← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

الفصل الخامس الانحرافات في القضايا السياسية والاقتصادية القضايا السياسية والاقتصادية عبارة عن تطبيق عملي للعقيدة، وتنفيذ واقعي للأفكار التي يؤمن بها الإنسان. و (من المعلوم بداهة، أن لكل أمة من أمم الأرض عقيدة، آمنت بها ورضيت بأن تكون قاعدتها الفكرية، تبنى عليها أقكار حياتها، وعلى أساس هذه العقيدة، تعالج كل مشكلاتها، وتحل على أساسها قضاياها، وتسن بموجبها أنظمتها وقوانينها، وتحدد بها وجهة نظرها في الحياة، وتعين غايتها في الدنيا فقط. وبعبارة أخرى أن جميع أنظمة الحياة، وجميع حلول مشكلاتها ومعالجة قضاياها، تنبثق عن عقيدة تلك الأمة، وتبنى عليها، وتسير بتوجيهها، فكان بذلك لكل نظام عقيدة. وهذه العقيدة هي الضمانة الحقيقة لحسن تطبيق الأنظمة في المجتمع، وهي الحارس الأمين من الإساءة في التطبيق والتنفيذ، كما هي الدافع الذاتي الذي يوجد الأخلاص الخالص، والولاء الصادق لكل الأنظمة ومعالجات المشكلات. وبقدر صحة وصلاح العقيدة، تكون صحة وصلاحية النظام المنبثق عنها، وبذلك تسعد الأمة سعادة حقة، يسيطر عليها الاطمئنان الروحي

стр. 2137

والارتياح النفسي الدائميان، وترفل الأمة بالرفاهية الحقيقية في حياتها، وتأخذنا بالعروج نحو سلم المجد والرقي. أمَّا إذا كانت العقيدة فاسدة أو خاطئة، فإن ما انبثق عنها من أنظمة، وما بني عليها من أفكار تكون فاسدة وخاطئة؛ لأن ما قام على الفاسد فاسد) (١). وعلى هذا الأساس يُمكن أن نتبين ما يُمكن أن تتضمنه عقائد أهل العلمنة والحداثة من فساده واضطراب في ما ينبثق عنها من نظم سياسية واقتصادية. وقبل الشروع في بيان الانحرافات في هذين المجالين، أود أن أذكر بعض القضايا: القضية الأولى: أن الحداثة مفهوم شمولي يمتد -حسب قول أصحاب هذه الملة- إلى كل نواحي الحياة، فليست الحداثة مقتصرة على الأدب والنقد، كما يظن بعض قاصري الفهم، أو كما يتذرع بعض الماكرين من الحداثيين، في معرض تسويق الحداثة على المغفلين. وها هي بعض الأقوال المثبتة لهذه الحقيقة: - يتحدث أحدهم عن الحداثة في الشعر فيقول تحت عنوان "رؤيا شاملة للحياة والوجود": (أمّا المضمون فإن أهم سماته الجديدة هو تحول القصيدة الحديثة إلى ما يشبه الرؤيا الشاملة للحياة والوجود، بمعنى أن المضمون الفكري لم يعد مقسمًا إلى خانات كما كان معروفًا في النصف الأول من هذا القرن، شعر: قومي ووطني واجتماعي ووجداني، إن المضمون الفكري هو الآن مزيج متجانس من كل هذه الموضوعات أو معظمها في سياق فكري فني واحد) (٢).

стр. 2138

- ويقول آخر: (. . . الحداثة فعل شمولي من جهة، وكوني من جهة ثانية، والمقصود بشمولية الحداثة إنها لا تقتصر على جهة معينة وتهمل الجهات الأخرى، إنها تشمل كل نواحي الحياة تقريبًا. . . وهي فعل كوني ما إن تنشأ وتفعل فعلها في مكان حتى تنتشر سريعًا وتعم في كل الأرجاء) (١). - ويقول غالي شكري عن الحداثة: (إنها كل لا يتجزأ من الأفكار والمشاعر والقيم، والحداثة التي لا تواجه السائد ليست حداثة على الاطلاق، فالحداثة الحقيقية ثورة في المجتمع والفكر والفن، والمبدع الحديث هو إنسان ثوري. . . الحداثة بهذا المعنى رؤيا ثوربة تقتحم السائد في عقر داره اللغوية، الفكرية، الاجتماعية، إنها تبادر إلى الاشتباك ولا تنتظر الإذن من أحد) (٢). ويقول في كتابه "شعرنا الحديث إلى أين؟ ": (مفهوم الحداثة عند شعرائنا الجدد. . . مفهوم حضاري أولًا، هو تصور جديد تمامًا للكون والإنسان والمجتمع، والتصور الحديث وليد ثورة العالم الحديث في كافة مستوياتها الاجتماعية والتكنولوجية والفكرية، ولذلك فهي ثورة عالمية وإن قادتها حضارة الإنسان الغربي) (٣). - ويقول أدونيس: (إن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاجها الجمهور العربي ليست تلك التي تسليه أو تقدم له مادة استهلاكية ليست تلك التي تسايره في حياته الجارية، وإنّما هي التي تعارض هذه الحياة أي تصدمه: تخرجه من سباته، تفرغه من موروثه، وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها،

стр. 2139

وذلك من أجل تهديمها كلها، أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد) (١). - ويقول أحد نقاد الحداثة: (. . . الحداثة إذن ليست دعوى شبيهة بالعصرية، فهذه الأخيرة دعوة شكلية سطحية، تتعلق بمظاهر الأشياء. . . الشعر الحديث "موقف" من الكون كله لهذا كان موضوعه الوحيد "وضع الإنسان في هذا الوجود") (٢). ويقول أيضًا: (الحداثة موقف حضاري من الوجود، الحداثة رؤيا، حساسية، تشكيل) (٣). ويذكر هذا الناقد كيف بدأت ثورة الحداثة فيقول: (بدأت ثورة في "المضمون" وهذه أنتجت ثورة في "الشكل") (٤). ويقول أيضًا: (لقد استعار شعراء الحداثة العرب صلب الرؤية الغربية في طلب التغيير. . . فالسعي إلى تغيير العالم بعدًا لتحقيق الذات يصدر أساسًا عن موقف حضاري لا يقيم للدين الشأن الأكبر في هذا العالم كما تؤمن حضارة الشرق بل يؤمن بطاقات الإنسان المتفوق وقدراته) (٥). - ويقول الناقد الحداثي المغربي محمد بنيس: (. . . الحداثة في هذا العصر، غربية التصور والتحقق، لفعلها صفة الشمول. . . وفعل الشمول معناه أن الحداثة ليست اختيارًا قوليًا، يطأ العبارة وينتهي عند ملفوظها، بل هو نمط حياة، وتصور مجتمع، وثقافة تقنية تكتسح الإنسان والطبيعية) (٦). ويقول: (نحن جميعًا متورطون في الحداثة، والحداثة حداثات، حداثة الدولة، وتتمثل خصوصًا في تقنية التجهيز والقمع، ولا اختيار

стр. 2140

للدولة العربية في هذه التقنية، فالغرب هو الذي يختار نمط الغرب المسموح به أو المرغوب فيه للعالم العربي، وهذه حداثة مقطوعة الجذور عن الماضي والمستقبل معًا (١)، إنها، باختصار، حداثة هيمنة فرد أو فئة تتضمن، كشرط وحيد لاستمرارها وضمان هذا الاستمرار، استعباد وهزيمة الأمة والوطن (٢). حداثة المؤسسات المضادة، بما يحددها كطريقة للتنظيم الاجتماعي، والتكتل السياسي، والمفارقة هنا هي أن هذه المؤسسات -كمعطى غربي بالأساس- تنبني فيه على مرتكزات الحداثة، التي هي الديمقراطية، وحرية التعبير، واعتبار الوطن أو الأمة أو الأممية، ظلت في العالم العربي تهجس بالسلطة والدولة كنموذج لبنيتها، مما أعطاها وضعية امتداد للسلطة لا بديل لها، لذلك تحول هذا النمط الحداثي من التنظيم الاجتماعي، والتكتل السياسي، في العالم العربي، إلى وسائط تتضمن استمرار الدولة - الهيمنة، على مستوى البناء القَبَلي لقاعدتها الاجتماعية، والتسييد الضابط للممارسة السلطوية، بفؤيتها وقبيلتها وتراتبها الخاضع للواحدية المتعالية (٣)، والتنظير المستقر في جوف ثوابت الفكر اللاهوتي المانعة لإبدال الرؤية إلى مسألة الأقليات، العقد الاجتماعي، والفعل الثقافي، والارتباط بين القيادة والقاعدة، وتفضيل مبدأ الاجتهاد على مبدأ حرية التعبير. حداثة المعرفة، بتشعباتها، ومن ضمنها حداثة الإبداع، في مختلف الأجناس الأدبية، والفنون التشكيلية، والسينما والمعمار) (٤).

