← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

٢٢ - جاء في جريدة السياسة الكويتية في ٢٢/ ٨/ ١٩٧٧ م/ ١٣٩٧ هـ هذا الخبر: (قدم خمسمائة شخص يمثلون حوالي خمسين جمعية ورابطة من جمعيات الشذوذ الجنسي بمظاهرة أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك للمطالبة بإلغاء أي تفرقة في المعاملة لأعضاء هذه الجمعيات تقوم على أساس السلوك الجنسي الشاذ وقد بعث المتظاهرون برسالة إلى سكرتير عام الأمم المتحدة يطالبونه فيها بإنهاء الوضع الحالي الخاص بسكوت الأمم المتحدة عن موضوع "الحريات الخاصة بالشواذ جنسيًا". . .) (١). هذه قطرة صغيرة من بحار الانحرافات ومحيطات الانحلال الخلقي، وهي على قلتها -بالنسبة للواقع هناك- تدل دلالة واضحة على مقدار الانتكاس الذي وصلت إليه البشرية في تلك البلاد وعلى ضخامة الهبوط والسقوط الذي تردت إليه تلك الأمم التي تتحدث دعاياتها الإعلامية عن الإنسانية الرفيعة، والضمير وحقوق الإنسان. (قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا شيئًا … كما أكلوا الإنسان أو شربوا) (٢) ومع كل ذلك ما زلنا نرى الدمى من أبناء البلاد الإسلامية ينادون بالسير على هذا الطريق النتن المظلم، المدمر المحطم لكل قيمة إنسانية!!. لقد استطاع الغرب المتقدم في أمور التقنية والمكتشفات، والمسيطر بقوته العسكرية والاقتصادية والصناعية أن يبهر ضعفاء العقول من أبناء الشعوب الضعيفة المسماة -تلطفًا- دول العالم الثالث، أو الدول النامية، فأقبلوا على الغرب يأخذون ما لديه بلهف، ويتلقون ما عنده بشغف. ومن هؤلاء الذين بهروا بالغرب وما فيه، أبناء البلاد الإسلامية، فقد تسابق كثير منهم، وخاصة أصحاب التأثير المعنوي والحسي في استجلاب ما في الغرب، بل أسوأ ما فيه، جلبوا الفكر والثقافة والفنون

стр. 1997

القائمة على فلسفة مادية حيوانية، وسعوا في تعميم النمط الغربي، وتطبيع السلوك الغربي، وتكسير معاقد الأخلاق الإسلامية ومفاصل الروابط الاجتماعية، ولقد عرف أعداء الإسلام أن الأخلاق الإسلامية تمثل صلب الحياة الاجتماعية والنفسية، فجندوا لتحطيمها وتكسيرها جيوش الإفساد والفتنة. وأول أمر بدأوا به أمر العقيدة والإيمان؛ لأنها تمثل المنبع العظيم للأخلاق، فاتجهوا إلى التشكيك الجاحد، والتدنيس الفاسد لكل قضايا الإيمان، ابتداءً بالإيمان باللَّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. واتجهوا إلى مصادر الشريعة الإسلامية، فمكروا مكرهم، وتناولوا أصول الشريعة وقواعد الملة وكليات الدين تناول المتلاعب المشوه الحاقد، ولما علموا أن تفهم الإسلام تفهمًا سليمًا هو الذي يمد نبع الإيمان بالعلم الصحيح، ويمد تطبيقاته بالممدد الخالص عمدوا إلى العلوم الإسلامية فكرسوا حربهم عليها وركزوا جهدهم ضدها، وقد استخدموا في سبيل تهديم الأخلاق الإسلامية عدة وسائل منها: ١ - الغزو الفكري، الذي يستهدف زعزعة ركائز الأخلاق التي تمدها بالقوة والأصالة والثبات ومتى حصلت الهزيمة الفكرية والاعتقادية تبعتها هزائم أخرى، منها الهزيمة الأخلاقية، وهذا ما نراه ونشاهده في سائر طبقات المنهزمين. ٢ - إيجاد الأجواء الفاسدة المفسدة، وغمس الناس في الفساد الخلقي، وتهيئة البيئات المناسبة للإنحراف السلوكي والأخلاقي. ٣ - الإفساد من خلال النساء، فهم أولًا أفسدوا المرأة وأخرجوها من عرشها المكين، من عفافها وحجابها ومكانتها السامقة التي وضعها لها دين اللَّه القويم، ثم أفسدوا بها. - أفسدوا المرأة بالتعليم الفاسد، والتربية الجاهلية المنحرفة، حتى خرجت الفتيات وهن مثقلات بالمفاهيم الباطلة والعادات الفاسدة، وهى تظن أو تزعم أو يُزعم لها أن هذه هي الثقافة العصرية، وهذا هو التقدم، وهذا

стр. 1998

هو التحرر، فها هي الفتاة تحمل الشهادة الجامعية أو الشهادة العليا!! أليست هذه هي علامة التقدم؟. ومن هذا المجال انطلقت المرأة أمّا ومعلمة وعاملة تضع بصمات ما تأثرت به على الأجيال اللاحقة، فتوالى الفساد والإفساد وتكاثرت أسبابه. - وأفسدوا المرأة بدعوتها إلى العمل وإخراجها من بيتها، بدعوى عدم تعطيل نصف المجتمع وقالوا: نضعها في العمل المناسب لأنوثتها أو لتقاليد المجتمع، ولما استقر الأمر وقبل به الناس جعلوها سكرتيرة للرجال ومضيفة في الطائرات والفنادق، وموظفة في الدوائر العامة والشركات، وعاملة في المحلات التجاربة تجذب المشتري بأنوثتها ودلالها!!. - وأفسدوا المرأة بالأزياء البعيدة عن الحشمة والعفاف والمليئة بالشذوذ والإغراء، وحركوا في داخل المرأة مرضى حب البروز، البروز بملابسها وفتنة جسدها، بل أوصلوها إلى مستنقع الاستعراض والإغراء. - وأفسدوا المرأة بالفنون المختلفة، وسخروا الوسائل الجذابة والمؤثرة وذات الفاعلية السريعة مثل السينما والتلفاز والمسرح والمجلات والجرائد والقصص والروايات، والإذاعة، وسائر وسائل الإعلام، وقبض المنحرفون أو الضعفاء المنهزمون على أزمة هذه الوسائل فسخروها لهدم الأخلاق وتحطيم القيم، وغرس الرذائل والمفاسد والانحرافات، حتى لقد سمّوا تبرج المرأة واستعراضها بمفاتن جسدها وغنجها بكلامها وحركاتها سموه فنًّا، وأطلقوا على العري والاختلاط أسماء التقدم والتحضر. وكانت هذه الأمور -المتزايدة في شرها- سببًا عظيمًا في تهديم أخلاق المسلمين، فانهار العفاف الذي عرفت به نساء المسلمين من عهد النبوة إلى عهد قريب وتمزق كيان كثير من الأسر المسلمة، وتبدل الاعتزاز بأخلاق الإسلام والاستمساك بسلوكياته، إلى سخرية به وتهاون ومضادة ومناقضة، واندفعت المرأة المسلمة إلى تقليد الكوافر الفواجر، وتسابقت الخطى في سرعة عمياء صماء حتى فقدت معظم بلدان المسلمين طابع

стр. 1999

الاحتشام، وأضحى السفور والتبرج والاختلاط سمة عادية مقبولة عند كثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه. وأمام هذا الطوفان الهائل من الفساد والإفساد إفساد المرأة والإفساد من خلالها، تحركت غرائز الشباب وتملكت عقولهم الشهوات، ومتى غرق العقل في الشهوة، وتدنست النفس في الغريزة أمكن أهل الشر وبغاة العلو بالباطل التلاعب بالعقائد والأفكار والسلوك وسائر الأخلاق الشخصية والاجتماعية، وأمكن سلب إخلاصهم لأمتهم ومجتمعهم وبلادهم. وهذا ما حصل فعلًا في كثير من بلدان المسلمين، حيث استطاع الأعداء أن يسخروا فئات من أبناء هذه البلدان ليسعوا في الأرض فسادًا وليكونوا كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ (١). ٤ - الإفساد بالخمر والمخدرات، لقد دخل الاستعمار بلاد المسلمين وما فيها من يجاهر ببيع الخمر أو صنعه، وما فيها من يفكر أن يتحاكم إلى غير الإسلام، وما في مجتمعاتهم من تخرج سافرة عارية أو شبه عارية، ولم يخرج الاستعمار من هذه البلدان إلّا وشرع اللَّه مستبعد، ومكانه القوانين الجاهلية، والمرأة متبرجة مختلطة مسترجلة، والخمر تصنع وتباع كأنها الماء الزلال!!. عملوا على نشر المسكرات والمخدرات بين أبناء المسلمين لما فيها من إضرار على العقول والنفوس والأجساد والأخلاق، وها هي بريطانيا أيام قوتها كانت تستعمر الصين وترضخه لسلطانها بوسائل عديدة منها "الأفيون والحشيش" وقد علم من استقراء أحوال المجتمعات والأفراد أن المفاسد يجر بعضها بعضًا، والخمر أم الخبائث تجر إلى المخالطة الفاسدة، ثم إلى جلسات الاستمتاع بالفاحشة وإلى القتل والمعاداة، بل تجر إلى خيانة الأمة "الخيانة العظمى" والتبرع بأسرارها، والتنازل عن مقومات قوتها، وتسليم

