← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

التوحيد ومن الشريعة أساسًا من أهم أسس الإبداع عند أصحاب الحداثة. ويُمكن القول بكل صراحة: إن منظري ومروجي الحداثة يعلنون بكل جرأة، بأن الكفر باللَّه ودينه هو أساس الإبداع، ولنستمع إلى قول سادن صنم الحداثة، الباطنيّ أدونيس في هذا المجال، وذلك في أثناء حديثه عن الخروج عن ما أسماه بالمشكلية القديمة للحضارة العربية، المتمثلة حسب زعمه في الوحي والدين والقديم، والتي يراها متناقضة مع ثنائية مقابلة لها، فالوحي مع العقل، والدين مع الفلسفة، والقديم مع الحديث، ويرى أن هذه الثنائية التفاضلية التعليمية أدت إلى دوران الفكر العربي والشعر في إطار مغلق وضيق، بين ثنائيّ تقويميّ: حق وباطل، وخير وشر، وإيمانيّ وإلحاديّ، وأصوليّ وخارجيّ وعربيّ وشعوبيّ، وقديم ومحدث (١). ثم خلص من ذلك إلى أن هذا المناخ من الهيمنة أدى إلى ثورة مؤداها أنه (لم يعد المطلق الإلهيّ وحده مركزًا، بل صار الإنسان شريكًا له، ذلك هو الجانب الصوفيّ والعقلانيّ الإلحاديّ، لكن على مستوى آخر من هذه الثورة. . . أصبح العالم تفجرًا مستمرًا صوب تكامل مستمر، ولم يعد المطلق الإلهيّ وراء العالم أو قبله وحسب، وإنّما أصبح أمامه أيضًا، لم يعد يجيء من الماضي وحده، وإنّما أخذ ينبثق في الحاضر ويجيء من المستقبل أيضًا، ولم يعد المطلق الإلهيّ في هذا المنظور جوابًا لا سؤال بعده، وإنّما أصبح سؤالًا، والعالم، إذن، لم يخلق كاملًا، دفعة واحدة وإلى الأبد، وإنّما صار كل شيء فيه للخلق المستمر. . . هكذا لا يعود علم الجمال، بالنسبة إليه علم جمال النموذج أو الأصل أو الثابت، بل علم جمال المتغير، المتحول، المتجدد، ويصبح الإبداع ممارسة الشاعر، الأولى، من أجل تأسيس وجوده في أفق البحث السؤال، لم يعد الشاعر، بتعبير آخر، يكتفي بمحاكاة العالم، وإنّما أصبح يمارس هو نفسه خلق العالم، وبدلًا من أن يردنا علم جمال الثابت إلى العالم البديع الفائق، الكامل الصنع، أخذ يردنا علم جمال المتحول إلى القصيدة البديعية الصنع، كصورة جديدة عن

стр. 352

العالم من صور ممكنة لا نهاية لها) (١). هذه هي أسس الإبداع الحداثيّ وأصول فكرة التحول والتجديد والصيرورة الدائمة. أمّا القصيدة البديعة التي يعنيها أدونيس في كلامه السابق، فهي من جنس أقواله الإلحادية الخبيثة: (سقط الخالق في تابوته سقط المخلوق في تابوته والنساء ارتحن في مقصورة) (٢). (أحرق ميراثي، أقول أرضي بكر، ولا قبور في شبابي أعبر فوق اللَّه والشيطان دربي أنا أبعد من دروب الإله والشيطان) (٣). هذا بعض تجديده وبعض وممارسته لعلم جمال المتحول، وهو الإطار والصورة الجديدة للعالم الذي يريده أدونيس، وهو اختياره الذي عبر عنه بقوله: ("من أنت" من تختار يا مهيار؟ إني اتجهت، اللَّه أو هاوية الشيطان هاوية نذهب أو هاوية تجيء

стр. 353

والعالم اختيار - لا اللَّه اختار ولا الشيطان كلاهما جدار كلاهما يُغلق لي عينيّ هل أبدل الجدار بالجدار وحيرتي حيرة من يضيء حيرة من يعرف كل شيء) (١). وبعد هذا الكفر البواح لك أن تسأل، هل يوجد من الحداثيين الذين ينتسبون إلى الإسلام من يعجب بأدونيس ويحبه ويدافع عنه؟ وللإجابة على هذا نأخذ كلام أحد الحداثيين المصِرِّين على أن الحداثة لا تناقض الإسلام، ونرى موقفه من أدونيس صاحب هذه الأقوال الشنيعة. ففي مقابلة في جريدة الشرق الأوسط مع عبد اللَّه الغذامي (٢) سئل: (كيف ترى مستقبل الحداثة الفنية التي يتبناها التيار التجريبيّ بريادة أدونيس؟، وهل يُمكنها أن تفرض نفسها كاتجاه أساسيّ في حركة الشعر العربيّ الحديث ولماذا؟) (٣). أجاب الغذامي قائلًا: (يبدو لي أن مسألة أدونيس والأدونيسية مسألة

стр. 354

في غاية الحساسية، وقد يكون أدونيس شاعرًا متمكنًا ومثقفًا واسع الاطلاع، واطلاعه هنا منبثق من معرفته الوثيقة بالثقافة العربية التقليدية مثل ما هو وثيق المعرفة بالثقافة الغربية الفرنسية والإنجليزية، فمن هنا تأتي تجربة أدونيس وكأنها مكونة من عجينة غريبة الأطوار لكنها واثقة من نفسها -إلى أن يقول: - أدونيس من الصعب دمجه داخل السياق الشعريّ العربيّ فهو سيظل مدرسة متفردة، صحيح أنها مدرسة متميزة ورائعة لكن خروجها على السياق العربيّ خروج كبير جدًا، لا يُمكن السياقات التالية لها من الصمود والبقاء داخل جسد القصيدة العربية) (١). ويعجب أي مسلم من هذا الإطراء البغيض لهذا الرمز الإلحاديّ المكشوف!! وهذه الادعاءات التبجيلية والارتماء المعتم أمام سادن أصنام الحداثة. ويبدو أن المادح مثل الممدوح في معرفته بالإسلام وتاريخه وحضارته، ولذلك وهبه صبغة أنه صاحب معرفة وثيقة بالثقافة العربية، علمًا بأن ثقافة أدونيس العربية ليست سوى ثقافة الانحراف بدءًا من الطائفية النصيرية التي نشأ وتربى على عقائدها الضالة وانحرافاتها (٢)، وانتهاءً بثقافة الإلحاد التي أشاد بها وامتدحها في كتابه الثابت والمتحول (٣)، وفي منثور كلامه في هذا الكتاب وغيره. ويمارس هذا المادح أسلوب التعمية بالتعميم الإطرائيّ حين يصف أدونيس بأنه شاعر متمكن ومثقف واسع الإطلاع.