стр. 2141

وله كلام مكرر بعبارات متقعرة يحاول بها إثبات شمولية ما يسميه الفعل الحداثي، وخاصة في كتابه "الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاته"، الذي حشده بأقوال كهنة المعبد الحداثي في هذا الصدد (١). - أمَّا محمد أركون فيطلق فقاعاته اللفظية المعهودة فيقول: (. . . الحداثة تتجاوز المجال العربي والإسلامي لكي تخص كل شعوب الأرض أنها ظاهرة كونية) (٢). ويطرح الجبرية الحداثية باعتبارها أمرًا مفروغًا منه، لا فكاك من الأخذ بها والانطلاق من ساحتها، يقول ذلك في يقينية شمولية تقديسية تعسفية، يقول: (. . . إننا مجبرون منهجيًا على الانطلاق من ساحة الحداثة العقلية والفكرية؛ لأن الحداثة أضافت مشاكل جديدة لم تكن تطرح سابقًا، وافتتحت منهجيات جديدة تتيح لنا توسيع حقل المعرفة دون إدخال يقينيات دوغمائية، تعسفية، هذا هو الشئ الجديد فعلًا، وهنا يكمن جوهر الحداثة) (٣). وغير خاف على كل ذي عقل أن كل صاحب عقيدة أو فكرة أو ملة يستطيع أن يصف عقيدته وفكرته وملته بهذا الوصف، ما دام أن القضية في ميدان الادعاء والدحض العرية من أي برهان، وعلى هذا فجوهر الحداثة حسب كلام أركون ليس جوهرًا بل مجرد دحروجة نتنة فرح بها الجعلان فراحوا يدحرجونها بأفواههم. - أمَّا البياتي فإنه يعبر عن هذه الديانة الجديدة تعبيرًا رمزيًا، يخاطب فيه الأتباع المحاكين بصورة أولية، ثم يخاطب غيرهم بصورة ثانوية، وهو في هذا الخطاب يظهر في قالب فرعوني مستكبر، متعالٍ متغطرس، كما يفعل أدونيس وقباني، يقول البياتي تحت عنوان "الشعر يتحدى":

стр. 2142

(سأنفخ الرماد في عيونكم وأدلق الخمر على جباه كباركم: يا أيها السادة، يا أشباه. . . الشعر لا تطاله أوامر النقاد، الشاعر في رؤياه يقودكم، سأمانَ، من أنوفكم عبر التعاسات ولا يقاد كالحصان في سراه فلتخفضوا يا سادتي الجباه) (١). - وبلغ بهم الحال في تصوير شمولية الحداثة أن أوصولوا الشاعر إلى درجة النبوة، والحداثة إلى درجة الديانة، يقول يوسف الخال في بيانه الشعري الذي يقول عنه بعضهم: (صدور بيان يوسف الخال كان بالتأكيد العلامة البعيدة لهذا الوعي الغربي المغاير كان ذلك ٣١ يناير كانون الثاني ١٩٥٧ م بعد سنتين من عودة يوسف الخال من أمريكا التي كان سافر إليها في ١٩٤٨ م) (٢). يقول الخال في بيانه: (إن الشاعر الذي يصل فى قصائده إلى النبوة هو الذي يعرف كل شيء ولا يعرف، هو الذي يقول ولا يقول، هو الذي لا يكون في العالم رغم أنه موجود فيه، هو الذي يكشف لنا أكثر الحقائق قوة دون أن يكون متأكدًا منها. . . الشاعر وحش يقف ضد كل شيء ويهدم حتى نفسه عندما يجد ذلك ضروريًا. . . إن حلم القصيدة في كل العصور هو حلم التجاوز، وترسيخ دين جديد لا يفرض تعاليم جديدة وإنّما يجعلنا نعرف أنفسنا والعالم الذي نعيش فيه بدون كلمات) (٣).

стр. 2143

ولو ذهبت استعرض أقوالهم فى هذا الصدد لطال الكلام، وفيما ذكرته كفاية للدلالة على المراد. القضية الثانية: اعترافهم بالتبعية للغرب: لقد استفاض ذلك عنهم، وثبت ثبوتًا لا يقبل الشك والمراء، بل وصل بهم الحال إلى حد التفاخر بالتبعية، ولولا أنني نقلت ذلك في مواضع من هذا البحث، وأشرت إلى المراجع العديدة، لكنت أثبت هنا من كلامهم ما يؤكد هذه القضية (١). وصفوة القول إن القوم قد انغمسوا إلى آذانهم في تقاليد ومحاكاة الغرب، والتبعية الفكرية والسلوكية لمذاهب الغرب ونظمه وأخلاقه. وقضية الارتماء في أحضان الغرب قضية عادية مسلم بها عند الحداثيين والعلمانيين، بل ومفتخر بها، إلّا أن بعضهم -مع إقراره بالتبعية- يبحث عن المسوغات، ويلتمس المبررات ويأتي بالفذلكات الكلامية، والتأويلات اللفظية لإضفاء مشروعية لهذه التبعية. وبعضهم يمعن في المغالطة فيزعم أنه لا يوجد هناك شرق وغرب بل هناك حضارة إنسانية واحدة!! وثقافة عالمية موحدة، فليس هناك -حسب زعمهم- ما يجب الاحتياط ولا الحذر؛ لأنه لا يوجد في الواقع شيء يسمى الغزو الفكري!!. وهذه الأقوال من جنس الادعاءات الحداثية الكثيرة، وما أكثر الدعاوى في هذه الملة!!، حتى أنه من الممكن أن تسمى "مذهب ذوي الادعاء". وإلّا فكيف يقول عاقل بأنه لا يوجد غزو فكري، ولا توجد تبعية ومذهبهم أتى من هناك، ورموز هذا المذهب من هناك وامتداده الفكري، والدعم المعنوي والمادي كله من هناك؟، وقد شهد بعض الحداثيين والعلمانيين بذلك، مستنكرين هذه التبعية العمياء، ولكن على استحياء، حتى

стр. 2144

لا ترميهم الكثرة الكاثرة من الحداثيين بالتقوقع والانعزال!!. يقول أحدهم: (يؤثر كثيرون "من الشعراء" عدم الكتابة إلّا انعكاسًا كليًا لمرآة الحداثة الغربية، واذ نعترف بأن الغرب اليوم يقدم لنا غالبية عناصر الحداثة الأدبية الشعرية، فإن الانقياد والانمحاء الكلي أمام نماذجه يجرداننا من تكوين لغاتنا الشعرية الخاصة) (١). ويقول الماركسي اللبناني حسين مروة منتقدًا التبعية للشق الغربي من أوروبا وساكتًا أو مدافعًا عن التبعية للشق الشرقي من أوروبا "الماركسية" على وجه الخصوص: (لقد كنا في لبنان مصابين بانتشار ألوان من الأدب والفن الانحلاليين، وكان معظم أدبائنا وفنانينا متأثيرين بالمؤسسات الأجنبية والمدارس الفرنسية في الأدب والفن والفلسفة، من رمنطيقية وسوريالية وانطباعية ووجودية، يقلدونها جميعًا، ويتعصبون لها، ويقفون بوجه الحركة الواقعية في الأدب) (٢). فهو يعترف بتبعية زملائه للغرب وارتمائهم المهين في أحضانه، ويدافع عن تبعية أخرى "الواقعية الاشتراكية" التي كانت اللسان المعبر عن الكتلة الشيوعية الماركسية والتي كان حسين مروه من أنشط مروجيها ودعاتها الحزبيين والفكريين، وكانت مجلة الثقافة الوطنية المنبر الذي تصرخ منه حناجر الماركسيين. وعلى كل حال فإن تبعيتهم للغرب بشقيه اللبرالي والماركسي لا تحتاج إلى بيان وتوضيح وشواهد فهي من الجلاء والوضوح بمكان لا لبس فيه ولا غموض، ومن مقتضيات هذه التبعية، ما نجده في كتابات وممارسات العلمانيين والحداثيين، في الجوانب السياسية والاقتصادية، موضع الحديث في هذا الفصل.

стр. 2145

القضية الثالثة: محاربتهم للحكم الإسلامي والدعوة إلى تحكيم غيره وهو ما سبق الكلام عنه مستقلًا في الفصل الثاني من الباب الرابع من هذا البحث. فهم لا يرضون باللَّه ربًا ولا بالإسلام دينًا ولا بمحمد ﷺ نبيًا، وليس ببعيد على قوم أنكروا وجود اللَّه أو شككوا فيه، وأنكروا ألوهية اللَّه ، وجحدوا الثوابت أو ارتابوا فيها، وجحدوا الوحي ونفوا المعاد، ليس ببعيد عليهم أن يكونوا ألد الأعداء لشريعة الإسلام، وللدين الحنيف. ولقد فاضت أفواههم ببغض هذه الشريعة وما تخفي صدورهم أكبر، دعوا إلى محاربة تطبيق الشريعة، وزعموا أنها ضد التقدم والتحرير والنهضة، فنادوا بأبعادها من الواقع ضد الذين يدعون إلى تطبيق شرع اللَّه. ودعوا في مقابل ذلك إلى تحكيم الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، أو الماركسية والاشتراكية، واجتهدوا في وضع الدساتير والأنظمة الوضعية الجاهلية. وجملة القول أنهم رفضعوا حكم اللَّه أصلًا، وزعموا أنه لا يلائم العصر، وأنه لا يُمكن اعتماد الإسلام نظامًا للحكم، وزعموا أنه سبب للتخلف وعائق عن التقدم، وأنه لا تحرر فيه بل هو ضد الحرية، وزعموا أن أحكام الشريعة بشرية من صنع البشر وليست إلهية، ودعوا لفصل الدين عن الدولة لأنهم يرون أن إخضاع الدنيا للدين مشكلة وكارثة. وسخروا بأحكام الإسلام، وقالوا بوجوب تفسيرها تفسيرًا عصريًا وتطبيقه تطبيقًااَ علمانيًا، إلى غير ذلك من المواقف والتي يتجلى منها موقفهم العدائي تجاه الإسلام وتحكيم شريعته، وهذا الموقف مما يكاد يتفق عليه جميع الحداثيين والعلمانيين ومنه تتجسد انحرافاتهم في القضايا السياسية والاقتصادية. وأوجه انحرافاتهم في القضايا السياسية والاقتصادية كثيرة أظهرها: ١ - دعوتهم إلى تطبيق النظم السياسية والاقتصادية الجاهلية، وإخضاع الأمة لها.