стр. 2000

مقاليد أمرها إلى الأعداء المبغضين الطامعين المخربين (١). وقد شهدت بلاد المسلمين من أضرار هذه المفسدات دواهي عظيمة، في الدين والخلق والعلاقات، بل في كل أسباب القوة والتمكن. ٥ - الإفساد بوسائل اللهو، وأعظم قضية تسلطت عليها وسائل اللعب واللهو "خلق الجدية" الذي كان من سيما المسلمين، ومن أشهر صفاتهم، لقد تبدل ذلك من خلال هذه الوسائل التي جُعلت في أذهان الشباب وأعراف المجتمعات ضرورة لا يُمكن الاستغناء عنها!! فأصبح الميل إلى اللعب والهزل وسفساف الأمور خلقًا بارزًا في كثير من شباب المسلمين، واستتبع ذلك ما استتبعه من محبة للدعة وتخلق بالباطلة وتبرم بالعمل وهروب من العمل الجاد النافع، والبحث عن أسباب المتعة، وقتل الأوقات باللهو واللعب، هذا إذا كانت هذه الوسائل مباحة أو غير محرمة. أمّا وسائل اللهو المحرمة كأندية. القمار ودور اللهو المحرم ومسارح الاختلاط والرقص، وأفلام الخلاعة، وصور الفجور، ومجالس الموسيقى، وكتب القصص التافهة، ومسهرات الاختلاط، وأمسيات المجون، وغير ذلك من وسائل الإلهاء والتمتع بالحرام والفساد، فهذه فعلت وتفعل في الأخلاق والسلوك مثلما تفعله الخمر والمخدرات في القضاء على الأخلاق النبيلة والعادات الكريمة، وغرس النجاسات الفكرية والخلفية والاجتماعية مكانها. إضافة إلى سرقة أعمار الشباب، والقضاء على حياتهم من خلال تبديد أوقاتهم، ومن تامل ميادين الرياضة وما في بواطنها من إلهاء وإغراء وتلاعب

стр. 2001

بالعواطف والقيم، وما في طياتها من إسراف وتشاحن وتباغض، وما في نتائجها من تخدير للعقول والقلوب، وتعطيل للطاقات، أيقن كم جرت هذه الملهيات على المسلمين من مصائب، أظهرها ما يشاهد في كثير من الشباب من ولاء وبراء للكرة، وما فيهم من تعلق وشغف بالتفاهات، وانشغال بالترهات، وانصراف عن ما به عزّ الأمم والأوطان من علم نافع وصناعة مثمرة وزراعة تؤمن العيش المستقل، وسلاح يؤمن القوة الفاعلة. ومن كان في قلبه أدنى غيرة على الإسلام والمسلمين لابد أنه سيتأثر كثيرًا، ويحزن كثيرًا على هذا الشباب الضائع بين وسائل اللهو واللعب، ووسائل المجون والإنحلال. ٦ - الإفساد بالمال، فالمال عنصر فعال في حياة الناس، تشترى به الذمم الضعيفة، وتستذل من خلاله أمم، وتغير به أحوال، وكم اشترى الأعداء بالمال نفوسًا ضعيفة ووجهوها لتفسد الأخلاق، وتنشر الفساد، ومكنوا لها بالأموال لتفعل الأفاعيل في ذمم الناس وسلوكياتهم. فالرشوة فساد خلقي يقع بالمال، ويستثمر المفسدون المرتشي بعد إهانته بالرشوة ليكون يدًا لهم في تنفيذ مآربهم، فكم من خائن لأمته، وكم من متواطئ مع أعدائها، وكم من ساع في تنفيذ مخطط الأعداء، اشتريت ذمته بالمال. ولقد أُفسد بالمال من أخلاق المسلمين التجارية ما لا يخطر على بال، فحل الجشع والشح مكان العطاء والبذل وسهل للفاسدين أسباب الاحتكارات المحرمة، والمكاسب المحرمة، وانفتحت أبواب الكسب غير المشروع، وساغ عند الناس التعامل بالربا وبيع الخمر وقبول الرشوة، وبذل المال في المحرمات والأمور المفسدة، فأدى ذلك إلى موت الفضيلة عند كثيرين، والرضى بالخنوع والذل والهوان، ما دامت الأوضاع تهيء المكسب المالي، وماتت روح التضحية والفداء، وانقرضت معاني العزة الحضارية الإنسانية المؤمنة، وحل محل ذلك ذميم الأخلاق من أنانية ومحبة للذات وتتبع للمصلحة وقبول بالذلة، ورضى بالهزيمة، وتسويغ للرذيلة ودفاع عن الباطل، وركون إلى الهوان.

стр. 2002

٧ - الإفساد بالترف وكثرة الرفاهية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ (١). وبالنظر في التاريخ البشري وتتبع أحداث الحياة وجُد أنه إذا أغرقت أمة في الترف والبطر، وتمادت في حياة الرفاهية الباذخة سرت إليها عوامل الضعف والتمزق؛ ذلك أنها بالرفاه المفرط والترف الطاغي تنسي اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ (٢) وتنسي الموت واليوم الآخر، وتطمئن إلى الدنيا وزخارفها، وتركن إلى الترف وتجري وراء الملذات المتجددة، فتتحطم عندئذٍ القيم والأخلاق، ويتنافس المترفون في البحث عما يشتهون، ويفنون أعمارهم وطاقاتهم في ابتكار ما به يلتهون، ويتفننون في اصطياد المتع، وكلما شبعوا من متعة انتقلوا إلى غيرها في نهم، وبحثوا عن سواها بعد أن أملّهم السأم. فإذا هم في حمأة الشهوات المحرمات، وفي مستنقع الملذات المهلكات، رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وغفلوا عن كل أسباب العز والتمكين، والتقدم والرقي، واتبعوا أمر كل جبار عنيد، يحقق لهم أسباب الملذات، ويؤمن لهم طرق الشهوات، وقلوب المترفين قاسية غليظة فاقدة للرحمة والعطف الإنساني، بعيدة عن الشفقة على الضعفاء والفقراء، بل ربّما ارتكبت في حقهم الشناعات من أجل تحقيق مراداتهم الباذخة، وما أنباء الترف الروماني والفارسي ببعيدة عن الأذهان، فقد قص التاريخ من أنبائهم وأخبار بذخهم الشيء الكثير، وكيف أودى بهم ذلك، حين أوجد من الأدواء الخلقية والاجتماعية والأمراض السلوكية ما عجل بذهابهم واندراس آثارهم (٣). إن من طبيعة أهل الترف والبذخ -إضافة ما سلف- أنهم يعارضون

стр. 2003

الإصلاح، ويتصدون للمصلحين بالحرب والإيذاء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿. . . وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ (٣). وقد أدرك أعداء الإسلام والمسلمين أن الرفاهية والترف والانغماس في اللذات أمور تسبب البطر، وتوقف التفكير السليم والإنتاج والتقدم، وتعرقل أي طموح نحو الحضارة، وتصيب الأمة بانهيار خلقي وسلوكي يقودها إلى الهزال والضعف والاستكانة، والتعلق بالقشور من ظواهر الحياة، وترك موجبات القوة والمجد والعزة والسؤدد، فعملوا على إغراق الذين بسط اللَّه لهم الرزق من أبناء المسلمين في أنواع الترف والرفاهية والمتع المحرمة، وزينوا لهم سبل اللهو والدعة والتلاعب بالأموال والأعراض، فاستعذب هؤلاء هذه الطرق الغاوية، واستسلموا لدواعي الإغراء وآثروا لذاتهم وشهواتهم، وتدافعوا نحو أسواق الترف وميادين البطر المعيشي، باذلين الأموال، مقتنصين الشهوات فكان من ذلك فساد الأخلاق والآداب، وكان منه الوقوع في حضيض التخلف والتبعية، ووهن العزيمة عن التطلع إلى مجد مؤثل.

стр. 2004

إضافة إلى أن الأعداء قد اتخذوا منهم جسورًا لتنفيذ المآرب الخبيثة، وابتزوا أموالهم واقتنصوا خيراتهم وامتصوا طاقاتهم المادية، واستخدموها ضدهم، وقووا بها مخططاتهم المستهدفة إذلال المسلمين وإبقاءهم في دائرة الهوان والتبعية. ٨ - الإفساد بالسلطة، تكاد تكون شهوة الحكم والسلطان في نفوس بعض الناس من أقوى الوغبات المتحكمة والشهوات الآسرة التي تهون على صاحبها ارتكاب الفضائع، واقتراف الوذائل والجرائم العظيمة. ويعرف الأعداء هذه الحقيقة من حقائق النفوس فولجوا من خلالها إلى أصحاب النفوس الضعيفة الذين لا يخشون اللَّه ولا يرجون الدار الآخرة، فاستخدموهم، وأفسدوا من خلالهم الأخلاق والعقائد بما لا يعلم قدره وامتداده إلّا اللَّه تعالى. عرفوا مواطن ضعفهم فرسخوها ونموها، وضمنوا استمرارهم بالحماية الدائمة لهم، وأغروهم بالاستمرار في تحكيم القوانين الجاهلية التي تدمر الأديان والأخلاق وتسوغ الرذائل وتحميها، وكان في هؤلاء الأرضية القابلة للإغراء والتحريش، بما تلبسوا به من شهوات مهلكة وشبهات قاتلة. علموهم أخلاق السياسة المعاصرة القائمة على الذرائعية "البرغماتية" وعلى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة "الميكيافيلية" أخلاق السياسة المعاصرة التي لا تؤمن بفضيلة من الفضائل، ولا تحترم قيمة من القيم الخلقية، حتى غدت رذائل الكذب والغدر والخداع والنفاق والوعود المزمع إخلافها ابتداءً ونقض العهود والمواثيق، والتعدي والظلم والفجور في الخصومة والادعاءات الباطلة، وسلب الحقوق وانتهاك الأعراض وغير ذلك من الفضائع من الأمور التي لا يستنكرها العاملون في ميادين السياسة، بل يعدونها من الحذق والمهارة السياسية. فنشأ من جراء هذه الرذائل السياسية انهيار خلقي وسلوكي عام، بما يراه الناس ويسمعونه، وبما تقذف به أجهزة الأعلام من تبريرات وتسويغات وتصريحات لا تزيد أمر الإنحراف إلّا رسوخًا.

