وفي مضمار عنصريته السوداء وافتخاره بأفريقيا يقول:
(صوتك يا أفريقيا
صوت الإله) (١).
وفي السياق العنصري البغيض يقول عن الأبيض والأسود:
(والحرية أشباح ضباب
وكأن الأبيض نصف إله
وكأن الأسود نصف بشر
قدر لفظته الأديان. . .
. . . ما ثم إله يتجبر
كذب ما قالته الأديان
فأطلي يا أفريقية) (٢).
ويقول:
(زمني يا أخت هوايا هرم
في داخله جثمان إله) (٣).
ويقرر تأليه الإنسان كما هو شأن أكثر الحداثيين، فيقول:
(كان غريبًا مثل تمثال حجر
فيه ألوهة البشر
ووثنية البشر) (٤).
стр. 457
ونحو ذلك قوله مخاطبًا إنسان العصر:
(أحمل نارك فاكبر يا إنسان العصر
ضع أقنعة الآلهة على وجهك
وتحد القهر) (١).
ويذكر (آلهة من الذهب) (٢).
ويقول:
(لوددت لو أني سكبتك في دمي
عرقًا إلهيًا وعطرًا) (٣).
وعلى هذا النحو التدنيسي للفظ الإله يقول في موضع آخر مخاطبًا حبيبته:
(صدرك يا حبيبتي
حين يلفني ضبابه الكثيف يحتقن
في الإله والوثن
وجهك يا حبيبتي وثن) (٤).
ومرة يجعل وجههًا إلهيًا (ترسم وجهك الإلهي) (٥).
ويذكر (جبل الآلهة الشاهق) (٦).
стр. 458
و (آلهة الموت) (١).
و (آلهة الخراب) (٢).
و (الرخ الإلهي) (٣).
وله مقطع بعنوان "فرحي طفل إلهي" (٤)
وكلامه من هذا النوع كثير (٥).
وللشاعر الحداثي أحمد دحبور الاتجاه نفسه في هذا النوع من الانحراف كقوله في مقطوعة بعنوان "الريح وآلهة القرصان" (٦):
(وحباني مدرج الحب: ربا بات، مرايا، وعقالًا قصبيًا
فتصبيت بعينيه إلهًا
وتعبدت فقدمت النذور
كيف لا اشتامه ربًا؟) (٧).
وقوله في المقطع نفسه:
(يا إله الموج تاريخي بلا طفل) (٨).
ويقول:
стр. 459
(من يبعث الصوت الإله؟ يعيدنا للريح) (١).
ويقول:
(لا صوت ينبع من عروق الغيب
يفصلنا عن الصوت الإله جدار نار) (٢).
ويقول:
(وأرى أمام النار مركبة المرايا
ترسم النخل الإله، لموقد الرؤيا شراره) (٣).
وفي مقطوعة بعنوان "الغول" يقول:
(كم أخاف الغول والغول إن. . شاءه الموتى إله) (٤).
ويقول:
(والجوع إله لا يعبد) (٥).
هذا كله في مجال الشعر الذي يعتبرونه رأس التجديد ويعدونه أهم عنصر من عناصر الحداثة، وسوف نورد بعض النماذج من كلامهم في الرواية والنقد.
فأمّا الرواية فنكتفي بالرواية الإلحادية "مسافة في عقل رجل" المليئة بالكفر والضلال حيث جعل الإله فكرة من صنع البشر، فقال: (. . . ما يتحدث عنه جاء في صحائف التاريخ، الإله من البشر ثم انتقلت عدوى هذه
стр. 460
الفكرة لصحائف الأديان. . . .) (١).
بل جعل اسم اللَّه وجعل المسمى ﷻ فكرة من اختراع الإنسان فقال: (فلنبدأ بلفظ "اللَّه"، الذي اختلفت فيه لغات العالم مما جعل البعض يردد أنه لو كان اللَّه موجودًا لأطلق على نفسه لقبًا واحدًا تشترك في نطقه كل لغات العالم بلهجاتها المختلفة، ولكن لفظ اللَّه يختلف من لغة إلى لغة أخرى، ويدللون بهذا على أن اللَّه كجوهر أيضًا صيغة بشرية من اختراع الإنسان اللفظ والجوهر معًا. . . .) (٢).
هذا الإنكار الصريح لوجود اللَّه والإلحاد الواضح جعل هذا المتردي يجول في روايته الهابطة يبحث عن إله، فمرة يؤله العلم التجريبي (٣)، ومرة يؤله القوانين العلمية (٤)، ومرة يؤله العقل (٥)، ومرة يؤله الإنسان (٦).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ (٧).
فهؤلاء الذين يكفرون باللَّه تعالى، ويتخذون من دونه آلهة يبتغون عندها العزة والإرتقاء والمكانة، ويؤلهون المخلوقات التي كانت بعد أن لم تكن ووجدت بعد العدم، ويعبدونها ويسخرون كلامهم وجهدهم الفكري والعملي في مدحها والتضرع إليها واستجدائها ما لا تملكه ولا تستطيعه، كل ذلك سيذهب وينتهي ويكون هباءً، وسيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا، ولذلك قال اللَّه بعد ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى
стр. 461
الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (١).
نعم سيتخلى عنهم الإنسان الذي عبدوه، والعقل الذي ألهموه، والعلم الذي جعلوه ربًا، وسوف ينكرون عليهم هذا الانحراف؛ لأن هذه كلها مخلوقة للَّه، عابدة له قسوًا، مؤلهة له، ولذلك ستكون عليهم ضدًا بالتبرؤ منهم والشهادة عليهم.
ولكن الكافر قد أرخى زمامه للشيطان فهو قرينة يقوده إلى مستنقعات الإثم والضلال، ويزين لى الباطل ويؤزه إليه أزًا، ويدفعه في طرق الغواية دفعًا.
وقد يسأل الكافرون أو بعض العجلين من المسلمين متى تكون هذه العداوة والتخلي والإنكار من المعبودات المؤلهة بالباطل؟ والجواب ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ (٢) أي: لا يضيق صدرك بهم وبمكرهم وكيدهم فإنهم ممهلون إلى وعد قريب، وأعمالهم كلها محسوبة معدودة مكتوبة، وبعد ذلك الحساب العسير ونار السعير عياذًا باللَّه من موجبات غضبه وعقابه.
وفي دراسة نقدية لرواية شرق المتوسط لعبد الرحمن المنيف يقول الناقد الحداثي: (. . . إن شرق المتوسط تؤرخ للوجه الكابوسي من العصر الحديث ولقد كان رجب إسماعيل، بمعنى من المعاني، مسيح هذا العصر.
صحيح أنه لم يكن دينًا سماويًا، ولكن كل عظمة مأساته تكمن في أنه كان ابن هذه الأرض: من طين هذه الأرض جبل. . . ولقد قال وأثبت في ظلمات يأسه ومحنته إن الإنسان هو الإله) (٣).
ويقول في موضع آخر عن الرواية نفسها مضمنًا بعض كلام المنيف:
стр. 462
(حينذاك اكتشف أن الإنسان ليس أقوى من الصخر فحسب بل أن الإنسان هو الإله) (١).
وإذا انتقلنا إلى مجال النقد والتنظير والمقابلات فإننا نجد هذا الانحراف قد اتخذ من هذه الأساليب وسيلة لنشر هذا الضلال.
وقد مر معنا عدة مرات ثناء أحد نقادهم على الوثنية اليونانية وذمه وبغضه للتوحيد، واعتبارًا الوثنية أساسًا للحداثة والتعددية والإبداع والحرية، والتوحيد سببًا للجمود والتخلف (٢).
وفى معرض ثناء محمد جمال باروت على طاغوت الحداثة أدونيس يقول: (. . . إن أدونيس يلتمس بذكائه الحاد كسوري وكشاعر وكمفكر وكإنسان يضج بالألوهة، أن الشعر الغربي الحديث في ذرواته العليا هو نوع الانتماء إلى الشرق) (٣).
