٦ - دوركايم (١) ١٢٧٥ - ١٣٣٦ هـ/ ١٨٥٨ - ١٩١٧ م:
ورث هذا اليهودي الفرنسي الناشيء في أسرة متدينة علم الاجتماع بهيئته الوضعية من أوجست كونت، وسعى جاهدًا في دهاء تلمودي هدام إلى استثمار هذه الفلسفة في الواقع المعاش، وأصبح رائدًا لعلم الاجتماع بعد كونت، وأستاذًا في جامعة السوربون، وكان تابعًا لكونت ثم صار ناقدًا له.
يرى دوركايم أنه لا تصح دراسة الاجتماع من خلال أفكار وانفعالات الأفراد، ولكن مباشرة من خلال استقراء الأنظمة والآداب والفنون التي يعتبرها جميعًا من مظاهر الحياة في المجتمعات الإنسانية، ويتمثل فيها جميعًا الضمير الجماعي الذي يفعل فعله في الأفراد، ويضغط عليهم إلى حد قسرهم على اتخاذ مواقف قد تختلف مع آرائهم الخاصة، ومعنى أن الاستقراء إحصائي هو أن دراسة الانتحار مثلًا كواقعة اجتماعية يعني دراسة المعدل الإحصائي للانتحار في المجتمع، فهو يرى أن الانتحار ظاهرة اجتماعية بمعنى أن ارتباط حدوثه بين الرجال أكثر من النساء والشيوخ والأطفال، وفي شهور الربيع أكثر من بقية السنة، حيث الرجال أكثر اندماجًا في مجتمعاتهم، وشهور الربيع أكثر من الشهور اقترانًا بالنشاط الاجتماعي، ومن ثم لا يكون هناك تفسير لزيادة معدل الانتحار إلّا التفسير الاجتماعي، وبهذا المنظور المادي البحت.
ويرى دوركايم أن كل مجتمع له نظامه التربوي الذي يفرض نفسه بقوة على أفراده، وهو في أغلبه من عمل الأجيال السابقة، ومن ثم فالتربية هي تأثير الأجيال البالغة على الأجيال التي لم تنضح بعد للحياة يتطلبها المجتمع السياسي ككل، والطبقة المفروض أن ينتسب إليها بشكل خاص، والتربية في الطور الوضعي الذي يعنيه ويقصده دوركايم تربية علمانية عقلية، فهو يرى أن الأخلاق في المجتمعات الدنيا دينية، لكنها في الطور الوضعي اجتماعية تستهدف مصلحة الجميع.
стр. 2102
وهكذا أراد دوركايم أن يهدم الدين، والأخلاق من جذورها، فأقام ما أسماه "فلسفة العقل الجمعي" وادعى أن العقل المشترك للمجتمع هو الموجه لكل فرد فيه، بل هو المكون لكل فكرة في كل فرد، ومنشيء المذاهب والعادات والمفاهيم (١).
ومحور فكرة دوركايم في العقل الجمعي أن المجتمع هو الكيان الإنساني، وقد أخذها الماركسيون من بعد ليكون أساسًا لمذهبهم الاقتصادي ونظريتهم الاجتماعية التي جعلت اهتمامها مركزًا على المجتمع مضحية بالفرد، وقد اتجه دوركايم بخلفياته اليهودية التي أخبر اللَّه عنها بأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وركز في دراساته الاجتماعية على:
أ- تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيرًا ماديًا لا يعترف بوجود اللَّه تعالى ولا بالغيبيات، ولا بأي شيء وراء العالم المادي.
ب- اختراع فكرة "العقل الجمعي" الذي يحرك الناس دون إرادة منهم ولا تفكير، ولا قدرة على المقاومة، وحين يعرف العقل الجمعي تجد أنه موجود خارج عقول الأفراد، وهو ليس مجموع عقولهم، ولا يشترط أن يكون موافقًا لعقل أحد منهم، ولا لمزاجه الخاص، وهو يؤثر في عقول جميع الأفراد من خارج كيانهم، وهم لا يملكون إلّا أن يطيعوه ولو على غير إرادة منهم.
وهذا العقل الجمعي المزعوم والمسيطر، دائم التغير فهو يبيح اليوم ما منعه بالأمس والعكس، دون ضابط ولا منطلق معقول.
وبناء على هذا فلا يُمكن -عند دوركايم- أن يكون هناك ثبات لشيء من القيم إطلاقًا (٢)، فلا الدين ولا الأخلاق ولا السلوك ولا الآداب ولا سائر القيم لها ثبات، بل هي دائمة التغير، يغيرها
стр. 2103
ويؤثر فيها العقل الجمعي الذي لا سلطان للبشر عليه ولا حول لهم ولا قوة معه.
وكما ادعى أوجست كونت إلهًا هو "الإنسانية" فقد ادعى دوركايم إلهًا آخر هو "العقل الجمعي" وراحوا جميعًا يتعبدون لهذه الآلهة المزعومة، ويخضعون لسلطانها وقهرها وغلبتها التي لا يُمكن الفكاك منها مطلقًا، حيث يبقى الناس أمام تلك الأرباب المدعاة بلا اختيار ولا حرية ولا تصرف ولا إرادة، إنها الجبرية المادية متمثلة في هذا التصور المادي الإلحادي، كما تمثلت في الجبرية الاقتصادية الماركسية.
جـ- سعى دوركايم إلى إلغاء مقتضيات الفطرة الإنسانية النازعة إلى الإيمان باللَّه تعالى وعبادته وإلى فضائل الأخلاق، وإلى بناء الحياة الاجتماعية على نظام الأسرة القائم على الزواج، وادعى بكل جرأة تخريبية أن الدين والأسرة والزواج التي كان يظن أنها من الفطرة ليست كذلك؛ لأن التاريخ -حسب زعمه- يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان.
د- يفسر دوركايم الدين والأخلاق في المجتمعات الإنسانية تفسيرًا ماديًا بحتًا، ويزعم أنها وليدة أسباب اجتماعية فقط، وليس لها سند من الحقيقة، وليس لها دوافع في الفطرة الإنسانية (١).
وهكذا غرس دوركايم بأسطورته الخرافية "العقل الجمعي" مجموعة من الأمراض الاعتقادية والسلوكية والاجتماعية، وقد أخذ عن داروين فكرة التطور الدائم، وفكرة القهر الخارجي الذي يقهر الفرد على غير رغبة ذاتية منه فيطوره رغمًا عنه، وأخذ عنه التفسير الحيواني للإنسان، فهو لا يفتأ يستشهد في كل حالة بما يحدث في عالم الحيوان (٢).
стр. 2104
٧ - فلاسفة المذهب الذرائعي (١) "البرجماتية" وقد سبق الحديث عن البرجماتية وأثرها، وقد صاغ هؤلاء الفلاسفة الفكرة الذرائعية النفعية، الملخصة في أن السعي لبلوغ غايات مستقبلية فردية أو اجتماعية أو سياسية، واختيار الوسائل للوصول إليها هي العلامة والمعيار على وجود الخصائص العقلية في ظاهرة مّا.
على أن بين أعلام الفلسفة البرغماتية أوجه اختلاف تفصيلية داخل المذهب الذرائعي لا يعنينا هنا الخوض في تفاصيلها.
بيد أن هذه النظرية النفعية أوصلت المجتمع الغربي إلى التمزق؛ لأن تحقيق مصالح الأفراد لا يُمكن إلّا بالصراع والمغالبة، والاحتيال، والمراوغة، وهذا ما تجيزه البرجماتية ما دام يوصل إلى المصلحة، بل لقد جعلوا الأديان رابطة اجتماعية مصلحية، وكذلك سائر الروابط الاجتماعية مثل الأسرة والزواج والأبناء، وحتى المساعي الاجتماعية ذات الصبغة الإنسانية البحتة.
وعندهم أن الدين والأخلاق يحب أن تدرس على أنها واقع داخلي نفسي يتم تقيمهما على أساس نتائجها العملية، وليس على أساس مصدرها ومنبعها.
يقول أحد فلاسفة البرغماتية: (انظروا في الآثار ذات البعد العملي التي نظن أنه من الممكن أن ينتجها موضوع تصورنا، إن تصورنا لهذه الآثار هو كل تصورنا للموضوع) (٢).
стр. 2105
وهذا يعني أن النية الداخلية تحدد الموضوع في ذات الإنسان قبل أن يتصوره في الخارج، ذلك أن الذريعة هي أساس المعرفة عند البرجماتي (١).
ويرى بعض فلاسفتهم أن علم التربية يجب أن يخضع لمبدأ عملي؛ لأن المطلوب هو تخريج أناس عمليين لا يهتمون بالفكر المجرد.
وبناء على الفلسفة البرغماتية فإن الغطرسة الغربية تغطي على أذهان وعقول الناس هناك، وتتمثل في وهم صارخ يطل من حياتهم وممارساتهم، ويتسلل إلى المستعبدين في الشرق فيملأ ما في نفوسهم من تفاهة وهزيمة وفراغ، مؤدى هذا الوهم "البرغماتي" أنه طالما أن الغرب قد ارتقى صناعيًا وتقنيًا وبنى وشيد المصانع ووصل إلى الأفلاك وحاز القوة، فذلك دليل على أن مساره الفكري والخلقي والاعتقادي صحيح وجيد، ولمن أراد أن يصل إلى الرقي والازدهار، فلابد أن يسلك المسالك الفكرية والاجتماعية والاعتقادية التي سلكها الغرب.
ومنشأ هذه الخرافة أن العظمة العلمية تستبع حتمًا أن يكون الإنسان كله قد ارتقى، فلابد إذن أن تكون الأخلاق والعادات والتقاليد الموجودة في عصر الذرة ومجتمع التقنية، أفضل من مثيلاتها في العصور السابقة!!.
وما دام الإنسان في المجتمع الغربي لا يؤمن بإله ولا يتقيد بخلق، ويستبيح الفوضى الجنسية، وينكر القيم العليا ولا يقر بأسرة ولا يطيع أوامر الدين، ولا يتردد في استعمال أي وسيلة للوصول إلى منفعته ومصلحته، فلابد إذن أن يكون هذا كله هو الحق؛ لأن هذا هو عصر العلم والنور والحقيقة!!.
