القذرة بل يذكر أمنيته في قتل والده، ثم لما مات والده فرح بذلك وذهب ليبول على قبره.
أمَّا ابن جلون فإنه يسجل هذه الظاهرة في رواية ليلة القدر حيث يجعل الفتاة التي هي محور الرواية تذهب إلى قبر والدها فتنبشه وتلقي فيه كلما كان قد أعطاها في حياته باعتبارها ولدًا ذكرًا (١).
أمَّا نوال السعداوي فتتناول مسألة الوالدين تحت عناوين: البنت، الأسرة والكبت، الأسرة والمدينة، سيكولوجية الأب، وكلها تصب فى إناء الدعوة إلى التمرد على الأب والخروج عن طاعته (٢).
١٠ - بيوت الدعارة:
سبق عند ذكر احتراف الدعارة بيان إشادتهم وامتداحهم للمومسات، وبائعات الهوى، وهنا نشير إلى شغفهم ببيوت الدعارة ومحبتهم لها، وذكرها في كتاباتهم ذكر تبجيل وثناء؛ ذلك أنهم قد ألفوا هذه البيئات، والإنسان يحب ما ألف.
تجد في شعرهم وكتاباتهم الأخرى مدح الحانة وبيوت العري، ومنازل البغايا، أو ذكر أحداثها على أنها من الأمور العادية والممارسات الطبيعية (٣)، ومن المعلوم كم في هذه البيوت من مدمرات للأخلاق ومحطمات للقيم ومهلكات للسلوك القويم، وكم فيها من قيح وصديد ينشيء الرذائل الخلقية، ويربي الانحراف والجريمة.
١١ - التشرد:
يعدون التشرد والضياع نوعًا من الإبداع والانطلاق من عوامل الكبت،
стр. 2067
ولذلك وصفوه وأعجبوا بأصحابه الذين يمارسونه (١).
١٢ - الجنس أساس كل شيء:
قاعدة من قواعدهم التي ينطلقون منها على آثار أستاذهم اليهودي فرويد، وقد سبق نقل كلام نزار في أن الجنس أساس الحضارة والتقدم، وكلام أنسي الحاج في أن الحرية الجنسية أساس كل حرية وأن الإبداع شهوة جنسية قبل كل شيء، أمَّا محمد شكري فإنه ينادي أغرق نفسك في الجنس تنسى الهموم (٢)، وأمَّا أنسي الحاج فيقول: (الجنس يأتي معه بحبه التعري لا العري، تعرٍ لا نهاية له. . . في التهتك حسابات دقيقة جدًّا لا غنًى عنها وإلَّا انحرف وتشوه. . . عندما يرميك شبقك بين أحضان جسدك يستنير محياك كملاك. . .، وهل يكون أن من ألذ ما في المرأة أن يملكها سواك، فتبرز قيمتها لك كمشهد، وكملك لآخر، أشهى ما فيه متعة سرقتها؟، لماذا أتوب عن هذياني الجنسي وهو أكثر ما يعيدني إلى الفردوس؟) (٣).
١٣ - الجنس مع الحيوانات:
يعترف محمد شكري بأنه مارس الجنس مع الحيوانات: الدجاجة، العنزة، الكلبة، العجلة، ثم يصف بعض هذه الممارسات (٤).
١٤ - الحانات:
مدحوها ووصفوها وصف المحب المعجب أو ذكروها على أن
стр. 2068
وجودها وانتشارها في بلاد المسلمين من الأمور الطبيعية (١).
١٥ - الحب هو الجنس:
الحب تلك العاطفة الإنسانية النبيلة تحولت عند الحداثيين والعلمانيين إلى جنس، فقد كثر في كلامهم الإشارة إلى الحب بهذا المعنى، يقول إحسان عباس: (نحن نعيش في عصر فرويد: جملة قد تحمل معاني عديدة، وقد تكون فارغة من المعنى، ولكنها تشير إلى انهيار الحواجز بين الحب والجنس) (٢).
وهذه النظرة الفرويدة التي شاعت في الغرب، فكان من ثمارها ما سبق شرحه، حتى إن الرجل ليقول للمرأة تعالى نمارس الحب لمدة كذا دقيقة، أو يصف بأنه مارس الحب مع فلانة لمدة كذا، وكذلك فعل المقلدون من أبناء المشرق:
(الجنس كان مسكنًا جربته لَمْ ينه أحزاني ولا أزماتي
والحب أصبح كله متشابهًا كتشابه الأوراق في الغابات
أنا عاجز عن عشق أية نملة أو غيمة عن عشق أي حصاة
مارست ألف عبادة وعبادة فوجدت أفضلها عبادة ذاتي) (٣)
(. . . إنه اتخذ الجنس مسكنًا وأصبح الحب كله متشابهًا. . . إن خوف الشاعر من ضياع الحيوية الشعرية -لا من ضياع العفة والفضيلة- هو الذي يحدد للحب "ومن ثم للجنس" أبعاده وقيمه، فنزار إذن لم يتحدث عن الحب بمعناه العاطفي الذي يظنه الكثيرون، إنّما تحدث عنه بمعنى جديد. . .) (٤).
стр. 2069
(وهو في ثقافته وفكره يريد للمرأة أن تتحرر، رغم أنه يراها بسبب وضعه الأول مقيدة بأغلال الحب والجنس، وقد رآها متحررة، وأعجب بتحررها) (١).
ويورد هذا الناقد جملة من أقوال الشعراء الحداثيين ويخلص بنتائج منها قوله بعد إيراد كلام لصلاح عبد الصبور: (في القديم كان الحب يخضع للترتيب والحسبان، كانوا يقولون نظرة فابتسامة فسلام. . . الخ، أمّا اليوم فإن العاشق العصري قد يلتقي بمحبوبته "من قبل أن يبتسما" وقد يذوق العاشقان ما يذوقان قبل أن يشتهياه، فالحب لحظة شبق تضيع قبل أن تتحد أبعادها أو يعرف الممارسان لها أحدهما الآخر) (٢).
أمَّا عند أدونيس الذي يرى العلاقة بالمرأة تتم (عن طريق الحب الجسد كما تعبر عن ذلك قصيدته تحولات العاشق) (٣). (يجب أن تتذكر أنه في خلال الثلاثين سنة الماضية، قد تم تطوران كبيران -إلى جانب تطورات أخرى- وهما تطور وضع المرأة، وتطور فكرة الحب) (٤). ("ظاهرة الحب" أصابها التغير بفعل الزمن فجفت وأصبحت قاصرة على العلاقات الجسدية) (٥).
وقد صرح نزار قباني بأنه يحارب ألوان الحب الشرقي (٦)، وهي دعوة للدعارة على الطريقة الغربية، ويصرح بأنه يتعاطى الحب بالأسنان والأظافر (٧)، ويقصد الجنس، وهو كلام شائع ذائع عندهم، مألوف في
стр. 2070
كتبهم ودواوينهم ورواياتهم (١).
أمَّا نوال السعداوي فتطلق تصريحًا انحلاليًا تقول فيه: (المرأة الواعية الذكية لا تفصل بين الحب والجنس) (٢).
١٦ - الحشيش والمخدرات:
تجد ذكر الحشيش والمخدرات في كتاباتهم، بين وصف لتعاطيهم لها، أو وصف للحشاشين وأصحاب المخدرات باعتبارهم من الأسوياء، واعتبار وجودهم وجودًا طبيعيًا، بل أحيانًا يشيرون إلى ذلك إشارة إعجاب وتبجيل وثناء كما قال أنسي الحاج: (إعجابي بمفرغي عبقرياتهم في الضياع، في العقم "بالكسل، الكحول، المخدرات، النساء، الهرب" فيه فهمٌ لهم، فهمٌ عبرهم، وعبر نموذجهم التبذيري، لرسالة ما عن حقيقة العلاقة التي يجب أن تقوم بين المبدع وعمله) (٣).
وإذا كان أمل دنقل من أصرح النماذج على الارتباط الإبداعي!! بين الشعر الحديث والمخدرات والخمور، كما جاء في كتاب "الجنوبي" (٤) لزوجته، وكما جاء في اعتذارية المقالح وتبريراته لهذا السلوك الشائن عند أمل دنقل (٥)، ويشبهه في هذا السلوك محمد شكري الذي وصف أحوال تسكعه وعربدته مع الحشاشين وفي المواخير بل وحتى التحشيش في المسجد (٦)، وليست خاصة تعاطي الحشيش أو مدحه أو التهوين من شأنه
стр. 2071
مقتصرة على هذين فقد شاعت هذه الظاهرة عندهم حتى أصبحت أمرًا عاديًا (١).
١٧ - الخمر:
أكثروا من ذكر أم الخبائث وامتداحها بل إن تعاطيها عندهم من أبسط الأمور وأهونها، وليست قصة موت صلاح عبد الصبور في ليلة غناء ورقص وخمر ببعيدة عن أذهان الحداثيين (٢).
أمّا أقوالهم الواصفة للخمر وأحوالهم معها فكثيرة (٣).
١٨ - الزنى:
سبق عند الكلام من احتراف الدعارة بيان موقفهم من هذه الفاحشة المقيتة، وكيف أنهم نظروا إليها على أنها من أبسط الأشياء، بل دعوا إلى انتشارها من خلال تهوينها، ووصف أحوال الزناة والزواني بتمجيد وثناء، واعترافاتهم بالزنى، وهذا وحده كافٍ في الدلالة على درجة الأخلاق عندهم (٤).
стр. 2072
١٩ - الزنى بالمحارم:
لم يقتصر شرهم على ذكر الزنى بالأجنبيات، بل تعدى ذلك إلى الزنا بالمحارم، ففي رواية ليلة القدر قصة زنى رجل بأخته ورجل كان يجامع ذريته (١)، وفي دراسة نقدية لها اعتبرت هذه القصة وخاصة زنا المحارم من الانتهاك الحداثي المرغوب ومن كسر الممنوع والمحرم والانتقام من الماضي، وهي مشروعات حداثية معروفة (٢)، وفي رواية الشطار لمحمد شكري ذكر فتاة واقعها والدها وتبريره لهذه الشناعة (٣).
