة والفنون
стр. 1997
القائمة على فلسفة مادية حيوانية، وسعوا في تعميم النمط الغربي، وتطبيع السلوك الغربي، وتكسير معاقد الأخلاق الإسلامية ومفاصل الروابط الاجتماعية، ولقد عرف أعداء الإسلام أن الأخلاق الإسلامية تمثل صلب الحياة الاجتماعية والنفسية، فجندوا لتحطيمها وتكسيرها جيوش الإفساد والفتنة.
وأول أمر بدأوا به أمر العقيدة والإيمان؛ لأنها تمثل المنبع العظيم للأخلاق، فاتجهوا إلى التشكيك الجاحد، والتدنيس الفاسد لكل قضايا الإيمان، ابتداءً بالإيمان باللَّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
واتجهوا إلى مصادر الشريعة الإسلامية، فمكروا مكرهم، وتناولوا أصول الشريعة وقواعد الملة وكليات الدين تناول المتلاعب المشوه الحاقد، ولما علموا أن تفهم الإسلام تفهمًا سليمًا هو الذي يمد نبع الإيمان بالعلم الصحيح، ويمد تطبيقاته بالممدد الخالص عمدوا إلى العلوم الإسلامية فكرسوا حربهم عليها وركزوا جهدهم ضدها، وقد استخدموا في سبيل تهديم الأخلاق الإسلامية عدة وسائل منها:
١ - الغزو الفكري، الذي يستهدف زعزعة ركائز الأخلاق التي تمدها بالقوة والأصالة والثبات ومتى حصلت الهزيمة الفكرية والاعتقادية تبعتها هزائم أخرى، منها الهزيمة الأخلاقية، وهذا ما نراه ونشاهده في سائر طبقات المنهزمين.
٢ - إيجاد الأجواء الفاسدة المفسدة، وغمس الناس في الفساد الخلقي، وتهيئة البيئات المناسبة للإنحراف السلوكي والأخلاقي.
٣ - الإفساد من خلال النساء، فهم أولًا أفسدوا المرأة وأخرجوها من عرشها المكين، من عفافها وحجابها ومكانتها السامقة التي وضعها لها دين اللَّه القويم، ثم أفسدوا بها.
- أفسدوا المرأة بالتعليم الفاسد، والتربية الجاهلية المنحرفة، حتى خرجت الفتيات وهن مثقلات بالمفاهيم الباطلة والعادات الفاسدة، وهى تظن أو تزعم أو يُزعم لها أن هذه هي الثقافة العصرية، وهذا هو التقدم، وهذا
стр. 1998
هو التحرر، فها هي الفتاة تحمل الشهادة الجامعية أو الشهادة العليا!! أليست هذه هي علامة التقدم؟.
ومن هذا المجال انطلقت المرأة أمّا ومعلمة وعاملة تضع بصمات ما تأثرت به على الأجيال اللاحقة، فتوالى الفساد والإفساد وتكاثرت أسبابه.
- وأفسدوا المرأة بدعوتها إلى العمل وإخراجها من بيتها، بدعوى عدم تعطيل نصف المجتمع وقالوا: نضعها في العمل المناسب لأنوثتها أو لتقاليد المجتمع، ولما استقر الأمر وقبل به الناس جعلوها سكرتيرة للرجال ومضيفة في الطائرات والفنادق، وموظفة في الدوائر العامة والشركات، وعاملة في المحلات التجاربة تجذب المشتري بأنوثتها ودلالها!!.
- وأفسدوا المرأة بالأزياء البعيدة عن الحشمة والعفاف والمليئة بالشذوذ والإغراء، وحركوا في داخل المرأة مرضى حب البروز، البروز بملابسها وفتنة جسدها، بل أوصلوها إلى مستنقع الاستعراض والإغراء.
- وأفسدوا المرأة بالفنون المختلفة، وسخروا الوسائل الجذابة والمؤثرة وذات الفاعلية السريعة مثل السينما والتلفاز والمسرح والمجلات والجرائد والقصص والروايات، والإذاعة، وسائر وسائل الإعلام، وقبض المنحرفون أو الضعفاء المنهزمون على أزمة هذه الوسائل فسخروها لهدم الأخلاق وتحطيم القيم، وغرس الرذائل والمفاسد والانحرافات، حتى لقد سمّوا تبرج المرأة واستعراضها بمفاتن جسدها وغنجها بكلامها وحركاتها سموه فنًّا، وأطلقوا على العري والاختلاط أسماء التقدم والتحضر.