стр. 2146

٢ - الانتماء لأعداء الإسلام والمسلمين، والعمالة لهم، وتمجيد رموزهم السياسية، والدعوة لمشروعاتهم. الوجه الأول: دعوتهم إلى تطبيق النظم السياسية والاقتصادية الجاهلية، وإخضاع الأمة لها: من ثمرات التأثر السلبي في عقائد المستغربين من أبناء البلاد الإسلامية، أن انصاعوا لمقتضيات تلك العقائد التي تأثروا بها، وانساقوا في مجرى المشروعات المنبثقة عن تلك العقائد الجاهلية ذات الجذور الوثنية أو الكتابية المحرفة. إن نتاج الأفكار والتصورات في الواقع من الأمور الحاصلة والمشاهدة، ولا يجحد ذلك إلّا جاهل أو مغرض، والناظر في أصول اعتقادات الحداثيين والعلمانيين يجد أن دعوتهم إلى تطبيق النظم السياسية والاقتصادية غير الإسلامية، والسعي في إخضاع الأمة لهذه النظم، من الأمور المتصورة عقلًا، والموجودة واقعًا. والناظر في الأطروحات السياسية والاقتصادية لأهل الحداثة يجد كل شيء سوى الإسلام، بيد أن أظهر المذاهب التي يحومون حولها هي: ١ - الليبرالية الغربية ممثلة في الديمقراطية، والرأسمالية. ٢ - اليسارية ممثلة في الماركسية والاشتراكية. وعندما كان الاتحاد السوفيتي دولة قائمة ترعى الاتجاه اليساري اتجه معظم الحداثيين العرب إليه، فعاشوا وداروا في فلكه زاعمين أنهم بذلك يقاومون "الامبريالية" الأمريكية والأوروبية فكانوا كمن فر من الرمضاء إلى النار. سلبتهم الماركسية دينهم وعقولهم، وأحيتهم في دوامة الأوهام، وغرتهم بالأماني الباطلة، والأحلام الزائفة، وراحوا يجرون لاهثين خلف سراب الوعود والدعايات الإعلامية السوفيتية، وانعجنوا في الجدلية والطبقية،

стр. 2147

والتفسير المادي للحياة، وخادعوا أنفسهم أولًا ثم طفقوا يخادعون غيرهم بنشر المادية الجدلية والاشتراكية العلمية -حسب تسمياتهم- وكلما ظهرت عورة من عورات الشيوعية في أي بلد حكمته، انبروا يدافعون، مكذبين الحقائق مؤكدين الأكاذيب، حتى صدقت عليهم وعلى مذهبهم تسمية "مذهب ذوي العاهات" (١). اتخذوا موسكو وبكين وبلغراد وبرلين قبلة لهم، وزعموا أن الحكم والنظام فيها هو أفضل وأحسن ما وجد على وجه الأرض، وأن البشرية لا يُمكن أن تسعد إلّا بدخولها "جنة الماركسية"!! وطال نعيقهم في إطراء الدول التي حكمت بالماركسية والاشتراكية. مفرداتهم تدور حول ما قاله ماركس ولينيين من أمثال: أزلية المادة وأبديتها، وأسبقيتها في الوجود على الفكر، والطبيعة الخالقة الموجدة، والجدلية الديالكتيكية، وصراع الأضداد، وقوانين المادة هي التي تحكم الحياة، والتطور عملية حتمية لا تتوقف، وأنها ممتدة إلى كل شيء، كما أن حكم الشيوعية مرحلة حتمية لا يُمكن أن تتخلف أو تتأخر، وأن كل شيء من التاريخ إلى الواقع ومن الجماد إلى الإنسان خاضع للأسس المادية الجدلية، التي تمتد إلى الدين والأخلاق والأسرة والمجتمع، ورددوا قائلين أن كل القيم والأخلاق والسلوكيات والأديان ليست إلّا مجرد انعكاس للوضع المادي والاقتصادي، وأنه لا توجد قيم ثابتة تحكم التطور، وأن التطور هو الذي يغير القيم كلها كلما تغير الوضع المادي والاقتصادي، وانطلقت أفواههم بالسخرية من الدين وأحكامه وتشريعاته وأخلاقه، وبدا حنقهم واضحًا وثورتهم عظيمة على الدين وسائر رموزه، وتنافسوا في هذا الميدان أقبح منافسة، مع سخرية بالحق والعدل والخير ومعاييرها، والقول بخضوع الناس للحتميات المادية والاقتصادية والتاريخية، واعتبروا عدوهم اللدود بعد الدين والأخلاق الملكية الفردية، فسعوا في حربها بشتى أنواع المحاربة، وإذا أرادوا نبز أحد بسوء وصفوه بالدين أو الأخلاق أو الملكية

стр. 2148

الفردية، وأقفلوا كل أبواب الإصلاح السياسي أو الاجتماعي إلّا عن طريق إلغاء الدين والأخلاق والملكية الفردية، إلغاء باتًا لا هوادة فيه ولا مثنوية. وفي دعوة هؤلاء الأتباع لتطبيق النظرية الماركسية في السياسة والاقتصاد قاموا بكل ما يستطيعون القيام به، من ثورات وانقلابات عسكرية كما حصل في السودان وجنوب اليمن، ومن دعوات دعائية نضالية ثورية كما حصل في جميع الأحزاب الشيوعية العربية التي أشرف على تأسيسها ورعايتها بل وقيادتها ثلة من اليهود (١).

стр. 2149

وكان الشيوعيون من أبناء البلاد الإسلامية أشد شيوعية من الروس أنفسهم، وأعتى، وأشد غلوًا، وكانت دعواتهم السياسية والاقتصادية تقوم على إلغاء الملكية الفردية وإحلال الملكية الجماعية بدلًا منها، علمًا أن كثيرًا منهم كان يتمتع بحياة فردية مرفهة، وملكية فردية إقطاعية. ودعوا إلى إلغاء الطبقات بإقامة ديكتاتورية البروليتاريا وإبادة الطبقات الأخرى، وكان بعضهم يعيش حياة طبقية مترفة. ودعوا إلى كفالة الدولة لجميع المواطنين في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالًا ونساءً، مع تبنيهم قضية المساواة في الأجور، وتطبيق مبدأ من كل بحسب طاقته ولكل بحسب حاجته، وزعموا أنهم يسعون إلى إلغاء الحكومة في المستقبل وإقامة مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة. الحكومة عندهم هي المتصرف الوحيد، واللجنة المركزية هي قلب الحكومة، وللحكومة واللجنة إدارة الملكية العامة بدلًا من الأفراد والمجتمع، ولكي تقضي الدولة على الطبقية فلابد أن تتولى كل السلطات في يدها وتقبض على الأمور بقبضة من حديد، وهي التي تكفل كل فرد، وعلى كل فرد من الرجال والنساء أن يعمل ومن لا يعمل لا يأكل، والدولة أو قل الحزب الشيوعي بل اللجنة هي المالك الوحيد والمسيطر الوحيد على الإنتاج والعمل والتسويق والسياسة والثقافة وكل شيء. هذه نظرتهم ودعوتهم وأسس عقيدتهم السياسية والاقتصادية، وقد عاشت هذه الفكرة عيشة التناقض في النظرية والتطبيق، منذ أول نشاتها كفكرة وعقيدة، ومنذ أول نشأتها تطبيقًا وممارسة بالثورة البلشفية عام ١٩١٧ م/ ١٣٣٥ هـ.

стр. 2150

فقد كانت الشيوعية تمر بتغيرات جوهرية من عهد إلى عهد، والناظر في عهود الحكام الروس من لينين إلى جورباتشوف يجد البون الشاسع الهائل ليس في القشرة والأسلوب بل في الجوهر والمضمون بين حقبة وأخرى. ومع ذلك تجد الاتباع الأغرار، مرضى العقول والقلوب، يدافعون ويبحثون عن التأويلات الباردة والتبريرات الخائبة. وقد انكشفت عورات الأنظمة الماركسية من زمان نشأتها وقوتها وتمكنها (١). فإلغاء الملكية الفردية وإحلال الملكية الجماعية كانت مجرد أسطورة فقد تحولت الأموال والملكيات إلى أعضاء الحزب الشيوعي وأعضاء اللجنة الماركسية، وتفانوا في تصفية بعضهم ليحوز كل منهم أكبر قدر من الأموال والملكيات. أمّا الدولة حامية حقوق الضعفاء والكادحين -حسب زعمهم- فقد أضحت كابوسًا ثقيلًا باستبدادها البشع، وظلها المرهف، وفتكها المتواصل. فما من بلد حكمته الشيوعية إلَّا وأصبح الإنسان فيه مسحوقًا والكرامة الإنسانية فيه معدومة، فجو الإرهاب الدائم الذي تمارسه الأنظمة الشيوعية على الشعوب تحت حجج المحافظة على النظام والأمن ومكافحة الامبريالية والأعداء أضحى السمة المميزة لهذه الأنظمة، وجو الجاسوسية المظلم من أبرز الظواهر التي انصبغت بها هذه الأنظمة المادية الظالمة، حتى أصبحت الشعوب المحكومة بالشيوعية تعيش أزمات الثقة الحادة، حين لا يأمن الوالد

стр. 2151

ولده ولا الزوج يأمن زوجته ولا الأخ يأمن أخاه. وأصبح الأخذ بالظنة والمعاقبة بمجرد التهمة من الأعمال العادية التي تمارسها هذه الأنظمة المستبدة، ويكفي تقرير سري من مخبر ليكون سببًا في فصل الإنسان من عمله والتضييق عليه في رزقه أو سجنه، أو حتى قتله، ضمانًا لاستمرار النظام من المؤامرات السرية!!، وكم شهدت المعتقلات والمشانق وصحارى الثلج في سيبريا من إرهاب وظلم طال ملايين البشر، ووصلت آثاره إلى سائر طبقات الشعب الذي لم يبق له من شعور سوى شعوره بالظلم والهوان والحرمان. أراد هذا النظام زيادة الإنتاج من خلال نزع الفردية، ومن خلال القوة والإكراه، فكانت النتيجة أن تردى الإنتاج كيفًا وكمًا. وحين اكتشف الشيوعيون ذلك حاولوا علاج المشكلة بتمليك الفلاحين جزءًا من المحاصيل لأنفسهم والدار التي يسكنونها وأدواتها وأثاثها، وفي هذا تراجع صريح عن مبادئ الشيوعية التي لم تستطع بكل وسائل القهر أن تجعل الملكية الجماعية بديلًا للملكية الفردية ذات الخاصية التحفيزية الفطرية في نفس كل إنسان. أمَّا زعمهم في إنشاء مجتمع غير طبقي بإلغاء جميع الطبقات سوى طبقة العمال "البروليتاريا" فقد نجحوا في إلغاء طبقة الإقطاعيين والأثرياء، وجعل الجميع فقراء، لقد أنجزوا إنجازًا ضخمًا حين جعلوا الغني فقيرًا والفقير أشد فقرًا!!، والطبقة التي برزت من بين هؤلاء جميعًا هي طبقة "الحزب" التي تتكون من عدة طبقات أعلاها اللجنة المركزية، وأدناها العضوية العادية، هذه الطبقة امتلكت جميع مميزات الطبقات الاقطاعية، سواء في الامتلاك أو في نوع المعيشة أو في النفوذ والسلطان. فالشعب يعيش حياة الكدح والفقر، في مساكن جماعية ودورات مياه مشتركة، وحياة مادية ضئيلة النفقات، مرصودة الحركات، في حين أن عضو الحزب يتمتع بالسكنى المتميزة والنفقات المتميزة والنفوذ والحماية، وكلما ترقت درجته الحزبية زادت امتيازاته.

