وإلى الريح وجه اللَّه العريان) (١).
ويقول عبد العزيز المقالح في قصيدة بعنوان "البرجوازي":
(احذروه. . . إنه يبدو عطوفًا ورقيقًا
وهو قد يظهر أحيانًا لأيام رفيقًا
ويناجي اللَّه في صمت ويدعوه طليقًا
ثم لا يلبث كالشيطان -كفرًا- أن يفيقا
فيبيع اللَّه والإنسان والحب العميقا) (٢).
ويقول:
(يكاد النهار على أفقهم أن يموت
ويحتضر اللَّه والعقل خلف معابدهم
في البيوت) (٣).
ويقول:
(تحت جلدي تعيشين نبكي معًا ونصلي نجوع
ونعري، نجدف في اللَّه والشعب يضبطنا عسس الليل) (٤).
ويقول محمد الماغوط (٥):
(يا رب
стр. 282
أيها القمر المنهوك القويّ
أيها الإله المسافر كنهد قديم
يقولون أنك في كل مكان
على عتبة المبغى، وفي صراخ الخيول
بين الأنهار الجميلة
وتحت ورق الصفصاف الحزين
كن معنا في هذه العيون المهشمة
والأصابع الجرباء
أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر) (١).
ويقول:
(إنني أعد ملفًا ضخمًا
عن العذاب البشريّ
لأرفعه إلى اللَّه.
فور توقيعه بشفاه الجياع
وأهداب المنتظرين
ولكن يا أيها التعساء في كل مكان
جُلَّ ما أخشاه
أن يكون اللَّه أميًّا) (٢).
ويقول محمد الفيتوري:
стр. 283
(لا شيء لكي أكتب كلمة
فالكلمة في شفة اللَّه.
واللَّه على الأرض سجين) (١).
ويقول أيضًا:
(عندما غسلتني المحبة
أبصرت في وجهها اللَّه.
حدقت في مقلتيه المفرغتين
من الشمس والحلم
حتى تساقط نصف القناع) (٢).
ويقول ممدوح عدوان في تهكم واضح:
(فسبحان من خلق الطاعة البشرية
سبحان من صنع العظم مثل العجين
مطيعًا لكل القوالب
صاغ الدموع بكل المقاييس
سبحان من جعل العنق صالحة للمشانق
والأمن منسجمًا مع عتم الجون
وأنشأ للكفر ناطحة للسحاب
وأنشأ أقبية في بلادي
وسبحانه
стр. 284
كيف أخفى معاجزه عن عيوني
فلم أتعجب
سوى خلقه للجمال
ورفع السماء بلا عمد
كن. . أكن. . لا تكن) (١).
ويقول أيضًا:
(ويباغتني اللَّه في نعمة
تنتقي صفوة القوم
كيف أصدق أن لدى اللَّه نبع حنان
ولا يتطلع يومًا إلى قهرنا
ولا يرى البشر الساكنين زرائب
والآكلات بأثدائهن بلا شبع
حيث صنعة العهر أمان من الفقر
والموت جوعًا
وكيف تغافل كي لا يرى الآكلين النفايات
في مدن من مناسف
لا يسند القلب في ضعفه
تحت عبء الهموم
إلهي الذي قيل لي إنه صاغني مثله
كنت أرغب لو صغته شبهي
стр. 285
كنت أسكنته وطنًا
يتفنن كيف سيبكيه في كل يوم
يشكك في خلقه
ويطالبه أن يصفق للظلم. . .) (١).
إلى أن يقول:
(فتبارك هذا الإله
الذي كان يرفض أن يتمرغ في عيشنا
لم يكن يتقن اللعب فوق المزابل
لم يعرف السير في قسوة الوعر
لم يعرف النوم جوعًا
ولم يعطنا ما يواجه هذا البلاء
ها هو اللَّه يأتي أخيرًا
على هيئة الطير
ينقر أرواحنا. . .) (٢).
إلى آخر هذا الكلام الخبيث المليء بالاستهزاء والسخرية باللَّه الخالق العظيم.
ويقول أحمد دحبور (٣):
стр. 286
(على القناة علامة
ودم على الجولان
وأسأل: أين وجه اللَّه.
تأخذني كواكب سبعة وتعيدني مئة) (١).
ويقول:
(أنشد راحة نفسي فأفتح المذياع:
"والتفت الساق بالساق
إلى ربك يومئذٍ المساق"
فليبارك الرب لهاثنا وآثامنا الضرورية
بمزيد من الظلام الضروريّ) (٢).
ويقول محمد علي شمس الدين (٣) في ديوانه غيم لأحلام الملك المخلوع:
(احتفال بمجيء الليل
"فطم" احتفلت بمجيء الليل
أخذت زينة نهديها
وتعرت لتصير أشد نقاء من قلب اللَّه) (٤).
وكلامهم الخبيث النجس من هذا النوع كثير، أكثر من قدرتي على إحصائه، وأوسع من حيز هذا البحث، وفي الشواهد السالفة ما يدل بجلاء
стр. 287
على مقاصد هؤلاء في تحطيم الدين ومحو آثاره من النفوس وتدنيس أجلِّ وأعظم شيء في عقيدة المسلمين.
وقد اتخذوا ذلك منهجًا وأساسًا من أسسهم، ومحورًا من أهم المحاور التي انبثقت منها حداثتهم وإبداعهم، وهذا ما يطلقون عليه أحيانًا تدنيس المقدس، وأحيانًا أخرى يسمونه نقل المقدس إلى الحقل الإنسانيّ، في شبكة من الإلحاد والكفر والشرك والباطنية والنصرانية والإباحية الخلقية والعلمانية الحكمية إلى آخر سوءات هذا الاتجاه.
ونقل المقدس إلى الحقل الإنساني عنوان عريض كبير أدخلوا تحته كل ألوان انحرافاتهم وكفرهم الصريحة والمبطنة (وهكذا تطلع الشعر والنص الإبداعيّ عامة إلى النهوض بالدور الفلسفيّ والفكريّ والاجتماعيّ وبالدينيّ أو الأسراريّ. . . وإذا كانت الحداثة حركة تصدعات وانزياحات معرفية قيمية؛ فإن واحدًا من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراريّ من مجال العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش، وإذا كان جبران يشكل إنجازًا مهمًا على هذا المستوى من حيث إقامة المصالحة بين الغيبيّ والإنسانيّ عبر تداخل الدلالات، واستعارة اللغة المقدسة للزمنيّ، فإن ديوان أغاني مهيار الدمشقيّ قد شكل أول انقلاب بين العالمين ونقل المقدس إلى الحقل الإنسانيّ، ولابد من القول في هذا المجال أن ديوان "لن" لأنسي الحاج قد أسعهم في تجريح المقدس ورفع لواء العصيان البشريّ وإقامة لغة التجديف، غير أن مهيار يصوغ التجديف بلغة تبني الدينية الضدية، وترسم إله الدمار والتفكك، وتؤسس لانقلاب القيم ومواقع المقدس، هذا الانزياح علامة تاريخية كبرى. . .) (١).
وفي هذا النص وفي الشواهد التي قبله من التوضيح والصراحة ما يكفي في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بانهماك الحداثيين في هذه اللغة الإلحادية،
стр. 288
بل وإفحام الأتباع الذين يدافعون عن الحداثة ويقسمونها إلى أقسام يُمكن أخذ بعضها ورد البعض الآخر، إذ أن (النواة الأساسية "للحداثة" (١) التي أبقت عليها هي إسقاط القداسة عن كل شيء، لم يعد هناك شيء خالد قدسيّ أبديّ لا في عالم الفكر ولا في عالم المادة. . .) (٢).