وقد نسي الغارقون في هذه الخرافة أن المقياس الحقيقي لعظمة الإنسان ليس هو جهاز الحاسب الآلي ولا ارتياد الفضاء، ولا الأقمار الصناعية ولا الصاروخ، ولا القنبلة الذرية التي يدمر بها الحياة والأحياء، وإنّما المقياس الحقيقي للحضارة والرقي خلفية هذا كله من عقيدة صحيحة
стр. 2106
وخلق قويم، وأثر هذا في مشاعره وعواطفه، وكيانه النفسي على وجه العموم، فإذا انطوى الإنسان والمجتمع على عقيدة صحيحة، وفكرة عن الإنسانية أوسع وأشمل وأعمق من الأفكار المادية، وفكرة عن الحياة أكبر وأرفع، فقد ارتقى حقًا.
ولن يكون الغرب قط راقيًا حتى يغير نظرته للأحياء والحياة والأشياء، ويقيم فلسفة على أساس غير البراغماتزم أو غير الغاية النفعية للأعمال.
وإنّما ينكر الغرب المادي "البرجماتي" كل القيم العليا ويؤمن بالمادية النفعية، لأسباب عديدة منها ظروف البيئة الأوروبية التي جعلت شعوبًا مختلفة تزدحم على رقعة ضيقة من الأرض قليلة الخيرات فأصبح الصراع هو الغالب على طبائعهم، لا التعاون والحب، وصارت تسيطر على مشاعرهم تلك الواقعية المادية التي لا ترتفع عن محيط الأرض وعالم الضرورة، فهو إذن عيب اضطرتهم إليه ظروف معينة وليس مزية تشتهى كما يتصور المغفلون.
وامتلاك التقنية والقوة لا يستلزم النفور من مقومات الإنسانية الحقة، ما دام قد أمكن عمليًا أن يجتمع هذا وذاك حين كان العالم الإسلامي -وقت تمسكه بالإسلام- يمتلك القوة العملية والحربية والسياسة والاقتصادية، أضف إلى ذلك أن امتلاك القوة على الأسس المادية النفعية لم يجلب للإنسانية غير الخراب والدمار والظلم، فهو قائم على الصراع لا على الحب، وعلى أن الغلبة للأقوى لا لصاحب الحق، وعلى أن التسلط والقهر والظلم والعدوان لا ضير فيها ما دامت تصدر من دولة عظمى (١).
ومن مجموع هذه المذاهب والفلسفات، والآراء الفكرية، تكونت الحياة الاجتماعية الغربية، حياة تقوم على نبذ الدين والخلق، وأصبحت الديانة فيه للمادة والجنس والشهرة والغلبة، وأضحى الترابط الاجتماعي قائمًا على الروابط النفعية، والصلات المصلحية.
стр. 2107
لقد اجتمعوا في سفينة مخروقة يقودها بحارون معتوهون، مجتمع يعيش الإفلاس والحيرة والضياع والتمزق والأمراض العصبية والعاهات النفسية.
يقول رينيه دوبو (١): (ووصف الإنسان بأنه "آلية من الذرات ليس إلّا" لا يؤدي تفسيرًا كاملًا لطبيعته، والأسباب التي يتبعها الباحث في هذا الموضوع تحدد نوع الملاحظات التي يستطيع القيام بها، فإذا اختار العالم دراسة الإنسان بالطرق الفيزيائية - الكيماوية، فمن الطبيعي أن يكتشفوا فقط المحددات الفيزيائية والكيماوية في حياته، وأن يجدوا أن جسمه هو آلية من الذرات، إلّا أنهم بذلك يهملون الخصائص الإنسانية التي لها، على الأقل، نفس القدر من الأهمية. . . والتعريف الميكانيكي لحياة الإنسان يخطيء الهدف؛ لأن ما هو إنساني في الإنسان هو نفسه بالتحديد "غير ميكانيكي") (٢).
ويقول: (منذ قرنين تقريبًا والإنسان الغربي يعتقد أن خلاصه سيأتي عن طريق الاكتشافات التكنولوجية، ولا جدال في أن المكتشفات التكنولوجية زادت من غناه المادي، وحسنت صحته العضوية، إلّا أنها لم تجلب له بالضرورة الغنى والصحة اللذين يولدان السعادة) (٣).
ويقول: (من أسوأ نتائج الحياة العصرية بالنسبة لمخطط "التحضر" الأمريكي "كيستوفر الكسندر" "عارض الاعتزال والاستقلال الذاتي"، يقول "الكسندر": إن أكثر الناس يستعملون بيوتهم من ضغوط العالم الخارجي ويمارسون العزلة الاجتماعية كشكل من أشكال وقاية الذات وفي النهاية يصبح الانسحاب والاعتزال عادة ويصل الناس لنقطة لا يستطيعون معها -بل ولا يريدون- السماح للآخرين بولوج عالمهم الذاتي الخاص بهم) (٤).
стр. 2108
ويقول: (تعب الكثير من الناس من هذا السباق المجنون للتغيير الدائم، وأنهك هذا الصراع البالغين، أمَّا المراهقون فلقد أصبحوا لايجدون فيه أية قيمة تذكر، وعندما يشاهد هؤلاء جميعًا تعقيد الحياة المدوخ، والجهود المهووسة لاختراع تكنولوجيات جديدة لتحل مشاكل خلقتها (١) التكنولوجيات نفسها، يعلو صراخهم: قفو (٢) هذا العالم، فنحن نريد أن نخرج منه) (٣).
ويقول: (العلاقات المتبادلة بين بني البشر هي، بالطبع، من أهم العوامل التي يأخذها المخططون بعين الاعتبار، ولكن لا يعرف في هذا المجال إلّا القليل من احتياجات الإنسان الحقيقية، وكثير من علماء الانثروبولوجيا (٤) وعلماء الاجتماع ينظرون بحزن وتشاؤم إلى آثار الشروط المحيطية العصرية على العلاقات الإنسانية، ولا يجدون كبير أمل في قدرة الوضع الحاضر على توفير الحاجات الأساسية لقيام صلات ودية حميمة بين أفراد قلائل كما يحصل فقط في المجموعات البدائية الصغيرة (٥)، "وفي المجتمع القديم كان الإنسان مرتبطًا بالإنسان، أمَّا في التجمعات الحديثة -ولا يُمكن تسمية هذه التجمعات مجتمعًا- فيعيش الإنسان وحيدًا، وكل شواهد الطب النفساني تشير إلى أن عضوية الإنسان في جماعة أو مجتمع تقويه وتمكنه من الإبقاء على توازنه أمام الصدمات العادية في الحياة، وتساعده على تربية أولاد يكونون بدورهم سعداء مرنين، وهكذا تظهر الحلقة المفرغة، وفقدان الانتماء للجماعة في جيل ما قد يجعل الناس في الجيل القادم أقل قدرة على الاندماج في عضوية الجماعة والمدنية، وهي في أساسها محطمة لحياة الجماعات الصغيرة، تترك الرجال والنساء تعساء يشعرون بالوحدة) (٦).
стр. 2109
ويقول واصفًا الحياة الأمريكية والأوروبية: (في أيامنا هذه يهتم "المجتمع العظيم"! على ما يظهر بخلق طبقة متوسطة ومدنية مادية مكسوة بالمظاهر التافهة) (١).
ويقول أيضًا: (والحقيقة على ما يظهر، أن بيئتنا وطرق معيشتنا تؤثر بعمق على مواقفنا ومواقف الأجيال المقبلة، وليس هناك شيء أكثر كربًا وغمًا، بالنسبة لمستقبلنا القريب والبعيد، من الانحطاط وبشاعة مراكزنا الحضرية الكبيرة، واضطراب وسائل النقل العامة، والتركيز الزائد على الراحة المادية الأنانية، وفقدان السلوك الفردي والاجتماعي والتضحية "بالكيف" في مجال الإنتاج والتربية، والنقص في ردود الفعل المبدعة تجاه الأخطار بخاصة يثبط الهمم ويبعث على اليأس؛ لأن كل الناس المفكرين يعون الحالة الحاضرة، وهم متلهفون لعمل شيء ما لإصلاحها، ولكن لا يُمكن القيام بعمل جماعي؛ لأن هذا النوع من العمل يحتاج إلى إيمان موحد (٢)، وهو غير موجود، وبسبب حاجتنا لهذا الإيمان يصبح البحث عن معنى لحياتنا أهم واجباتنا في هذه الأيام) (٣).
ثم ذهب في الصفحات اللاحقة يشرح عجز العلم ومحدوديته، وعجز العلوم المادية ومحدوديتها عن فهم معنى للحياة أو إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية والنفسية القائمة اليوم، ثم عاد يذكر فائدة الإيمان الموحد عندما كان يحكم المجتمعات، وهنا يشير إلى النصرانية، ويذكر أثر الإيمان في إيجاد القيم ثم أثر القيم في المجتمعات (٤).
стр. 2110
ثم يصف الجنوح الاجتماعي الشائع في أمريكا قائلًا: (. . . يجب اعتبار أكثر الناس في بلاد المدنية الغربية -وبخاصة أمريكا اليوم- من المجانين؛ لأنهم يتصرفون وكأنما المقياس الوحيد لسلوكهم هو إرضاء رغباتهم ودوافعهم الغريزية الآنية دون النظر لعواقب ذلك على باقي الطبيعة وعلى الذرية، وتستنكر الكتب المدرسية الملاحظة غير المسؤولة التي أطلقها (لويس الخامس عشر) "من بعدي فليكن الطوفان" ومع ذلك فنحن نستعمل الأرض كأننا آخر جيل يسكنها ونتصرف اجتماعيًا كأنما نريد أن نُعذر أعمالنا السيئة بالتساؤل: ماذا صنعت ذريتي من أجلي؟؟. . . والخطورة ليست فقط مقصورة على "اغتصابنا" للطبيعة بل في تهديدنا لمستقبل البشرية نفسه) (١).