وأحد نقاد الحداثة يتحدث عن موقف بعض شعرائها من المرأة ويعتبر أنها تتحول عنده إلى (. . . هوية طوطمية، سرعان ما تنحل فيها هيئات الإله المعبود وأفعاله، فهي تضفي على المرأة قوى خفية أو سحرية، بحيث تشارك الألوهية في علل بعض الظواهر الطبيعية، كالبرق والريح والزلزال. . . .) (٤).
وفي أسئلة موجهة إلى نزار قباني يقول في إجابته على بعض الأسئلة: (. . . إنني على الورق أمتلك حرية إله، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم، إن الكتب المقدسة جميعًا ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، والا حكم اللَّه على نفسه بالعزلة، ولعل تجربة اللَّه في ميدان النشر
стр. 463
والإعلام، وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج إلى الناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر) (١).
وفي جواب آخر تفوح منه رائحة الإلحاد والسخرية باللَّه العظيم -جلَّ وعلا- يواصل فكره الخبيث وأقواله الضالة قائلًا: (لا أزال أصر على أن السماء لا تعرف أن تكتب شعرًا، وأن الشعر محصور بالإنسان، هو بالإنسان فقط. . . القلب الإنساني قمقم رماه اللَّه على شاطيء هذه الأرض، واعتقد أن اللَّه نفسه لا يعرف محتوى هذا القمم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت) (٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (٣).
ويستطرد قباني في تأليه الشعر والشعراء وجعلها عبادة من العبادات فيقول: (كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي. . . كل شئ يتحول بالشعر إلى ديانة، حتى الجنس يصير دينًا. . . إنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسي بعينى كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة. . . .) (٤).
ونجد مثل هذه المعاني عند أنسي الحاج مما يؤكد أن الملة الحداثية الواحدة تنبثق من أصل واحد وإن اختلفت فروجها، أتواصوا به بل هم قوم طاغون.
ففي مقابلة أجريت مع أنسي الحاج سئل: (ما الذي تقصد إليه عندما تقول إن الشعر تغيير؟).
стр. 464
أجاب قائلًا: (أقصد أنه تغيير للحياة لا لأشكال الشعر وتراكيب الكتاب فحسب. . . وعندما سماه الأقدمون لغة الآلهة لم يقصدوا رفعة شأنه الجمالي فحسب، بل قدرته وفعله الحقيقيان الحسيان في الزمن والعالم ولم يتردد هيجل نفسه في تبني تسمية الأقدمين ولكن صوره إذ قال: الشعر هو الفن الإلهي، من أين هذا الإلحاح على ألوهية الشعر؟ أو على شيطانيته كما فعل العرب؟، هل لأنه يرى ويتنبأ ويحدس فقط؟ لا أعتقد أظنه من قدرة له فائقة) (١).
ولطالما ردد هؤلاء هذه النغمة المنحطة التي تبدأ من تأليه الإنسان وتمر بتأليه الشاعر وتنتهي بتأليه الحداثة وأهلها في جو من التقمص البليد لأراء وأفكار الغرب (فقد تحول الإنسان في الفكر الأوربي الحديث: المادي والمثالي إلى إله يخلق ويعبد) (٢).
ولما بدأت حركة التغريب والاقتداء بالغرب في بلاد المشرف الإسلامي بدأت معها قضية الانحرافات الاعتقادية والفكرية، وللتدليل على هذا ننقل ما ذكرته مجلة أبولو اللسان الناطقة بلسان أول تجمع أدبي على النمط الأوربي في بلاد العرب، فكان مما قالته: (ليكن مذهبنا الخالد أن الشعر للشعر، وبعد ذلك ليكن الباعث الشعري للشاعر على طبع آثاره هو مجرد حنينه إلى الاندماج في الإنسانية إذا ما استوعبت شعره، كذلك حب الحياة لنفسه الفنية. . . يدعوه إلى إذاعة هذه الآثار لأنه يشعر بوجدانه أنها أغلى شطر من نفسه، بل أكثر من ذلك، فهو يضع نفسه في صف الآلهة بما يخلقه من آثار فنية، ونشرها يعزز ارتياحه إلى أنه روح خالد في الوجود. . . .) (٣).
стр. 465
وهذا القول ليس إلّا ترجمة لفكرة غربية أوروبية بعيدة كل البعد عن دين المسلمين وثقافتهم وعقيدتهم بل مضادة كل المضادة لذلك، ومن هنا بدأت أفواج الاقتداء بالغرب المادي فكرًا وفلسفة ونظام حياة.
ولم يكن يخطر على بال أحد من المسلمين من قبل أن يعتز بالوثنية، أو يمتدح الجاهلية، أو يسير على خطى اليونان والإغريق في تأليه غير اللَّه وعبادة غيره -جلَّ في عُلَاهُ-.
ولكن هؤلاء دخلوا على المسلمين من باب الأدب والفكر والثقافة وخلبوا عقول الإمّعَات وساعدهم في ذلك جهل كثير من المسلمين بدينهم، وقصور كثير من علماء المسلمين في الأعصر الأخيرة عن مناقشة وفضح خطط وأساليب وطرائق الإلحاد المغلفة بالفلسفة حينًا وبالعلوم التطبيقية حينًا وبالأدب والنقد في أحيان كثيرة.
هذه العقائد الضالة التي طرحتها المجلات والصحف والمجامع الأدبية أصبحت على طول المدى من الأمور المعتادة ومن المواطن المرتادة بلا نكير، بل يأتي النكير على من أنكرها أو عارضها أو ناقشها، ففي قضيتنا التي نتحدث عنها وهي تأليه الشاعر والشعر والحداثة، وهي فرع عن الانحراف الأصلي وهو تأليه غير اللَّه تعالى والإشراك به ؛ نجد أن من المسلمات الحداثية في شعرهم ونقدهم إطلاق مثل هذا المعنى المنحرف هكذا بدون أي تردد أو تحفظ أو احتياط، وقد ذكرنا أمثلة عديدة لذلك فيما مضى، ومثل قول أحد النقاد الحداثيين: (عندما يرى الشاعر الحديث إلى نفسه ذاتًا إلهية مكتفية بذاتها، يتضاءل العالم، يصير العالم فقيرًا وتصير المعارك الاجتماعية هشة وفي غير ساحتها، فخير للشاعر أن يظل في عليائه، مبتعدًا عن معارك العالم، وضرورات تغييره، فغنى الشاعر الحديث لا يأتي من هذا العالم الفقير، بل من ذات الشاعر نفسه المكتفية بذاتها) (١).
стр. 466
وتقول ناقدة حداثية متعصبة، مبينة أصل فكرة إلغاء ألوهية اللَّه تعالى وتأليه الإنسان، وأثر ذلك في الحداثة والعلمانية: (أصبح الإنسان مع نزع هالة التقديس والألوهية عن الكون ومدبره، أصبح يقع في مركز الكون ويشكل مبدأ القيم والغايات، وعندئذٍ ترسخت الحركة الإنسانوية، توقف الإنسان عن الدوران حول المقدس، وحلت مشروعية إنسانية جديدة محل المشروعية الدينية السابقة، ونتج عن ذلك أخلاق جديدة وقوانين جديدة تنطبق على البشر دون اسشثناء ودون اعتبار اللون والعرق أو المذهب والدين. . . .) (١).
ثم تضيف بعد كل هذا الإلحاد والكفر والضلال إضافة في غاية المغالطة والجهل والاستخفاف بعقول القراء، فتقول: (والعلمنة لا تعني الإلحاد، إنّما تعني حرية الاختيار واتخاذ موقف فلسفي أمام مشكلة المعرفة، فالكثير من العلمانيين مؤمنون حقيقيون ولكنه ليس إيمان التبعية والجهل. . . فقط كل يمارس طقوسه وشعائره، كما يهوى ويريد، وربّما لا يمارسها، ولكن توقف الدين عن فرض سيطرته وتشريعاته على الحياة السياسية والاجتماعية، العلمنة هي الموقف الحر للروح أمام مشكلة المعرفة) (٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ (٣).
طبيعة الكفر واحدة وإن تنوعت الأزمان، وحججهم تعود إلى أصل واحد وإن اختلفت الفلسفات والاتجاهات، وهل من قول أشد تطابقًا في فتنته وعماه من قول هؤلاء المعاصرين مع أسلافهم من الكافرين والملحدين
стр. 467
الذين يشركون باللَّه ويكفرون به، ثم يدّعون بكل صفاقة وحمق أنهم هم المؤمنون حقًا!!.
وهذه الدعوى التي يرددها طواغيت الحداثة والعلمانية في كل مكان من بلدان المسلمين، يؤلهون غير اللَّه ثم يزعمون التوحيد ويعبدون المناهج والنظم والفلسفات والتجمعات الجاهلية، ثم يزعمون أنهم مؤمنون باللَّه ومتبعون لشريعته ولرسوله.
ولنختم بشهادة جهاد فاضل الناقد الحداثي الشهير التي يؤكد فيها أن القوم ألهوا الحداثة وقدسوها، وذلك في قوله: (لا يمل هؤلاء ترداد كلمة الحداثة على مدار ساعات النهار، وكلمة الحداثة عند هؤلاء تشبه كلمة اللَّه التي يرددها دراويش المولوية في ساعات الجذب والوصال حتى تتخدر منهم حواسهم والأوصال فيرتمون أرضًا. . . .) (١).
وهذا هو السبب الذي يدفع الحداثيين إلى الاستماتة في الدفاع عن صنم الحداثة الذي عبدوه وقدسوه، فلا يقبلون فيه نقدًا ولا يسمعون فيه ثلبًا، كما كان كفار العرب لا يقبلون ذم آلهتهم المعبودة من دون اللَّه.
إن تأليه الحداثيين لغير اللَّه، واستهانتهم واستخفافهم بلفظ الإله، وتقليد الوثنيين في كل ذلك، معلم أساسي من معالم الحداثة العربية، وهذا الذي دفع لجنة الشعر المصرية إلى رفع مذكرة إلى نائب رئيس الوزارة، ووزير الثقافة والإرشاد القومي سنة ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م، والتي كان من بنودها أن الشعر الحديث يعكس روحًا منافية لروح الثقافة الإسلامية كفكرة الخطيئة والصلب والخلاص، كما أن فيه تهاونًا كبيرًا في استعمال لفظ الإله كأنها لا تزال تحمل دلالتها عند الوثنيين ولم تتخذ في الإسلام معنى خاصًا يجب احترامه مهما كان السياق الذي ترد فيه (٢).
стр. 468
وقد عبر النصراني غالي شكري عن تذمره الحداثي الممزوج بالقبطية الأرثوذكسية فقال: (هذه المذكرة. . تفصح في جلاء تام عن خيوط المؤامرة الرجعية الخطيرة على كافة القيم الثورية البناءة التي يعيشها المجتمع المصري الحديث) (١).
وأي رجعية أعظم من الرجعية الوثنية الإلحادية التي ردت وترد الإنسان المتبع لها إلى أسفل سافليين؟!.
أمّا التقدم والقيم البناءة فلم تكن يومًا ما قرينة للكفر والإلحاد والجاهلية.
وقد رد إحسان عباس على المذكرة المذكورة، ودافع عن الحداثة، واعتبر أن هذه القضايا ليست اتهامات (٢).
وهذا التميع الظاهر والذوبان الاعتقادي الواضح من أهم مقاصد الحداثة وأهدافها.
المظهر السادس من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: الحيرة والشك في الغاية من الحياة ووجود الإنسان، والزعم بأن وجوده عبث:
وهذا المظهر من مظاهر الانحراف يصح ذكره في الانحرافات المتعلقة بالربوبية؛ لعلاقة ذلك بقضية الإيجاد والخلق والتكوين، ويصح ذكره في الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات؛ لعلاقته بصفات الخلق والحكمة والإرادة، الثابتة للَّه تعالى، ونفي أضدادها عنه -جلَّ وعلا-.
غير أن المجيء به في ما يتعلق بتوحيد الألوهية أولى لأسباب:
أولها: أن الغاية من خلق الإنسان والجان عبادة اللَّه تعالى، وهذا متعلق بتوحيد الألوهية.
стр. 469
ثانيها: أن تعرضهم لمسألة الوجود عامة يأتي -في الغالب- تبعًا لتعرضهم لمسألة وجود الإنسان.
ثالثها: أن انحرافهم في هذه القضية منبثق من انحرافهم في ألوهية اللَّه تعالى.
وعليه فلابد من إيضاح حقيقة ذلك، حسب المفهوم الاعتقادي الإسلامي، المناقض تمام المناقضة لمفاهيم أهل الشرك والإلحاد والضلال.
وقد قطع اللَّه تعالى على الكفار حجتهم في هذا ورد عليهم ظنونهم الفاسدة فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ (١).
قال سيد قطب ﵀: (إن خلق السماء والأرض وما بينهما لم يكن باطلًا، ولم يقم على الباطل، إنَّما كان حقًا وقام على الحق، ومن هذا الحق الكبير تتفرع سائر الحقوق، الحق في خلافة الأرض، والحق في الحكم بين الخلق، والحق في تقويم مشاعر الناس وأعمالهم، فلا يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ولا يكون وزن المتقين كوزن الفجار، والحق الذي جاء به الكتاب المبارك الذي أنزله اللَّه ليتدبروا آياته وليتذكر أصحاب العقول ما ينبغي أن يتذكروه من هذه الحقائق الأصيلة، التي لا يتصورها الكافرون؛ لأن فطرتهم لا تتصل بالحق الأصيل في بناء هذا الكون، ومن ثم يسوء ظنهم بربهم ولا يدركون من أصالة الحق شيئًا ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ (٢).
إن شريعة اللَّه للناس طرف من ناموسه في خلق الكون، وإن كتابه المنزل بيان للحق الذي يقوم عليه الناموس، وإن العدل الذي يطالب به الخلفاء في الأرض والحكام بين الناس إنّما هو طرف من الحق الكلي، لا يستقيم أمر الناس إلّا حين يتناسق مع بقية الأطراف، وإن الانحراف عن شريعة اللَّه والحق في الخلافة والعدل في الحكم إنّما هو انحراف عن
стр. 470
الناموس الكوني الذي قامت عليه السماء والأرض؛ وهو أمر عظيم إذن، وشر كبير، واصطدام مع القوى الكونية الهائلة لابد أن يتحطم في النهاية ويزهق، فما يُمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة اللَّه وناموس الكون وطبيعة الوجود، ما يُمكن أن يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة، ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة!، وهذا ما ينبغي أن يتدبره المتدبرون وأن يتذكره أولو الألباب) (١).
وقد بين الحق سبحانه أن الإقرار بالحكمة من وراء خلق الكون وإيجاد الوجود هو شأن أولي الألباب، وهذا يعني أن جحد ذلك والتشكيك فيه هو شأن العقول السقيمة والأذهان المريضة، فقال -جَلَّ مِن قَائِلٍ-: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ (٢).
إن هذا الكون العجيب بما فيه من أشياء وأحياء ما خلقه اللَّه ليكون باطلًا وما خلقه عبثًا، بل خلقه بالحق والحكمة وليكون حقًا، الحق قوامه والحق نظامه، فهو ليس عدمًا ولا عبثًا كما تقول الفلسفات الإلحادية المادية، وهو يسير وفق ناموس محكم فليس متروكًا للفوضى، وهو يمضي لغاية فليس متروكًا للصدفة، وهو محكوم في وجوده وحركته وغايته بالحق الذي لا يلتبس به الباطل.
وهذه الحقيقة هي التي تمس قلوب أولي الألباب، وتطبع حسهم وتزيد من قوة يقينهم وبرهانهم على أن الكون مخلوق لغاية، والإنسان لغاية، وكل المخلوقات لغاية، وأن هناك حكمة عظيمة وغاية جسيمة لكل هذه الموجودات، وأن هناك حقًا وعدلًا وراء حياة الناس في هذه الأرض،
стр. 471
فلابد أن يسيروا وفق منهج الذي خلقهم ولابد بعد ذلك من حساب وجزاء على ما يقدم الناس من أعمال (١).
وهذه حقائق في غاية البداهة تتداعي براهينها من كل صوب، وتأتي أدلتها من كل مكان، ولكن الذين كفروا لا يفقهون، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن حقائق الحق والخير غافلون سادرون، وفي أودية الهلكات شاردون، لا يعلمون الحقيقة، ولايعلمون أنهم لا يعلمون، بل يدعون أنهم بكل شيء عالمون!!.
وقد خاطب اللَّه هؤلاء بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ (٢).
فحكمة خلق الإنسان وهو المقصود بالتكليف والعبادة حكمة ظاهرة، حكمة محسوب حسابها ومقدر وقوعها، ومدبر غايتها، ومرسوم منهاجها، ولا يغفل عن ذلك إلّا المطموسون الجاهلون المحجوبون، الذين لا يتدبرون حكمة اللَّه الكبرى المتجلية في صفحات الوجود كله والمبثوثة في أطوار الكون.
والعبث وأشباهه منفي عن اللَّه الحق المبين، فهو الخالق المالك المتصرف المدبر الحكيم العليم ومن كانت هذه أسماؤه وصفاته فإنه لا يُمكن أن تكون مفعولاته عبثًا، ولا يُمكن أن يوجد شيئًا لغير غاية، وكل ما في الكون يشهد بذلك، ولذلك كانت النتيجة الطبيعية لكل هذه المعاني الإقرار بألوهيته سبحانه دون سواه، وأن كل دعوى بألوهية أحد سوى اللَّه أو مع اللَّه فهي دعوى ليس معها برهان، لا من دلائل الكون، ولا منطق العقول، ولا من مقتضيات الفطرة، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لا في مناهجهم
стр. 472
ولا في نظمهم ولا في حياتهم ولا بعد بعثهم، وها نحن نرى جوانب عديدة من عدم الفلاح في حياة الكافرين، وإن فتحت عليهم أبواب كل شيء، مما أدهش ضعفاء اليقين، وعديمي الإيمان فظنوا أنهم لفلاحهم في دينهم وعقيدتهم حصل لهم ذلك، وما عرفوا الحقيقة التي ذكرها اللَّه تعالى في قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ (١).
وكل ما يراه الناس على الكافرين من نعمة ومتاع، وقوة وسلطان، وترف وبذخ، وإنتاج وهيمنة ليس فلاحًا في ميزان القيم الحقيقية، ولا في ميزان أهل العقول السليمة -وبعض عقلائهم يتحدث بذلك- إنّما هو فتنة واستدراج وإمهال ينتهي بالوبال، ومن هلك منهم مستمتعًا بكل ذلك فإن الآخرة تنتظره، وهي الشوط الأخير في مراحل نشأة الإنسان، وليست شيئًا منفصلًا في تقدير اللَّه وتدبيره (٢).
هذه الحقيقة العظمى -في أن الكون والإنسان مخلوقة لغاية ولم تخلق عبثًا- هي من مسلمات عقيدة المسلمين، ومن أبجديات إيمانهم باللَّه رب العالمين، ومن خالف في ذلك فليس له في الإسلام نصيب، وإن تسمى بأسماء المسلمين ومارس بعض أعمالهم العبادية.
وقد غرق أهل الأدب العربي المعاصر من ضمن ما غرقوا فيه، غرقوا في انحراف اعتقادي هائل أوحى به إليهم شياطين الجن والإنس، يتمثل ذلك في حيرتهم وشكهم في الغاية من الوجود والحياة ووجود الإنسان، وزعمهم أن وجود الإنسان عبث، وهذا كثير في كلامهم.
وسوف نورد هنا بعض الشواهد من أقوالهم على هذا النوع من الانحراف، فمن ذلك قول نازك الملائكة:
стр. 473
(هكذا جئت للحياة وما أد … ري إلى أين سوف تَمضي الحياةُ
وسأحيا كما يشاء لي المجـ … ـــهول حيرى تلهو بي الظلماتُ) (١)
وقولها:
(ها أنا الآن حيرة وذهول … بين ماض ذوى وعمر يَمرُّ
لست أدري ما غايتي في مسيري … آه لو ينجلي لعينيّ سرُّ) (٢)
وقولها:
(ماذا وراء الحياة؟ ماذا … أي غموض وأي سِرِّ
وفيم جئنا؟ وكيف نَمضي؟ … يا زورق بل لأي بحر؟
يدفعك الموج كل يوم … أين ترى آخر المقر؟) (٣)
وتتحدث عن نفسها تحت عنوان "السفينة التائهة" فتقول:
(في لجة البحر الرهيب سفينة تحت المساء
ألقت به الأقدار في لجج المنايا والشقاء
الريح تصرخ حولها وتضج في ظلم الفضاء
والموج يضربها ويلقيها على شفة الفناء
سارت ولا ربان يهديها إلى الشط السحيق
حيرى يخادعها الظلام فلا شعاع ولا بريق
من فوقها هول الرعود وتحتها اللج العميق
سارت وما تدري إلى أين المصير وما الطريق) (٤).
стр. 474
وتحت عنوان "صراع" تقول:
(تعذبني حيرتي في الوجود … وأصرخ من ألمي: من أنا) (١)
وتسأل في حيرة:
(لماذا نعود؟
أليس هناك مكان وراء الوجود
نظل إليه نسير
ولا نستطيع الوصول؟. . .) (٢).
أمّا البياتي فيصرح أن الحياة عبث وذلك في قوله:
(لابد أن نختار
أن نقبض الريح وأن ندور الأصفار
أن نجد المعنى وراء عبث الحياة
فالعيش في هذا المدار المغلق انتحار) (٣).
ولصلاح عبد الصبور قصيدة حداثية يعدها أهل الحداثة من عيون شعرهم اسمها "الناس في بلادي" ومنها:
(وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى
وهو يحب المصطفى
وهو يقضي ساعة بين الأصيل والمساء
وحوله الرجال واجمون
стр. 475
يحكي لهم حكاية. . تجربة الحياة
حكاية تثير في النفوس لوعة العدم
وتجعل الرجال ينشجون
ويطرقون
يحدقون في السكون
في لجة الرعب العميق والفراغ والسكون
ما غاية الإنسان من أتعابه، ما غاية الحياة؟
يا أيها الإله!!
الشمس مجتلاك والهلال مفرق الجبين
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وأنت نافذ القضاء أيها الإله) (١).
(هناك قرية صغيرة يجلس على بابها العم مصطفى بطل المشهد، يدير في جلسته أحداث القصة ويوصلنا إلى مغازيها الخطيرة، ويعرفنا الشاعر على صفة واحدة من صفاته هي أنه يحب الرسول ﷺ ، وقد تكون هذه إشارة إلى نوع من الإيمان البسيط الذي ينتشر بين بعض أهل الريف، يكون محوره شخصية الرسول ﷺ ، وتتوجه العاطفة إليه، فهو إيمان عاطفي ساذج، يتناسب مع الطبيعة والبساطة المعهودتين في الأرياف، ولكنه -في الغالب- إيمان لا يعتمد على حقائق الإيمان الأساسية، ولا يمثل الالتزام الصحيح، وكثيرًا ما يختلط بمظاهر سلوكية مخالفة لمقتضيات الإيمان وبمعتقدات أسطورية منحرفة. . . يخلص الشاعر الحكاية في تساؤل يدق صدور المتأملين ويحير الفلاسفة والمفكرين، ما غاية الإنسان؟ ما غاية الحياة؟ والريفي لا يخطر بباله هذا التساؤل عادة؛ لأنه -وسائر السذج- غارق في
стр. 476
قضايا حياته اليومية البسيطة، لا يرود هذه الميادين المعقدة، ولو أن العم مصطفى توقف عند حدود السؤال، أو قصر الحكاية عليه، لما وجد استجابة كبيرة من مستمعيه، فمثل هذا السؤال لا يهزهم وإن هزهم فلفترة قصيرة ثم يجيبون عليه وفق خبراتهم البسيطة ويستريحون من القلق.
غير أن مثير السؤال مؤهل للتفكير في مثل هذه القضايا، وقد عرفنا من صفاته ما يجعلنا نتوقع أن هذا السؤال يشغله، ويملؤه بالقلق والرعب؛ لأنه لا يملك جوابًا مقنعًا، ولذلك ينقل العم مصطفى قلقه وتأملاته المرعبة إلى الفلاحين، ويقدم لهم صورة من الحياة تحمل هذا التساؤل، وتزرع فيهم أطرافًا من قلقه ورعبه. . .
والصورة التي يقدمها تستخدم التضليل المنطقي، وتتكي على المفهومات المنتشرة بين الفلاحين، وتخدع الفلاحين بمغالطة عجيبة، فهي تبدأ من إيمانهم بالقدر، ثم تدور دورة قصيرة وتعود لتسلخ هذا الإيمان وتشوه صورة القدر في أذهانهم. . .
. . . وكان العم مصطفى في الصورة كلها قناعًا يختبيء وراءه الشاعر، ويحمل أزمته الخانقة وسؤاله الذي يعذبه: ما غاية الحياة؟، وعجز الشاعر عن فهم غاية الحياة مرتبط بخوفه الشديد من الموت، فهو لا يملك تصورًا يفسر له علة وجوده، ولا إيمانًا يشرح له قضية الموت والعالم الذي وراءه، لذلك تحولت قضية الموت عنده إلى صدمة موجعة لا يدري كيف يتخلص منها. . . . .) (١).
ولصلاح عبد الصبور كلمات أخرى تنم عن هذا المعنى الذي ذكره في قصيدة الناس في بلادي يقول:
(تسألني رفيقتي: ما آخر الطريق؟
وهل عرفتُ أوله؟
стр. 477
نحى دمًى شاخصة
فوق ستار مسدلة
خطى تشابكت بلا. .
قصد، على درب قصير ضيق) (١).
ويُمكن فهم المعنى ذاته في قوله الآخر:
(أمعيري بالوهم، لا وهم هناك ولا حقيقة
الطفل يفجؤني بأسئلة محيرة عميقة
وذوو الذقون البيض يزدحمون في الفرق العتيقة
ويفتشون عن الطريقة) (٢).
فهو يعيش في اضطراب وحيرة، ويتردد بين الأوهام والحقائق تردد الشاك المضطرب، ويفاجأ بأسئلة طفل يصفها بأنها محيرة له، وذلك يتوافق مع ما ذكره من عيشه مضطربًا بين الوهم والحقيقة، بل مع الوهم الذي لا معرة في انتسابه له، ثم يصف الأسئلة بأنها عميقة.
وينعطف على أهل الدين فينعتهم بالتخلف والرجعية والجهل وعدم القدرة على الإجابة.
وفي مقطع آخر يصور مدى إحساسه بعبثية الحياة وعدم فهمه لغايتها، ثم ينتكس في وقاحة ليتحدث عن اللَّه تعالى بتدنيس هابط، وتلويث مقصود، على عادة أكثر الحداثيين، يقول صلاح عبد الصبور على لسان عظام نخرة تتحدث من القبور:
(وقالت لي
بأن النهر ليس النهر، والإنسان لا الإنسان
стр. 478
وإن حفيف هذا النجم موسيقى
وإن حقيقة الدنيا ثوت في كهف
وإن حقيقة الدنيا هي الفَلْسان فوق الكف
وإن اللَّه قد خلق الأنام، ونام
وإن اللَّه في مفتاح باب البيت. . . .) (١).
أمّا واللَّه إن حداثة تقوم على هذه الأفكار والعقائد لهي جديرة من كل مسلم يؤمن باللَّه واليوم الآخر إلّا يداهنها أو يمتدحها، بل يحاربها ويقاومها ما دامت دماء الغيرة الإيمانية تضخ في عروقه، أقول ذلك وأنا أقرأ لأحد المسلمين أقوالًا تضفي التزكية على الحداثة وأهلها وتقسم التقسيم الجائر بين مدلول القيمة في ذاتها وموضوع القيمة، في فلسفة ضبابية تسوغ للحداثيين ما هم فيه.
بل لقد قال بصريح العبارة: (الحداثة ليست تهمة. . . إن الحداثة وسيلة للإبداع لاتفرض علينا المضمون. . . إن أخلصت للحداثة من أجل قيمها الجمالية والفكرية بليت بالبُله الذين يجعلون الحداثة ناقضة للإيمان، وياليتهم جعلوها تنقض الوضوء فحسب كالحدث الأصغر، وإن انبريت لمن استرحلوا الحداثة للتسويل والتضليل من العرقيين والطائفيين أصبحت مؤلبًا على مواهب حداثية في بلادي، فالنقد الذي مرّ ليس لاستصلاح الأدب، ولكنه أصبح إيذاءً للناس في سمعتهم الفكرية. . . إن ناشئتنا الحداثية يحسن بها الظن دينًا وفكرًا. . . والهزات الفكرية القليلة لدى بعض ناشئتنا تقليعة بحار في أوج العاصفة في إبحاره على غير تحسب، فهو يلتمس الشاطيء ويتطلع إلى رماله الذهبية.
والهزات الفكرية القليلة عند ناشئتنا لا تقاس بالتجديف والكفريات
стр. 479
الصلع لدى من حولنا في كل الجهات. . .) (١).
وهذا الكلام -مع تقديري لعلم وفضل صاحبه، والحق أحب إليّ منه- يصب في آنية الحداثيين المحليين وأساتذتهم، وفيه من المغالطة والمجازفة ما لا يليق برجل يعلم عن دين اللَّه ما به قيام الحجة عليه وعلى غيره، ويعلم من إلحاديات وكفريات الحداثيين ما يكفي لمراجعة طروحاته على ضوء معايير شريعة اللَّه الكاملة، وكيف لا تكون الحداثة تهمة فكرية وهي تقوم على أسس من الإلحاد والضلال والكفر والمضادة لدين الإسلام كما يعترف به الحداثيون أنفسهم؟.
وكيف لا تكون الحداثة تهمة فكرية ونحن لا نكاد نجد حداثيًا صادقًا في انتمائه للحداثة إلّا وهو في أحسن حالاته ينادي بفصل الدين عن الأدب والفكر والثقافة والفن، ويزعم أن القيم الجمالية لا تدخل تحت معايير الصواب والخطأ الشرعيين ولا تحت مقاييس الحلال والحرام؟.
وإني أعيذ هذا الكاتب أن يكون ممن يقول بذلك أو يسوغه بمنطوق قوله أو بمفهومه.
ومتى كانت الحداثة وسيلة للإبداع لا تفرض مضمونًا؟ ونحن نرى أتباعها ممن أشربوا حبها حتى من ناشئتنا الذين يحسّن بهم الظن قد تلوثوا بمفاهيم فكرية، أقل ما يقال عنها أنها أقرب إلى الشكوك والريب في الدين وأهله ومناهجه ونظمه منها إلى اليقين والإيمان الجازم، فضلًا عمن ارتكس إلى مهاوي الجحد الصريح والنكران الفاضح، والمعارضة البواح لدين اللَّه تعالى أو لشيء منه، وما الهزات الفكرية التي يصفها -هذا الكاتب- عند أتباع الحداثة المحليين إلّا فوح البئر المهجورة ليوسف الخال، وبوح مهيار الدمشقي، ونبض نضاليات محمود درويش والقاسم وزياد، وإباحيات قباني.
وإن من عظيم جرم الحداثيين المحليين "الأتباع" أنهم لا ينفكون مادحين ومشيدين بأصحاب التجديف والكفريات الصلع، محسنين لمذاهبهم،
стр. 480
مستشهدين بكلامهم، مسترسلين في إطرائهم، وجعلهم قدوات وأساتذة للأجيال، وهذه ليست فيها مواربة ولا اختفاء لا من حيث وقوعها، ولا من حيث أنها تخالف أصل الولاء والبراء.
أمّا قضية أننا نأخذ جماليات الحداثة وأشكالها، ونعرض عن مضمونها فإن ذلك غير ممكن؛ لارتباط الحداثة شكلًا ومضمونًا بفلسفة تقوم على مجافاة الدين، ومحاربة الإسلام، ونقض الإيمان، ومعاداة الوحي، ثم لأن أصحاب الحداثة وروادها يرفضون بإصرار وباستمرار فصل الشكل عن المضمون، ثم إن هذا المعتذر للحداثيين يعلم مدى تأثير وسيلة التعبير وشكله في المضمون، كما يعلم تأثير لبس المسلم لملابس الغربيين على خلقه وسلوكه.
إنه بدعوته هذه يدعو إلى فصل غير ممكن ولا معقول، وهو بمثابة من يقول: أتعلم من رؤية أفلام الجنس كيفية التصوير وفنياته، أو أتعلم من كتب اليهود والنصارى التعابير الفنية، أو آخذ من كتب الزنادقة التركيب الفني والأسلوب الجمالي!!.
وههنا سؤال يفرض نفسه على هذا الكاتب وأضرابه من الذين التبس عليهم حال الحداثة والحداثيين: في أي فسطاط يُمكن أن تضع كلام الحداثيين المنحرف، والمخالف للإيمان، المناقض للإسلام من السياب والبياتي حتى علاء حامد؟، أفي فسطاط الإيمان والإسلام والإحسان، أم في فسطاط الكفر والضلال والفساد والفسق والانحراف؟.
وما مهمة هذا الكتاب إلّا إثبات حقيقة أن الحداثة في واد وضفة غير وادي الإسلام وضفته، بل الحداثة في العدوة القصوى، والإسلام وأهله في العدوة الدنيا، وأسأل اللَّه ألا يكون هذا الكاتب وأشباهه في الركب الأسفل.
ومن أمثلة انحرافهم في زعمهم عبثية الوجود والحياة والإنسان: قول صلاح عبد الصبور:
(يا صاحبي
стр. 481
ما نحن إلّا نفضة رعناء من ريح سموم
أو منية حمقاء
والشيطان خالقنا ليجرح قدرة اللَّه العظيم) (١).
وقول الصائغ:
(مصيفي الفراغ
مشتاي الفزع
وعيشي قطار بينهما) (٢).
وقول المقالح:
(. . . وفي عالم مفرغ كالعدم
وقفت أعانق حتفي
أواصل رحلة عمري بلا هدف أو قرار
كأني سجين يريد الفرار
ويفزع من ليله الموحش الجهم
يخشى سقوط النهار
حياتي هباء. . .) (٣).
ويعبر عن فراغه وعدميته وشكه وارتيابه فيقول:
(تأكلني الوحدة يستفزني الزحام
صليت للَّه وللشيطان
стр. 482
عبدت وجه الكفر والإيمان
سجدت للأوثان
لكنني كما بدأت في الظلام
وليس في الظلام من أحد) (١).
هذه بعض أمثلة على هذا الضرب من الانحراف في توحيد الألوهية.
المظهر السابع من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: السخرية والتدنيس والاستخفاف باللَّه -جلَّ وعلا- وألوهيته -:
وهو جب عفن خاضوا في قعره وماضوا، واسترسلوا مع نجاسته وشربوا منه حتى تضلعوا، وسوف يأتي مزيد بحث في الفصل الثالث المتعلق بأسماء اللَّه الحسنى وصفاته العليا، وهنا نعرض شواهد انحرافهم في السخرية من اللَّه تعالى ومن ألوهيته، والاستخفاف به -جلَّ وعلا-:
يتحدث أدونيس مخاطبًا المسلمين "سيول الرمل" و"تاريخ الطين" حسب وصفه لهم جاعلًا عبادتهم عباءات مقصبة بأطراف إله ميت، يقصد به اللَّه ، ويسمى كلماته تعالى رملًا، والرمل عنده وعند الخال وعند أتباعهم من أغلمة الحداثة رمز للتخلف والرجعية، قال أدونيس:
(أنتم يا سيولًا من الرمل، تاريخًا يتتوج بالطين
اصغوا إلى أنين يصعد باسم الطفولة:
لمن العباءات المقصبة بأطراف إله ميت؟ الكلمات
رمل، ولا طفولة في ملامح التراب) (٢).
ويردد المعنى نفسه في قوله:
стр. 483
(فاستسلمي للرعب والفجيعة
يا أرضنا يا زوجة الإله والطغاة
واستسلمي للنار) (١).
وانظر شرحه لمعنى الطغاة وأن المراد بها اللَّه تعالى في كتاب الثابت والمتحول (٢).
ونحو النص السابق قوله:
(فأنت يا سماءنا المضيئة
يا زوجة السلطان والإله
بريئة من دمنا بريئة) (٣).
ويخاطب مهيار، وهو رمز يشير به إلى نفسه، وقناع يتخذه للدلالة على فكرته وعلى جذوره الباطنية وتطلعاته الشرق أوسطية المرتبطة بالغرب، فيقول:
(يكفيك أن تعيش في المتاه
منهزمًا أخرس كالمسمار
لن تلمح اللَّه على الجباه
يكفيك يا مهيار
أن تكتم السر الذي محاه) (٤).
ويقول:
(آه كم صليت للرب الحرون) (٥).
стр. 484
ويقول عن اللَّه تعالى:
(للإله الذي يتمزق
في خطواتي
أنا مهيار هذا الرجيم) (١).
وفي معرض ذكره لخططه الحداثية المعتمدة على حرب الدين والثورة على تاريخ المسلمين "حضارة النخيل" كما يرمز أدونيس، وحرق كل ذلك بالصاعقة الحداثية التي سوف تربط بين أجفانهم وطريق التقدم والرقي حسب ظنونه الإلحادية الفاسدة، يقول:
(. . . انا غدًا نهز جذوع النخيل
وغدًا نغسل الإله الهزيل
بدم الصاعقة
ونمد الخيوط الرفيعة
بين أجفاننا والطريق) (٢).
وليس لدى المسلمين إله سوى اللَّه تعالى، ويسميه أدونيس الإله الهزيل ويقول بأنه سوف يغسله بدم الصاعقة وهي عبارات تفصح عن نفسها وعن معتقد صاحبها.
ومثلها قوله:
(نحن جيل الحوار الطويل
بين أنقاضنا والإله) (٣).
ويقول عن اللَّه -جلَّ شَأْنُهُ وَتَقَدَّسَ اسْمُهُ-:
стр. 485
(تهدجي كالصوت
غامرة كاللَّه أو جامحة كالموت) (١).
ويصب الطائفي حقده على الإسلام وأهله في مقطع "رحيل في مدائن الغزالي".
ومدن الغزالي تساوي الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة، وتعني -عند أدونيس- كل ماض عربي مسلم يحتمل أن يعيش في الحاضر، ويعود بأمجاده وحضارته ليدفن آبار الطائفية النصيرية وأشباهها (٢).
ويربط أدونيس مدينة الغزالي ويعني بها الإسلام، يربطها بالتخلف والغرق والجرار والرمال، ثم يتعدى على اللَّه تعالى فيجعل الإيمان به والتأليه له سببًا في التخلف، قال أهلكه اللَّه:
(قافلة كالناي والنخيل
مراكب تغرق في بحيرة الأجفان
-قافلة- مذنب طويل
من جحر الأحزان
أهاتها جرار
مملوة باللَّه والرمال
هذا هو الغزالي) (٣).
ثم يجترئ على القرآن العظيم ويتهكم باللسان العربي ويقرن ذلك كله بالغبار رمز التخلف:
(يبتديء السقوط في مدائن الغزالي
стр. 486
يستنزل الفرقان واللسان
وتعلق الحياة بالغبار - في مدائن الغزالي
شرارة ليس لها مكان) (١).
ويعتبر التدين والتعبد للَّه تعالى والإلتزام بشريعته التي أتى بها الرسول ﷺ ونشرها ورثته علماء الملة ومنهم الغزالي (٢) ﵀، يعتبر ذلك سقوطًا ويكرر مرة أخرى:
(يبتديء السقوط في مدائن الغزالي
يختلج الشارع كالسنارة
والزمن الرابض مثل خنجر
يغوص تحت العنق
والمنارة
ستارة سوداء) (٣).
سقوط وستارة وزمن رابض، كلها ألفاظ تؤدي معنى التخلف والجمود والرجعية، ثم يجعل المنارة رمز التعبد والصلاة يجعلها ستارة سوداء؛ لأنها -حسب عقيدته الإلحادية- تنم عن تخلف وظلامية، أمّا فينيق الذي يتعبد له ويستجديه، وعشتار التي يمتدحها فإنها عنده حسب حسه الوثني الهابط رموزًا للتقدم والإزدهار والإنسانية!!.
وعلى كل حال فالمقطع مليء بالشتائم المرموزة والمباشرة والتهكم الصريح والمخادع، فالمسلمون عنده موتى لاعتناقهم الإسلام، وحياتهم
стр. 487
ودروبهم ملح لا حياة فيها ولا أمل، وكتابهم القرآن الكريم كتاب ميت لا نور فيه ولا ضياء وإنّما رقص وصافنات، وذلك في قوله:
(ويدخل الموتى ويخرجون
من نصف أخضر - في مدائن الغزالي
يأتون في كلام
يئن في دروب كالملح، في كتاب
يموتُ، دفتاه
رقص وصافنات
ويدخل الموتى ويخرجون) (١).
ويستمر في هذا الكلام المأفون يحاول تدمير كل شيء عند المسلمين، عقيدتهم في اللَّه ربًا وإلهًا، وفي النبي ﷺ رسولًا، وفي القرآن دستورًا، وفي الوحي والغيبيات كالإسراء والمعراج وبعض أمور الآخرة يسوقها على شكل أسطورة، ويمتدح فكرته وعقيدته ومطاياه الحداثية من تلاميذه وأتباعه.
وهذا المقطع صورة موسعة للموقف الحداثي من الإسلام وأهله وحضارته وتاريخه، صورة مليئة بالحقد والضغينة وإرادة الاستئصال، وحقيقة ماثلة مشاهدة على مدى خطورة هذه الأفكار، التي اتخذت شكل التحديث، واضمرت الهدم والإفساد، ونشر الوثنية والإلحاد والخرافة المعاصرة (٢).
ثم يأتي متبجح يقول بأن الحداثة فن وأفكار حديثة، وأشكال جمالية رائعة، وتراكيب سلمت من تخثرات الأسلاف.
ومن ازدواجية المعايير عند بعض المسلمين ما نقرؤه لأحد كتابهم، فبعد أن أورد مطلع المقطع الذي يقول فيه أدونيس:
стр. 488
(آهاتها جرار
مملوء باللَّه والرمال).
قال: (تأسرني إلى أبعد حد هذه الغنائية الفكرية في أول مرحلة من مراحل درامية هذه القصيدة، وأنا أتصور هذه القافلة بدموعها ولا تنس دلالة الناي والنخيل) (١).
فإذا كان هذا المسلم العارف بفساد هذه الأقوال تأسره هذه الغنائية الفكرية، فما بالك بمسلم جاهل ارتضع حب الحداثيين ونشز فكره على شبهاتهم وإلحادياتهم؟!.
ولقد قرر هذا الكاتب: (أن القاريء "المتلقي" شريك الأديب في ارتياد الرؤيا إذا بدأ معه من أول تصوره) (٢)، فما حال من تأسره الغنائية الفكرية؟!.
وليته قصر استئساره لأدونيس على ما يسميه الغنائية، ولكنه أضاف إليها الاستئسار الفكري، وهذا هو أبشع وأخطر ما يحذّر منه ويعاديه من تحمر أعراقهم وتثور وتثأر لكرامة عقيدتهم، وهو الرجاء الذي طرحه هذا الكاتب في سياق دراسته لانحرافات أدونيس (٣).
ولنا أن نسأل هذا الكاتب هل إذعانه لهذه الكلمات التي يسميها غنائية فكرية هو من ضمن السند المظلم الذي أشار إليه في قوله: (وتنظير أدب الحداثة دخل إلى معاقلنا في جزيرة العرب بإسناد مظلم لا يسرُّ) (٤).
فمال هذا الرجل إذا احمرت دماء العزة الإيمانية وثارت في أعراق أهل العقيدة يقف في الصف المقابل يداجيهم؟ ويذم المؤمنين الغيورين على
стр. 489
دينهم وأمتهم، ويسممِهم (البله الذين يجعلون الحداثة ناقضة للإيمان) (١)، ويصفهم بـ (الكهول - المهدفون أهداف النواعير) (٢) و (تخثر التراثي) (٣)، ويدافع عن البياتي ونازك قائلًا: (لم يتعمد هؤلاء جرح عقيدة أمتهم) (٤)، وهي تزكية ومدافعة باهتة عن ماركسي يقول:
(يغني عمر الخيام يا أخت
حقول الزيت واللَّهُ
يغني طفله الصلوب في مزرعة الشاة) (٥).
ويقول:
(على أبواب طهران رأيناه
يغني الشمس في الليل
يغني الموت، واللَّهُ
على جبهته جرح عميق فاغر فاه) (٦).
ويقول:
(أتخطى الوضع البشري
أدور وحيدًا حول اللَّه وحول منازله في الأرض) (٧).
ويقول: (موسيقي أعمى ينزف فوق الأوتار دمًا، يرفع مثلي يده في صمت فراغ الأشياء، ويبحث عن شيء ضاع، يدور وحيدًا حول اللَّه،
стр. 490
بصوت فمي أو فمه يصرخ: من منا خان الآخر؟) (١)، وأقواله من هذا الضرب الخبيث كثيرة مضى بعضها وسوف يأتي بعضها الآخر في الفصول القادمة.
ولطالما حارب الحداثيون أهل الإسلام ودعاته، بسبب وقوفهم أمام تيار التبعية والتغريب ومحاولات نشر سموم الإلحاد بين المسلمين.
تقرأ لأحد منظريهم وهو يحارب دعاة الإسلام فيقول: (. . . حين يتأمل المرء سلوك الجماعات الإسلامية التي تكاثرت في العقدين الأخيرين، وحين يقرأ فى عوتها التي تستقي أصولها من خطاب سيد قطب مع هزال ثقافي وغلو في التزمت. . . ويكفي أن نشير إلى أن المدجنة الحقيقة التي تفرخ هذه الجماعات هي الأنظمة العسكرية والمستبدة، فهذه الأنظمة التي خنقت روح الشعب وأغرقته بالشعارات والرعب، وفاقمت مشكلته بالتبعية والنهب هي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة والمهشمة إلى حلول طوباوية وردود فعل يائسة، وحين يخير إنسان مقموع ومنهوب بين إله أرضي يقمه وينهبه ويفرض عليه فوق ذلك عبادته، وبين إله ديني يعده بالخلاص والمثوبة، فإن من الطبيعي أن يفر من زنازين الأرض إلى فضاء السموات) (٢).
وقد أرغم اللَّه آناف أهل العلمنة والحداثة بظهور الصحوة الإسلامية وبشائر انتشارها في كل بلاد المسلمين، وبوادر اشتداد عودها، وقد علل هذا الكاتب العلماني ظهورها بأسباب قد تكون صحيحة ولكنه بعماوة الفكر المادي لا يوقن أن اللَّه تعالى هو الذي تولى أمرها وسيحفظها حتى تكون منار خير وهدى ورشاد.
والذي يهمنا في هذا المقام وصفه المليء بالاستخفاف لعودة الناس إلى ربهم ودينهم وشريعة إلههم وعقديتهم الإسلامية، وتعليله المادي أن ذلك جاء من قبل يأس الناس من حكوماتهم وحكامهم وليس من قبل اليقين
стр. 491
الإيماني والدليل البرهاني والحاجة الفطرية، وهكذا تكون مغالطات الماديين الدهريين.
ومن أمثلة انحرافاتهم في هذا الباب قول النصراني اللبناني أنسي الحاج:
(كل حب يا خيالة السقوط في الأعمال، كل حب هو الموت حتى آخره
وما أمسكه فيك ليس إلّا جسدك
بل قلب اللَّه.
أعصره وأعصره
ليخدر قليلًا صراخُ نشوته الخاطفة
آلام مذبحتي الأبدية) (١).
وفي مجلة الناقد أيضًا وهي مجلة حداثية تترسم خطوات يوسف الخال ومجموعة "شعر" الهالكة جاء فيها قصيدة حداثية لنزار قباني مليئة بالسخرية والاستخفاف باللَّه تعالى بدءًا من عنوانها "أصهار اللَّه"، ومما قاله فيها:
(هل أنت قد أمرتهم
أن يخربوا هذا البلد؟
ويسحقونا كالصراصير
بأمر اللَّه.
ويضربونا بالبساطير
بإذن اللَّه.
فإن سألت حاكمًا منهم
стр. 492
من الذي ولاك في الدنيا على أمورنا؟
قال لنا: يا جهلة
أما علمتم أنني
أصبحت صهر اللَّه؟؟؟
أريد أن أصرخ
يا اللَّه.
هل أنت عينت وزير المال؟. . .
. . . فهل غلاء الخبز شأن من شؤون اللَّه؟
. . . وهل غلاء الفول والحمص
والطرشي والجرجير
شأن من شؤون اللَّه؟
وهل غلاء الموت والأكفان
شأن من شؤون اللَّه؟
أريد أن أسأل في طفولة:
يا أيها الرحيم والرحمان
. . . إذن لماذا يأكل الكبار (كافيارًا)
ونحن نأكل النعال
إذن لماذا يشرب الضباط ويسكيًا
ونحن نشرب الأوحال
. . . أريد أن أسأله تعالى:
هل أنت قد علمتهم عن
стр. 493
أن يجعلوا من جلدنا طبول
. . . أريد أن أسأله تعالى
هل أنت قد أمرتهم
أن يكسروا عظامنا
ويكسروا أقلامنا
ويقتلوا الفاعل والمفعول
. . . أريد أن أسأل:
يا اللَّه.
هل أنت قد أعطيتهم شيكًا على بياض؟
. . . أريد أن أسأل:
يا اللَّه.
هل أنت قد صاهرتهم حقًا؟؟
وهل من قاتل لشعبه
يصبح صهر اللَّه؟؟؟) (١).
إن هذا القزم يقول لكل مسلم ها أنذا أتحدى دينكم وأسخر من ربكم، وأنسب إليه الأصهار وأسأله مثلما يُسأل أي أحد من الناس أسئلة تهكم واستخفاف.
ثم يقال بعد كل هذا وغيره: لماذا يقال بأن الحداثة كفر وضلال وإلحاد وزندقة؟!.
وإذا كنا قد نقلنا مرارًا قول الحداثي الذي يجعل الوثنية أساس التعددية والحرية والتوحيد أساس التخلف والرجعية فإننا نشير هنا إلى نص آخر يدور
стр. 494
حول هذا المعنى ففي سياق دراسته للمجتمع الإسلامي من وجهة نظر ماركسية، يقول مؤلف كتاب "حداثة السؤال": (إن مجتمعنا، كمجتمع أبيسي، لاهوتي، تراثي، قبائلي، تحتضن فيه الواحدية الوثنية، لم يستنطق بعدُ ذاته، وقد كان من الممكن أن يتم لهذه الآثار المحفورة في وعينا ولا وعينا تدمير وإبدال، بمعاول الماركسيين العرب وسواعدهم لو أنهم ساءَلُوا آثار الذات وأشباح الحداثة) (١).
هذا هو الطرح الحداثي الذي يقلب الحقائق ويغالط في البراهين، يسمى التوحيد وثنية، ويجعل الماركسية والحداثة -وهما من أوثان العصر- أداوة إبدال وتطوير وتقدم.
للحداثة أدغالها ومتاهاتها التي جعلت القوم يتيهون في أودية وشعاب الهلاك والضلال، ومع ذلك فمثابتهم الأولى وأسسهم الأصلية محاربة التوحيد والإيمان، ومناقضة الإسلام، ابتداءً من ترسيخ مبدأ الإلحاد في جحد وجود اللَّه أولًا ثم جحد ألوهيته ثانيًا، ثم جر البشر في مستنقعات الذل والهوان الإلحادي الجاهلي.
ها هو مؤلف "حداثة السؤال" يتحدث عن تعددية الواحد والمراد به اللَّه تعالى أولًا أو ما يسميه المؤلف الحداثي "المطلق" و"المتعالي" فيقول: (هو الواحد الذي لا يتعدد ولا يقبل بالتعدد. . . إنه اسم لا عدد كما حددته المتعاليات الإسلامية، هو الواحد الذي لا يسمح بتصريف جوهره، يلغي ما يمحو اسمه، وما يستحضر عدديته، ينسل من التاريخ ليحل محله المطلق:
أحد، أحدية، واحد، واحدية هذا التصور المتعالي للفاعل في الطبيعة والحضارة مترسخ في وعينا ولا وعينا، نرى إليه ناسجًا انتشاريته في عموم العالم العربي. . .، إن التحرر هو الجواب الرئيس على السؤال الرئيس الذي
стр. 495
طرحه تخلف العالم العربي وتبعيته للمركز الاقتصادي، على أن هذا الجواب معقد بالواحداية المتعالية من جهة، وذو صيغة تجريدية من جهة ثانية) (١).
إن قلب الحداثة العربية ينبض بهذه المعاني السائدة بينهم في شتى مسالكهم وأنماط أساليبهم، ولا تنفك الحداثة عن هذا الأصل الإلحادي إلّا إذا تصورنا انفكاك ليل عن ظلام، فهم دعاة وثنية يسمونها التعديدية وأعداء توحيد تحت شعار نقد المتعاليات بل قضيتهم الراسخة إزاحة الإيمان وألوهية الرحمن، وإيجاد البديل الإلحادي من أي حقبة ومن أي مكان، يوناني أو إغريقي أو فرعوني أو بابلي أو آشوري أو غربي أو علماني أو عقلاني أو مادي أو حداثي، أي بديل من هذه أو غيرها، المهم ألَّا يكون الإسلام.
يقول مؤلف "حداثة السؤال" في استطراد حاقد ضد التوحيد والإيمان وبيان للمشروع الحداثي في هذا الصدد: (إنه الواحد الذي يحتاج لتحويل من صيغته المتعالية إلى صيغته التاريخية، من اسميته إلى عدديته. . .، ومهما كانت صعوبة نقد المتعاليات، وهي مترسخة في وعينا ولا وعينا فإن الشروع فيه مسألة مستعجلة. . .، وتعددية الواحد ضرورة عربية) (٢).
وهذا الكلام هو نحو كلام القائلين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (٣).
وقالى اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ (٤).
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ (٥).