هذا هو المراد الحقيقي، والمنهل الذي يردون عليه ويصدرون عنه، وهذه هي أهم معالم انحرافاتهم فيما يتعلق باللَّه تعالى وجودًا وربوبية.
• • •
стр. 289
الفصل الثاني الانحرافات المتعَلِّقَة بالألُوهِيَّة
الألوهية: لفظ مشتق من الإله وهو المألوه الذي يَوْلَهُ إليه الخلق في حوائجهم ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم، والأَلَهُ والألوهة والألوهية هي العبادة (١).
وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة، ولفظ الجلالة "اللَّه" أصله إِلَاه على فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مألوه أي معبود (٢).
وتوحيد الألوهية هو: إفراد اللَّه بالعبادة والطاعة بأن لا يتخذ الإنسان مع اللَّه أحدًا يعبده ويخضع لحكمه وشرعه، فلا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له فهو المعبود الحق وما سواه باطل، وهو الذي يجب إفراده بالعبادة قولًا وفعلًا وقصدًا.
ويسمى هذا التوحيد: توحيد القصد والطلب، وتوحيد الإرادة، وتوحيد العبادة.
وهذا النوع من التوحيد هو الذي بعث اللَّه به الرسل، وأنزلت به الكتب مع أخويه توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ولكن أعظم اهتمام
стр. 290
الأنبياء كان بتوحيد الألوهية، ليخلص الناس عبادتهم وتوجههم للَّه تعالى، بحيث لا يصرفون شيئًا من ذلك لغير اللَّه، لأي أحد من المخلوقين مهما كانت منزلته، ولا يخضعون لأي شرع غير شرع اللَّه، ولا لأي حكم غير حكم اللَّه، فمن أخل بهذا التوحيد فهو كافر مشرك، وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، بل من أتى ناقضًا واحدًا من نواقض توحيد الألوهية فهو كافر وإن أتى بكل أنواع العبادة الأخرى.
وتوحيد اللَّه وإفراده وحده بالعبادة قولًا وفعلًا وإرادة هو أعظم الأصول، وأوجب الفروض، وهو أول الأمر وآخره، ولم يبعث اللَّه الرسل إلّا للدعوة إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (١)، وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).
وهذا التوحيد هو الذي من أجله خلق الإنس والجن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٣) وبسببه تباينوا فكان منهم أهل النجاة وهم المؤمنون الموحدون، وأهل الهلاك وهم الكافرون والمنافقون، وهو الذي سيسأل عنه الخلق يوم القيامة قبل غيره.
وهذا التوحيد هو معنى "لا إله إلّا اللَّه"، وأهله هم حزب اللَّه، وأهل رحمته ورضوانه وجنته، ومنكروه أو منتقصوه هم أعداء اللَّه وأهل غضبه ومقته، وهو محور الدين كله وأساس كل شيء فيه، فإن صح صح كل شيء وإن فسد فسد كل شيء (٤).
وأنواع التوحيد الأخرى يتضمنها توحيد الألوهية وليس العكس فقد يقر المكلف بتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية ولكنه لا يعبد اللَّه فهذا
стр. 291
ليس له في الإسلام نصيب، فإن توحيد العبد للَّه في ربوبيته لا يعني أنه يوحده في ألوهيته، فقد يقر بربوبية اللَّه وأنه الخالق المالك المتصرف، ولا يعبد اللَّه (١).
وأيضًا (فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا، قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾) (٢)(٣).
وكذلك توحيد اللَّه في أسمائه وصفاته لا يتضمن أنواع التوحيد الأخرى ولكن العبد الذي يفرد اللَّه بالعبادة لا يتصور أنه لا يؤمن به ربًا خالقًا مالكًا مدبرًا أو أنه لا يعتقد كماله في أسمائه وصفاته؛ لأن إخلاص العبادة لا يكون لغير الرب الخالق، ولا يكون لمن فيه نقص أو عيب (٤).
وعلى كل حال (فإن توحيد الإثبات (٥) هو أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد الذي هو توحيد الإلهية لتلازم التوحيدين، فإنه لا يكون إلهًا مستحقًا للعبادة إلّا من كان خالقًا رازقًا مالكًا متصرفًا مدبرًا لجميع الأمور حيًا قيومًا سميعًا بصيرًا عليمًا حكيمًا موصوفًا بكل كمال منزهًا عن كل نقص، غنيًا عما سواه مفتقرًا إليه كل ما عداه، فاعلًا مختارًا لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا تخفى عليه خافية، وهذه صفات اللَّه لا تنبغي إلّا له ولا يشركه فيها غيره، فكذلك لا يستحق العبادة إلّا هو ولا تجوز لغيره، فحيث كان متفردًا بالخلق والإنشاء والبدء والإعادة لا يشركه في ذلك أحد وجب إفراده بالعبادة دون من سواه لا يشرك معه في عبادته أحد كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا
стр. 292
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾) (١)(٢).
هذا وإن توحيد الألوهية يشتمل على العبادة الكاملة الشاملة للَّه تعالى وهي التلقي من اللَّه تعالى في كل شأن من شؤون الحياة، وكما نتلقى من اللَّه تعالى أمور العبادات المحضة التي هي شعائر التعبد من صلاة وصيام وحج وزكاة، كذلك نتلقى منه أمور الشرائع والنظم التي تحكم أمور حياتنا: (. . . واعتبار شيء من القوانين للحكم بها ولو في أقل قليل لا شك أنه عدم رضا بحكم اللَّه ورسوله، ونسبة حكم اللَّه ورسوله إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال وكفاية الناس في حل مشاكلهم، واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملة، والأمر كبير وليس من الأمور الاجتهادية، وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة اللَّه وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن يكون اللَّه هو المعبود وحده لاشريك له، وأن يكون رسوله ﷺ هو المتبع المحكم ما جاء به فقط، ولا جردت سيوف الجهاد إلّا من أجل ذلك والقيام به فعلًا وتركًا وتحكيمًا عند التنازع) (٣).
هذه هي حقيقة العبادة وحقيقة توحيد الألوهية، وما غرق الناس في هذا الزمان في أعظم ولا أظهر من الشرك في هذا التوحيد بمعناه الشامل لأحكام الشعائر والشرائع، حتى لقد أضحى الشرك في الأحكام والنظم من أيسر وأسهل الأمور عند كثير من أبناء المسلمين ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه.
مع أن اللَّه تعالى عدّ التوجه إلى غيره في أمور الأحكام والشرائع شركًا
стр. 293
فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١).
وأكد أنه لا يصح إيمان الإنسان ولا يستقيم حتى يتحاكم إلى شريعة اللَّه المنزلة ويقبل بها دون تبرم أو صدود، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢).
ولهذا كله يجب على المسلمين في هذا العصر الذي شاعت فيه أنواع الشرك الأكبر أن يجتهدوا في بيان هذا المعنى الذي سادت مساوئ الانحراف فيه في مجالات عدة من الحكم والنظم والفنون والثقافات وغيرها ليعيدوا الناس إلى عبادة اللَّه الواحد الأحد ويخلعوا عبادة وطاعة كل ما سواه.
هذا وبعد بيان هذه الحقيقة القرآنية والعاصمة الإيمانية لابد هنا من ذكر بعض نواقض هذا التوحيد مما له صلة بموضوع البحث، وهي نواقض للإسلام، فمن تلبس بواحد منها فليس له في الإسلام نصيب:
الأول: الشرك في عبادة اللَّه تعالى:
فمن توجه بالعبادة إلى غير اللَّه بالصلاة أو الصيام أو النسك أو الدعاء، أو قال بأن غير اللَّه معبودٌ له، فهو مشرك خارج عن الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣)(٤).