وكانت هذه الأمور -المتزايدة في شرها- سببًا عظيمًا في تهديم أخلاق المسلمين، فانهار العفاف الذي عرفت به نساء المسلمين من عهد النبوة إلى عهد قريب وتمزق كيان كثير من الأسر المسلمة، وتبدل الاعتزاز بأخلاق الإسلام والاستمساك بسلوكياته، إلى سخرية به وتهاون ومضادة ومناقضة، واندفعت المرأة المسلمة إلى تقليد الكوافر الفواجر، وتسابقت الخطى في سرعة عمياء صماء حتى فقدت معظم بلدان المسلمين طابع
стр. 1999
الاحتشام، وأضحى السفور والتبرج والاختلاط سمة عادية مقبولة عند كثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه.
وأمام هذا الطوفان الهائل من الفساد والإفساد إفساد المرأة والإفساد من خلالها، تحركت غرائز الشباب وتملكت عقولهم الشهوات، ومتى غرق العقل في الشهوة، وتدنست النفس في الغريزة أمكن أهل الشر وبغاة العلو بالباطل التلاعب بالعقائد والأفكار والسلوك وسائر الأخلاق الشخصية والاجتماعية، وأمكن سلب إخلاصهم لأمتهم ومجتمعهم وبلادهم.
وهذا ما حصل فعلًا في كثير من بلدان المسلمين، حيث استطاع الأعداء أن يسخروا فئات من أبناء هذه البلدان ليسعوا في الأرض فسادًا وليكونوا كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ (١).
٤ - الإفساد بالخمر والمخدرات، لقد دخل الاستعمار بلاد المسلمين وما فيها من يجاهر ببيع الخمر أو صنعه، وما فيها من يفكر أن يتحاكم إلى غير الإسلام، وما في مجتمعاتهم من تخرج سافرة عارية أو شبه عارية، ولم يخرج الاستعمار من هذه البلدان إلّا وشرع اللَّه مستبعد، ومكانه القوانين الجاهلية، والمرأة متبرجة مختلطة مسترجلة، والخمر تصنع وتباع كأنها الماء الزلال!!.
عملوا على نشر المسكرات والمخدرات بين أبناء المسلمين لما فيها من إضرار على العقول والنفوس والأجساد والأخلاق، وها هي بريطانيا أيام قوتها كانت تستعمر الصين وترضخه لسلطانها بوسائل عديدة منها "الأفيون والحشيش" وقد علم من استقراء أحوال المجتمعات والأفراد أن المفاسد يجر بعضها بعضًا، والخمر أم الخبائث تجر إلى المخالطة الفاسدة، ثم إلى جلسات الاستمتاع بالفاحشة وإلى القتل والمعاداة، بل تجر إلى خيانة الأمة "الخيانة العظمى" والتبرع بأسرارها، والتنازل عن مقومات قوتها، وتسليم
стр. 2000
مقاليد أمرها إلى الأعداء المبغضين الطامعين المخربين (١).
وقد شهدت بلاد المسلمين من أضرار هذه المفسدات دواهي عظيمة، في الدين والخلق والعلاقات، بل في كل أسباب القوة والتمكن.
٥ - الإفساد بوسائل اللهو، وأعظم قضية تسلطت عليها وسائل اللعب واللهو "خلق الجدية" الذي كان من سيما المسلمين، ومن أشهر صفاتهم، لقد تبدل ذلك من خلال هذه الوسائل التي جُعلت في أذهان الشباب وأعراف المجتمعات ضرورة لا يُمكن الاستغناء عنها!! فأصبح الميل إلى اللعب والهزل وسفساف الأمور خلقًا بارزًا في كثير من شباب المسلمين، واستتبع ذلك ما استتبعه من محبة للدعة وتخلق بالباطلة وتبرم بالعمل وهروب من العمل الجاد النافع، والبحث عن أسباب المتعة، وقتل الأوقات باللهو واللعب، هذا إذا كانت هذه الوسائل مباحة أو غير محرمة.
أمّا وسائل اللهو المحرمة كأندية. القمار ودور اللهو المحرم ومسارح الاختلاط والرقص، وأفلام الخلاعة، وصور الفجور، ومجالس الموسيقى، وكتب القصص التافهة، ومسهرات الاختلاط، وأمسيات المجون، وغير ذلك من وسائل الإلهاء والتمتع بالحرام والفساد، فهذه فعلت وتفعل في الأخلاق والسلوك مثلما تفعله الخمر والمخدرات في القضاء على الأخلاق النبيلة والعادات الكريمة، وغرس النجاسات الفكرية والخلفية والاجتماعية مكانها.
إضافة إلى سرقة أعمار الشباب، والقضاء على حياتهم من خلال تبديد أوقاتهم، ومن تامل ميادين الرياضة وما في بواطنها من إلهاء وإغراء وتلاعب