стр. 2152

فإذا كان الشعب الروسي -مثلًا- يتكون من مئتين وستين مليونًا من البشر، والحزب الشيوعي يتكون من خمسة ملايين، فإن معنى ذلك أن هذه الملا يين الخمسة هي الطبقة المتميزة المحظوظة -على درجات مقعالية من الحضوة والحظ- أمّا البقية فإنها ليست سوى مجموعة من القطع البشرية التي لا وزن لها ولا قيمة ولا كيان، تعيش تحت طائلة النظم العسكرية الحديدية التجسسية، التي بلغت من السوء والبشاعة والاستخفاف بالإنسان ما يكاد يعد من الخيال. ومع ذلك تسمع التشدق بحقوق الإنسان ورفعة الإنسان في ظل الأنظمة الماركسية، ويزيدون الطين بلة حين يزعمون أنهم يمثلون "الديمقراطية" الحقيقية (١)، وأنهم يدافعون عن الطبقات الكادحة والشعوب المضطهدة!!. لقد كدح الفقراء تحت حكم الماركسية أشد الكدح ونالوا أقل الجزاء، في حين استمتع غيرهم "بفائض القيمة" لأنهم من الحزب الوحيد الحاكم الذين ينال أفراده كل أسباب الرفاه والمتعة من عرق الكادحيين، يسكنون القصور، ويأكلون الأطايب ويعالجون بالأدوية المستوردة، ويتنقلون في السيارات الفارهة، أمّا طبقة العمال والكادحين فيسكنون الأكواخ أو المجمعات السكنية البئيسة، ويأكلون ويشربون الأردى ومن خلال القطّارة الحزبية، ويعالجون بالأدوية المحلية الرديئة ويتنقلون في سيارات النقل العام ويعملون كالآلات ثم يعودون إلى الغرق في حماة الخمر والجنس. على أن أبشع أوجه البشاعة في هذه الأنظمة الشيوعية المستبدة أنه لا يستطيع أحد أن يقول كلمة نقد واحدة في الزعيم أو في الحزب أو في النظام، فمن فعل ذلك فله الويل والثبور، والقتل أيسر السبل للتخلص من هذا العنصر الشوير!! ولا يضاهي ذلك عندهم إلَّا أن يضبط أحدهم متلبسًا بالدين!!.

стр. 2153

وكم أهلكوا من الشعوب المسلمة في سيبريا، بسبب إسلامهم، وقد قتل ستالين في عهده ثلاثة ملايين ونصف من المسلمين لما طالبوا بحرية ممارسة حياتهم الإسلامية. ومع كل هذه الحقائق الواقعة والثابتة والتي شهد بها من عايش الشيوعية ومارسها، ونشأ في أجوائها وتقلب في بلدانها (١)، إلَّا أننا نجد أن أتباع الماركسية والاشتراكية من الحداثيين يدافعون عنها ويكذبون الحقائق ويدعمون الأباطيل، يتغنون برموز الظلم والفساد والانحراف، ويتباهون بالتقدمية الماركسية التي هي عين الانحطاط والهوان، ويتشدقون بالعدالة والحرية التي لا وجود لها أصلًا في واقع أي بلد حكمته الشيوعية، وعندما كانت الشيوعية في أوج طغيانها وظلمها وفسادها، وخاصة في حقبة الستينات والسبعينات الميلادية كان أتابعهم من أبناء البلاد الإسلامية في أوج نشاطهم اليساري، ونضالهم الشيوعي حتى لا تكاد تجد حداثيًا شهيرًا إلا وهو ينتسب إلى الزمرة الماركسية أو يحوم حولها في فلك اليسارية الذي دارت فيه الأحزاب القومية كالناصرية والبعثية، وحركة القوميين العرب، التي أخذت من الماركسية البشعة أبشع وأخبث ما فيها، وبقي القوم يلهثون في هذا المضمار، ويتنافسون في إظهار شيوعيتهم أو يساريتهم، ويتسابقون إلى الغوص في المستنقع المادي الماركسي الاشتراكي الدنس، وإذا أراد أحدهم أن يظهر في رداء العالمية، أو تطلع أن يوصف بالتقدمية استخدم الأسماء والرموز والمضامين الماركسية في تقديس كامل، وتحدث عنها بإجلال وإكبار وتمجيد ومدح مفرط. وبقوا على هذا المنوال حتى انكشفت عورات الماركسية للعالم كله، وانفك الطوق الحديدي، وانقشع الغبار الدعائي، وبدأ العمال -الذين جاءت الشيوعية باسمهم ولأجلهم- يظهرون تذمرهم وغضبهم على الأنظمة الماركسية، بالتظاهرات والإضرابات، ومن البدايات التي حصلت في هذا

стр. 2154

السياق اضطرابات عمال بولندا عام ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م التي تواصلت في صراعها ضد النظام الماركسي حتى قامت الانتخابات الحرة في ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م التي أنهت الحكم الشيوعي الذي دام خمسًا وأربعين سنة (١). وفي هذه الحقبة تولى ميخائيل غورباتشوف حكم روسيا في عام ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م وكان البنيان الشيوعي قد ظهر تصدعه فأراد إعادة البناء وسعى لترميم الجدران المتهالكة وأدخل تعديلات جذرية تمس الأصول الاعتقادية الماركسية، وانتقد الممارسات والخلفيات الفكرية الماركسية، ودعا إلى إدخال إضافات جديدة في النظام الاقتصادي وأسلوب الحكم، فكانت "البيروسترويكا" أو إعادة البناء التي أطلقها غورباتشوف هي القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد انهدم البناء، وتداعت أركانه وتفكك الاتحاد السوفيتي في ٦ سبتمبر ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ (٢)، وأعلنت الجمهوريات التي كانت منضوية تحته الاستقلال الكامل عنه، وتسابقت بما فيها روسيا الاتحادية إلى الانضواء تحت الرداء المادي الآخر رداء الديمقراطية الغربية، وتحول أبناء الماركسية الذين عاشوا في أحضانها ونشأوا على أفكارها، تحولوا إلى النظرية المعاكسة تمامًا، وراحوا يلعنون ويشتمون الشيوعية ويكشفون عيوبها، ويظهرون للعالم كله الحقائق التي كانت تغطيها الدعاية السوفيتية بأغاليطها وأكاذيبها، وبدأت تنهار الأنظمة الماركسية في البلدان الأخرى، واحدة تلو الأخرى، وما إن أحس الناس وخاصة العمال والكادحين بخفة ضغط الطوق الحديدي حتى ثاروا وانتقموا، ومن أظهر الأمثلة على ذلك ما حدث في رومانيا وإثيوبيا وألمانيا. وكان اليساريون العرب في بداية الأمر يفركون عيونهم غير مصدقين، أو غير مريدين التصديق لأنهم يرون ويسمعون دوي انهيارات الدين الذي طالما اعتنقوه.

стр. 2155

وبدأ بعضم يناضل على الطريقة الشيوعية المعهودة، ويدعي أنها مجرد أزمة وتزول، أو أنها اجتهادات تطويرية داخل الماركسية، خاصة بعد أن ظهر كتاب غورباتشوف "البيروسترويكا" إعادة البناء (١)، الذي أقر فيه صراحة وضمنًا بفساد السلوك السياسي والاقتصادي في الدولة السوفيتية، ودعا إلى الحوار مع الآخرين بدلًا من الصراع الذي هو أساس العقيدة الشيوعية، ودعا إلى الحوافز المادية والسوق الحرة والملكية الفردية، وغير ذلك من الدعوات المناقضة تمامًا للعقائد والماركسية (٢). وفوجيء الأتباع في البلدان الإسلامية بانهيار الاتحاد السوفيتي والدول الدائرة في فلكه، فأصابتهم الفاجعة، وبدأوا يذوبون أو تذوب مفردات الماركسية والتقدمية، فسكتوا تمامًا بعد مرحلة الدفاع أيام البروسترويكا، وتحول معظمهم إلى الجانب الآخر المتناقض تمامًا، إلى الليبرالية الغربية وانتقل الرفاق الثوار إلى غربيين ديمقراطيين ليبراليين برغماتيين، بين عشية وضحاها. أمَّا القضية المحورية في العالم الإسلامي "قضية القدس وفلسطين" فقد كانت دولة الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بدولة اليهود المسماة "إسرائيل"، وكان قبل قيام دولة البلاشفة في عام ١٣٣٥ هـ/ ١٩١٧ م التقى لينين بالزعيم اليهودي الصهيوني حاييم وايزمن في مدينة زوريخ السويسرية، وبحضور كارل راديك والكاتب الصهيوني جاك ليفي والبروفسور اليهودي النمساوي مولير فاندسيم العضو في الحركة الاشتراكية والبروفسور اليهودي البولندى دافيد هارن، وذلك في عام ١٣٣٤ هـ/ ١٩١٦ م وعقدت سلسلة من الاجتماعات بين لينين ووايزمن في منزل الصناعي اليهودي دانيال شوين بحث فيه المخطط الثوري الاشتراكي الماركسي لهدم القيصرية في روسيا، وبحث أيضًا المخطط اليهودي للشرق الذي وضعته لجنة من زعماء