الثاني: من نفى ألوهية اللَّه تعالى أو نفى بعض خصائص ألوهيته ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥).
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ
بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (١).
الخامس: شرك الطاعة والاتباع:
وهو التوجه إلى غير اللَّه بالطاعة يأخذ منه ما يحل وما يحرم وما يجوز وما لا يجوز ما يبان وما لا يباح.
وهذا الضرب من الشرك هو الذي يعم وجه البسيطة اليوم، فبلاد الكفر حوت ألوان هذا الشرك وغيره، ففيها شكر الطاعة والاتباع في التحليل والتحريم والمنع والإباحة بغير ما أنزل اللَّه، واتخذ أهلها الأرباب والآلهة الباطلة من دون اللَّه، وفي بلاد المسلمين وقع من أهلها في هذا الضرب من الشرك كل من رضي بشريعة غير شريعة اللَّه، أو اتبع منهجًا غير منهج الإسلام، أو اتخذ طريقة في الحياة العامة أو في النظم والدساتير غير طريقة محمد ﷺ وأصحابه.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (٣).
السادس: شرك الولاء والمحبة:
وهو قريب من سابقه، وذلك أن أن ولاء المسلم ومحبته يجب أن تكون للَّه ولرسوله ولشريعته وللمؤمنين، وإن من مقتضيات كلمة التوحيد أن يكون المسلم متوجهًا بالولاء محبة ونصرة للَّه ولما يحبه، ومن نواقض التوحيد أن يتوجه بالولاء والمحبة للكفار والمشركين والملاحدة، ولمناهجهم
стр. 296
وأديانهم ومذاهبهم الضالة وأفكارهم الباطلة، ذلك بأن التوحيد وهو الأمر الجليل العظيم ليس مجرد كلمة تنطقها الألسن بل هو أمر شامل وقضية كلية وقاعدة عامة، ينضوي تحت هذه الكلمة كل عمل الإنسان وكل فكره وكل مشاعره.
ولا يتم التوحيد على حقيقته حتى تكون كل أعمال الإنسان وكل أفكاره ومشاعره متوافقة مع شهادة التوحيد، مستقيمة على منهاجها، متوجهة كلها إلى اللَّه وحده متلقية عن شريعته وحدها.
وقد تقع من الإنسان الزلة والهفوة والمعصية والخطأ العملي أو العلمي، وذلك له أحكامه الدنيوية والأخروية في دين الإسلام، أمّا أن يقام منهج للحياة في النظم أو في الفكر أو في السلوك أو في العلاقات على أسس مخالفة لأمر اللَّه أو مناقضة لشرع اللَّه، فذلك هو الشرك الذي لا يغفره اللَّه، ولو ظل الإنسان ينطق بكلمة التوحيد ليلًا ونهارًا.
ومن أدلة هذا النوع من الشرك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (٣).
السابع: من لم يكفر المشركين والملاحدة والنصارى واليهود
стр. 297
والشيوعيين والعلمانيين، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فهذا كافر بلا ريب (١)، وأكفر منه من امتدح الكفر والإلحاد والشرك والنفاق وأهلها.
الثامن: من اعتقد أن غير هدي اللَّه ورسوله أكمل من هديهما، أو أن حكم غيرهما أحسن من حكمهما، كالذي يفضل حكم الطواغيت أو مناهج الكفر الاعتقادية أو السياسية أو الفكرية (٢).
التاسع: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ فقد كفر، ولو نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاهما (٣).
العاشر: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثواب اللَّه أو عقابه أو أخباره أو شريعته فقد كفر (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (٥).
الحادي عشر: مظاهرة المشركين والكافرين والملاحدة ومعاونتهم على المسلمين بالقول أو الفعل أو الامتداح أو الدفاع عنهم وتحسين باطلهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦).
الثاني عشر: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، أو أن ما يعتقده أو يكتبه أو يعمله لا ينضوي تحت حكم الشريعة، وأنه حرٌ فيما يعتقد أو يعمل وليس لدين اللَّه عليه سلطة أو هيمنة،
стр. 298
أو أن معايير الحلال والحرام والحسن والقبح والصواب والخطأ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لا يخضع لها، ويسعه أن يخرج عليها في أقواله وأعماله فهذا كافر.
الثالث عشر: الإعراض عن دين اللَّه لا يتعلمه ولا يعمل به (١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾ (٢).
هذه أظهر نواقض توحيد الألوهية، ولا فرق فيها بين الهازل والجاد، والآمن والخائف إلّا المكره، وكلها من أعظم الأمور خطرًا، وأكثرها وقوعًا (٣)، وخاصة في المجال الذي يتطرق له هذا البحث وهو أدب وفكر الحداثة، فإن الناظر في كتب ومجلات "الحداثة" يجدها تنضح بهذه الأمور صراحة أو من خلف حجب العبارات الموهمة والرموز الغامضة.
فعندهم التوجه بالعبادة القلبية والعملية والفكرية لغير اللَّه، ولديهم الانتساب العباديّ لغير اللَّه صراحة، وهم في الوقت ذاته يتبجحون بنفي ألوهية اللَّه تعالى أو نفي بعض خصائص الألوهية، وينفون حق العبادة للَّه وحده دون سواه، ويؤلهون غير اللَّه، ويتوجهون لغيره بالطاعة والاتباع، ويأخذون من كل المناهج والشرائع والعقائد والنظم والأفكار إلّا الإسلام، فهم عنه معرضون وله محاربون ومنه نافرون.
ولاؤهم ومحبتهم للكفر وأهله وعقائده وضلالاته، وعداوتهم وبغضهم للإسلام وأهله وعقيدته وشريعته، يفاخرون بالكفر ويمتدحون الإلحاد، ويقررون أن غير هدي اللَّه ورسوله أهدى وأكمل، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، فكل ما له علاقة
стр. 299
بالإسلام وتاريخه فهو مبغوض مكروه عندهم يستهزئون باللَّه ورسوله وكتابه وشريعته وعقيدته صراحة بلا مواربة، يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل، ويظاهرون أهل الكفر والإلحاد ويمتدحون أديانهم وأفكارهم وفلسفاتهم ويدافعون عنها، ويحسنون كل باطل وضلال، ويقبحون كل هدي وخير ورشاد، وإذا قيل لهم في ذلك قولًا واعظًا أو مجادلًا قالوا: الأدب والفن لا يخضعان لموازين الحلال والحرام، هذا عند من يقر علنًا بأن في الإسلام حلالًا وحرامًا، أمّا من ينفي الإسلام كله ويرفض أن يكون هناك حلال وحرام فلا ريب أنه في شطط من كفره وإلحاده أشد وأعتى من سابقه.
وإذا تكلموا عن الإسلام كتابًا وسنة وشريعة وعقيدة قالوا: التراث، ثم سووا بين الحق الصراح في الكتاب والسنة والباطل واللغو من الأشعار والأقوال، وتناولوا الجميع على أساس أنه موروث إنساني يقبل الأخذ والرد، فهم عن دين اللَّه معرضون وعن شريعته مستكبرون لا يتعلمون الدين ولا يعملون به، هذا حالهم وهذه صفتهم، وفيما يأتي من نصوص وأقوال مأخوذة من كتاباتهم ما يثبت هذه الدعوى، فأول وأخبث أنواع باطلهم فيما يتعلق بتوحيد الألوهية هو:
نفي ألوهية اللَّه تعالى مطلقًا، وهو المظهر الأول:
وهم يمارسون ذلك بالجحد والنكران الصريح، وحتى أنه أضحى من المألوف في كتابات زعمائهم وأئمتهم عبارات من أمثال "قتل الألوهية" أو "قتل اللَّه" -تعالى اللَّه وجلَّ عما يقولون علوًا كبيرًا-، وغير ذلك من العبارات المؤدية إلى هذا المعنى الخبيث، مثل قول نزار قباني:
(من بعد موت اللَّه مشنوقًا
على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
стр. 300
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (١).