стр. 2005

أضف إلى ذلك ما لديهم من أجهزة البحث والاستخبار التي تقوم على تصيد الأخبار والأشخاص من خلال النساء والخمور والمخدرات والرشاوى وشراء الذمم، وبيع الضمير والأخلاق في الحجرات المظلمة. ومن اطلع على الكتب التي تحدثت عن أجهزة الاستخبارات وأشخاصها وفضائحها تيقن كم في حشو هذه الأجهزة من بلاء مدمر للدين والأخلاق والقيم والتقاليد. ٩ - التركيز على إفساد الفتيان والفتيات، من خلال إرسال الأشياء المفسدة إليهم تحت أسماء مختلفة، علمية وفنية وصناعية وتجارية وسياحية ورياضية، لتقوم بعمليات الإفساد عن طريق الاختلاط بالبنين والبنات، والتأثير عليهم ببهرج مظاهر الحياة وزينتها ولذاتها، وبالمبتكرات الضالة من النظريات والأفكار، ومن الأزياء والفنون التي تستهوي النفوس ويغريها بالمحكاة والتقليد. فإذا أضيف إلى ذلك أن الأجيال الناشئة جاهلة بدينها، عديمة الحصانة في فكرها، عديمة المناعة النفسية ضد أي غزو فكري أو نفسي أو أخلاقي، تبين فضاعة ما يُمكن أن يصل إليه الأعداء في التأثير على الفتيان والفتيات. بيد أنهم لم يكتفوا بذلك -على فضاعته- بل استدرجوا أبناء المسلمين وبناتهم إلى معاقل الفساد والإفساد، وهم بحال من انعدام الحصانة الفكرية والنفسية، فأثر عليهم الأعداء أبلغ التأثير، ومسخوهم وغيروا نفوسهم وعقولهم وغرسوا فيهم الاستخفاف بالقيم والأخلاق، وصنعوهم على أعينهم أخبث صناعة، فعادوا مثقلين بالأمراض الخلقية والنفسية، يحملون بين المسلمين رسالة أعدائهم وبأسلوب أشد عنفًا وأكثر وقاحة وأعظم تأثيرًا. وماذا يتوقع من قوم تربوا في أكناف الشبهات الفكرية وتقلبوا بين أعطاف الشهوات التي امتصت منهم المروءة والدين والخلق، ورمتهم في زوايا دروب الحياة، حيث الفراغ والفساد والهوان والفتنة والفساد؟. وهكذا استطاعت العلمانية في البلدان الإسلامية أن تجد مجالها

стр. 2006

الأوسع في الوصول إلى صميم الحياة بهذه الوسائل المفسدة (١). وما سلم من تأثيرها إلّا من سلّمه اللَّه، وهم قلة إزاء الأعداد الهائلة التي استجابت كليًا أو جزئيًا لهذه المفسدات، وليس هذا من باب التشاؤم المبالغ فيه أو النظرة السوداوية كما يقول أرباب التبرير والتفاؤل الأخرق، بل الواقع في بلدان العالم الإسلامي يشهد بأعظم وأشنع مما وصفت، وخاصة بين قطاعات المثقفين والإداريين والإعلاميين، وبين فئات الشباب والشابات إلّا من رحم اللَّه، وقليل ما هم. ولا يعني ذلك أن الأمة انسلخت تمامًا عن كل قيمها وأخلاقها، ولكن الكلام هنا عن آثار هذه الوسائل في حياة المسلمين وتأثرهم بها، سواء قل هذا التأثر أو كبر، عظم أو صغر، ومما لا ريب فيه أن ذلك من أعظم طموحات ومشروعات أهل العلمنة والحداثة، وسوف أورد من أقوالهم ما يدل على تبنيهم الحرب ضد أخلاق الإسلام وقيمه، وسعيهم في إيجاد قيم وأخلاق شهوانية أو مادية حيوانية مستوردة، وكلا الأمرين متداخلان، بل هما وجهان لعملة واحدة. فأمَّا محاربتهم للأخلاق الإسلامية والسخرية بها وبأهلها فإنه يتبين ذلك بالعودة إلى موقفهم من الإيمان باللَّه تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، حيث تبين بالشواهد في الفصول المختصة بهذه الأركان أن الحداثيين في شأنها بين جاحد ملحد مجاهر بجحده وإلحاده، وشاك مرتاب يصب ضلاله في نهاية الأمر في مستنقع الكفر، وهم بهذا الجحد والريب يكسرون معاقد الأخلاق الفاضلة ويحطمون صلب القيم الأخلاقية عند المسلمين. ذلك أن الأخلاق في الإسلام -كغيرها- تنبع من العقيدة الإسلامية القويمة، التي تصون وتحمي وتعلي وترفع الإنسان في كل شؤون حياته وكل مناشط أعماله، وهي الجذر الحقيقي لكل الفضائل والأخلاق، وكل الآداب

стр. 2007

والسلوكيات التي يسير عليها المسلم، حتى التي جبل عليها يعملها بمقتضى إيمانه، محتسبًا الأجر في ذلك، راجيًا ثواب اللَّه وجنته. وإذا نظرنا إلى العداوة الشرسة التي تنضح بها ألسنتهم وأقلامهم ضد أصول العقيدة الإسلامية وأركان الملة الحنيفية تبين أنهم لا يستهدفون بهذه العداوة عقيدة مجردة بل يستهدفون مع ذلك مقتضيات ولوازم هذه العقيدة، ومنها الأخلاق. وليس هذا مأخوذًا من فحوى كلامهم أو لازم ضلالهم، بل من نصوصهم الصريحة. فهذا هو أدونيس يعتبر هدم كل ما يعيق حرية الإنسان واجبًا على المبدع!! ويذكر من ذلك الشريعة والمجتمع بل يذكر اسم اللَّه تعالى وتقدس، يقول: (لا يستطيع الإنسان، كما يرى جبران في "المجنون" وفي نتاجه كله، إن يصبح نفسه، إلّا إذا هدّم كل ما يعادي حريته الكاملة وتفتحه المليء، وما يقف حاجزًا دون طاقته الخلاقة، وتتجسد هذه القوة المعادية، كما يرى جبران، فيما يسميه "الشريعة" بتنويعاتها وأشكالها السلطوية الماورائية، والاجتماعية: اللَّه "بالمفهوم التقليدي"، الكاهن، الطاغية، الإقطاعي، الشرطي) (١). ثم يضيف بعد أن ذكر طريقته في هدم الشريعة: (وتكشف هذه الطريقة في رفض الشريعة عن براءة الإنسان المطلقة، وعن تجاوز إنسانيته لكل شريعة، فالإنسان قبل الشريعة، وهو الأصل. . . الشريعة في نظر جبران ترتبط دائمًا بمقتضيات المحافظة، وبما يغتصب السيادة الحقيقية، فالشريعة خداع واغتصاب، إنها مؤامرة الذين يريدون أن يظلوا أسيادًا على عبيد، أو أن يكونوا ساحقين، فالشريعة هي الإرهاب الإنساني بامتياز، بل إن المجتمع لا يكون طاغية، ولا يكون عدوًا للتقدم والحرية إلا بالشريعة واستنادًا إليها) (٢).

стр. 2008

على هذا الأصل الذي أسسه أدونيس، وتبعه من تبعه من المقلدين له اتجهت سهامهم نحو كل ما له صفة مؤسسة ثابتة، وخاصة ما كان ينبع من عقيدة الإسلام ويتفرغ من شريعته. ولاشك أن الأخلاق من أعظم الأمور التي لها سلطة معنوية على النفوس تمنعها من التردي والفساد، كما أن رقابة المجتمع المسلم على سلوك الناس له تأثير وفاعلية؛ ولذلك يطالب الحداثيون بتحطيم سلطة الأخلاق وتهديم سور المجتمع، وإبادة ضوابط السلوك والآداب؛ لأنها تشكل سدًا أمام رغباتهم الضالة وشهواتهم الفاسدة، وتعيق تقدمهم وانتصارهم الذي يأملون. وفي النص السابق من كلام أدونيس وجبران إشارة واضحة على تبنيهم رأي فرويد القائل بأن الدين والأخلاق والمجتمع عوامل كبت لابد من تخطيها وتجاوزها، وهذا يؤكد مقدار التبعية والمحاكاة في الأفكار والمشروعات التي يقدمها الحداثيون. ومن هنا كانت أعمالهم وأقوالهم في شأن الأخلاق تستهدف هدم الأخلاق، وجحد وجودها واعتبارها نسبية اعتبارية ليست أصيلة ولا ثابتة، وتذم الأخلاق القوية والسلوكيات الفاضلة، وتعتبر الاستمساك بها علاقة تخلف وجمود، في الوقت الذي أغدقوا فيه مدائحهم على الأخلاق الرذيلة، ودعوا إليها واعترفوا بمقارفتهم لها مفاخرين!!. وعودة إلى أدونيس وموقفه الحداثي التأصيلي الذي يرسمه لأتباعه في قضية الدين والأخلاق، يقول عن كتاب المجنون لجبران (قلت أن كتاب المجنون هدمي، وهو لذلك يضعنا في مناخ العدمية، نشعر أن الأخلاق والقيم الدينية تهدمت في العالم الذي يسكنه المجنون، لم تعد ثمة غاية ولا اتجاه، ولم يعد ثمة نور يضيء ولا طريق، بل لم يعد ثمة مكان. . . كل نقد جذري للدين والفلسفة والأخلاق يتضمن العدمية، ويؤدي إليها، وهذا ما عبر عنه نيتشه بعبارة "موت اللَّه" وقد رأينا أن جبران قتل اللَّه هو كذلك،

