← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(أيتها الأرض التي أعبد أيتها الأرض بيني وبين اللَّه ما يوجد والطول والعرض) (١). ويقول: (حبيبتي كافرة. . . إنها لم تتخذ غير الهوى دينا) (٢) ويقول: (يا عائدات الفتح في الذكرى عبدتك من مَرَدِّ) (٣) ويقول عن معشوقته: (أنا ما عبدتك مثلما عبدوا … عبثًا ولم أنطق بما قالوا . . . لم أستبح من ناهديك حمى … بض التدفق ستره شال . . . اليوم أعبد مثلما عبدوا … عبثًا وأنطق بالذي قالوا) (٤) ويقول عن أخرى: (فديتك إني عبدت الجمال … وغير جمالك لن أعبدا) (٥) ويتحدث أمل دنقل عن إحدى عشيقاته فيقول: (قالت: سأنزل قلت: يا معبودتي لا تنزلي لي) (٦).

стр. 387

وقال في موضع آخر: (كم قرأنا فيه من سحر لياليك كثيرًا عن جبين يهب العمر تناهيد ورحمه ورسمنا وجهك المعبود فوق المنزل وعلى صدر الربيع المقبل) (١). وفي تمرد على اللَّه وشرعه ودينه وابتعاد عن العبودية له، مرتميًا في أحضان عبوديات أخرى، يقول: (حين أخلع عني ثياب السماء فأنا أتقدس -في صرخة الجوع- فوق الفراش الخشن) (٢). أمّا محمود درويش المناضل الفلسطينيّ الشيوعيّ!! فقد كثر هذا النوع من الانحراف في شعره، ومن ذلك قوله عن فلسطين: (عيونك شوكة في القلب توجعني وأعبدها) (٣). وقوله تحت عنوان "آه عبد اللَّه": (فاجأوه مرة يلثم في الموال سيفًا خشبيًا وضفيره حين قالوا: إن هذا اللحن لغم في الأساطير التي نعبدها قال عبد اللَّه:

стр. 388

جسمي كلمات ودوى هكذا الدنيا وأنت يا جلاد أقوى وُلد اللَّه. وكان الشرطي) (١). تعالى اللَّه عن هذا الإفك المفترى، وتقدست أسماؤه وصفاته، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٢). ويقول محمود درويش: (وهذا الوطن مقصلة أعبد سكينها) (٣). ويقول أيضًا: (عيناك يا معبودتي هجرة بين ليالي المجد والانكسار . . . عشرون سكينًا على رقبتي ولم تزل حقيقتي تائهه وجئت يا معبودتي كل حلم سألني عن عودة الآلهة

стр. 389

عيناك يا معبودتي منفى نفيت أحلامي وأعيادي . . . معبودتي! ماذا يقول الصدى ماذا تقول الريح للوادي؟ . . . عيناك يا معبودتي، عودة من موتنا الضائع تحت الحصار . . . من يضع السكر في الألوان أطفالنا الآتون ونحن يا معبودتي أي دور نأخذه في فرحة المهرجان) (١). وفي مقطوعة له بعنوان "يوميات جرح فلسطينيّ" يقول: (هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء تعدُ الصيف بقمح وكواكب فاعبديها نحن في أحشائها ملح وماء) (٢). وفي مقطوعة أخرى يقول: (هل رأيت المدينة تذهب أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة اللَّه.

стр. 390

قافلة من سبايا. . . . . . سألتك موتي أيجديك موتي؟ أصير طليقًا لأن نوافذ حبي عبودية) (١). وفي مقطع بعنوان "أحمد الزعتر" يقول: (أخي أحمد وأنت العبد والمعبود والمعبد متى تشهد) (٢). ويصف مدى الحب للأرض إلى حد العبودية والتأليه، ومن أجلها يكون الصوم والصلاة، فيقول على لسان من سماها الحلوة: (تعال غدًا لنزرعه مكان الشوك في الأرض أبى من أجلها صلى وصام وجاب أرض الهند والإغريق إلهًا راكعًا لغبار رجليها وجاع لأجلها في البيد أجيالًا يشد النوق وأقسم تحت عينيها تنام، فتحلم اليقظة في عيني مع السهر فدائي الربيع أنا، وعبد نعاس عينيها

стр. 391

وصوفي الحصى والرمل والحجر سأعيدهم، لتلعب كالملاك، وظل رجليها على الدنيا صلاة الأرض للمطر) (١). وعلى قدر ما في هذه الكلمات من انحراف اعتقاديّ وعبودية لغير اللَّه ففيها من الكذب والادعاء ما يعرفه كل من اطلع على قضية فلسطين ومتاجرة العلمانيين والشيوعيين بها، ويكفي في إيضاح كذب محمود درويش أنه أحد أعضاء الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ!!، وتذكّر هذه الأقوال في عبوديته للأرض بصنيع أهل الجاهلية الأولى حين كانوا يصنعون الصنم من التمر فإذا جاعوا أكلوه!!. ومن أقواله المنحرفة في هذا الباب قوله: (بين ريتا وعيوني بندقية والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية) (٢). أمّا زميل نضاله ومبادئه الشيوعية سميح القاسم الذي يعده الحداثيون رمزًا كبيرًا فإنه على الدرب المظلم نفسه، ومن أقواله: (وفجأة أحسست يا حبيبتي بوخزة في الصدر في ناحية اليسار حيث حفظت وجهك المعبود والغيتار) (٣).