وقول توفيق صايغ:
(قلبي بحر لم يعد يمشي عليه الألم
طارد الإلهَ من بعد، وإمّا قضى
احتوى جثمانه ثلاث ليال
قلبي قبر أفلت منه جثمان الإله) (٢).
وفي موضح آخر ينفي وجود الإله ويقرنه بالغبار رمز العدم والضياع فيقول:
(لففت العباءة حولي
تعكزت إلى القفر
إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله
نجوٌ بقمتي الجرداء) (٣).
ويعبر البياتي عن جحد الألوهية وعقيدته القائلة بقتل الإله -جلّ اللَّه وتعالى- فيقول:
(رأيت الإله على المقصلة
رأيت الديوك على المزبلة) (٤).
أمّا أستاذ الضلال الحداثيّ أدونيس فله في هذا المجال الدنس أوسع باع، فها هو يقول تحت عنوان "الإله الميت":
(اليوم حرقت سراب السبت سراب الجمعة
стр. 301
اليوم طرحت قناع البيت
وبدلت إله الحجر الأعمى وإله الأيام السبعة
بإله ميت) (١).
فالجمعة رمز المسلمين، والبيت قبلتهم، والحجر الأسود ركن البيت، واللَّه تعالى هو إله الأيام السبعة، كلها عنده محل تهكم وسخرية واستخفاف، ويحتم ذلك كله بلفظ "إله ميت"، والمعنى نفسه يكرره في موضع آخر فيقول:
(كان في أرضنا إله نسيناه مذ نأى
وحرقنا وراءه هيكل الشمع والنذور
نحن صغنا من القباب
صنمًا من تراب
ورجمناه بالحضور
بالطريق الذي كان أن يبدأ) (٢).
أي فجاجة إلحادية أصرح من هذه الأقوال؟، وأي جرأة على اللَّه تعالى أخبث من هذه الجراءة؟.
وهذا الطاغوت الحداثيّ الأكبر الذي تتبعه مناهج الحداثة العربية وتعده في قمة السلم الحداثيّ وفي منزلة من الاقتداء لا تضاهى، يخط بكلامه هذا وأمثاله معالم الحداثة العربية، ويترسم الأتباع خطواته في عمى، وإن لم يقل بعضهم مثلما يقوله سادن الحداثة هذا، إلّا أنه فتح أمامهم أبواب الاجتراء على اللَّه تعالى ودينه ورسوله في مثل قوله: (دم الآلهة طريٌ على ثيابي) (٣).
ويبحث عن أضرابه من المشككين والملاحدة ليتخذهم منطلقًا لإفكه وضلاله، ويمتدح الأفاك الأثيم النصرانيّ جبران خليل جبران ويستشهد
стр. 302
بقوله: (إن بلية الأبناء في هبات الآباء، ومن لا يحرم نفسه من عطايا آبائه وأجداده يظل عبد الأموات؛ حتى يصير من الأموات) (١)، ثم يضيف شارحًا: (وفي هذه المقطوعة يسمى اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقة، شأن الزواج الذي هو عبودية الإنسان لقوة الاستمرار، والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية للتحرر) (٢).
ولهذا القول دلالات عديدة منها:
١ - أنه يتخذ جبران سلفًا له في إلحاده وضلاله، ويتخذ قوله رصيدًا لهذا التوجه.
٢ - أن القول الحداثيّ العام العائم الذي لا تظهر دلالاته أول وهلة يكون له عند الحداثيين دلالات أخرى، وشاهد ذلك النص السابق الذي أخذه أدونيس من كتاب المجنون لجبران ليقوم بعد ذلك بشرحه وتمرير عقيدته من خلال التواطؤ المعنويّ بين المعتقدين الفاسدين.
٣ - يصف أدونيس أسس عقيدة المسلمين "الإيمان باللَّه والنبوات والمعاد" بأنها مجرد ألفاظ قررتها الأجيال الماضية، وهي موجودة الآن بحكم الاستمرار وقوته، وليس بقوة الحقيقة.
وهذا القول إضافة إلى كونه إلحادًا صريحًا وكفرًا بواحًا، فهو أيضًا مجرد دعوى يخبط بها هذا المتردي في وجوه المنتكسين والمرتكسين والإمعات، فيعمي به أبصارهم وبصائرهم، ويقذف في قلوبهم الجرأة على ممارسة الإجرام والإفك الثقافيّ والاعتقاديّ.
стр. 303
وفي هذه الدعوى المجردة أكبر دليل على أن الأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة ما كان لها أن تعيش، وهي تحمل بذور فنائها فيها، لولا وجود قوة خادعة، وألفاظ موهمة وشعارات عاطفية، كما صنع هذا الباطنيّ حين خلص من دعواه الباطلة في جحد وجود اللَّه والأنبياء والآخرة ليقرر بعد ذلك بأن هذا هو سبيل التحرر، وكم جنت دعاوى التحرر وشعاراته على المسلمين حين رفعها حداثيّ مفتتن، وعلمانيّ مُستَرق، فما أفاد المسلمون منها إلّا تشكيكًا في دينهم وقدحًا في عقيدتهم، وتشويهًا لشريعتهم وسخرية بتاريخهم، وولاء لعدوهم، وعداوة لأمتهم.
إن المشيحين عن دين الحق والهدى والرشاد من رؤوس الكفر وأذنابه، لم يفقهوا هذا الدين ولم ينظروا إلى حقائقه نظرة إنصاف وبحث عن الحق، بل تجارت بهم أهواء الباطل كما يتجارى الكَلَب بصاحبه لا يذر عرقًا ولا مفصلًا إلّا دخله، وهؤلاء استحوذت عليهم سنة تقليد الضعيف للقويّ، فانماعوا في الباطل وأشربوا حبه، حتى صارت معرفتهم به وتعمقهم فيه واستمساكهم به أشد وأقوى ما يكون الاستمساك، ثم يتطاولون على الإسلام وحقائقه القاطعة وبراهينه المؤكدة مع أن معرفتهم بالشبه والافتراءات المثارة حول الإسلام، أكثر من معرفتهم بحقائق الإسلام ذاته.
٤ - يسمي أدونيس الإيمان باللَّه وأنبيائه واليوم الآخر تقاليد، وهذا ملمح من ملامح الحداثة العربية، يمارسه بعض أتباعها، الذين لا يعلنون ما يعلنه أدونيس والبياتي وغالي شكري وأنسي الحاج وقباني من كفر وإلحاد، ولكنهم يتوجهون إلى هدم الدين بطريق ملتو ومسالك مريبة منها محاربة التقاليد البالية والتقاليد القديمة، ونحو ذلك من عبارات أمثال: الرمال الضريرة، والكهوف الميتة، والأعشاب اليابسة، والزمان الحرون، وما أشبه ذلك من رموز وألفاظ تحتها أفاعٍ وحيات.
فمحاربة التقاليد أساس حداثيّ، وفي النص الأدونيسيّ التفسير الجليّ لمرادهم بالتقاليد.
стр. 304
٥ - زعمه بأن التحرر لا يقوم إلّا على الإلحاد والكفر باللَّه تعالى وهو ما عبر عنه بقوله: (على كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد كمقدمة ضرورية لتحرره) (١)، وقد سبق أن قال بأن اللَّه والأنبياء والآخرة ليست إلّا تقاليد.