٢١ - السحاق:
يذكرونه كأمر طبيعي وممارسة عادية، ويدرسه بعضهم على أساس أنه نتيجة كبت الوالدين للفتاة، وعدم إعطائها حريتها ومحاصرتها بمفاهيم الشرف والعذرية، ومنعها من اختيار صديقها وعشيقها (٤).
стр. 2073
٢٢ - العبارات القذرة:
إن التعفف عن ذكر الأشياء القذرة بأسمائها أو الإشارة إليها بالكناية والتعريض، دليل على رفعة الذوق، وسلامة السلوك، وفي الإسلام تسميات من هذا القبيل مثل قضاء الحاجة، والغائط، والجماع، والنكاح، والمقارفة والبضع، والعذرة، وغير ذلك.
أمَّا عديمو الذوق ومنتكسو الفطر فلا يأبهون بترديد أحقر وأقذر العبارات، وهذا منتشر في كتبهم ويُمكن العودة إليها حسب الإحالات؛ لأن نقلها هنا مما يتنافى مع الاحتشام والتعفف (١).
٢٣ - العري:
يُمكن تسمية أدب الحداثة أدب العري، فهم عراة من العقل والدين والأخلاق، ودعاة إلى التعري، وخاصة تعري المرأة، تعريًا كاملًا، أو تعريًا تصبح فيه كاسية عارية.
يقول أنسي الحاج: (الجنس يأتي معه بحبه، التعري لا العري تعرٍ لا نهاية له. . . لا أحب عري المرأة وهي غافية، أريدها حاضرة لتعيه، لتؤهله، ليجرفها، لتشرف على دواره ودواري، النوم يحيدها، يلغي "الموقف" ويجعل مفاتنها حرفًا ميتًا، فائحًا برائحة الإهمال والحقيقة) (٢).
стр. 2074
هذه هي المرأة في ميزانهم، وهذه هي الردة الحيوانية التي يريدون قذف الإنسانية فيها.
وليس دعوتهم للعري مختصة بالمرأة، بل فيهم من ينادي بحرية التعري وإنشاء نوادي للعراة، وما يحدث على الشواطيء والمسارح والسينما وأفلام الدعارة إلّا نماذج من التطبيق الحداثي العلماني لهذه الدعوة الحيوانية دعوة العري والدعارة، ومع ذلك يطالبون بإيجاد نوادٍ للعراة على غرار ما عند أسيادهم الغربيين (١).
٢٤ - القوادة:
من لوازم احتراف الدعارة، ومحبتها، وجود القوادين الذين يجلبون الزناة إلى الزواني، وقد اعترف بعضهم بممارسة ذلك (٢)، ووصف بعضم بتفصيل ابتهاجي حالته مع قواد وزانية (٣)، وهناك من وصف القوادة وأعمالها بشكل تهويني (٤).
٢٥ - اللوطية:
هذه الرذيلة الخلقية الشاذة، شاعت في الغرب واستسيغت وأخذها تلامذة الغرب يريدون نشرها بين المسلمين وإشاعتها على أساس أنها حرية شخصية وممارسة للتحرر والانطلاق.
стр. 2075
يقول رشيد بو جدرة: (أي أديب عربي تعرض للواط في كتاباته؟ لا أحد، فأنا أول من تجرأ على ذلك في كتابي "التطليق") (١).
ويعترف محمد شكري باللواط ويصف حالات لواط منها ما ذكره -تدنيسًا- من لواط في المسجد.
أمَّا ابن جلون فإنه يذكر من يتهيج جنسيًا برؤية مؤخرات الساجدين في الصلاة، وغير ذلك من العبارات الرمزية والصريحة التي تشير إلى اللوطية وكأنها من الأمور المعتادة الخفيفة التي لا ضير فيها (٢).
هذه بعض الأمثلة السريعة التي يمكن من خلالها أن تعطي صورة عن الانحرافات المتعلقة بالسلوك والأخلاق عند أصحاب الحداثة، وتبين إلى مدى ما وصلت بهم المحاربة للأخلاق الإسلامية والدعوة إلى الانحلال والفوضى الخلقية، ويكفيك من شر سماعه!!.
بيد أنه سيقال عند هذه الأمثلة بأن الشاعر أو الروائي يحكي الواقع ويصور الحال كما هو، ولا تثريب عليه في ذلك.
والحقيقة أن الفن والأدب في العصر الحديث يتدهور كل يوم بدعوى "الواقعية" واقعية المادة وواقعية الحيوان، ومن ثم فقد الآفاق السامية والمقاصد السامقة، فقد الجمال ومعاني الفضيلة والخير بهبوطه السحيق في مستنقعات الرذائل، وتحول باسم الواقعية أو التحررية أو المعاصرة إلى ناقل للأمراض الخلقية، ومروج للفساد والباطل، فما أعظم الخرافة التي يعيش فيها هؤلاء ومن تابعهم، وما أفضع الهوة التي ينحدرون إليها!!.
الواقع حقيقة ما في ذلك ريب، ولكن الارتفاع فوق الواقع إلى آفاق
стр. 2076
القيم وآفاق الإصلاح حقيقة كذلك، بل هي الحقيقة الإنسانية الراقية، أمَّا الواقعية البليدة التي تنكر قدرة الإنسان على السمو، وتسعى إلى تمريغ النفس الإنسانية في تراب القذارة، فهي من إفرازات دارون وماركس وفرويد والبراجماتزم، واقعية رعناء جثمانية شهوانية؛ ذلك أن النفس الإنسانية لا تنحصر في الطعام والكساء والجنس والرغبات المادية.
(والفنون الحديثة تنحو هذا المنحى الأحمق، لكي تكون فنونًا واقعية، الفنانون والنقاد المحدثون يسخرون من الفنون القديمة التي كانت تبرز الجانب الأبيض من الإنسان كأنما كله فضيلة!، ويدعون في مقابل ذلك إلى تسجيل الإنسان بحسب واقعه، يعني تسجيل الجانب الأسود من طبيعته وكأنما كله رذيلة! أستغفر اللَّه! إن الحديث عن الفضيلة والرذيلة من تراث الماضي البائد الذي يجعل للفنون وللحياة كلها هدفًا أخلاقيًا، وتلك أفكار رجعية، نحن اليوم معنيون بدراسة "الواقع" وتسجيله صافيًا من الخرافات والأوهام!.
وفي ظل هذه العقيدة راح الفنانون الغربيون يمزقون الإنسان مزقًا ويمرغونه في الوحل، نزوات الجسد، نوازع الفطرة، صراع الحيوان، خسة الطبع، التواء المشاعر، هذه هي الدراسة الحديثة للإنسان كما ينعكس من كثير من ألوان الفن الحديث.
وما أريد أن أقول إن البشر ملائكة، ولا إن الفن ينبغي أن يصورهم ملائكة، ولكن الواقعية الحقة ينبغي أن تشمل الواقع الكبير، وأن تكون أكثر إشادة باللحظات الشفافة الرائعة منها باللحظات المعتمة الغليظة؛ لأن الواقع الأكبر يقول: إن هدف الحياة ليس مجرد استمرار الحياة على سطح الأرض، وإنّما هو الوصول بها إلى مرتبة الجمال والكمال.
صراع الجسد حقيقة، غلبة التوازن الفطرية على المبادئ والمثل حقيقة، ضعف الإنسان ورضوخه لنزواته حقيقة، ولكن ارتفاعه فوق الواقع حقيقة كذلك يلمسها كل إنسان في نفسه حين يحقق كيانه كإنسان. والفن ينبغي أن يشمل الواقع كله بلا تمييز، الواقع الأكبر والأصدق في التصوير.
стр. 2077
وما نعني حين ندعو إلى "تطهير" الفن من واقعيته السخيفة أن نغفل لحظات الضعف والهبوط، أو نلغي تصوير المشاعر الخسيسة من الحساب، أو تصور الإنسان ملاكًا بلا خطايا ولا أخطاء. كلا! وإنّما نعني أن يكون الضوء مركزًا على لحظات الارتفاع فوق الواقع لا على اللحظات الهابطة إلى عالم الضرورة) (١).
هذا كله يقال لمن كان يؤمن بالقيم وقيمة الإنسان ويعتذر بالواقعية ونقل الواقع، وإن كان أكثرهم لا يؤمنون بقيم ولا أخلاق، ولا يعتذرون بمثل هذه الأعذار، بل يعتبرون كل ذلك من التخلف الذي لابد من تحطيمه وتجاوزه.
• • •
стр. 2078
الفصل الرابع الانحرافات في القضايا الاجتماعية والنفسية
يعتبر هذا الفصل تكملة للفصل السابق وتتمة له، فقد سبق أن ذكرت فيه أصول السلوك والأخلاق، والتي تنطبق على الجماعة كما تنطبق على الفرد، وتصح في الذات الواحدة منفردة كما تصح في الذوات مجتمعة.
فالسلوك الاجتماعي الظاهر يدل على الخلق المستقر في نفوس أفراد ذلك المجتمع.
كما أن ضبط السلوك الاجتماعي وتوجيهه نحو الأحسن والأجمل والدعوة إلى التزام مكارم الأخلاق وفضائل الآداب واجتناب الأخلاق الذميمة كل ذلك من مقتضيات العقل والدين والفطرة، وهو من الأمور التي يجب العناية بها والرعاية لها والمحافظة عليها، من خلال بث الإيمان وحفظه وتقوية أسباب رسوخه؛ لأن الأخلاق والسلوك الاجتماعي والفردي مرتبط بالإيمان، ومتداخل مع العبادات.
وما أحدثته الجاهلية المعاصرة في الأخلاق الشخصية من انحرافات وصل تأثيره إلى الأخلاق الاجتماعية.
فالمجتمعات التي اهتز إيمانها باللَّه تعالى، وجودًا أو ألوهية، أو التي لم تقم بواجب العبادة له سبحانه، تكون بذلك قد وضعت أكبر مدمر لصرحها الاجتماعي، بمقارفة أعظم الرذائل الخلقية ومجانبة أعظم الفضائل
стр. 2079
الخلقية، ذلك أن أسمى وأبرز مظاهر الكمال الخلقي الإيمان باللَّه تعالى وعبادته الذي توجبه فضائل الأخلاق الفكرية؛ لأن اعتناق الحق والاعتراف به والتزامه فضيلة خلقية تستند على العقل السليم والفطرة القويمة.
وشكر الخالق المالك المتصرف المنعم بسائر النعم واجب أخلاقي، وعدم شكره انحطاط خلقي شنيع، يتضمن الكبر والكذب والتكذيب والظلم وكراهة الحق.
أضف إلى ذلك ما يترتب علي ضعف الإيمان أو اهتزازه أو انعدامه من فساد كبير في الأخلاق والسلوك والعمل.
فالمجتمع المؤمن يسعى في إيجاد الفضائل وتكميلها، وإلغاء الرذائل وتقليلها، والمجتمع الكافر عكس ذلك، وشواهد ذلك من التاريخ الإنساني كثيرة جدًا، كلها تنطق بأن المجتمع كلما اقترب من اللَّه إيمانًا وعبادة كانت فضائله الاجتماعية أكثر ودرجات السلوكية أرقى، وارتفاعه في سلم الأخلاق والآداب أسرع وأقوى وأمكن.
وكلما نسي اللَّه نسيه اللَّه، فتردى في دركات الرذائل، وتعثرت خطاه، وانتكس وارتكس.
ومن تأمل قصص الأمم السالفة، وكيف كانت حياة المؤمنين وأخلاقهم وأعمالهم، وحياة الكافرين وأخلاقهم وأعمالهم وجد الفرق الهائل في مسيرة حياة المجتمع وفي مصيره.
ومن تأمل الحياة الاجتماعية المعاصرة للغرب، وما وصلت إليهم حياتهم من جراء النظرة المادية التي قادتهم إلى اعتبار الإنسان مادة مجردة من الروح معزولة عن الوجدان، مفصولة عن القيم والآفاق العالية، وهنا ماج المجتمع في بعضه كما تموج القطعان، حيث بطل تميزه الإنساني واختصاصه وانتظم في سلك الحيوانية الهابطة، بناء على اعتقادهم أن الإنسان ليس له إلّا طبيعة واحدة محدودة بحدود المادة والجسد، وموجه بغرائزه، وخاصة، غريزة الجنس.
стр. 2080
وهنا حصل الإلغاء الكامل والصريح لإنسانية المجتمعات، والجحد الصريح للحقيقة الروحية، والآفاق والأشواق الإنسانية والقيم العليا، قيم الحق والخير والجمال والإخاء والمودة، وتحويلها إلى وسائل يُحتال بها للوصول إلى المآرب والرغبات المادية والشهوانية.
وبناء على هذه النظرات المادية الحيوانية أقام الغرب سياسته وقوانينه، وحياته الاجتماعية والنفسية، بمعزل عن القيم الروحية، والأخلاق، وقبل ذلك كله بمعزل عن الدين.
وكانت نتيجة ذلك التخبط المروع لهذه المجتمعات، والصراع الوحشي، والتمزق العنيف، وحياة التشاكس والضيق، وتلف المشاعر ومرض الأعصاب ودمار النفوس، وسحق الإنسان، حتى وصلت حوادث الجنون والانتحار والتفكك الأسري إلى أرقام قياسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية.
ولولا غلالة رقيقة من الأداء الإداري، والتفوق التقني، والغلبة العسكرية، والمساواة القانونية لكانت هذه المجتمعات قد انهارت وتآكلت من داخلها.
وقد شهد بذلك بعض مفكريهم وحذروا من الدمار القادم (١).
وكل ذلك يعود إلى استبعاد الدين وإلغاء الإيمان باللَّه تعالى من الحياة، وعزل الحياة عن ذلك تمام العزل، وإلى التصور الأعور للكيان الإنساني، والتفسير الناقص، قصير النظر، محدود الرؤية، الذي جعلوه الأصل الكلي لمنطلقاتهم الفكرية والعملية.
وإذا عدنا إلى أظهر الفلسفات التي أثرت في الحياة الاجتماعية وجدناها:
стр. 2081
أولًا: التفسير المادي الذي يقول أن نشاط الإنسان وحركة المجتمع هي في اللهاث خلف الظواهر الاقتصادية والخنوع للمال والتأليه الأعمى للمادة .
وهذا التفسير المادي الاقتصادي الطبقي الذي نادى به كارل ماركس، والذي عرف "بالمادية التاريخية" التي تحولت إلى دولة ومذهب اجتماعي وتيار فكري وسياسي واقتصادي، بسط نفوذه على رقاع في العالم، وطبق نظامه السياسي والاجتماعي على شعوب ودول.
وتحولت الفلسفة المادية التاريخية من فلسفة ونظرية ونمط تفكير محض إلى ميدان الواقع والتجربة والتطبيق، وأخذت طريقها إلى أجهزة دول وحياة مجتمعات، مستخدمة كل وسائل الدعاية والسياسة والقمع والإرهاب الفكري والمادي وكل طرائق الفتنة والتدمير والخراب.
على الرغم من أن المادية الجديلة لم تقم على أساس علمي باعتراف أصحاب النظرية أنفسهم، وكذلك كان شأن المادية التاريخية وكل ما تفرع عن ذلك من ضروب السياسة والاقتصاد الذي يسمى الاشتراكية العلمية وغير ذلك.
ومن أهم مبادئ الفلسفة الماركسية أن الفرد لا قيمة له إزاء الجماعة، ولذلك كانت هذه النظرية لا تتصل بالأفراد؛ لأنهم -عند ماركس- أضعف في نظره من أن يؤثروا في التغيير الاجتماعي، المحصور في الجماعات والطبقات، حيث الصراع الاقتصادي المسيطر والمحرك الأول الذي يوجه حركة المجتمع وحركة التاريخ.
فليس التاريخ البشري في التفسير الماركسي سوى صراع الطبقات الذي سوف ينتهي بفوز الطبقة التي تنسجم مع تطور وسائل الانتاج، والعلاقات الاقتصادية الناشئة عنها، ويتواصل الصراع حتى تنجح الطبقة العاملة "البلوريتاريا" في الوصول إلى الحكم فتسقط الملكية الخاصة، وتعم العدالة التامة والمساواة الحقيقية، حيث يتحول البشر جميعًا -حسب زعمهم- إلى طبقة واحدة تنتهي مع وجودها الحروب ويحل العدل والرخاء والسلام.
стр. 2082
ويزعم الماركسيون أن فلسفتهم هذه مبادئ حتمية مرتكزة على أسس علمية، لا تقبل النقاش فضلًا عن الرد، كما أنهم يزعمون شمولية مذهبهم وعدم جواز تجزئته، كما أنهم يصرون -بشدة وعنف- على تفسير كل جوانب الحياة وفق هذه المبادئ التي يقدمونها كمزيج من عناصر فلسفية واجتماعية وسياسية واقتصادية.
ومع إصرار شديد وعنيف أن ما عداهم من مذاهب وأنظمة لا تستحق الوجود، بل سوف تجتاحها حتمية المادية التاريخية الجدلية وتقضي عليها (١).
هذا المبدأ الإلحادي احتوى من أسباب الهدم والتخريب ما لم يحدث في كثير من المبادئ المادية، ففيه التدمير لمقومات الحياة الإنسانية الكريمة، والتشويه المروع لتاريخ البشرية، وقيم الأخلاق، فتاريخ البشرية في نظر الماركسية ليس سوى العامل الاقتصادي وليس سوى البحث الدائب عن الطعام.
فليست هناك أية قيمة -عندهم- للمجتمعات سوى القيمة المادية الاقتصادية، وليست هناك أي قيم إلّا ما ينبثق عن هذه المادية، فلا مساواة اجتماعية حقيقية إلّا المساواة الاقتصادية، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بالصراع الطبقي الحتمي الوقوع.
فالعلاقات البشرية لا تحددها -حسب فلسفتهم- الأخلاق أو العقائد الدينية أو القيم الإنسانية أو التقاليد الاجتماعية، بل يحددها العامل الاقتصادي وحده دون سواه، فليست الإنسانية في تاريخها الطويل سوى آلات صماء عمياء رعناء في دولاب العامل الاقتصادي الجبري الذي لا يُمكن أن تتخلف نتائجه.
стр. 2083
وبناء على الصراع الطبقي فالمجتمعات عندهم في صراع دائم بين الطبقة المستغلة والطبقة الفقيرة بين الرأسمالية الامبريالية والطبقة الكادحة، وسوف تنتهي الحرب -كما يقولون- إلى فوز الطبقة الفقيرة الكادحة، وبذلك يتطور المجتمع تطورًا ثوريًا يقضي تمامًا على الطبقة المستغلة.
فإذا أضيف إلى ذلك موقفهم من القيم والأخلاق وزعمهم أنها نسبية إضافية ليس لها حقيقة ذاتية، ولا فطرية، تبين مقدار ما جنته هذه النظرية الهدامة على المجتمعات التي ابتليت بها.
فقد انحط الإنسان عندهم إلى كائن حيواني يبحث عن الطعام ويصارع من أجله، كفعل حيوانات الغابة ولا غرو أن تكون هذه نظرتهم للإنسان فقد أخذت الماركسية فكرة حيوانية الإنسان وحتمية التطور من الداروينية.
فما دام الإنسان -كما يزعمون- حيوانًا نشأ من الخلية الوحيدة وتطور من ذاته، ولا قيم له ولا أخلاق ولا دين، وليست لحياته الفردية أية قيمة إزاء الحياة الاجتماعية، وليست حياته الاجتماعية إلّا الصراع والتنازع من أجل المعيشة، فماذا يُمكن أن يكون هذا الإنسان وهذا المجتمع؟.
لا شك أن في ضوء التفسير المادي الحيواني للإنسان وللمجتمع لابد أن تهبط الأفكار والمشاعر والأخلاق والنظم وسائر سلوكيات الأفراد والمجتمع، حتى تصير في مستوى الحيوان في نظر الماركسية التي ترى العلاقات في دنيا الناس لا تختلف عنها في دنيا الحيوان إلا اختلافًا شكليًا، لا علاقة له بالضمائر والأخلاق والعقيدة والقيم العليا والآفاق المشرقة.
وقد رأى الناس من سيئات النظم الماركسية، وبليات الممارسات الشيوعية ما عجل بزوالها واندثارها على أيدي أبنائها الذين ترعرعوا في أحضانها، وقد سجل بعض ذلك مفكرين وكتاب من أوروبا كانوا شيوعيين أو متعاطفين مع دول الكتلة الشيوعية (١)، بل قد سعى العمال في بولندا -
стр. 2084
وهم محور الفكرة الشيوعية- إلى إسقاط الحكم الشيوعي، وبدأت الشعوب المضطهدة تحت الحكم الماركسي تتململ، ولما أحس رئيس ما كان يعرف بـ "الاتحاد السوفيتي" أن الكارثة توشك أن تقع سعى لإدخال تعديلات جذرية في النظام الاقتصادي وأسلوب الحكم بل في أساس الفلسفة الماركسية، والذي عرف بإعادة البناء، ولكن ذلك لم يمنع من الكارثة بل عجل بوقوعها، فإعادة البناء "البيروسترويكا" كانت في عام ١٩٨٥ م/ ١٤٠٥ هـ، وفي عام ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ تفكك الاتحاد السوفيتي وسقط النظام الشيوعي وتهاوت الدول التابعة له في شرق أوروبا ودول العالم الثالث، وتحول معظمها إلى الجانب المادي الآخر، الجانب الليبرالي الغربي (١).
ثانيًا: الفلسفة النفعية الذرائعية، وهي المسماة بـ "البرجماتية " وهي الشائعة اليوم في أمريكا والدول الأوروبية ويسعون في نشرها في العالم وخاصة في المجال السياسي، وقد سبق في الفصل السابق الحديث عنها، وعن آثارها النفسية والأخلاقية والاجتماعية، وهي التي تتمدد اليوم فوق قطاع كبير من الحياة الاجتماعية والسياسية في أمريكا وأوروبا.
ثالثًا: فلاسفة كان لهم أثر في المسألة الاجتماعية في الغرب:
١ - توماس هوبز (٢) ٩٩٧ هـ - ١٠٩٠ هـ/ ١٥٨٨ - ١٦٧٩ م:
أبو الفلسفة التحليلية، إنجليزي، كان والده قسيسًا، بدأ بنقد الفكر الأرسطي، مستفيدًا من كشوفات وفلسفات سابقة، وخاصة بيكون الذي التقى به في باريس، وزار جاليلو في إيطاليا وأوحت له فلسفته تعميم علم الحركة على الإنسان والمجتمع.
стр. 2085
وله أفكار وفلسفات متشعبة في أمور الحياة والكون والإنسان والذي يهم في موضوع الاجتماعي أن هوبز عالج موضوع المجتمع على أساس نظرية التعاقد الاجتماعي، حيث يرى خلافًا لأرسطو أن الإنسان ليس اجتماعيًا بطبعة، ويرى هوبز أن البشر في حالتهم الفطرية الأولى لا ينفكون يتنازعون ويتقاتلون، وينظر كل فرد منهم إلى الآخر نظرة ملؤها الخوف والشك، وكان من نتيجة ذلك -حسب نظرته- هذا العراك المتصل والحروب الدائمة، وشأن المجتمع في هذا عنده شأن الكون الطبيعي، الذي يعتمد على الحركة بين أجزائه وما فيها من جذب ومقاومة، فهو في نظرته هذه مادي، يرى أن الكون يسير سيرًا آليًا، وكل ما يقع فيه مسير -حسب فلسفته- بقوة مادية، وبناء على هذه التسوية بين المجتمع والطبيعة في الصراع الاجتماعي الذي قاسه على الحركة الكونية، رأى أن كل فرد يسعى لتحقيق ذاته والمحافظة عليها، ولا يحصل ذلك إلّا بزوال الخوف، والخوف لا يزول إلّا بالتعاهد والتعاقد، بحيث يتفق الجميع على أن يتناول كل فرد عن جزء من حقوقه وحريته المطلقة فيحد من مطالبه ولا يحاول الظفر بكل ما يشتهي، فيصبح مقيدًا لصالح المجموع الذين ثم بينهم هذا التعاقد، وبهذا يقوم المجتمع وتنشأ الدولة، في مجتمع مدني له حكومة معينة تحمي من الفوضى وعدوان الأفراد على بعضهم وينشط في المجتمع الإنتاج والنشاط الصناعي والزراعي والتجاري وأي نشاط إنساني آخر.
ويغالي هوبز مغالاة شديدة حين جعل الدولة كل شيء، فلا حقيقة إلّا ما تنادى به، ولا حق إلّا ما ترضاه، ويجب أن تقاس قيم أي عمل من الأعمال بما تفرضه من قانون، فهي عنده كما وصفها في بعض كتبه "التنين الجبار" الذي يبتلع في جوفه كل الأفراد، فالدولة تبتلع الأفراد وتنمحي شخصياتهم وإرادتهم أمام شخصيتها وإرادتها، وأفضل أنواع الحكومات عنده حكومة الفرد المتفوق في عقله وحكمته؛ لأنه يرى أنه إن كانت له مطامع ومصالح شخصية فإنها تقتصر عليه وحده، وهذا وضع أفضل -حسب رأيه- من الوضع الآخر الذي تتعدد فيه المصالح الشخصية.
فهو من دعاة الحكم المطلق باعتباره يغني عن المنازعات الحزبية
стр. 2086
وفوضى الديمقراطية التي تكرس التنابذ والتخاصم، ومن المؤثرين للملكية باعتبار أن من مزاياها أن واحدًا فقط قد يجاوز العدل ويسيء الحكم، وكان من أنصار الملك الإنجليزي شارل الأول، ولما انتصر عليه البرلمان خشي هوبز على حياته ففر إلى فرنسا، ونشر آنذاك كتابه "المواطن" الذي عني فيه ببيان الصلة بين الدولة والكنيسة، وذهب فيه إلى حد أن أعطى الدولة سلطة تقرير المعتقدات الدينية والقواعد الأخلاقية، وفرض الطاعة للدين الذي ترتضيه؛ لأنه طالما أن ظاهرة الدين -حسب رأيه- ظاهرة طبيعية، فالدولة هي التي تحتويه وتحسم الخلاف فيه لإقرار النظام، وتعتبر فلسفته مبنية على قضية اللذة والألم والخوف، وهو فيلسوف مادي، يتضح ذلك بجلاء من خلال كتابه "الجسم" الذي قال فيه بأن الوجود مادي، وهو وجود أجسام، وأن القول بوجود موجودات غير جسمية قول متناقض، ووصف الأجسام بخاصيتين فقط هما الامتداد والحركة، وما سوى ذلك طالما أنه مغاير للحركة فهو ليس من الأجسام، فهو يرد الحياة النفسية للإنسان والوحش إلى الحركة والجهد قياسًا على المادة، والأرواح عنده لا وجود لها كجواهر خاصة، ويرفض هوبز -في مذهبه- في القانون والدولة نظريات الأصل الإلهي للمجتمع، ويرى الماركسيون أن نظرية هوبز -رغم كونها ديكتاتورية برجوازية لمصالح الطبقة المستغلة- إلّا أنها أوجدت بذور تقدير مادي للظواهر الاجتماعية، خاصة أنه أقام فلسفته على أساس نزعة مادية حسية، وكشف عن عداء متصلب للدين ورجاله، حتى أصبح نعت "هوبزي" يستخدم في وصف الماديين والملحدين (١).
٢ - سيبنوزا (٢) ١٠٤٢ - ١٠٨٨ هـ/ ١٦٣٢ - ١٦٧٧ م:
الحاخام اليهودي الذي تأثر بفلسفة ديكارت، وشكك في الدين والوحي، وقال بخلود المادة، وأنكر خلق الخلق من عدم، متأثرًا أيضًا
стр. 2087
بأحد فلاسفة اليهود اسمه "ابن عزرا" وكتاب متصوفة اليهود الذين يقولون بأن المادة حية، وآمن بمذهب وحدة الوجود بمفهومه الغربي الأكاديمي كما سبق بيانه عند ترجمته، وكانت لآرائه المادية أبلغ التأثير على مادية القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأثر تفكيره على تطور الإلحاد، وقد أثنى إنجلز على آراء سبينوزا الفلسفية ثناءًا كبيرًا، ويعتبر خليفة لتوماس هوبز.
وعلى الرغم من مادية وإلحاد سبينوزا إلّا أنه لم يتخل عن يهوديته ولم يتخلص منها، مما حدا بمؤلف كتاب الموسوعة الفلسفية أن يقول: (لا شك أن سبينوزا كان يهوديًا حتى النخاع، وأن مذهبه كان رؤيا فلسفية للتلمود، وجاء على خطى التراث اليهودي. . .) (١)، أمَّا الحرمان اليهودي الذي حصل ضد سبينوزا من قبل الكهنة اليهود، والذي يدافع به المعجبون بسبينوزا، فإنه كما قال المؤلف المشار إليه: (لم يكن يقوم بسبينوزا إلّا اليهود، وفي ألمانيا جرت مشادة ربما كانت تمثيلية يهودية، بين المفكرين اليهود، روجت لها وسائل الإعلام اليهودية) (٢).
ثم أضاف: (وظهر الطابع اليهودي في فلسفته بشكل جلي في روسيا القيصرية، حيث كان يشرف على ترجمته وطبعه دور نشر يهودية، وكان شباب اليهود في المنظمات التقدمية والثورية يعرضون فكر سبينوزا بتفسيرات مادية، وإنه لأمر يدعو إلى الشك أن تجد المذهب الفلسفي يحتمل كل التفسيرات، وينفذ إلى كل البلاد والفلسفات من خلال اليهود وحدهم، وإنه لامر يدعو إلى الشك أكثر تكون دراسة سبينوزا في مجتمعات خاصة مغلقة، تشبه الجمعيات اليهودية القبلانية السرية، وأن يطلقوا عليه اسم "ماركس بدون اللحية" أضف إلى ذلك امتلاء المذهب بالألفاظ التي توهم بالدلالات وهي لا تدل على شيء، وانطماس الغائية فيه حتى انتهى إلى الآلية المطلقة، وتناقضه بين نفي العقل عن الجوهر وصدور العقل عنه مع ذلك، وترديه إلى
стр. 2088
القول بأن الشر فكرة ناقصة يحسبها الشرير كاملة فأقام مذهبًا لا أخلاقيًا بالرغم من دعواه بغير ذلك) (١).