стр. 392

وفي مقطع يحدث محبوبته قائلًا: (بين عيني وعينيك على جدار سجني يتراءى وجهك المعبود في وهمي) (١). وفي مقطوعة بعنوان "الجواد الجارح" يخاطب المرموز له قائلًا: (فكيف أعود؟ كيف أعود؟ يا معبودي الجارح) (٢). وفي آخرها يقول: (بغير ضماءك الرحمن يا إيقاع أحرفنا ويا رؤيا تلهفنا . . . فحتى الموت حتى الموت يبقى فارس الأحزان عبد جوادك الجامح) (٣). ويقول عن الأرض وعن بيته في فلسطين: (يا بيتنا الباقي يا بيتنا المعبد يا من على عتابته أسجد) (٤). ويقول:

стр. 393

(لا يعبر بالشباك صباح ألا وتطل من الأفق المعبود جراح) (١). ويقول عن صنعاء اليمن: (يمني المعبود سيعود سعيد فكهوف الشاي الأسود والقهوة والقات صارت ثكنات) (٢). وفي قصيدة بعنوان "المطرد الفولاذ" يسرد أمجاد الشيوعية ويَمدح المنجل رمز الشيوعية فيقول: (وينتصب المصنع المارد … إلهًا كلانا له عابد فيا سحب الغيث مدّي يدًا … سحاب مداخننا صاعد وصبي الحياة على شرقنا … فقد هيأ المنجل الحاصد) (٣) وهكذا ينفلت المنحرفون من عبادة اللَّه الحق المبين، ليرسخوا في أرسان عبادة جديدة وثنية المنشأ والمسلك، زخرفت بالفلسفة، وزينت بأكاذيب الجدل والديالكتيك. . لتكون في نهاية الأمر تمثالًا مذهبيًا يخضع له الأتباع، ويدينون له دينونة العبادة والخضوع والخشوع، كما في قول سميح القاسم السابق، وقوله الآخر عن برلين رمز الشيوعية في ألمانيا الشرقية قبل أن ينهار الوثن الشيوعيّ ويندثر، يقول سميح:

стр. 394

(بالصمت يا برلين أعلن حبنا أم بالبكاء وأنا أقبل كفك التعبي وأركع في خشوع بجلال تمثال تكاد تسمح من شطآن عينهم الدموع) (١). إلى أن يقول في آخره: (ربّى الشيوعيون شعرك طيبوه ودللوه ربوه بالفرح المقدس والمرارة والصمود) (٢). فلم تقتصر عبادتهم للشيوعية على تقديس مناهجها وعقائدها، بل حجوا إلى مدنها موسكو وبرلين ولينين غراد، وطافوا بأضرحة رموزها لينين وستالين وجيفارا، ومن أمثلة هذه القبورية العبادية الشيوعية ما قاله توفيق زياد أمام ضريح الملعون لينين شيطان الشيوعية الأكبر: (أمامه وقفت خافض الجبين ضريحك الذي يعيش في القلوب يا لينين أحسست أنني أنا المعذب الشقيّ

стр. 395

المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين أملك كل شيء أقوى من الزمان والقضاء وإنني أقدر أن أقتحم السماء أمامه وقفت حابس الأنفاس صوتك يحويني كمارج من نار يصهرني يصقلني كالصليب كالألماس . . . وجدت أن الصمت يا معلم الأجيال أصدق من كل الذي يُمكن أن يقال دقيقة دقيقتان وقفت صامتًا كالحجر الصوان يا أنبل المشاعر التي يُمكن أن تورق في إنسان ازدهري ازدهري في لحظة كأنها الزمان كأنني ولدت من جديد كل الشموس في يدي

стр. 396

وأجمل الورود) (١). عبارات تضج بالعبودية، وتنضح بالخضوع والخشوع والذلة والمحبة لضريح لينين، وهي من أبلغ ما يفصح عن مقدار الردة عند شعراء الحداثة، ردة لا تشابه كفر الكافرين السابقين، بل تزيد على ذلك بادعاء العقلانية والتبجح بالعلم والفلسفة والتطاول بالمزاعم الكاذبة، فإذا فحصت كل ذلك تحت منظار العقل السليم والعلم القويم والمنهج الحق لا تجد سوى لون آخر من ألوان الكفر باللَّه تعالى والعبادة لغيره، لكنه تخلى عن الصورة الساذجة التي كانت عليها الوثنية الأولى، واصطبغ بأصباغ ومسوح خادعة يخلب بها عقول الإمعات وذوي العاهات الفكرية. ومن ألوان العبودية لغير اللَّه الإقسام بغير اللَّه كقول توفيق زياد: (قسمًا بأفئدة الأباة الثائرين بظل ساح قسمًا بأجنحة النسور تمردت رغم الجراح قسمًا بأحداق العذارى. . . قسمًا برماني وزيتوني وندماني وراحي قسمًا بأرضي بالشواطئ بالسواقي بالمراح بالدم بالأحرار بالعزم المسعر بالرياح

стр. 397

لتبرقعن نسورنا أعشاشها بلظى الكفاح) (١). أمّا عبد العزيز المقالح فقد جعل من الشعر صلاة وعبادة، وذلك في مقدمته لديوانه حيث يقول: (فقد بدا لي الشعر وكأنه صوت الحزن الثابت في ضلوع البشر، فكانت قصائده صدى لذلك الصوت الغائر في الأعماق، والصلاة اليومية التي نؤديها في بيوتنا فرادى وجماعات. . . وفي مقابر وفي معابد الشعر الحزينة كثيرًا ما تساءلت: لماذا الحزن؟ لماذا كل الشعراء حزانى؟!) (٢). ولم يقصر عبادته وسجوده وصلاته على الشعر بل تبرع بها لسيف بن ذي يزن (٣)، وذلك في قوله: (متى تهل من سمائنا الحزينة السواد متى نرى وجهك يا بن ذي يزن أنهش في انتظارك القيود أطيل في طريقك الصلاة والسجود أقبل التراب والأحجار والد من أقبل اليمن) (٤). ويتوجه بالعبودية لشيء آخر في قوله: (والشفتان يا معبودتي

стр. 398

الكؤوس) (١)، وقوله: (فمن أنا لولاك يا معبودتي ومن أكون؟) (٢). لكنه في خاتمة المطاف الوثنيّ يصرح بكل جرأة قائلًا: (تأكلني الوحدة يستفزني الزحام صليت للَّه وللشيطان عبدت وجه الكفر والإيمان سجدت للأوثان لكنني كما بدأت في الظلام وليس في الظلام من أحد) (٣). قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ (٤). وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (٥). ومن ظلمات هذا المقالح قوله في ذكرى يوم من سبتمبر ولعله إحدى

стр. 399

الأيام الثورية التي يفاخر بها تجار المبادئ والأوطان: (أكاد أن ألمحه قادمًا … يوزع الأرض ويعطي الديار يمسح عن أيامنا رعبها … وعن عيون الكادحين الغبار أعبده أقرأ في عينه … أحلامنا والأغنيات الكبار) (١) أمّا الوطن فيقول في وصفه: (وطن النهار ومعبد الزمن … أنا عائد لأراك يا وطني) (٢) وعن بلاده يقول: (وأريدها دينًا وأعبدها … ولها صلاة الروح والجسد) (٣) ويقول: (يا من يدلني على طريقها … طريق أحلى المدن يرجعني توًا إلى حبيبتي … معبودتي. . . لليمن) (٤) ويقول عن بعض بلاده: (أهوى زبيد وأعبدها) (٥). ثم يزجي نفسه عبدًا لشفة وذلك في قوله: (صوت من الأرض صار ينبت كالعشب في القلب يفترش العين طوعًا وكرهًا على حافة النهر

стр. 400

فوق سريري على شفة كنت أعبدها. . .) (١). ومثال آخر نذكره عن محمد الماغوط الذي استروح أن يوجه عبادته للخريف في قوله: (كالذئاب في المواسم القاحلة كنا ننبت في كل مكان نحب المطر ونعبد الخريف) (٢). أمّا العبادة الحقة للَّه تعالى فإنه يسخر بها ويستخف بشأنها، ومثال قوله عن الدعاء في مقطع له بعنوان "من العتبة إلى السماء": (الآن والمطر الحزين يغمر وجهي الحزين أحلم بسلم من الغبار من الظهور المحدودبة والراحات المضغوطة على الركب لأصعد إلى أعالي السماء وأعرف أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟ آه يا حبيبتي

стр. 401

لابد أن تكون كل التنهدات والاستغاثات المنطلقة من ملايين الأفواه والصدور وعبر آلاف السنين والقرون متجمعة في مكان ما من السماء كالغيوم ولربما كانت كلماتي الآن قرب كلمات المسيح فلننتظر بكاء السماء يا حبيبتي) (١). أمّا الحداثيّ السوريّ ممدوح عدوان فإنه يعبد الحياة ويعبر عن ذلك بقوله: (الحياة انسكبت فيضًا وصارت مومسًا كنا نؤاتيها بلا طعم ونحياها كعاده وعرفنا وجهها جوعًا وإدمانًا ذللنا فيه صُنّاه ركعنا في محياه عباده) (٢).

стр. 402

إلى أن يقول: (فهذا معبد الموت وها نحن القرابين الجديده) (١). ويقول في مقطع بعنوان أتلفت نحوك أبكي: (تعلمت كيف استوى الدمع بالدم أعبد من سفح الدم والدم كرمى لها) (٢). ويقول أحمد دحبور: (وأنا عباد الثورة) (٣). ويسخر من عبادة اللَّه متمثلة في الدعاء وعفو اللَّه تعالى فيقول: (أسأل اللَّه ألّا يسمم بالعفو حزني) (٤). وللفيتوريّ في إثبات التعبد لغير اللَّه اعترافات عديدة، ففي مقدمته لديوانه يصف غرقه في عالم بودلير (٥) قائلًا: (إنني غارق هذه المرحلة حتى الغيبوية والدوار وفي عالم بودلير المخيف المعذب في أزهار الشر، الأروع من كل ذلك أن معبودته الأرضية جارية سوداء اسمها جان ديفال) (٦).

стр. 403

ومن آثار غرقه في عالم بودلير وانغماسه في تقليده وأتباعه اتخذ له معبودات شتى منها أفريقيا التي يقول عنها: (وبلادي أرض أفريقيا البعيده هذه الأرض التي أحملها ملء دمائي والتي أنشقها مثل الهواء والتي أعبدها في كبرياء) (١). وامرأة معشوقة يقول على لسانها: (وترددين وملء جسمك رعشة متندمة كم كان يهواني ويعبد روحي المتأله) (٢). وفي الجملة ليس المراد هنا جمع كل ما قالوه من ألفاظ تفيد عبوديتهم لغير اللَّه، أو استهانتهم واستخفافهم بلفظ العبودية، بل المقصود الإتيان ببعض الشواهد على هذا اللون من الانحراف وعلى هذه القضية الضلالية التي أصبحت من المسلمات العادية والمستساغة عند أهل الحداثة. وإذا كانوا قد تشعبوا في أودية العبوديات المختلفة فإنهم تشعبوا كذلك في أدوية ألوهيات مختلفة ألهوها من دون اللَّه، وهو ما سيأتي إيضاحه في: المظهر الخامس من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: تأليه غير اللَّه تعالى، ووصف غيره -جلَّ وعلا- بالألوهية: وقد انساقوا في هذا الباب تأثرًا بما عليه الغربيون الذين استمدوا هذا

стр. 404

الانحراف من جذورهم اليونانية الإغريقية التي وزعت الألوهية على آلهة وأرباب شتى، وفرقت الإنسان في آماله وطموحاته ومشاعره على هذه الآلهة الباطلة، ومزقت حياته شر ممزق وألقت به في أودية الهلكات، وردته إلى أسفل سافلين، فعاش في خسر وبوار، وهذا هو شأن كل كفر وشرك وإلحاد في قديم الزمان وحديثه. والذي يتحدث عن مشكلات الإنسان المعاصر في أوجهها النفسية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية مغفلًا سببها الأساسي المتمثل في انحراف الإنسان عن طاعة اللَّه وعبادته، فإنما يخبط في ظلام وتيه في صحراء الأوهام، وإن أتى بحل فإنّما هو حل جزئيّ يصلح جانبًا ويفسد جوانب أخرى، ويداوي زكامًا ويوجد جذامًا. وذلك لأن أساسي منهاج الإسلام التأله للَّه تعالى، وهو العليم الحكيم، ومنهجه هو الحكمة والعدل والخير كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ (١). وقال -جلَّ شَأنُهُ-: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ (٢). فمتى أعرض الإنسان عن هذا الأصل وهو تأليه اللَّه وحده لا شريك له وعبادته فى ون سواه، فإنه يخبط في الضلال ويتردى في الهلاك والخسران: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (٣).

стр. 405

وعند النظر في النتاج الفكريّ والأدبيّ لأهل الحداثة نجد أنهم قد اغترفوا من مستنقع الشرك والتأليه لغير اللَّه بأوسع المغاريف، وضربوا حوله بعطن، وعلّوا ونهلوا من ذلك الخوض الآسن، وكان هذا دأبهم من أول روادهم إلى آخر أتباعهم، فقد استخفوا بلفظ "الإله" ومعناه، وقادهم هذا الاستخفاف إلى تأليه كل ما يخطر في بالهم من الإنسان والحيوان والأشياء، والشعر والكلام، وغير ذلك. ومنبع انحرافهم في هذا: أنهم جحدوا حق اللَّه تعالى في الألوهية، وبعضهم لم يجحد حق اللَّه تعالى في الألوهية ولكنه يجحد حقه المطلق في ذلك، فلا يفرده -جل وعلا- بهذا بل يدخل معه في هذا الوصف من شاء من المخلوقات، وكلا الأمرين كفر وانحراف وضلال مبين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)، وكل قول أو اعتقاد يناقض هذه الحقيقة فهو جهل وانحراف وضلال مبين. ومنذ أن بدأت الحداثة العربية على يد السياب ونازك الملائكة والبياتي رتعت في هذا المرتع الوخم، واستفّت ترب الخزي والعار والجهل، وسوف أورد هنا بعض الأمثلة من كلامهم في هذا: ولتكن البداية من السياب أول من شق طريق التبعية للغرب ونشر أشرعة الحداثة، والذي وصفه أدونيس بقوله: (بدر شارك السياب من شهودنا الأُول على الحضور؛ ولادة محتوى جديد، وولادة تعبير جديد. . . تجربة السياب مع ذلك ريادة: بدءًا منها ومعها أخذ ينشأ الشعر العربيّ الجديد في وسط تعبير جديد، وهو الآن من القوة والسيادة بحيث أنه يبدو إبداعًا مستمرًا) (٣). والسياب إذا أردنا أن نعرفه فهو منذ النشأة الريفية في جنوب

стр. 406

العراق في جيكور في أسرة آل السياب كان بعيدًا عن الفهم الصحيح للدين إن لم نقل عن الفهم الأولي للدين، فقد كانت أسرة آل السياب تزين جدران ديوانها بصور المتحررين من الدين والمحاربين له (١)، وكان عمه عبد القادر السياب أحد العاملين في حزب سريّ اسمه "الحزب اللاديني" (٢). وحتى الجانب الدينيّ هناك ما يشير إلى تأثره بالعقائد الشيعية مثل نذره إهداء شمعة لقبر صاحب الزمان (٣). وفي القرية تلقفته الأيدي الماركسية، وكان ذلك عن طريق عمه عبد المجيد السياب وصديقه الإيراني الماركسيّ المحبّ لأدب جبران خليل جبران ومي زيادة (٤). ثم انضم للحزب الشيويّ العراقيّ وأصبح من أتباع يوسف سلمان يوسف المسمى "فهدًا" وهو يهوديّ عراقيّ من مؤسسي الحزب الشيوعيّ، ومعه من يهود العراق ساسون دلال ويهودا صديق (٥). ووصل الأمر بالسياب وأسرته أن أصبحت قريتهم حصنًا منيعًا من حصون الشيوعية (٦)، ومكث السياب إلى عام ١٣٦٩ هـ/ ١٩٥٠ م منتميًا للحزب الشيويّ ومخلصًا له (٧)، وكان عام ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م قد أنشأ قصيدة تعد عنده هي بداية الشكل الحديث في الشعر العربي (٨).

стр. 407

وقد ظل السياب يؤكد دائمًا أنه هو الأسبق في ابتداع الشكل الجديد وخاصة إذا ذكرت نازك الملائكة (١). وفي عام ١٣٦٧ هـ/ ١٩٤٨ م نشر ديوانه الأول أزهار ذابلة، وفيها مقدمة لصحفيّ نصرانيّ اسمه رفائيل البرتي وجه فيها السياب توجيهًا عميقًا في الثورة على الماضي والتهكم به، ومحاكاة الشعر الإفرنجيّ والإمعان في الجرأة على هذه المحاكاة، وقد أثرت هذه الكلمات تأثير عميقًا في الوجهة الشعرية التي اختارها السياب من بعد (٢). ولاشك أن السياب قد انغمس في اتجاه المحاكاة وخاصة بعد دراسته في دار المعلمين العالية حيث حدث عن نفسه قائلًا: (فدرست شكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرمانتيكيين في سنتيّ الأخيرتين، في دار المعلمين العالية تعرفت -لأول مرة- بالشاعر الإنجليزي ت. س أليوت، وكان إعجابي بالشاعر الإنجليزي "جون كيتس" لا يقل عن إعجابي "بأليوت") (٣). ومما لا ريب فيه أن ثقافة الشاعر ونشأته وأجواء حياته لها تأثير مهم في تحديد المؤثرات الاعتقادية والفكرية والنفسية التي تلقاها وسار عليها، وشكلت شخصيته الفنية والمضمونية. ولقد أظهر السياب أنه تأثر في أشكاله الحديثة بالشعر الإنجليزي في مقدمة ديوانه أساطير، وإن كان بعض النقاد لا يعتبر تلك المقدمة إلّا خلطًا صبيانيًا وسطحية في الفهم للشعر الإنجليزي) (٤). واتسع تأثير السياب بأليوت وكيتس وغيرهما من الإنجليز إلى حد الترجمة عنهم وأحيانًا الانتحال (٥)، أمّا الإعجاب والمحاكاة فحدث

стр. 408

ولا حرج (١). وقد تحدث الخال عن تأثر السياب وغيره بالأدب الإنجليزيّ، بل وذكر أن السياب تعلم الشعر الحديث على يد معلم إنجليزي في بغداد، وهذا نص قوله عندما سئل عن انطباعاته عن بدر شاكر السياب: (شعريًا كان بدر موهوبًا جدًا وكان طموحًا، ويحب المعرفة والتقدم، وأذكر جيدًا أنه عندما كان يأتي إلى بيروت، كان يقول لي: أعطني كتبًا لأنني أريد أن أقرأ كنت أعطيه ديوانًا حديثًا لشاعر إنكليزي، وكان بدر يعرف شويّة (٢) إنكليزي، كان يأخذ القاموس ويقعد يدرس كل كلمة وكل حرف ويعلم على الهوامش، كان دقيقًا كثيرًا، كان يحب العلم، والاكتساب كان مهمًا جدًا عنده، وقد درس بدر الأدب الإنكليزي بدار المعلمين بجامعة بغداد، وقد صادف أستاذًا إنكليزيًا في دار المعلمين، كان له اتجاه معاصر حديث، كما يفهمون الشعر في بلادهم، علم بدر الشعر الحديث كما علم نازك الملائكة والبياتي. . .، ومن حسن حظ بدر أنه تعرف بجبرا إبراهيم جبرا، جبرا كان درس بكمبردج وكمان (٣) عندو (٤) نفس الأفكار المعاصرة في الشعر، اتصل بجبرا، وجبرا كتير فادو (٥) بها الموضوع. . .) (٦). ومن هذه الأجواء والعوامل نشأ الشاعر الحداثيّ الذي شق أول طريق في الحداثة الشعرية العربية، ليس في الشكل وحده لكن في المضمون أيضًا الذي يعد أحد أهم أسباب ودوافع الثورة الحداثية على التراث والدين والقيم وكل الثوابت (ولكن إذا كان المضمون أحد مسوغات الثورة في الشكل فإن المضمون الجديد الذي مارسه السياب جزئيًا في ديوان أساطير، وكان الشكل الجديد ملائمًا له، معتمد على الصراع الذي يشبه المرض بين العقل الظاهر والوعي الباطن. . . .) (٧).

стр. 409

ومن خلال التتبع لمضامين شعر السياب نجد أنه قد اغترف من وحول أساتذته الإنجليز وقلدهم في استخدام الأساطير والعبث بالمصطلحات الشرعية، وليس التأليه لغير اللَّه تعالى إلّا واحدًا من هذه الضلالات التي لم ينعتق شعره منها، ولعله هو أول من سن هذه السنن السيئة في الشعر العربي الحديث، فقد جاء المعجبون والشاكون والرافضون، والثائرون على الدين والأمة والتاريخ ووجدوا في الأرضية التي هيأها السياب والبياتي ونازك والجيل التالي لهم مثل صلاح عبد الصبور وجبرا وأدونيس وجدوا فيها الميدان الرحب لمنازلة الدين الإسلاميّ ومحاربته. وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى فإنه لابد من إيراد شواهد على استخفافه بلفظ الألوهية ومضمونها، ونسبته الألوهية لغير اللَّه تعالى: فمن ذلك قوله متأثرًا بالفكر اليونانيّ الجاهليّ الوثنيّ: (هو لن يعود أو ما علمت بأنه أسرته آلهة البحار) (١). وقصيدته التي بعنوان "مرثية الآلهة" (٢) مليئة بهذه المعاني والأسماء والرموز الوثنية المؤلهة من دون اللَّه، ونحو ذلك قوله: (وجاء عصر سار فيه الإله عريان، يدمي، كي يروي الحياة واليوم ولي محفل الآلهة) (٣). ويتحدث عن عشتار الوثن المعبود المرتجى عند الفينيقيين والبابليين،

стр. 410

وعشتار أنثى لتموز (١)، يقول عنها السياب: (عشتار، أم الخصب، والحب، والإحسان، تلك الربة الوالهة) (٢). وفي موضع آخر يتحدث عن عشتار وتموز وكلبهم سربروس يقول: (ليعوِ سربروس في الدروب لينهش الآلهة الحزينة، والآلهة المروعة) (٣). ويقول: (تؤوب إلهة الدم، خبز بابل، شمس آذار) (٤). ويقول عن تموز: (وينبش التراب عن إلهنا الدفين تموزنا الطعين) (٥). وفي سياق امتداحه لجميلة بو حريد (٦) يقول عنها: (تعلين حتى محفل الآلهة كالربة الوالهة كالنسمة التافهة) (٧). (يا نفحة من عالم الآلهة) (٨).

стр. 411

(أنا سنمضي في طريق الفناء ولترفعي "أوراس" حتى السماء حتى تروى من مسيل الدماء أعراق كل الناس كل الصخور حتى نمس اللَّه. حتى نثور) (١). سبحان اللَّه العظيم، وتقدس وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. ويقول عن قريته جيكور: (فمن يفجر الماء منها عيونًا لتبنى قرانا عليها؟ ومن يرجع اللَّه يومًا إليها؟ . . . وتخضل من لمسها، من ألوهية القلب فيل عروق الحجار) (٢). وفي مقطع له بعنوان رؤيا في عام ١٣٧٥ هـ/ ١٩٥٦ م وهو ضد الشيوعية والشيوعيين بعد ترك السياب للحزب الشيوعي العراقي (٣)، يقول: (أيها الصقر الإلهي الغريب أيها المنقض من أولمب في صمت المساء) (٤). ومن أقواله في تأليه الإنسان:

стр. 412

(من قلبه المورق بالغار إنسانك العملاق ظل الإله) (١). أمّا الشخصية الثانية في درب الحداثة العربية فهي نازك الملائكة -على خلاف بين الحداثيين أنفسهم من هو البادي بهذا البلاء- وقد سلكت نفس المسالك وإن كانت أقل غلوًا من غيرها في ذلك من أيام نشوتها الحداثية، ثم إنها أحست فيما بعد بفداحة هذا الاتجاه وخطورته فقالت بعد أن وصفت اضطرارها لشعر التفعيلة: (. . . لم يكن يدور في خلدي أن أناسًا من الشعراء سيتخذون عملي الاضطراري سنة يحتذونها في منشوراتهم الشعرية ودواوينهم. . . أرفع صوت احتجاج على زملائي الشعراء الذين أصبحوا يكتبون شعرًا موزونًا على الأسلوب العربي، ثم يدرجونه وكأنه شعر حر، فإن هذا العمل لا يزيد القاريء العربي إلّا بلبلة وجهلًا. . . . .) (٢). وتقول: (. . . وقد يعجب بعض الشعراء من قلة هذا العدد بالنسبة لقصائد الديوان؛ لأنهم ألفوا أن يروا طائفة من الشعراء وقد تركوا الأوزان الشطرية العربية تركًا قاطعًا وكأنهم أعداء لها وراحوا يقتصرون على نظم الشعر الحر وحده في تعصب وعناد. . . أحب الشعر العربي ولا أطيق أن يبتعد عصرنا عن أوزانه العذبة الجميلة، ثم إن الشعر الحر كما بينت في كتابي "قضايا الشعر المعاصر" يملك عيوبًا واضحة أبرزها الرتابة والتدفق والمدى المحدود وقد ظهرت هذه العيوب في أغلب شعر شعراء هذا اللون. . .، وإني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها. . . .) (٣).

стр. 413

وفي مقابلة أجريت معها قالت: (يعاني شعرنا المعاصر الحديث من مجموعة إشكالات منها التعمية والتقليد وأخطاء الوزن وضعف اللغة واستعمال اللغة العامية. . .) (١). ثم شرحت بعض هذه المشكلات قائلة: (أمّا التعمية فهي تعمد الغموض الشديد في الشعر بحيث يقرأ القاريء القصيدة الكاملة ولا يفهم منها حرفًا، وقد تعالت صيحة القراء واحتجاجاتهم في كل بقعة من العالم الإسلامي والعربي، والمواطن اليوم مجروح وحزين؛ لأن قضية العدو الصهيوني تذله، وهو ينتظر من شعرائه أن يعبروا عن ثورته ورفضه وسخطه فلايجد لدى الشعراء سوى أشطر كثيرة لا معنى لها، وعندما لجأ القاريء إلى نقاد الشعراء المحدثين رجع خائبًا؛ لأن الناقد متواطيء مع الشاعر في كثير من الأحيان، فهو ينقد القصيدة نقدًا غامضًا لا سبيل إلى فهم عبارة منه. . .، والمشكلة الكبرى في نظري أن الشاعر هو نفسه لا يعرف أن يشرح قصيدته، ولو أنه كان قادرًا على إيضاح المعنى لاستطاع الناقد ذلك أيضًا ولفهم القاريء القصائد. أمّا البند الثاني "التقليد" فهو لا يقل خطورة عن الأول. . . أقصد الشعر الحديث، الشعر الحر الذي ينظمه اليافعون فذلك هو الشعر الذي يعشعش فيه التقليد: إن الواحد من الشعراء يقلد زملاءه دون نجديد ولا أصالة؛ ولذلك تنتشر في شعرهم ظواهر معينة ينقلها الواحد عن الآخر مثل التظاهر بالاهتمام بالأسطورة. . . .) (٢). وحذرت في كتاباتها "قضايا الشعر المعاصر" من الاستسلام المطلق للشعر الحديث (٣). هذا النقد الذي وجهته نازك إلى شعر الحداثة وهي مؤسِّسَة لهذا الاتجاه يدل على مقدار شعورها بجناية هذا المسمى شعرًا، وإن كان نقدها

стр. 414

في مجمله ينصب على الشكل إلّا أنه لم يخل من نقد المضمون مثل الغموض والتعمية، وترك قضايا الأمة، وقد اعتبر الحداثيون نازكًا وكتابها قضايا الشعر المعاصر ردة وتخلفًا. هذه الشاعرة لم تخل من الانحرافات الاعتقادية في شعرها، ولم تسلم من لوثات الحداثيين خاصة في أول اعتناقها للحداثة على يد الأستاذ الإنجليزي الذي علمها هي والسياب والبياتي الشعر الحديث (١) في أشكاله ومضامينه الإنجليزية، وهي بطبيعة الحال تقوم على المادية ومحاربة الدين والسخرية من أصوله وفروعه ومصطلحاته، ومن هنا أخذت نازك الملائكة هذه الانحرافات واسترسلت معها حتى بعد نقدها للحداثة، والذي يهمنا في هذا المقام ذكر انحرافها في باب الألوهية متمثلًا في تأليه غير اللَّه تعالى. تقول عن نفسها وقد مرضت حتى شارفت الهلاك: (وستمحوا الأيام ذكر فتاة شغفتها آلهة الشعر حبًا) (٢) وتقول في مرثية غريق: (إيه يا ضفة ما ذاك الخيال فوق صدر الموج تحت الظلمات أإله قد تصباه الجمال؟ أم غريق عزه حبل النجاة) (٣) وتقول: (جئت وروحي فزع صارخ باسم إله الصمت باسم العدم) (٤) وتقول تخاطب حبيبها:

стр. 415

(حبي الألهي النقي ظلمته ووفاء روحي الشاعري العابد) (١) ونحوه قولها: (أسفًا للماضي الإلهي هل ما … تت أغانيه في فؤادي الوحيد آه يا شاعري لماذا تهاويـ … ـــت بعيدًا وراء أمسي البعيد وأنا لم أزل صلاة لعينيـ … ــــك وإعصار لهفة وشرود كيف ضاع الحب الإلهي يا طائري الحر فانفرجت ظنونا؟) (٢) وتحت عنوان العودة إلى المعبد، وتعني به الحب قالت: (معبدي عادت بي الأحزان فارأف بعذابي . . . ذهب الأمس بأوهام فؤادي ومحاها فإذا قلبي عبد ولقد كان إلها . . . عدت يا معبد للصمت فلن أشدو بحبي . . . هي ذي آلهة الشعر فهل تمسح حزني . . . معبدي افتح لقلبي الباب ولا تقس عليه) (٣). ووصفت الموسيقي الروسيّ تشايكوفسكي بأوصاف غاية في الغلو والضلال والفساد، وذلك في قصيدتها "أنشودة الأبدية"، قالت في مقدمتها: (إلى القيثارة الإلهية التي منحت الإنسانية أروع الألحان، إلى تشايكوفسكي الموسيقي الروسي ذكرى لمرور أربع وخمسين سنة على وفاته) (٤). ثم قالت:

стр. 416

(سأحب الحياة من أجل الحا … نك يا بلبلي الحزين وأحيا سأرى في النجوم من نور أحلا … مك ظلًا مخلدًا أبديّا) (١) . . . آه يا أيها الملاك إلى رو … حك في الموت حن روحي الحزين (٢) . . . من بعيد أرنوالي الهيكل السا … مي وأصغى إليك يا معبودي) (٣) . . . رقد الحالم الإلهي تحت الـ … ـــفجر حسيمًا ميتًا وروحًا أصما) (٤) . . . وعلا ذلك الجبين الأثيري … شحوب الموت المرير القاسي وهوى ذلك الإله السماوي … على الأرض خامد الأنفاس عبثًا قبلته آلهة الفجر … وغنته أعذب الأنغام عبثًا ذكرته ربة موسيـ … ــــقاه بالذكريات والأحلام) (٥) فهذه نصوص جلية في الاستخفاف بلفظ "الإله" وهو توجه لم يقدر اللَّه حق قدره ولم يحفظ لألوهيته تعالى قدسيتها. أمّا البياتي وهو من المؤسسين للحداثة، ومن السادرين في حبها والدفاع عنها، فقد امتلأت كتبه بهذا النوع من الانحراف، ولعله يرى ذلك أقل ما يُمكن قوله وفعله فقد اغتذى بالحداثة من شبابه في دار المعلمين في بغداد على يد الإنجليزي الآنف ذكره، ثم تدرج في دركات الانحراف ليصبح ماركسيًا يدافع عنه الماركسية، وينشر فكرها وألفاظها ورموزها ويتغنى بتاريخها ورجالاتها ومدنها، ومن المعلوم أن الماركسية تقوم على عقيدة الإلحاد القائلة بأن "لا إله والحياة مادة"، ومن اعتقد هذا فلا ريب أن لفظ الإله عنده غير محترم وأنه سينتكس في وحول الضلالات ويلج إليها من أوسع وأقذر الأبواب.

стр. 417

ولولا أن من مقاصد هذا البحث بيان انحرافات أهل الحداثة من خلال كلاهم، لكان الإعراض عن كلام أشد شيعة الحداثة عتيًا أولى من ذكره. ولنذكر الآن شواهد من كلام البياتي في تأليهه لغير اللَّه، وسخريته واستخفافه بمصطلح الإله. يتحدث في قصيدة بعنوان "ملائكة وشياطين" عن شاعر ويقصد نفسه فيقول: (أوتاره أهداب آلهة وجناحه أشواق إنسان) (١) ونحوه قوله: (وماذا علي إذا لم أكن إلهًا وحلمي توارى وغاب) (٢) وتحت عنوان البعير المسعور يقول: (هذا العبير الإلهي نشقته بالأمس وحدي من خمائل شعرها) (٣) ويقول: (خياله يطفو على جفني وإن عنك احتجب إلهه المقتول في كفيه قيثار خشب) (٤) ويقول عن أحلامه الشاعرية مقتديًا بوثنية اليونان في تعدد الآلهة: (وفي الجزر النائيات التي تلوذ بها آلهات البحر سيسمع الحاني الصائدون تغني بها الريح بين الشجر) (٥) ونحوه قوله: (هنا رفعت للسماء العقيم قرابينها آلهات القبور) (٦)

стр. 418

وقوله: (ودليل مركبي الطروب عينان خضراوان، آلهة الربيع) (١). وقوله: (كان لنا فجر وكانت لنا آلهة تَمنحنا ودها) (٢) وقوله: (وهواي كان طفلًا إلهيًا على الأشواك يحبو في الهجير) (٣). وقوله: (على سفح "حمرين" يا فتنتي ومعبودتي ليالي الشتاء الحزين) (٤). وله قصيدة بعنوان "الآلهة والمنفى" (٥). ويقول: (بأي الهوى وبأي الدروب تموتين يا نجمتي الشاحبه

стр. 419

إله يرود مراعي السماء إله تطارده العاصفه رأيت الإله على المقصله . . . رأيت الديوك على المزبله) (١). وفي مقطع له بعنوان "قصائد حب إلى عشتار": (في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة) (٢). وفيه يقول: (من هنا مرت وفي هذي الطلول الدارسة لاحقتني لعنات الآلهة) (٣). ويقول: (نرفع للفرات قربان إله الطين) (٤). وفي مقطع له بعنوان "مرثية إلى اخناتون" يتغنى بأمجاد الفراعنة ويمجدها ويصفها بأوصاف الألوهية وينطرح أمامها في عبودية وذل، ومما قاله فيه: (مرتلين للإله العاشق المنفي أخناتون) (٥). (. . . بسبب الجريمة لا تقبل الآلهة الصلاة والقربان) (٦). (على نقوش قبره المنهوب

стр. 420

لا شيء غير نذر الآلهة الغضبى وصمت الحجر النائم في وادي الملوك تحت كثبان رمال الأبد المسحوق. . . . . . يا أيها المعبود أنت الذي يعيش في الحقيقة ممجدًا مباركًا قدوس. . . . . . متوجًا بزهرة اللوتس والثعبان حيًا جميلًا خالدًا معبود وعاشقًا معشوق شمس النهار أنت في جلالك العظيم . . . أنت لا تموت إنك لا تفنى إلى الأبد إنك لا تعطش في سفينة الشمس ولا تجوع ولا يدب الشيب في شعرك أو تنفى إلى أصقاع موت النور تحترق السماء من أجلك والنيل على غدائر الأرض وفوق صدرها الحنون) (١). هذا الارتماء العبودي، والخضوع الوثني والأوصاف التبجيلية التأليهية التي يقدمها في نسك وثني متخلف!! أليس عجيبًا أن يجحد ألوهية اللَّه الحقة، ويضفي صفات الخلود والإرادة على أخناتون (٢) الفرعون المندثر

стр. 421

الهالك منذ آلاف السنين؟!، ولكنها العقلية الجاهلية منذ القدم وإلى اليوم تجحد الحق المبين وتوقن بالخرافة والوهم. وفي مقطع له بعنوان "المعبودة" يخاطبها بوثنية قاحلة قائلًا: (أيتها المعبودة أيتها الحمامة المقدسة . . . أيتها المعبودة التي قهرت جميع معبوداتي وتربعت ملكة على عرشهن آمنت بك وبكلماتك وإبداعاتك التي رأيت في سطورها شمس العالم وهي تولد من جديد) (١). وفيها يقول: (قلبي هرم خوفو الكبير أراك تضطجعين في مقصورته الملكية ماسة مشعة منذ آلاف السنين وأنا عبدك أقبل يدك وأحرك كنوزك الإلهية) (٢). وسيرًا على انطباعه بالوثنيات وتأثيراتها الضلالية يقول تحت عنوان "سيرة ذاتية لسارق النار"، وسارق النار هو بروميثوس الوثن اليوناني الذي يؤلهونه، وقد أسهب البياتي في تفصيل سيرة هذا الوثن واعتقادات أسلافه اليونان فيه (٣).

стр. 422

ويقصد بهذا المقطع نفسه، وفيه يقول: (من أعطاك حق البحث في مدينة العشق عن اللَّه؟) (١). ويقول فيها مؤلهًا الإنسان: (بحثت من حان إلى حان ومن منفى إلى مفنى عن الوجه الذي يحمله سارق نار الشعر من معابد الآلهة - الإنسان) (٢). ومثل هذا قوله: (أو لم نحترق من أجل أن نضيء ليل البشر - الآلهة - الطيور) (٣). ويسترسل مع الوثنين والأوثان مجتهدًا في نشر وترويج بضاعتها الكاسدة التي انطفأت نارها بمبعث خاتم الرسل محمد ﷺ فيقول تحت عنوان "القصيدة الإغريقية": (تعدو عارية، آلهة الشعر المجنون إلى "دلفي (٤) " تبكي أقدار الشعراء) (٥). ويقول: (كنا أربعة: أنا والموسيقى الأعمى ودليلي ومغني آلهة الأولمب الحكماء) (٦).

стр. 423

ومن هذا الطرح نستطيع أن نفهم كيف تؤثر الدراسة والتلقي في العقائد والأفكار، فالبياتي -وهو أحد النماذج الحداثية- تلقى في شبابه عن أستاذه الإنجليزي، ثم استطرد في هذا الميدان ليصبح نسخة عن أي فكر أو عقيدة، إلّا عن عقيدة الإسلام ومبادئه، فمرة يتطوح فكره بين أيدي الأوثان القديمة من الإغريق والبابليين واليونان، ومرة ينطرح في عبادة وإجلال للأوثان الجديدة وخاصة الماركسية والوجودية، وكل هذه المعبودات أثرت في أقواله وأعماله، وكل إناء بالذي فيه ينضح. وننتقل الآن إلى الطبقة الثانية، وعلى رأسها أدونيس الذي سبق من تقدم، وفاق من لحق بعده، وأضحى رأسًا في حمل لواء الانحوافات والخرافات الجاهلية، وأستاذًا في التعبير عن عقائد الضلال التافهة. وله في قضية تأليه غير اللَّه باعٌ كبيرٌ، فالذئب والضوء وفينيق والحداثة وذاته والأرض والشمس والعالم والحشرات والإنسان كلها يصفها بالألوهية، مرة بما يقتضي تعبده واحترامه لها، ومرة بما يدل على استخفافه بمصطلح الألوهية ومعناه، وهذه بعض الأمثلة على ذلك، كقوله: (ومعي الناي - جمعت فيه آفاق بلادي شطآنها وقراها أطلع اللحن لحنها فكأني واضع بين راحتي إلها) (١) وقوله: (يدي هنا غريبة، غريب وجهي إله حاضري غريب) (٢). وقوله: (وبين كل خطوة وخطوة

стр. 424

مغاور تألهت ونُصُب) (١). وفي مقطع بعنوان "صلاة" يخاطب فينيق ويدعوه في عبودية وثنية مكشوفة، ويقول: (صليت أن تظل في الرماد أن يهدأ السحر وأن يكون موعدنا في النار في الرماد صليت أن يقودنا الجنون) (٢). قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (٣). وقد دعا أدونيس أن يكون موعده مع في فينيق في النار، وأن يقتاده الجنون، وليس هناك أعظم جنونًا من إنسان يوجه فكره وفنه لعبادة آلهة وثنية أو فكرية أو مذهبية -آلهة غير اللَّه الحق المبين- يعبدها ويفني نفسها فيها، وإن لبّس ذلك بلباس الأدب أو البحث العلمي أو النقد أو العقلانية أو المعاصرة أو التحديث، إلى غير ذلك من المعاذير التي يغطي بها الحداثيون خطل فكرهم وعقيدتهم وما ينتج عن ذلك من إفرازات. وليست هذه الوحيدة من وثنيات أدونيس بل له "ترتيلية البعث" (٤)، وهي مليئة بالتقديس والدعاء والرجاء العبادي لفينيق، ومترعة بالإعجاب به، ووصفه بأوصاف القداسة والخلق والألوهية (٥). ومن أقواله في موضع آخر: (أعيش في جزيرة الألوان

стр. 425

أعيش كالإنسان أصالح الآلهة العمياء والآلهة البصيرة) (١). وعلى الطريقة الوثنية اليونانية يستخدم هو وأضرابه لفظ الإله والألوهية على كل شيء ويدنسون هذا المصطلح بإضافته إلى أتفه الأشياء وأحقرها، كقوله تحت عنوان "الذئب الإلهي": (تحت وجهي جرس الليل انكسر وأنا الذئب الإلهي الجديد) (٢). وقوله: (الحب زي - كلما كثر المحبون قل الحب سرير تعمره حشرات إلهية تنفث الهذيان الكوني حيث يشتبك فخذ القمر وفخذ الفأر يتعانق فك الشمس ولسان الحرذون) (٣). وعلى ما في هذا الكلام مما يصلح للسخرية والتندر وضرب الأمثال لخبال العقول وتفاهة القول والفكر، فإن فيه أيضًا وصف الإنسان الذي يعمر سرير الحب -ويريد به الجنس- بأنه حشرة، ونعت الحشرة بالألوهية، على طريقته التدنيسية لكل ما يتعلق بعقائد ومصطلحات الإيمان، ومنهجه التبجيلي لكل ما يتعلق بعقائد ومصطلحات الكفر والإلحاد والضلال. وفي مكان آخر يصف الجنس ذاته بأنه إله: (أعراس أعراس نرفعها ذبائح انتقامًا من الموت
следующие страницы →