والزعم بأن التحرر لا يقوم إلا على الإلحاد، زعم كاذب وادعاء أجوف، فها هي أوروبا التي يتخذها قبلة له تغرق في نتائج انفلاتها من الدين، وتسقط في حمأة الانحرافات الخلقية والنفسية والاجتماعية إلى حد جعل بعض عقلائهم ينادي بالعودة إلى الدين والأخلاق ووضع ضوابط للحرية، وذلك بعد أن أذاقهم اللَّه لباس القلق النفسيّ والتوتر العصبيّ، حين أعرضوا عن الهدى، واستكانوا إلى الإلحاد والمادية، فكثر الظلم والعدوان وحقد القلوب وفساد الضمير والأنانية المفرطة، والإجرام المنظم والدعارة والشذوذ والربا والجشع، والتفكك الأسريّ والاجتماعيّ، والأمراض الجنسية والنفسية، وغير ذلك من نتائج هذا التحرر الإلحاديّ الذي ينادي به أدونيس وغيره من رواد الحداثة وأتباعها.
إن ربط التحرر بالإلحاد والكفر باللَّه تعالى هو أحد أهم المضامين الاعتقادية الحداثية، وسوف يأتي في ثنايا هذا المبحث إثبات ذلك، وقد سبق في الفصل الأول من هذا الباب ذكر شيء من ذلك.
ثم إن تحررهم المزعوم من عبادة اللَّه تعالى ومن الإقرار بألوهيته لم يخلصهم من العبودية لغيره، بل ارتكسوا في تأليه غير اللَّه وعبادة غير اللَّه من مناهج ونظم وعقائد وأفكار وأحزاب، وهذه الحقيقة مما اعترف به بعض الحداثيين حين قال: (. . . التخلص من الإله، في الفكر الماديّ، دفع إلى ابتداع إله آخر، هو الذات الثورية) (٢).
стр. 305
إن سعيهم الحثيث في تحطيم معاني الألوهية وجحد حقائقها قابله في الوقت نفسه تأليه وعبودية للمخلوقين ونتاج المخلوقين، وخالطه بؤس وألم وضنك، كما اعترف بذلك محمد الفيتوريّ في مرحلته السابقة حين أغرق نفسه في ظلمات الحداثة والعلمانية العربية، يقول:
(احترقت ستائر الإله
حتى أنائي الأزليّ شاه
أنائي المقدس انحطم
بالفظاعة الألم) (١).
وإحساس الفيتوريّ بالألم جراء هذا الاجتراء على اللَّه الإله الحق المبين، هو من بقايا الفطرة في نفسه ومن بقايا تربيته المنزلية ودراسته الشرعية، وهو في هذا على عكس أدونيس صاحب الجذور النصيرية والتربية النصرانية اليهودية والممارسة الشيوعية، وكذلك أشباهه مثل الخال وأنسي الحاج وجبرا الذين يجاهرون بالكفر، ويفتخرون به، ويمتدحون أهله، ويتلذذون بدعوتهم إليه وممارستهم له، كما قال أدونيس في وصفه لخطته ومنهجه وطرائق تفكيره ودعوته:
(أسير في الدرب التي توصل اللَّه.
إلى الستائر المسدلة
لعلني أقدر أن أبدله) (٢).
وما هو بقادر على تبديل ما حفظه اللَّه ولا تغيير ما وعد اللَّه ببقائه واستمراره (وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟، واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟،. . . وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلّا ما قال اللَّه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ
стр. 306
بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾) (١)(٢).
والمتتبع لكتابات أدونيس وآرائه يتضح له أن هذا الرجل الباطنيّ وجد في الحداثة بغيته في الوصول إلى عقول وقلوب بعض أبناء المسلمين، من خلال شعارات التحديث والتجديد الأدبيّ واللغويّ والشعريّ والفنيّ والنقديّ وما أشبه ذلك من عناوين خادع بها أتباعه من بعده.
فهو لا يفتأ يمتدح نفسه ويشيد بخطواته، ويجعل من ذاته وأفكاره أساسًا لهدم الألوهية وتمزيق الإله -حسب تعبيره الكفريّ- فهو يقول:
(للإله الذي يتمزق
في خطواتي
أنا مهيار هذا الرجيم
أرفع الميتين ذبيحه
وأصلي صلاة الذئاب الجريحه) (٣).
ويقول أيضًا:
(. . . غير أنا غدًا نهز جذوع النخيل
وغدًا نغسل الإله الهزيل
بدم الصاعقة
ونمد الخيوط الرفيعة
بين أجفاننا والطريق) (٤).
غسيل الإله الهزيل عبارة واضحة للكفر وجحد الألوهية ودم الصاعقة
стр. 307
رمز للحداثة والتغيير الثوريّ وهو "صدمة الحداثة" كما في أحد أجزاء تلمود الحداثة الثابت والمتحول.
وحين يتحدث عن الإسلام، ينفث سمه وصديد أفكاره، ويصدر أقبح الأوصاف باللَّه تعالى ودينه وكل الرموز العلمية والتاريخية المتعلقة بالإسلام، يقول أدونيس في "رحيل في مدائن الغزاليّ":
(قافلة كالناي، والنخيل
مراكب تغرق في بحيرة الأجفان
قافلة - مذنب طويل
من حجر الأحزان
آهاتها جرار
مملوءة باللَّه والرمال:
هذا هو الغزاليّ) (١).
فهو يرمز للتخلف والرجعية بالناي والنخيل والغرق وبحيرة الأجفان والمذنب الطويل وحجر الأحزان والآهات والجرار والرمال، ويريد بها اللَّه تعالى ودينه ورسوله وورثة وحيه وهديه (. . . وأي بارقة أمل في شبيبة ترتاح لمجمل هذا الأدب أو بالأحرى لأخص خصائص قبحه. . .، إله يغرق في الرمال، كلمة كافرة مفلسة يؤنس شبيبتنا بها طائفيّ، ويراد منه أن يكون رائدًا وموجهًا ومعلمًا لأدبنا الحديث!!.
. . . هؤلاء صناع الحضارة وصائغوا قوانين العلم لم يدعوا أن الإله يغرق في الرمال، بل أقروا بإله حي قيوم محيط بكل شيء؛ لما بهرهم من عظمة الخلق ونظامه؛ ولأنهم رأوا بتلسكوباتهم ما لم يره ذلك الطائفيّ بعينه العوراء.
وهذا الطائفيّ الذي خرج من وراء الكواليس ليكون من قدر أمتنا
стр. 308
الخائب (١) أن يكون هو وأضرابه من معالم الأدب الحديث: افترى على الحضارة ما ليس فيها وليس عنده بديل صحيح، إنه يتكلم بأسلوب البحث العلمي تارة، وبهيبة الأدب الحديث تارة عن ميتافيزيقيات طائفية هي منتهى الخرافة والتخلف والرجعية، يبشر بهذه الكهانة الوثنية بعد تعتيم شديد، ويصب اهتمامه على تحطيم الثوابت الحضارية في أمتنا، إن وثنيهم الكبير يصوغ قصيدة الغبار ليمزج شبيبتنا بالريح) (٢).
إنه لا يتردد أن يقول بكل وقاحة وجرأة:
(لم يبق نبي إلّا تصعلك لم يبق إله. . .
هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت
نفتح للشمس طريقآ غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك
للحالم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم) (٣).
أي دعاية للكفر والإلحاد أعظم من هذا الكلام؟ وأي مناقضة حاقدة للإسلام أشهر من هذه الكلمات الكافرة؟.
