ولو أردنا أن نحاكم سقوط هذا الكاتب واضطراب موازينه واختلال انتماءاته لوجدنا الشيء الكثير، والذي قد يتذرع له ويعتذر عنه بالنسبية الفكرية، وعدم القطع، وبالذرائعية الوصولية، وبالتطور المستمر للفكر، وغير ذلك من المعاذير الواهية.
لقد كان هذا الكاتب المنافح عن بقاء الغرب والمستعير لمفاهيمه وفكره وطموحاته إلى حد التقديس؛ كما قال عنه أحد زملائه في أنه (يعطي الأفضلية للإيديولوجية الغربية في مفهوم المواطنة) (١)، وأنه طرحه (يدل على البؤس الفكريّ والأيديولوجيّ الذي يؤصل مفاصل الكثيرين من المثقفين العرب) (٢).
كان هذا الكاتب يتخذ من العلماني الكبير محمد الجابري (٣) رمزًا كبيرًا، ومفكرًا كبيرًا، وأستاذًا عظيمًا، وقدوة في العقيدة والفكر، بل كان يتقمص أفكاره وكتاباته ويعيدها بصياغة أخرى، ثم بعد حرب الخليج الثانية كتب عنه عدة مقالات بعنوان "رمز هوى. . . الجابري وزلزال الخليج" بين فيها سقوط الجابري وزيف فكره وضعف تحليله وقلة بصيرته، فما المانع أن يسقط الشق الماديّ الغربيّ كما سقط الشق الماديّ السوفيتيّ وكما سقطت فلسفاته عند الحمد وكما سقط الجابري؟.
стр. 317
والمذهب الإنسانيّ الذي تتبناه الحداثة وتدعو إليه وتتخذه إلهًا من دون اللَّه هو الفرع الفلسفيّ للشجرة المادية الغربية، وقد اقتطعه الحداثيون والعلمانيون وجاءوا به إلى بلاد الإسلام؟ ليستنبتوه كما استنبتوا من قبله الفلسفات الأخرى كالوجودية والماركسية والقومية والوطنية.
إن الحداثة في توجهها إلى النزعة الإنسانية واتخاذها قاعدة ومنطلقًا لا تبتعد عن الأرض التي تجمع بينهما أرض المادية الكافرة الملحدة، ومن طبائع الأمور أن تجد هذا النحو من الاشتراك والتداخل والتشابك.
والشأن هنا في هذا النظام المعرفيّ الماديّ، الذي يراد له أن يكون الرائد والموجه الفكريّ والثقافيّ في أوطان المسلمين، ولعقول أبناء أمة الإسلام.
إن الاختناق العقليّ الإلحاديّ الذي تعيشه أوروبا بعد سلسلة طويلة من الزيغ والانحراف أمر له ما يبرره نظريًا، ولكن الأمر الذي لا يفهم إلّا على أنه مؤامرة مقصودة هو نقل هذه الفضلات الفكرية إلى أمة لديهما حقائق اليقين بالبرهان لا بالادعاء، وبالتذوق والتخلق، لا بمجرد الانتساب.
ولنأخذ على ذلك مثالًا بسيطًا، وهو ما نشاهده اليوم بين المسلمين من بقايا أخلاق وثوابت عقيدة، رغم ما لدى المسلمين من ضعف فيها، إلّا أن أجهل المسلمين خير من كثير من علماء المادية الغربية الذين لا مانع عند أحدهم أن يكون ولده شاذًا وابنته زانية، بل ربّما كان هو يمارس الشذوذ وزنا المحارم، وإذا نزلت به نازلة انتحر، والمسلم لا يفعل ذلك مهما انحطت درجة التزامه بالإسلام، نعم لقد تقدموا في النواحي المادية، ولكن أمتنا خير من أمة الغرب مهما تأخرت ماديًا، وأولئك شرٌّ منا مهما حققوا من تقدم ماديّ، ويكفي أن يطلع المنصف على حقيقة الغرب الاستعمارية الظالمة، وتسلطه المباشر وغير المباشر، وظلمه الموزع على بقاع الأرض، وخاصة على المسلمين، وما أحداث البوسنة والشيشان وفلسطين وكشمير والسودان إلّا أمثلة على الطغيان والظلم الغربيّ، أمّا الأمراض الاجتماعية والنفسية والفكرية فالحديث عنها قد امتلأت به الكتب والصحف الغربية المهتمة بهذا الشأن.
стр. 318
تنطلق الحداثة الغربية والعلمانية وفروعها العربية من منطلق جعل الإنسان "إلهًا" وجعل "الإنسانية" دينًا، وفصل علاقة الإنسان باللَّه ربًا وإلهًا.
وقد أخذ الحداثيون العرب هذا المفهوم من أساتذتهم الغربيين، تحت ستار تلاقح الثقافات، والعقلانية، ونحو ذلك من العبارات التي يشوشون بها على ضعفاء الدين والعقل، يقول أحد المفكرين الغربيين وهو يؤصل النزعة الإنسانية: (. . . الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة، ولا تحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعة، وأن العالي على الطبيعة الذي يصور عادة في شكل آلهة سماوية، أو جنات مقيمة ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأنه مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه وإلّا فلن تجدهما على الإطلاق) (١).
هذا المعنى الإلحاديّ منقول بحذافيره -إن لم يكن نصًا مترجمًا فمعنًى مؤصلًا- عند أكثر الحداثيين والعلمانيين العرب.
فها هو يوسف الخال ومحمد جمال باروت يقرران أن (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج إلهيّ أبديّ بل وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه، لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا، ومن هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم تغيرًا جذريًا، فلا شيء محرم على العقل، فعوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع، وجد الإنسان نفسه، شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت
стр. 319
مضى، مقياس كل شيء، إذ أن العصر الحديث عصر علمانيّ بدأ حين وعى الإنسان قدرته وأخذ يعرب عن وجهة نظره الفردية المستقلة إلى نفسه واللَّه والكون، ولقد تأتّى له أن يشك، وفي شكه عزم على الاكتشاف لنفسه وبنفسه) (١).
ويؤكد يوسف الخال هذا الاتجاه الكفريّ حين يقول: (. . . إذا فقد الإنسان سندًا له في نظام إلهيّ أبديّ، يرئسه (٢) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا) (٣).
وهو المعنى الذي أشار إليه أدونيس في مؤتمر روما حين قال: (. . . لا يقدر الشعر أن يتفتح ويزدهر إلّا في مناخ الحرية الكاملة - حيث الإنسان مصدر القيم لا الآلهة ولا الطبيعة) (٤).
وتكرر خالدة سعيد كلام زوجها حين تقرر بأن (الشعر يحل مكان الدين ويصبح ميتافيزيقيا المجتمع الحديث حيث يلعب الشاعر دور الآلهة التي اختفت) (٥).
وعلى هذه الأسس قامت الحداثة، وأضحى مطلب الحداثة تحرير الإنسان من الوحدانية والتوحيد، وإسقاط القداسة عن كل شيء "لأن الحداثة وضع تعدديّ مشابه للوثنية اليونانية الجذر الأولى للحداثة الراهنة،
стр. 320
وهذا الوضع التعدديّ الوثنيّ مناقض تمام المناقضة للتوحيد الذي يعتبر أساسًا للتخلف والرجعية على حد تعبير أحدهم (١).
وفي عبارة صريحة يقول: (. . . إن الحداثة الأولى ارتبطت بقيام المدن الدول في اليونان. . . إن قيام أي وحدانية يعني القضاء على فعل الحداثة) (٢).
ويعد محمد بنيس (٣) أن المعرفة القائمة على أحدية اللَّه الواحد الأحد أساسًا للتخلف إذ هو صورة للمتعاليات الإسلامية -حسب تعبيره-، والتي تبدأ من اللَّه الواحد، وتتجسد اجتماعيًا في الأدب وسياسيًا في القبيلة إلى آخر تحليلاته الهابطة (٤).
أمّا محمد أركون فيعتبر أن اللَّه مشكلة، ويسأل كيف يُمكن لنا أن نعبر عن هذه المشكلة باللغة العربية (٥).
وقد انبث هذا الضلال المتمثل في نفي ألوهية اللَّه في كلام وأعمال الشعراء والروائيين الحداثيين، وسوف أسرد هنا بعض الأمثلة على ذلك:
قال السياب:
стр. 321
(أهذه مدينتي؟ أهذه الطلول
خُط عليها عاشت الحياة
من دم قتلاها قلا إله
فيها ولا ماءَ ولا حقول؟) (١).
ويصف العراق وهو ينغمس في حالة الشك في اللَّه تعالى، ويسأل بشك: لماذا الناس هناك يؤمنون بأن في السماء من يدبر، قال:
(نرى العراق يسأل الصغار في قراه:
ما القمح؟ ما الثمر؟
ما الماء؟ ما المهود؟ ما الإله؟ ما البشر؟
فكل ما نراه
دم ينز أو حبال فيه أو حفر
أكانت الحياة
أحب أن تعاش، والصغار آمنين
أكانت الحقول تزهر؟
أكانت الماء تمطر؟
أكانت النساء والرجال مؤمنين
بأن في السماء قوة تدبر
تحس، تسمع الشكاة تبصر
ترق ترحم الضعاف تغفر الذنوب) (٢).
стр. 322
أمّا البياتي فيعبر عن جحد الألوهية بتعبير آخر، وذلك حين يصف تخلف رجل مسلم يعبد اللَّه تعالى -وكل مسلم عنده فهو متخلف- ويعبر عن اللَّه تعالى بلفظ العنقاء رمز المستحيل فيقول:
(رجل بالموت مضاء، قلق، تحسبه أعمدة ووهاد وجسور
يركع في منتصف الليل أمام العنقاء) (١).
أمّا يوسف الخال فهو المجترئ على عملية الهدم والتدمير، والمنادي بصراحة أن نكون امتدادًا لأوروبا، هل سبب ذلك نصرانيته أم إلحاده؟ لا فرق؛ لأن المقصود هو إبعاد المسلمين عن دينهم وإلقاؤهم في أحضان العقائد المتشاكسة المتهالكة، يقول:
(ليت ذاك النهار لم يكُ، انظر
كيف غارت جباهنا، كيف جفت
في شراييننا الدماء، وكيف
انبح فينا صوت الألوهة
. . . كل الجراحات يا بحر
حبالى ونحن مهد عريق
للولادات: أيُّ، أيُّ إلهٍ
ما رأى النور بيننا، ما تربّي
كيف يحيا، يشقى يموت) (٢).
ويتهكم بالدين والذي أنزله فيقول:
(بيني وبين السماء شعرة من الزمن. كلابي تنبح
стр. 323
في الدار، ولا عظام في قبور الموتى
والذباب يأكلون العيون في مدينة الرب) (١)
ويعبر عن جحوده وإنكاره للَّه فيقول:
(لا نور لا ظلام لا إله) (٢).
أمّا النصرانيّ توفيق صايغ عميل منظمة حرية الثقافة التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (٣) فقد تمادى به استرضاؤه لأسياده إلى حد التهالك في مضادة الدين الحق والإله الحق، وله في ذلك الأقوال الكثيرة، منها:
(وما إلهك إن لم يجب) (٤).
وفي موضع آخر يتهكم باللَّه تعالى، وينال من مقام الألوهية جاحدًا فيقول:
(أيها المعطي رذاذًا والآخذ سيولًا
والمتلكئ في العطاء كأنما
بذرة الألوهة بين طيات اليد القابضة
والهابّ، تكاد تتعثر للأخذ
كأنك تقتضي بأخذك أعناق أربابٍ قدامى
وكأنك لا تدرك
стр. 324
أن عطاءاتك نفايا
وقد خسرتُ صرحك) (١).
وفي مقطع طويل حشد كل أحقاده ودفائنه الرخيصة ضد اللَّه العظيم الجليل بوصف جنسي فاضح ثم يقول عن اللَّه تعالى:
(ورسمك الذي بدا يتهلهل
. . . أأدركت ما بنا
أم أعماك الغرور واللاانتظار
وإباؤكَ أن ترانا انتشينا
نقمة ومقتا
نجزيك بهما عن الليالي المداد
نقعتنا بها بحمأة الترجي
ولا رجاء
ونفضتنا عنك، أرخص مما اشتريتنا
ولم تخلّف لنا
غير وعدٍ برسول من لدنك
ينقل لنا خيراتك
ينفخ في رماد الذكريات؟
أراعك أنا استدرنا
حول الرسول ساخرين
وأما شدا باسمك
стр. 325
خائفًا خافتا
شدونا عاليًا صاخبين:
بغير حب إلهي بغير محبة؟
ولم نعذب رسولك ليبوح
إنك مغلوب كايانا
وفي عوز مثلنا وأسرٍ وصحراء
ورسالاتك هذي إلينا
استغاثات لا غرام
وتقربك الآن إلينا
ليس حبًا بقربى
لكن لتسكين إبرةٍ فيك
لا تكل
وتريدنا وقد خرطشتنا برشاشك
أن نسكّن إبرتك
ونحن (ألم تدرك؟)
تقبلنا اللهيب لنوقد الكره الأصم
وابتلعنا العصير
لنتقيأ معه
اسمك والماضي وذكراكا) (١).
стр. 326
هذا المقطع البذيء المرتكس في أنتن أنواع الكفر والإلحاد هو شيء مما يطلق عليه الحداثة والإبداع، وقائله ممن يعد عند الحداثيين قمة من قممهم التي لا تطاول.
مع أن الحقيقة أن هذا الكفر البواح، ليس إلّا جزءًا من المؤامرة الخبيثة على القرآن وأهله والسنة وأتباعها، وهذا مايؤكد أن القضية ليست قضية ثقافة وفن وإبداع وشعر وتحديث، بل هي قضية حرب على أمة الإسلام، وحرق لهويتها ومهاجمة لأثمن وأعز ما يعتقده المسلم؛ وإلا فما وجه الربط بين التحديث والكفر؟.
إن أدونيس والخال والصائغ وجبرا وزملاءهم غير المباركين من كتاب وأدباء ورواد الحداثة العربية المعاصرة، تؤكد دلائل أقوالهم وأعمالهم وبعض ما انكشف من علاقاتهم وصلاتهم الظاهرة والخفية أنهم ليسوا سوى أدوات لأعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهم، وإني لأعلم وأنا أكتب هذا القول أن من يطلع عليه من الأقزام المقلدين المنبهرين سوف يسخر منه ويزدريه؛ وذلك حسب الانتماء المأجور والمحاكاة البلهاء، غير أن مغزى هذه العقائد الحداثية المبثوثة في أعمال أصحابها لا يُمكن أن تسعف هؤلاء التلاميذ الصغار والمطايا المستعبدة فكريًا واعتقاديًا في إيجاد العذر المقبول -على الأقل- فيما يتعلق بعداوتهم الحقيقية للإسلام عقيدة وشريعة وشعيرة وسلوكًا وتاريخًا ورموزًا وحضارة.
وإن أعجب من دفاع بعضهم عن الحداثة وإنها لا تناقض الإسلام فقد عجب قبلي من هذا أحد الذين خبروا شأن الحداثة وسبروا أكثر أغوارها فقال: (. . . رأيت صغيرًا صغيرًا يكتب في مجلة سعودية ويؤكد. . . أن أدب الحداثة بإطلاق لايعارض الإسلام، وأن الإسلام قدير على الدفاع عن نفسه.
فطال عجبي وأسفي معًا في هذه الأعباء البشرية التي قزمها قدرها السابق، وأبت إلّا أن تكون في مواصفات القزمية في اللاحق، عجبت
стр. 327
للإسقاط الطفوليّ بجرة قلم: "أدب الحداثة لا يعارض الإسلام"، وبهذه السرعة يجاوب الطفل العربيّ، وبهذه السرعة يتناسى المبهور ما حوله، وبهذه السرعة يجحد هموم المخلصين ويقول: في أذني وقر!.
وكلمة "لا خوف على الإسلام" عنوان عريض لسذاجة أولئك الأطفال (١).
ومن ذا الذي يشك في أن الحداثة تناقض الإسلام تمام المناقضة؟ وفي مفردات روادها من أمثال ما سبق نقله في الفصل المتعلق بالربوبية، وكذلك في هذا الفصل المتعلق بالألوهية، ويكفيك من شر سماعه!!، ولولا ضرورة إثبات الانحرافات لما استطعت نقل هذا الكلام الشنيع.
وعودة إلى توفيق صائغ وموقفه من الألوهية، نجده يقول:
(الملائكة، لا ملائكة في الأثير
قصقص البيض الجناح، تصغرن
شحّرن الملامح لا يرفرفن. . .
يأتين إن يأتين في ركب إله
- ولا إله
. . . تقتص خطو إله
- ولا إله) (٢).
فمن تسمية الملائكة بالإناث وهو دأب الكافرين من قبله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ (٣) إلى جحد الألوهية ونفي وجود إله، ألا لعنة اللَّه على الكافرين.
стр. 328
وعلى نحو القول السابق قال أيضًا:
(عادت لقريتها
ولا قيد ولا جناح
ولا حيوان ولا إله) (١).
فمع جحده الإله لا يكتفي بذلك بل يقرنه بالحيوان، إمعانًا في الاستخفاف والتدنيس، ومثل ذلك قوله:
(لففت العباء حولي
تعكزت إلى القفر
إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله) (٢).
ويقول أمل دنقل:
(خصومة قلبي مع اللَّه ليس سواه
. . . .
فهل نزل اللَّه عن سهمه الذهبيّ لمن يستهين به
هل تكون مكان أصابعه بصمات الخطاه
خصومة قلبي مع اللَّه. . ليس سواه) (٣).
ويقول ممتدحًا الشيطان الذي اتبعه، لكونه رفض أمر اللَّه وتمرد عليه:
(المجد للشيطان معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
стр. 329
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال "لا" فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم) (١).
أمّا نزار قباني فيدخل نفي إيمانه باللَّه تعالى ضمن مخاطاباته الغرامية الفاسقة فيقول:
(ماذا تشعرين الآن؟
هل ضيعت إيمانك مثلي بجميع الآلهة) (٢).
وعلى هذا النفس الخبيث تتتالى كلمات الحداثيين، ومنهم معين بسيسو القائل:
(كفى تلدين، كفى تجهضين
فنحن بغير إله) (٣).
ومثله بلديُّه وزميل مبادئه الضالة سميح القاسم يقول:
(وتصدع الآفات جلجلة الملايين المدوية المريدة:
أيظل؟!
- لا. . لا لن يظل إلهنا
- ونظل؟!
لا. . يا طفلنا الموعود!. . لن نبقى عبيده!!
فوراء سور العصر خلفنا شعائره البليده!
ووراء سور العصر خلفنا كهوف الموت
стр. 330
موحشة معذبة. . وفُتنا الليل والأسلاك
والأنقاض والقتلى ونصب المجد
في الأرض البعيدة!
واجتاز موكبنا مخاضات الدم الكبرى
إلى شطآن. . جنتنا السعيدة!!) (١).
إنه الفرار من التوحيد وألوهية اللَّه الواحد الأحد إلى وثنية الماركسية التي يصفها بالجنة السعيدة!! ويالها من جنة حشر فيها آلاف وملايين البشر بقوة السلاح والقتل، وما أن حانت لهم الفرصة حتى فروا منها باحثين عن الحرية والنجاة في غيرها، بل العمال الذين هم قوام الثورة الماركسية كانوا أول من ثار على الماركسية في بولندا حتى أسقطوها، ولكن العرب الأتباع لا يفقهون.
ويتجاوب سميح القاسم مع جنته الماركسية القائمة على مبدأ "لا إله والحياة مادة" فيقول:
(أي تنين خرافيّ الألوهة
سمل الأعين في تاريخنا أدمى وجوهه) (٢).
وفي سفوح التحرر الإلحاديّ يتنافس الحداثيون في إظهار كفرهم بكل دين وعقيدة، ومن ذلك ما عبر عنه المقالح في قوله:
(كفرت بهذا الزمان
بكل الزمان
كفرت بصمت الكهوف
. . . بكل قصيدة
стр. 331
بكل عقيدة
بدين يهوذا) (١).
أمّا التعيس المحترق علاء حامد فإن إلحاده في روايته الكافرة "مسافة في عقل رجل" من أظهر وأشهر ما قيل على سخف وانحطاط في الفكر والأسلوب، فهو يقرر بأن فكرة الإله من صنع البشر وأنها مجرد أوهام لابد من القضاء عليها (٢).
ويصل به إلحاده إلى حد القول: (فلنبدأ بلفظ اللَّه، الذي اختلفت فيه لغات العالم مما جعل البعض يردد أنه لو كان اللَّه موجودًا لأطلق على نفسه لقبًا تشترك في نطقه كل لغات العالم بلهجاتها المختلفة، ولكن لفظ اللَّه يختلف من لغة إلى أخرى، ويدللون بهذا على أن اللَّه كجوهر أيضًا صيغة بشرية من اختراع الإنسان اللفظ والجوهر معًا) (٣).
وفي تهافت هذا الكلام وخلوه من العقل والمنطق ما يكفي لسقوطه وإلّا فما وجه الدلالة في كون الاختلاف اللغويّ بين البشر في تسمية الشيء يدل على عدم وجوده؟!.
فها هو الإنسان والعقل والأرض والسماء وجميع الأشياء المحسوسة الموجودة، لا تتفق عليها لغات العالم، وعلى هذا المنطق الهزيل تكون هذه الأشياء غير موجودة!!.
والمقصود هنا إثبات أن الحداثة تتبنى جحد ألوهية اللَّه تعالى وتعد الإيمان به تخلفًا وخرافة، كما قال هذا المفتون: (شتان ما بين الاثنين، شعوب اتجهت إلى طريق البحث عن الحقيقة، وأخرى عبدت المجهول فاستعبدها، أصبحوا مجموعة من الرقيق لآلهة من المعتقدات والطقوس والخرافات والعبادات. . مجموعة من الخراف يسوقها للذبح سيف ذلك
стр. 332
المجهول الذي يصلون في محرابه، وتحت قبة خرافاته، ذلك المجهول، المرض الخبيث الذي أصاب العقل البشريّ بالخبل والتوهان، حوله إلى مجموعة من الخلايا السرطانية. . .) (١).
ويوسف الخال رائد الحداثة الأول يتحدث عن اللَّه تعالى برمز حداثيّ خبيث الدلالة في مقطوعات جمعها تحت هذا الرمز الذي سماه "البئر المهجورة" (٢) وهو عنوان لمقطوعته (٣).
وتفسيرًا لمقصود الخال بالبئر المهجورة نأتي بكلام النصرانيّ الآخر غالي شكري الذي يشرح المراد موافقًا له فيقول: (والبئر المهجورة عند يوسف الخال فيما أرى هي اللَّه) (٤).
المظهر الثاني من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: نفي بعض خصائص الألوهية:
لم تقتصر شرور الحداثة والعلمانية على نفي الألوهية عن اللَّه تعالى بل امتدت لتنال ما ترتب على توحيد الألوهية من قضايا وأمور، تعتبر من أصول الدين وقواعده المحكمة، أو من فروعه المعلومة من الدين بالضرورة.
وإذا كانت الحداثة والعلمانية تسعى بجد في إبعاد الدين جملة وتفصيلًا فإنه مما لا ريب فيه أنها جادة في نفي خصائص الألوهية في كل ما يتعلق بالحياة، بأوجه عديدة وطرائق مختلفة، وإن موضوعًا كهذا ليس من البساطة
стр. 333
بحيث يُمكن التماري حوله قبولًا وردًا، بل هو من قضايا التوحيد ومن ثوابت الإيمان؛ ذلك أن أي خصيصة من خصائص الألوهية يعد إنكارها أو التشكيك فيها ناقضًا من نواقض الإسلام.
لأن الإسلام هو الاستسلام الكامل للَّه ، والإذعان له، بتصديق خبره وامتثال أمره.
والكفر الذي يسبب الخلود في نار جهنم هو التكذيب والإعراض عن هذا؛ إذ كيف يعد مسلمًا من قابل خبر اللَّه أو بعضه بالتكذيب، أو استقبل شيئًا من شريعته بالإعراض والرد؟، وهذا الأمر من محكمات الدين الإسلاميّ، وهو من الحدود الفاصلة بين الإسلام والكفر والإيمان والنفاق، وهو الميدان الذي يتصاول فيه دعاة الإسلام مع أعدائه وشانئيه.
وهؤلاء الذين ينكرون بعض خصائص الألوهية يمارسون ذلك من عدة أوجه وبعدة أساليب، وسوف أذكر بعضًا من ذلك على سبيل التمثيل لهذا اللون من الانحراف العقديّ في الأدب الحديث:
نفي حق اللَّه تعالى في حكم عباده والتشريع لهم، باعتقاد العلمانية دينًا أو الإلحاد الصريح مذهبًا، أو بالزعم بأن دين اللَّه تعالى لا يصلح لهذا الزمان أو أن أحكامه بشعة وغير ذلك من سعيهم في آيات اللَّه معاجزين، وسيأتي فصل مستقل بهذا النوع من الانحراف، وإنّما أشير هنا إلى بعض الأمثلة في ذلك:
يقول نصر حامد أبو زيد (١) في معرض رده لنصوص الوحي المعصوم
стр. 334
المنزل على نبينا محمد ﷺ : (. . . إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية) (١)، (. . . إن النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة) (٢).
ثم يخلص من هذا الكلام الهزيل ليصل إلى مراده النهائي، والذي سوف يرتب عليه نسف الدين كله فيقول: (وإذا كنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية فإن هذا التبني لا يقوم على أساس نفعي إيديلوجي يواجه الفكر الدينيّ السائد والمسيطر بل يقوم على أساس موضوعيّ يستند إلى حقائق التاريخ وحقائق النصوص ذاتها) (٣).
وهذه الأقوال ليست إلّا وجهًا كالحًا من أوجه الإلحاد الذي غزى به الأعداء بلاد المسلمين وأوجدوا من بين بني جلدتنا ومن يتكلم بألسنتنا من يقول أقوالًا لم يقلها أساتذته، إمعانًا في استرضائهم ونيل حظوتهم والمكانة عندهم.
ويستتر هذا البغيض تحت عبارات يخادع بها ويبث بها كفره مثل الموضوعية وحقائق التاريخ وحقائق النصوص، وهو أبعد ما يكون عن كل ذلك وهو من جنس حجج الكافرين السابقين ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (٤)، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ (٥)، وإلّا فما القول في فحول فصحاء العرب الذين توقفوا عند نصوص الوحي مبهورين؟ وخضعت أعناقهم -وهم البلغاء- لروح هذا الكلام الحكيم؟.
ثم يأتي ذباب ارتشف من زبالات الغرب ما ارتشف ليخرج بعد ذلك
стр. 335
مثل هذا الكلام المتهافت الوضيع ليتسلل من خلاله إلى نفي وجود اللَّه تعالى وجحد أخبار الغيب فيقول: (تتحدث كثير من آيات القرآن عن اللَّه بوصفه ملكًا (بكسر اللام) له عرش وكرسي وجنود وتتحدث عن القلم واللوح، وفي كثير من المرويات التي، تنسب إلى النص الثاني -الحديث النبويّ- تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسيّ والعرش، وكلها تساهم -إذا فهمت فهمًا حرفيًا- في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا الماديّ المشاهد المحسوس) (١).
ثم يصب جام حقده على تطبيقات النصوص الشرعية في الأحكام والتشريعات وهي المقصد الرئيسي لكل مقدماته الباطلة الكافرة، فيسخر من الرق والعتق ومصطلح أهل الكتاب وأخذ الجزية والسحر والجن والحسد وحكم الربا ثم إلى "الحاكمية" فيقول عنها: (والانطلاق من معطيات النص الحرفية والتمسك بالدلالات التي تجاوزتها الثقافة وتخطتها حركة الواقع يكشف عن بعده الإيديولوجي بشكل واضح في إصرار الخطاب الدينيّ على جعل العلاقة بين اللَّه والإنسان محصورة في بعد "العبودية" والعبودية تستدعي مقولة "الحاكمية" التي تتأسس عليها وجوديًا ومعرفيًا) (٢).
ثم يتوجه بالهجوم الإلحاديّ على مصطلح "العبودية" ويقرر أن دلالة اللفظ مجرد دلالة تاريخية لا حقيقة لها وأن العبودية (لا تعني الامتلاك الكامل للروح والجسد كما كان الحال في النظام الاجتماعي الاقتصاديّ المسمى العبودية) (٣).
ويضيف قائلًا: (وحين يحصر الخطاب الدينيّ العلاقة بين اللَّه والإنسان في بعد "العبودية" وحده فإنه لا يستحضر المعنى المجازيّ للعبودية، بل يصر على تأكيد الدلالة الحرفية، وهي الدلالة التي تتأكد بطريقة حاسمة حين توضع في سياق التأويل الحرفيّ لصورة الإله الملك صاحب العرش
стр. 336
والكرسي والصولجان والجنود التي لا حصر لها) (١).
فهذا نموذج من نماذج الانحراف العقديّ الذي يُنشر ويُقرأ ويُحمى، وفيه أكبر شاهد على أوهام المادية الجدلية وأكاذيب وأغاليط الإلحاد، والحرب الموجهة ضد الإسلام عقيدة وشريعة، ويُمكن ملاحظة المزيج الكفريّ في النص: من احتماء بدعاوى العلمية والمعرفية والثقافة الشمولية، التي يخاح بها أشباهه من ذوي الهزال العقليّ، ثم السخرية باللَّه تعالى وبالنص الشرعيّ، وبالفهم السلفيّ القويم لهذه النصوص.
إن إسقاط حق العبودية للَّه تعالى أحد أظهر دلالات الاتجاه الحداثيّ العلماني، ومنه يتسرب جحدهم لحق اللَّه تعالى في الحكم والتشريع، وغير ذلك (٢).
وفي الحقيقة أن هذا المتهالك وأشباهه من الكتاب العلمانيين والحداثيين لايفهمون التدين إلّا بصيغته الأوروبية إلحادًا وجحودًا وردًا ومكابرة، أشربوا حبها على أنها هي الحرية والتقدم والنهضة، أو مجرد علاقة بين الإنسان وربه عند الذين يقرون بوجود رب خالق، وأي تجاوز لتلك الحدود التي رباهم الغرب عليها فهو التطرف والتعصب والأصولية بل والتخلف والرجعية.
وقد يظن المرء لأول وهلة أن هؤلاء ضلوا سواء السبيل عن جهل وعدم معرفة، فإذا تأمل ما يكتبون وجد أن انخلاعهم الكامل عن الإسلام وانحيازهم الكامل للكفر عن بينة وتصميم وقصد.
إنهم بكل وضوح ضد الإسلام كل الإسلام عن سابق إرادة وترصد، ثم يأتون يتبجحون بعد كل ذلك بأن (العلمنة لا تعني الإلحاد، إنّما تعني حرية الاختيار، واتخاذ موقف فلسفي أمام مشكلة المعرفة، فالكثير من
стр. 337
العلمانيين مؤمنون حقيقيون، ولكنه ليس إيمان التبعية والجهل، وإلّا كيف نفهم أن رائد الفضاء الأمريكيّ يصعد إلى عربته الفضائية يدور في الفلك الكونيّ وهو يعلق في صدره صليب إيمانه، وفي أوروبا فصلت الحداثة بين الدين والمجتمع المدنيّ، ولكنها لم تلغ الدين ولم تقض عليه، فقط كل يمارس طقوسه وشعائره كما يهوى ويريد، وربّما لا يمارسها، ولكن توقف الدين عن فرض سيطرته وتشريعاته على الحياة السياسية والاجتماعية العلنية هي الموقف الحر للروح أمام مشكلة المعرفة) (١).
إن خطاب المغالطة والتدليس الذي يميز اللهجة الحداثية العلمانية يبدو بارزًا عند اصطدامهم ببراهين الإسلام وحقائقه اليقينية، ويظهر معها مقدار التبعية للغرب إلى حد يجعل من المكابرة للحس والواقع والعقل والتاريخ شيئًا سائغًا عند هؤلاء.
وإلّا فأين الدراسات الموضوعية التي بناءً عليها يجب التفريق بين دين محرف ودين سليم قويم، وبين مجتمع وتاريخ عاش حياة البؤس تحت هيمنة أديان خرافية وجذور وثنية، ومجتمع وتاريخ عاش حياة الحق والخير والعدل والفضيلة؟!.
وأعجب ما في هذا الخطاب الممسوخ أن أصحابه شكلوا من أنفسهم قضاة ومفتين في أمور الإسلام والمسلمين وهم يلبسون عباءة أبي لهب ويمتشقون طيالسة الكنائس والبيع.
وإن من نفي خصائص الألوهية هذا الزعم الافترائيّ القائم على احتقار الدين والزعم بأن (الأديان بدأت تتقلص تقلصًا سريعًا عن كثير من البلدان حتى أنه لم يعد يدين بالأديان سوى ثلث سكان العالم: أي أن ثلثي سكان العالم حسب أحدث نظرية فقهية عن النار، مآلهم جهنم خالدين فيها أبدًا) (٢).
стр. 338
وهكذا تتكرر الطريقة العلمانية الحداثية في مواضع عديدة، أولًا الزعم والادعاء، وثانيًا التهكم والسخرية؟!.
وإلّا فمن أين لهذا أن ثلث سكان العالم ممن يدينون بدين والبقية ليسوا كذلك؟.
إن هذه الدعوى إضافة إلى كذبها ومخالفتها للحقيقة هي محاولة لملء الفراغ وحشد الأعداد ليتكثّر بها في جانب الإلحاد.
ثم السخرية من الدين الإسلاميّ الذي يقرر أن الكفار في النار، يتحدث عن ذلك على طريقة سلفه الذي قال ساخرًا بالنبي ﷺ حين أخبر عن شجرة الزقوم: "إنّما الزقوم التمر والزبد أتزقمه" (١).
ويعود هذا الخاسر بعد النسبة التي وضعها للتدين وعدمه فيقول: (ما جدوى الأديان وقد شدت الشرق إلى أحضان التخلف بينما ارتفعت هامة شعوب لا تؤمن بالأديان لقمة الحضارة) (٢).
ثم يرسم طريقه الذي اقتدى به، وهو ما يؤكد أنهم ينظرون إلى الدين بعين أوروبية، فيقول: (هناك في البلاد المتحضرة أصبحت الأديان مجرد علاقة خاصة بين الإنسان وربه، هذا إذا كانت موجودة أصلًا وبالتالي أصبحت مجرد إطار، شكل، كلمة تكتب في البطاقة، أما أسلوب الحياة فمنفصل تمامًا يحدده المجتمع من خلال اعتبارات أخرى يستوحيها من أسباب الحضارة) (٣).
هكذا تلقى هؤلاء الأغرار هذه الأفكار عن أساتذتهم الغربيين، علمًا بأن الغرب أدخل أديانه في أمور حياتية عديدة، ولهؤلاء الأتباع تتوجه أسئلة من مثل:
стр. 339
لماذا هذا التكالب النصرانيّ اليهوديّ على المسلمين؟.
لماذا يشن الغرب النصرانيّ حربه على المسلمين في البوسنة والهرسك؟.
لماذا يقاتل الصرب تحت رايات وشعارات الصليب؟.
لماذا قام الكيان الصهيونيّ في فلسطين ولم يقم في نيجيريا؟.
لماذا يسعى الغرب من يهود ونصارى في جعل المسلمين دائمًا تحت وطأة الضعف والتخلف والتبعية والاستعباد؟.
لماذا يصرح كبار سياسيّ الغرب بأن معركة كبرى ستأتي بينهم وبين المسلمين في "أرميا صيدون" وأنها آخر معركة في العالم؟.
ثم لماذا هذا الدعم الرسميّ والشعبيّ للمنظمات التنصيرية الموجهة إلى بلاد المسلمين؟.
وأسئلة أخرى كثيرة محرجة لهؤلاء الذين يدافعون عن الغرب أكثر مما يدافع عن نفسه، ويقتدون به ويقلدونه في أحط أموره.
إنهم طلائع العدو، بل هم العدو فاحذرهم قاتلهم اللَّه أنى يؤفكون، هم نقل الإفرازات الإلحادية والصهيونية إلى بلدان المسلمين، وليس معهم من كيانهم الأصليّ إلّا اللغة العربية التي يستطيعون بها توصيل سمومهم إلى أبناء المسلمين.
ولا تجد في فكر هؤلاء وعقائدهم ما يدل على شخصية عربية إلّا اللسان الذي به ينطقون ويه يكتبون، أمّا ما سوى ذلك فقد ذاب في خوض الكافرين واندرج في مدارج الهالكين.
ومن ألوان نفيهم لبعض خصائص الألوهية: القسم بغير اللَّه، وهذا كثير في كلامهم، ومنه قول صلاح عبد الصبور:
(أقسمت بالأهرام والإسلام والسلام
سأقتلك
стр. 340
بكل ما سُقيتُ من مرارة الأيام
أغوص في دمك
أقسمت بالأخ الذي مضى وخلته بلا ثمن) (١).
ويقول:
(أقسمت بالقمر
وبالسحاب والزهر
وباللجين واهب الحياة
سأقتلك) (٢).
ومثال آخر من أقوال توفيق زياد:
(قسمًا بأفئدة الأباة
الثائرين بكل ساح
قسمًا بأجنحة النسور
تمردت رغم الجراح
قسمًا بأحداق العذارى
الداميات من النواح
قسمًا برماني وزيتوني
وندماني، وراحي
قسمًا بأرضي، بالشواطئ
بالسواقي، بالمراح
стр. 341
بالدم بالأحرار
بالعزم المسعر، بالرياح
لتبرقعن نسورنا أعشاشها
بلظى الكفاح) (١).
ويقول النبي ﷺ : "من حلف بغير اللَّه فقد كفر أو أشرك" (٢).
ولولا قصد رصد صنوف الانحرافات لما أوردت مثل هذه القضية وأشباهها؛ لأن القوم قد انغمسوا في ما هو أبشع من ذلك من ألوان الكفر والإلحاد.
ومن أمثلة انحرافاتهم في هذا: التفاخر بعدم الخشية من اللَّه مثل قول توفيق صايغ:
(ارتعدت ركبتاي اصطكتا
لا لخشية اللَّه.
انقلبتْ خشيتي الخاليهْ
مرقصًا فاحشًا بروما) (٣).
ومن ذلك أيضًا: التهكم بالدعاء الموجه إلى اللَّه سبحانه، واعتباره وباءً وفراغًا، ومجرد عناء لا فائدة من ورائه، يقول أمل دنقل:
(ودعونا اللَّه أن يكشف عنا الغمة المنعقده:
أعطنا ليلة حب واحدة
стр. 342
أعطنا ليلة طهر واحدة
أعطنا ليلة صدق واحدة
وتنسمنا صدى الدعوة، غربلنا الهواء
لمن يكن إلّا الوباء
جربًا تحت الجلود) (١).
أمّا التهكم بأنواع العبادة فقد تمادوا فيه -وسوف يأتي تفصيل ذلك- وإنّما أذكر هنا بعض الشواهد، فمن ذلك الاستخفاف بالسجود في قول نزار قباني:
(وناهداك. أجيبي من أذلهما؟
ويوم كنت أنا. . للَّه ما سجدا) (٢).
وفي هذا تهكم بالسجود ونفي له، وهو من حقوق اللَّه تعالى ومن خصائص الألوهية التي لا يصح صرفها إلّا للَّه، كما لا يصح نفي استحقاق اللَّه لها، بيد أن هذا المفتتن لم يقتصر على النوع من الانحراف، وقد سبق ذكر جملة من انحرافاته، وله في أودية الضلال والفساد المدى الواسع والذكر القبيح، فها هو يصف اللَّه -جلَّ وعلا- بالموت شنقًا، ثم ينفي بعد ذلك أي قيمة أو معنى للصلاة والإيمان، فيقول:
(من بعد موت اللَّه مشنوقًا
على باب المدينة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (٣).
فهل بعد هذا الكفر من كفر؟ ومع ذلك فلا نجد من الحداثيين
стр. 343
والإمعات التابعين لهم والمدافعين عنهم إلّا الإشادة والامتداح لهذا الكلام المنحط الخبيث ولقائله، تحت شعارات التحديث والجمال الفنيّ والإبداع، ألا فلتكسر الأقلام والأيدي التي تكتب مثل هذا الكفر البواح.
ومن ألوان انحرافاتهم في هذا المسار: جعل العشيقة أحب من اللَّه تعالى، كما في قول محمد الماغوط:
(. . . وكنت أحبك يا ليلى
أكثر من اللَّه والشوارع الطويلة) (١).
ومنها: الاستخفاف بالدعاء وجعله غير نافع ولا مفيد، كقول ممدوح عدوان: (ولو ينفع دعاي اللَّه لدعيت) (٢).
ونحو هذا قول عبد الرحمن المنيف في روايته مدن الملح: (. . . ورغم أنه فهم المعنى العام للكلام الذي أداه هاملتون كما يؤدي المؤمن الصلاة أو كما يرفع المتوسل دعاءه إلى قوة مجهولة لكي تساعده، فقد احتار. . .) (٣).
وقاعدة هؤلاء جميعًا في جحد خصائص الألوهية ما صرح به أحدهم قائلًا: (. . . يجب وضع الدين في إطاره الصحيح، وهو علاقة الإنسان بربه فقط دون المعاملات الإنسانية؛ لأن الأديان لم تعد تصلح كمنهاج في الحياة بعد أن حرمت في كثير من نصوصها أحاسيس المجتمعات نبضها عندما قضت بتحريم ممارسة الفنون من رسم ونحت وتمثيل ورقص وغناء وموسيقى، نأخذ من أحكامها مايتسق والعصر، ونرفض ما يخالف ذلك حتى ولو أدى الأمر بنا أن نرفضها جميعًا) (٤).
وعلة هذا الجحد والمصادمة والرفض الكامل أو الجزئيّ للدين أنهم
стр. 344
يرون -زورًا وبهتانًا- أن الإنسان أصبح لإيمانه باللَّه (مجرد وسيلة، قطعة شطرنج على لوح الأديان) (١) وأن (شرائع الأديان أصبحت الآن وفي أغلبها كسيحة عن ملاحقة التطور المذهل للبشرية) (٢).
وأن النهضة اليوم لم تأت إلّا بعد التمرد والرفض للأديان (ففي عصر النهضة كانت المجتمعات شرنقة للدين من خلال سيطرة رجال الدين، إلى أن خلع الفكر تلك الشرنقة ومزقها لتدب فيه الحياة بآراء المفكرين والفلاسفة والعلماء) (٣).
هذه حقيقة نظرتهم للدين وإن صبغوا أعمالهم بصبغة الأدب، ولونوا مقاصدهم بألوان التحديث والإبداع الفنيّ والتطوير اللغويّ ونحو ذلك من عاداتهم الكلامية.
المظهر الثالث من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: جحد حق العبودية للَّه تعالى والسخرية بالعبادة ومظاهرها:
وهي نتيجة حتمية للمقدمة الإلحادية الكفرية، التي جعلوها أساسًا للحداثة والعلمنة وما يسمونه الإبداع والتطوير، وهي جحد ألوهية اللَّه الواحد الأحد، فمن يجحد أن اللَّه هو الإله الحق المعبود دون سواه فلا ريب أنه سيجحد حقه تعالى في أن يعبده الخلق الذين أوجدهم من عدم ويميتهم ثم يحييهم، وسيسخر بالعبادة ومظاهرها.
وهو دأب أسلافهم من الكفار الأقدمين، فهم على آثارهم مقتدون، كما أخبر اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ (٤)، ﴿ذَلِكَ
стр. 345
جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ (١).
وأوجه انحرافهم في هذا الباب عديدة تبدأ من جحد حق العبودية للَّه تعالى، وقد مر في هذا الفصل عدة شواهد على ذلك:
من أمثال جحد نصر حامد أبو زيد للعبودية، ونفي أدن تكون العلاقة بين اللَّه تعالى والإنسان علاقة إله معبود بعبد مربوب (٢).
إلى حد زعمه بكل جرأة وتبجح أن مفهوم العبودية كما ورد في النصوص الشرعية وكما فهمته الأمة الإسلامية في كل عهودها؛ هو مفهوم مصادم للإسلام ذاته، وأن السير في هذا الاتجاه حركة ارتدادية وعملية إخفاء متعمدة لدلالة النصوص (٣)، أي أن الأمة كلها منذ مبعث الرسول ﷺ حتى اليوم عاشت في لجج الارتداد والخياة -حسب تعبيره- حتى جاء هذا المنقذ!! ليظهر الحق ويوضح الحقيقة!!.
وبتتبع كلام هذا المفتتن نجد غايته من هذه السفسطات الزائفة تتمثل في إبعاد الإنسان عن الدين، وخلع ألوهية اللَّه تعالى عن حياة الناس، وجعل الإنسان عبدًا لنفسه وأهوائه، تحت شعارات العقلانية والعلمية والحياة العصرية وغير ذلك من الترهات ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ (٤).
ألم يجعلوا العبادة للَّه وحده، تخلفًا والوثنية والكفر تقدمًا؟.
ها هو أحدهم يقول:
(بين سطور إسفار العبادات
دوران ولفّ
стр. 346
ولا تقدم) (١).
وها هو الآخر يجعل من الإيمان باللَّه تعالى نقيضًا للعقلانية -الإله المعاصر الذي عبدوه من دون اللَّه- فيقول: (وما دام الإيمان الذي عمر صدور هؤلاء المهتدين الجدد يقدم نفسه كنقيض لكل عقلانية، ولكل تاريخية، وفي غضون ذلك سيكون الواقع قد تعفن أكثر فأكثر) (٢).
ولو تأملنا هذا الكلام على بساط العقلانية التي يرددونها دائمًا، لقالت حقائق العقول أن الإنسان اقترب من ربه ودان له كلما كانت حياته الفردية والاجتماعية أفضل وأرقى وأحسن، وكلما ابتعد عن ربه كلما ارتكس وانتكس وشقيّ وتعس، وما التحلل الاجتماعيّ والفساد الخلقيّ والانحراف العقديّ الضارب بأطنابه في الحياة المادية الغربية وفروعها إلّا أكبر دليل على التعفن والانحطاط الذي وصل إليه الإنسان، عندما ترك الدين وترك العبادة واستكبر على اللَّه فحاطت به سيئاته ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٣).
وقد اقتبس الحداثيون أسوأ ما في الغرب من أمور، وجلبوا إلى أوطان المسلمين أشر ما عند الكافرين، والعقائد الضالة والأخلاق الفاسدة.
يقول البياتي:
(كان لنا فجر وكانت لنا … آلهة تمنحنا ودها
يا طالما غنيت في حبها … وكنت في حبي لها عبدها
حتى إذا ما الأمس ولّى مضى الـ … ـساقي وخلى في فمي قيدها
يا طيفها! نوافذي أغلقت … وأطفئت أنوارها بعدها) (٤)
стр. 347
وسواء قرئت هذه الأبيات على أنها جحد وتمرد على الماضي الإسلاميّ الذي يقوم على عبودية اللَّه، أو قرئت على أنه يخاطب معشوقته التي جعل منها آلهة وجعل من نفسه عبدًا لها، فكلا الأمرين يدل على عمق الانحراف الاعتقاديّ، وظهور التبعية للغرب الماديّ.
ومن هذا النمط قول توفيق صايغ:
(إله الصلوات الطوال البعيد
انتشلني لدياره
جعلها دياري) (١).
وقول أمل دنقل:
(حين أخلع عني ثياب السماء
فأنا أتقدس -في صرخة الجوع- فوق الفراش الخشن) (٢).
ويقرنون بين عبادة اللَّه وحب اللَّه تعالى والتسكع والسرقة كما في قول أحدهم:
(عاد المتثائب للمقهى
ولحب اللَّه.
عاد العاطل للسرقة) (٣).
ويسخرون بالدعاء الذي هو العبادة، ويصفون عفو اللَّه بالسمّ كما قال أحمد دحبور: (أسأل اللَّه ألا يسمم بالعفو حزني) (٤).
ويجعلون الكفر والإلحاد وترك الدين والعبادة حرية تفكير واعتقاد،
стр. 348
كما يقول الطاهر بن جلون (١) في رواية ليلة القدر: (. . . أحب القرآن كشعر رائع، وأمقت الذين يستغلونه في تشويشات ويحدون من حرية التفكير، إنهم منافقون. . . أنا أعرفهم جيدًا، لقد تعاملت معهم من قبل، إنهم يستندون إلى الدين للسحق والهيمنة، وأنا أستند حاليًا إلى الحق في حرية التفكير وحرية الاعتقاد أو عدمه هذا لا يعني سوى ضميري. . .) (٢).
ويقول في موضع آخر على لسان إحدى شخصيات روايته: (إنني في قطيعة مع العالم، أو على الأقل مع ماضيّ الشخصيّ لقد اقتلعت كل شيء، إنني مقتلعة عن طواعية، وأحاول أن أكون سعيدة، أي أن أعيش حسب إمكانياتي، بجسدي الخاص، لقد اقتلعت الجذور والأقنعة، أنا تيه لا تمسكه ديانة، أسير لا مبالية وأعبر الأساطير.
- هذا ما يدعى بالحرية
- نعم التجرد من كل شيء، وعدم امتلاك أي شيء لكي لا يملكني شيء، حرة، أي مستعدة، سابقة على العقبات، وربما سابقة على الزمن. . .
- ليس للإنسان شيء في الأصل، هذا صحيح، وينبغي ألا يكون له شيء في النهاية. . .) (٣).
وعندما يتحدث عن الإسلام والمجتمع المسلم الذي التزم به يقول: (مجتمع قائم على النفاق وأساطير ديانة حُوِّل اتجاهها وأفرغت من روحانيتها. . .) (٤).
стр. 349
ليس بعد هذا الكلام أي إيضاح في عمق وفضاعة الانحراف العقديّ في الأدب الحديث.
وأساس فلسفتهم في جحد حق العبودية للَّه تعالى ما قاله علاء حامد في روايته مسافة في عقل رجل: (. . . الإنسان ليس سوى نظرية مادية بحتة، وجد بالصدفة ويموت بالصدفة، ويموت يصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة فلا إله ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا جن أزرق أو أحمر، ولا ملائكة بيضاء أو خضراء تهفهف بأجنحتها، والرسل ليسو سوى مجموعة من الدجالين، والأديان صيغ بشرية ذكية، والإنسان ابن الطبيعة، خالق نفسه، هو الأوحد الأقوى والأفضل والجبار والمتكبر، وبالتالي فقد وجد بالصدفة وسيفنى جنسه البشريّ أيضًا بالصدفة. . .) (١).
هذا الكلام التافه والمنطق الرخيص هو في الحقيقة محور فكرتهم في نواحي انحرافاتهم العديدة، غير أن هذا صرّح وغيره لمح ورمز.
قال اللَّه تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ (٣).
لقد أغرق هؤلاء في جحودهم واستكبارهم وعنادهم حتى جعلوا التحرر من العبادة للَّه تعالى والتحرر من الدين والشرائع أساسًا للإبداع والتحديث والتقدم والرقي!!.
فأدونيس في حديثه عن نفسه ومنهجه الحداثيّ ومشاريعه الإبداعية
стр. 350
يقول: (أنا المتوثن والهدم عبادتي) (١)، وقد سبق نقل كلام أحد منظريهم في الثناء على تعدد الأوثان عند اليونان (٢)، واعتبار ذلك أساسًا للتعددية الفكرية الحديثة وللحرية، أمّا التوحيد - عنده فجمود وتخلف وتحكم وعوائق وأغلال (٢)، ثم خلص إلى أن مطلب الحداثة هو تحرير الإنسان من الوحدانية وإعادته إلى الوثنية، فقال ما نصه: (. . . فالوحدانيه تتناقض كل التناقض مع الحرية، إن وحدانيتها تحول دون تحقيق وعودها فلا حرية مع الوحدانية. . . لذلك نجد النهضة الأوروبية حاولت إعادة الصيغة الوثنية التعددية، فقد وجدت فيها التعبير الاكمل لحرية الإنسان فكرًا وجسدًا، وهنا تبدأ الحداثة الثانية وبدايتها كانت على شكل مساومة بينها وبين الوحدانية، ولم تظهر بشكل واضح إلّا بعد أكثر من قرنين من النهضة الأوروبية التي تشكل البداية فقط) (٣).
إذن هذه الحداثة، وهذا أول طريقها المظلم وبداية حملتها الصليبية والصهيونية الإلحادية لاختراق دار الإسلام، باسم التحديث والتجديد هذه المرة، وفي أزياء العقلانية والتطوير والتاريخية والعصرية.
وما هي في الحقيقة إلّا حلقة في سلسلة طويلة من الحرب للإسلام وأهله، وشعبة من شعب الكفر والنفاق يراد لها أن تلقى بظل يحومها على ربوع الإيمان والتوحيد في قلوب المؤمنين، لتوجد مكان التوحيد وثنية باسم التعددية، ومكان اليقين شكًا باسم النقاش والحوار، ومكان الشريعة جاهلية باسم العقلانية، تارة بالكفر البواح في الأمكنة التي يتاح لهم فيها المجاهرة به، وتارات بالمخبوء والمستتر تحت الألفاظ والرموز الغامضة فى الأمكنة التي لا يتمكنون فيها من البوح والتصريح.
وعلى كل حال فقد أضحى التحرر من العبادة للَّه ومن الإيمان به ومن
стр. 351
التوحيد ومن الشريعة أساسًا من أهم أسس الإبداع عند أصحاب الحداثة.
ويُمكن القول بكل صراحة: إن منظري ومروجي الحداثة يعلنون بكل جرأة، بأن الكفر باللَّه ودينه هو أساس الإبداع، ولنستمع إلى قول سادن صنم الحداثة، الباطنيّ أدونيس في هذا المجال، وذلك في أثناء حديثه عن الخروج عن ما أسماه بالمشكلية القديمة للحضارة العربية، المتمثلة حسب زعمه في الوحي والدين والقديم، والتي يراها متناقضة مع ثنائية مقابلة لها، فالوحي مع العقل، والدين مع الفلسفة، والقديم مع الحديث، ويرى أن هذه الثنائية التفاضلية التعليمية أدت إلى دوران الفكر العربي والشعر في إطار مغلق وضيق، بين ثنائيّ تقويميّ: حق وباطل، وخير وشر، وإيمانيّ وإلحاديّ، وأصوليّ وخارجيّ وعربيّ وشعوبيّ، وقديم ومحدث (١).
ثم خلص من ذلك إلى أن هذا المناخ من الهيمنة أدى إلى ثورة مؤداها أنه (لم يعد المطلق الإلهيّ وحده مركزًا، بل صار الإنسان شريكًا له، ذلك هو الجانب الصوفيّ والعقلانيّ الإلحاديّ، لكن على مستوى آخر من هذه الثورة. . . أصبح العالم تفجرًا مستمرًا صوب تكامل مستمر، ولم يعد المطلق الإلهيّ وراء العالم أو قبله وحسب، وإنّما أصبح أمامه أيضًا، لم يعد يجيء من الماضي وحده، وإنّما أخذ ينبثق في الحاضر ويجيء من المستقبل أيضًا، ولم يعد المطلق الإلهيّ في هذا المنظور جوابًا لا سؤال بعده، وإنّما أصبح سؤالًا، والعالم، إذن، لم يخلق كاملًا، دفعة واحدة وإلى الأبد، وإنّما صار كل شيء فيه للخلق المستمر. . . هكذا لا يعود علم الجمال، بالنسبة إليه علم جمال النموذج أو الأصل أو الثابت، بل علم جمال المتغير، المتحول، المتجدد، ويصبح الإبداع ممارسة الشاعر، الأولى، من أجل تأسيس وجوده في أفق البحث السؤال، لم يعد الشاعر، بتعبير آخر، يكتفي بمحاكاة العالم، وإنّما أصبح يمارس هو نفسه خلق العالم، وبدلًا من أن يردنا علم جمال الثابت إلى العالم البديع الفائق، الكامل الصنع، أخذ يردنا علم جمال المتحول إلى القصيدة البديعية الصنع، كصورة جديدة عن
стр. 352
العالم من صور ممكنة لا نهاية لها) (١).
هذه هي أسس الإبداع الحداثيّ وأصول فكرة التحول والتجديد والصيرورة الدائمة.
أمّا القصيدة البديعة التي يعنيها أدونيس في كلامه السابق، فهي من جنس أقواله الإلحادية الخبيثة:
(سقط الخالق في تابوته
سقط المخلوق في تابوته
والنساء ارتحن في مقصورة) (٢).
(أحرق ميراثي، أقول أرضي
بكر، ولا قبور في شبابي
أعبر فوق اللَّه والشيطان
دربي أنا أبعد من دروب
الإله والشيطان) (٣).
هذا بعض تجديده وبعض وممارسته لعلم جمال المتحول، وهو الإطار والصورة الجديدة للعالم الذي يريده أدونيس، وهو اختياره الذي عبر عنه بقوله:
("من أنت" من تختار يا مهيار؟
إني اتجهت، اللَّه أو هاوية الشيطان
هاوية نذهب أو هاوية تجيء
стр. 353
والعالم اختيار
- لا اللَّه اختار ولا الشيطان
كلاهما جدار
كلاهما يُغلق لي عينيّ
هل أبدل الجدار بالجدار
وحيرتي حيرة من يضيء
حيرة من يعرف كل شيء) (١).
وبعد هذا الكفر البواح لك أن تسأل، هل يوجد من الحداثيين الذين ينتسبون إلى الإسلام من يعجب بأدونيس ويحبه ويدافع عنه؟
وللإجابة على هذا نأخذ كلام أحد الحداثيين المصِرِّين على أن الحداثة لا تناقض الإسلام، ونرى موقفه من أدونيس صاحب هذه الأقوال الشنيعة.
ففي مقابلة في جريدة الشرق الأوسط مع عبد اللَّه الغذامي (٢) سئل: (كيف ترى مستقبل الحداثة الفنية التي يتبناها التيار التجريبيّ بريادة أدونيس؟، وهل يُمكنها أن تفرض نفسها كاتجاه أساسيّ في حركة الشعر العربيّ الحديث ولماذا؟) (٣).
أجاب الغذامي قائلًا: (يبدو لي أن مسألة أدونيس والأدونيسية مسألة
стр. 354
في غاية الحساسية، وقد يكون أدونيس شاعرًا متمكنًا ومثقفًا واسع الاطلاع، واطلاعه هنا منبثق من معرفته الوثيقة بالثقافة العربية التقليدية مثل ما هو وثيق المعرفة بالثقافة الغربية الفرنسية والإنجليزية، فمن هنا تأتي تجربة أدونيس وكأنها مكونة من عجينة غريبة الأطوار لكنها واثقة من نفسها -إلى أن يقول: - أدونيس من الصعب دمجه داخل السياق الشعريّ العربيّ فهو سيظل مدرسة متفردة، صحيح أنها مدرسة متميزة ورائعة لكن خروجها على السياق العربيّ خروج كبير جدًا، لا يُمكن السياقات التالية لها من الصمود والبقاء داخل جسد القصيدة العربية) (١).
ويعجب أي مسلم من هذا الإطراء البغيض لهذا الرمز الإلحاديّ المكشوف!! وهذه الادعاءات التبجيلية والارتماء المعتم أمام سادن أصنام الحداثة.
ويبدو أن المادح مثل الممدوح في معرفته بالإسلام وتاريخه وحضارته، ولذلك وهبه صبغة أنه صاحب معرفة وثيقة بالثقافة العربية، علمًا بأن ثقافة أدونيس العربية ليست سوى ثقافة الانحراف بدءًا من الطائفية النصيرية التي نشأ وتربى على عقائدها الضالة وانحرافاتها (٢)، وانتهاءً بثقافة الإلحاد التي أشاد بها وامتدحها في كتابه الثابت والمتحول (٣)، وفي منثور كلامه في هذا الكتاب وغيره.
ويمارس هذا المادح أسلوب التعمية بالتعميم الإطرائيّ حين يصف أدونيس بأنه شاعر متمكن ومثقف واسع الإطلاع.
стр. 355
وقد التقيت به في لقاء خصص للحوار بين اتجاه الحداثة واتجاه الإسلام في الرياض عام ١٤٠٨ هـ وكان مما ذكرته له هذا القول في الثناء على أدونيس واعطائه شهادة التزكية الثقافية العريضة هذه، فأجاب بإصرار على أن أدونيس مثقف واسع الثقافة وأنه يجب أن نعترف له بهذا الوصف ونحو ذلك من الانجرار في هذا المجرى التبجيليّ التبريريّ الامتداحيّ، وما علم أن أستاذ أدونيس رئيس حزبه "إبليس" أعلم من أدونيس وأوسع ثقافة منه وأكثر اطلاعًا، وكذلك أتباعه الدجالون العتاة على مر التاريخ كانوا على هذه المثابة، ومع ذلك فإن ذلك لم يعم أبصار أولي البصائر وأهل الألباب أهل العلم والإيمان والتصديق والإيقان، فما سمعنا منهم من يمدح ويثني على سعة ثقافة إبليس وكثرة اطلاعه، بل نسمع ذلك حتى من الذين أغرقوا غاية الإغراق في اتباعه وطاعته.
ثم متى أصبحت الثقافة الواسعة مجالًا لامتداح رجل يعلن الكفر والإلحاد، ويفاخر بالوثنية والباطنية، إلّا إذا كان المراد من هذا الامتداح تضليل البسطاء ومخادعة ضعفاء العقول وترويج باطل يتستر خلف هذه الشعارات البراقة الكاذبة.
ولو أن هذا المادح اعتُديَ عليه في نفسه أو ماله أو أهله ثم جاء من يثني على ثقافة من قام بالاعتداء، أو على أصله ونسبه وحسبه، أو وصفه بأنه صاحب مدرسة متفردة متميزة رائعة، لما قبل مثل هذه الشهادة ولردها وأنكر على صاحبها غاية الإنكار.
فكيف يليق بالمسلمين أن يأتي من أبنائهم وممن يدعي الانتماء لدينهم -وربّما كان من المحافظين على بعض الشعائر الظاهرة- فيلقى المدائح المضللة والألقاب الخادعة لرجل يعلن بصواحة أنه يقتل اللَّه "تعالى اللَّه عما يقول"، وتضج كتاباته بالكفر والشرك والإلحاد دون أن يشير أدنى إشارة إلى هذا الانحراف الضخم والتردي الهائل، هذا إن صح أن تذكر هذه الانحرافات مع ذلك التبجيل والمدح، فكيف وقد غطى سوأة الإلحاد بألقاب الثقافة والمدرسة المتميزة والاطلاع الواسع والمدرسة الرائعة؟!.