стр. 2156

الاشتراكيين اليهود الأوروبيين في النمسا عام ١٣٢٥ هـ/ ١٩٠٨ م، وهو المخطط الذي يهدف إلى فتح أبواب الشرق للشعب اليهودي ليستقر في فلسطين ويؤسس دولة له هناك (١). وقد اتفقا على مجموعة من الخطوط الاستراتيجية العامة منها إن فتح أبواب الشرق واستقرار اليهود في فلسطين يتوقف بالدرجة الأولى على تدمير الدولة العثمانية (٢). ولما دخل لينين إلى روسيا مع لفيف من رفاقه الروس والبولنديين كان في عدة آلاف من اليهود الذين فروا من الجيش الروسي القيصري في انتظاره، وذلك في سنة ١٣٣٥ هـ/ ١٩١٧ م وكانت المصارف اليهودية والأثرياء اليهود قد قدمو الأموال لترسيخ أقدام اليهود في الثورة اللينينية الناشئة حتى وصل كثير منهم إلى موضع القيادة. وقد استطاع زعماء الحركة الماركسية اليهود أن يتغلغلوا داخل هذه الدولة الجديدة وأن يضعوا الخطوات العملية للاستفادة من وجودها، وكانوا من واضعي الطوق الحديدي لعزلها عن العالم الخارجي (٣)، ولم يكد يمر العام الثاني على مولد الدولة الماركسية في روسيا حتى باشرت اللجنة التي شكلها لينين برئاسة تروتسكي بتنفيذ المخطط المتفق عليه مع وايزمن وقادة الحركة الصهيونية اليهودية، وأول ما قامت به دولة البلاشفة لتحقيق طموح اليهودي إقامة دولة يهودية في فلسطين على أساس اشتراكي ماركسي أنها أوفدت اثنين من اليهود هما "جاك شابيليف وراوول كارنبورغ" لإنشاء حزب ماركسي يكون قاعدة لنشر المبادئ الاشتراكية الماركسية في المنطقة، وبالفعل تألف الحزب الماركسي في فلسطين، سنة ١٣٣٧ هـ/ ١٩١٩ م، ومنه تسللت تعاليم كارل ماركس إلى الأقطار العربية المجاورة، وفي غضون سبع سنوات ثم تأليف أربع أحزاب ماركسية في مصر سنة ١٣٣٩ هـ/ ١٩٢١ م، وفي سوريا

стр. 2157

سنة ١٣٤٢ هـ/ ١٩٢٤ م، وفي لبنان سنة ١٣٤٣ هـ/ ١٩٢٥ م، وفي العراق سنة ١٣٤٥ هـ/ ١٩٢٧ م، ثم أرسلت موسكو في سنة ١٣٣٨ هـ/ ١٩٢٥ م إلى فلسطين "جابوتنسكي" اليهودي الشيوعي، الذي كانت مهمته تقوم على تدريب الشباب اليهود لحماية المهاجرين اليهود، واغتصاب الأراضي، وأمد البلاشفة في موسكو اليهود الروس بالمال لشراء الأراضي لتوطين اليهود الذين سيفدون من روسيا على عدة مراحل إلى فلسطين، وبعثت موسكو بعثة من اليهود لدراسة الأراضي وطافت البعثة جميع أرجاء فلسطين ودرست أوضاعها وأنواع أتربتها ووضعت تقريرها بالاشتراك مع خبراء الوكالة اليهودية، وحملته إلى لينين وتروتسكي مع مجموعة من الخرائط، وقامت موسكو بتشجيع هجرة اليهود من روسيا إلى فلسطين، ففي الفترة من ١٣٣٩ هـ - ١٣٥٨ هـ/ ١٩٢١ م - ١٩٣٩ م هاجر نحو ١٦٥ ألف يهودي بينهم مجموعة من الضباط وصف الضباط الذين حاربوا في صفوف الثورة البلشفية، إضافة إلى ٢٨٠ ألف من أوروبا الشرقية، وقد نشرت هذه الحقائق كلها في كتاب "إلى أرض الميعاد" للبروفسور "زاندا" الذي نشر في براغ سنة ١٣٥٦ هـ/ ١٩٣٧ م وكتاب "من ستالين إلى وايزمن" لمؤلفه "أرماند سنيتر" الذي نشر في باريس عام ١٣٥٨ هـ/ ١٩٣٩ م، وفيه يبين أن الأموال التي تدفقت على اليهود لشراء الأراضي وإنشاء المستعمرات والقرى لتوطين اليهود في فلسطين، كانت نسبتها حتى عام ١٣٥٨ هـ/ ١٩٣٩ م كما يلي: الاتحاد السوفيتي ٤٠ %، أوروبا الشرقية ٢٨ % وأوروبا الغربية ١٦ % والولايات المتحدة ١٩ % وأمريكا الجنوبية ٤ % (١). أمَّا الدعم بالأسلحة فحديثه طويل مترامي الأطراف (٢)، أمَّا المواقف السوفيتية في هيئة الأمم فكانت في حقيقتها لصالح اليهود، ففي أول معركة سياسية خاضها العرب في هيئة الأمم المتحدة في ٢٨ نيسان ١٩٤٧ م/ ١٣٦٦ هـ ركزت الكتلة الشيوعية، بزعامة المندوب السوفيتي "غروميكو" حملتها على نقطة رئيسية قوامها انتزاع اعتراف بشرعية الكيان اليهودي في

стр. 2158

فلسطين، وفي محاضر هيئة الأمم كلام غرميكو وزميله التشيكي التي يطالبون فيها بصراحة الاعتراف بحق لليهود في فلسطين، وأن الشعب اليهودي خلق ليعيش حرًا كغيره من الشعوب، وعلى هيئة الأمم أن تحقق لهم رغباتهم في الاعتراف بحقوقهم في فلسطين (١). ولما عرض مشروع قرار التقسيم في أيلول ١٩٤٧ م/ ١٣٦٦ هـ أيدت الكتلة السوفيتية المشروع بحماس شديد، ودافعت عنه بقوة حتى أقر في جلسة ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ م/ ١٣٦٦ هـ (٢)، وفي ربيع سنة ١٩٤٨ م/ ١٣٦٧ هـ هدد الاتحاد السوفيتي باستخدام القوة لصيانة الأمن وحماية الدولة اليهودية (٣)، واعتبرت الدولة الماركسية أن تدخل بعض الدول العربية لنجدة الشعب الفلسطيني غزوًا خارجيًا، وصرحت بأنها ستلجأ إلى استخدام جميع الوسائل لمعونة الشعب اليهودي وحماية حقوقه في فلسطين (٤). ولا جدال في موقف المعسكر الغربي بزعامة بريطانيا ثم أمريكا في إيجاد دولة اليهود وحمايتها، ولكن الغش والتدليس الذي مارسته الماركسية من خلال دعاياتها ومن خلال الأحزاب الماركسية التابعة لها في البلدان العربية أظهرت الأمور على عكس الحقيقة، ودلست وبررت. وإذا أخذنا أصل نشأة هذه الأحزاب، وأنها نشأت على يد اليهود، كما سبق بيانه، ثم إذا نظرنا إلى الزعامات اليهودية التي سيطرت على هذه الأحزاب، والأقليات الأخرى من الأرمن والآشوريين واليونان ونصارى

стр. 2159

العرب، كل ذلك يوصل إلى النتيجة الحتمية في أن هذه الأحزاب كانت أداة لتنفيذ المآرب اليهودية في المنطقة. وقد تمسكت الأحزاب الشيوعية العربية بالمواقف السوفيتية وأعلنت -تبعًا لروسيا- قبول قرار التقسيم، بل دافع الماركسيون العرب عن هذا القرار واعتبروه قرارًا حكيمًا!!، وكان ممن أعلن تمسكه بهذا القرار وبسائر المواقف السوفيتية المؤيدة في حقيقتها لليهود، والمخادعة في ظاهرها للعرب، كل من الحزب الشيوعي الأردني (١)، وفرعه المسمى التنظيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية (٢)، والحزب الشيوعي التونسي الذي كان في حقيقته أحد فروع الحزب الشيوعي الفرنسي (٣)، والحزب الشيوعي السوداني (٤)، والحزب الشيوعي السوري اللبناني (٥)، والحزب الشيوعي العراقي (٦)، والحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كان أكثر أعضائه من اليهود منذ نشأته، وكانت مواقفه المؤيدة لليهود وللدولة العبرية من أصرح المواقف وأجلاها (٧)، وقد عملت الانقسامات عملها في هذا الحزب، وكان مما خرج من تحت هذا الحزب: حزب "راكاح" "القائمة الشيوعية الجديدة" بقيادة "مائير فلينر" وانضم إليه مجموعة كبيرة من العرب الماركسيين وخاصة شعراء الحداثة المعروفين بشعراء الأرض المحتلة وأشهرهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم (٨)، والحزب الشيوعي المصري بسائر أقسامه المنشقة عن بعضها مثل "ايسكرا" "الشرارة" و"تحرير الشعب" و"حدتو"

стр. 2160

و"الراية" و"حزب العمال الثوريين" و"الحزب الشيوعي المصري الموحد" وغيرهم ممن كان في دائرة الفلك السوفيتي، وضمن المخطط اليهودي ليونس "هنري كورييل" وشندي "هيلل شفارتز" أو مارسيل إسرائيل (١)، والحزب الشيوعي المغربي المؤسس على يد مجموعة من الشيوعيين الفرنسيين واليهود المغاربة، والذي تحول اسمه إلى حزب التقدم والاشتراكية (٢). وحركة القوميين العرب التي أسسها بعض طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت أبرزهم جورج حبش "النصراني الماركسي الفلسطيني" ووديع حداد وهاني الهندي والكويتي أحمد الخطيب، وقد أعلنت هذه الحركة تبنيها الماركسية اللينينية وأسهمت الحركة في تكوين الجبهة القومية في اليمن وهي التي فرخت النظام الماركسي في عدن وحضرموت، والجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي التي تفرعت إلى الجبهة الشعبية في البحرين وجبهة تحرير ظفار وعمان، وقد كانت هذه الحركة الماركسية تضم في عضويتها مجموعة من الحداثيين والعلمانيين العرب وخاصة من دول الخليج واليمن (٣). وقد كانت هذه الحركات مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسياسة "الكومينترن" (٤) التي كانت توجه الأحزاب والأفراد توجيهًا مركزيًا لمصالح الاتحاد السوفيتي، وقد نشأت الأحزاب الشوعية الشيوعية العربية

стр. 2161

في ظل هذا المناخ، وتحولت إلى أداة لتنفيذ مآرب السوفييت الأعلى، إضافة إلى تغلغل اليهود والأرمن واليونان وغيرهم من الأقليات ذات النفوذ المباشر والقيادي والفعال، وفي داخل هذه الأحزاب، وفي أجوائها نشأت وترعرت الكوادر الحداثية اليسارية (١)، وسارت في الدرب الماركسي أبعد ما يكون السير حتى إنه ليصدق عليهم القول بأنهم: ماركسيون أكثر من السوفييت (٢). أمَّا الشق الثاني من المادية الغربية والذي تهاوى على دبقه الشطر الآخر من الحداثيين، فهو: "الليبرالية الغربية" بشتى أطروحاتها ونتاجاتها الاعتقادية والسياسية والاقتصادية.