إنه تحدٍّ صارخ للإسلام عقيدة وشريعة وحضارة وتاريخًا وواقعًا، وتطاول من قزم طائفيّ موتور، ليس له هم إلّا تحطيم الثوابت وإزاحة الحقائق وتزييف البراهين، واقتناص الشبيبة الجاهلة وتلويثها فكرًا وعقيدة وشعورًا، وتسخيرها في مهاوي الجهالات، مستسلمة لهذا الطفيليّ الطائفيّ الحاقد وأشباهه، تنقل فكره وترفع ذكره وتدافع عنه، وتستجدي مكانة في ثقافة الصحف الهادمة من خلال ترديدها ومحاكاتها لأقواله وأفكاره، التي قام هو بأخذها عن أساتذته الملاحدة وشيوخه الباطنيين.
стр. 309
إن إسقاط الألوهية والعبودية بعد جحد وجود اللَّه وربوبيته من أهم الأسس التي تمارسها الحداثة في سائر منطلقاتها وأعمالها على حد ما عبر به أدونيس في قوله:
(أنا المتوثن والهدم عبادتي) (١).
وهدمه يبدأ حسب ما صرح بها مرارًا وتكرارًا بهدم الألوهية وتحطيم معاني العبودية لله تعالى وهو ما قرره في تلمود الحداثة الثابت والمتحول فقال: (لم يعد الإنسان عبدًا للَّه ولا خاضعًا له، أي: لم تعد علاقته به علاقة عبد بسيد. . . ولم تعد هذه العلاقة علاقة مخلوق بخالق. . .) (٢).
وحتى عند الذين قد لا يعدون من غلاة الاتجاه الحداثيّ، أو يشار إليهم بأنهم يمارسون حداثة متعقلة متزنة أو غير ملحدة ونحو ذلك من عبارات التوفيق والتلفيق.
حتى عند هؤلاء نجد النفس الإلحاديّ والتأصيل الشكيّ الهدميّ في مواجهة الدين وأصوله وقواعده، ولنأخذ على ذلك مثالًا بإحسان عباس (٣) الباحث والناقد المعروف صاحب الباع الطويل في التصنيف الأدبيّ الحداثيّ، خاصة في حقل الهوية الفنية للنص والدراسات النقدية التطبيقية من حيث المضمون الفنيّ والفكريّ، وخاصة في كتابه اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر، وهو الذي سوف نورد منه النص المقصود.
ذلك أنه بعد أن تحدث عن مفهوم التطور والتحول في الشعر الحديث
стр. 310
باعتباره قانونًا لا فكاك منه، شرح المراد فقال: (. . . وأصبح التطور لا يعني انتقال سمات مذهب شعريّ -في حقبة ما- إلى سمات مذهب آخر، في حقبة أخرى، بل أصبح حركة متسارعة بعدد الأفراد الذين يقولون الشعر، وبذلك قضى على فكرة الخلود الكلاسيكية، وأصبح التميز -في الدائرة الشعرية- مرحليًا، وصحب هذا كله إيمان بأن كل قيمة ثابتة -أيًا كان منبتها ومهما تكن مدة ثباته- فهي تشير إلى الركود أو التخلف والجمود، سواء أكانت تلك القيم تتصل بالدين أو بنمط حياة أو طريقة تفكير، وكان هذا الوجه من النظر يصيب أكثر ما يصيب مؤسسة قائمة على ثوابت ضرورية مثل الدين -وخاصة الدين الإسلاميّ في صورته السنية- من حيث أنه صورة كبيرة من صور التراث، والحق أن الإنسان الحديث حين يعتقد أنه يعيش في كون قد غابت عنه الألوهية، فإنه لابد أن يعيد النظر في كثير من القيم التي كانت تتصل بالنواحي الغيبية، ولكن الإسلام ليس قاصرًا على هذا الجانب، وإنّما هو أيضًا نظام حياة وأسلوب تنظيم، وبما أن التنظيم يعني ثبات قيم معينة، فإن الثورة على التراث كانت تتناول هذا الجانب منه أيضًا. . .) (١).
وهذا النص يحتوي عدة قضايا:
الأولى: أن التطور -أصل الأصول الحداثية- لا يعني التجديد الفنيّ، بل القضاء على فكرة الثبات والأصول والقواعد والضوابط الاعتقادية والفكرية والخلقية.
الثانية: أن أول قضية يتصدى لها "مبدأ التطور الحداثيّ" هي قضية الدين، وتصديه لها بطريقة الزحزحة والإزاحة والإذابة والإبعاد.
الثالثة: أن الدين المقصود والمستهدف من هذه الخطة الإبليسية الحداثية هو دين الإسلام، وعقيدة أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص.
стр. 311
الرابعة: أن المراد بالتراث عند حديثهم عن مواجهة التراث وهدم التراث ومحاكمة التراث وإزاحة التراث هو الدين الإسلاميّ.
الخامسة: اعتقاد الحداثيين أن الإنسان الحديث يعيش في كون غابت عنه الألوهية، وهذا هو مربط مقاصدهم في مصطلحات التطور وعدم الثبات والتجديد في مقابل الجمود والتراث.
ولعاقل أن يسأل: أي إنسان تريدون؟ إن كان الإنسان الغربيّ حيث القبلة التي وجهتهم لها وجوهكم، فليس هو المعيار لإثبات هذه الدعوى التي تتذرعون بها لجحد الدين ونسف علاقة الإنسان به وإن كان الإنسان المراد هو الإنسان العربيّ حيث الكلام عن حداثة عربية فلاريب أن العربي مهما بلغ تفريطه العصيانيّ ما زال يؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، ولايستثنى من ذلك إلّا المرتدون من أبناء المسلمين من شيوعيين وعلمانيين وحداثيين وباطنيين وأضرابهم، أمّا أصحاب الكفر الأصليّ من نصارى ويهود العرب فهذا هو مضمارهم.
السادسة: أن جحد الألوهية والزعم بغيابها عن واقع الإنسان -والمراد الألوهية التوحدية حسب العقيدة الإسلامية- لا يقتصر عند مجرد الجحد النظريّ بل يمتد إلى كل مقتضيات الألوهية، إلى الإسلام نظام حياة وأسلوب تنظيم؟ لأن النظام ثبات، والإسلام ثبات، ولابد من تقويض الثابت والمؤسس والمنظم والمؤصل، كيما تسود الحداثة الهادمة الفوضوية التخريبية.
السابعة: أن هذا النص وإن كان وصفًا تحليليًا لواقع الحداثة إلّا أنه إقرار ضمنيّ من صاحبه بسلامة وصحة هذا المنحى الإلحاديّ الذي وصفه وشرحه، وهو في أحسن الأحوال يصف وكأن الأمر -أمر الألوهية والدين الإسلاميّ- لا يعنيه من قريب أو بعيد.
ولما كانت الحداثة بهذه المثابة من التصور والاعتقاد، وجدنا أن كتابها ومنظريها ودعاتها وأتباعها يحومون حول هذه المعاني سعيًا لقطع الصلة بالإسلام أولًا؟ لكونه يشكل القوة الفاعلة المناقضة لاعتقاداتهم الباطلة؟
стр. 312
ولكونه عالج مشكلات الانحراف الاعتقاديّ والعمليّ منذ أول وهلة في صراعه مع الكفر والشرك والإلحاد والوثنية، وكشف عوار هذه الانحرافات التي أوبقت الإنسان وردته في أسفل سافلين، ولكون الإسلام يحتوي على القوة البرهانية الدامغة، ويتحدى بقوة حقيقية كل ألوان وأشكال الزيف والردة والانحطاط.
فصراع الحداثة مع الإسلام ليس إلّا امتدادًا للصراع القديم بين الإسلام والكفر والإيمان والجاهلية، وحزب الرحمن وحزب الشيطان، والذي يتصور الصراع على غير هذا الوجه وبغير هذه المثابة واهم أو جاهل أو مغرض، لايعرف الحقيقة على وجهها، أو يعرفها ويتجاهلها.
