← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الأمراض التناسلية إلّا خطوة، فانظر كيف يتدهور الأديب على آخر الزمن، وقد وفيت أخبار السياسة حقها لعنها اللَّه وكلامك فيها يقع من نفسي موقع الحق والهوى معًا. . . تصور أنه انفجرت من أسبوعين قنبلة في شارعنا، وعلى بعد عشرين مترًا من بيتنا، وكان من نتائج ذلك أن بطلت حفظ الحشيش في البيت استعدادًا للتفتيش. . .) (١). وإذا أردنا المزيد فلناخذ دراسة باروت عن ديوان "لن" لأنسي الحاج وفيها بيان لبعض أنواع الانحطاط الخلقي والفساد والرذائل، يقول باروت: (إن "لن" لأنسي الحاج. . . كتابة فضائحية، لقد كان ممكنًا لأنسي الحاج أن يسمي قصيدته "فقاعة الأصل" بـ "الاستمناء" لكأن فضائحية ذلك تذكرنا بعنوان "السحاقيات" العنوان الأصلي الذي وضعه "بودلير" لـ "أزهار الشر" فلقد أراد أنسي الحاج في "لن" أن يكون شاعرًا مارقًا ملعونًا منحطًا، أن يستوحي تلك الأخلاقية المخيفة عند "بودلير" و"الشعراء الملعونين" و"المنحطين" وأن يبحث عن الشعر في هول العيب، إذ أن توق أنسي الحاج ينصب على تحقيق "لذة اللعنة" ففي "فقاعة الأصل" أو "القصيدة المارقة" كما يسميها أنسي، يشخص فقاعات الأستمنائي "شارلوت" حيث يتبحر الملعون الخليقة، وهو يستمني، ويصل إلى لذة لعنته بالتحلل من القيم والمروق عليها) (٢). ثم يورد باروت مقاطع من ديوان "لن" مليئة بالقذارة حيث يصف أنسي الحاج عملية الاستمناء، ثم يقول باروت: (بل إن الانتهاك الفضائحي لـ "الملعون يصل إلى درجة انتهاك الخطاب الوطني في مرحلة اتساع الدور الاجتماعي والسياسي لهذا الخطاب، واستقطابه قوى اجتماعية واسعة، ففي "نشيد البلاد" يجابه أنسي لذة "الخيانة" بعد أن جابه في "شارلوت" لذة "اللعنة" وهما في الآن ذاته لذة المروق والكشف عن انحطاط القيم وتفككها وتحللها:

стр. 2032

يا بلادي، في الموت إذا استرعيتك فلرحمك أوسعه، أطرز ضفته بروثي، لأرفع علمك عضوي أوهمك ذلك "مسيحي" أنام أشبعك بوهم عضوي أنت، تصدقين وترتاح أعصابك، عضوي أنت عضوي أنت؟ يا بلادي عضوي الليل، إنك تخذلين استهزائي ماذا أعطيك؟ - خائن (١) من هنا فـ "الملعون" في شعر الحاج، هو إنسان قلق مجنون يائس، متمرد، فضائحي منحط، معزول، مارق، لا قيمي، ومريض كبير، إن الأطروحة الجمالية الكبرى في "لن" هي التفكك الروحي والقيمي والجسدي لـ "الفرد" من كونه ملعونًا، أي ما يسميه أنسي بتشرش السرطان في الروح والجسد وفي العالم أيضًا، ولم ير أنسي في زمنه إلّا "زمن السرطان" الذي يعيش فيه تفككه الروحي "الأزلي" ومجابهته العبثية للمستحيل، وفي هذا التفكك يعيش أنسي إشكالية في لعنة الجماعة له، واشمئزازه منها، ويقود اللعنة إلى أقصاها. . . وبذلك يندرج "لن" في انتهاك كل مقدس، إذ أن "لن" هو الرفض المارق، اللاعن الملعون، لكل ما هو سائد. . .) (٢). هذه الاعترافات الإبداعية!! والنقدية تمكن أي دارس لهذا التيار أن يطلع على حجم القذارة الخلقية، والإنحطاط الخلقي والسلوكي، المبرر لها تحت لافتات الإبداع والحرية!! والمسوغة بالأساليب الدراسية، والمسوقة بالدراسات النقدية.

стр. 2033

يقول أدونيس في رسالة إلى يوسف الخال: (ربما يكمن جديد مجموعتك في نظرتك للمرأة، نحن هنا نقرع أبوابًا توصلنا إلى الحياة والعيش في مدينة الجنس، أو قل مدينة الجسد، لهذه المدينة حضورها ولها محاريبها والبخور، المرأة هنا تنصهر في لهيب من الميتافيزياء الشعرية، تذوب في رؤيا الشاعر. . . إنّما هي جنس وميتافيزياء، جسد أبدي الحضور ساحر وأخاذ) (١). فهذه هي موازينهم ونظرتهم إلى المرأة، ومع ذلك لا يخجلون من التبجح الكاذب بأنهم يكرمون المرأة!!، فيا له من إكرام يقوم على اعتبارها مجرد جنس وجسد، ومستودع نزوة وشهوة!!. ويشرح إحسان عباس موقف صلاح عبد الصبور من المرأة فيقول عنه بأنه (يشترك مع نزار في الوقوف عند المظاهر الحسية من عالم المرأة) (٢). ثم يورد جملة من الكلمات والمقاطع الجنسية له ويعلق قائلًا: (في القديم كان الحب يخضع للترتيب والحسبان، كانوا يقولون نظرة فابتسامة فسلام. . . الخ، أمّا اليوم فإن العاشق العصري قد يلتقي بمحبوبته "من قبل أن يبتسما" وقد يذوق العاشقان مايذوقانه قبل أن يشتهياه، فالحب لحظة شبق تضيع قبل أن تتحدد أبعادها أو يعرف الممارسان لها أحدهما الآخر، وهذا ما حدث للشاعر ذات يوم في فينا، ومع ذلك فإنه أحب تلك اللحظة، ووجد فيها انفراج حزنه المقيم، وحمد اللَّه "رغم نقمته على السماء" على ما قيض له من شعور ولو عابر بالحياة: تبارك اللَّه الذي قد أبدعك وأحمد اللَّه الذي ذات مساء على جفوني وضعك (٣)

стр. 2034

وواضح أن الشاعر هنا يتحدث عن الحب وهو يعني الجنس. . .) (١). والمقطوعة التي يشير إليها إحسان عباس من ديوان صلاح عبد الصبور هي التي سماها في ديوانه "أغنية من فيينا"، ومنها قوله: (كانت تنام في سريري، والصباح منسكب كأنه وشاح من رأسها لردفها وقطرة من مطر الخريف والنفس المستعجل الخفيف يشهق في حلمتها وقفت قربها، أحسها، أرقبها، أشمها النبض نبض وثني والروح روح صوفي سليب البدن أقول، يا نفسي، رآك اللَّه عطشى حين بل غربتك جائعة فقوتك تائهة فمد خيط نجمة يضيء لك يا جسمها الأبيض قل: أأنت صوت؟ فقد تحاورنا كثيرًا في المساء يا جسمها الأبيض قل: أأنت خضرة منوره؟ يا كم تجولت سعيدًا في حدائقك يا جسمها الأبيض قل: أأنت خمره؟

стр. 2035

فقد نهلت من حواف مرمرك سقايتي عن المدام والحباب والزبد يا جسمها الأبيض مثل خاطر الملائكة تبارك اللَّه الذي قد أبدعك وأحمد اللَّه الذي ذات مساء على جفوني وضعك. . . تشابكت أكفاء واعتنقت أصابع اليدين تعانقت شفاهنا، واقترفت في قبلة بليلة منهومه) (١). هذا اعتراف صريح برذيلة الزنا وممارسة فاحشة باسم الحب، الذي تحول عندهم إلى مجرد مضاجعة شهوانية. وعلى الرغم من وضوح المعنى في هذه المقطوعة بصورة قطعية، وإيضاح إحسان عباس لمضمونها الجنسي إلّا أن هناك من يتمحل الأعذار الباردة، ويحاول أن يؤول هذا الكلام تأويلًا تعسفيًا، وهو مع كل هذا التأول والتعسف لم ينف عن الشاعر الوقوع في الجريمة الأخلاقية، يقول مؤلف كتاب قضية الشعر الحديث بعد أن ذكر هذه المقطوعة: (إن المرأة التي يتحدث عنها الشاعر لم تكن مومسًا رخيصة تعطي جسدها لكل من يريده ويدفع الثمن، بل كانت امرأة عادية من نساء الغرب ذات كرامة وتهذيب، وهذه أيضًا حقيقة لن يسلم بها الذين لا يعرفون البيئة الغربية واختلاف تقاليدها ومقايسها الأخلاقية، فهم لا يستطيعون أن يصدقوا أن امرأة ليست من بائعات الهوى ولا من الساقطات المبتذلات ترضى بأن تحدث لها هذه