стр. 355

وقد التقيت به في لقاء خصص للحوار بين اتجاه الحداثة واتجاه الإسلام في الرياض عام ١٤٠٨ هـ وكان مما ذكرته له هذا القول في الثناء على أدونيس واعطائه شهادة التزكية الثقافية العريضة هذه، فأجاب بإصرار على أن أدونيس مثقف واسع الثقافة وأنه يجب أن نعترف له بهذا الوصف ونحو ذلك من الانجرار في هذا المجرى التبجيليّ التبريريّ الامتداحيّ، وما علم أن أستاذ أدونيس رئيس حزبه "إبليس" أعلم من أدونيس وأوسع ثقافة منه وأكثر اطلاعًا، وكذلك أتباعه الدجالون العتاة على مر التاريخ كانوا على هذه المثابة، ومع ذلك فإن ذلك لم يعم أبصار أولي البصائر وأهل الألباب أهل العلم والإيمان والتصديق والإيقان، فما سمعنا منهم من يمدح ويثني على سعة ثقافة إبليس وكثرة اطلاعه، بل نسمع ذلك حتى من الذين أغرقوا غاية الإغراق في اتباعه وطاعته. ثم متى أصبحت الثقافة الواسعة مجالًا لامتداح رجل يعلن الكفر والإلحاد، ويفاخر بالوثنية والباطنية، إلّا إذا كان المراد من هذا الامتداح تضليل البسطاء ومخادعة ضعفاء العقول وترويج باطل يتستر خلف هذه الشعارات البراقة الكاذبة. ولو أن هذا المادح اعتُديَ عليه في نفسه أو ماله أو أهله ثم جاء من يثني على ثقافة من قام بالاعتداء، أو على أصله ونسبه وحسبه، أو وصفه بأنه صاحب مدرسة متفردة متميزة رائعة، لما قبل مثل هذه الشهادة ولردها وأنكر على صاحبها غاية الإنكار. فكيف يليق بالمسلمين أن يأتي من أبنائهم وممن يدعي الانتماء لدينهم -وربّما كان من المحافظين على بعض الشعائر الظاهرة- فيلقى المدائح المضللة والألقاب الخادعة لرجل يعلن بصواحة أنه يقتل اللَّه "تعالى اللَّه عما يقول"، وتضج كتاباته بالكفر والشرك والإلحاد دون أن يشير أدنى إشارة إلى هذا الانحراف الضخم والتردي الهائل، هذا إن صح أن تذكر هذه الانحرافات مع ذلك التبجيل والمدح، فكيف وقد غطى سوأة الإلحاد بألقاب الثقافة والمدرسة المتميزة والاطلاع الواسع والمدرسة الرائعة؟!.

стр. 356

إنه أمر الأهواء منذ القديم، تهوي بأصحابها في تخوم التبعية، وتجعله يستقبل الكفر والإلحاد بلا أنفة أو حمية إيمانية. وما من شيء عبث بهذه الأذهان المستعبدة سوى هذه الأهواء الجارفة، التي تمتد رذيلتها إلى شعاب كثيرة في الأفكار والأعمال، منها هذه المدائح الفارغة التي تطل علينا كل يوم من ملحق ثقافيّ أو كتاب أدبيّ. وقد يتصدى لهذا المادح آخر من شكله يمتدحه وهكذا في سلسلة من المدائح والاعتناء والاحتفاء المقصود. خذ حداثيًا آخر يمتدح الغذامي وأدونيس وآخرين فيقول في رسالة موجهة إلى الغذامي: (إني أرشحك أن تكون جبيننا المرفوع أمام المبدعين الآخرين، ووجهنا المضيء في كل احتفال مبهج بالكلمة والإيقاع، كما عبد العزيز المقالح في اليمن، وعز الدين إسحاق في مصر، وماجدة السامرائيّ في العراق، وكما أدونيس في الوطن العربيّ كله أجدني أبتهج بك) (١). وأعمال الامتداح هذه على ما فيها من الفجاجة والمعابة هي -في اعتبار هؤلاء- حق خالص لا ينازعهم فيها منازع، ولطالما سعوا بالثلب على الشعراء الأقدمين، في سفاهة وبذاءة، من أجل أنهم امتدحوا ملوك المسلمين وسلاطينهم وأمراءهم وخلفاءهم، أمّا هم فقد ارتكسوا في مدح الشيوعية ورموزها ومبادئها، والغرب ومبادئه، والإلحاد وسخافاته، والانحرافات الخلقية وأصحابها. فإذا تأمل العاقل هذه التناقضات الهجينة وجد أن هذا الدخول الجريء المستبشع، وهذا المركب الخبيث الذي ركبوه، هو الذي جرهم إلى أشباههم وأهل ملتهم من الحداثيين والعلمانيين، فانبعثوا في ولاء تام لبعضهم حاملين ألوية الضلال والإضلال. وإذا كانوا قد قرروا أن الإيمان والتوحيد هو أساس التخلف، وأن

стр. 357

الكفر والوثنية هي أصل التعددية والحرية الثقافية والإبداعية، فإنهم ما فتئوا يكررون هذا المعنى في عبارات عديدة منها قول أحدهم: (ثالث الأساسيات الثقافية الموروثة هو افتقاد الحرية، فكما أن الإنسان لا يمتلك من أمره شيئًا أمام القوة المهيمنة للنموذج/ للماضي/ للَّه/ لقوى اللاوعي الغامض/ للقدر، فهو أيضًا لا يمتلك من أمره شيئًا أمام رموز هذه الجواهر على الأرض، الحاكم أو الرئيس أو الملك أو النظام، فكل هذه الرموز تمثل العلاقات المعطاة مسبقًا) (١). وهو المعنى ذاته الذي قرره أدونيس في كتابه زمن الشعر في قوله: (ومن هنا يبدو مقياس الشعر الثوريّ العربيّ في مدى رفضه الموروث أنه الشعر الذي يعلن موت كل ما يميت الإنسان، وهو في ذلك لا يقتل الآلهة وحسب، وإنّما يقتل كذلك كل من يحاول أن يحتل كرسيها أو يأخذ دورها سواء كان سلطانًا أو نظامًا أو إيديولوجية) (٢). وهذه الثورة الحداثية تستهدف أول ما تستهدف دين اللَّه تعالى، وتعزز أول ما تعزز إلحادًا في ثوب تحديث، وانحرافًا رداء إبداع، وهي الثورة المحطمة لكل المقومات الأساسية في حياة المسلمين. وهذا ما قام بتوصيفه إحسان عباس في معرض حديثه عن مضامين الثورة الحداثية حيث قال: (. . . الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب وتفكيك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان -دون أي شيء آخر- تعني فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن نحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات، هل الشاعر من حزب الشيطان؟ لو كان الأمر كذلك لكان يدخل حربًا خاسرة، ولكنه من حزب الإنسان، وهذا يعني أن الإنسان هو القيمة الوحيدة في هذا

стр. 358

الكون، وهو لا يحاول أن يدخل حربًا بين طرفين، وإنّما يكتفي بالجحود) (١). هذا التحليل من أستاذ حداثيّ متمكن في التنظر والنقد لهذا الاتجاه، وهو تحليل يظهر بجلاء أن مارسخ في نفوس وعقول هؤلاء مصبوغ صبغة شديدة بالكفر والإلحاد، وأن الحداثة ملة مباينة لملة الإسلام مباينة تبلغ حد الرفض والمناقضة. وثقافة هذه منازعها وتلك هي أهدافها، لابد أن تكون في صف آخر غير صف الحق والخير والعدل والفضيلة المتمثلة في دين اللَّه القويم الأبلج. وما التحدي للسماء وعدم قشعريرة نفس إحسان عباس، وسائر الحداثيين الذين وصفهم، من هذا التحدي إلّا مظهر من مظاهر هذه الردة الحداثية. وما تأليه الإنسان وجعله القيمة الوحيدة في هذا الكون إلّا شعبة من شعب التحدي للسماء والدين والإله العظيم -جلَّ وعلا- وما إشاحة الوجه عن كل ما وراء الغيب إلّا شعبة أخرى من شعب هذه الملة الإلحادية الجاحدة. غير أن إحسان عباس يأبى على الذين يحتالون بالتفسيرات والتأويلات والتوجيهات ليجمعوا بين الحداثة والإسلام، يأبى عليهم هذا ويستنكر صنيعهم، حتى ولو قال أعداء الحداثة بأن هذا من حزب الشيطان فهو لا يأبه أو لا ينبغي له أن يأبه؛ لأنه من حزب الإنسان الذي أصبح إلهًا من دون اللَّه مستغنيًا عن كل ما سواه. هذه الثورة الحداثية في وصف إحسان عباس، وهو الذي يعد من المعتدلين في هذا التيار!!!. وعندما أتحدث عن الحداثة فإنه يجب ألا يغيب عن الأذهان أن ما تعنيه الحداثة وتتضمنه هو عين ما تعنيه العلمانية وتحتويه، وقد أفصح عن

стр. 359

هذه الحقيقة غير واحد من طواغيت الحداثة، منهم خالدة سعيد التي قالت: (. . . تبدو العلمنة كمبدأ، بعدًا من أبعاد الحداثة، دون أن يعني ذلك صيغة محددة بعينها، وفي إطار الحداثة علينا أن نقرأ المفكرين العلمانيين، القوميين منهم والماركسيين، وقد أسهم هؤلاء المفكرون، بدورهم في إذكاء تيارات الحداثة العربية وتعميقها) (١). ويعبر عبد الرحمن المنيف عن هذه العلاقة بقوله: (. . . نجد أول معثى من معاني الحداثة: الجديد في مواجهة القديم، والجديد لا يقتصر على الفكر والأدب، وإنّما ينسحب أيضًا على البنى الاقتصادية والاجتماعية، وإلى قيم جديدة مختلفة عما هو قائم وسائد، وإلى علاقات تلائم هذه القيم، كل ذلك مع تطور لا يلبث يتسع ويتزايد في العلوم والتكنولوجيا والمعارف الإنسانية، إضافة إلى تنمية القوى المنتجة وتنامي الوعي، وعلمانية في الفكر والسلوك، لأن مركز الثقل أخذ ينتقل من السماء إلى الأرض. . .) (٢). وأهم وجه من أوجه تطابق الحداثة والعلمنة أنها -كما سبق- تتجرد من التأله والتعبد للَّه وتنعطف نحو الإنسان والأرض (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان، وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج نظام إلهيّ أبديّ، بل وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا، ومن هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم تغيرًا جذريًا فلا شيء محرم على العقل. فعوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع، وجد الإنسان نفسه، شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت مضى مقياس كل شيء، إذ أن العصر الحديث عصر علمانيّ بدأ حين

стр. 360

وعى الإنسان قدرته، وأخذ يعرب عن وجهة نظره الفردية المستقلة إلى نفسه واللَّه والكون، لقد تأتى له أن يشك، وفي شكه عزم على الاكتشاف لنفسه وبنفسه، وتعني العلمانية، الزمانية، العقلانية، -عميقًا- على مستوى الإنسان ما يسمه الخال بالإنسان الحر الذي هو قبل أي شيء آخر الفرد، وبمعنى آخر تعني العلمانية/ العقلانية على مستوى الإنسان الفردية بالمعنى الليبراليّ للكلمة. . .، تصبح الحداثة في هذا السياق وبما هي نظرة إلى الوجود أو عقلية، حسب تعابير الخال. . . نظامًا معرفيًا يجد مرجعه في النزعة الإنسانية الطبيعية أو العلمية. . .) (١). وهذا الكلام خليط من كلام يوسف الخال ومحمد جمال باروت وهو الذي قام بالصياغة مقتبسًا أقوال الخال من مقال له بعنوان نحو أدب عربيّ حديث ونشر في مجلة أدب - المجلد الثاني، العدد الأول شتاء ١٩٦٣ م/ ١٣٨٢ ص: ص ٩ - ١٠. والمقصود أن الحداثة تقوم على جحد حق العبودية للَّه تعالى، وترى أن التحرر من العبادة هو أساس الإبداع والحداثة. أمّا السخرية والتهكم بالطرق التي توصل إلى اللَّه تعالى فلازم لا ينفك عن هذا الأصل، بل هو واقعهم الحقيقيّ، وقد سبق نقل كثير من كلامهم في هذا الصدد، منها قول الصايغ: (بين سطور أسفار العبادات دوران ولف ولا تقدم) (٢). وقوله: (وحبي لك احتلام

стр. 361

وديني هرطقة) (١). ومن السخرية بالطرق الموصولة إلى اللَّه قول أنسي الحاج: (لا يخف أحد على اللَّه من الحرية فهي أضمن الطرق المؤدية إليه) (٢). وهي يعني بالطبع حرية الكفر والإلحاد، والدعارة والانحطاط. على غرار قول سعدي يوسف: (حبيبتي كافرة. . . إنها لم تتخذ غير الهوى دينا) (٣) ومثله قول نزار قباني: (وشجعت نهديك فاستكبرا على اللَّه حتى فلم يسجدا) (٤). ونحو قوله: (وناهداك أجيبي من أذلهما؟ ويوم كنت أنا للَّه ما سجدا) (٥). ومن ألوان تهكمه وسخريته بالعبادة للَّه، امتداحه للكفر والإلحاد، كقوله: (يا طعم الثلج وطعم النار ونكهة كفري ويقيني) (٦). ونحوه قوله:

стр. 362

(ماذا أعطيك؟ أجيبيني قلقي إلحادي؟ غثياني ماذا أعطيك سوى قدر يرقص في كف الشيطان) (١). ونحوه قوله: (أعطيني الفرصة حتى أقنع حتى أؤمن حتى أكفر) (٢). ومن ألوان تهكمه وسخريته بالعبادة للَّه تعالى وبالطرق التي توصل إلى رضوانه، وصفه لرواد المساجد بالتنبلة وهي البطالة والخسة، واستهزاؤه بالدعاء وذلك في قوله: (نقعد في الجوامع تنابلًا كسالى نشطر الأبيات أو نؤلف الأمثالا ونشحذ النصر على عدونا من عنده تعالى) (٣). وأشنع من هذا كله قوله: (من بعد موت اللَّه مشنوقًا على باب المدينة لم تبق للصلوات قيمة

стр. 363

لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (١). أمّا شاعر الأرض المحتلة -حسب وصف الحداثيين- محمود درويش: فيتحدث عن أبيه رمز القديم ورمز الجيل المؤمن باللَّه، ويتهكم به وبصلاته وعبادته، فيقول: (غض طرفًا عن القمر وانحنى بحضن التراب وصلى لسماء بلا مطر ونهاني عن السفر! . . . وأبي قال مرة حين صلى على حجر: واحذر البحر. . والسفر! يوم كان الإله يجلد عبده قلت: يا ناس نكفر فروى لي أبي. . وطأطأ زنده: في حوار مع العذاب كان أيوب يشكر خالق الدود والسحاب! خلق الجرح لي أنا) (٢). ولا يخفى ما في هذه الكلمات من سخرية باللَّه ودينه وبالصلاة

стр. 364

والعبادة، وما فيها من ارتماء وامتداح للسفر والقمر والبحر رموز الغرب وثقافته ونظم حياته. وفي تهكم بالصلاة أو الدعاء والألوهية يقول: (بين ريتا وعيوني بندقية والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لإله في العيون العسيلة!) (١). ويجعل السماء وما يأتي منها أغلالًا، والدعاء والصلاة عديمة الفائدة، فيقول: (رأينا أصابعه تستغيث، وكان يقيس السماء بأغلاله . . . . ينادين يافا فيأتي الصدى حرسًا ومن يومها، كفت الأمهات عن الصلوات وصرنا نقيس السماء بأغلالنا) (٢). أمّا زميله في النضال!! سميح القاسم فيرى أن قمة تفوقه تكون بالتطهر والبراءة من السماء، فيقول: (من قديم الزمان! قبل كانوا سعاة في بريد الإله

стр. 365

لم يكونوا غزاة ككل الغزاة وأنا أيها السادة التافهون طاهر، طاهر من رياء القضاة ومسوح السماء) (١). ويقصد بمسوح السماء الدين والشرائع والعبادات التي جاء بها الوحي وأنزلها اللَّه على أنبيائه، ويدعي أنه يتطهر منها، وهو في الحقيقة منغمس في أوحال نجاسات الشيوعية والإلحاد. وفي مقدمة ديوان توفيق زياد يذكر المقدم أنواع الألفاظ والأساليب التي استخدمها توفيق زياد ويعد منها الدعاء ويعتبره أسلوبًا شعبيًا مثل قوله: (انشله يارب من كل ضيق) (٢)، أي: أن الدعاء الذي هو العبادة ليس إلَّا أسلوبًا فلكلوريًا. أمّا صاحب الديوان نفسه وهو الشيوعيّ العريق في الشيوعية، والدرزيّ الأصل، فيقول متهكمًا بالدعاء والصلاة: (ومن أين تأتي النقود وهذه السموات رغم الدعاء ورغم الصلاة صباح مساء أبت أن تجود ولو بالقليل من الذهب المفتدى) (٣). المظهر الرابع من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: العبودية لغير اللَّه تعالى: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ

стр. 366

كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (١). وهذه الآية تنطبق على أهل الحداثة، الذين فروا من عبادة اللَّه وتمردوا على ألوهية اللَّه تعالى، زاعمين أنهم ينشدون الحرية ويلتمسون طرق التقدم. .، لكن واقع حالهم أنهم ارتكسوا في أحط أنواع العبوديات، وانحطوا إلى دركات الشرك، فألهوا المناهج والنظم، وعبدوا ذواتهم وعشيقاتهم والأمكنة والأزمنة، والشجر، والحجر وقبور شياطين الإنس مثل لينين وتماثيل الشيوعية في موسكو وبرلين، وغير ذلك من أنواع التيه والضلآل ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ (٢). فقد بين اللَّه تعالى فساد عقائد أهل الشرك قديمهم وحديثهم وأوضح لهم بالحجة والبرهان أن الذين يعبدولهم من دون اللَّه ليسوا سوى أوثان، سواء كان المعبود تمثالًا من حجر أو شجر، أو شخصًا أو وضعًا، أو مبدأ ضالًا أو مذهبًا منحرفًا، أو قانونًا أو دستورًا كفريًا، أو أدبًا أو أديبًا أو زعيمًا، أو غير ذلك مما يتوجه له بالطاعة والخضوع والاتباع والمحبة، أو مما تضاف إليه العبادة قولًا أو فعلًا، كلها أوثان سخيفة، لا يستندون في عبادتهم لها إلى دليل أو برهان، وإنما يخلقون إفكًا، ويخلقون باطلًا، ويبتدعون ضلالًا من تلقاء أهوائهم، بعيدًا عن مقتضيات العقل السليم والفطرة القويمة. وهذه الأوثان لاتقدم لهم نفعًا، ولا تملك لهم رزقًا. . وكل معبود من دون اللَّه فهو بهذه المثابة وثن مختلق لا يملك شيئًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ

стр. 367

ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ (١). فاللَّه تعالى يجرد جميع الآلهة الذين يُتخذون من دونه من كل خصائص الألوهية، فهم لا يخلقون شيئًا ولا يستطيعون خلق شيء، بل هذه الآلهة المدعاة مخلوقة بعد أن لم تكن موجودة، بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، يتساوى في ذلك الوثن الجاهليّ القديم الساذج كالصنم والشجر والحجر والوثن والجاهليّ المعاصر كالمذاهب والقوانين والمدارس الأدبية الجاهلية والشخوص والمدارس. وإذا تأملنا النفسية الجاهلية فإننا نجد بينها تشابهًا هائلًا رغم تباعد الأزمنة، من عهد نوح إلى زماننا هذا، وأول أوجه التشابه بينهم: إعراضهم ورفضهم للهدى ودين الحق، وعنادهم وإصرارهم على محاربته، ووصفه بالأوصاف الساقطة لإسقاط منزلته عند الناس ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٢)، وهذا الموقف المعاند هو الذين نراه ونقرؤه في كتابات أهل الردة المعاصرة من الحداثيين والعلمانيين. إن الكفار يبدون صلفهم وعنادهم من أول وهلة، ويصرون على الكفر ومعاداة الإيمان، ويجزمون عن قصد بأنهم لن ينظروا في براهين الهدى ودلائل الإيمان. وقد أخبر اللَّه عن هذه الحالة النفسية لدى الكافرين فقال -جلَّ وعلا-: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ (٣). وأصحاب الأدب الحديث في استرسالهم مع أصلهم الجاحد وقاعدتهم

стр. 368

الإلحادية في جحد ربوبية اللَّه وجحد ألوهيته تعالى، وصلوا إلى النتيجة التي وصل إليها أسلافهم، وهي نتيجة حتمية لمن أعرض عن اللَّه ودينه وهداه وشرعه، لقد وصلوا إلى حياة التشاكس من خلال توزع أهوائهم وعقائدهم وانتماءاتهم وتنوعها بتنوع معبوداتهم وتعدد آلهتهم، وهم مع كل هذا الخبط يفاخرون بهذه الدرجة من الانحطاط تفاخر المجنون بعقله، ويعجبون من توحيد الموحدين وإيمان المؤمنين كما عجب أسلافهم من قبل حين قالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ (١). وقد مرّ معنا في هذا الفصل كلام بعض منظري الحداثة حين زعموا أن التوحيد انغلاق وأغلال، والوثنية تعددية وحرية وانفتاح، وكذا هو واقع أكثرهم من صرّح منهم ومن لَمّح، يرون التأله للَّه تعالى والعبادة له سببًا في التأخر والرجعية، ويعجبون أشد العجب في لغة استنكارية استكبارية أن يطلب المسلم منهم أن يعودوا بفكرهم وفنهم وأدبهم إلى حظيرة الإسلام ومعايير الإسلام وضوابط الإسلام. فينفرون كحمر مستنفرة فرت من قسورة، ويكابرون، ويتهمون أهل الإسلام شتى التهم، ويظهرون أنفسهم في مظهر المنصف والعقلانيّ والموضوعيّ، ويتطاولون على الحقائق بأنواع من التدليس والتلبيس، ويتواصون أن ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، آية واحدة من القرآن تصف الحالة الشعورية والعملية لأهل الارتداد والكفر والإلحاد والشرك والنفاق. وإذا عدنا إلى العبادات والعبوديات التي غرق الحداثيون في حمأتها، فإننا نجدها من الكثرة والتنوع بحيث لا يجمعها رابط إلَّا أنها عبودية لغير اللَّه تعالى.

стр. 369

ولنذكر هنا بعض الشواهد على هذا النوع من الانحراف، ولتكن البداية من أدونيس الذي يختال على رقاب أتباعه الإمعات المندهشين به، وقد صور نفسه لهم على أنه هو المنقذ والمبشر، بل والإله الخالق المعبود، ففي أول قصائد ديوانه يقول: (أبدًا نَخلق الوجود ونعطيه … حياة كما نرى ونشاءُ قطرت في أكفنا فلق الصخر … عبيرًا واهتزت الصحراء) (١) ثم يشير إلى توجهه نحو الغرب، وإيمانه بأحافير دارون، ثم ينعطف إلى ذاته مادحًا مفتخرًا فيقول: (أنا إن مت لا أموت فقد … ركّزت في جبهة البقاء خطايا ربّما عشت في مزاميرها لحنًا … وغلغلتُ في ذراها عشايا كلها في دمي وكليّ فيها … صبية يعبدونها وصبايا أنا دربي طويلة كغد يقبل … كالكون في مداه الطويل أنا جيل في أمتي وأنا فرد … من الجيل بل أنا كل جيل) (٢) وهكذا يتعالى هذا الباطنيّ في غطرسة وخيلاء واضعًا نفسه بأنه لو مات فإن الخطايا التي غرسها وركزها في الأمة سوف تبقى معبودة، ولكن من الذين يقومون بهذه العبادة؟ إنهم الصبية والصبايا وقد صدق وهو كذوب، فما رأينا أتباعه إلَّا سفهاء الأحلام معتوهي العقول. ولم يقتصر أدونيس في افتخاره وتعاليه بذاته بل امتد إلى افتخاره بوالده فقد أغدق عليه من المدح ما لم يقله أحد في أحد قبله، فقال في رثائه: (أحبه، أحبه أعظمًا

стр. 370

في القبر تستعصي على الخالقين) (١). ثم يخاطب النار التي ضمت والده ساخرًا: (يا لهب النار الذي ضمه لاتَكُ بردًا، لا ترفرف سلام في صدره النار التي كورت أرضًا عبدناها وصيغت أنام) (٢). ولا ريب أنه يستحق النار لعبادته الأرض من دون اللَّه. أمّا إذا أردنا أن نرى لونًا من ألوان الوثنية والجاهلية في صيغة عصرية حديثية، فلنقرأ "ترتيلة البعث" لأدونيس والتي ينطرح فيها بخشوع وخضوع وتملق بين يدي "فينيق" الطائر الوثن، والاسم الذي اشتهرت به الأمة السامية الجاهلية الوثنية، التي يقال إنها كانت قبل الميلاد بألفي عام. يقول أدونيس: (فينيق يا فينيق يا طائر الحنين والحريق . . . لفتتك انخطافة وناظراك منجم مسافر زمانك الغد الذي خلقته زمانك الغد - الحضور السرمديّ في الغدِ لموعد: به تصير خالقًا به تصير طينة. . . . . . فينيق أنت من يرى ظلامنا

стр. 371

يحس كيف نمّحى فينيق متْ فدى لنا فينيق ولتبدأ بك الحرائق لتبدأ الشقائق لتبدأ الحياة يا أنت يا رماد يا صلاة. . . . . . فينينق خل بصري عليك خل بصري: ألمح خلال نارك الغيب الذي يختبئ - الذي يلف جرحنا وألمح الركام والرمال والدجى واللَّه في قماطه، اللَّه الذي تلبسه أيامنا حرائقًا وغصصًا وجدُرا تلبسه ولا ترى. . . . . . فينيق سر مهجتي وُحِّد بي وباسمه عرفت شكل حاضري وباسمه أعيش نار حاضري. . . . . . يفتح صدر عالم أهدابه المحبة البساطة، الغد الذي لا تضمر الشمس احتمال مثله تحضننا الألوهة الرائمة التي تحس مثلنا - التي تحس معنا. . . . فينيق تلك لحظة انبعاثك الجديد صار شبه الرماد وشررًا ولهبًا كواكبيًا

стр. 372

والربيع دب في الجذور في الثرى أزاح رمل أمسنا - العجوز والثلاثة الركام والفراغ والدجى فينيق خل جبهتي أسيرة لديك في علوك البعيد في جفوننا البعيد عن أكفنا. . . . . . وخلني لمرة أخيرة أحلم أن رئتي جمرة يأخذني بخورها يطير بي وخلني لمرة أخيرة: ها ركبتي حنيتها وها جلست خاشعًا فخلني لمرة أخيرة أحلم يا فينيق أحتضن الحريق أغيب في الحريق فينينق يا فينيق يا رائد الطريق) (١). وما عاقل يشك في أن هذه الكلمات تضج بالعبودية لفينيق، وهي في الحقيقة ترتيلة عبادية كما سماها أدونيس نفسه، بها يتخطى أدونيس كل حضارة الإسلام، بل وحتى ما قبل الإسلام من عربية جاهلية، ليصل إلى فينيق يبحث (عن هوية الذات الحضارية، القومية في رمز فينيق، وهو طائر أسطوريّ موطنه بعلبك يحترق كلما أدركه الهرم لينبعث فتيًا من رماده، إن

стр. 373

هذه الاستعادة النهضوية لرمز فينيق هو أحد أشكال وتجليات الرمز الانبعاثيّ تؤدي وظيفتها النهضوية الإحيائية بالمعنى الذي طرحه سعادة في الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ، أي إيجاد موصل الاستمرار الفلسفيّ بين السوريّ القديم والسوريّ القوميّ الاجتماعيّ الجديد، إذ أن أدونيس لا يتناول رمز فينيق كموضوع، بل يتمثله كرمز حضاريّ، ويتلبسه ويستبطن فيه عن رؤاه، وهذا يعني أن أدونيس يحول الرمز الحضاريّ إلى تجربة داخلية كيانية، يدركها حدسيًا وميتافيزيقيًا، من هنا فإنه يجسد في التجربة الاستبطانية مشاكل ميتافيزيقية فلسفية كالموت والتجدد والفراغ والغربة والحرية والنفي والقلق. . . إلخ) (١). هذا ما شرحه أحد منظري الحداثة عن استخدام أدونيس لرمز فينيق، وفيه أشار إشارة فلسفية إلى المعنى العباديّ الذي يتضمنه كلام أدونيس عن فينيق وذلك في قوله: (يدركها حدسيًا ومتافيزقيًا. . .) (٢)، وفي الحقيقة أن أدونيس قد غرق إلى ذقنه في تأليه وعبادة الطائر الأسطوريّ فينيق ليس في هذا المقطع المسمى ترتيلة البعث بل وفي غيره، وسوف يأتي -إن شاء اللَّه- تفصيل ذلك في الفصل الرابع من هذا الباب. والذي يخصنا في هذا المقام أن أدونيس قد اتخذ فينيق ربًا وإلهًا، واستجداه في عبودية كاملة وفي انحناء وخشوع أن يهبه مطالبه، وأن يوصله إلى مقاصده المتمثلة في طمس التوحيد والإيمان، وإحياء الوثنية والكفر، والانقطاع عن الأمة المسلمة أرضًا وتاريخًا وحضارة وقيمًا، والتواصل مع الغرب بل والاندماج الكامل فيه، وقد أداه ذلك كله إلى هذا الخنوع الوثنيّ الشبيه بخنوع وخضوع من سبقه من الكافرين أمام أصنامهم. وإذا كان توحيد رب البرية قاعدة كل ديانة جاءت من عند اللَّه، فإن الشرك قاعدة كل ديانة جاءت من عند الأهواء الشيطانية.

стр. 374

والمهمة الأولى للدين المنزل من عند اللَّه هي تخليص الإنسان من عبادة غير اللَّه، ولَمِّ شتات نفسه وتوجيه قلبه الواحد إلى عبادة الواحد -جلَّ وعلا- كما أن المهمة الأولى لملل الكفر قديمها وحديثها -في أي لون تلونت- هي تخليص الإنسان من عبادة اللَّه تعالى، ونكسه ورده إلى أسفل سافلين في العقيدة والخلق والفكر وسائر مناشط الحياة، تنفيذًا لتعهدات زعيمهم إبليس التي ذكرها اللَّه في القرآن في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ (١). وإن من المآسي العظمى في هذا الزمان أن يتصدر مثل هذا الجاهل الحاقد لبث كفره وإلحاده ووثنيته، ثم يتمكن بعد ذلك من اصطياد الأميين فكرًا وثقافة، الأرقاء شعورًا وسلوكًا، ويتنقل بهم من عبودية إلى عبودية، ومن إله باطل إلى إله أشد بطلانًا، ومن جرف خاوٍ إلى جرف هارٍ، فها هو يقول تحت عنوان "مزامير الإله الضائع": (هذا الجسد سحر أغوى الأرض ألا ترضى ولهيبُ تشهٍّ لا يبترد من أطفال الجسد الأبد فيه نغرس فيه نقطف فيه ما لا يعرف، يعرف معبد قلبي، معبد شعري، معبد عموي. . .

стр. 375

فخذاك وبينهما الأجيال شيء يحضن، يعشق يعبد، - كيف يقال؟ عري فخذيك، أزيحي التين. . .) (١). والمقطع كله جنس مكشوف، وعبودية للجسد الأنثويّ ولأعضاء الجنس المختلفة، وفي آخر المقطع يخاطب معشوقته الداعرة وينادي جسدها: (يا مجهولي، نامي، آن مسيري نحو اللَّه. الضائع، آن وصولي) (٢). إنها لغة الإلحاد والوثنية المعاصرة والكفر الرجيم، في أبشع صورها وأحط درجاتها، ثم يطلب من المسلمين المسامحة في التخاطب مع هؤلاء، والتجوز في الألفاظ والملاينة في العبارات، والمناقشة الأدبية المجردة!!. إن وجود هذه الملاعب الوثنية على الساحة الثقافية والصحفية والإعلامية لدليل كبير على مقدار الخواء الذي وصلت إليه الأمة، والتعطيل الكامل لأحكام الشريعة، التي تنص على إقامة الحدود على المفسدين في الأرض، وأشنعهم وأخبثهم الذين يسعون في إفساد عقائد الناس من الزنادقة والمرتدين وأضرابهم. ومن صنميات هذا الباطنيّ قوله: (أعبد هذا الحجر الوادعا رأيت وجهي في تقاطيعه رأيت فيه شعري الضائعا) (٣).

стр. 376

وقوله: (كنت حطابًا عبدت الشجرة وغرزت الفأس في أهدابها) (١). ويستمد من أشباهه وأسلافه العون في ترسيخ الكفر والإلحاد والوثنية فيستشهد بالشلمغانيّ (٢) النصيريّ الحلوليّ الزنديق، ويضمن كلامه في مقطع من ديوانه بعنوان "تاريخ" وهو تضمين مقصود يتسق مع مبادئه الوثنية في العبودية لغير اللَّه؛ ولكي يكمل دائرة الانحراف لابد أن يهاجم الإسلام وأصوله ويحارب العبادات التي يتوجه بها الخلق للَّه من خلال الإسلام الدين الحق، وكل ذلك يجريه على لسان شبيهه الشلمغانيّ، فيقول: (يفتي الفقهاء يصلب الشلمغانيّ ويحرق يكون من مذهبه: - اللَّه يحل في كل شيء حل في آدم وفي إبليس . . . اللَّه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه اللَّه اسم لمعنى من احتاج الناس إليه فهو إله، لهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلهًا ملاك من ملك نفسه وعرف الحق ويقول الشلمغانيّ

стр. 377

اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات لا تناكحوا بعقد أبيحوا الفروج للإنسان أن يجامع من يشاء) (١). فإلغاء العبادات مقدمة للإباحية والدعارة والشيوعية الجنسية المتصلة النسب من المزدكية حتى النصيرية حتى الشيوعية والوجودية. والآن ماذا يقول أتباع الحداثة والذين يخاصمون عن الذين يختانون أنفسهم؟. وليس هذا الانحراف مقتصرًا على أدونيس -وإن كان رأسًا فيه- ولكنه ممتد إلى غيره من أتباع هذا المذهب الخبيث، ففي مقابلة أجرها صاحب كتاب "أسئلة الشعر" مع نزار قباني يسأله قائلًا: (والألوهية هذه القصيدة التي مسخها المجسدون، كيف تناجيها أو تقيم حوارًا معها؟) (٢). السؤال يضج بالانحراف والضلال، حيث يجعل الألوهية قصيدة، والإجابة من نزار أشد انحرافًا وضلالًا حيث يقول: (إن اللَّه عندي هو دبيب شعري، وإيقاع صوفيّ في داخلي، والشعور الدينيّ لدي، هو شعور شعري، والكفر عندي هو موت صورة اللَّه - القصيدة في أعماقي) (٣). ثم يسأله: (إذن كيف يقيم إيقاع الشعر وإيقاع الدين حوارًا نغميًا في سيمفونية واحدة؟) (٤). ويجيب نزار قائلًا: (كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي. . .، كل شيء يتحول بالشعر إلى ديانة، حتى الجنس يصير دينًا، والسرير يصير مذبحًا وغرفة اعتراف، والغريب أنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسيّ بعيني كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما

стр. 378

يفترش المؤمن سجادة صلاة. . . أشعر كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتطهر وأدخل مملكة الخير والحق والضوء، وماذا يكون الشعر الصوفيّ سوى محاولة لإعطاء اللَّه مدلولًا جنسيًا؟) (١). لقد بلغ هؤلاء من الانحراف والضلال ما لم يبلغه أهل الجاهلية الأولى، وانحطوا في أودية الضلال والإضلال بما لم يسبق له نظير، فالشعر معبود، وكل كلمة فيه تتحول إلى طقس عباديّ، والشعر ديانة والجنس ديانة، والدعارة والإباحية صلاة وثنية نجسة، لكنها توصف بأنها الخير والحق والضوء، كما وصف فرعون كفره وضلاله بأنه الهدى والرشاد في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (٢). ثم يتعدى هذا المريض الضال إلى مقام اللَّه ذي العزة والجلال فيصفه بالأوصاف الخبيثة تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذه الدوائر الكفرية المتلاحقة يكمل بعضها بعضًا في سلسلة من الخبث والدنس والنجس والضلال والإلحاد والفساد. وفي كلام نزار الكثير من الانحراف الذي على هذه الشاكلة في أشكال من العبوديات المختلفة، وكلها تدل على استهانته بلفظ العبادة والعبودية، وارتكاسه في أنواع من الشرك والضلال الاعتقاديّ، فمن ذلك قوله: (أنت كرمي الرفيق لو يعبد الكرم عبدت النيران في أعنابك) (٣). وقوله تحت عنوان "نهداك": (صنمان عاجيان قد ماجا ببحر مضرم صنمان إني أعبد الأصنام رغم تأثمي) (٤).

стр. 379

وقوله في معشوقته: (إنني أعبد عينيك فلا … تنبئ الليل بهذا الخبر) (١) وقوله: (وعبدتُ بقية إرهاق … تحتل جواب عينيه) (٢) وقوله عن نفسه: (مارست ألف عبادة وعبادة … فوجدت أفضلها عبادة ذاتي) (٣) وقوله يصف دعارته: (شيدت للحب الأنيق معابدًا … وسقطت مقتولًا أمام معابدي) (٤) وقوله: (هذا الهوى ضوء بداخلنا … ورفيقنا ورفيق نجوانا طفل نداريه ونعبده … مهما بكى معنا وأبكانا) (٥) قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً. . .﴾ (٦). ويقول نزار عن قط أسود: (أفكر: أينا أسعد

стр. 380

أنا أم قطنا الأسود؟ . . . أمامي كائن حرٌ يكاد للطفه يعبد) (١). ويقول على لسان كاهنة عرافة، قارئة فنجان: (بحياتك يا ولدي امرأة عيناها سبحان المعبود) (٢). ويقول عن محبوبته: (حبك يا عميقة العينين تطرف، تصوف، عباده) (٣). ويقول: (فالتي أشعلت في معبدها قنديل عمري لم تعد تعني قليلًا أو كثيرًا) (٤). ويقول: (هل تعرفين؟ لماذا أستميت في عبادة شعرك) (٥). ويتحدث عن موسكو والكرملين ومعالم الفن ثم يقول: (في معابد الفن العظيم يشف الحب حتى يصبح ضوءًا) (٦). ونزار يهرف في أبواب الانحراف الاعتقاديّ بكل ما يخطر في باله من

стр. 381

ألفاظ ومصطلحات، في أجواء من العفن السلوكيّ والانحراف الخلقيّ المؤسس على انحراف اعتقاديّ كبير. وهذا النوع من الانحراف ثقافة سائدة وعرف شائع عند الحداثيين من أول بداية الحداثة على يد السياب ونازك الملائكة والبياتي. ولنأخذ أمثلة على ذلك تؤكد أن الانحراف في هذا الباب تأسس من بدايات الشعر الحداثيّ: تقول نازك الملائكة: (عد بي يا زورقي الكليلا … فلن نرى الشاطئ الجميلا عد بي إلى معبدي فإني … سئمت يا زورقي الرحيلا . . . ولم يزل محبدي بعيدًا … خلف الدياجير والضباب) (١) وتقول: (ضاع عمري الحزين في معبد الحز … ن وأذوته لهفتي وشكاتي) (٢) وفي قصيدة بعنوان العودة إلى المعبد تقول: (معبدي عادت بي الأحزان فارأف بعذابي عدت يا ليتك تدري بعض آلامي وما بي . . . ذهب الأمس بأوهام فؤادي ومحاها فإذا قلبي عبدٌ ولقد كان إلهًا . . . معبدي افتح لقلبي الباب قد طال وقوفي . . . عدت يا معبدُ للصمت فلن أشدو بحبي

стр. 382

معبدي افتح لقلبي الباب لا تقس عليه) (١). وفي قصيدة بعنوان "أنشودة - الأبدية" قالت في مقدمتها: (إلى القيثارة الإلهية التي منحت الإنسانية أروع الألحان إلى تشايكوفسكي الموسيقي الروسيّ، ذكرى لمرور أربع وخمسين سنة على وفاته) (٢)، قالت في مدحه: (آه يا أيها الملاك إلى رو … حك في الموت حن روحي الحزينُ . . . آه لو بعت كل عمري … بيوم شاعري يراك فيه وجودي من بعيد أرنو إلى الهيكل السا … مي وأصغي إليك يا معبودي) (٣) أمّا البياتي فقد ضرب في هذا المستنقع بحظ وافر، وأقواله من هذا القبيل كثيرة، منها قوله: (أكتب تحت قدم الأميرة العاشقة الكاهنة المعبودة التمثال أشعارا) (٤). وقوله: (ترحل الشمس إلى البحر وفي يدها خصلة شعر الملكة وقناع وثني ودم سال فوق الطرقات المهلكة وأنا الكاهن في معبدها تركتني فوق أرض المعركة) (٥). وفي مقطع له بعنوان "المعبودة" يكرر معاني الانحراف العباديّ في

стр. 383

صور شتى، فيقول: (انتظرتك عشرين عامًا في المنفى دون جدوى حتى وجدتك في الوطن أيتها المعبودة، أيتها الحمامة المقدسة . . . أيتها المعبودة التي قهرت جميع معبوداتي وتربصت ملكة على عرشهن آمنت بك وبكلماتك وإبداعاتك التي رأيت في سطورها شمس العالم وهي تولد من جديد) (١). ويستمر في هذا النمط فيقول في المقطع نفسه: (أعبد في عينيك هذي النار ووجهك الشاحب والضفيرة والغربة - الطفولة - الأسطورة) (٢). ويقول: (حلفت بالمعابد المكسوة القباب بالذهب بالحرف والغربة والسفر) (٣). ويقول: (قلبي هرم خوفو الكبير أراك تضطجعين في مقصورته الملكية

стр. 384

ماسة مشعة منذ آلاف السنين وأنا أعبدك أقبل يدك وأحرس كنوزك الإلهية) (١). وفي موضع آخر يقول: (في وجه الأرض الحبلى أسجد مأخوذًا للنار) (٢). ويقول: (كانت تنشب في داخله معركة بين المعبودات واحدة ماتت قبل الحب وأخرى بعد الحب وأخرى في المابين وأخرى تحت الأنقاض) (٣). ويتبرع بتقسيم قلبه إلى نصفين نصف للشعر والبحر وغيرها، ونصف لمعبوداته فيقول: (أشطر قلبي نصفين وأعطي نصفًا رحلات الشعر الكونية والبحر وعمال وفلاحي وطني وربيع الأرض التأثر والشعراء المسكونين بنار الشعر الزرقاء، ونصفًا معبوداتي وقضية شعبي العربيّ الخارج من منفى التاريخ. . .) (٤). ويعد صلاح عبد الصبور من الرواد والنشطاء في نشر الحداثة وتأصيلها، وله في هذا النوع من الانحراف جولة كغيره من الحداثيين (٥).

стр. 385

أمّا الخال، فليس بعد الكفر ذنب، فهو النصرانيّ المتعصب، والماديّ المتعقلن، ومن أقواله المنحرفة في هذا الباب: (لبنان يا بلدي الحبيب إذا عبدتك لا أغالي) (١). ونظراؤه في النصرانية ثم المادية الإلحادية توفيق صايغ وأنسي الحاج لهما في هذا الانحراف نصيب كبير كغيره من أنواع الانحرافات الاعتقادية، يقول توفيق صايغ عن عشيقته: (أنا لا أتنكر اليوم لمن عبدت بالأمس ولا أمد لساني هزءًا بحبيبة مددت لها لساني لا لهزء) (٢). أمّا أنسي الحاج فيقول: (الحب انتقام من الجمال عن طريق عبادته) (٣). ويقول: (أعبد إلهك يا كائنة الأغراء، إله اللهو الغامر ضد كل ما يخيفني أعبد إلهك؛ لأنه طفل مثلي، وغير واضح مثلك، وجائع مثلي وطيب مثلك، أعبد إلهك لأنه ليس إله الحصاد والمؤونة والسيف والدرع بل إله اللحظة الخالدة، الفانية) (٤). ويقول سعدي يوسف:

стр. 386

(أيتها الأرض التي أعبد أيتها الأرض بيني وبين اللَّه ما يوجد والطول والعرض) (١). ويقول: (حبيبتي كافرة. . . إنها لم تتخذ غير الهوى دينا) (٢) ويقول: (يا عائدات الفتح في الذكرى عبدتك من مَرَدِّ) (٣) ويقول عن معشوقته: (أنا ما عبدتك مثلما عبدوا … عبثًا ولم أنطق بما قالوا . . . لم أستبح من ناهديك حمى … بض التدفق ستره شال . . . اليوم أعبد مثلما عبدوا … عبثًا وأنطق بالذي قالوا) (٤) ويقول عن أخرى: (فديتك إني عبدت الجمال … وغير جمالك لن أعبدا) (٥) ويتحدث أمل دنقل عن إحدى عشيقاته فيقول: (قالت: سأنزل قلت: يا معبودتي لا تنزلي لي) (٦).

стр. 387

وقال في موضع آخر: (كم قرأنا فيه من سحر لياليك كثيرًا عن جبين يهب العمر تناهيد ورحمه ورسمنا وجهك المعبود فوق المنزل وعلى صدر الربيع المقبل) (١). وفي تمرد على اللَّه وشرعه ودينه وابتعاد عن العبودية له، مرتميًا في أحضان عبوديات أخرى، يقول: (حين أخلع عني ثياب السماء فأنا أتقدس -في صرخة الجوع- فوق الفراش الخشن) (٢). أمّا محمود درويش المناضل الفلسطينيّ الشيوعيّ!! فقد كثر هذا النوع من الانحراف في شعره، ومن ذلك قوله عن فلسطين: (عيونك شوكة في القلب توجعني وأعبدها) (٣). وقوله تحت عنوان "آه عبد اللَّه": (فاجأوه مرة يلثم في الموال سيفًا خشبيًا وضفيره حين قالوا: إن هذا اللحن لغم في الأساطير التي نعبدها قال عبد اللَّه:

стр. 388

جسمي كلمات ودوى هكذا الدنيا وأنت يا جلاد أقوى وُلد اللَّه. وكان الشرطي) (١). تعالى اللَّه عن هذا الإفك المفترى، وتقدست أسماؤه وصفاته، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٢). ويقول محمود درويش: (وهذا الوطن مقصلة أعبد سكينها) (٣). ويقول أيضًا: (عيناك يا معبودتي هجرة بين ليالي المجد والانكسار . . . عشرون سكينًا على رقبتي ولم تزل حقيقتي تائهه وجئت يا معبودتي كل حلم سألني عن عودة الآلهة

стр. 389

عيناك يا معبودتي منفى نفيت أحلامي وأعيادي . . . معبودتي! ماذا يقول الصدى ماذا تقول الريح للوادي؟ . . . عيناك يا معبودتي، عودة من موتنا الضائع تحت الحصار . . . من يضع السكر في الألوان أطفالنا الآتون ونحن يا معبودتي أي دور نأخذه في فرحة المهرجان) (١). وفي مقطوعة له بعنوان "يوميات جرح فلسطينيّ" يقول: (هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء تعدُ الصيف بقمح وكواكب فاعبديها نحن في أحشائها ملح وماء) (٢). وفي مقطوعة أخرى يقول: (هل رأيت المدينة تذهب أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة اللَّه.

стр. 390

قافلة من سبايا. . . . . . سألتك موتي أيجديك موتي؟ أصير طليقًا لأن نوافذ حبي عبودية) (١). وفي مقطع بعنوان "أحمد الزعتر" يقول: (أخي أحمد وأنت العبد والمعبود والمعبد متى تشهد) (٢). ويصف مدى الحب للأرض إلى حد العبودية والتأليه، ومن أجلها يكون الصوم والصلاة، فيقول على لسان من سماها الحلوة: (تعال غدًا لنزرعه مكان الشوك في الأرض أبى من أجلها صلى وصام وجاب أرض الهند والإغريق إلهًا راكعًا لغبار رجليها وجاع لأجلها في البيد أجيالًا يشد النوق وأقسم تحت عينيها تنام، فتحلم اليقظة في عيني مع السهر فدائي الربيع أنا، وعبد نعاس عينيها
следующие страницы →