стр. 2162

ماذا نسمع اليوم من أرباب الحداثة والعلمنة سوى اللهج الدائم بالديمقراطية والتأكيد المستمر في تقديس هائم على غرار قول عبد الرحمن منيف: (الديمقراطية أولًا، الديمقراطية دائمًا) (١). أمَّا سواقط الجراب الغربي الليبرالي من المذاهب الفكرية والأدبية فلابد أن تجد لكل واحد منها دعاة ورعاة من أبناء البلاد الإسلامية، من الحداثيين والعلمانيين. ومن أمثلة ذلك "الوجودية" (٢) و"السوريالية" (٣) و"البنيوية" (٤) و"البرناسية" (٥) و"البرغماتية" (٦) و"الرومانسية" (٧) و"الشخصانية" (٨) و"الواقعية" (٩) و"الوضعية" (١٠) وغيرها من الفلسفات والمذاهب الغربية التي انخرط في سلكها المستغربون، أهل التحضر والعصرية والتقدم والنضهة والتنوير!! كما يطلقون على أنفسهم، وعلى عقولهم المستطرقة ونفوسهم المستعبدة.

стр. 2163

لهجوا بالديمقراطية لهج الوثني بصنمه، واعتبروها المنقذ الوحيد لكل آلام البشرية وأدوائها. هذه الكلمة التي اعتبووها بلسمًا لكل داء، وشفاء لكل مرض، وطريقًا لأي تقدم. "الديمقراطية" كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين هما "الشعب" و"السلطة" ومعناها طريقة الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب بحيث يكون الشعب هو الرقيب والمشرع بواسطة نوابه، وتعتبر الرأسمالية بتفرعاتها العديدة الوجه الاقتصادي للديمقراطية الليبرالية، كما أن الديمقراطية الليبرالية هي الوجه السياسي للرأسمالية. وقد أخذ الغرب هذا النمط من الإغريق، بعد أن عاش ما يزيد عن ألف عام في ظل الامبراطورية الرومانية والقانون الروماني المتسم بالإقطاعية والظلم الذي تؤيده الكنيسة (١) ويحميه رجال الدين، حيث لم يكن للناس مع الإقطاعيين الذين يسمون النبلاء والأشراف ورجال الدين أي وجود إنساني إلَّا كونهم مجموعة من القطع الآدمية اللاصقة بالتراب حيث لا حقوق لهم ولا كرامة، ولا منزلة، وعليهم كل الواجبات والعقوبات. وفي أجواء هذه المظالم انفجرت الثورة الفرنسية، التي قامت على فلسفة وتراث الإغريق والرومان، حيث ارتدت إلى الوراء تبحث عن شيء يحل مشكلاتها وينظم حياتها بديلًا عن الإقطاع والدين، فوقع اختيارهم على "الديموقراطية" حيث تكون الطبقة المسحوقة "طبقة الشعب" هي الطبقة الثائرة التي تسعى إلى المشاركة في الحكم والسلطان، ويتحول المال من الإقطاعيين ليصبح رأسمالٍ في أيدي الطبقة الجديدة، "الطبقة الرأسمالية" التي بدأت تزدهر بعد تحول الإنتاج من القطاع الزراعي إلى القطاع الصناعي بعد اختراع الآلة، وكانت هذه الطبقة الجديدة هي الأداة المناسبة في الثورة الجديدة التي بدأت بالثورة الفرنسية تحت الشعارات التي وضعتها الماسونية

стр. 2164

اليهودية لهذه الثورة وهي "الحرية والإخاء والمساواة" ليتحقق لليهود ما يطمحون إليه من مآرب. وبعد نضال طويل بين الديمقراطية والأوضاع السابقة لها استمر قرابة قرن من الزمن استقرت الديمقراطية على شكلها الراهن في أوروبا وأمريكا. وبناء على التفاعلات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوروبا ظهرت الديمقراطية، فهي إذن نبتة ملائمة للطينة الأوروبية، متفاعلة مع أجواء أوروبا، مرتوية من مائها، ضاربة الجذور إلى اليونان. وحين استقرت الديمقراطية على شكلها الراهن تمحورت حول قضيتين، الأولى: إشراف الشعب على أعمال الحكومة، بحيث تكون له الرقابة الكاملة على تصرفاتها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والتربوية. الثانية: إعطاء الشعب كل حقوقه، ومنحه الحرية في الأعمال والتصرفات ومنح كل فرد هذا الحق ما دام "مواطنًا". وكلمة مواطن ومعناها الراهن من المصطلحات التي استحدثتها الديمقراطية، تحت الشعار العلماني "الدين للَّه والوطن للجميع" فأصبح المواطنون جميعًا متساويين -نظريًا- في جميع الحقوق والواجبات. وكان من هذه الحقوق حق التنقل بحرية، وحق العمل المقرر نظريًا، والمعاق عمليًا بكثرة العاطلين والمتشردين ومحترفي اللصوصية والإجرام والمخدرات، وحق العمل هذا -رغم قوانينه العادلة نظريًا- بعيد عن الأسس الإنسانية والأخلاقية؛ لأنه إنَّما قام للقضاء على الأوضاع الإقطاعية ولتحقيق أكبر قدر من الربح بأي وسيلة من الوسائل، وأقربها وأيسرها، تطويل ساعات العمل وخفض الأجور، وطرد العامل من عمله إذا لم يقم بالعمل المطلوب منه. ولذلك قامت النقابات العمالية، ثم استعملت الإضراب وسيلة للحد من جشع الرأسماليين، الذين يلجأون بدورهم إلى جيوش العاطلين لتشغيلهم بأجور زهيدة مستغلين حاجتهم وفقرهم، ثم لجأوا إلى تشغيل المرأة بنصف أجر الرجل، وعلى إثر ذلك حدث للمرأة ما حدث من اختلاط وضياع

стр. 2165

وفساد، ثم تفجرت قضية مساواة المرأة في الأجور، واستمرت لتصبح دعوة لمساواتها بالرجل في كل شيء. ونشأ من هذه الأوضاع المتأزمة بين أصحاب رؤوس الأموال والعمال نفسية عداء وصراع متواصلة، وعداوات متوالية انعدمت معها معاني الإنسانية والتراحم. ومن الأمور التي جاءت بها الديمقراطية بعد كفاح مرير "حق التعلم" حيث كان هذا الحق مقصورًا على السادة والنبلاء والأشراف وسائر طبقات الإقطاعيين وأبناء علية القوم، أمَّا سائر الشعب فيعيش في جهالة تامة وأمية كاملة، وبعد صراع طويل استطاعت الديمقراطية وبعد حقبة من الزمن أن تفرض حق التعلم للرجال أولًا ثم بعد فترة للنساء، وكان بعد ذلك ما كان من تدرشى الفلسفات المادية والإلحادية واختلاط البنات بالأولاد وغير ذلك. وتعتبر الحقوق السياسية، أبرز الحقوق الديمقراطية وأظهرها حق الانتخاب وحق الترشيح وحق الاحتجاج وحرية الكلام وحرية الاجتماع، وما يتبع ذلك من حقوق الإشراف على الحكومة وتوجيهها ونقدها والاعتراض على أعمالها. كل ذلك حق مثبت -نظريًا- لأي مواطن. كما أن هناك مجموعة من الضمانات التي نادت بها الديمقراطية أشهرها: "ضمانة الاتهام" ومقتضاها ألّا يؤاخذ أحد إلَّا بدليل، ولا يعاقب إلّا ببرهان، وأن الأصل في المتهم البراءة حتى تثبت تهمته، فلا يحبس أو يوقف إلَّا بمقتضى حقيقية تستوجب ذلك. ومنها "ضمانة التحقيق" ومقتضاها ألّا يكره المتهم على الاعتراف، ولا يستخدم معه أي أسلوب من أساليب الضغط لحمله على الاعتراف، سواء بالترهيب أو الترغيب أو الاستدراج. ومنها "ضمانة الحكم" ومقتضاها أن يحكم على المتهم بالعقوبة

стр. 2166

المقررة قانونًا بلا زيادة، ومن حق المتهم النقض والاستئناف. ومنها "ضمانة التنفيذ" بحيث تنفذ العقوبة المقررة من المحكمة دون زيادة. ومنها "ضمانة المحاكمة" كإقامة المتهم من يدافع عنه "المحامي" ويدفع أجرته إن كان يملك ذلك، أو تدفع المحكمة ذلك، ومن حق المتهم أن يمتنع عن الإجابة على أي سؤال يوجهه إليه القاضي ومن حق المحامي منع -بحكم معرفته بالقانون- موكله من الإجابة على سؤال تضره إجابته، ومن حقه استدعاء الشهود الذين يرى أن شهاداتهم تنفعه في قضيته، وحق طلب التاجيل والاستئناف. وتعتبر هذه الحقوق والضمانات اليوم من مقاييس التحضر الإنساني وهي جديرة بان تكون كذلك (١)، لو سارت على وجهها الصحيح وكانت على أسس من الإيمان. بيد أن الديمقراطية وأشياعها من المستغربين تعيش مآزق قاتلة توشك أن تأتي على بنيانها من القواعد، والذي يهم في هذا المجال الإشارة إلى قضيتين أساسيتين: القضية الأولى: أن الديمقراطية الغربية بسائر فروعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية نشأت على جذور من الوثنية الإغريقية، والمادية الإلحادية، وهذه النشأة جعلت هذه الفكرة مبتوتة الصلة بالروح والإنسانية والقيم العليا والأخلاق الفاضلة؛ ذلك لأنها عديمة الصلة بالإيمان بل معادية أشد العداء للإيمان باللَّه والآخرة. ومن هذا المنطلق تكون الديمقراطية وجهًا آخر للمادية الماركسية ولكن في صورة ملطفة، فالماركسية تضرب الدين وأهله بقفاز من حديد، والديمقراطية تفعل ذلك ولكن بقفاز من حرير.