стр. 2009

على طريقته، حين قتل النظرة الدينية التقليدية إليه. . .) (١). تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا. وليس هناك أصرح من هذا القول الذي يفوه به هذا الباطني النجس فيما يتعلق بالدين وأصوله والأخلاق ومنزلتها، وما من شك أن حرب الأخلاق تعود إلى الفوضى، وأن الفوضى مقصد أساسي من مقاصد الحداثة، وقد أشرت في مواضع من هذا البحث إلى دعوتهم إلى الفوضى وتبنيهم لها باعتبارها أصلًا من أصولهم وغاية من غاياتهم. ثم يشرح أدونيس خطة تهديم الأخلاق عند جبران، وجبران مجرد قناة يخوض فيها أدونيس إلى بالوعة الحداثة، يقول أدونيس: (ومن الواضح أن جبران لا يحلل تحليلًا فلسفيًا أو علميًا القيم التي يهدمها، وإنّما يعرضها بشكل يجعلها مشبوهة فمتهمة، فمرفوضة، إنه يحاول بتعبير آخر، أن يظهر خطأ التفسيرات التي تقدمها الأديان والأخلاق التقليدية للعالم والإنسان، فيما يدعو إلى محو المذهبية القيمية، ويؤكد على فاعلية الحياة والإنسان الذي يبتكر القيم الجديدة، الأخلاق التقليدية هي التي تعيش الخوف من اللَّه، وتنبع من هذا الخوف. الأخلاق التي يدعو إليها جبران هي التي تعيش موت اللَّه، وتنبع من إله جديد، إنه إذن يهدم الأخلاق التي تضعف الإنسان وتستعبده ويبشر بالأخلاق التي تنميه وتحرره، إنه يهدم الأخلاق السلبية، الانفعالية التي تتقبل الراهن الموروث من القيم، ويبشر بالأخلاق الإيجابية الفعالة التي تخلق هي نفسها القيم، إنه يريد بالتالي أن يحل محل الفكر المأخوذ بأخلاق المستقبل محل الفكر المأخوذ بأخلاق الماضي؛ ولهذا فإن كتاب "المجنون" دعوة لقلب نظام القيم) (٢). ثم يضيف واصفًا ما ترتب على هذه الخطة الثورية الانقلابية المضادة

стр. 2010

للقيم والأخلاق، ويجعل هذا المترتب على مستويات منها: (أن القيم القديمة تتخلخل وتنهار، يرافق ذلك ضعف في الدين والأخلاق. . . ويتميز المستوى الثالث بهيام فوضوي، يمتزج فيه ازدراء كل شيء بهدم كل شيء، أمّا المستوى الرابع فهو مستوى الكارثة، حيث يموت القديم، ويتحول الإنسان، أي يولد من جديد بهدي مبادئ جديدة، وحياة جديدة، العدمية إذن مرحلة انتقال) (١). هذا النص الأدونيسي يظهر الموقف الحداثي من الأخلاق ومن أساسها الديني. وهو مليء بالتناقض والمغالطة، فهو يصف الأخلاق الجديدة التي تريد الملة الحداثية إيجادها مكان ما يسميه الأخلاق القديمة؛ يصفها بأنها الأخلاق الإيجابية الفعالة، وهو الذي سبق أن وصف بأن كل نقد جذري للدين والفلسفة والأخلاق يتضمن العدمية، ويؤدي إليها، وهو الذي قال بعد ذكره للأخلاق الحداثية الإيجابية -حسب زعمه- بأن هذه الأخلاق تتسم بالهيام الفوضوي، والهدم والعدمية!!. فهو إمّا أن يكون في حالة تناقض بين وصف أخلاق الحداثة والعلمنة والإلحاد بالإيجابية ووصفها بالعدمية والفوضية، وإمَّا أنه يرى أن هذه العدمية والفوضوية هي الأخلاق الإيجابية التي يمتدحها ويشيد بها ويدعو إليها، والمتتبع لكلام أدونيس ومواقفه وجملة مبادئه يجد أن هذا الوجه الأخير هو المخصوص عند أدونيس بالإيجابية. فهو في تأصيل الأصول من تلمود الحداثة، يبحث في زبالات الملاحدة القدامى مثل أبي بكر الرازي وابن الراوندي وأضرابهم ويأتي بكلامهم في جحد النبوة والوحي ويتهكم بالقرآن بل يجحد نزوله، ثم يورد مدح الوجودي الملحد "عبد الرحمن بدوي" (٢) لصنوه الرازي الملحد الذي

стр. 2011

وصفه بأنه ينزع نزعة فكرية حرة، وأنه ينحو منحى تنويريًا (١)!!. ثم يخلص أدونيس بعد ذلك إلى أن زنادقة الفلاسفة أصحاب عقل ونظر عميق وتأمل!! ومن ذلك جاء ردهم للوحي وجحدهم للنبوة، وهذا مديح يريد أن يستجلبه لنفسه ولزمرته، وبعد كل ذلك يقول: (من هنا لا يعود العقل مقياسًا للمعرفة وحسب، وإنّما يصبح كذلك مقياس الأخلاق، فالعقل هو مقياس التمييز بين الخير والشر. . . فالعقل أصل المعرفة والحرية أصل الأخلاق) (٢). ولا يدري الناظر في هذا الكلام أي وجه للعقل والمعقول عند إنسان يرى أن القيم الجديدة والموصوفة بالإيجابية وهي الفوضوية والعديمة والهدم والتدمير، وهذه الأمور بطبيعتها مخالفة للعقل مناقضة له، وإلّا أصبحت القرود والأفاعي والعقارب والذباب أكثر عقلانية وأوسع إيجابية من الإنسان!!. يقول أدونيس: (من المستحيل الدخول في العالم الآخر، الكامن وراء العالم الذي تثور عليه، دون الهبوط في هاوية الفوضى والتصدع والنفي) (٣). هذه الفوضى هي التي تعبر عنها إحدى الناقدات الحداثيات بقولها: (العلمنة أو الدنيوية. . . أي نزع التقديس والأسطرة عن سطح العالم والتاريخ. . . العلمنة هي إحدى مكتسبات الحداثة الثانية، والدينامية الهائلة للحداثة تكمن في أنه لا شيء مقدس بالنسبة لها، لا شيء محرم. . .، كل

стр. 2012

شيء مباح، لا شيء ينجو من دراسة العلم الذي اخترق سر الطبيعة. . . أصبح الإنسان مع نزع هالة التقديس والألوهة عن الكون ومدبره، أصبح يقع في مركز الكون، ويشكل مبدأ القيم والغايات، وعندئذٍ ترسخت الحركة الإنسانوية، توقف الإنسان عن الدوران حول المقدس، وحلت مشروعية إنسانية جديدة محل المشروعية الدينية السابقة، ونتج عن ذلك أخلاق جديدة وقوانين جديدة تنطبق على البشر دون استثناء ودون اعتبار اللون والعرق أو المذهب والدين) (١). إذن فتهديم القيم والأخلاق مطلب حداثي لا يختص به أدونيس دون غيره، ولا مذهب حداثي دون آخر، طالما أن الحداثة مبنية على مبدأ العلمنة الجاحدة لألوهية اللَّه تعالى كليًا أو جزئيًا، وطالما أن الحداثة والعلمانية تنادي بإيجاد قيم جديدة تقوم على الفوضى ونزع القداسة والاحترام عن كل شيء، وتنادي بأنه لا شيء محرم ولا شيء ممنوع، أي أنهم -في مجال الأخلاق- لا يمانعون تأصيلًا أو تطبيقًا من الزنى بالمحرمات ولا تعاطي المخدرات ولا ممارسة الظلم والفتك والخيانة، ولا مزاولة الكذب والغدر والسرقة والنشل واللوطية واحتراف الدعارة والعربدة وكل أنواع القذارات الخلقية؛ لأنه لا شيء محرم عند أهل الحداثة والعلمانية، حسب ما ورد في النص السابق، بل حسب ما صرحت به بعد ذلك في قولها: (كانت خطوة إخراج الجنس والجسد من ظلمات المحرم إلى علنية اللغة وعلنية الممارسة مفصلًا جوهريًا في سقوط المقدس) (٢). ومثل ذلك قول ناقد حداثي: (النص الحديث أيًا كان جنسه أو نوعه، جسدي، فشاعريته هي شاعرية الرغبة والحاجة والشهوة والعطش إلى جسد الآخر، إنه تمتمات الجسد) (٣). من هنا يُمكن فهم الشاعرية الحداثية!! وآفاق الحداثة!! وما يترتب

стр. 2013

على ذلك من أخلاق بهيمية حيوانية، وسلوكيات شهوانية جنسية، وحتى في التعبيرات النقدية والشعرية البحتة لا يذرون التعبير الجنسي، فالشاعر يلد القصيدة، والمقطوعة الفلانية في طور المخاض، والمبدع بتزاوج مع بيئته ومجتمعه، والقصيدة الجنينية تصل إلى دور التكون، والولوج إلى رحم القصيدة، والشبق الإبداعي، والكلمة النطفة، وافتضاض النص، وغير ذلك من الألفاظ والعبارات ذات الدلالات الجسدية الشهوانية التي هي حاجتهم الملحة، ومشروعهم الأساسي، وطموحهم العالي، حسب ما عبر عنه أنسي الحاج في قوله: (والحاجة اليوم أراها إلى كتابة تمزق حجابها بعدما تمزق وجدانها، إلى كتابة تقول المحرم والممنوع والمخيف والمهول والرائع والمدهش والمذهل والساحر والرهيب، ولو لعنت ورجمت واضطهد أصحابها حتى الموت. تقول البسيط والمرعب، القريب والأقصى، ضمن نظامها الخاص الذي هو حتمًا، مهما انحرفت، نظام الإغراء، أي الفتنة الإلهية. الحاجة إلى كتابة الجري، عري الذات والفكر والدخيلاء، والحلم والكابوس والنظر والبصيرة والشوق والاستيهام والنوايا، عري المنطق، عري الاقتناع، أي الشك، عري الإيمان، عري المحاكمة الذاتية والموضوعية، عري الخطايا، عري الضعف والانحلال، عري الجنون، عري السقوط، عري الصلاة العارية والهرطقة العارية، والعربدة العارية) (١). ولم يتوقف الأمر بهم عند حد هذه العربدة العارية كمطلب أساسي من مطالبهم، بل تجاوزوا ذلك إلى حد اعتبروا فيها الإباحية الجنسية أساس كل تقدم وحرية!!، بل أساس الحضارة. ها هو أنسي الحاج يقول: (العربي الذي يتكلم بسخرية عن حرية التصرف بالجسد ظنًا منه أن الخرية السياسية أهم، يقصد أن الحرية السياسية "محترمة" بينما الأولى مخجلة، فضلًا عن كونها "بدعة غربية".

стр. 2014

الفصل بين الحريتين خرافة، استخفاف بجوهر الحرية، وهو أنها كل، وهو يتجاهل كون الحرية الشخصية، النفسية الحميمة، هي الأساس لكل حرية، وللحريات السياسية والاجتماعية) (١). منطوق هذا الكلام أنه لا يُمكن حصول التحرر السياسي والاجتماعي إلّا بالتحرر الجنسي، أي أنه لا يصبح الفرد أو المجتمع متصفًا بالحرية حتى يمارس الدعارة الجنسية كما يريد، حين تعاشر الزوجة على فراش زوجها من تريد، وحين يُلاط بالولد، ويُزنى بالبنت، وحين تقام بيوت الدعارة وبيوت الشذوذ الجنسي، حين تمارس العملية الجنسية على قارعة الطريق، بل حين يزني الرجل بأمه وأخته وابنته، هذه هي الحرية الجنسية التي يدعو إليها أنسي الحاج ويعتبرها أساس كل حرية. وهي الدعوة نفسها التي فاه بها الداعر الحداثي الكبير نزار قباني في قوله: (الجنس هو صراعنا الأبدي، والكابوس الذي يفترسنا ليلًا ونهارًا، وإذا كنت تسألني عن حجم هذه المشكلة الجنسية فإنني أقول لك إنها بحجم جماجمنا تمامًا، بحيث لا يوجد تلفيف واحد من تلافيف النخاع العربي، غير مصاب بورم الجنس، أنا يائس من كل ثورية تجعل الجنس على هامش دعوتها، ويائس من كل نظام تقدمي، يترك جسد الإنسان العربي في بئر الكبت، ومضاجعة غلافات مجلات الجنس. إن الأرض العربية حبلى بألوف المشاكل والعاهات التاريخية، لكن مشكلة الجنس هي رأس الأفعى، وما لم يقطع هذا الرأس فسيبقى جسد العربي، وفكره وسلوكه، وعلاقاته بالحياة والأشياء جسدًا متقيحًا ومتورمًا، وواقعًا تحت مورفين الرغبات والأحلام. . . إنني لا أؤمن أصلًا بإمكان قيام حضارة يكون فيها جسد الإنسان منفيًا عنها، فالشعوب التي يفترسها هاجس الجنس في صحوها ونومها لا يُمكن أن تكتب أو تفكر أو تقوم بأي إنجاز حضاري) (٢).

стр. 2015

وهكذا نرى كيف يلخص نزار قباني قضية التقدم والحضارة في الجزء السفلي من الإنسان. إن القضية الجنسية هي التي استنزفت حياته أكثر من ربع قرن، وهو ينظر إلى العالم من خلال ثقب صغير أحمر، حسب قول مؤلف كتاب أسئلة الشعر (١) في أسئلته التي وجهها إليه، وكانت من إجاباته ما سبق نقله، ومنها. قوله: (العالم العربي ثوب مليء بآلاف الثقوب، ولا أوافقك على أن مشكلة الجنس لدينا هي ثقب صغير لا يُمكن تفسير الظواهر الاجتماعية والتاريخية من خلاله، إنها كما قلت بحجم حياتنا وحجم أيامنا، وإذا كان فرويد النمساوي المتحضر قد فسر العالم كله تفسيرًا جنسيًا، وربط الإنسان والحضارة بشجرة الجنس، فماذا تنتظر من عربي مثلي أن يفعل؟!. إنني أتطلع من حولي إلى المجتمع العربي، فأرى فكرة العيب والشرف والعرض تقيم حصارًا طرواديًا حول الجنس الثاني وتعزله عن ممارسة أي نشاط اقتصادي ذي قيمة. إذًا فنظرتنا المتخلفة إلى الجنس هي وراء تخلفنا الاقتصادي ووراء انقسام المجتمع العربي جنسيًا إلى قارتين منفصلتين، وهذا ما يدفعني إلى اعتبار الجنس مشكلتنا الأساسية، ومتى وجدت هذه المشكلة حلولها، فإن بقية المشاكل ستحل نفسها بنفسها) (٢). وللعاقل أن يتصور كيف يمكن أن تحل المشكلة مع اليهود جنسيًا، وكيف يُمكن أن تحل مشكلة الغذاء ومشكلة التسليح، ومشكلة الهيمنة الغربية، والنفوذ اليهودي، ومشكلة الردة العلمانية، وغير ذلك من مشكلات الأمة الإسلامية، كيف تحل جنسيًا حسب القول الداعر لنزار قباني؟!!. لقد أفنى عمره في وصف الأعضاء الجنسية، والدغدغة الحسية للمراهقين والمراهقات، واستخدام المنبهات الجنسية الداعية إلى الإغراء

стр. 2016

والرذيلة، حتى لقد درس مؤلف كتاب "أسئلة الشعر" بعض قصائد قباني مقارنة مع صنوه سعيد عقل استبيانًا إحصائيًا، فخرج بهذه النتائج: (أثبت الأحصاء الذي أجريته لمفردات خمس قصائد لكل من الشاعرين "يقصد قباني وسعيد عقل": أ- أن مفرداتهما تتشابه إلى درجة تدعو إلى الدهشة. ب- أن ترداد المفردة على اختلاف اشتقاقها في القصيدة الواحدة عند نزار أكثر منها عند سعيد) (١). ويقول هذا الناقد بعد أن ذكر مجموعة ألفاظ ترد عند قباني وسعيد عقل، وأنها استحالت (في شعرهما إلى هرمونات أنثوية أدمنّا على تعاطيها، ودمى لغوية لا علاقة لها بالكون والحياة) (٢). ثم يقول بعد أن وصف شاعرية نزار الجنسية: (إن اعتماد الشعر على المنبهات الحسية الحادة لا يشير إلى انعدام الذوق بقدر ما يشير إلى بدائيته وحاجته إلى التدريب) (٣). ويقول: (إن ملاحظة سريعة لجدول الاستجابات الآتي تؤكد لنا أن جمهور سعيد يتألف من عينات بدائية الثقافة أو متخلفة عنها، ومن صغار السن والمراهقين) (٤). وليس الأمر عند نزار قباني مجرد تنظر فرويدي جنسي، أو دعوة شهوانية مجردة، بل هي عنده ممارسة وعمل، فعندما سأله المؤلف المشار إليه قائلًا: (قبل أن يموت عمر بن أبي ربيعة أقسم أنه لم يحل تكته على حرام قط، هل هناك مثل هذه الغربة بين حياة نزار قباني وشعره؟) (٥).

стр. 2017

ويُمكن هنا ملاحظة السؤال وما يتضمنه من تحريض وانتقاد العفة عن ممارسة فاحشة الزنى، وكانت إجابة قباني على السؤال استجابة فكرية وعملية لهذا التحريض، حيث أجاب على السؤال قائلًا: (لو كان هذا التصريح الخنفشاري لعمر صحيحًا، لكانت شاعريته موضع شكل كبير، ولكان شعره مسلسلًا جيمس بونديًا كاذبًا، إنني أشك في الرواية والراوي، واعتبر هذه الوثيقة المزورة مؤامرة لفصل الشعر عن الشاعر. بالنسبة لي لا انفصام بين التجربة والتعبير عنها، بين الفم والصوت، كل تفاصيل حياتي اليومية معجونة بالشعر. . . إن الشعر مشتبك بجزئيات حياتي اليومية، وبكل تفاصيلها الصغيرة، كما تشتبك كرة الصوف ببعضها في مخالب قطة المنزل، إن حياتي وشعري ملتحمان كما اللحم بالعظم، ولا يُمكن فصلهما إلّا بالموت، حياتي كلها مصورة ومفرغة في هذا الإناء هو شعري، إنني لم أترك تجربة واحدة من تجاربي، مهما كانت صغيرة، في العتمة. . . شعري هو صورتي الفوتوغرافية الرسمية الموزعة على كل المدن وكل المخافر، وهي التي تحمل علاماتي المميزة وخطوط بصماتي كل الأشياء التي اصطدمت بها عيني وأحاسيسي خلال رحيلي الطويل في قارات العالم تتحرك وتتنفس في قصائدي) (١). هذا الاعتراف الصريح الذي يؤكد فيه قباني أن شعره شعر الدعارة والجنس، والليالي الحمراء، والمغامرات النسوية والأعضاء الجنسية، هو شعر نابع عن تجربة وواقع معاش. وكفى بهذا التنظير "القباني" والاعتراف الصريح شهادة على مقدار الانحلال الخلقي الذي انحدرت إليه الحداثة وغاصت في مستنقعه، إنها الكتابة والممارسة التخريبية القذرة التي يسعون في نشرها ونصرها، في مفاخرة متبجحة على نحو قول أنسي الحاج: (مهما سالم الكاتب التخريبي

стр. 2018

سيظل يصيب، ومهما أحب سيظل يشعل الحرائق، ومهما انحط خلقيًا سيظل أعلى من عصره) (١). ليس هناك تبجح أصرح من هذا، المنحط القذر والهابط النجس يرى أنه أعلى وأطهر وأفضل من المستقيمين الفضلاء النبلاء، ولا غرو فالمجنون يرى أنه أعقل من كل العقلاء، والزانية النجسة الخبيثة ترى أنها أفضل من العفيفات الطاهرات!!. ومن النص السابق يُمكن تصور النفسية والعقلية التي يفكر بها أهل الملة الحداثية. التخريب عندهم بناء، والإفساد لديهم هو عين الإصلاح، والانحطاط في عرفهم علو وارتفاع، والتبعية هي الاستقلال، والعبودية للغرب هي التحرر، وهكذا إلى آخر القائمة، التي توضح غاية الوضوح عنوان ومضمون الحداثة. وفي إحدى المقالات عن الرواية العربية يتحدث عبد الرحمن منيف عن هموم الروائي العربي، ويعد منها "المحرمات" ومنها السياسة والعربي والجنس، ويدعو إلى تجاوزها لأنها حسب قوله: (مصالح أشخاص أو فئات أو طبقات قبل أن تكون ضرورة أو قداسة أو حاجة تعني الجماهير) (٢). وفي الدراسة النقدية الدعائية التي أجراها إحسان عباس عن الشعر العربي المعاصر خصص فصلًا بعنوان "الموقف من الحب" بدأه بقوله: (نحن نعيش في عصر فرويد: جملة قد تحمل معاني عديدة وقد تكون فارغة من المعنى، ولكنها تشير إلى إنهيار الحواجز بين الحب والجنس) (٣). ثم يذكر نزار قباني ويذكر نماذج من أقواله الجنسية وعباراته التي يكثر من تداولها.

стр. 2019

وأنقل هنا مجموعة من إشارته حول ذلك، يقول بعد أن أورد أبياتًا قال عنها: (. . . أرى فيها لحظة كشف، لحظة إضاءة كان نزار يومئ إليها إيماء سريعًا من قبل. . .) (١). ويقول: (إنه اتخذ الجنس مسكنًا، وأصبح الحب كله متشابهًا. . . على ضوء هذا الفهم يستطيع القارئ أن يقرأ قصائده "مصلوبة النهدين" و"طائشة الظفائر" و"همجية الشفتين" وغيرها مما يجرى هذا المجرى ليكتشف أن خوف الشاعر من ضياع الحيوية الشعرية -لا من ضياع العفة والفضيلة- هو الذي يحدد للحب "ومن ثم للجنس" أبعاده وقيمه، فنزار إذن لم يتحدث عن الحب، بمعناه العاطفي الذي يظنه الكثيرون، إنّما تحدث عنه بمعنى جديد حين جعله طرفًا في قوتي صراع كبيرتين) (٢). ورغم هذه الصيغة التبريرية لم يستطع إحسان عباس أن يتجاوز ما لا يستطيع تجاوزه في وصفه لقباني وأقواله، كما في ثنايا قوله السابق، وكما. في قوله الأشبه بالدعاء: (يُمكن أن نسمى نزار شاعر المرأة؛ لأنه ينصفها؛ لأنه -وهو يحاول أن ينصفها- يرى فيها محض امرأة، لا فنانة شاعرة، ذلك لأنها في أقصى حالات الشاعرية تتمنى الفناء -حبًا وجنسًا- في الرجل) (٣). وهذا كذب على قباني ومخالف لحقيقة أقواله وأفعاله التي سبق ذكر شيء منها، فهو لا يرى المرأة إلّا جسدًا ومتعة ومستودعًا للشهوات والنزوات، ومختبرًا لمغامرات أهل العهر والدعارة والزنى فأي إنصاف للمرأة في هذا؟. أليس هو القائل: (تعبت من السفر الطويل حقائبي … وتعبت من خيلي ومن غزواتي لم يبق نهد أسود أو أبيض … إلّا زرعت بأرضه راياتي

стр. 2020

لم تبق زاوية بجسم جميلة … إلّا ومرت فوقها عرباتي فصلت من جلد النساء عباءة … وبنيت أهرامًا من الحلمات وكتبت شعرًا لا يشابه سحره … إلّا كلام اللَّه في التوراة) (١) وهو القائل عن المرأة: (بدراهمي، لا بالحديث الناعم حطمت عزتك المنيعة كلها بدراهمي ربما حملتُ من النفائس والحرير الحالم فأطعتني وتبعتني كالقطة العمياء، مؤمنة بكل مزاعمي فإذا بصدرك، ذلك المغرور، ضمن غنائمي أين اعتدادك؟ أنت أطوع في يدي من خاتمي قد كان ثغرك مرة ربي، فأصبح خادمي آمنت بالحسن الأجير وطأته بدراهمي وركلته وذللته، بدُمًى بأطواقٍ كوهم الواهم) (٢). وله مقطوعة طويلة يبرر فيها لإحدى عشيقاته -بعد أن فرغ منها جنسيًا- تنقلاته بين داعرة وأخرى، جاعلًا المرأة مجرد متاع ونشوة وجنس (٣). ويخاطب أخرى قائلًا: (كان عندي قبلك قبيلة من النساء انتقي منها ما أريد، وأعتق ما أريد

стр. 2021

كانت خيمتي بستانًا من الكحل والأساور وضميري مقبرة للأثداء المطعونة كنت أتصرف بنذالة ثري شرقي وأمارس الحب، بعقلية رئيس عصابة وحين ضربني حبك على غير انتظار شبت النيران في خيمتي وسقطت جميع أظافري وأطلقت سراح محظياتي واكتشفت وجه اللَّه) (١). فهذه مكانة المرأة عند نزار، وهذه نظرته إليها، بل هذا جزء يسير من كلام كثير مليء بالاستخفات والتدنيس للمرأة، ومع ذلك يسمونه شاعر المرأة، ويقول إحسان عباس بأنه أنصف المرأة!!. ويُمكن أن يلاحظ أنه في استخفافه وإهانته للمرأة بجعلها مجرد ساحة لغزواته الجنسية، يمزج ذلك بالاستخفاف باللَّه تعالى كما في المقطوعتين السابقين، وهذا آت من مقصد خبيث ومن عقيدة نجسة، تتجلى في أن قباني لشدة عداوته للَّه تعالى وبغضه لدينه وشريعته، لايدع فرصة إلّا ولج منها إلى تنفيس هذه الضغائن الجاهلية، كما أنه في طرحه الدنس لقضية المرأة يواجه وضعًا اجتماعيًا فيه بعض الاحترام والتقدير للمرأة، وذلك من آثار الدين القويم في النفوس، ولذلك توجه قباني إلى أصل الدين بالاستخفاف والتدنيس والسخرية ليحطم البقية الباقية في أفئدة الذين يتلقون كلامه، ويقرأون كتبه، أو على الأقل يخفف من نفوسهم الإجلال والتقدير الواجب للَّه تعالى، فإذا حصل على هذا أمكنه أن يمارس امتهانه للمرأة على أي طريقة شاء.

стр. 2022

ثم سيجد بعد ذلك من الكذابين المنافقين من يقول بأن نزار شاعر المرأة، وأنه احترم المرأة وأنصفها وأقام لها ميزانًا في الحياة!!. بيد أنه لا يصح أن نستبعد من كلام إحسان عباس ما قاله عن قباني وشعره بأنه (فيه أصابع ثقافية فرويدية واضحة) (١)، وأنه يعيش الصراع بين الحب وعقدة أوديب (٢)، وأنه يحاول وصف توق المرأة الممض إلى حرية الحب وحرية الجنس، وخوفها من أن تصل إلى مرحلة يكف فيها الجسد عن الاعتزاز بثماره (٣). وهي شهادة يطلقها هذا الناقد تناقض قوله السابق عن إنصاف قباني للمرأة، وشهادة تدل على مقدار الانحراف الخلقي عند الحداثيين شعراء ونقادًا، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك ما سبق نقله عن قباني أنه لم يكتب قصيدة إلّا ولها رصيد من ممارسة واقعية. وعندما سئلت نازك الملائكة: (ماذا تقولين إذن في شعر نزار قباني وهو شاعر لا يهتم بالأخلاق مطلقًا لا بل إنه يهاجمها ويسخر منها. . .؟) (٤). أجابت، وكان من إجابتها قولها: (. . . كنت دائمًا أنفر من الوشاح الجنسي الذي يلف كثيرًا من قصائده. . . الأقسام الأخيرة من كتبه فيها يلوح الشاعر وكأنه شرير قاس ممتليء قصائده بالبثور المشوهة، وهذا الشعر لا فن فيه، ولا يشف عن شيء، وتولد القصائد مقتولة) (٥). غير أنه ينبغي التنبه إلى أن هذا المواقف الناقدة لنزار لا تعني أن الحداثة قد برئت من الدعوة إلى الانحطاط الأخلاقي أو أن الحيوانية الجنسية والدعارة الشهوانية خاصة بنزار قباني، نعم هو من أكثرهم غرقًا في هذا

стр. 2023

الوحل، ولكن لكل واحد منهم نصيبه من هذا الوحل. لاسيما أنهم يكادون يتفقون على أن الدين والأخلاق من العوائق التي يرون وجوب القضاء عليها، على نحو مما قاله الطاهر بن جلون في رواية ليلة القدر على لسان إحدى الشخصيات: (كنت أصارع الشعور بالذنب، والدين، والأخلاق، والأشياء التي كانت تهدد بالظهور ثانية، كما لو أنها تروم توريطي، تلطيخي، خيانتي، وتدمير القلة القليلة التي كنت أحاول الحفاظ عليها من كياني) (١). ويلخص علاء حامد موقف الحداثة من الأخلاق وأسسها الدينية في قوله: (إن نهاية مطاف الأديان لو دققنا العقل فى مغزاها ومضمونها نجد أنها تعريف للإنسان بمضمون الخطأ والصواب، هذا المضمون الذي يمر بمرحلة احتضار بعد أن هجرت القوانين الوضعية والعرف السائد أغلب ما فيه من أحكام، وبعد أن طرحت أرضًا كثيرًا من المسلمات الدينية التي استحوذت على العقل فترة ليست بالقصيرة، واستطاعت أن تدفن تحت أرضها في عصور الظلام بسطوة وقوة الداعين لها، نور العقل وضياء المنطق وومضه العلم، لم يعد ملائمًا العودة إلى هذا المضمون أو الدعوة إلى الارتماء في أحضانه، مثل هذه الدعوة إذا لم يواكبها فكر مستنير) (٢). فهم يرون أن مفهوم الصواب والخطاء قد انقرض، وأن قضية الخير والشر قد انتهت، وعلى ذلك يُمكن عمل أي شيء في مجال الأخلاق، والتصرف بأي شيء في مجال السلوك، وبعد ذلك لم يعد لهؤلاء من قضية يدافعون عنها إلّا قضية الانحلال وتمجيد الرذائل، والدعوة إلى الشذوذ والشهوة، والحيوانية المطلقة من كل ضابط. فعلاء حامد صاحب النص السابق يحارب فكرة الزواج والارتباط بين

стр. 2024

الرجل والمرأة برباط النكاح، داعيًا إلى حرية اختيار المرأة من تريد بأي شكل تريد (١). وروائية حداثية تصف الشباب المتحضر -حسب رأيها- بأنهم (ما عادوا يتمنون الزواج باكرًا وما عادوا بذلك الكبت، يسافرون ويتعرفون ويصاحبون أجمل جميلات العالم، صغيرات في السن أقرب إلى القاصرات) (٢). ثم تذكر قصة عن فتاة من صحراء الجزيرة العربية تترك العباءة وتتبرج وترتبط في علاقة جنسية مع مغني الروك الأوروبي وتتعرف على الرجال غير المختونين وتقول بأن جسمها هو مصب الشعور إلى آخر ما في أقوالها ووصفها من تحلل ودعوة ضمنية إلى السفاح والدعارة (٣). ومن ضمن انحدارات الحداثة في قضية الأخلاق نجد أنهم لا يفتأون وهم يحاربون الأخلاق الإسلامية يشيدون ويمجدون الرذائل الخلقية، والتحليل الخلقي ويدعون إلى ذلك وينافحون عنه باعتباره قضية أصيلة من قضايا الحداثة، ولا تكاد تجد أحدًا منهم يتصف بالعفة في نظره أو علاقاته مع النساء، أمَّا الرذائل الخلقية الأخرى من سرقة وانتحال فيكفي في الدلالة على ذلك أنهم سرقوا وانتحلوا فكرة الحداثة بحروفها ومعانيها ثم زعموا أنها من تأليفهم وإبداعهم (٤). إضافة إلى ما في هذه المسروقات من ضلالات وكفريات وشكوك

стр. 2025

وجاهليات تدل على بغضهم للحق ومحبتهم للباطل، وكفى بهذا الخلق ذمًا وإثما، فإذا علم كم في عقائدهم وأعمالهم من خيانة للَّه ولرسوله وللمؤمنين وللأمة تبين مقدار استحكام الشر في قلوبهم، يقول أدونيس في معرض تفاخرة واستعلائه على اتباعه: (وأنا ذلك الإله الإله الذي سيبارك أرض الجريمة إني خائن أبيع حياتي للطريق الرجيمة إنني سيد الخيانة) (١). ويقول شارحًا أسس أخلاقه الحداثية: (جئتكم فلبست الجريمة وحملت إليكم رياح الجنون) (٢). ويتطاول في فحولة جنسية موجهة إلى أتباعه ومحببه والمدافعين عنه فيقول: (أبحث عما يعطي للكلمة عضوًا جنسيًا، وعما يثقب السماء) (٣). وإذا أزحنا العبارة الأخيرة التي يدنس فيها السماء لخبث إلحادي مستبطن في قلبه، وقلنا للمحاكين له والمناضلين عنه والذائبين في حبه أو حب شعره ها هو مقداركم عند أدونيس، بل ها هي نظرته إليكم!!، ولست أدري على الخصوص ماذا ستقول مؤلفة الكتاب التبجيلي "مسار التحولات قراءة في شعر أدونيس"؟، خاصة وهو القائل عن المرأة: (ثقب في جيبي اهترأ العالم، حواء حامل في سراويلي

стр. 2026

أمشي على جليد ملذاتي، أمشي بين المحير والمعجز أمشي في وردة) (١). ومن دعواته إلى الرذيلة والتحلل الخلقي قوله: (خذيني إليك يا بيت الفتنة، وبيت الرغبة، وبيت النشوة ناغيني بغيبك ادمجيني فيك، أدرجيني معك) (٢). ومن عقيدته الفرويدية قوله: (نجمّل قشرة الأرض نجنسن الكون) (٣). وقوله: (حيث أعلّم حياتي أن تكون طريقًا واحدًا: الجسد. . .) (٤). ومن جراء عقيدته الإباحية، تجده يستشهد بكلام سلفه الزنديق الشلمغاني فيقول في إحدى المقاطع: (ويقول الشلمغاني: اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات لا تناكحوا بعقد أبيحوا الفروج

стр. 2027

للإنسان أن يجامع من يشاء) (١). ويعود ويستند إلى خلفيته الباطنية فينادي القرمطي قائلًا: (استغونا أيها السيد استدرجنا قل لنا من كذب ومخرق مَنِ البلية من خدع الجسد بنواميسه؟ استغونا استدرجنا نتوافق نتناصر ننصب الدعوة وندخل في تميمة الإباحية رقعة من شمس البهلول - يبيح الأموال والفروج يجمع النساء ويخلطهن بالرجال حتى يتراكبوا، هذا من صحة الود والإلف اطفئوا المصابيح تناهبوا النساء اطفئن المصابيح تناهبن الرجال) (٢). واضح أن هذه النصوص صريحة الدلالة على التوجه الأخلاقي الإباحي، بحيث لا تحتاج إلى تعليق أو توضيح.

стр. 2028

وفي المقطع نفسه يستعير الخطاب القرمطي وينادي النساء، بالنداء الباطني نفسه فيقول: (اعصرن يا نساء السواد شقاءكن لينهمر عنبًا وحنطة وتمرًا املأن القرى بمزق التيجان والعروش انكسرن مرايا مرايا وادخلن في النثار وليكن ذلك احتفاء بزواج آخر ثقبن الآفاق بأظافركن ولتكن صدوركن حلبات ولتكن حناجركن مزامير للمعسكرات ودنانًا للعطشى وفي الليل، حين يطرح التعب مهاميزه قلن لأجسادكن أن تنتج على أجسادنا دراريع ديباج وغلائل حرير ليزدهر أيضًا وأيضًا خشخاش الشهود لتتوهج أيضًا وأيضًا قوس الموت نعقد حلفًا مع الصعاليك ننشيء سلطة الرغبات) (١). ويعترف بالرذيلة واللواطة قائلًا: (١٩٣٠ (٢) الشمس قدم طفل ⮙(٣) عرفت أقل من امرأة لأنني تزوجت بأكثر من امرأة (- عرفت أقل من رجل

стр. 2029

لأنني تزوجت بأكثر من رجل) أعلّنا: الزواج غبار) (١). وهذه الإعلان الشيوعي الإباحي، يتوافق مع عقيدته الإلحادية، والتحرر الذي يدعو إليه، والذي -من خلاله- نظر إلى جبران خليل جبران كأحد المبدعين، وطليعة من طلائع الحداثة، يقول أدونيس في الثابت والمتحول (ولعل التحرر كما ينظر إليه جبران يتمثل أكثر ما يتمثل في التحرر الجنسي، وفي آرائه حول هذه المسألة ما يتيح لنا أن نقول إن جبران من رواد الثورة الجنسية المعاصرة. يعتبر جبران أنه مدين بكل شيء "بكل ما هو أنا" كما يعبر، للمرأة، فهي فاتحة النوافذ في بصره، والأبواب في روحه، وهو يرى أن الجنس طاقة خلاقة، وأنه موجود في كل شيء في الروح كما في الجسد، ويتنبأ بأن آفاق الحرية الجنسية ستتسع بحيث سيجيء يوم تترك فيه العلاقة بين الرجال والنساء حرة فعلًا، ويكون بوسع الرجل فيه أن يقول للمرأة هل لك أن تعرفيني جنسيًا لمدة ثلاث ساعات ومن بعدها لا يتعرف واحدنا على الآخر من جديد؟، ثم له أن يقدم لها لقاء ذلك ما تريد كما يقدم لقاء الأشياء الأخرى، ومن أجل تعميق هذه العلاقة الحرة بين الرجل والمرأة، يقف جبران ضد الزواج، فعلاقة الزواج ليست خلاقة إلّا في حالات استثنائية نادرة) (٢). ويُمكن لمن أراد تفصيلات حياة جبران في هذه القضية أن يعود إلى كتاب أضواء جديدة على جبران لتوفيق صائغ (٣). وفي كتاب أحاديث عن جبران ذكر أحدهم أن مشاهير "نساء جبران"

стр. 2030

ثماني عشرة امرأة وذكر أسماءهن (١)، ولما سئل لماذا في نظرك لم يتزوج جبران أجاب اليس بالضرورة أن يتزوج كل رجل وأين الغرابة إذا ظل جبران في عداد العازبين ورافقت حياته علائق نسائية متعددة سواء أكانت هذه العلائق إعجابًا متبادلًا فقط، أم كان في بعضها علائق جسدية. ثم إن جبران أوضح رأيه في الزواج مرتين منفصلتين وبفكرتين مختلفتين: مرة لما سألته شقيقته مريانا لماذا لا يتزوج أجابها: ما دمت أستطيع أن أُفْرح عددًا من النساء فلماذا تريدينني أن أفرح امرأة واحدة. . .) (٢). ثم يطرح المؤلف سؤالًا عن الشذوذ الجنسي عند جبران، حسب ما يشاع عنه (٣). وحسبك من مذهب وعقيدة هؤلاء هم روادها ودعاتها، بكل ما فيهم من انحرافات وضلالات وخبث، يبغضون الطيب الذي فطر الإنسان عليه وهو النكاح، ويحبون الخبيث النجس المحرم وهو السفاح، ويدعون إليه ويمارسونه في حياتهم، بل يدعون إلى الإباحية المطلقة. جاء في مجلة الدستور تحت عنوان "أسرار نجيب محفوظ في رسائله الخاصة" تفاصيل رسالته التي أرسلها إلى صديقه الدكتور أدهم رجب، والتي لما نشرت أثارت غضب نجيب محفوظ، لما فيها من كشف عن شخصيته وحياته الخاصة ونزواته وتأثير عالم الحشيش والحشاشين في أدبه. يقول نجيب في هذه الرسالة: (. . . عرفت في هذا الصيف أديبًا شابًا موهوبًا ولطيفًا معًا، ولهذا الأديب عوامة، نقضي فيها نصف الليل الأول ما بين الحشيش والأوانس، وانقلب أخوك شيئًا آخر -لمدة الإجازة فقط طبعًا- بل علمني البوكر سامحه اللَّه، فغدوت مقامرًا، وليس بيني وبين دكتور

стр. 2031

الأمراض التناسلية إلّا خطوة، فانظر كيف يتدهور الأديب على آخر الزمن، وقد وفيت أخبار السياسة حقها لعنها اللَّه وكلامك فيها يقع من نفسي موقع الحق والهوى معًا. . . تصور أنه انفجرت من أسبوعين قنبلة في شارعنا، وعلى بعد عشرين مترًا من بيتنا، وكان من نتائج ذلك أن بطلت حفظ الحشيش في البيت استعدادًا للتفتيش. . .) (١). وإذا أردنا المزيد فلناخذ دراسة باروت عن ديوان "لن" لأنسي الحاج وفيها بيان لبعض أنواع الانحطاط الخلقي والفساد والرذائل، يقول باروت: (إن "لن" لأنسي الحاج. . . كتابة فضائحية، لقد كان ممكنًا لأنسي الحاج أن يسمي قصيدته "فقاعة الأصل" بـ "الاستمناء" لكأن فضائحية ذلك تذكرنا بعنوان "السحاقيات" العنوان الأصلي الذي وضعه "بودلير" لـ "أزهار الشر" فلقد أراد أنسي الحاج في "لن" أن يكون شاعرًا مارقًا ملعونًا منحطًا، أن يستوحي تلك الأخلاقية المخيفة عند "بودلير" و"الشعراء الملعونين" و"المنحطين" وأن يبحث عن الشعر في هول العيب، إذ أن توق أنسي الحاج ينصب على تحقيق "لذة اللعنة" ففي "فقاعة الأصل" أو "القصيدة المارقة" كما يسميها أنسي، يشخص فقاعات الأستمنائي "شارلوت" حيث يتبحر الملعون الخليقة، وهو يستمني، ويصل إلى لذة لعنته بالتحلل من القيم والمروق عليها) (٢). ثم يورد باروت مقاطع من ديوان "لن" مليئة بالقذارة حيث يصف أنسي الحاج عملية الاستمناء، ثم يقول باروت: (بل إن الانتهاك الفضائحي لـ "الملعون يصل إلى درجة انتهاك الخطاب الوطني في مرحلة اتساع الدور الاجتماعي والسياسي لهذا الخطاب، واستقطابه قوى اجتماعية واسعة، ففي "نشيد البلاد" يجابه أنسي لذة "الخيانة" بعد أن جابه في "شارلوت" لذة "اللعنة" وهما في الآن ذاته لذة المروق والكشف عن انحطاط القيم وتفككها وتحللها:

стр. 2032

يا بلادي، في الموت إذا استرعيتك فلرحمك أوسعه، أطرز ضفته بروثي، لأرفع علمك عضوي أوهمك ذلك "مسيحي" أنام أشبعك بوهم عضوي أنت، تصدقين وترتاح أعصابك، عضوي أنت عضوي أنت؟ يا بلادي عضوي الليل، إنك تخذلين استهزائي ماذا أعطيك؟ - خائن (١) من هنا فـ "الملعون" في شعر الحاج، هو إنسان قلق مجنون يائس، متمرد، فضائحي منحط، معزول، مارق، لا قيمي، ومريض كبير، إن الأطروحة الجمالية الكبرى في "لن" هي التفكك الروحي والقيمي والجسدي لـ "الفرد" من كونه ملعونًا، أي ما يسميه أنسي بتشرش السرطان في الروح والجسد وفي العالم أيضًا، ولم ير أنسي في زمنه إلّا "زمن السرطان" الذي يعيش فيه تفككه الروحي "الأزلي" ومجابهته العبثية للمستحيل، وفي هذا التفكك يعيش أنسي إشكالية في لعنة الجماعة له، واشمئزازه منها، ويقود اللعنة إلى أقصاها. . . وبذلك يندرج "لن" في انتهاك كل مقدس، إذ أن "لن" هو الرفض المارق، اللاعن الملعون، لكل ما هو سائد. . .) (٢). هذه الاعترافات الإبداعية!! والنقدية تمكن أي دارس لهذا التيار أن يطلع على حجم القذارة الخلقية، والإنحطاط الخلقي والسلوكي، المبرر لها تحت لافتات الإبداع والحرية!! والمسوغة بالأساليب الدراسية، والمسوقة بالدراسات النقدية.

стр. 2033

يقول أدونيس في رسالة إلى يوسف الخال: (ربما يكمن جديد مجموعتك في نظرتك للمرأة، نحن هنا نقرع أبوابًا توصلنا إلى الحياة والعيش في مدينة الجنس، أو قل مدينة الجسد، لهذه المدينة حضورها ولها محاريبها والبخور، المرأة هنا تنصهر في لهيب من الميتافيزياء الشعرية، تذوب في رؤيا الشاعر. . . إنّما هي جنس وميتافيزياء، جسد أبدي الحضور ساحر وأخاذ) (١). فهذه هي موازينهم ونظرتهم إلى المرأة، ومع ذلك لا يخجلون من التبجح الكاذب بأنهم يكرمون المرأة!!، فيا له من إكرام يقوم على اعتبارها مجرد جنس وجسد، ومستودع نزوة وشهوة!!. ويشرح إحسان عباس موقف صلاح عبد الصبور من المرأة فيقول عنه بأنه (يشترك مع نزار في الوقوف عند المظاهر الحسية من عالم المرأة) (٢). ثم يورد جملة من الكلمات والمقاطع الجنسية له ويعلق قائلًا: (في القديم كان الحب يخضع للترتيب والحسبان، كانوا يقولون نظرة فابتسامة فسلام. . . الخ، أمّا اليوم فإن العاشق العصري قد يلتقي بمحبوبته "من قبل أن يبتسما" وقد يذوق العاشقان مايذوقانه قبل أن يشتهياه، فالحب لحظة شبق تضيع قبل أن تتحدد أبعادها أو يعرف الممارسان لها أحدهما الآخر، وهذا ما حدث للشاعر ذات يوم في فينا، ومع ذلك فإنه أحب تلك اللحظة، ووجد فيها انفراج حزنه المقيم، وحمد اللَّه "رغم نقمته على السماء" على ما قيض له من شعور ولو عابر بالحياة: تبارك اللَّه الذي قد أبدعك وأحمد اللَّه الذي ذات مساء على جفوني وضعك (٣)

стр. 2034

وواضح أن الشاعر هنا يتحدث عن الحب وهو يعني الجنس. . .) (١). والمقطوعة التي يشير إليها إحسان عباس من ديوان صلاح عبد الصبور هي التي سماها في ديوانه "أغنية من فيينا"، ومنها قوله: (كانت تنام في سريري، والصباح منسكب كأنه وشاح من رأسها لردفها وقطرة من مطر الخريف والنفس المستعجل الخفيف يشهق في حلمتها وقفت قربها، أحسها، أرقبها، أشمها النبض نبض وثني والروح روح صوفي سليب البدن أقول، يا نفسي، رآك اللَّه عطشى حين بل غربتك جائعة فقوتك تائهة فمد خيط نجمة يضيء لك يا جسمها الأبيض قل: أأنت صوت؟ فقد تحاورنا كثيرًا في المساء يا جسمها الأبيض قل: أأنت خضرة منوره؟ يا كم تجولت سعيدًا في حدائقك يا جسمها الأبيض قل: أأنت خمره؟

стр. 2035

فقد نهلت من حواف مرمرك سقايتي عن المدام والحباب والزبد يا جسمها الأبيض مثل خاطر الملائكة تبارك اللَّه الذي قد أبدعك وأحمد اللَّه الذي ذات مساء على جفوني وضعك. . . تشابكت أكفاء واعتنقت أصابع اليدين تعانقت شفاهنا، واقترفت في قبلة بليلة منهومه) (١). هذا اعتراف صريح برذيلة الزنا وممارسة فاحشة باسم الحب، الذي تحول عندهم إلى مجرد مضاجعة شهوانية. وعلى الرغم من وضوح المعنى في هذه المقطوعة بصورة قطعية، وإيضاح إحسان عباس لمضمونها الجنسي إلّا أن هناك من يتمحل الأعذار الباردة، ويحاول أن يؤول هذا الكلام تأويلًا تعسفيًا، وهو مع كل هذا التأول والتعسف لم ينف عن الشاعر الوقوع في الجريمة الأخلاقية، يقول مؤلف كتاب قضية الشعر الحديث بعد أن ذكر هذه المقطوعة: (إن المرأة التي يتحدث عنها الشاعر لم تكن مومسًا رخيصة تعطي جسدها لكل من يريده ويدفع الثمن، بل كانت امرأة عادية من نساء الغرب ذات كرامة وتهذيب، وهذه أيضًا حقيقة لن يسلم بها الذين لا يعرفون البيئة الغربية واختلاف تقاليدها ومقايسها الأخلاقية، فهم لا يستطيعون أن يصدقوا أن امرأة ليست من بائعات الهوى ولا من الساقطات المبتذلات ترضى بأن تحدث لها هذه
следующие страницы →