وأكبر دليل على ذلك أنك تجد أشد شيعة الحداثة عتوًا، ركزوا جهدهم منذ البداية على نسف الحقائق الأولية لدين الإسلام، الربوبية والألوهية على وجه الخصوص، ثم النبوة والوحي والغيبيات، فها هو أحدهم يتحدث بطريقة تقريرية خطابية قائلًا: (ما عاد الإنجاز يقاس بالانسجام مع مفاهيم غيبية بل مع عمل يتجه صوب أهداف موضوعية عقلانيًا، وفي إيجاز فإن السلوك بدأ يقاس في ضوء قيم جديدة. . . فالإنسانية إذًا هي خالدة وحدها دون سواها، مستبدلًا بفكرة الألوهية فكرة البشرية كما فعل كونت) (١).
وهكذا بكل ادعائية يقرر أن السلوك الإنسانيّ بدأ يقاس في ضوء قيم جديدة هي القيم المادية الإلحادية بعيدًا عن الغيبيات وبعيدًا عن الألوهية التي ذهبت -على حد زعم الكاتب- وجاء بديلًا عنها فكرة تأليه الإنسان؛ لأن الإنسانية خالدة!!.
إنه التبشير المنحط بعقيدة دنيئة أنتجتها الصليبية والصهيونية والماسونية والعلمانية، لإسقاط شباب الأمة في مطحنة الضياع والتيه، وتذرية الأمة
стр. 313
بكاملها في أعاصير التخلف الوثنيّ، وذلك بنزع يقينها بدينها وزعزعة إيمانها بخالقها وإلاهها.
وفي هذا المضمار الإلحاديّ الكفريّ تتحدث إحدى الكاتبات عن المضمون ذاته فتقول: (أصبح الإنسان مع نزع هالة التقديس والألوهية عن الكون ومدبره، أصبح يقع في مركز الكون، ويشكل مبدأ القيم والغايات وعندئذِ ترسخت الحركة الإنسانوية. . . توقف الإنسان عن الدوران حول المقدس وحلت مشروعية إنسانية جديدة محل المشروعية الدينية السابقة، ونتج عن ذلك أخلاق جديدة وقوانين جديدة تنطبق على البشر دون استثناء ودون اعتبار اللون والعرق أو المذهب والدين، ألم تطرح الماركسية نفسها بديلًا إنسانيًا عالميًا لكل عصور الاضطهاد والاستعباد السالفة، ورسمت الحلم الذي لا يشيب بحق الإنسان في المساواة والتحقيق الذاتيّ الإنسانيّ والانعتاق من الاغتراب) (١).
هذا الكلام مجرد ترجمة لأفكار وعقائد الغرب وتاريخ الغرب في صراعه مع الدين النصرانيّ المحرف، ولكنه في الوقت ذاته إسقاط علمانيّ خبيث على المسلمين، وتنزيل مغرض على واقع يخالف الواقع الغربيّ جملة وتفصيلًا.
وإلّا فمن هو الإنسان الذي نزع هالة التقديس والألوهية عن الكون ومدبره إلّا الإنسان الغربيّ الماديّ الملحد، وليس هو الإنسان المسلم الذي يؤمن باللَّه إلهًا وخالقًا ومدبرًا حتى وهو في أشد حالات عصيانه وضعفه الإيمانيّ.
وأي أرض تراجع عنها مفهوم الألوهية؟ إنها ليست أرض المسلمين ولا بلاد المسلمين على الرغم من الأنظمة العلمانية الطاغوتية المفروضة عليها، وعلى الرغم من محاولات المسخ الإعلاميّ والثقافيّ والتربويّ
стр. 314
والاجتماعيّ الموجه إليها، إلّا أنّ بلاد المسلمين لم تتأله لغير اللَّه، ولم تتعبد لغير الخالق المدبر -جلَّ وعلا-، وها نحن نشاهد اليوم حالات التوق الشديد لدى المسلمين في الانفلات من ربقة الأئمة المضلين من رؤوس الضلال المسلطين على رقاب المسلمين وبلادهم، ولكن العلمانيين والحداثيين لا يفقهون.
ولا أدل على ذلك من المثل الذي ذكرته هذه الكاتبة حين أشادت بالماركسية باعتبارها الممثل لفكرة الإنسانوية -حسب تعبيرها- والبديل الإنسانيّ العالميّ لكل عصور الاضطهاد والاستعباد، والحلم الذي لا يشيب. . . إلى آخر تلك العبارات الممتدحة للنموذج العلمانيّ الحداثيّ، الإنسانيّ، حسب زعمهم.
وقد رأينا ورأى العالم أجمع كيف تمزقت الماركسية وانهارت بعد أن مارست أبشع أنواع الكفر والاستبعاد والاضطهاد، فإذا هي أثر بعد عين، وإذا أبناؤها الذين تلقوا تعاليمها وتشبعوا بعقائدها المفلسة هم الذين يسعون في هدمها ويشتدون في تحطيمها، وإذا الشعوب التي رزحت تحت التسلط والجبروت الإلحاديّ العلمانيّ الحداثيّ الماركسيّ تنتفض بقوة وصلابة تطالب بالحرية وتنشد أنسام الحياة الإنسانية بعيدًا عن هذه المبادئ الملحدة الظالمة.
ولسوف يشهد العالم كيف تتهاوى المبادئ والنظم الغربية الليبرالية الرأسمالية البرجماتية، بل إن علائم هذا الانحسار والاندحار تلوح في الآفاق ولايبصرها إلّا أولو الألباب، أمّا الذين عشيت أبصارهم من وهج المخادعة، وما زالت عقولهم في حالة الدهشة والإغماء فإنهم يستبعدون ذلك غاية الاستبعاد.
ومن الأمثلة على ذلك مقال لتركي الحمد (١) بعنوان "هل أن الغرب
стр. 315
يسقط؟ " يتحدث عن ذوي التفكير الرغبويّ الذين يقولون بأن الغرب سيسقط، ويعني بذلك كل مسلم يؤمن بقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ (١)، وقوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ (٢).
فهو يصف من يفكر ويستشرف المستقبل على ضوء كلام اللَّه المعصوم بأنه (غير قادر على التعامل التاريخيّ مع الواقع المعاش، وأنه يعيش خوفًا دفينًا وعدم ثقة بالنانس وتفكيرًا رغبويًا خادعًا، وخطابًا أيديولوجيًا مغلقًا، وممارسة لعمليات النكوص والهروب والتضخيم والاختزال، وعدم فهم لجدلية هيجل، وممارسة التعصب القائم على ثنائية صارمة قوامها الصواب والخطأ والصديق والعدو، وغير ذلك من مؤشرات السقوط والموت والذبول) (٣).
ثم يختم هذه الألقاب الهجائية بقرار "رهبويّ تبعيّ" فيقول: (. . . إن المعطيات الموضوعية تقول: إن الغرب وخلال المستقبل المنظور غير آيل للسقوط أحببنا ذلك أم كرهنا) (٤).
стр. 316
ولو أردنا أن نحاكم سقوط هذا الكاتب واضطراب موازينه واختلال انتماءاته لوجدنا الشيء الكثير، والذي قد يتذرع له ويعتذر عنه بالنسبية الفكرية، وعدم القطع، وبالذرائعية الوصولية، وبالتطور المستمر للفكر، وغير ذلك من المعاذير الواهية.
لقد كان هذا الكاتب المنافح عن بقاء الغرب والمستعير لمفاهيمه وفكره وطموحاته إلى حد التقديس؛ كما قال عنه أحد زملائه في أنه (يعطي الأفضلية للإيديولوجية الغربية في مفهوم المواطنة) (١)، وأنه طرحه (يدل على البؤس الفكريّ والأيديولوجيّ الذي يؤصل مفاصل الكثيرين من المثقفين العرب) (٢).