стр. 2167

وما التشاحن الظاهر بين الديمقراطية والماركسية إلَّا على الكيفيات والسبل، وإلّا فهم جميعًا في مستنقع الوثنية والمادية. أمَّا شهادة بعضهم ضد بعض فهي كما قال اللَّه تعالى عن أسلافهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١)، فقد صدق كل فريق فيما قاله عن الآخر وإن كان كاذبًا فيما يدعيه لنفسه من فضيلة وخير وامتياز. ويُمكن للمطلع على النقد الماركسي الموجه إلى الديمقراطية الغربية والرأسمالية والليبرالية أن يجد أشياء عديدة مما صدقت فيه الماركسية في نقدها للديمقراطية الغربية، كما تجد العكس. وإذا أردنا أن نقوم الديمقراطية من أساسها ومنطلقها فلننظر في العقيدة التي أنبتت عليها، ولننظر من المعبود الذي يوجه ويشرع ويحكم في هذه الملة الحديثة؟. وقضية من المعبود ليست قضية هامشية ولا غيبية مجردة، بل هي قضية أصيلة من صميم احتياج الإنسان، وعليها يتوقف مصير الإنسان في الدنيا بدرجة أكبر وأخطر مما يظنه الماديون وأتباعهم. ويتفرع من قضية "من المعبود؟ " قضية أخرى تضاهيها في الأهمية والمنزلة والمكانة وهي "من المشرع؟ " التي قامت من أجلها الثورات التاريخية والصراع الإنساني الطويل؛ بسبب المظالم التي تقع من المشرعين الذين يشرعون لأجل مصالحهم، ومصالح طبقتهم وأعوانهم، فيثور المضطهدون لرفع هذا الظلم. والظلم هو طابع الجاهلية التي يشرع فيها البشر للبشر، ذلك أن المجتمع الجاهلي لابد أن ينقسم بطبيعته إلى فئتين: سادة في يدهم القوة والحكم والنفوذ والسلطان والمال والتشريع والتنفيذ، وعبيد يقع عليهم النفوذ والسلطان وينفذ فيهم التشريع.

стр. 2168

المشرع الحقيقي في الديمقراطية الليبرالية كما في أي جاهلية لا تحكم بشرع اللَّه: هم البشر، ثم هم طبقة معينة من هؤلاء البشر، لهم مصالح معينة ومطامع معينة وأهواء عديدة، لا تتحقق بصورتها التي يريدونها إلَّا على حساب الآخرين. الحاكم الحقيقي في الديمقراطية الليبرالية هو "الرأسمالية" التي بيدها زمام التحكم في كل شيء فهي تملك وتحكم وتشرع وتنفذ، وإن كان الحكم والتشريع في المؤلفات النظرية والدعاية الإعلامية هو "الشعب". "الرأسمالية" التي يتحكم في زمامها اليهود عباد الذهب والمال، هي التي تدير مسرحية "الديمقراطية" هي "المشرع" الحقيقي، هي التي تضع التشريعات للمحافظة على مصالحها، على حساب مصالح الناس الذين خدعوا بالشعارات، وانساقوا بعد عملية التلاعب بأفهامهم وعقولهم في هذا الميدان مصفقين مبتهجين كما قال الشاعر: (هي الشاة تتبع جزارها … وتنسى ببرسيمه ثارها تباع وتشرى من الذابحين … وتجهل في البيع أسعارها يجرجرها الحبل في عنقها … الذليل فتحسبه غارها ترى مدية الذبح مصقولة … تضيء فتكبر أنوارها) (١) حقيقة أن الرأسماليين في الغرب هم السادة والمشرعون والمنفذون لا يكاد يجهلها أحد، والشعب "العبيد" يعلم ذلك، ولكن هذه الحقيقة صيغت لهيم بصورة مخادعة، حتى أصبحت أمرًا مسلمًا به لا نكير فيه، ولا مخالف له، إلّا أقل القليل من العقلاء الأحرار الذين لا أثر لهم ولا صوت. لقد استخف أصحاب الأموال "الرأسماليون" من اليهود وغيرهم بالناس فأطاعوهم فاستعبدوهم كما أخبر اللَّه تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤)﴾ (٢).

стр. 2169

صحيح أن العبيد في ظل الديمقراطية الليبرالية هم في أحسن حال وجد فيه العبيد في أية جاهلية من جاهليات التاريخ بسبب طبيعة الرأسمالية الحرة، التي عجز أصحابها عن تحقيق الربح والمآرب الأخرى إلَّا عن طريق إعطاء قسط محدود من الحرية. ولكن هذا لا يغير من حقيقة أنهم عبيد ينفذون بطوعهم أوامر الأسياد، ويمثلون الدور المطلوب منهم على خشبة المسرحية الديمقراطية. وكل حكم بغير شرع اللَّه -مهما تسمى من أسماء واتخذ من شارات- هو في الحقيقة يقسم الناس إلى أسياد وأرقاء، إلى أرباب يشرعون ويحكمون وينفذون ما حكموا به وعبيد يطبق عليهم الحكم والتشريع وينفذون ما طلب منهم. ولا خلاص من هذه الهاوية إلَّا بالعبودية الخالصة الكاملة للَّه تعالى، العبودية التي منها تنبثق حرية البشر، وبها تلغى الطواغيت والأرباب ويتحرر الناس من العبوديات المختلفة والمتشاكسة، ليكونوا عبيدًا للَّه وحده دون سواه. أمَّا كيف أصبحت الرأسمالية هي المعبود والمشرع والحاكم والمنفذ والمتحكم، فتلك قصة طويلة، أهم مقاطعها كما يجري في الواقع اليوم: تقول الديموقراطية إن الفرد حر حرية كاملة، يتخذ قراره دون ضغط وإكراه، ويعبر عن رأيه بحرية تامة، ويدعو لرأيه بكل ما يستطيع من وسائل الدعاية، ويختار المرشح الذي يمثله في البرلمان الذي يشرف على أعمال الحكومة ويهيمن على تصرفاتها، هكذا تقول الدعاية الديمقراطية (١)، وحين نتأمل الحقيقة، ونرى من الذي يصوغ لهذا الفرد أفكاره؟ من الذي يشكل "الرأي العام" الذي يوجه هذا الفرد لاتخاذ قراره؟ واختيار مرشحة؟. إن الذين يقوم بذلك "وسائل الأعلام" من صحافة وإذاعة وتلفاز وسينما وأفلام ومراكز بحث ومؤلفات، فمن الذي يملك وسائل الإعلام؟ إنها الرأسمالية.

стр. 2170

وبيد من رؤوس الأموال، البنوك والمصانع والتجارة؟ إن جلها بيد اليهود، كما هو معروف مشهور، إذن الذي يملك رأس المال هو الذي يملك وسائل الإعلام، وهو الذي يؤثر في الرأي العام. وامتلاك الرأسماليين لوسائل الأعلام عديدة، منها الملكية المباشرة للصحف ودور النشر والإذاعات ومحطات البث التلفازي المحلي والعالمي، ووكالات الأنباء، ودور السينما. ومنها الامتلاك غير المباشر من خلال تقديم الدعم للصحف ومحطات التلفاز، في صورة مساعدات وهبات وإعانات، أو في صورة شراء صفحات للإعلان، وبذلك تغطي الصحيفة والمحطة عجزها المالي المحتم، وتربح أرباحًا طائلة. ويكفي رفع الدعم أو امتناع الشركات والمؤسسات المالية والصناعية عن الإعانات أو الإعلانات يكفي ذلك في الاجهاز على أية صحيفة أو محطة، تخرج عن إدارة أصحاب رؤوس الأموال، ولا بأس عندهم أن تحدث بعض المناوشات السطحية والانتقادات القشرية، التي لا تصل إلى جوهر الحقيقة وعمق القضية، بل هذا أمر في صالح المسرحية الديمقراطية. فإذا كانت وسائل الإعلام التي تشكل الرأي العام واقعة تحت هيمنة الرأسمالية إلى هذا الحد فإن من البديهي أن تصوغ الرأسمالية الأفكار والتوجهات وفق إرادتها ومصلحتها، أو على الأقل بما لا يتعارض مع المصالحة الحقيقية للرأسماليين. فإذا أراد أصحاب مصانع التبغ ترويج نتاج مصانعهم فإنه لا يُمكن أن يقف أحد أمام ذلك، لا الأطباء ولا المرضى ولا منظمة الصحة العالمية، ولا الشعب الذي يجلب له الدخان كل الأمراض والعلل القاتلة، ولا الدول التى تخسر من جراء معالجة المرضى بسبب التدخين ملايين الدولارات. فإعلانات الدخان أشهر وأقوى الإعلانات، ومن باب المخادعة والضحك على ذقون البشر، ولتمرير المسرحية "الليبرالية" يكتبون تحت الإعلان المشوق سطرًا صغيرًا "التدخين سبب رئيسي لأمراض السرطان" أو "التدخين يضر بصحتك ننصحك بالامتناع عنه" ونحو ذلك.

стр. 2171

لماذا أراد الرأسماليون من تجار السلاح، وغالبهم من اليهود، كما هو الواقع، وكما أخبر اللَّه عنهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (١) تحريك المصانع الحربية فانهم يحركون وسائل الإعلام لتنشر أخبارًا قصيرة مثيرة تثير عند الرأي العام -المعروف بأنه غافل- شيئًا من التطلع والانتباه، ثم تزيد وسائل الإعلام في طول الخبر، وتأتي بتفاصيل تزيد من لهيب التطلع من خلال عناوين الإثارة، ثم تصبح القضية الهاجس المستمر بالمقالات والمقابلات والتحليلات والندوات، ثم يشد حبل الإثارة، ثم تأخذ الصحافة في استطلاع "الرأي العام" الذي صنعته ووجهته وسائل الإعلام، فإذا الرأي العام متحمس!! إذن لابد من مطالبة الدولة بالتحرك التي جرى التأثير عليها أيضًا، وأصبحت تحت ضغط التأثر والتحرك الجماهيري، ويتحرك النواب لتحفيز الحكومة وتحريكها وتبدأ في الإعداد ثم تنطلق شرارة الحرب، ويباع السلاح وتتحرك مصانع أصحاب رؤوس الأموال "وغالبهم من اليهود" وتتحرك المآرب الخفية من وراء الحرب، وتتحقق الأهداف المطلوبة من وراء "المشروع" (٢). وهكذا نرى كيف يُتلاعب بالعقول في تلك المجتمعات، ويُوجه "الرأي العام"، وتصنع قناعات الناس بصنع "العقل الجمعي". إن ملايين البشر هناك يعيشون بلا رأي محدد ولا انتماء معين، وإذا كانت هذه هي طريقة تشكيل الرأي العام الذي يجري في الدول الليبرالية، فكيف تكون الديمقراطية هي حكم الشعب؟!. (فالحياة في أمريكا مثلًا إنَّما تقودها الصفوة التي فيها، وليسوا الذين نراهم يصفقون في المسابقات التلفزيونية، ولا الذين يتسكعون وتدمرهم المخدرات، بل هم نخبة) (٣) من أساتذة الجامعات، وأعضاء مراكز البحوث،