стр. 2036

التجربة، والتجربة العابرة، مع رجل غريب عنها لم ترتبط به برابطة الزواج الشرعي، أمَّا الذين يعرفون اختلاف الأوضاع والقيم فسيدركون أن الشاعر لا يكذب ولا يبالغ حين يتأمل جسمها. . . نعود إلى شكرانه اللَّه فنقول: لو كان ذلك الشكران قاصرًا على مجرد حاجة جسدية حققت عن طريق تعده تقاليدنا حرامًا لكان فيه من التجديف ومن المفارقة غير المقصودة مما تجده في كلام لص يشكر اللَّه أن مكنه من سرقة المنزل دون أن يقبض عليه، أو في دعاء لص يعتزم السرقة فيقول: ربنا يستر! أمّا هذا الشعر فهو أعلى كثيرًا من هذا المستوى؛ لأن النشوة لم تكن مجرد تلذذ حيواني. . .) (١). ويُمكن هنا ملاحظة التعسف والادعاء الكاذب، فهو يزعم أن المرأة ليست مومسًا، ولا دليل له على ذلك، بل المتبادر أن من تعرض نفسها على الراغبين هي من المومسات، ثم هو يزعم أنها امرأة ذات كرامة وتهذيب، بالمقاييس الغربية الجاهلية، ولم يذكر في كلامه قط أي مقياس شرعي لهذه الجريمة، بل قال بأن تقاليدنا تعد هذا الفعل حرامًا، وفي هذا دلالة انسلاخ عن الدين ومعاييره وأحكامه، بل تدنيس له وتهوين من شأنه حين عد تحريم الزنا من التقاليد. أمَّا حديثه التبريري عن الأوضاع الاجتماعية والخلقية في الغرب، وحسبانه ذلك من المبررات التي تسوغ للشاعر أن يدخل تنور الزنى، دون أي اعتبار لدين أو خلق، فهذه التقاليد الجاهلية الغربية ليست مسوغًا إلّا إذا اعتبرنا أن شرب البول في الهند -مثلًا- مسوغًا لشاعر حداثي أن يمتدح ذلك ويعده من التقدم والحضارة، أو القتل والعدوان وعصابات الإجرام والمخدرات الشائعة في الغرب، مسوغًا للإبداع الحداثي أن يمتدح ويجرب مثل هذه الأمور!!. لقد ترسخ عند أهل الحداثة أن الإبداع لا يأتي إلّا من خلال ممارسة،

стр. 2037

فجربوا المخدرات والزنى والشذوذ وحكوا ذلك في كتبهم، ومن أجل ذلك تصدى الناقد محمد مندور لمواجهة هذا الفهم الحداثي القائم على شهوة تلبست بشبهة فقال: (والذي نلاحظ بوجه عام هو أن أدباءنا وخاصة شعراءنا المعاصرين قد فسروا عبارة التجربة البشرية بمعناها الضيق فقالوا إنها التجربة الشخصية التي يجب أن يصدر عنها الشاعر، وإلّا كان شعرًا كاذبًا، وبذلك أدخلوا على الأدب وبخاصة الشعر مقاييس الصدق والكذب، وفسروا الصدق بأنه ما كان صادرًا عن تجربة شخصية ومعاناة حقيقية للأديب أو الشاعر، وفسروا الكذب بالتصنع المفتعل الذي لا يستند إلى تجربة. . .) (١). (الوهم الخاطئ الذي يسيطر أحيانًا على بعض الأدباء الناشئين، فيدفعهم إلى الانحلال والعربدة والتسكع في الحياة بحجة اكتساب التجارب الشخصية التي يظنون أن لا غنى لهم عنها لكتابة الأدب أو قرض الشعر) (٢). وإذا كان محمد مندور يتحدث عن بعض فئات الشباب في عصره فإن الحديث اليوم عن الحداثة يقتضي أن ننظر في حياتهم وشعرهم وتجاربهم بصورة أوسع، حسب ما في كتبهم من مجنون وخلاعة واعترافات بالفواحش والخبائث. والذي يهمنا في كلام مندور أنه لاحظ هذه الظاهرة وسجلها في كتابه، وهو الذي لا يتهم من قبل الحداثيين، بل هو من طلائعهم الأوائل، ولذلك تحدث عن بعضٍ، أمَّا اليوم وقد سيطرت المفاهيم الإنحلالية وأصبح الأصل عندهم التحلل من القيم وأضحى ذلك لديهم من أهم المعالم الثقافية والأدبية والعملية، على غرار ما جاء فيما سبق نقله، وأمثاله من الأقوال التي تثبت أنهم جعلوا الإنحراف الخلقي أحد ثوابتهم، كما جعلوا هدم الفضيلة والطهارة والنقاء والخير أصلًا من أصولهم. يقول أحد نقاد الحداثة: (. . . تظهر الحداثة سواء في الغرب أو في

стр. 2038

العالم الثالث، على أنها محل انبثاق عوامل القطيعة والحلول الوسطى، بجانب عوامل النظام وارتساء التقليد، فالحركية الملازمة لها على كل المستويات "الاجتماعية والمهنية والجغرافية والزواجية وفي الموضة والتحرر الجنسي. . . ليست الحداثة هي امتساخ كل القيم، بل إنها التفكيك العام لكل القيم القديمة دون تجاوزها، إنها التباس كل القيم تحت شعار نوع من الاختلاط المعمم، لن يعود هناك لا خير ولا شر، لكننا مع ذلك لم نعد خارج الخير والشر) (١). وها هو طليعة الحداثة والعلمانية "نجيب محفوظ" الحاصل على جائزة نوبل من اليهود بعد مسيرة طويلة من التشكيك في الدين والإفساد في الأخلاق، يقود عصابات الروائيين العرب إلى ذات المخاضة التي خاض فيها، يقول الدكتور السيد أحمد فرج في كتابه "أدب نجيب محفوظ": (كانت الرذيلة هي قاعدة أعمال نجيب محفوظ، أمَّا الفضيلة فهي استثناء، ومع هذا إن وجدت تكون من النوع السلبي الباهت، يصنع الكاتب كل ذلك عن إيمان به وقناعة وعمد وسبق إصرار، والدليل على أنه يبيت النية مسبقًا لصنع هذا المجتمع غير السوي أن شابًا سأله في ندوة مجلة الشباب: لماذا تركز في رواياتك على الشخصيات المنحرفة خاصة المرأة، ولماذا تركز على الانحرافات الجنسية فقال: "لا توجد رواية من رواياتي خالية من شخصية واحدة على الأقل"، سوية وفاضلة، إذن فالفضيلة عنده استثناء لا قاعدة، ومع هذا فإن الشخصيات التي يزعم أنها سوية وفاضلة، فهي في العادة شخصيات باهتة لا دور لها في رواياته غير الفرجة ومشاهدة الأحداث، أو أنه جاء بها ليدلل على أن المتدينين سلبيون لأنهم متدينون. ويعلل الأديب الكبير اندفاعه الجارف إلى تصوير الانحراف -خاصة انحراف المرأة والتركيز على الانحرافات الجنسية حتى لتصل إلى ما يُمكن أن نطلق عليه البغاء الوحشي- بأن الانحراف هو ملهمه الأساسي للإبداع، يقول في ذلك: "لولا الانحراف لم أكن لأكتب، أو على الأقل فلكل كاتب

стр. 2039

دواعي إلهام، والكاتب المهتم بمجتمعه تدفعه إلى الكتابة مواطن النقص الموجودة به في محاولة لعلاجها وأنا حينما اكتب عن الانحراف، فالجنس شيء ضخم جدًا في الحياة، بل هو الحياة ذاتها، ولكني حين أعالجه أفعل ذلك بجدية، وليس بالعبث أو بالإثارة"، وهو بطبيعة الحال لا يقول الحق، ولكن كيف يبرر إشاعة الفاحشة بين الناس، إنه يقنع عبد الدايم الموظف الصغير في "القاهرة الجديدة" بأنه يقبل أن يقاسمه الوزير في زوجته فيوافق، وفي "خان الخليلي" في بيت من البيوت يقدم رجل البيت الحشيش وتقدم زوجته الجنس للزائرين، والجو العام "لزقاق المدق" مليء بالجنس وكل أنواع الشذوذ ورائحة البغايا التي تفوح في "بداية ونهاية" وكذلك في "الثلاثية" ثم يأخذ الخط البياني في الارتفاع من رواية لأخرى حتى يصل الذروة في "الحب تحت المطر، ورحلة ابن فطومة" "والباقي من الزمن ساعة" وغيرها) (١). وقد ملأ الدكتور السيد أحمد فرج كتابه القيم بالشواهد الكثيرة والملخصات المهمة لانحرافات نجيب محفوظ. ولو أخذنا رواية "الخبز الحافي" كمثال من الأمثلة التي يُمكن الاستدلال بها على الإنحطاط الخلقي والإنحلال السلوكي، لوجدنا أن صاحبها قد ملأها بالاعترافات الشخصية المنحرفة من زنا ولواط وحشيش وتشرد وقوادة ونشل وغير ذلك، وكتب عنه أحد نقاد مجلة الناقد قائلًا: (هو حقًا كاتب رجيم يرجمه المتطهرون. . . يرجمه كل التقليديين والمتوائمين والحريصين على التزام المعايير والقوانيين والكوابت والكوابح والسير داخل الخطوط المحدودة الممهدة، والأنماط المعدة الجاهزة. وهو جدير بأن يرجمه كل هؤلاء ومن إليهم، ذلك أن عالمه يقع بعيدًا جدًّا عن عوالمهم، بعيدًا جدًا لا إلى أعلى، ولا إلى يمين أو يسار، ولكن إلى أسفل، أصدق وصف أجده لشكري تمدني به العامية المصرية حين

стр. 2040

تصف رجلًا بأنه "سفلي". . . محمد إذن - كاتب سفلي بهذا المعنى، فأهم ما في عالمه، وما يثير اللفظ حوله وحول أعماله، إنّما هو صادر عن أسفل المجتمع وأسفل الجسم معًا. . . في السيرة الروائية والرواية كلتيهما هذا الذي يصدم القارئ التقليدي الآمن: المشاهد الجنسية المكتوبة بالكلمات "ذوات الحروف الأربعة" بلا محاولة للتغطية أو التورية أو الرمز أو التلميح، الأعضاء تتسمى بأسمائها، والممارسات باسمائها، وكل خطر قد ارتفع، ولعل هذه المشاهد -بالذات- هي مصدر اللغط حول شكري وعمله، وهي ما تطرح السؤال الأساسي: هل يكتب محمد شكري أدبًا "بورنوغرافيا" (١)، أو أدبًا "أزرق" على غرار أفلام السينما الزرقاء؟. . . ولأن الجنس هدفه اللذة -وليس الإنسان من أجل إعمار الكون! - فلا تسل عن الممارسة: سوية هي أم شاذة، والحقيقة أنه منذ انشغل الفتى "بعضوه وحده" وهو يمارس كافة الممارسات: مع النبات "المرأة - الشجرة" والحيوان، ومع ذات الجنس: يغري صبيًا صغيرًا ويغتصبه، ويسلم ذكورته لأجنبي "حساس" يلتقطه بسيارته من أحد شوارع المدينة. . . أمَّا إذا خلا العالم من هذا كله -وهل يخلو؟ - بقي له الاستمناء أي تحول الذات إلى موضوع طلبًا للذة! إنه ينمو ويشب ويتفتح وعيه في عالم خلا من الكوابح والضوابط ومحددات السلوك. . . في طنجة (٢): ماذا يُمكنك أن تجد سوى المهربين والمجرمين والقوادين والبغايا واللصوص والشواذ وكل الخارجين على كل الأعراف والقوانين؟ خليط من نفايات الأجناس والجنسيات، تجذبهم إليها الميناء المفتوحة على البحر والمحيط، يتصارعون ويهربون ويقودون ويتقاتلون، ويدخلون السجون ويرحلون، وصاحبه "الخبز الحافي" ملقى في القاع، وعليه أن يشق لنفسه طريقًا وسط الشر بالشر: يتعارك ويسرق ويتسول ويطلب اللذة، يعرف الكيف والحشيش

стр. 2041

وأقراص المعجون والخمر والمبغى، يبيت في الحدائق والأفران والسكك، في الحظيرة تبول فوقه فرس، ويتعرض -وهو اللص- للسرقة، وينام غير آمن من التعرض للاغتصاب. . .، وقد استطاع محمد شكري أن يرسم في "الخبز الحافي" صورة فنية منسقة لتكون وعي الصبي من خلال صدامه بعالم مدبب ذي أشواك وأنياب، عالم خارج عن الكتلة الرئيسية للمجتمع، واقف في مواجهتها، معادٍ لها، رافض لقوانينها وأعرافها ومواضعاتها وأنماط سلوكها، متخذ تجاهها سبل التسول منها أو سرقتها أو اغتصابها أو العدوان عليها، يستمد قوانينه من عالم المواخير والسجون وكل مؤسسات الخارجين على كل القوانين: المجرمين والشواذ والسكارى والبغايا واللصوص والمهربين. . . إنه يلوك أفكارًا وجودية طوال الوقت، ولا يجد له ملاذًا إلّا في الجنس "الذي يمارسه في حفلات جماعية غالبًا" والمخدر، وهو قادر على استبطان رؤيته والتعبير عنها وهو تحت تأثير المخدر. . .، لقد رفض كل ما هو "طبيعي ومقدور" رفض أن يكون مثل هذا أو ذاك من عقلاء الناس، رفض الزواج والاستقرار والعمل، لكن المشكلة لا يقف عند حدود الرفض، بل يتجاوزها إلى ما يشبه كراهة الإنسان. . . من حيث هو كذلك. . . في لغة محمد شكري غنائية واضحة، خاصة حين يتوقف لينظر داخله، وهو تحت تأثير المخدر أو حرقة الشبق. . .) (١). هذا تلخيص مختصر لما في الرواية القذرة من مضامين، تعمدت أن أنقله من قلم كاتب حداثي ومجلة حداثية بدلًا من استخراج هذه المضامين من الرواية نفسها، حتى لا يقول قائل بأن هذا من التحامل أو تحميل الكلام ما لا يحتمل. والعجيب في الأمر أن هذا الناقد الحداثي بعد أن ذكر كل هذه

стр. 2042

القذارات الخلقية والسفلية السلوكية، يختم كلامه بالثناء على محمد شكري وعلى طريقته (١)، ويصفه بأنه يضع أسسًا أخلاقية مغايرة، وهو قول يدل على عمق السرطان الانحلالي في حياة وسلوك وأفكار هؤلاء الذين يفاخرون بالنجاسة، ويتمدحون بالنذالة، ويمجدون الخبث والقذارة والعفن، يقول هذا الناقد: (محمد شكري ظاهرة متفردة بين كتاب الأدب العربي المعاصر: يتفرد بتجربة حياته التي كان لها أكبر الأثر في طريقة تعبيره عنها، إنه لا يتعمد أن يقص بطريقة معينة لكنه يحاول أن ينقل لقارئيه الخبرات التي وشمت جسده وروحه، ولعله من قاع ما يبدو أنه "لا أخلاقي" يضع أسس (٢) "أخلاقية" مغايرة) (٣). لقد بلغ بهم التبجح بالرذيلة درجة لا تعقل ولا تستساغ، وإن قارئ هذه الرواية النجسة ليحس بتحول هذا الإنسان إلى حضيرة الحيوانية بل إلى أبشع من ذلك، ومع ذلك تجد المدائح والإطراءات، والتبريرات الهزيلة، والدفاع السخيف، والامتداح للرذيلة والسخف والفساد والهوان، ولنأخذ على ذلك مثالًا غير ما سبق، ففي كتاب "الكتابة خارج الأقواس" يخصص مؤلفه فصلًا بعنوان من "العبث إلى التمرد" يتحدث فيه عن محمد شكري وروايته "الخبز الحافي" وليس بالإمكان نقل كل ما في هذا الفصل ولكن أكتفي ببعض الشواهد. يقول المؤلف: (. . . كانت رواية الكاتب المغربي محمد شكري "الخبز الحافي" حجرًا ألقاه في بحيرة النقد العربي الراكدة فراحت دوائره المتلاحقة المتوالية تنكسر الواحدة تلو الأخرى على شاطيء القارئ العربي، لا تمنحه إلّا فرصة مراقبتها وهي تركض نحو العدم، دون أن تمكنه من

стр. 2043

إدراك محنة ذلك الحجر الذي أحدث كل هذه الدوائر. ثم يتناول قضية كون هذه الرواية سيرة ذاتية -علمًا أن مؤلفها كتب تحت عنوانها عبارة "سيرة ذاتية روائية ١٩٣٥ - ١٩٥٦" (١) - وراح هذا المحامي الحداثي يتمحل في الكلام ويتقعر في العبارات حول واقعية أحداث هذه الرواية!! ثم ختم تقعره البنيوي الألسني بقوله: (من هنا لا يصبح معنى للتساؤل عما إذا كان هذا الحدث قد وقع أو أنه لم يقع، وتتساوى عندها فرضية الحدث أو احتماله بل استحالته كذلك، فالحقيقة الوحيدة في النص الإبداعي هي هذه الحقيقة اللغوية (٢). . . لو فرضنا جدلًا أن هذه القصة تصويرًا لسيرة ذاتية للمؤلف فإن مجرد كتابتها انطلاقًا من بداية محدودة للوصول إلى نهاية محدودة معناه وضعها بين قوسين هما البداية والنهاية اللتان اختارهما لها المؤلف على نحو قاصد، ومن شأن هذين القوسين أن يفصلاها عن جملة التراكمات اليومية التي يحياها الإنسان. . .، ولعل مما زاد إغراء التساؤل عما إذا كانت هذه السيرة ذاتية للمؤلف تلك العبارة التي جاءت تذييلًا للعنوان وهي "سيرة ذاتية روائية ١٩٣٥ - ١٩٣٦" (٣) فأحالتها إلى ما يشبه المذكرات والاعتراف بأحداث محددة في سنوات محددة عن عمر كاتبها، ومع ما في هذه العبارة من احتمال التضليل إلّا أن علينا أن ندرك محاولة المؤلف ربطها بنموذجية الضياع التي عاشها الجيل الذي ينتمي إليه، وكذلك محاولة غرسها في صميم وجدان المتلقي الذي يشاطره هموم المرحلة دون أن يعني هذا أنها صورة تسجيلية لواقع معين عاشه هو على نحو خاص. . .) (٤). ماذا يريد أن يقول هذا المحامي الحداثي؟ إنه يحاول أن ينفي أن

стр. 2044

تكون هذه الرواية الجنسية الداعرة الواصفة حياة التشرد والضياع، صورة واقعية لحياة أحد زملائه أو أساتذته في الحداثة؛ لأن الرواية تحتوي الإدانة السلوكية الكاملة للحداثيين الذين امتدحوا أو دافعوا عن هذه الرواية أو عن صاحبها. ومع ذلك لم يتوقف عند هذا الحد في نفي كونها سيرة ذاتية رغم كتابة مؤلفها ذلك تحت عنوانها، بل تجاوز ذلك إلى الفصل الأخلاقي المتعمد - على الطريقة العلمانية بين الأخلاق والنقد، ثم التبرير الهابط لاستخدام الجنس في هذه الرواية، يقول الكاتب المشار إليه: (ومن تلك الدوائر الراكضة نحو العدم والتي أحدثتها رواية محمد شكري عندما ألقى بها في بحيرة النقد العربي الراكدة تلك النظرة إليها على أنها من الأعمال الإباحية التي كتبت لدغدغة الغرائز والشهوات، وهو حكم جزئي، إن وجد لدى المربين والقائمين على أمور المجتمع ما يبرره فإنه لا يجد له ما يبرره عند النقاد، ذلك أنه حكم على صفحات أو أسطر محدودة من الرواية مبتورة عن سياقها الذي وردت فيه، وهو حكم ينطوي على تجاهل لذلك الجو المأساوي الكئيب الذي تم توظيف الجنس في ثناياه لكي يؤدي دورًا محددًا باعتباره فعالية من فعاليات النشاط الإنساني من ناحية، وباعتباره بعدًا رمزيًا يكشف من خلال توتر العلاقة بينه وبين الأبعاد الأخرى عن جملة من الحقائق الإنسانية من ناحية ثانية) (١). ويتمدد في عباراته الاعتذارية الممزوجة بالمدائح المبطنة للرواية وكاتبها على مدار مايزيد عن عشر صفحات، لا هدف لها إلّا نفي أن تكون الرواية سيرة ذاتية لمحمد شكري، ونفى أن تكون الرواية مجرد جنس وحشيش وخمر ولواط ونشل، ومحاولة إثبات أن لها أبعادًا إنسانية عميقة، ولها معايير خلقية حديثة تتفق والحياة خارج أقواس الضوابط الخلقية والسلوكية والدينية.

стр. 2045

ويكفي القارئ العاقل أن ينظر في الدفاع الواهي عن كون هذه الرواية سيرة شخصية لمحمد شكري، مع إصرار المؤلف أنها سيرة ذاتية، ليقيس على ذلك بقية المقال، الذي يوصل إلى قارئه صورة من صور التضليل والمخادعة الحداثية، والدفاع الباهت الهابط عن رواية قال عنها نقاد الحداثة بأنها رواية سفلية، جنسية، عبثية، كما سبق ذكره ونقله عن نقاد حداثيين. وبعيدًا عن قول أي ناقد وتحليل أي كاتب، لا يُمكن لقارئ هذه الرواية، إذا كان ممن يحترم عقله وعلمه وثقافته إلّا أن يخرج بنتيجة واحدة مؤداها: أن هذه الرواية وصاحبها في أسفل دركات الانحطاط الخلقي وأردى درجات البهيمية الشهوانية. وكما اتكأ أدونيس على خلفيته الباطنية وأخذ من الشلمغاني مضامينه الإباحية، نجد حسن حنفي، يتكي تنلى فلاسفة الصوفية ويثني عليهم لعدم تفريقهم بين النكاح والسفاح، والشذوذ الجنسي، يقول: (. . . والصوفي يتحدث بحرية تامة مع اللَّه، ويتكلم عن علاقته العشقية مع اللَّه وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى، اللَّه يعامله جنسيًا وهو يعامل اللَّه جنسيًا، الشيخ الصوفي مع المريد والمريد مع الشيخ، ولا فرق بين الشذوذ الجنسي والنكاح الطبيعي. . .) (١). وهكذا نجد أن الحداثيين يبحثون في أروقة النجاسة التاريخية وسراديب التحلل المعاصر لتبرير التحلل وتمجيدا الرذائل وتسويغ الانحراف. ومن تمجيد الرذائل الخلقية مدح أنسي الحاج للجريمة، وتبريره للإجرام، وذلك في قوله: (الجريمة سلك كالرهبنة، ولها عفتها وصوفيتها، وكلما أوغل المجرم في سلكه ازداد ترقيًا في المقام، والمجرم الكبير زاهد بما ليس جريمة كما هو القديس زاهد بما ليس اللَّه) (٢). وفي الوقت الذي يتهكم فيه بالدين ويسب اللَّه رب العالمين يعتبر أن

стр. 2046

الجنس من الأمور المقدسة، ولذلك لا يجب أن يخدش هذا المقدس عنده بأي شيء ولو كان بالنكتة، ولعله فى تقديسه للجنس يمثل عقيدة بعض الطوائف الهندية التي تعبد فرج الرجل والمرأة، يقول الحاج: (وأكره النكتة، كذلك، لأنها معلبة، موجهة لتوليد "ضحك السهرات" الأكثر سخافة، وأمّا النكتة الجنسية فلأنها، فوق ذلك تهرج في موضوع مقدس، مهيب ككل آية هو الجنس) (١). ومن هذا الهيام بالجنس استطرد واصفًا الأدب قائلًا: (يحاول الأدب لا محاكاة الطبيعة بل تقليد العناق الجنسي) (٢). إن هذا الوصف ينطبق حقيقة على أدب الحداثة المغموس في بالوعات الجنس، كما أرادوا تنظريًا وتطبيقيًا وممارسة؛ ولذلك لم يُخف إنسي الحاج إعجابه بنظرائه من ذوي الانحطاط الخلق، وذلك في قوله: (إعجابي بمفرغي عبقرياتهم في الضياع، في العقم، (بالكسل، الكحول، المخدرات، النساء، الهرب، فيه حب لهم، فهمٌ لهم، وفهمٌ عبرهم، وعبر نموذجهم التبذيري، لرسالة ما عن حقيقة العلاقة التي يجب أن تقوم بين المبدع وعمله) (٣). لا يتوقع من منغمس في الضياع والفساد والشر والرذيلة أن يصدر منه أقل من هذا، بيد أن المهم أن نستدل بهذا القول وأشباهه الكثيرة على أسس التصور الأخلاقي لدى أصحاب هذا الاتجاه. وليس هذا قولًا فذًا، بل لهم في تمجيد الرذائل الخلقية الباع الكبير، والكلام الكثير (٤).

стр. 2047

أمَّا الموقف العدائي ضد الأخلاق القويمة والسلوكيات الفاضلة فتشهد به أقوالهم السابقة، المتضمنة مدح الرذائل والانحرافات الخلقية، وهذا يلزم منه ذم أضدادها من الفضائل والمكرمات. بيد أنه يلزم الحكم عليهم بالصريح دون اللازم، وقد سبق ذكر شيء من ذلك في معاداتهم للأخلاق الفاضلة، وسوف أذكر هنا بعض الشواهد مشيرًا إليها إشارات سريعة. فها هو أحدهم يصف القرآن العظيم كلام اللَّه تعالى بأنه فاتح لشهية الجماع (١)، وفي هذا تدنيس قبيح، وتشويه مقصود للقرآن العظيم الدال على كل مكرمة، والناهي عن كل نقيصة ورذيلة، ونحو هذا القول، الكتاب الذي ألفه أحد الحداثيين بعنوان "الجنس في القرآن"، ومن فصوله "أصل الجنس في القرآن"، والدلالات المحيطة به، وثنائية الجنس في القرآن والعلاقات القائمة بينهما، والجنس بين بعديه الدنيوي والأخروي في القرآن" (٢)، وقد ملأه بالألفاظ والمعاني الفرويدية، والتدنيس والاستخفاف بكلام اللَّه وشريعته. وعلى منواله جرى الكاذب المسمى بالصادق النيهوم، حين تعرض لأحكام الإسلام وأخلاقه، في كتاب "الإسلام في الأسر" خاصة في الفصل الرابع عشر "سر وراء الحجاب" (٣) الذي ملأه بالتهكم بالعفاف والحجاب والفضيلة وأحكام الختان التي اعتبرها من اختراع سكان الصحراء ثم من

стр. 2048

اختراعات اليهود، وأمَّا حسين أحمد أمين فإنه يمجد بهيام علماني مشروعات خلع الحجاب عن المرأة، وإخراجها إلى الشارع والعمل والاختلاط ويأسف أشد الأسف للدعوة الجديدة المنتشرة بين الشباب والشابات لعودة الحجاب (١). وأمَّا حسن حنفي فإنه ينادي باختراق المحرمات الثلاث في ثقافتنا -حسب قوله- وهي الدين والجنس والسياسة (٢). وأمَّا محمد بنيس فإنه تناول هذا المضمون بصيغة أخرى حين تعرض له باعتباره من أعظم عوائق التقدم عندها، ثم عمم الحكم على الحجاب الذي يريد إزالته، وكانه يريد المحرم أو الذي له اعتبار حكمي شرعي أو اعتباري عرفي، وقال بأن الحجاب في المرأة والبيت واللَّه تعالى والجنس والسياسة، ثم نادى بوجوب تمزيق الحجاب عن هذه كلها (٣). وهي دعوة صريحة للكفر والرذيلة الخلقية والفوضى والانحلال ومعاداة فجة للاستقامة والفضائل وكل أصولها. أمَّا نزار فإنه في دعوته إلى الجنس ينادي بتعاطيه علنًا بالأسنان والأظافر، والتخلص من ميراث القبيلة وشريعة الجاهلية في الحسب والنسب، ويعتبر الجنس أساس كل تقدم وحضارة (٤)، ويتصدى جبرا إبراهيم جبرا لكيل الشتائم ضد الحجاب والمتحجبات (٥)، وكيل الثناء للفاجرات، وشتم العفيفات (٦) وامتداح الفجور والإباحية النسائية والدعارة (٧).

стр. 2049

أمَّا توفيق صايغ فإنه يعتبر المحافظة على عذرية البنت مجرد تزمت شرقي ينبيء عن حب لرؤية الدم (١)، وأبشع من هذا القول وأخبث ما سطرته نوال السعداوي بخبث إباحي علماني حداثي في كتابها "دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي"، حيث خصصت كلامًا طويلًا عن "مفهوم العذرية وحشدت قصصًا مأساوية تذكر أنها مرت بها في عيادتها لتخلص إلى أن مفهوم العذرية مشكلة شرقية تدل على التزمت في قضايا العيب والشرف" (٢). ثم تحدثت عن "الشرف والدم في عصرنا الحديث" وساقت في مطلعها ملخصًا "لدعاء الكروان" لطه حسين ثم أقوالًا أخرى لنجيب محفوظ وغيرهما، لتقول إن مفهوم الشرف وأخلاقيات الشرف الشائعة عند المسلمين ليست سوى علامة تخلف وظلم يمارسها المجتمع ضد المرأة (٣). وفي كتاب "المرأة العربية والمجتمع التقليدي المتخلف" أصرح العبارات المحاربة لمفاهيم الأخلاق والفضيلة والعفاف (٤) إضافة إلى محاربة شرع اللَّه تعالى ومناقضته والتهكم بأحكامه وقضاياه. وفي كتاب "مباهج الحرية" ينقل المؤلف رأي حداثي كبير في قضية العيب والحرام، وهذا نصه: (الاستمتاع بالحياة ليس عيبًا ولا حرامًا، إن العيب هو التمتع على حساب الآخرين واحتياجاتهم، والمعاب أساسًا هو سلطة القمع والنهب، أمَّا الحرام فهو تلك التابوهات المتجسدة في أوامر وموانع صارمة تحرم المتعة على الإنسان، وتثير الشعور بالخطيئة والندم، وتصدر عن سلطة قمعية، بطركية، لاهوتية) (٥).

стр. 2050

ويقول: (إن من مهام الأديب الدعوة إلى الاستمتاع بالحياة، ورفض مفهوم بؤس الحياة الفاشي، وتأكيد كل ما هو واقعي وصادق في إطار التجربة الحية) (١). وفي الكتاب الذي خصصه مجموعة من العلمانيين للمرأة وسموه "هاجر" تحدث نصر أبو زيد تحت عنوان "المرأة البعد المفقود في الخطاب الديني" وكال فيه الشتائم الحداثية في صيغ "التماهي" و"البنيوية" والدراسات المغالطة، المستهدفة تقويض أحكام الإسلام القاضية بالعفة والحياء والتكريم للمرأة (٢). وتحت عنوان "في القيم" خصصوا الحديث فيه عن "مفهوم الشرف" وتحدث فيه ثلاثة منهم، وأولهم امرأة اعتبرت أن الحديث عن الشرف دعارة في الرأي والكلمة تصيب بالغثيان واعتبروه ازدواجية في المعايير الأخلاقية، وأن الشرف في النهاية التزام بالذات وبالآخرين (٣). واعتبر الثاني أن مفهوم الشرف مفروض من قبل الرجل -الأقوى اقتصاديًا- على المرأة، وذلك لكي يحقق مصلحته (٤). أمَّا ثالث المتحدثين فكانت نوال السعداوي التي كررت مقولاتها المناوئة لعفاف المرأة وحجابها والداعية إلى الاختلاط والتبرج والحرية الجنسية (٥). أمَّا أمل دنقل فإنه يغني لكي تستعيد المرأة راية الفكر السليبة: (ولكي يهوي حجاب الخوف عن … روح ربات الحجال المستريبة) (٦)

стр. 2051

ونحوه قول نزار: (قضينا العمر في المخدع وجيش حريمنا معنا وصك زواجنا معنا وصك طلاقنا معنا وقلنا اللَّه قد شرع ليالينا موزعة على زوجاتنا الأربع) (١). ثم يضيف: (تظل بكارة الأنثى بهذا الشرق عقدتنا وهاجسنا فعند جدارها الموهوم قدمنا ذبائحنا وأولمنا ولائمنا نحرنا عند هيكلها شقائقنا قرابينًا. . . وصحنا "واكرامتنا" صداع الجنس مفترس جماجمنا صداع مزمن بشع من الصحراء رافقنا فأنسانا بصيرتنا، وأنسانا ضمائرنا) (٢). لقد قلب نزار القضية رأسًا على عقب، فحول العفاف والشرف إلى

стр. 2052

عقدة وهاجس جنسي، في حين أن الصداع المزمن والهاجس المستمر المفترس للعقول والجماجم هو حال الذي لا يرى الحضارة إلّا جسدًا وجنسًا، ولا يرى التقدم للإنسان إلّا من خلال الأعضاء التناسلية. ولنأخذ مثالًا على مقدار ما وصل إليه من إباحيته، يقول: (كنا ثمانية معًا نتقاسم امرأة جميلة كنا عليها كالقبيلة كانت عصور الجاهلية كلها تعوي بداخلنا وأصوات القبيلة) (١). ويقول: (كنت أريد أن أنهي عصر البربرية وأقتل آخر الخلفاء كان في نيتي -عندما أحببتك- أن أكسر أبواب الحريم وأنقذ أثداء النساء من أسنان الرجال وأجعل حلماتهن ترقص في الهواء متهيجة

стр. 2053

كحبات الزعرور الأحمر) (١). وهكذا ينصب أحابيل كلماته وتلاعباته اللفظية ليخدع السذج والمغفلين، يقلب المعاني قلبًا كاملًا، فهو كمن يصف الظلام بالضياء، والنور بالعتمة، وليس هذا عجيبًا على امرئ طمست الجاهلية والشهوانية بصيرته، ولكن العجب أن ترى أفواج المعجبين والمعجبات يحطون على إفرازاته الكلامية هذه. وفي معرض ذمه لأخلاق العفاف عند المسلمات ودعوته إلى الإباحية يضع أمه رمزًا لذلك ويقول: (فأمي "دقة قديمة" ولا تفهم كيف يكون للمرأة حب أول وثان وثالث وخامس عشر أمي تؤمن برب واحد وحبيب واحد وحب واحد) (٢). هذه "الدقة القديمة" التي يصف بها نزار عفاف المسلمات هي التي يسعى في أكثر كلامه إلى وأدها وإذهابها من الواقع جملة وتفصيلًا، ليقوم في مكانها سوق النخاسة الذي يصول فيه الشهوانيون ويجولون على كيان المرأة، بعد أن يخدعوها بأن هذه هي الحرية، وهذا هو التقدم. وعلى كل حال فإنه قد أكثر من هذا الكلام وكرره تكرارًا مملًا (٣). وعلى نحو من هذا الهجوم على العفاف قول محمود درويش: (تقول شيئًا ما عن النهر المخبأ في عباءات النساء القادمات من الخريف) (٤).

стр. 2054

وفي رواية الخبز الحافي دعوة صريحة للزنا ومحاربة للزواج وتبرير للدعارة وفرح بها وبأهلها (١). وفي ختام هذا الفصل أذكر بعض الأمثلة على الانحراف الخلقي عند الحداثيين من خلال كلامهم الداعي إلى هذه الانحرافات، أو من خلال ممارساتهم التي اعترفوا فيها بالانحلال الخلقي، وهي شواهد قليلة من بحر هائل متلاطم لا يُمكن حصر كل ما فيه، وهذه الشواهد مجرد قطرة من ذلك البحر، وسوف أشير إليها إشارات عابرة تتضمن ما قالوه في كتبهم وفق الترتيب المعجمي: ١ - الإباحية الجنسية: من أخلاقيات الحداثة دعوتهم إلى الإباحية الجنسية من خلال استخراجهم لأقوال الزنادقة من الصوفيين والباطنيين، وإشادتهم بها، ودعوتهم إلى الأخذ بما فيها، ومن خلال تقريرهم أن الإباحية هي أصل التحرر والتحضر والإزدهار، وأن الحرية الجنسية أساس كل حرية، وأن خطوة إخراج الجنس والجسد من المحرم إلى علنية الممارسة واللغة من المفاصل الأساسية، مع اعترافات واضحة بالمعاشرة الجنسية الجماعية، ودعوة إلى تطبيع الجنس، واقتفاء آثار الغرب في ذلك، والإتيان بكلام على لسان امرأة لها عشاق يضاجعونها جميعًا وهي تفاخر بذلك، والدعوة إلى ممارسة الجنس في الطريق (٢).

стр. 2055

٢ - احتراف الدعارة: تضمن هجومهم على مبادئ الشرف والعيب والعرض، الإشادة والامتداح للدعارة، وبيوتها وأربابها، ووصف أحوال المومسات، وإظهار التعاطف معهن، وتصوير أحوالهن مع الزناة، والتمني على لسان أستاذ داعر أن يجد كل ذكر من طلابه مع أنثى من طالباته يواقعها، والإطناب في الثناء على البغايا واعتبارهن نمودج تحرر وانطلاق، مع تبرير للتلاعب بالمرأة والانتقال جنسيًا بين امرأة وأخرى (١). وقد رسم لهم سارتر زعيم الوجودية من ضمن من رسم طريق الدعارة من خلال حياته مع عشيقته يوفوار، ومن خلال الكتاب الذي ألفه سنة ١٩٤٦ م/ ١٣٦٥ هـ بعنوان "المومس المحترمة" (٢)!!. ٣ - الاستمناء: وصف لحالات استمناء وصفًا مفصلًا، وتبرير لهذه العملية، وجعل

стр. 2056

السبب الرئيسي في حدوثها فقدان الاتصال المطلق بين الفتيات والفتيان، وعدم توفر المال اللازم لمعاشرة المومسات، وجعل الاستمناء ممارسة عادية طبيعية لا توجب المنع والتحريم، وصياغة هذه الأقوال في لهجة علمية مصطنعة تضفي هالة كاذبة على أقوالهم الفاسدة، وذكر بعضهم للصور الجنسية وصور أغلفة المجلات المصرية واستمناؤه على صور الفنانات، ووصف أحوال فتاة تتحسس أعضاءها وتكتسحها الرغبة (١). ٤ - الاعتراف بالعربدة والانحلال: الاعتراف سيد الأدلة -كما يقال- وفي كتب أهل الحداثة من الاعترافات المشينة ما يدل دلالة قاطعة على المستوى الأخلاقي الذي يعيشه أهل هذه الملة، حيث جعلوا العربدة وإغراق البشرية بطوفان النشوة والشهوة، والتباهي بالدخول في غرف الحب الضيقة وفتح أقفال الجنس، والاعتراف الصريح بأن ما يقال في الشعر من وصف للمارسات الجنسية قد وقع حقيقة، بل المفاخرة بذلك، والاعتراف بأن الشعر الجنسي هو مستودع ذكريات الشاعر وفضائحه وممارسته الواقعية، ووصف حالته مع الطفل الناتج عن الزنى بامرأة، واستبسالهم في الدفاع عن الرذيلة، والإقرار باحتراف الرذيلة والدعارة باسم الحب، وأحدهم يطالب الصحافة بالاعتراف به كواحد من أكبر فوضوي التاريخ، وكثير منهم يقر بممارسة الضياع وتعاطي الخمور والحشيش والتلصص من شقوق الأبواب، والتشرد وعشق الفضلات، ومعاشرة نساء عديدات من بلدان عديدة، وهناك من يعترف باللواط وممارسته داخل المسجد، وارتياد أماكن السكارى والبغايا والحشاشين، وتعاطي الحشيش في المسجد، وممارسة القوادة والسرقة والنشل (٢).

стр. 2057

٥ - أعضاء الجنس: غرق الحداثيون إلى أذقانهم في ذكر الأعضاء الجنسية، ومواطن الإثارة في المرأة، واستخدموا ألفاظ الإغراء الجنسية بصورة مكشوفة أحيانًا، وبصورة رمزية في أحيان أخرى بل وصفوا أعمالهم التأليفية والشعرية بأوصاف جنسية، فأحدهم يريد أن يعطي الكلمة عضوًا جنسيًا، والآخر يخرج من فرج الكلمة، والثالث يفتض القصيدة. بل حتى المواطن والبلدان وصفوها بأوصاف الجنس فدمشق امرأة لها ثديان وصنعاء خصر ونحر وبيروت فرج مومسة. ويصرون على تحويل الأشياء والأحداث إلى أنثى وأعضاء تناسل مثل قول أحدهم: افتض بكارة هذا الليل، وقول الآخر: كانت الجرائد تبيع للرماة أعضاءها التناسلية، وقول الآخر: يا وطني يا امرأة تفتح فخذيها للريح الغربية، ووصف الآخر لضوء القمر بقوله: مني القمر. أمّا أوصاف العملية الجنسية، ووصف فرج المرأة وفرج الرجل وما حولهما وما فيهما، ووصف المؤخرة فقد أطنبوا فيه غاية الإطناب، وأبدأوا

стр. 2058

القول في ذلك وأعادوه وكرروه، ليحققوا غايتهم في تطبيع الجنس والنجاسة، وتحطيم الحشمة والفضيلة والعفة، وترويج الرذيلة والدعارة والانحلال (١).

стр. 2059

٦ - أعمال الجنس: كما غرقوا في وصف أعضاء الجنس، فقد غرقوا أيضًا في وصف الأعمال الجنسية، وتفصيل ذلك تفصيلًا واسعًا قذرًا، والتباهي بذكر أحوالهم الخسيسة مع المومسات، والشاذين، في وقاحة وجرأة وبذأة لا نظير لها إلّا في مجلات وأفلام الجنس (١). ٧ - امتهان المرأة: طالما ردد أهل الضلال والانحراف أنهم يسعون إلى تكريم المرأة وإعلاء شأنها، ورفع مكانتها، وهذه دعاوى عريضة يكذبها واقعهم المنظور، وكلامهم المنشور. ويتجلى امتهانهم للمرأة أنهم سعوا في هدم أخلاقياتها المرتبطة

стр. 2060

بالإسلام عقيدة وشريعة، فحاربوا الحجاب والعفاف والفضيلة والاحتشام ودواعي الشرف وأسباب الكرامة، ونادوا -في المقابل- بالتبرج والاختلاط، ونبذ العفة، واطراح الحشمة، واقتراف الرذيلة، وقطع أسباب الشرف، ورميها في زبالات المهانة والإذلال. رفعوا -كاذبين- شعارات حقوق المرأة، ولافتات حرية المرأة، وهم في الحقيقة لا يرون فيها غير متنفس لشهواتهم الحيوانية، ومستودع لنزواتهم البهيمية. يلتذون برؤيتها عارية لإشباع رغبة الزنى في عيونهم، ويلتذون بسماعها صارخة متأوهة لإشباع نزوة الزنى في أسماعهم، ويستمتعون بمخالطتها متبرجة، ثم منطرحة ذليلة تحت أقدام شهواتهم، فإذا ما استنفدوا شبابها وزهرة حياتها رموها رمي النعال الممزقة في سلة المهملات. لا يرون في المرأة غير الجسد العاري، والرغبة الهائمة، والأعضاء الجنسية، ولا يريدون منها غير ما يريد الذئب من الشاة، يريدون لحمها، فإذا ما شبعوا أو ملُّوا قذفوها في مقلب القمامة، فإذا هي بلا دين ولا خلق ولا عفة ولا احتشام، وبلا زوج أو أبناء، امتص المجرمون رحيق حياتها، واستخدموها استخدام الآلة، ثم طرحوها، وراحوا يبحثون عن غيرها. صدقت المرأة دعاوى التحرر والكرامة، فماذا جنت؟. جنت المهانة والإذلال والتشرد والشتات، وأكبر شهادة ذلك ما قالته النساء اللواتي كن يعملن في "الفن" وأقوال واعترافات "الفنانات التائبات" من أكبر البراهين على ما ذكرنا. ومن ينظر إلى كلام الحداثيين الداعين إلى حرية المرأة ومكانة المرأة سيجد الدليل الصارخ على بشاعة الامتهان للمرأة. ها هو أدونيس يخاطب صنوه يوسف الخال بعد أن قرأ "قصائد في الأربعين" للخال، فيقول: (ربما يكمن جديد مجموعتك في نظرتك للمرأة، نحن هنا نقرع أبوابًا توصلنا إلى الحياة والعيش في مدينة الجنس أو قل مدينة الجسد. . .) (١).

стр. 2061

ويشهد إحسان عباس بأن صلاح عبد الصبور: (يشترك مع نزار في الوقوف عند المظاهر الحسية من عالم المرأة) (١)، ويشهد أن الحب الذي يردده هؤلاء ليس إلّا علاقة جسدية (. . . إن "ظاهرة الحب" نفسها قد أصابها التغير بفعل الزمن، فجفت، وأصبحت قاصرة على العلاقات الجسدية) (٢). وإذا جئنا إلى "شاعر المرأة" كما يسمون، إلى نزار قباني، فإننا نجده قد جرد المرأة من كل إنسانية حين تحدث عنها باعتبارها عشيقة أو داعرة، أو مطرودة من دوائر العشق الجنسى وبيوت الدعارة، أو عارضة جسد، وقد خاطبه أحد النقاد في سؤال موجه إليه، قائلًا: (لكن شعر الحب لديك، إذا نظرنا إليه بعين المدرسة التحليلية في علم النفس، نجده صورة لتلك العقد الفرويدية. . .) (٣). وقال له في سؤال آخر بعد أن لخص مشاكل العرب كلها في الجنس: (هل تستأهل مشكلة العرب الجنسية أن تستنزف من حياتك الشعرية أكثر من ربع قرن؟) (٤). وقال أيضًا: (أنا أرى أنك تنظر إلى العالم من خلال ثقب أحمر صغير، وتضخم ما تراه إلى حد تصل به إلى تفسير الظواهر الاجتماعية والتاريخية من خلاله) (٥). هذا الشاعر الحداثي الكبير يتحدث عن المرأة بصورة مغالطة، ولا يستحيي مطلقًا من مواصلة الحديث وهو يتناقض في السطر الواحد، فعندما سئل (أتصور أن المرأة في شعرك لم تكن قضية، بقدر ما كانت

стр. 2062

بطاقة إلى الجماهير، أعني أن المرأة في شعرك "مضافة" تزوقها كل مرة بما يرضي أذواق الضيوف ويخدرهم -أجاب قائلًا-. . . المرأة هي الآن عندي أرض ثورية، ووسيلة من وسائل التحرر، إنني أربط قضيتها بحرب التحرر الاجتماعي التي يخوضها العالم العربي اليوم، إنني أكتب اليوم لأنقذها من أضراس الخليفة، وأظافر رجال القبيلة، إنني أريد أن أنهي حالة المرأة الوليمة، أو المرأة "المنسف" وأحررها من سيف عنترة وأبي زيد الهلالي. ما لم نكف عن اعتبار جسد المرأة "منسفًا" تغوص فيه أصابعنا وشهواتنا، وما لم نكف عن اعتبار جسدها جدارًا نجرب عليه شهامتنا، ورصاص مسدساتنا، فلا تحرير إطلاقًا، إن الجنس هو صداعنا الكبير في هذه المنطقة، وهو القياس البدائي لكل أخلاقياتنا التي حملناها معنا من الصحراء، يجب أن يعود للجنس حجمه الطبيعي، وأن لا نضخمه بشكل يحوله إلى غول أو عنقاء، الكائنات كلها تلعب لعبة الجنس بمنتهى الطهارة، والأسماك والأرانب والأزاهير والعصافير وشرانق الحرير والأمواج والغيوم كلها تمارس طقوس الجنس بعفوية شفافة، إلّا نحن فقد اعتبرناه طفلًا غير شرعي، وطردناه من مدننا، وجردناه من حقوقه المدنية) (١). هذا النص لوحده يناقض أوله آخره تناقضًا صريحًا فهو يزعم بأنه لا ينظر إلى المرأة باعتبارها مجرد جسد، ثم ينادي بتطبيع الجنس وجعل الممارسة الجنسية المفتوحة متاحة كما تحصل بين الأسماك والأرانب والطيور، وهو ينادي بإنقاذ المرأة -حسب زعمه- من أضراس الخليفة وأظافر رجال القبيلة، ولكن إلى أين؟ إلى الدعارة الفاضحة والنهش المتاح لكل ناب وسن، وهو القائل: (أنا رجل يرفض أن يلعب الحب خلف الكواليس، ولذلك نقلت سريري إلى الهواء الطلق) (٢)، والقائل: (أرى أن فكرة العيب والشرف والعرض تقيم حصارًا طرواديًا حول الجنس الثاني. . .) (٣)، والقائل: (إن

стр. 2063

الرجولة كما يفهمها مجتمع الرجال لدينا، هي القائمة على الكسر، والقمع وإلغاء إرادة الأنثى. . . فمن النظام الأبوي إلى النظام الزوجي، تنتقل المرأة من معتقل إلى معتقل. . . من رجل مباحث إلى رجل مباحث) (١). أي أن التحرر الذي يريده للمرأة أن تنتقل من يد داعر إلى يد داعر آخر، ومن سرير زانٍ إلى سرير زان آخر. والناظر في شعر هذا الداعر يجد فيه أوضح شاهد على مراده من تحرير المرأة، بل هو يعترف بأن ما كتبه من شعر جنسي وأوصاف جسدية، وعبارات شهوانية، لم يأت من خيال تأليفي بل من واقع عملي (بالنسبة لي لا انفصام بين التجربة والتعبير عنها بين الفم والصوت، كل تفاصيل حياتي اليومية معجونة بالشعر) (٢). (ما كتبته عن المرأة لم يكن اختراعًا أو تأليفًا. . . وإنّما هو معاناة "ميدانية" حسب الاصطلاح العسكري) (٣). قال أحد الكتاب عن نزار وموقفه من المرأة بعد أن أورد قوله: (اجلسي خمس دقائق. . . لا يريد الشعر كي يثقب الورق العاري سوى خمس دقائق فاعشقيني لدقائق واختفي عن ناظري بعد دقائق) (٤): (المرأة إذن لاستدرار اللذة، كما هي أداة لاستدرار القصيدة مجرد عود كبريت يشتعل فيشعل الحرائق. . . أي أن المرأة عنده إثارة أو استثارة، ولها

стр. 2064

وظيفتان: وظيفة بيولوجية بحتة تمتد سحابة خمس دقائق، ووظيفة أخرى مرتبطة بالأولى من شأنها توليد القصيدة في نفس الشاعر) (١). وقال كاتبان معجبان بنزار وأشعاره الجنسية: (عرفنا المرأة في شعر قباني وكان نوفوتيه ودار أزياء وجارية بصيغة جديدة تنعم -بعد تحطيم العلاقات الاجتماعية البائدة- بنعمة التحرر من ثيابها) (٢). إن قصائد قباني يُمكن تلخيصها في أنها تدور حول الأوصاف الحسية للمرأة لجسدها ولملابسها الداخلية ولأدوات الزينة وأشياء غرفة النوم في لغة نرجسية، وعبارات جنسية مكرورة مملة. كل هذا معجون بلهجة جزار لا ينظر إلى المرأة إلّا باعتبارها لحمًا، بعضه يصلح الآن، وبعضه من كثرة الاستعمال فسد، وبعضه قد تعفن من زمن، أي أنه لا يمتهن المرأة فقط بل يهينها ويذلها ويعجن كرامتها بالطين والقاذورات (٣). وأطلت الحديث عن هذه القضية لكونها من أهم محاور الفساد الأخلاقي الذي يتسلل من خلاله دعاة الرذيلة، وأطلت في الكلام عن نزار قباني لكونه زعيم من زعماء هذا الاتجاه الإنحلالي النجس، مع أن الاستهانة بالمرأة ليس خاصًا بقباني، بل لكل حداثي نصيبه من هذه الاستهانة صراحة أو ضمنًا (٤)، ويكفي في ذلك أن مذاهب الحداثة والعلمانية في جملتها تحتوي على استهانة عظمى بالمرأة، وبالإنسانية جمعاء.

стр. 2065

يقول أنسي الحاج: (امرأة لا تتوقف عند حدود الجرأتين الكتابية والاجتماعية فهما أقل الجرآت شأنًا، بل تتعداها إلى الجرأة الوجدانية والنفسية، فتصور لنا أكثر وأعمق مما اعتدناه من مشاعر وتجارب مللناها. . .) (١). ٨ - الإنسان مجرد جسد: هذه قاعدة فرويد التي بنى عليها مذهبه الجنسي المظلم وتبعه في ذلك المقلدون من أبناء البلاد الإسلامية، فاعتبروا الإنسان جسدًا بلا روح، ولحمًا ودمًا بلا آفاق ولا أشواق ولا قيم، ولذلك انحدروا مع هذا المفهوم الطيني إلى وحول نتنة من الأخلاقيات والسلوكيات المنحرفة، واعتبروا وجودهم في الدنيا فرصة وحيدة يجب أن تستغل استغلالًا كاملًا في كل ما من شأنه تحقيق الرغبة الجسدية، وتحصيل الشهوة الحيوانية، وحتى الحب الذي هو عاطفة إنسانية راقية، جذبوها من علوها وأنزلوها إلى مستنقع الجنس أمّا آفاق النفس وأشواق الروح وأبعاد الغيب فهم أبعد الناس عن هذه الأمور؛ لأن جسديتهم وطينتهم تحتم عليهم أن يكونوا في دائرة الجثمان (٢). ٩ - بغض الوالدين: إذا كان بر الوالدين عبادة عند المسلم، فإن بغض الوالدين وكراهية سلطة الأب أصل من أصول الانطلاق الحداثي كما يحلو لهم أن يقولوا، أمَّا التعبير السلوكي والعملي عن هذا البغض فقد سطره محمد شكري في روايته الخبز الحافي (٣)، فهو يصف كيف كان يتجسس على والديه ويسمعها وهما في حالة الجماع، ثم يطنب في شرح مقدار بغضه لوالده، ويكيل له الشتائم

стр. 2066

القذرة بل يذكر أمنيته في قتل والده، ثم لما مات والده فرح بذلك وذهب ليبول على قبره. أمَّا ابن جلون فإنه يسجل هذه الظاهرة في رواية ليلة القدر حيث يجعل الفتاة التي هي محور الرواية تذهب إلى قبر والدها فتنبشه وتلقي فيه كلما كان قد أعطاها في حياته باعتبارها ولدًا ذكرًا (١). أمَّا نوال السعداوي فتتناول مسألة الوالدين تحت عناوين: البنت، الأسرة والكبت، الأسرة والمدينة، سيكولوجية الأب، وكلها تصب فى إناء الدعوة إلى التمرد على الأب والخروج عن طاعته (٢). ١٠ - بيوت الدعارة: سبق عند ذكر احتراف الدعارة بيان إشادتهم وامتداحهم للمومسات، وبائعات الهوى، وهنا نشير إلى شغفهم ببيوت الدعارة ومحبتهم لها، وذكرها في كتاباتهم ذكر تبجيل وثناء؛ ذلك أنهم قد ألفوا هذه البيئات، والإنسان يحب ما ألف. تجد في شعرهم وكتاباتهم الأخرى مدح الحانة وبيوت العري، ومنازل البغايا، أو ذكر أحداثها على أنها من الأمور العادية والممارسات الطبيعية (٣)، ومن المعلوم كم في هذه البيوت من مدمرات للأخلاق ومحطمات للقيم ومهلكات للسلوك القويم، وكم فيها من قيح وصديد ينشيء الرذائل الخلقية، ويربي الانحراف والجريمة. ١١ - التشرد: يعدون التشرد والضياع نوعًا من الإبداع والانطلاق من عوامل الكبت،

стр. 2067

ولذلك وصفوه وأعجبوا بأصحابه الذين يمارسونه (١). ١٢ - الجنس أساس كل شيء: قاعدة من قواعدهم التي ينطلقون منها على آثار أستاذهم اليهودي فرويد، وقد سبق نقل كلام نزار في أن الجنس أساس الحضارة والتقدم، وكلام أنسي الحاج في أن الحرية الجنسية أساس كل حرية وأن الإبداع شهوة جنسية قبل كل شيء، أمَّا محمد شكري فإنه ينادي أغرق نفسك في الجنس تنسى الهموم (٢)، وأمَّا أنسي الحاج فيقول: (الجنس يأتي معه بحبه التعري لا العري، تعرٍ لا نهاية له. . . في التهتك حسابات دقيقة جدًّا لا غنًى عنها وإلَّا انحرف وتشوه. . . عندما يرميك شبقك بين أحضان جسدك يستنير محياك كملاك. . .، وهل يكون أن من ألذ ما في المرأة أن يملكها سواك، فتبرز قيمتها لك كمشهد، وكملك لآخر، أشهى ما فيه متعة سرقتها؟، لماذا أتوب عن هذياني الجنسي وهو أكثر ما يعيدني إلى الفردوس؟) (٣). ١٣ - الجنس مع الحيوانات: يعترف محمد شكري بأنه مارس الجنس مع الحيوانات: الدجاجة، العنزة، الكلبة، العجلة، ثم يصف بعض هذه الممارسات (٤). ١٤ - الحانات: مدحوها ووصفوها وصف المحب المعجب أو ذكروها على أن

стр. 2068

وجودها وانتشارها في بلاد المسلمين من الأمور الطبيعية (١). ١٥ - الحب هو الجنس: الحب تلك العاطفة الإنسانية النبيلة تحولت عند الحداثيين والعلمانيين إلى جنس، فقد كثر في كلامهم الإشارة إلى الحب بهذا المعنى، يقول إحسان عباس: (نحن نعيش في عصر فرويد: جملة قد تحمل معاني عديدة، وقد تكون فارغة من المعنى، ولكنها تشير إلى انهيار الحواجز بين الحب والجنس) (٢). وهذه النظرة الفرويدة التي شاعت في الغرب، فكان من ثمارها ما سبق شرحه، حتى إن الرجل ليقول للمرأة تعالى نمارس الحب لمدة كذا دقيقة، أو يصف بأنه مارس الحب مع فلانة لمدة كذا، وكذلك فعل المقلدون من أبناء المشرق: (الجنس كان مسكنًا جربته لَمْ ينه أحزاني ولا أزماتي والحب أصبح كله متشابهًا كتشابه الأوراق في الغابات أنا عاجز عن عشق أية نملة أو غيمة عن عشق أي حصاة مارست ألف عبادة وعبادة فوجدت أفضلها عبادة ذاتي) (٣) (. . . إنه اتخذ الجنس مسكنًا وأصبح الحب كله متشابهًا. . . إن خوف الشاعر من ضياع الحيوية الشعرية -لا من ضياع العفة والفضيلة- هو الذي يحدد للحب "ومن ثم للجنس" أبعاده وقيمه، فنزار إذن لم يتحدث عن الحب بمعناه العاطفي الذي يظنه الكثيرون، إنّما تحدث عنه بمعنى جديد. . .) (٤).

стр. 2069

(وهو في ثقافته وفكره يريد للمرأة أن تتحرر، رغم أنه يراها بسبب وضعه الأول مقيدة بأغلال الحب والجنس، وقد رآها متحررة، وأعجب بتحررها) (١). ويورد هذا الناقد جملة من أقوال الشعراء الحداثيين ويخلص بنتائج منها قوله بعد إيراد كلام لصلاح عبد الصبور: (في القديم كان الحب يخضع للترتيب والحسبان، كانوا يقولون نظرة فابتسامة فسلام. . . الخ، أمّا اليوم فإن العاشق العصري قد يلتقي بمحبوبته "من قبل أن يبتسما" وقد يذوق العاشقان ما يذوقان قبل أن يشتهياه، فالحب لحظة شبق تضيع قبل أن تتحد أبعادها أو يعرف الممارسان لها أحدهما الآخر) (٢). أمَّا عند أدونيس الذي يرى العلاقة بالمرأة تتم (عن طريق الحب الجسد كما تعبر عن ذلك قصيدته تحولات العاشق) (٣). (يجب أن تتذكر أنه في خلال الثلاثين سنة الماضية، قد تم تطوران كبيران -إلى جانب تطورات أخرى- وهما تطور وضع المرأة، وتطور فكرة الحب) (٤). ("ظاهرة الحب" أصابها التغير بفعل الزمن فجفت وأصبحت قاصرة على العلاقات الجسدية) (٥). وقد صرح نزار قباني بأنه يحارب ألوان الحب الشرقي (٦)، وهي دعوة للدعارة على الطريقة الغربية، ويصرح بأنه يتعاطى الحب بالأسنان والأظافر (٧)، ويقصد الجنس، وهو كلام شائع ذائع عندهم، مألوف في

стр. 2070

كتبهم ودواوينهم ورواياتهم (١). أمَّا نوال السعداوي فتطلق تصريحًا انحلاليًا تقول فيه: (المرأة الواعية الذكية لا تفصل بين الحب والجنس) (٢). ١٦ - الحشيش والمخدرات: تجد ذكر الحشيش والمخدرات في كتاباتهم، بين وصف لتعاطيهم لها، أو وصف للحشاشين وأصحاب المخدرات باعتبارهم من الأسوياء، واعتبار وجودهم وجودًا طبيعيًا، بل أحيانًا يشيرون إلى ذلك إشارة إعجاب وتبجيل وثناء كما قال أنسي الحاج: (إعجابي بمفرغي عبقرياتهم في الضياع، في العقم "بالكسل، الكحول، المخدرات، النساء، الهرب" فيه فهمٌ لهم، فهمٌ عبرهم، وعبر نموذجهم التبذيري، لرسالة ما عن حقيقة العلاقة التي يجب أن تقوم بين المبدع وعمله) (٣). وإذا كان أمل دنقل من أصرح النماذج على الارتباط الإبداعي!! بين الشعر الحديث والمخدرات والخمور، كما جاء في كتاب "الجنوبي" (٤) لزوجته، وكما جاء في اعتذارية المقالح وتبريراته لهذا السلوك الشائن عند أمل دنقل (٥)، ويشبهه في هذا السلوك محمد شكري الذي وصف أحوال تسكعه وعربدته مع الحشاشين وفي المواخير بل وحتى التحشيش في المسجد (٦)، وليست خاصة تعاطي الحشيش أو مدحه أو التهوين من شأنه
следующие страницы →