(وكل المجتمعات المتأثرة بمدنية الغرب تتبع "توراة التنمية" كعقيدة وتدور في دائرة تشبه "حلقات ذكر الدراويش" وتقول هذه التوراة: "انتجوا أكثر لكي تستهلكوا أكثر ثم لكي تنتجوا أكثر" ولا يحتاج الإنسان لكي يكون عالم اجتماع حتى يدرك أن هذه هي فلسفة مريضة مجنونة. . .) (٢).
ثم يضيف: (وأنا أشك أنا في استطاعة البشرية تحمل أسلوب حياتنا السخيف لمدة أطول دون أن تفقد أفضل ما في الإنسانية، وعلى الرجل الغربي أن يختار مجتمعًا جديدًا، وإلّا فإن المجتمع الحديث سيفنيه) (٣).
ثم ينقل كلام بعض علماء التقنية الغربيين القائلين بأن: (هناك عناصر في الموقف الحاضر يُمكن إيجاد أجوبة لها في التكنولوجيا، ولكن هناك عناصر أخرى لا يُمكن للتكنولوجيا أن تجيب عليها وهي تتعلق إلى حد ما بموضوع نظرتنا الفلسفية الأساسية بالنسبة للإنسان وما يعني تطبيقها) (٤).
ويقول: (أصبحت المدن العصرية، وبخاصة الحواضر الأميركية الضخمة كابوسًا مزعجًا؛ لأنها تفشل باطراد في توفير محيط مرضٍ للحاجات
стр. 2111
غير المتغيرة في طبيعة الإنسان البيولوجية ولتطوره الثقافي) (١).
ويقول: (وستعاني مجتمعاتنا، لا محالة، من كوارث بيولوجية ونفسية ما لم تنمي بيئات تكنولوجية وحضرية تتناسب حقًا وحاجات الإنسان (٢)، فأمراض المدنية وتمرد الشباب هي إنذارات بأن العافية البدنية والصحة العقلية والرضى العاطفي كلها تحتاج لأكثر من الغنى المادي وإنتاج الأشياء ومعرفة أسرار الذرة) (٣).
يقول كولن ولسن في "سقوط الحضارة": (وكنت كلما تغلغلت في دراسة اللامنتمي شعرت بأنه ليس غير عرض من أعراض هذا العصر، فأمَّا من حيث الجوهر فهو عاصي، وأمَّا سببب عصيانه فهو انعدام الجانب الروحي في حضارتنا الغنية ماديًا) (٤).
(. . . ولم يكن أمرًا شديد الأهمية أن أستنتج أن اللامنتمي هو عرض من أعراض تدهور الحضارة؛ لأن اللامنتمين يظهرون كالبثور على جلد الحضارة، ويميل الإنسان إلى أن يكون على طبيعة محيطه، فإذا كانت الحضارة مريضة روحيًا فإن الفرد يعاني من المرض ذاته) (٥).
وقال: (. . . قال لي شاب كان يلوح عليه أنه كان مغرمًا بوظيفته المدنية: "أمر يدمر الروح، أليس كذلك؟ " وهذه هي عبارة عادية، إلّا أنني لم أكن قد سمعتها من قبل، وقد استعدتها في ذهني وكأنها إلهام، إنه ليس أمرًا يدمر الروح، وإنّما يدمر الحياة، إن الروائح التي تنبعث من خمود قوة الحياة تشبه الروائح المنبعثة من الماء الراكد، وهكذا يتسم الكيان كله) (٦).
стр. 2112
ويقول في "رحلة نحو البداية": (الحضارة تجعلنا جميعًا خائفين كالأغنام، ثم تقتل أرواحنا من الجوع والجدب) (١).
ويذكر مؤلف كتاب "نهاية عمالقة في حضارة الغرب" تحت عنوان نهاية عمالقة أو عمالقة النهاية قائلًا: (إلى أي حد يجسد من اخترناهم من العمالقة أزمة لهذه الحضارة في سيرتها؟ وهل هي أزمة عابرة وطارئة تنصب على وظائف الحضارة، وتتجاوز بتصحيحها كما يتصور ذلك مرجو التفاؤل، أم أنها أزمة عضوية تنذر بالتفكك والانهيار كما يذهب إلى ذلك دعاة التشاؤم ومقروره؟ ففي نظر هؤلاء المتشائمين: الحضارة استلبت لإشباع شهوة الاستهلاك، متمردة على كل ما يوقف أو يحد من هذا المد سواء في ذلك الإطار القيمي أو الروحي بل وفي بعض المناحي الإنسانية، فالعد النازل قد بدأ لحضارة الأشياء بعد أن تنكرت للإنسانية وباسم الإنسان فاختنقت ذاتيًا، لا نتيجة لقوة أعدائها وخصومها أو من يتطلعون بميراثها، ولا مصداقية لنبوءات "كارل ماركس" الخاصة بالتدمير الذاتي للرأسمالية، فالتدمير حاليًا لا يُرى على مستوى شق معين من هذه الحضارة الغربية، وإنّما على مستوى شقيها الليبرالي والماركسي، فالأم واحدة وإن اختلفت المبررات، والوسائل والركيزة الثلاثية التي يعتمد عليها كل شطر توجد بالضرورة لدى الشطر الآخر، ونعني بذلك المعرفة التكنولوجية الأسس العلمية، التطبيق الصناعي، وما يملياه من برمجة وعقلنة على مستوى الانتاج والتبادل والاستهلاك. . . الأزمة أعم وأعمق نتيجة لتعدد العوامل المهيئة لها، بل بخصوصيات هذه الحضارة في حد ذاتها باعتبارها حضارة ركزت على الوعاء والقالب للإنسان كجسد إشباعًا ورفاهية ورخاء، وتلذذًا بالمقتنيات التي استلب بها في النهاية، ونسيت أو تناست، جهلت أو تجاهلت الأبعاد الأخرى للإنسان وفي الصدارة إنسانية الإنسان.
فـ "مركيز" (٢) أحد فلاسفة المصر حينما ركز على الإنسان ذي البعد
стр. 2113
الواحد لهذه الحضارة، لم يكن بعيدًا عن هذا المنظور، ودعوته إلى مواجهة
حضارة التدمير وتجاوزها وما عاصر ذلك من أحداث في نهاية الستينات، متمركزة أساسًا في أواسط الشباب في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما، مما جعل هذا الفيلسوف يتصدر من بين المبشرين بأفول حضارة الغرب) (١)(٢).
وحقيقة الأمر أن واقع المجتمعات اللادينية في الأرض مما تعجز "العبارات عن تصوير فضائعه وانحداراته وجرائمه وأهواله وأزماته، والتي يزيد من خطورتها وفضاعتها أنهم يسعون في نشرها في العالم، ويسعى الأغبياء المقلدون في استجلاب هذه الشرور إلى مجتمعاتهم، وينادون بهدم الدين وتحطيم الأخلاق وتفكيك المجتمع، والتمرد على الأب والأسرة، محاكاة للغربيين الذين نادوا في أول عهد ما يسمى "النهضة الحديثة" بهذه الأمور، آملين أن يجدوا منبعًا آخر للأخلاق والروابط الاجتماعية غير الدين.
والواقع أنهم كانوا فاقدين للدين الصحيح، وسالكين في طرق الانهيارات الأخلاقية، فكانت مشكلتهم الخاصة أنهم يبحثون عن شيء يسد هذا الفراغ الهائل في نفوسهم، ويلتمسون منبعًا للأخلاق غير الدين، فانغمسوا في التصورات الفلسفية المادية القاحلة، فجاءت النتائج أنهم تخلوا كليًا حتى عن صورة الدين وإيحاءاته التي ظلت منذ زمن طويل -رغم التحريفات والخرافات في هذا الدين- تسقي شجرة الأخلاق عندهم، ثم
стр. 2114
جاءت الأجيال اللاحقة لتكون أكثر مادية وعلمانية من الأجيال السابقة لأنها توغلت أكثر في الابتعاد عن الدين والقيم، بل أصبحت تصفها بأنها مجرد وهم وخيال، وتلى ذلك النزول من المنحدر إلى المنزلق، ومنه إلى مستنقع المادية الحيوانية البحتة، ومن سطح المستنقع إلى عمقه إلى حمأة الطين الشهواني والحيواني.
وهكذا أزاحت العلمانية اللادينية ميثاق الحياة حين أزاحت الدين عن الحياة، ومع إقصاء الدين أقصيت الأخلاق لأنها أصلًا مستمدة من الدين.
أزيحت الأخلاق والدين عن السياسة، فأصبحت الغاية تبرر الوسيلة وأضحت البرغماتية النفعية أساسًا، وأزيحت عن الاقتصاد منذ الثورة الصناعية، بتحليل الربا، والغش والخداع والكذب وشغل الناس بالتوافه من أجل الربح، وشن الحروب وسلب خيرات البلدان، وترسيخ الاستعمار من أجل إيجاد الأيدي العاملة وإيجاد أسواق لترويج البضائع، وإشاعة الفواحش الإعلامية لجلب الأهواء الشهوانية، وأزيحت في مجال العلم التجريبي البحت فلم يعد البحث العلمي من أجل العلم والحقيقة -كما كانت الدعاوى الغربية- بل أصبح العلم مسخرًا للاستكبار والسيطرة ومصاحبًا للمصالح والأهواء والشهوات، بل أصبح وسيلة لإخراج الناس عن دينهم بدعوى أن العلم يناقض الإيمان.
أضحى العلم جسرًا للإلحاد، وسببًا اتخذه الملاحدة لتقويض الدين والأخلاق بزعم أن الدين والعلم التجريبي لا يلتقيان.
وأُزيح الدين والأخلاق من الفكر فأصبح التبجح بالكفر والرذيلة من سمات التقدم والتحضر!! أمَّا الفنون ووسائل الإعلام، فقد أضحت السوق الواسعة لترويج الأضاليل والجاهليات والمفاسد الخلقية والرذائل السلوكية.
وهذه الأمور جميعها عملت في المجتمع عمل النار في الهشيم، وظهرت آثارها فيه ظهورًا صارخًا يدل غاية الدلالة على دمار آت، وأهوال قادمة على تلك المجتمعات.
ومع كل ذلك مازلنا نرى عبيد الأهواء والشبهات والشهوات يلجّون في
стр. 2115
طغيانهم، ويصرون على أن درب الهلاك هذا هو درب النجاة والنهضة والتقدم، وما من علماني أو حداثي في بلاد المسلمين إلّا وهو يدعو بهذه الدعوة أو ببعض مفرداتها، مستدبرين الهدى والخير والضياء، ومستقبلين قبلة المغضوب عليهم والضالين.
وسوف نرى في ما تبقى من هذا الفصل الشواهد العديدة على مقدار انحرافاتهم في القضايا الاجتماعية والنفسية، بيد أنه لابد من التنبيه على أن القضايا الاجتماعية تنبع من أحوال نفسية، وتؤثر فيها في الوقت نفسه، وقد قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) وقال ﷻ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾ (٢).
ومن هذه الحقيقة وجب الربط بين القضايا النفسية والقضايا الاجتماعية.
وقد شرحت في الفصل السابق لهذا الاتجاه النفسي الذي شاع في الغرب فأثر في سلوكهم وأخلاقهم، كما أشرت إلى شيء من ذلك فيما مضى من هذا الفصل، وعلى ذلك فإن الكلام عن انحرافاتهم في القضايا الاجتماعية سيتضمن انحرافاتهم في القضايا النفسية مع ذكر وجه فيه الربط بين الانحراف النفسي والاجتماعي.
وانحرافاتهم في أوجه عديدة منها:
١ - المضادة للمجتمع ومعاداته.
٢ - السعي في إفساد المجتمع.
٣ - إسقاط مفاهيم الأخلاق والقيم والتقاليد من المجتمع.
٤ - نفي قيام مجتمع على أساس ديني.
стр. 2116
٥ - الدعوة لتطبيق الحياة الاجتماعية الغربية.
٦ - المضادة للأسرة ونظام العائلة، ومعاداة الأب خاصة.
٧ - أثر الإنحراف النفسي في الانحراف الاجتماعي.
كل هذه الأوجه وغيرها مما فاضت به كتب ومجلات وأعمال الحداثيين والعلمانيين، والشواهد عليها عديدة، ويُمكن القول بإجمال قبل الدخول في تفاصيل انحرافاتهم - أن مما يدل على انحرافاتهم في القضايا الاجتماعية والنفسية، ما وضعوه لأنفسهم من أصول سبق ذكر أكثرها في ثنايا البحث ومنها:
١ - زعمهم أنه ليس هناك حقائق مطلقة.
٢ - دعوتهم إلى استباحة المحرمات، والتحرر من الضوابط، وإسقاط موازين الحلال والحرام.
٣ - دعوتهم إلى التعددية الوثنية، ومضادة التوحيد ومبدأ الوحدة.
٤ - دعوتهم إلى إيجاد مفهومات حديثه شمولية جذرية.
٥ - الهجوم على التراث والثقافة الدينية "الإسلامية" والثقافة والعربية.
٦ - دعوتهم إلى الرفض والتمرد والثورة على كل شيء، والانقلاب على الأصول والمفاهيم الكلية والقواعد.
٧ - تأليه الإنسان، والدعوة إلى الإنسانية مبدأ وغاية.
٨ - ممارسة التعمية والغموض، ومضادة الإفهام والوضوح والظهور.
٩ - الدعوة إلى الخروج عن المألوف والسائد، ونفي السائد ورفضه.
١٠ - إعادة النظر في كل شيء، وممارسة الشك والسؤال في كل قضية.
١١ - الدعوة إلى القطيعة مع الماضي والمضادة له والانفصال عنه ومعارضته.
стр. 2117
١٢ - القضاء على فكرة الثابت، والزعم بأن كل شيء متحول متطور، والزعم بأن كل فكرة أو قضية لها سمة الثبوت فهي تخلف.
١٣ - الدعوة إلى تأليه العقل والعلم المادي، والادعاء بأن حرية العقل "بالمفهوم العلماني" أساس كل تحديث وتقدم.
١٤ - الزعم بأنه لا حرية للإنسان إلّا بهدم الشريعة والإسلام والأخلاق.
١٥ - رفض العبادة للَّه تعالى، واعتبار الدين تخلفًا وفشلًا، والادعاء بأن النهضة لا تتم إلّا بالفصل بين الدين والحياة، وبنقل مركز الثقل من السماء إلى الأرض فقط.
١٦ - تبنى الهدم والفوضى، والخلخلة للأفكار والمعتقدات الراسخة، وتصريحهم أن التخريب حيوي وهو أول الواجبات، ومن علائمه المهمة الهذيان والعبث والجنون.
١٧ - الدعوة إلى إسقاط القداسة، واختراق المقدس وتدنيسه.
١٨ - إدانة الفعل والوعي، وقوانين العلم والنظام والمنطق، وكل ما تعارف عليه الناس وكل مؤسسي وثابت.
١٩ - تفكيك كل القيم والمعايير، وزعزعة وخلخلة كل الموازين الماضية.
٢٠ - كما أنه يجب أخذ التقنية عن الغرب، فإنه يجب أخذ الأفكار والثقافة والفنسفات والمذاهب والقيم.
٢١ - الحداثة رؤيا شاملة للحياة والوجود، وهي عقيدة ومضمون أبدي، ومفهوم حضاري جديد كامل.
وهذه الأصول الحداثية التي تدور عليها معظم أقوال وأعمال أهل الحداثة تدل كلها مجملة وكل واحد منها على حده، على موقفهم المعادي للمجتمع، بل الاتجاه التدميري لمقومات وأسسه ومؤسساته، وخاصة المجتمع المسلم الموجود أو المأمول.
стр. 2118
الوجه الأول: المضادة للمجتمع ومعاداته:
يرى الحداثيون أن المجتمع الذي فيه بقايا من الدين وأخلاقه وقضاياه؛ عائق من عوائق انطلاقاتهم، ومعوق من معوقات مشروعاتهم؛ ولذلك سعوا جاهدين في تفكيك المجتمع ومؤسساته.
ويظهر ذلك في انحرافهم الاعتقادي المتمثل في جحدهم لربوبية اللَّه تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته، فإنه هذا الجحد سيقود حتمًا إلى محاربة المجتمع الذي يؤمن بهذه الأمور ويعتقدها، وسيعهم في إبعاد المجتمع عن هذه القضايا الأساسية والمهمة سوف يقود المجتمع -ولابد- إلى التفكك والتمزق والضياع، والواقع أكبر الشواهد على ذلك، فإن الأمة لما تخلت عن عقيدتها أو عن بعض عقيدتها أصابها الوهن والهزيمة والشتات.
ثم إذا نظرنا إلى التصورات الاعتقادية التي استمدها الحداثيون والعلمانيون من الوثنيات القديمة والحديثة ومن الأديان المحرفة، وجدنا أنهم أضافوا عوامل أخرى تزيد من تفكيك المجتمع ودماره وإلحاق الفوضى به وبجميع مؤسساته.
لاسيما إذا تذكرنا ما سبق ذكره في الفصل الرابع من الباب الأول من دعوتهم إلى إلحاق بلاد المسلمين أو بعضها بالغرب من خلال الفكرة المتوسطية التي نادي بها أنطون سعادة وأدونيس والخال وسائر عصابة شعر، والتي دعا إليها طه حسين ولويس عوض وسلامة موسى وغيرهم.
فهذا الإلحاق والدمج الذي يرجوه ويأمله المتغربون العملاء والمقلدون الأغبياء هو دعوة صريحة إلى تدمير المجتمع وتحطيم قوائمه وهدم أركانه وتقويض بقايا ما ورثه من الدين القويم والخلق السليم.
ثم إذا نظرنا في موقفهم من النبوة والوحي والتي كان بسببها توحد الأمة وقيام المجتمع الإسلامي على الأسس الصحيحة القوية، ونظرنا كيف عادى الحداثيون النبوة والأنبياء والوحي والكتب المنزلة وخاصة القرآن العظيم، تبين أي ضرر يردون إلحاقه بالمجتمع.
стр. 2119
أمَّا موقفهم العملي من نظم الإسلام ومحاربتهم الأكيدة ومعادتهم الشديدة لحكم الإسلام، فإنها تضيف بصورة عملية أفتك الأسلحة المضادة للمجتمع والداعية إلى انهياره وتمزيقه، وكذلك موقفهم المحارب للأخلاق الإسلامية، والداعي إلى الرذائل الخلقية والانحلال والفوضى.
ويضاف إلى كل ما سبق ذكره ما لهم من مواقف وأقوال صريحة في هذا الصدد، وقد سجل إحسان عباس موقفهم من المجتمع في كتابه "اتجاهات الشعر العربي المعاصر"، ومما جاء فيه أن من الحداثيين من (يعتقدون بلا ريب أن الفرد والمجتمع يمثلان طرفي صراع) (١).
ثم بين وجه رؤيتهم لهذا الصراع الذي أضحى محورًا من محاور شعرهم، وذكر أمثلة لذلك كرواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، وكلام ممدوح عدوان في قصيدته "العابرون كالرعد" ثم يتساءل إحسان عباس: (كيف يكون الوضع بالنسبة لشاعر كان يجد هويته أولًا ثم بسبب عوامل متعددة أحس بالاغتراب من بعد، وبفقدان تلك الهوية؟) (٢).
ثم أضاف: (ويبدو لي أنه لابد لوضع هذه القضية في موضعها الصحيح من أن نميز -في الصراع بين الفرد والمجتمع- مواقف متفاوتة فهناك الغربة أو الاغتراب، وهناك الثورة على المجتمع، وهناك التأقلم بالمناخ الاجتماعي، وهناك العزلة الكلية عن المجتمع) (٣)، ثم راح يشرح هذه البدائل.
ثم ذكر إلحاح بعضهم على قضية صراع الطبقات، سواء كان ذلك
стр. 2120
على أساس ماركسي أو وجودي أو سوريالي (١).
ثم عرج بعد ذلك على الثورة الحداثية في أي صورة من صورها المذهبية، ثم شرح مضمون هذه الثورة قائلًا: (. . . إن الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب، وتفكك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان -دون أي شيء آخر- تعني فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن نحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات) (٢).
هذا النص الذي كتبه الناقد الحداثي يؤكد ما سبق ذكره من أن انحرافهم الاعتقادي وتحديهم للدين وجحدهم للغيب هو أساس مواقفهم العملية في القضايا الاجتماعية.
لقد أصبح تفكيك المجتمع وانهياره حلمًا من أحلام أهل هذه الملة؛ ليتحقق لهم غرس أمراضهم في الأجزاء المفككة دون مقاومة.
وممن صرح بذلك كاهن الحداثة النصيري أدونيس حين تحدث عن معروف الرصافي (٣) باعتباره أبًا للحداثة، واتخذ أقواله المنحرفة جسرًا يعبر من خلالها عن آرائه، كما اتخذ جبران من قبل لهذا الغرض، يقول أدونيس: (إن قراءة الرصافي تكشف لنا عن شخص يدهشه واقع العلم على صعيد التغير والتطور. . . يبدو لنا، في هذه القراءة أنه يتبنى من حيث الموقف الفكري، العلم ومنجزاته بحماسة من يفضل الحاضر والمستقبل، على الماضي، وأن الماضي لا يمثل الكمال، وليس أسطورة أو رمزًا يحرك الطاقة النفسية ويوجهها، كذلك يبدو، تبعًا لذلك، أنه لا يريد أن يحافظ على بنية النظام الاجتماعي، بل يحلم، على العكس، بتفككه
стр. 2121
وانهياره، لكي تولد بنية أفضل مسايرة للعلم) (١).
وفي موضع آخر يمتطي أدونيس جبران فيذكر أنه استطاع أن يغير علاقة الإنسان مع الكون ومع اللَّه -حسب زعمه- ويذكر في ذلك أن الإنسان لم يعد عبدًا للَّه، ولم تعد العلاقة بينهما علاقة خالق ومخلوق، بل اجترأ في طغيان واضح فزعم أن اللَّه -جلَّ وعلا وَتقَدَّس- أصبح هو والإنسان يمثلان كيانًا واحدًا (٢)، ثم يخلص من هذه الإلحاديات قائلًا: (ونستطيع أن نجد هنا ما يذكرنا بالثورة على الأب، في الجيل الحاضر، فالأب رمز للماضي، واللَّه، كأب، رمز لما هو خارج التاريخ، لا يتغير ولا يتجدد، رمز لشريعة خارجية ثابتة، أي رمز لكل ما يناقض المستقبل؛ لأن الوجود المليء الكامل، في النظرة الأبوية هو الماضي، أمّا المستقبل فعدم ونقص) (٣).
تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
في هذا النص يكشف لنا أدونيس وأضرابه العلاقة التقليدية المعروفة من عهد الجاهلية الأولى، بين الإلحاد وتدمير المجتمع ومؤسساته، والتي منها الأسرة متمثلة في الأب رائد الأسرة.
وفي موضع آخر من تلمود الحداثة يحدد أدونيس في بياناته الحداثية مراده بمواجهة "السائد" -وهي عبارة يرددها الأتباع الصغار كثيرًا- وقد ذكر أن السائد الذي تجب مواجهته هو المتمثل في (مؤسسات المجتمع العربي: "العائلة، المدرسة، الجامعة، التشريع، السياسة، الدين، الثقافة بأشكالها الإعلامية والأدبية. . .، وهكذا فإن العائلة في المجتمع العربي ما تزال أسيرة التكوين القبلي -الثيوقراطي (٤) -، والمدرسة العربية ليست تقليدية وحسب،
стр. 2122
بل رجعية أيضًا فيما تدرسه وفي طرق تدريسها على السواء، والدين ما يزال مهيمنًا على الحياة المدنية بكاملها، وعلى الحياة الثقافية والتشريعية والسياسية، وما يزال الوعي الطبقي مطموسًا بهذه الهيمنة الدينية، على الأخص، المؤمنون جماعة واحدة، أمة واحدة. . . الخ"؛ ولذلك فإن الصراع الطبقي ما يزال هو الآخر مطموسًا. . . لنقل، إذن، إن المجتمع العربي ما يزال في بنيته الإيديولوجية الغالبة، مجتمعًا تقليديًا، غير أنه، مع ذلك، يتحرك أيديولوجيا، بقيادة أقلية طليعية في اتجاه الحداثة) (١).
ولبئسما سولت لهم أنفسهم إذ عمدوا إلى الضلالات يدعون إليها، وإلى المجتمع يسعون في تخريبه وتمزيقه كما عبر عن ذلك أدونيس في قوله:
(استدرك -
أقول لخطواتي اتحدي بأحلامي
وأرسم لمشروعاتي تخطيطات:
في جنون الجسد شفاء للروح
تاريخ الأعضاء تعقيب على تاريخ الرغبة
أسمع ريحًا تشافه الحجر وعارًا يواطيء الغيم
وما أغمض الكلام الواضح
وحين أذكر بيروت، أعني
دمشق الرياض بغداد القاهرة
أذكر قبائل تتهدم وأغتبط
стр. 2123
كأن المستقبل يتربى على يدي!) (١).
طموحاته ومشروعاته تهديم المجتمعات وتقويض عواصم بلاد الإسلام، وهدم القبائل الذي يغتبط به لا يعني به سوى معاداة هذه المجتمعات والسعي في إبطال مقوماتها الشرعية والأخلاقية والاجتماعية، وكل ذلك يؤكد بشكل قاطع رفض هؤلاء لكل مجتمع انبنى على دين الإسلام أو تأثر به.
ومن معاول هدمهم توجههم إلى الأب والأسرة بعداوة تقويضية هدامة، ومن ذلك دعوتهم إلى تحلل المرأة وفسادها على حد تعبير أحدهم: (الحداثة بالنسبة للمرأة العربية هي مثلها بالنسبة للمراهق، وتختصر بكلمة حادة وحاسمة "الرفض" وترى الحداثة كأنها ليست بتبني طريقة جديدة في العيش والتفكير بقدر ما هي رفض القديم، إنّما من الملفت أنه في ما يتعلق بالأخلاق الجنسية، الحداثة ليست سوى إرادة اللا، ولم يكن من قبيل المصادفة أن الحداثة كانت، ومنذ البدء، مطابقة لتحرر وانطلاق المرأة وانتهت بأن أصبحت مطابقة للتحرر الجنسي، تسير الأمور وكأن المرأة العربية، ترفض من الآن فصاعدًا كونها الضحية الأبدية. . . هذا الرفض يعاش فرديًا، ومنذ اللحظة التي تعي فيها المرأة ذاتها وجسدها، في زمن اجتماعي يقع تحت ضغط الحداثة، إنّما هذا الرفض لا يطال حياتها فقط، إنّما يطال كل المستوى العلائقي مرة واحدة. . . ما ترفضه المرأة، هو وضعية القاصر، أي الدور التقليدي السلبي اجتماعيًا، أم - زوجة، تابعة لسلطة رجل مالك للأولاد والأرزاق، إذًا ترفض المرأة ما تربت عليه، حيث في غفلة عنها جعلوها قاصرة بواسطة العنف الرمزي المقنع للتربية الأخلاقية السائدة. . . الخروج من الاستلاب الإيديولوجي بدأ يضرم النار في الحياة الزوجية، إن إعادة النظر في توزيع الأدوار، ووعي المرأة لهويتها وإرادتها بالاستقلالية، وبحثها عن شخصية منعتقة من الشعارات والنماذج التقليدية دفعها للتساؤل حول معنى
стр. 2124
حياتها كمرأة حول معنى التزامها العاطفي. . .) (١).
ثم تنقل قولًا طويلًا عن الخصائص الاجتماعية للأسرة العربية وهو قول يظهر صاحبه فيه أنه مجرد واصف، غير أنه في الحقيقة يملأ وصفه بالعبارات المنفرة من الأسرة ومن نظامها ومن الوالدين والأب خصوصًا، ويضفي عقيدته التدميرية على ألفاظه وعباراته.
ثم تستخرج الكاتبة من ذلك نتائج تابعة لأصلهم البغيض المستهدف مضادة المجتمع ومعاداته وإرادة تحطيمه، فتقول: (إذًا يُمكن وصف مستويات التحرر عند المرأة العربية على الشكل التالي:
- انعتاق من الاستلاب البيولوجي "وتقصد التحرر والانحلال الجنسي".
- مسألة نسبية للمستوى الإيديولوجي حسب درجة الوعي الطبقي.
- رضوخ وخضوع تام للمستوى العاطفي.
والمستوى العاطفي يطال علاقات الحب والزواج، اللذة والرغبة، وكل الاقتصاد النفسي للفرد. . .) (٢).
ثم أضافت: (إن الخروج من المؤسسات الدينية والقبلية، الإيديولوجية والأسرية، يفتح الباب واسعًا أمام الحرية، إنّما حرية الحداثة ذات المرجعية الضبابية في مجتمع سجين تقليديته وتكراريته الباهتة) (٣).
وهكذا تمد الحداثة بساط فسادها، من خلال إفساد المرأة، وإفساد الأسرة، التي يتحقق لهم من خلالها إفساد المجتمع وتدميره والقضاء المبرم على كل أركانه وأسسه ومؤسساته.
أمَّا فئة الحداثيين الذين يترفعون عن المجتمع بحجة تفوقهم عليه!! أو
стр. 2125
بحجة الترفع عن الانغماس في المباشرة، والالتزام، أو بغير ذلك من الحجج (١)، فإن الحديث عنهم هنا مما لا يعنينا إلّا من جهة أنهم يرون -حسب ملتهم الحداثية- أنهم البشر الأرقى والأعلم والأفضل، وهم في الحقيقة عكس ذلك تمامًا، بل العامة والأميون من المسلمين خير منهم، بل واحد من هؤلاء العامة خير في إيمانه وأخلاقه من جملة الحداثيين والعلمانيين، فبم يكون ترفعهم على المجتمع؟ أبالمحاكاة والتقليد للغربيين، أم بالهبوط والانحلال؟.
وغني عن الذكر ما في نتاج الحداثيين الماركسيين والوجوديين من مضامين معادية للمجتمع وفق رؤيتهم الماركسية أو الوجودية، التي سبق في مواضع من هذا البحث ذكر مضامينها، ومواقفها العدائية والتدميرية للمجتمع.