стр. 2172

ومديري الشركات الكبيرة، ومديري البنوك، ووكلاء المخابرات الداخلية والخارجية والأعضاء الحاليين والسابقين في الكونجرس، وكبار القضاة والمحامين، وعناصر المافيا، ورؤساء النقابات، ورجال البيت الأبيض وعشرة في السيتي بنك وتشارتر بنك، وتسعة في مقر أرامكو، وثمانية في دهاليز بنك النقد الدولي، وسبعة من رؤساء تحرير الصحف، وستة من رؤساء الجمعيات اليهودية والماسونية، وبقية المائتي مليون يعيشون على هامش الحياة، همهم البطون والجنس، وتجدهم بين رفوف السوبرماركت أو أمام التلفزيون، أو في زاوية من مطاعم ماكدونالدز. إن خمسين ألفًا فقط هم الذين يوجهون مسيرة أمريكا الحضارية سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا وعسكريًا ونفسيًا والبقية تتبع، وهذا هو الشأن في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد السوفيتي والصين واليابان والهند) (١). إن الإنسان العادي الذي يسمونه "رجل الشارع" الذي منه يتكون الشعب، مشغول بأحواله المعيشية الخاصة عن النظر والتدبر في الأمور العامة، وتكوين رأي مستقل فيها، وذلك لسببين: أحدهما عام لا يختص ببيئة معينة ولا سن معين وهو أن الأغلبية الساحقة من الناس لا تحب أن تشغلى نفسها بالأمور العامة، ولا تستطيع الصبر على متابعة أحوالها المتنوعة والمتغيرة، ولا على التعمق فيها، وليس لديها الوسائل المعينة لها على ذلك من معلومات ودربة وطول تفقه وتدبر، وإحاطة بالأسباب والنتائج فتترك هذه الأمور لفئة معينة من الناس وتكل إليها هذه المهام الشاقة. والسبب الثاني: خاص بطبيعة الجاهلية عمومًا وطبيعة الليبرالية الديمقراطية على وجه الخصوص وهي التي يشرف عليها ويوجهها اليهود. تتمثل هذه الخاصية في التلهية الدائمة لرجل الشارع، التلهية التي ينفق عليها أصحاب القرار من يهود ورأسماليين ملايين الدولارات، لإشغال الناس "الشعب" بأمور معاشهم ثم انشغالهم بأمور اللهو والاستمتاع، ليتفرغ أصحاب النفوذ والقرار لأمورهم ومشروعاتهم ومخططاتهم، دون تدخل أو

стр. 2173

حتى تنغيض من الجماهير المخدوعة، والملبس عليها باللعبة الكبيرة لعبة الديمقراطية، التي جعلت من هذه الوسائل غاية تتهافت عليها قطعان الشعوب المخدوعة بشعارات "الحرية". السينما تقذف بالأفلام والمسارح تغص بالزوار، وحلبة الرقص، وأفلام الجنس، والنزهة بين الأصدقاء والصديقات، والحفلات الجنسية، والمسابقات الرياضية، ومسابقات ملكات الجمال، والأغاني الصاخبة ونوادي العراة، وجماعات الشاذيين والشاذات وغيرها وغيرها من الملهيات والمفسدات كلها تقوم بالدور التخديري للقطعان البشرية التي تزدحم على هذه الموارد وتشرب منها شرب الهيم، في جذل وسرور، وهنا تربح الرأسمالية -أو قل اليهودية- أرباحًا مركبة: تربح المال الذي ينفقه الهائمون في تيه اللهو والفساد من أبناء الدول الديمقراطية!!، وتربح إفساد "الأميين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (١) وتربح تلهيتهم عما يدور حولهم، ليخطط المخططون وهم في مأمن كامل عن يقظة "الشعب" المحكوم من قبل هذه الأقلية المتحكمة. هذا هو حال الديمقراطية على الحقيقة، فأين هو "الرأي العام" الحقيقي الذي يوجه السياسة في الدول الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية؟ صحيح أن هناك نوابًا وهناك برلمان يقول فيه النائب كل ما يريد أن يقول: ولكن من هم النواب في الواقع؟ وكيف يصلون إلى البرلمان؟. وهل يتاح لأي إنسان أن يصل إلى البرلمان ويوجه الأمور من هناك، كما تقول النظرية الديمقراطية؟. لابد أن يدخل النائب المعركة الانتخابية، وهو في حاجته إلى تكاليف عالية لا يقدر عليها إلَّا الأغنياء، فلابد أن يكون غنيًا أو يبحث عمن يتحمل عنه الأعباء الباهضة للمعركة الانتخابية، فلابد من حزب، والحزب لابد له من ممولين وهنا تعود الحبال مرة أخرى وبصورة أكثف إلى أيدي

стр. 2174

الرأسماليين "ولا ينبغي أن ننسى اليهود" ذوي المكر والدهاء والعنصرية وعبادة المال. فإذا دخل الإنسان الحزب فإنه يصبح إنسانًا آخر؛ لأنه لكي يصبح "محترفًا" في عالم السياسة فعليه أن يكون مع حزبه، مع برامجه وخططه وأهدافه، التي سبق أن تعهد بها للممولين وجماعات الضغط، للرأسماليين، ولليهود على وجه الخصوص، فإن كان الحزب في سدة الحكم فهو ملتزم بتأييد الحكومة في كل تصرفاتها وبالدفاع عنها، سواء كان مقتنعًا في نفسه بالتأييد أو الدفاع أو كير مقتنع، وإن كان حزبه خارج الحكم فهو ملتزم بمعارضة الحكومة سواء كان مقتنعًا بالمعارضة أو غير مقتنع بها، وإن كان مستقلًا عن الأحزاب، فلابد أن يسعى في تحقيق رغبة مموليه، واستجلاب رضاهم، ولذلك تسمع الدعايات الانتخابية الكبيرة، وتسمع شعارات العدل والإنسانية والمبادئ، فإذا وصلوا إلى الحكم تصرفوا وفق رغبة الرأسماليين وجماعات الضغط، ولطالما سمع الناس هناك نقد الأحزاب المعارضة للحزب الحاكم، فإذا وصلت إلى الحكم سلكت ذات السلوك الذي كان تنتقده هذه الأحزاب، نعم هناك من الأحرار من يصل إلى البرلمان ويقول قولة الحق وينقد بمحراحة ويطالب بحقوق أصحاب الحقوق، ولكن كم عدد هؤلاء؟ وما هو ثقلهم في المجالس النيابية؟. إن القرارات تؤخذ بالتصويت، وهنا تضيع أصوات القلة من الأحرار وأصحاب المبادئ والمواقف في الخضم الهائل من أصحاب المنافع والأهواء، أضف إلى ذلك أنه تتشكل في داخل المجالس النيابية مجموعات ضغط متكتلة، فأين يكون مثل هذه الأقلية النادرة من الأحرار؟ إن دخلوا في الكتل ذابوا، وإن انعزلوا عنها ضعفوا؟. وهكذا تمضي الديمقراطية في لعبتها الكبيرة ومسرحيتها الضخمة، فأين إذن حكم "الشعب"؟ وأين هي"حرية الرأي"؟. وقد يجد بعض الذين يستشعرون الظلم والاضطهاد تحت أنظمة الاستبداد أن الديمقراطية -حتى وهي بهذه الحالة من التلاعب الخداع- خير

стр. 2175

من الاستبداد والظلم الصريح، ولكنهم يغفلون أو يتغافلون عن الأصل الاعتقادي الذي تقوم عليه الديمقراطية، ويغفلون عن أن الوصول إلى تطبيقها كاملة كما هي في الغرب اليوم يحتاج إلى نضال طويل وجهاد مستمر، كما فعلت أوروبا، وخير من هذا وذاك أن تلتزم الأمة بعبادة ربها بتطبيق شرعه، وأن تبذل جهدها ونضالها في سبيل تحقيق المنهج السليم من الأهواء والأغراض والأدواء، بدلًا من بذل الجهد في سبيل تحقيق "الديمقراطية" بكل عاهاتها وأمراضها التي لا تفتأ تزداد مع تقدم الزمن. نعم توجد حرية في النظم الديمقراطية، ولكنها في قضية الحكم والتشريع حرية ملجومة بلجام في أيدي السادة "الرأسمالية" كما سبق بيانه، أمَّا الحرية الحقيقية التي تتيحها للشعوب فهي "الحرية الشخصية" والتي تعني حرية الإلحاد وحرية الفساد الخلقي التي يلتقي في تأييدها والدفاع عنها الجميع: الحكام والمحكومون، الرأسماليون والفقراء، والأحزاب التي تحكم وأحزاب المعارضة!!. أي أن الحرية هناك حرية موجهة، فحين تمس مصالح الرأسمالية وجماعات الضغط وخاصة "اليهود" فلا حرية على الإطلاق، ويكفي -مثلًا- أن يطلق على شخص من الهائمين بالحرية وصف المعاداة للسامية ليكون ذلك سببًا في القضاء المبرم عليه وعلى مستقبله. أمَّا حين تكون الحرية حرية الفساد والإفساد والكفر والإلحاد، فتلك حرية مطلقة لا قيود عليها ولا حدود لها على الإطلاق، ولذلك أصبح من البدهيات أن تجد وتسمع كل أنواع الانحرافات الخلقية، والسلوكيات الجنسية متاحة بكل أنواعها إلَّا الاغتصاب؛ لأنها تقع بالقوة لا بالرضي، وحتى لو كان فعل الزوج مع زوجته من غير رضاها فهو عندهم اغتصاب!!، أمَّا بقية أنواع السلوكيات الجنسية فإنها من الحرية!!، الشذوذ، أندية العراة، الاختلاط الداعر، بل يُمكن القول بأن الغابات والحدائق العامة والمنتزهات مسارح لكل ألوان السلوك الجنسي فضلًا عن الفنادق والمنازل والنوادي، وقد سبق تفصيل بعض أحوالهم الخلقية والاجتماعية في الفصل
следующие страницы →