هذا ما يتعلق ببعض جوانب الحياة والنشأة والفكر لديه، أمَّا ما يتعلق بالجانب الاجتماعي فإن سبينوزا يتفق مع هوبز في أن الناس كانوا قبل نشأة المجتمع يعيشون في حالة فوضى لا ينظمهم قانون ولا يسودهم نظام، فكانت القوة عندهم هي "الحق" فمن استطاع أن يصل إلى شيء فهو حق له، ولم تكن لدى الناس قبل تكون المجتمعات أي فكرة عن الصواب والخطأ أو العدل والظلم، فكل إنسان في تلك الحالة لا ينظر إلَّا إلى مصلحته، مما أدى إلى وجود مخاطر بسبب هذه الفوضى التي تؤثر على المصلحة نفسها، مما دفع الناس إلى التعاون والتآزر لدرء الخطر، فتكون نتيجة هذا الشعور المجتمع الإنساني الذي قام أصلًا -في رأيه- على أساس نفعي، يتمثل في التعاقد بين الأفراد والدولة التي تتمتع بقدر من السلطان.
ويبرى -خلافًا لهوبز- أن غاية الدولة أن تكفل الحرية وتعمل على الرقي والنمو والكمال، وأي نظام يحقق ذلك فلا بأس به، وإن كان يفضل هو شخصيًا النظام الديموقراطي، مع انتقاده له؛ لأنه لا يخلو من عيب فادح، وهو أنه يهيء للسوقة والرعاع أن يصلوا إلى مراكز القوة، ولذلك اقترح أن يخصص الحكم لذوي الكفاية الممتازة والدراية الواسعة.
وتعتبر الفلسفة المادية الحديثة مدينة لسبنوزا في أصلها ومفاصلها الأساسية، وقد أثر تأثيرًا قويًا على المادية الإلحادية ودفع إلى تطوير الإلحاد ونشره في سائر الفروع الإنسانية (٢).
ومن ذلك المسألة الاجتماعية كما سبق بيانه في نظرته إلى أصل الاجتماع الإنساني وفي كيفية إدارته بعد ذلك.
стр. 2089
٣ - جان جاك روسو ١١٢٤ - ١١٩٢ هـ/ ١٧١٢ - ١٧٧٨ م:
ولد في جنيف ومات في باريس، كان برتوستنتًا ثم تحول إلى الكاثوليكية، وجاب المدن والأقطار، وتعرف على فلاسفة وعلماء عصره وكتب كثيرًا، ويبدو أن حياته القاسية أصابته بعقدة اضطهاد فكان سيء الظن بالناس، دائم التشهير بهم وبنفسه، وكان شديد الكبرياء، كثير الخجل والكسل، وكانت شخصيته بالغة التعقيد وصعبة للغاية ومضطربة عقلًا، مقرونة حياته بالفشل في أكثر أعماله مليء بالإحباط وخيبة الأمل والبؤس والمرارة، وخاصة بعد أن عومل من قبل صالونات الأدباء والفلاسفة في باريس معاملة لم يكن يرجوها، وكانت هذه الصالونات يشرف عليها ويرعاها نساء باريسيات مسرفات في الرذائل والعشق والغزل، ويتسترن تحت رعاية الفن، وكان يحضر هذه المجتمعات رجال البلاط وعلية القوم في فرنسا، في جو متألق بالأحاديث والمحادثات الممزوجة بالدسائس الاجتماعية والفضائح الجنسية، والإغراق في جو المرح والهزل والمزاح والضياع، فنفر روسو من هذا الجو ووجده أشبه ما يكون بمدينة لوط "سادوم" بملاهيها الفاسقة المترفة وبفلاسفتها المزورين.
ومن هنا رد روسو أسباب سقوط حضارات مصر واليونان وروما إلى آثار الترف، وعبودية مترفيها للذائذ والشهوات (١)، كان روسو قارئًا نهمًا وحالمًا واسع الخيال، ولكن لم يكن بالشخص الكفؤ للمجتمع وللحياة الاجتماعية.
ويعتبر روسو فيلسوف الثورة الفرنسية التي حدثت بعده، ويشاركه في ذلك فولتير (٢)، وقد كانا متعاصرين متناقضين في كل شيء، بل لقد حارب
стр. 2090
فولتير وجماعة الفلاسفة العقلانيين روسو محاربة شديدة، وساعدوا السلطة في العمل على نفيه ونجحوا في ذلك، ولكنهم فشلوا في إزالة الآثار التي خلفتها مؤلفاته في نفوس القراء.
وكانت خصومته شديدة مع جميع فلاسفة باريس الذين اعتادوا الاجتماع في صالون الملحد الشهير هولباخ (١).
وأهم أفكار "روسو" التي ذكرها مؤلف كتاب "تاريخ الفكر الأوروبي الحديث" وغيره من المعتنين بالفلسفة والفلاسفة ما يلي:
١ - يرى أن الفنون كانت دائمًا مفسدة للحضارة الأمر الذي جعله عرضة للهجوم والنقد.
٢ - عرف "روسو" بتناقض أقواله، ولذلك اختلف الناس من بعده في أقواله، فمنهم من قال إنه ينادي بالديموقراطية، ومنهم من قال بل نادى بالديكتاتورية الاستبدادية، كما أن البعض يعود بأصول الاشتراكية إلى فلسفة روسو، وكذلك بالفاشستية المعاصرة، ويتحدث الدارسون الاجتماعيون عن روسو باعتباره يرجح المجتمع على حساب الفرد، وآخرون يرون أن روسو كان إلى جانب الفرد.
٣ - عرف "روسو" بنظرية "العقد الاجتماعي" عمدة الثورة الفرنسية، وملخصها ما يلي:
يرى أن الإنسان صالح في طبيعته وأن الشر هو من عمل المجتمع، ومن هذا المنطلق يستطيع المرء السير في أي واحد من الاتجاهين اللذين نراهما واضحين لدى روسو، فقد يقرر أحدهم أنه نظرًا لأن الإنسان صالح
стр. 2091
في طبيعته فعندئذ ليست ثمة ضرورة للمجتمع كليًا، وهذه هي النظرية الفوضوية التي تبناها بعض أتباع روسو، وكان روسو أحيانًا يعظ بهذه النظرية، ولكني تبنى في الواقع نظرية مخالفة لها -وهذا من تناقضه- فالمجتمع، كما يرى روسو، بعيد كل البعد عن كونه غير ضروري، إذ أنه الضروري الضرورة المطلقة بالنسبة للفرد، وإن مهمتنا -حسب قول روسو- أن نعيد بناءه وتحويله من قوة مفسدة إلى قوة نبيلة ترتفع بالإنسان، وهكذا انطلق روسو عارضًا في كتابه "العقد الاجتماعي" مواصفات دولة طوباوية (١) ديمقراطية اشتراكية.
ويرى أن الدولة لا تنشأ من العائلة، ويقول: إن الحب والزواج هما بدعتان مشؤومتان من بدع الحضارة وتمثلان مؤامرة حبكتها النساء، وأن الملكية الخاصة هي اختراع مشؤوم أيضًا، جاءت نتيجة للاغتصاب وهي مجلبة للظلم والطمع واللامساواة والحروب، ولذلك فالدولة عنده ليست طبيعية ولا عضوية، وهو على خلاف فلسفة هوبز لا يرى أن البشر قد سلموا مختارين وأحرارًا بالخضوع لدولة هوبز الاستبدادية، فالدولة تنشأ عن عقد، ولكن حتى اليوم لم يشترع العقد السليم المطلوب، فبعض البشر الأقوى من غيرهم الأقل أخلاقًا، قد فرضوا إرادتهم مستخدمين قوة مخاتلة وغدارة، والأكثرية الساحقة من الناس ساذجة سهلة الانخداع، لكنها لابد أن تستيقظ، ويقظتها ليست بعيدة، وينبغي للبشر أن يتخذوا عقدًا اجتماعيًا يرتكز إلى المساواة بغية تأمين حرياتهم العامة وممارستها، وهم لن ينصبوا ملكًا عليهم، بل سينصبون أنفسهم حكامًا، فالملك إنما هو "الإرادة العامة" وهذه هي إرادة الجميع "الشعب" كله جماعيًا وسياسيًا، ويرى النقاد أن روسو في هذه النظرية، ما كاد يحرر البشر حتى استبعدهم لهذا التجريد أي "الإرادة العامة"، زد على ذلك أن الفرد يدين بجميع حقوقه للدولة، فعقد روسو لا يحتفظ
стр. 2092
للفرد بأية حقوق طبيعية؛ لأنه يعتقد عدم وجود أي حق للفرد خارج المجتمع، فالمرء لا حق له في حال الطبيعة، بل له فقط سلطة القوة.
وقد رأى الناس كيف أساء الدكتاتوريون استعمال "إرادته العامة" خلال الثورة الفرنسية التي انفجرت بعد سنوات قليلة من وفاته.
كما أن روسو جعل من أصول نظريته وجود "دين مدني" "دين ربوبي رسمي" يتوجب على كل مواطن أن يدين به يعاقب الخارج عليه بالإعدام (١)، ومن هنا اعتبر روسو النموذج الأول للفاشية، من حيث أنه يدعو إلى دين تفرضه الدولة على مواطنيها بالقوة والإرغام.
وقد ارتبط اسم روسو بالإلحاد والزندقة المعروفين في القرن الثامن عشر، على الرغم من أن مقاومته للملاحدة والزنادقة كانت السبب الكبير وراء خلافه مع فولتير، وحقيقة الأمر أن روسو كان جريئًا في تحديه للدين، وخروجه على أخلاق وتقاليد عصره، ومن أهم آرائه الاجتماعية والأخلاقية، إنه نفى العنصر الإيماني من الأخلاق، وجعل مدار ذلك كله المصلحة الدنيوية المجردة، الملخصة في تحقيق أحسن طرائق التعاون مع المجتمع في الحدود الدنيوية فقط، ومن أجل الوصول إلى المنفعة الخاصة أو العامة إذا أمكن ذلك، ومن أجل تعويض النقص الخطير في فصل الدين عن الأخلاق جعل للمجتمع دينًا مدنيًا لا يدع للفرد ناحية من نواحي الحياة مستقلة عن الحياة المدنية.
وهذا الدين الذي يوجبه روسو ليس دينًا سماويًا، ولكن يقول ينبغي أن يكون للإنسان والمجتمع دين وفي الوقت نفسه لن يخضع لأي إله، وهذا أيضًا من تناقضه.
والمتجردون من تلامذته يرون أن الدولة التي يريدها روسو هي الدولة التي بلغت الكمال المطلق، حيث تنتفي فيها كليًا المصالح الأنانية وتصبح هذه المصالح مندمجة تمامًا في الإرادة العامة، حيث يبلغ التضامن
стр. 2093
الاجتماعي ذروة الكمال، وحيث يجب أن يدين الفرد بالولاء المطلق للمجتمع الكامل.
والحكومة المثالية في نظره هي الحكومة الديمقراطية المحضة، ويتبع هذا أن الوحدة الحكومية ينبغي أن تكون وحدة صغيرة، ويطالب بحكومة مركزية ضعيفة، والديمقراطية الغربية النيابية التمثيلية السائدة اليوم لو اطلع عليها روسو لضحك من تبجحهم بأنها ديمقراطية؛ لأنها على خلاف نظرته التي أسسها في العقد الاجتماعي، ومع ذلك فإن روسو في الحقيقة كان مؤيدًا ونصيرًا لجماعات صغيرة تقيم دولًا مترابطة ترابطًا رخوًا من خلال نوع من الاتحاد، ويعد روسو عند الأوروبين رائد التجديد المطلق وداعية الإصلاح الشامل لحضارة يراها فاسدة ميؤسًا من صلاحها، وداعية المساواة والديمقراطية والبساطة والاشتراكية والعودة إلى الطبيعة، والمستقبلية المتفائلة، ولكثرة تناقضاته لا يزال الباحثون في فكره حتى اليوم يتجادلون حول معانيه ومراداته، ويعدونه واضع لبنات الرومانسية، إلّا أنهم ما زالوا حتى اليوم يرون كتابه "اعترافاتي" من أعظم المنجزات بما فيه من جرأة جنسية حتى أن كولن ولسن قال عن نفسه في "رحلة نحو البداية" لما تحدث عن الجنس: (في هذا الكتاب لم أحاول أن أكون صريحًا صراحة روسو؛ لأن ما يُمكن أن اعترف به أقل بكثير مما كان لدى روسو لكي يعترف به، ولقد تصرفت في حياتي دائمًا تصرفًا عادلًا تمامًا وملائمًا لما تمليه على أفكاري -وفي الهامش- يشير إلى كتاب جان روسو الشهير "اعترافاتي" الذي كان أول الاعترافات الصريحة في العصر الحديث، ويعتبر مرجعًا لتربية الفيلسوف وعناصر التحرر التي كونت موقفه الاجتماعي والفكري والنفسي المتحرر) (١).
ولما انفجرت الثورة الفرنسية جعلت اسمه على كل لسان وشفه مع اسم فولتير ولقبت روسو بالفيلسوف الأول، ورغم تناقضاته الهائلة، ورغم الأمراض العقلية التي كان يعاني منها أصبح "العقد الاجتماعي" يشكل تحولًا
стр. 2094
في المسار الفكري الاجتماعي في أوروبا (١).
٤ - كانت (٢) ١١٣٧ - ١٢١٩ هـ/ ١٧٢٤ - ١٨٠٤ م:
عما نويل كانت هذا الفيلسوف الألماني الذي أحيط بهالات من الإعجاب والانبهار والمديح، يعتبر مذهبه أحد تيارات الفكر الفلسفي في القرن التاسع عشر، بل أكبر التيارات على الإطلاق، ويعتبر كانت عند الأوروبين من أعظم الفلاسفة، بل يعتبر كذلك عند المقلدين من أبناء العالم الإسلامي الذين يحذرون غاية الحذر من نقده، فهو عندهم أعجوبة الأعاجيب في صحة القياس، وضبط الحكم وجودة النظر في الدقائق والجلائل، حتى وصل الحال بأحد المنبهرين إلى القول: (ولا يستسهلن أحد أن ينقد من آراء كانت، وإن ظهر له في بادئ الأمر أنها ضعيفة السند، فإن من أشد الغرور أن يجترئ امرؤ على هذا العقل الفذ الذي قل أن ينجب الزمان مثله، فينظر إلى رأي من آرائه نظرة استخفات أو تسرع، وليذكر الذي يقف هذا الموقف، أنه ما من اعتراض خطر له إلّا وقد خطر قبله لكانت، ووزنه بميزان لا يذر صغيرة ولا كبيرة، ولا يسقط من حسابه من شيء) (٣).
стр. 2095
هذا نوع من الانبهار والانشداه الغريب يظهر مقدار الإعجاب الغرب ومفكريه، ودرجة "كانت" على وجه الخصوص عند المقلدين المهازيل.
وسوف أعرض هنا جملة أقوال كانت في القضية الاجتماعية ونرى هل هي بالعصمة التي حاول المنبهر وصفه بها!!.
نشر كانت في سنة ١١٩٩ هـ/ ١٧٨٤ م شرحًا موجزًا لنظريته السياسية تحت عنوان "المبدأ الطبيعي للنظام السياسي من حيث علاقته بفكرة تاريخ عالمي شامل"، ويعني بالمبدأ الطبيعي لأي نظام الصراع الذي يوجد متأصلًا في الفرد ضد المجتمع، ويعد كانت صدام الفرد ضد المجتمع خيرًا وإيجابية، بل يراه أمرًا ضروريًا لكل تقدم مأمول، وهو عنده الباعث الحقيقي للنزعة الاجتماعية، يوضح فكرته مقررًا: أن البشر لو كانوا كلهم بشرًا اجتماعيًا لترهل الإنسان وجمد، ولذا فإن من الضروري أن يكون هناك مزيج معين من الفردية والمنافسة، ليتمكن البشر من البقاء والنماء.
يبتدئ كانت وينتهي في القضية الاجتماعية إلى تقرير قاعدة أن "الصراع باعث الاجتماع".
ولكن بالرغم من ذلك -يرى- أنه سرعان ما يدرك البشر أن هذا الصراع يجب أن يحصر داخل حدود معينة، وأن تنظمه القواعد والعادات والقوانين، وهنا يكمن عنده أصل تطور المجتمع المدني، فهذه الفردية التي يعبر عنها بـ "اللااجتماعية" هي التي أرغمت البشر على الانتظام في مجتمع، وهي بالنسبة للأفراد أرغمتهم على إنشاء اتحاد مدني ينتظمه القانون، فاستطاع الأفراد أن يتخلصوا بذلك من الحال الطبيعية وارتباطها الهمجي، وأن يتعاقدوا على المحافظة على السلام.
أمَّا بالنسبة للشعوب -بوصف الشعب تراكمًا للأفراد ليس غير- فإن هذه الروح الفردية تدفع كل شعب لممارسة حرية طليقة من كل قيد في علاقاته الخارجية، وعلى ذلك فيمكن أن تترقب كل دولة من أية دولة أخرى ذلك الشر والعنف الذي أرغم الأفراد على التعاقد الاجتماعي لصون السلام.
стр. 2096
ويفسر التاريخ بأن معناه وحركته بأكملها أنه هو الذي يتجه بالأمم كما اتجه بالأفراد من قبل إلى التخلص من الحالة الطبيعية للمجتمعات الإنسانية، وإلى التعاقد فيما بينها لحفظ السلام، ووضع حدود للعدوان والمشاحنة والعنف والتوسع المتزايد والمستمر للسلام.
وفي تفسيره لتاريخ الجنس البشري يعود إلى مبدئه الأساسي "الصراع" باعتباره وسيلة للتقدم، ويدخل في أبواب الفرض والتخمين، فيحول هذه الفرضية التي اخترعها إلى نظرية يفلسف بها تاريخ الجنس البشري، ويحيل -كأي فيلسوف مادي- على الطبيعة صنع الأشياء، فهي التي أوجدت الدستور السياسي الكامل الداخلي والخارجي في الجنس البشري الذي ليس إلّا منفذًا لمخطط خفي وضعته هذه الطبيعة!!.
ومن المعروف عن كانت أنه تأثر بالفيلسوف الملحد "هيوم" وقال عنه بأنه أيقظه من سباته الاعتقادي، ولذلك اتجاه إلى تيار النزعة التجريبية التي قرأها عند هيوم.
وقد توجه كانت إلى هذه النزعة بقوة وقرر بأن العقل هو مصدر الحقائق، كالحقائق الرياضية التي لا يشك في ثبوتها، ولكنه شك في المعرفة الميتافيزيقية وفي قدرة العقل على الحصول على هذه المعرفة، ولذلك قرر بأن العقل حاجز عن التدليل على وجود اللَّه "جلَّ وعلا"، ولكن ما سماه العقل العملي يقدر على افتراضه، أو كما قال لو كان لنا حدس عقلي لكانت الميتافيزيقية علمًا، ولكن حدسنا حسيًا وليس عقليًا، وبناء على ذلك فقد أبعد كانت قضية الدين والإيمان عن مسائل الأخلاق وروابط المجتمع (١).
٥ - أوجست كونت ١٢١٣ - ١٢٧٤ هـ/ ١٧٩٨ - ١٨٥٧ م:
فيلسوف وضعي فرنسي، ولد لأسرة شديدة التعلق بالكاثوليكية
стр. 2097
والملكية، ولم يكن أحد من أفراد هذه الأسرة صحيحًا عقليًا، وكان كونت عصبي المزاج، ووقع بعد عام ١٢٤١ هـ/ ١٨٢٥ م تحت تأثير مرض عقلي، وازداد عليه في قرب عام ١٢٤٥ هـ/ ١٨٢٩ م وحاول أن ينتحر غرقًا في نهر السين، وبقي مريضًا في عقله في صورة مستمرة زهاء عامين، وكان شديد الكراهية لأسرته، وكفر باللَّه تعالى وأبغض الملكية وعاداها، بسبب بغضه لأهله، ورد فعل ضدهم لتعلقهم الشديد بالدين والملكية، وتزوج من بغي واستمر زواجه بها سبع عشر عامًا كانت وبالًا عليه، وعاش فترات طويلة من الضياع والعوز المادي، وكانت حياته سلسلة من الإحباطات والعلاقات الفاشلة، والتقى بالفيلسوف "سان سيمون" وتأثر به أبلغ تأثر وانطبع بكثير من آرائه وأفكاره، ثم اختلفا وتعاديا، وتعرف كونت في سنة ١٢٦٠ هـ/ ١٨٤٤ م على "كلوتيلد دي فو" وهي امرأة في الثلاثين من العمر متزوجة، وزوجها كان خارج فرنسا، وكانت مصابة بالسل، وبقي كونت معها صديقًا وعشيقًا إلى أن ماتت بعد عامين، فانصرف إلى عبادتها بكل ما في الكلمة من معنى، وستطال هذه العبادة كل الأشياء والذكريات التي بقيت له منها، وسيظهر أثرها واضحًا في مذهبه بما بات يعطيه للمرأة بصفة عامة من دور، وفي وقت احتضاره أحاط به تلامذته الذين سيتولون من بعده تنفيذ وصيته، كان يحتضن الأشياء التي تركتها كلوتيلد، وحرم زوجته في وصيته من الإرث، بعد أن عدد نقائصها وعيوبها، وأورث منزله الذي علم فيه السنوات الأخيرة من حياته للجمعية الوضعية وما تزال هذه الجمعية قائمة إلى اليوم.
يُعد أوجست كونت والد "علم الاجتماع" المعاصر، حسب ما جاء في الكتب التي ترجمت له، وهو في الوقت ذاته رائد "المدرسة الوضعية".
جاء كونت بعد أن حصلت في أوروبا تقلبات اجتماعية وفكرية كبيرة، وحصلت فجوات هائلة في بنية الحياة هناك بعد أن سقطت مقومات الماضي التي كانت تملأ الحياة الغربية، ذهبت الأنظمة والأوضاع التي دامت قرونًا متوالية، وأنهار الدين النصراني، وتضعضعت مبادئ الأخلاق، واهتزت قواعد المجتمع، كل ذلك أتى عقيب العصر الذي يسمونه عصر التنوير، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث تم هدم الماضي، ولم يتم بناء
стр. 2098
شيء جديد بعد، وكان الشيء الوحيد الذي تعلقت به الأنظار متسلية عما وقع بها هو التطور التقني، ولكن ذلك لم يستطع أن يغطي على الأسقام الكبيرة التي أعقبت هدم القيم والتقاليد والأقطار الماضية، ونقض الكنيسة حجرًا حجرًا وتقويض بنيانها المعنوي، الذي تلاه الفراغ الروحي والنفسي والاجتماعي، فعلى الرغم من ضلال الكنيسة وخرافة تعاليمها، إلّا أنها كانت تمثل دينًا يأوي الناس إليه ويقتبسون منه مسيرة حياتهم الاجتماعية، على ما في ذلك -كما أسلفت- من ضلال وجور وخداع واستغلال، ولكنه كان على كل حال دينًا، أو قل شبه دين، يربط بين السماء والأرض بنوع من الرابطة ولو كانت واهية.
بعد أن سقطت هذه الرابطة وتمزقت تمامًا وأصبح الإنسان الغربي مقعيًا على الأرض، التفت يبحث عن شيء يتشبث به، وتوجه زعماء الفكر إلى العقل الذي تحرر من سلطان الكنيسة وحقق انتصارات في مجال الطبيعة، لعلهم يجدون فيه "الدين الجديد".
هنا برز أوجست كونت، الهائج المضطرب المعادي للكنيسة بقوة، فأطلق مبادئ "الدين الجديد" الدين المادي الدنيوي الذي لا يمت إلى دين الكنيسة ولا إلى أي دين سماوي بصلة، وكان هذا الدين تحت شعار "الفلسفة الوضعية العقلية".
بدأ كونت بدراسة التاريخ البشري -حسب زعمه- فاكتشف القانون الذي سارت عليه الحياة البشرية، كما يقول.
ودراسة تاريخ العقل البشري التي ادعاها كونت هي في الحقيقة دراسة للعقل الأوروبي؛ لأنه قد صرح بأن الهند والصين -مثلًا- لم يسهما في تطوير العقل البشري، فهذه أول النقائص في فلسفته، وبداية الادعاءات.
ثم وضع القانون القائل بأن التقدم البشري، والعقول والعلوم مرت بثلاث مراحل:
١ - اللاهوتية، وهي مرحلة خرافة، فيها تقدم الآلهة للإنسان مبدأ التفسير والفعل.
стр. 2099
٢ - الميتافيزيقية، وهي مرحلة الدين، وفيها تنوب مناب القوى الإلهية قوى مجردة ولا شخصية.
٣ - الوضعية، وهي مرحلة العلم والعقل "مرحلة الفلسفة الوضعية" حيث يتوقف الإنسان والعقل والعلم عن البحث في العلة الأولى، ويقتصر على دراسة قوانين الظواهر وترتيبها من الخاص إلى العام، حيث تكون الوسيلة الأولى في هذه الدراسة هي الملاحظة ثم يأتي التجريب ثم تأتي المقارنة، التي هي أداة علم الاجتماع، الذي يُدَّعَى أنه أول من قال به (١)، وبعلم الاجتماع هذا يرى كونت أن الإنسان يحقق لنفسه الوعي ويفهم التركيب المنطقي لعقله، وينفذ إلى المراحل الثلاث التي مرّ بها، ويرى أن التقدم الاجتماعي يتحقق عندما تكون لكل أعضاء المجتمع الآراء نفسها، ومحور التقدم عنده أن يصل الإنسان إلى "علمية" المرحلة الثالثة، وذلك بتجريد العقل من الغيبيات والخرافات والأوهام، ويقصد بذلك الدين، وبعد أن يتجرد العقل من هذه الغيبيات (٢) فعليه أن يركز على قضية "الواقع والتاريخ" (٣) الذي هو أساس الأسس في الفلسفة الوضعية، التي من أعظم مهامها العمل على "محو فكرة الحق" (٤) التي تعود -عنده- إلى أصل لاهوتي أي "ديني" وتفترض سلطة أعلى من الإنسان، ولذلك وجب مقابل محو فكرة الحق والدين، أن يوجد الناس دينًا آخر، هو "الدين الوضعي" دين أرضي مقابل الدين السماوي، دين ينتقل بالناس من الواقع إلى النافع.
وقد استخلص كونت أن الأديان تتلخص في عقيدتين "اللَّه" و"الخلود" فعمد إلى هذين المفهومين واستخرج للفلسفة الوضعية ما يوافق ذلك، فجعل "المضمون الوضعي" مقابل "الألوهية" أي أن يكون هناك
стр. 2100
فكرة كلية أزلية عظيمة تتصل بها نفوس الناس، وتتلخص هذه الفكرة عنده في "الإنسانية" التي يجب -عنده- أن تحل محل الإله، طالما أن الدين جاجة ملازمة للمجتمع، وخاصة من خواص النوع الإنساني، وديانة الإنسانية هي عبادة الإنسانية باعتبارها الموجود الأعظم الذي تتشارك فيه الموجودات الماضية والحاضرة والآتية، وهنا يأتي المضمون الوضعي الآخر الذي هو "الخلود".
فالإنسانية هي العقيدة والديانة الوضعية المتطورة لعقيدتي "اللَّه" ﷻ ، و"الخلود" التي كانت البشرية تؤمن بها في المرحلة الثانية، وبذلك تكون الإنسانية قد تخلصت من العقائد الدينية الغيبية، وما يتصل بها من قيم وأخلاق وشرائع ونظم اجتماعية وغيرها، واعتبارها مجرد أفكار ومحاولات إنسانية متخلفة جاءت في مرحلة كانت فيه البشرية قاصرة وغير مكتملة وغير ناضجة (١).
ومن هنا فرع كونت ومن جاء بعده هذه القضية، فعلى الناس بعد اعتناق الدين الوضعي الجديد، وعبادة الإله الجديد "الإنسانية" عليهم أن يستخرجوا النظم والمثل والقيم والأخلاق والتنظيم الاجتماعي منه وحده دون سواه.
وهنا نشأ علم الاجتماع اللاديني، المادي، الأرضي، الدنيوي، الذي يجعل الإنسان مجرد شيء من الأشياء، وما كانت نظرية كونت هذه لتأخذ مكانها من الشيوع والانتشار والتطبيق لولا جهود تلميذه اليهودي الفرنسي "أميل دوركايم" الذي طور أقوال كونت وأنزلها إلى "أرض الواقع ووضع لها قواعد، وأهتم على ضوء الفلسفة الوضعية الإلحادية بالمشاكل العملية (٢).
стр. 2101
٦ - دوركايم (١) ١٢٧٥ - ١٣٣٦ هـ/ ١٨٥٨ - ١٩١٧ م:
ورث هذا اليهودي الفرنسي الناشيء في أسرة متدينة علم الاجتماع بهيئته الوضعية من أوجست كونت، وسعى جاهدًا في دهاء تلمودي هدام إلى استثمار هذه الفلسفة في الواقع المعاش، وأصبح رائدًا لعلم الاجتماع بعد كونت، وأستاذًا في جامعة السوربون، وكان تابعًا لكونت ثم صار ناقدًا له.
يرى دوركايم أنه لا تصح دراسة الاجتماع من خلال أفكار وانفعالات الأفراد، ولكن مباشرة من خلال استقراء الأنظمة والآداب والفنون التي يعتبرها جميعًا من مظاهر الحياة في المجتمعات الإنسانية، ويتمثل فيها جميعًا الضمير الجماعي الذي يفعل فعله في الأفراد، ويضغط عليهم إلى حد قسرهم على اتخاذ مواقف قد تختلف مع آرائهم الخاصة، ومعنى أن الاستقراء إحصائي هو أن دراسة الانتحار مثلًا كواقعة اجتماعية يعني دراسة المعدل الإحصائي للانتحار في المجتمع، فهو يرى أن الانتحار ظاهرة اجتماعية بمعنى أن ارتباط حدوثه بين الرجال أكثر من النساء والشيوخ والأطفال، وفي شهور الربيع أكثر من بقية السنة، حيث الرجال أكثر اندماجًا في مجتمعاتهم، وشهور الربيع أكثر من الشهور اقترانًا بالنشاط الاجتماعي، ومن ثم لا يكون هناك تفسير لزيادة معدل الانتحار إلّا التفسير الاجتماعي، وبهذا المنظور المادي البحت.
ويرى دوركايم أن كل مجتمع له نظامه التربوي الذي يفرض نفسه بقوة على أفراده، وهو في أغلبه من عمل الأجيال السابقة، ومن ثم فالتربية هي تأثير الأجيال البالغة على الأجيال التي لم تنضح بعد للحياة يتطلبها المجتمع السياسي ككل، والطبقة المفروض أن ينتسب إليها بشكل خاص، والتربية في الطور الوضعي الذي يعنيه ويقصده دوركايم تربية علمانية عقلية، فهو يرى أن الأخلاق في المجتمعات الدنيا دينية، لكنها في الطور الوضعي اجتماعية تستهدف مصلحة الجميع.
стр. 2102
وهكذا أراد دوركايم أن يهدم الدين، والأخلاق من جذورها، فأقام ما أسماه "فلسفة العقل الجمعي" وادعى أن العقل المشترك للمجتمع هو الموجه لكل فرد فيه، بل هو المكون لكل فكرة في كل فرد، ومنشيء المذاهب والعادات والمفاهيم (١).
ومحور فكرة دوركايم في العقل الجمعي أن المجتمع هو الكيان الإنساني، وقد أخذها الماركسيون من بعد ليكون أساسًا لمذهبهم الاقتصادي ونظريتهم الاجتماعية التي جعلت اهتمامها مركزًا على المجتمع مضحية بالفرد، وقد اتجه دوركايم بخلفياته اليهودية التي أخبر اللَّه عنها بأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وركز في دراساته الاجتماعية على:
أ- تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيرًا ماديًا لا يعترف بوجود اللَّه تعالى ولا بالغيبيات، ولا بأي شيء وراء العالم المادي.
ب- اختراع فكرة "العقل الجمعي" الذي يحرك الناس دون إرادة منهم ولا تفكير، ولا قدرة على المقاومة، وحين يعرف العقل الجمعي تجد أنه موجود خارج عقول الأفراد، وهو ليس مجموع عقولهم، ولا يشترط أن يكون موافقًا لعقل أحد منهم، ولا لمزاجه الخاص، وهو يؤثر في عقول جميع الأفراد من خارج كيانهم، وهم لا يملكون إلّا أن يطيعوه ولو على غير إرادة منهم.
وهذا العقل الجمعي المزعوم والمسيطر، دائم التغير فهو يبيح اليوم ما منعه بالأمس والعكس، دون ضابط ولا منطلق معقول.
وبناء على هذا فلا يُمكن -عند دوركايم- أن يكون هناك ثبات لشيء من القيم إطلاقًا (٢)، فلا الدين ولا الأخلاق ولا السلوك ولا الآداب ولا سائر القيم لها ثبات، بل هي دائمة التغير، يغيرها
стр. 2103
ويؤثر فيها العقل الجمعي الذي لا سلطان للبشر عليه ولا حول لهم ولا قوة معه.
وكما ادعى أوجست كونت إلهًا هو "الإنسانية" فقد ادعى دوركايم إلهًا آخر هو "العقل الجمعي" وراحوا جميعًا يتعبدون لهذه الآلهة المزعومة، ويخضعون لسلطانها وقهرها وغلبتها التي لا يُمكن الفكاك منها مطلقًا، حيث يبقى الناس أمام تلك الأرباب المدعاة بلا اختيار ولا حرية ولا تصرف ولا إرادة، إنها الجبرية المادية متمثلة في هذا التصور المادي الإلحادي، كما تمثلت في الجبرية الاقتصادية الماركسية.
جـ- سعى دوركايم إلى إلغاء مقتضيات الفطرة الإنسانية النازعة إلى الإيمان باللَّه تعالى وعبادته وإلى فضائل الأخلاق، وإلى بناء الحياة الاجتماعية على نظام الأسرة القائم على الزواج، وادعى بكل جرأة تخريبية أن الدين والأسرة والزواج التي كان يظن أنها من الفطرة ليست كذلك؛ لأن التاريخ -حسب زعمه- يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان.
د- يفسر دوركايم الدين والأخلاق في المجتمعات الإنسانية تفسيرًا ماديًا بحتًا، ويزعم أنها وليدة أسباب اجتماعية فقط، وليس لها سند من الحقيقة، وليس لها دوافع في الفطرة الإنسانية (١).
وهكذا غرس دوركايم بأسطورته الخرافية "العقل الجمعي" مجموعة من الأمراض الاعتقادية والسلوكية والاجتماعية، وقد أخذ عن داروين فكرة التطور الدائم، وفكرة القهر الخارجي الذي يقهر الفرد على غير رغبة ذاتية منه فيطوره رغمًا عنه، وأخذ عنه التفسير الحيواني للإنسان، فهو لا يفتأ يستشهد في كل حالة بما يحدث في عالم الحيوان (٢).
стр. 2104
٧ - فلاسفة المذهب الذرائعي (١) "البرجماتية" وقد سبق الحديث عن البرجماتية وأثرها، وقد صاغ هؤلاء الفلاسفة الفكرة الذرائعية النفعية، الملخصة في أن السعي لبلوغ غايات مستقبلية فردية أو اجتماعية أو سياسية، واختيار الوسائل للوصول إليها هي العلامة والمعيار على وجود الخصائص العقلية في ظاهرة مّا.
على أن بين أعلام الفلسفة البرغماتية أوجه اختلاف تفصيلية داخل المذهب الذرائعي لا يعنينا هنا الخوض في تفاصيلها.
بيد أن هذه النظرية النفعية أوصلت المجتمع الغربي إلى التمزق؛ لأن تحقيق مصالح الأفراد لا يُمكن إلّا بالصراع والمغالبة، والاحتيال، والمراوغة، وهذا ما تجيزه البرجماتية ما دام يوصل إلى المصلحة، بل لقد جعلوا الأديان رابطة اجتماعية مصلحية، وكذلك سائر الروابط الاجتماعية مثل الأسرة والزواج والأبناء، وحتى المساعي الاجتماعية ذات الصبغة الإنسانية البحتة.
وعندهم أن الدين والأخلاق يحب أن تدرس على أنها واقع داخلي نفسي يتم تقيمهما على أساس نتائجها العملية، وليس على أساس مصدرها ومنبعها.
يقول أحد فلاسفة البرغماتية: (انظروا في الآثار ذات البعد العملي التي نظن أنه من الممكن أن ينتجها موضوع تصورنا، إن تصورنا لهذه الآثار هو كل تصورنا للموضوع) (٢).
стр. 2105
وهذا يعني أن النية الداخلية تحدد الموضوع في ذات الإنسان قبل أن يتصوره في الخارج، ذلك أن الذريعة هي أساس المعرفة عند البرجماتي (١).
ويرى بعض فلاسفتهم أن علم التربية يجب أن يخضع لمبدأ عملي؛ لأن المطلوب هو تخريج أناس عمليين لا يهتمون بالفكر المجرد.
وبناء على الفلسفة البرغماتية فإن الغطرسة الغربية تغطي على أذهان وعقول الناس هناك، وتتمثل في وهم صارخ يطل من حياتهم وممارساتهم، ويتسلل إلى المستعبدين في الشرق فيملأ ما في نفوسهم من تفاهة وهزيمة وفراغ، مؤدى هذا الوهم "البرغماتي" أنه طالما أن الغرب قد ارتقى صناعيًا وتقنيًا وبنى وشيد المصانع ووصل إلى الأفلاك وحاز القوة، فذلك دليل على أن مساره الفكري والخلقي والاعتقادي صحيح وجيد، ولمن أراد أن يصل إلى الرقي والازدهار، فلابد أن يسلك المسالك الفكرية والاجتماعية والاعتقادية التي سلكها الغرب.
ومنشأ هذه الخرافة أن العظمة العلمية تستبع حتمًا أن يكون الإنسان كله قد ارتقى، فلابد إذن أن تكون الأخلاق والعادات والتقاليد الموجودة في عصر الذرة ومجتمع التقنية، أفضل من مثيلاتها في العصور السابقة!!.
وما دام الإنسان في المجتمع الغربي لا يؤمن بإله ولا يتقيد بخلق، ويستبيح الفوضى الجنسية، وينكر القيم العليا ولا يقر بأسرة ولا يطيع أوامر الدين، ولا يتردد في استعمال أي وسيلة للوصول إلى منفعته ومصلحته، فلابد إذن أن يكون هذا كله هو الحق؛ لأن هذا هو عصر العلم والنور والحقيقة!!.
وقد نسي الغارقون في هذه الخرافة أن المقياس الحقيقي لعظمة الإنسان ليس هو جهاز الحاسب الآلي ولا ارتياد الفضاء، ولا الأقمار الصناعية ولا الصاروخ، ولا القنبلة الذرية التي يدمر بها الحياة والأحياء، وإنّما المقياس الحقيقي للحضارة والرقي خلفية هذا كله من عقيدة صحيحة