وفي شعر البياتي وسعدي يوسف ومحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، وفي نتاج أميل حبيبي وغالب هلسا، ورشيد بوجدرة، الأدلة الكثيرة على أثر الماركسية في اتباعها هؤلاء، وقل مثل ذلك عن أتباع الوجودية وخاصة مجلة "آداب" وأتباعها.
ثم قل مثل ذلك في اتباع المذاهب الحداثية الأخرى.
الوجه الثاني: السعي في إفساد المجتمع:
من الأمور البديهية التي يكتشفها كل من يطلع على نتاج الحداثة الفكرية أو الأدبية أن السعي في الفساد على نحو مقصود مبرمج هادف من أهم مشروعاتهم وأعظم غاياتهم.
وقد ذكرت في الفصل السابق لهذا الفصل شواهد كثيرة على ذلك، من كلامهم واعترافاتهم، ودعواتهم الصريحة إلى الرذائل والمفسدات، بل وتفاخرهم بذلك، واعتبارهم من علامات التقدم والنهضة.
تهيجت شهواتهم فانقادوا لها هائمين، وتشعبت شبهاتهم فانساقوا معها
стр. 2126
تائهين، وهلكوا بين الشبهات والشهوات واستبسلوا في الدعوة إلى الرذائل وتمجيدها، والتفاخر بالتحلل الخلقي والفساد.
غرقوا في مستنقعات الجنس والخمر والحشيش وبيوت الدعارة وبذلوا جهدهم الفكري والعملي لانحراف المجتمعات في هذه المستنقعات.
جعلوا المرأة مجرد جسد، وناضلوا في إخراجها عارية من الملابس والقيم والعفاف والشرف، بل أبغضوا وعادوا مفاهيم العفاف والشرف والعرض، بل قالوا لا وجود للأخلاق أصلًا؛ لأنها نسبية اعتبارية!!، ركزوا جهودهم من خلال وسائلهم على إفساد المرأة والشبان والشابات، من قبيل قول أدونيس:
(إن رأيت على مدخل الجامعة
نجمة خذ يديها
إن رأيتِ على مدخل الجامعة
كوكبًا عانقيه
وكتبنا على مدخل الجامعة
التواريخ تنهار، والنار قطعي خطانا
لهب يتغلغل في جثة الأرض
نستأصل العائلة
ونقيم الصداقة/ غنوا
للشقوق التي يتحرج الدهر/ هذا
زمن يتفتت/ غنوا
لهجوم الفجيعة) (١).
стр. 2127
الوجه الثالث: إسقاط مفاهيم الأخلاق والقيم من المجتمع:
وأي مجتمع خلا من هذه المفاهيم فهو ركام من رماد، لا يلبث غير قليل فينهار ويتداعى، وقد سبق بسط هذه القضية في الفصل السابق على هذا الفصل.
الوجه الرابع: نفي قيام مجتمع على أساس ديني:
لأن الدين أكبر مانع لفسادهم، وأظهر قوة في مقابل أعمالهم المنحرفة، ومشروعاتهم الباطلة.
وأيضًا لأن قيام المجتمع على أساس ديني يؤدي إلى تماسكه وتآزره، وهذا ما يبطل مخططاتهم ويفسد أعمالهم الهدامة.
ثم إنهم إذا تحقق لهم نزع الدين عن الحياة الاجتماعية استطاعوا غرس عقائد الإلحاد والشك، وهذا وحده كافٍ في تمزيق أي مجتمع وإحلال الدمار به.
وما يشاهد اليوم في المجتمعات الكافرة الماركسية أو الليبرالية أكبر دليل على ذلك، وما يشاهد كذلك في المجتمعات الإسلامية التي يحاول المرتدون جرها إلى حضيض الردة ومستنقع العلمانية، من أكبر الأدلة على هذا، فقد (حملت أوروبا إلى الشرق الفلسفات التي قامت على إنكار أسس الدين وإنكار القوة المصرفة لهذا العالم، القوة الواعية التي أخرجت هذا العالم من العدم إلى الوجود وبيدها زمام الكون "الإله، الخلق الأمر" وعلى إنكار الشرائع السماوية، وإنكار القيم الروحية والخلقية، منها ما تبحث في علم الحياة والنشوء والارتقاء، ومنها ما تتصل بالأخلاق، ومنها ما تدور حول علم النفس، ومنها ما موضوعها الاقتصاد والسياسة، ومهما اختلفت هذه الفلسفات في ألوانها وأهدافها وأسسها، فإنها جميعها تلتقي على النظرية المادية المحضة إلى الإنسان وإلى الكون والتعليل المادي لظواهرهما وأفعالهما.
غزت هذه الفلسفات المجتمع الشرقي الإسلامي وتغلغلت في أحشائه
стр. 2128
وكانت أعظم ديانة ظهرت بعد الإسلام في التاريخ، أعظمها انتشارًا وأعمقها جذورًا وأقواها سيطرة على العقول والقلوب، وأقبل عليها زهرة البلاد الإسلامية وزبدتها عقلًا وثقافة، وساغتها وهضمتها ودانت بها كما يدين المسلم بالإسلام، والمسيحي بالمسيحية بكل معنى الكلمة، فهي تستميت في سبيلها وتقدس شعارها وتجل قادتها ودعاتها وتدعو إليها في أدبها ومؤلفاتها، وتحتقر كل ما يعارضها من الأديان والنظم والعقليات وتؤاخي كل من يدين بها، فأفرادها أمة واحدة وأسرة واحدة ومعسكر واحد. . .
إنها ردة، أعود فأقوال: اكتسحت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وغزت الأسر والبيوتات، والجامعات والكليات والثانويات والمؤسسات، فما من أسرة مثقفة -إلّا من عصم ربك- إلّا وفيها من يدين بها أو يحبها أو يجلها، وإذا استنطقته أو خلوت به أو أثرته عرفت أنه لا يؤمن باللَّه، أو لا يؤمن بالآخرة، أو لا يؤمن بالرسول ﷺ ، أو لا يؤمن بالقرآن كالكتاب المعجز الخالد ودستور الحياة، وأفضلهم من يقول إنه لا يفكر في مثل هذه المسائل ولا يهتم بها كبير اهتمام) (١).
بيد أن الحداثيين قد أبعدوا النجعة في مراعي الزقوم الإلحادي، وكانوا أبشع مثال على هذه الردة الكبيرة التي مارسوها وبذلوا غاية جهدهم لصبغ المجتمعات الإسلامية بها.
فها هو أدونيس يصور المجتمع العربي -حسب رؤيته الباطنية والحداثية- تصويرًا أسودَ؟، ويصفه بأنه رجعي مستهلك ثابت رجعي تراثي، وسبب ذلك -عنده- أنه مجتمع متدين، يقول: (هذا السلوك السائد في الحياة العربية إنّما هو سلوك يناقض الثقافة بعامة (٢)، ويناقض الكتابة بخاصة، فمهم الثقافة يتضمن الاستقلال: يؤكد تفتح الإنسان إلى أقصى حد (٣) بقواه الخاصة ووسائله الخاصة، ذلك أن الثقافة هي الحلول التي
стр. 2129
ييتكرها الإنسان لمشكلاته، أمَّا هذا السلوك فيتضمن التبعية، أي الخضوع لسلطة فوق سلطة الإنسان، الحلول جاهزة سلفًا، والإنسان في هذا السلوك يؤكد استسلامه لإرادة سامية تتجاوزه "يقصد اللَّه -جلَّ وعلا-" والاستسلام استسلام للأكمل، لما يتجاوز إرادة الإنسان، وفي هذا نفي للثقافة، أو فيه توكيد على أن الثقافة هي حفظ الماضي واستعادته باستمرار، وهكذا تتحول السياسة والثقافة إلى نوع من التدين، والواقع أن كلا منها ليس إلّا مجموعة من المواقف الدينية تتقنع في السياسة بقشرة وطنية وفي الثقافة بقشرة فكرية، يبدو في هذا المنظور أن الذي تكلم وكتب في المجتمع العربي هو اللَّه وحده، وأن تراثنا يمثل نوعًا من الكتابة الأولى، وكل كتابة يكتبها الإنسان يجب أن تكون شرحًا أو تفسيرًا لهذه الكتابة الأولى.
المجتمع الذي يتأسس على مفهوم الكتابة الأولى مجتمع أمر ونهي مجتمع وعيد وعقاب، مجتمع طقسي، حرفي، يمنع النقد، يمنع طرح مشكلات أو أسئلة جديدة، والكتابة فيه لا تقبل إلّا إذا انطلقت من الكتابة الأولى، فجاءت تسويغًا لها، وشرحًا، واستعادة، وتذكرًا، هذا المجتمع هو في جوهره مجتمع قمع وإرهاب) (١).
وهذا القول يتضمن الدعوة إلى ترك الدين ليصل المجتمع إلى السلوك الموافق للثقافة والاستقلال حسب معاييره الإلحادية الساقطة.
ثم هو يشير إلى قضية الأمر والنهي والوعيد وامتناع النقد، باعتبارها معالم للتخلف.
وأدونيس وطائفة الحداثيين والعلمانيين يمارسون هذا ويدعون إلى ممارسته، فهم تحت طائلة الأمر والنهي التي ترد عليهم من أساتذتهم زعماء المذاهب الفكرية والأدبية.
ومن اطلع على نتاجهم وأفكارهم وأعمالهم وقارن ذلك مع سيرة وأعمال أصحاب المذاهب الفكرية والأدبية الغربية لم يخرج إلّا بنتيجة واحدة
стр. 2130
هي: أن هؤلاء أتباع مطيعون طاعة عمياء، ومقلدون تقليدًا أعمى يرجون معه ثواب ومديح أسيادهم والمكافآت المعنوية والحسية.
ويشكلون لأنفسهم مجتمعًا فكريًا وعمليًا يحاط بالطقسية الكهنوتية الكاملة، لا يقبلون معها نقدًا ولا يرتضون أسئلة ولا يسمحون لغيرهم أن يدخل مجتمعاتهم الإعلامية أو المنبرية أو التأليفية، وهو ما كتب عنه بعض الكتاب والصحفيين باسم "الشللية".
وعلى كل حال فإن طموحهم العلماني لعزل المجتمع عن تأثير الدين ما زال يحدوهم فكريًا وعمليًا إلى ترديد الزعم بأنه لا يُمكن قيام مجتمع على أساس ديني بعبارات متنوعة، على حد تعبير من يصرح بذلك مكذبًا للتاريخ الإسلامي، وللواقع المعاصر الذي قامت فيه مجتمعات على أساس دين الإسلام، وممن صرح بهذا التصريح المغالط الحداثي عبد الرحمن منيف القائل: (لا يسعنا تصور مجتمع قائم على أسس دينية في زمننا الحاضر، فالدين بات مسألة شخصية لا يتعدى هذه التخوم، لذا يستحيل قيام مجتمعنا على دعائم دينية، كما يستحيل إضفاء على أحد الأديان صفة الشمولية الكونية) (١).
أمَّا يوسف الخال فيقسم التيارات الإسلامية إلى صادق وجاهل وخبيث حسب رأيه في موقفهم من تطبيق الإسلام على المجتمعات فـ (الخبيث الذي يدعي عن غير اقتناع أن الخضوع للشريعة الإسلامية واجب على كل المجتمعات، ويضم هذا التيار عدد (٢) من المثقفين لا يستهان به) (٣).
ويطلق أحدهم تصريحًا ثوريًا بعيدًا عن أي احترام لديه للأمة أو عقول الناس فيقول: (. . . إنها فكرة متطرفة أن نحاول اليوم تطبيق نظام اجتماعي يعود لما قبل خمس عشر قرنًا) (٤).
وأمثال هذا الكلام كثير في كتبهم ومجلاتهم ومحاضراتهم.
стр. 2131
الوجه الخامس: الدعوة لتطبيق الحياة الاجتماعية الغربية في المجتمعات الإسلامية:
رغم أن التحلل والتفكك الاجتماعي سمة تلك المجتمعات، ورغم أن بعض عقلائهم يطلق صرخات التحذير، إلّا أن الأتباع المبهورين من أبناء البلاد الإسلامية قد عميت أبصارهم وصمت آذانهم، فأصبحوا غربيين أكثر من الغرب!!.
وقد ذكرت في الفصل الرابع من الباب الأول الأقوال الكثيرة التي تشهد بانتمائهم العضوي والفكري للغرب، للفكرة المتوسطية أو الفينيقية، وتشهد بحربهم وبغضهم لهذه الأمة عقيدة ولغة ومكانًا وتاريخًا وحضارة.
على أن هذا الموقف لا يأتي في كلامهم بشكل عرضي، بل هو من أظهر مبادئهم وأسس عقائدهم وقد اعترفوا بذلك بافتخار في أحيان كثيرة، وبانتقاد من بعضهم في بعض الأحيان، وقد نقلت ذلك في الفصل المشار إليه فأغنى ذلك عن إعادته هنا (١).
ومن أكبر حججهم في الدعوة "للاستغراب" الثقافي والاجتماعي زعمهم أنه كما استوردنا الثلاجة والغسالة والمكيف والسيارة وسائر المصنوعات فإنه لا مانع بل يجب أن نستورد العقائد والأفكار والقيم والنظام الاجتماعي والسلوك النفسي.
ومع ما في هذه الحجة من هزال وسخف إلّا أنهم لا يفتأون يرددونها زاعمين أن الحداثة تشتمل على كلا الأمرين: "التقنية والعقائد" أو "العلوم التجريبية والقيم والأفكار" (٢)، وأنه لابد من استيراد الجميع إذا كانت هناك إرادة للتقدم والتحضر والرقي!!.
стр. 2132
مع ملاحظة أن نفيهم لقيام مجتمع على أساس ديني يتوافق مع دعوتهم لتطبيق الحياة الاجتماعية على مجتمعات المسلمين، بل هما وجهان لمقصد واحد تلقوه عن أسيادهم، ورددوه وروجوه، ليكونوا بذلك طليعة الأعداء.
الوجه السادس: المضادة للأسرة ونظام العائلة والوالدين وخاصة الأب:
تعد الأسرة البنية الأولية للمجتمع، الذي يتكون من أفراد وأسر.
وفي إطار انحرافاتهم الاجتماعية، والتوائهم النفسي، توجهوا إلى الخلية الأولى للمجتمع بالمضادة والمحاربة، والسعي في تقويض نظام الأسرة، وقد مرّ معنا في الفصل السابق أمثلة لمعاداتهم للوالدين ومحاربتهم وبغضهم للأب خاصة.
فعند ابن جلون تذهب فتاة روايته إلى قبر والدها فتنبشه وتلقي فيه بعض ما تركه (١).
وعند محمد شكري تفصيل طويل لبغضه لوالده وشتمه له، وتمنيه قتله، وفرحه بموته، وذهابه إلى قبره ليبول فوقه (٢).
وأمَّا نوال السعداوي فتتناول موضوع الأسرة والوالدين في كتابها دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي على مشرحة علمانيتها وانحلالها الداعية إلى تفكيك الأسرة والتمرد على الأب والخروج عن طاعته (٣).
أمَّا أدونيس فإنه يعبر عن هذا المقصد بقوله:
(لهب يتغلغل في جثة الأرض
стр. 2133
نستأصل العائلة) (١).
وقد نقلت عنه في مطلع هذا الفصل حلمه الذي مدده من خلال معروف الرصافي في تفكيك المجتمع ونظامه، واعتبار ذلك أول الطريق للتحضر والتقدم (٢)، بل ومناداته صراحة بالثورة على الأب والنظام الأبوي في أي شكل من الأشكال جاء (٣).
وتصريحه بأنه ضد مؤسسات المجتمع "العائلة والمدرسة والدين" (٤)، ويتحدث أحد نقادهم عن الطموح الحداثي النضالي!! فيقول: (تريد أن نحل أزمة الأب؟ إذن علينا أن نكون في الطليعة النضالية مع إعطاء هذا التعبير شموله الكامل، فنحارب حقول العائلة والمجتمع والسياسة، في جميع الحقول وحيث نرى مجالًا للجهاد، لنعط عواطفنا القوة الكافية لتصبح سيلًا جارفًا، بدلًا من أن تكون ألوانًا باهتة تلصق بنا لصقًا، لنتعلم الحقد والكره والحب) (٥).
ولعل في هذا النص الخلاصة لموقفهم من المجتمع، ووسائلهم في ذلك.
ويذكر إحسان عباس الأجواء التي ترعرعت فيها الحداثة ومن ضمنها: (اهتزاز وضع العائلة أو تفككها، وضياع سلطة الأب، والعلاقات الجديدة بين الأب والأبناء "أو انعدام العلاقات" واستعلاء قضية "الجنس" واحتلالها مقام الأهمية، والاستشفاء في معالجة الكبت "العفة القديمة" بإشباع الرغبات، كيف فعلت كل هذه في توجيه الشعر، وقبل كل ذلك كيف غيرت مفهوم العصبية العائلة، وحطمت القيم القديمة، وأبدت التساهل في تصوير الشذوذ، وأوجدت معنى جديدًا للحب. . .) (٦).
стр. 2134
ثم يذكر الثورة الحداثية وكيف تعتمد التحطيم والدعوة إلى (انهيار سلطة الأب، وتفكيك نظام العائلة) (١).
الوجه السابع: أثر انحرافهم في القضايا النفسية في الانحرافات الاجتماعية:
مرّ في الفصل السابق توضيح الأصل الكبير الذي اعتمده الغربيون في دراستهم للنفس الإنسانية ذلك الأصل المسمى بمدرسة "التحليل النفسي" التي يتزعمها اليهودي "فرويد"، وذكرنا مجمل هذا الاتجاه، وما يتضمنه من دلالات وإيحاءات وما ترتب عليه من ممارسات عملية على مستوى الفرد والجماعة.
لقد تغلغلت نظرية داروين ووليدتها نظرية فرويد النفسية في الحياة الاجتماعية الغربية، والحياة الاجتماعية التابعة للغرب، فأثرت أعظم التأثير في الأخلاق والتقاليد الاجتماعية والقيم العليا، والممارسات والعلاقات الاجتماعية والدولية والسياسية.
لقد أصبح المجتمع بناء على هذه النظريات في هيئة قطيع يعيش الحياة الجنسية المحمومة، ويلهث كل فرد منه خلف مصلحته الذاتية وشهوته الحيوانية وملذاته ورغباته الأنانية.
إن الأصل الذي رسخته الحداثة من خلال اعتقاداتها المادية، وفلسفتها الحيوانية، ورؤيتها الدنيوية البحتة كلها تعود من قريب أو بعيد بتصريح أو تلميح إلى جعل الإنسان مجرد كائن أرضي لا علاقة له بخالق أو إله، ولا نصيب فيه لروح بل هو جسد محض يعيش مكبوتًا -حسب زعمهم- تحت ضغط الدين والأخلاق والمجتمع، ولا حرية له إلّا بالقضاء على هذه الأمور.
وهذا الإنسان لا يتحقق كيانه ولا تظهر إبداعاته إلّا بعيشه بعيدًا عن هذه
стр. 2135
العوائق، فالدين أفيون وخرافة، والأخلاق من اختراع الإنسان وهي غير ثابتة، والمجتمع عدو، أو كما تقول الوجودية: "العدو هو الآخر".
فما الذي حدث بعد نزع إنسانية الإنسان، وبعد إلقائه في جب الحيوانية، وبعد تلويث فكرة الدين والأخلاق والتقاليد القويمة، وتقذيرها وتدنيسها؟.
لقد ارتكست النفوس، وتحطمت مقومات المجتمع وأصبحت الغرائز والشهوات والأهواء هي المسيطرة والغالية، أمّا القيم والأخلاق فقد زويت في زوايا النسيان، وإن مارسها أحد فلغرض مصلحي أو باستحياء واعتذار وتبرير.
انفلت عقد المجتمع وتناثرت حباته على قارعة الإهمال أو في مزابل الأرجاس.
وجاء المنخدعون من أبناء المسلمين بأسوأ وأقذر ما لدى الغرب المريض، جاؤوا بالأمراض والعلل النفسية والاجتماعية، ينشرونها على أنها هي وسائل الإنقاذ، ويبشرون بها على أنها هي مقومات النهضة، وهي في الحقيقة ليست سوى السم الزعاف والمرض العضال، الذي يشتكي منه عقلاء الغرب اليوم.
جاؤوا بنفسيات مريضة بالجنس والدعارة والانحلال، زاعمين أن ذلك من مقتضيات التحضر والتحرر!!، ونزلوا ساحة المجتمعات الإسلامية بهذه النفسيات الملتوية المريضة، وبأفكار مترعة بالجهل والضلال والانحراف، وأعملوا معاولهم في بنيان هذه المجتمعات، وما زالوا في هذا العمل التخريبي سائرين، ولن يكفوا حتى يروا المجتمعات الإسلامية الممزقة مفتتة أكثر، لينعموا بالفتات وفتات الفتات، ويسعدوا بذوبان هذه المجتمعات بصورة كاملة في مجتمعات أسيادهم وطواغيت المذاهب العلمانية والحداثية، ولكن اللَّه غالب على أمره، والأمة -بعون اللَّه- محفوظة، وما زالت في عروق أبناء المسلمين دماء تثور حمية لدينها وأمتها.
• • •
стр. 2136
الفصل الخامس الانحرافات في القضايا السياسية والاقتصادية
القضايا السياسية والاقتصادية عبارة عن تطبيق عملي للعقيدة، وتنفيذ واقعي للأفكار التي يؤمن بها الإنسان.
و (من المعلوم بداهة، أن لكل أمة من أمم الأرض عقيدة، آمنت بها ورضيت بأن تكون قاعدتها الفكرية، تبنى عليها أقكار حياتها، وعلى أساس هذه العقيدة، تعالج كل مشكلاتها، وتحل على أساسها قضاياها، وتسن بموجبها أنظمتها وقوانينها، وتحدد بها وجهة نظرها في الحياة، وتعين غايتها في الدنيا فقط.
وبعبارة أخرى أن جميع أنظمة الحياة، وجميع حلول مشكلاتها ومعالجة قضاياها، تنبثق عن عقيدة تلك الأمة، وتبنى عليها، وتسير بتوجيهها، فكان بذلك لكل نظام عقيدة.
وهذه العقيدة هي الضمانة الحقيقة لحسن تطبيق الأنظمة في المجتمع، وهي الحارس الأمين من الإساءة في التطبيق والتنفيذ، كما هي الدافع الذاتي الذي يوجد الأخلاص الخالص، والولاء الصادق لكل الأنظمة ومعالجات المشكلات.
وبقدر صحة وصلاح العقيدة، تكون صحة وصلاحية النظام المنبثق عنها، وبذلك تسعد الأمة سعادة حقة، يسيطر عليها الاطمئنان الروحي
стр. 2137
والارتياح النفسي الدائميان، وترفل الأمة بالرفاهية الحقيقية في حياتها، وتأخذنا بالعروج نحو سلم المجد والرقي.
أمَّا إذا كانت العقيدة فاسدة أو خاطئة، فإن ما انبثق عنها من أنظمة، وما بني عليها من أفكار تكون فاسدة وخاطئة؛ لأن ما قام على الفاسد فاسد) (١).
وعلى هذا الأساس يُمكن أن نتبين ما يُمكن أن تتضمنه عقائد أهل العلمنة والحداثة من فساده واضطراب في ما ينبثق عنها من نظم سياسية واقتصادية.
وقبل الشروع في بيان الانحرافات في هذين المجالين، أود أن أذكر بعض القضايا:
القضية الأولى: أن الحداثة مفهوم شمولي يمتد -حسب قول أصحاب هذه الملة- إلى كل نواحي الحياة، فليست الحداثة مقتصرة على الأدب والنقد، كما يظن بعض قاصري الفهم، أو كما يتذرع بعض الماكرين من الحداثيين، في معرض تسويق الحداثة على المغفلين.
وها هي بعض الأقوال المثبتة لهذه الحقيقة:
- يتحدث أحدهم عن الحداثة في الشعر فيقول تحت عنوان "رؤيا شاملة للحياة والوجود": (أمّا المضمون فإن أهم سماته الجديدة هو تحول القصيدة الحديثة إلى ما يشبه الرؤيا الشاملة للحياة والوجود، بمعنى أن المضمون الفكري لم يعد مقسمًا إلى خانات كما كان معروفًا في النصف الأول من هذا القرن، شعر: قومي ووطني واجتماعي ووجداني، إن المضمون الفكري هو الآن مزيج متجانس من كل هذه الموضوعات أو معظمها في سياق فكري فني واحد) (٢).
стр. 2138
- ويقول آخر: (. . . الحداثة فعل شمولي من جهة، وكوني من جهة ثانية، والمقصود بشمولية الحداثة إنها لا تقتصر على جهة معينة وتهمل الجهات الأخرى، إنها تشمل كل نواحي الحياة تقريبًا. . . وهي فعل كوني ما إن تنشأ وتفعل فعلها في مكان حتى تنتشر سريعًا وتعم في كل الأرجاء) (١).
- ويقول غالي شكري عن الحداثة: (إنها كل لا يتجزأ من الأفكار والمشاعر والقيم، والحداثة التي لا تواجه السائد ليست حداثة على الاطلاق، فالحداثة الحقيقية ثورة في المجتمع والفكر والفن، والمبدع الحديث هو إنسان ثوري. . . الحداثة بهذا المعنى رؤيا ثوربة تقتحم السائد في عقر داره اللغوية، الفكرية، الاجتماعية، إنها تبادر إلى الاشتباك ولا تنتظر الإذن من أحد) (٢).
ويقول في كتابه "شعرنا الحديث إلى أين؟ ": (مفهوم الحداثة عند شعرائنا الجدد. . . مفهوم حضاري أولًا، هو تصور جديد تمامًا للكون والإنسان والمجتمع، والتصور الحديث وليد ثورة العالم الحديث في كافة مستوياتها الاجتماعية والتكنولوجية والفكرية، ولذلك فهي ثورة عالمية وإن قادتها حضارة الإنسان الغربي) (٣).
- ويقول أدونيس: (إن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاجها الجمهور العربي ليست تلك التي تسليه أو تقدم له مادة استهلاكية ليست تلك التي تسايره في حياته الجارية، وإنّما هي التي تعارض هذه الحياة أي تصدمه: تخرجه من سباته، تفرغه من موروثه، وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها،
стр. 2139
وذلك من أجل تهديمها كلها، أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد) (١).
- ويقول أحد نقاد الحداثة: (. . . الحداثة إذن ليست دعوى شبيهة بالعصرية، فهذه الأخيرة دعوة شكلية سطحية، تتعلق بمظاهر الأشياء. . . الشعر الحديث "موقف" من الكون كله لهذا كان موضوعه الوحيد "وضع الإنسان في هذا الوجود") (٢).
ويقول أيضًا: (الحداثة موقف حضاري من الوجود، الحداثة رؤيا، حساسية، تشكيل) (٣).
ويذكر هذا الناقد كيف بدأت ثورة الحداثة فيقول: (بدأت ثورة في "المضمون" وهذه أنتجت ثورة في "الشكل") (٤).
ويقول أيضًا: (لقد استعار شعراء الحداثة العرب صلب الرؤية الغربية في طلب التغيير. . . فالسعي إلى تغيير العالم بعدًا لتحقيق الذات يصدر أساسًا عن موقف حضاري لا يقيم للدين الشأن الأكبر في هذا العالم كما تؤمن حضارة الشرق بل يؤمن بطاقات الإنسان المتفوق وقدراته) (٥).
- ويقول الناقد الحداثي المغربي محمد بنيس: (. . . الحداثة في هذا العصر، غربية التصور والتحقق، لفعلها صفة الشمول. . . وفعل الشمول معناه أن الحداثة ليست اختيارًا قوليًا، يطأ العبارة وينتهي عند ملفوظها، بل هو نمط حياة، وتصور مجتمع، وثقافة تقنية تكتسح الإنسان والطبيعية) (٦).
ويقول: (نحن جميعًا متورطون في الحداثة، والحداثة حداثات، حداثة الدولة، وتتمثل خصوصًا في تقنية التجهيز والقمع، ولا اختيار
стр. 2140
للدولة العربية في هذه التقنية، فالغرب هو الذي يختار نمط الغرب المسموح به أو المرغوب فيه للعالم العربي، وهذه حداثة مقطوعة الجذور عن الماضي والمستقبل معًا (١)، إنها، باختصار، حداثة هيمنة فرد أو فئة تتضمن، كشرط وحيد لاستمرارها وضمان هذا الاستمرار، استعباد وهزيمة الأمة والوطن (٢).
حداثة المؤسسات المضادة، بما يحددها كطريقة للتنظيم الاجتماعي، والتكتل السياسي، والمفارقة هنا هي أن هذه المؤسسات -كمعطى غربي بالأساس- تنبني فيه على مرتكزات الحداثة، التي هي الديمقراطية، وحرية التعبير، واعتبار الوطن أو الأمة أو الأممية، ظلت في العالم العربي تهجس بالسلطة والدولة كنموذج لبنيتها، مما أعطاها وضعية امتداد للسلطة لا بديل لها، لذلك تحول هذا النمط الحداثي من التنظيم الاجتماعي، والتكتل السياسي، في العالم العربي، إلى وسائط تتضمن استمرار الدولة - الهيمنة، على مستوى البناء القَبَلي لقاعدتها الاجتماعية، والتسييد الضابط للممارسة السلطوية، بفؤيتها وقبيلتها وتراتبها الخاضع للواحدية المتعالية (٣)، والتنظير المستقر في جوف ثوابت الفكر اللاهوتي المانعة لإبدال الرؤية إلى مسألة الأقليات، العقد الاجتماعي، والفعل الثقافي، والارتباط بين القيادة والقاعدة، وتفضيل مبدأ الاجتهاد على مبدأ حرية التعبير.
حداثة المعرفة، بتشعباتها، ومن ضمنها حداثة الإبداع، في مختلف الأجناس الأدبية، والفنون التشكيلية، والسينما والمعمار) (٤).