كان هذا الكاتب يتخذ من العلماني الكبير محمد الجابري (٣) رمزًا كبيرًا، ومفكرًا كبيرًا، وأستاذًا عظيمًا، وقدوة في العقيدة والفكر، بل كان يتقمص أفكاره وكتاباته ويعيدها بصياغة أخرى، ثم بعد حرب الخليج الثانية كتب عنه عدة مقالات بعنوان "رمز هوى. . . الجابري وزلزال الخليج" بين فيها سقوط الجابري وزيف فكره وضعف تحليله وقلة بصيرته، فما المانع أن يسقط الشق الماديّ الغربيّ كما سقط الشق الماديّ السوفيتيّ وكما سقطت فلسفاته عند الحمد وكما سقط الجابري؟.
стр. 317
والمذهب الإنسانيّ الذي تتبناه الحداثة وتدعو إليه وتتخذه إلهًا من دون اللَّه هو الفرع الفلسفيّ للشجرة المادية الغربية، وقد اقتطعه الحداثيون والعلمانيون وجاءوا به إلى بلاد الإسلام؟ ليستنبتوه كما استنبتوا من قبله الفلسفات الأخرى كالوجودية والماركسية والقومية والوطنية.
إن الحداثة في توجهها إلى النزعة الإنسانية واتخاذها قاعدة ومنطلقًا لا تبتعد عن الأرض التي تجمع بينهما أرض المادية الكافرة الملحدة، ومن طبائع الأمور أن تجد هذا النحو من الاشتراك والتداخل والتشابك.
والشأن هنا في هذا النظام المعرفيّ الماديّ، الذي يراد له أن يكون الرائد والموجه الفكريّ والثقافيّ في أوطان المسلمين، ولعقول أبناء أمة الإسلام.
إن الاختناق العقليّ الإلحاديّ الذي تعيشه أوروبا بعد سلسلة طويلة من الزيغ والانحراف أمر له ما يبرره نظريًا، ولكن الأمر الذي لا يفهم إلّا على أنه مؤامرة مقصودة هو نقل هذه الفضلات الفكرية إلى أمة لديهما حقائق اليقين بالبرهان لا بالادعاء، وبالتذوق والتخلق، لا بمجرد الانتساب.
ولنأخذ على ذلك مثالًا بسيطًا، وهو ما نشاهده اليوم بين المسلمين من بقايا أخلاق وثوابت عقيدة، رغم ما لدى المسلمين من ضعف فيها، إلّا أن أجهل المسلمين خير من كثير من علماء المادية الغربية الذين لا مانع عند أحدهم أن يكون ولده شاذًا وابنته زانية، بل ربّما كان هو يمارس الشذوذ وزنا المحارم، وإذا نزلت به نازلة انتحر، والمسلم لا يفعل ذلك مهما انحطت درجة التزامه بالإسلام، نعم لقد تقدموا في النواحي المادية، ولكن أمتنا خير من أمة الغرب مهما تأخرت ماديًا، وأولئك شرٌّ منا مهما حققوا من تقدم ماديّ، ويكفي أن يطلع المنصف على حقيقة الغرب الاستعمارية الظالمة، وتسلطه المباشر وغير المباشر، وظلمه الموزع على بقاع الأرض، وخاصة على المسلمين، وما أحداث البوسنة والشيشان وفلسطين وكشمير والسودان إلّا أمثلة على الطغيان والظلم الغربيّ، أمّا الأمراض الاجتماعية والنفسية والفكرية فالحديث عنها قد امتلأت به الكتب والصحف الغربية المهتمة بهذا الشأن.
стр. 318
تنطلق الحداثة الغربية والعلمانية وفروعها العربية من منطلق جعل الإنسان "إلهًا" وجعل "الإنسانية" دينًا، وفصل علاقة الإنسان باللَّه ربًا وإلهًا.
وقد أخذ الحداثيون العرب هذا المفهوم من أساتذتهم الغربيين، تحت ستار تلاقح الثقافات، والعقلانية، ونحو ذلك من العبارات التي يشوشون بها على ضعفاء الدين والعقل، يقول أحد المفكرين الغربيين وهو يؤصل النزعة الإنسانية: (. . . الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة، ولا تحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعة، وأن العالي على الطبيعة الذي يصور عادة في شكل آلهة سماوية، أو جنات مقيمة ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأنه مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه وإلّا فلن تجدهما على الإطلاق) (١).
هذا المعنى الإلحاديّ منقول بحذافيره -إن لم يكن نصًا مترجمًا فمعنًى مؤصلًا- عند أكثر الحداثيين والعلمانيين العرب.
فها هو يوسف الخال ومحمد جمال باروت يقرران أن (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج إلهيّ أبديّ بل وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه، لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا، ومن هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم تغيرًا جذريًا، فلا شيء محرم على العقل، فعوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع، وجد الإنسان نفسه، شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت
стр. 319
مضى، مقياس كل شيء، إذ أن العصر الحديث عصر علمانيّ بدأ حين وعى الإنسان قدرته وأخذ يعرب عن وجهة نظره الفردية المستقلة إلى نفسه واللَّه والكون، ولقد تأتّى له أن يشك، وفي شكه عزم على الاكتشاف لنفسه وبنفسه) (١).
ويؤكد يوسف الخال هذا الاتجاه الكفريّ حين يقول: (. . . إذا فقد الإنسان سندًا له في نظام إلهيّ أبديّ، يرئسه (٢) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا) (٣).
وهو المعنى الذي أشار إليه أدونيس في مؤتمر روما حين قال: (. . . لا يقدر الشعر أن يتفتح ويزدهر إلّا في مناخ الحرية الكاملة - حيث الإنسان مصدر القيم لا الآلهة ولا الطبيعة) (٤).
وتكرر خالدة سعيد كلام زوجها حين تقرر بأن (الشعر يحل مكان الدين ويصبح ميتافيزيقيا المجتمع الحديث حيث يلعب الشاعر دور الآلهة التي اختفت) (٥).
وعلى هذه الأسس قامت الحداثة، وأضحى مطلب الحداثة تحرير الإنسان من الوحدانية والتوحيد، وإسقاط القداسة عن كل شيء "لأن الحداثة وضع تعدديّ مشابه للوثنية اليونانية الجذر الأولى للحداثة الراهنة،
стр. 320
وهذا الوضع التعدديّ الوثنيّ مناقض تمام المناقضة للتوحيد الذي يعتبر أساسًا للتخلف والرجعية على حد تعبير أحدهم (١).
وفي عبارة صريحة يقول: (. . . إن الحداثة الأولى ارتبطت بقيام المدن الدول في اليونان. . . إن قيام أي وحدانية يعني القضاء على فعل الحداثة) (٢).
ويعد محمد بنيس (٣) أن المعرفة القائمة على أحدية اللَّه الواحد الأحد أساسًا للتخلف إذ هو صورة للمتعاليات الإسلامية -حسب تعبيره-، والتي تبدأ من اللَّه الواحد، وتتجسد اجتماعيًا في الأدب وسياسيًا في القبيلة إلى آخر تحليلاته الهابطة (٤).
أمّا محمد أركون فيعتبر أن اللَّه مشكلة، ويسأل كيف يُمكن لنا أن نعبر عن هذه المشكلة باللغة العربية (٥).
وقد انبث هذا الضلال المتمثل في نفي ألوهية اللَّه في كلام وأعمال الشعراء والروائيين الحداثيين، وسوف أسرد هنا بعض الأمثلة على ذلك:
قال السياب: