الإيماني والدليل البرهاني والحاجة الفطرية، وهكذا تكون مغالطات الماديين الدهريين.
ومن أمثلة انحرافاتهم في هذا الباب قول النصراني اللبناني أنسي الحاج:
(كل حب يا خيالة السقوط في الأعمال، كل حب هو الموت حتى آخره
وما أمسكه فيك ليس إلّا جسدك
بل قلب اللَّه.
أعصره وأعصره
ليخدر قليلًا صراخُ نشوته الخاطفة
آلام مذبحتي الأبدية) (١).
وفي مجلة الناقد أيضًا وهي مجلة حداثية تترسم خطوات يوسف الخال ومجموعة "شعر" الهالكة جاء فيها قصيدة حداثية لنزار قباني مليئة بالسخرية والاستخفاف باللَّه تعالى بدءًا من عنوانها "أصهار اللَّه"، ومما قاله فيها:
(هل أنت قد أمرتهم
أن يخربوا هذا البلد؟
ويسحقونا كالصراصير
بأمر اللَّه.
ويضربونا بالبساطير
بإذن اللَّه.
فإن سألت حاكمًا منهم
стр. 492
من الذي ولاك في الدنيا على أمورنا؟
قال لنا: يا جهلة
أما علمتم أنني
أصبحت صهر اللَّه؟؟؟
أريد أن أصرخ
يا اللَّه.
هل أنت عينت وزير المال؟. . .
. . . فهل غلاء الخبز شأن من شؤون اللَّه؟
. . . وهل غلاء الفول والحمص
والطرشي والجرجير
شأن من شؤون اللَّه؟
وهل غلاء الموت والأكفان
شأن من شؤون اللَّه؟
أريد أن أسأل في طفولة:
يا أيها الرحيم والرحمان
. . . إذن لماذا يأكل الكبار (كافيارًا)
ونحن نأكل النعال
إذن لماذا يشرب الضباط ويسكيًا
ونحن نشرب الأوحال
. . . أريد أن أسأله تعالى:
هل أنت قد علمتهم عن
стр. 493
أن يجعلوا من جلدنا طبول
. . . أريد أن أسأله تعالى
هل أنت قد أمرتهم
أن يكسروا عظامنا
ويكسروا أقلامنا
ويقتلوا الفاعل والمفعول
. . . أريد أن أسأل:
يا اللَّه.
هل أنت قد أعطيتهم شيكًا على بياض؟
. . . أريد أن أسأل:
يا اللَّه.
هل أنت قد صاهرتهم حقًا؟؟
وهل من قاتل لشعبه
يصبح صهر اللَّه؟؟؟) (١).
إن هذا القزم يقول لكل مسلم ها أنذا أتحدى دينكم وأسخر من ربكم، وأنسب إليه الأصهار وأسأله مثلما يُسأل أي أحد من الناس أسئلة تهكم واستخفاف.
ثم يقال بعد كل هذا وغيره: لماذا يقال بأن الحداثة كفر وضلال وإلحاد وزندقة؟!.
وإذا كنا قد نقلنا مرارًا قول الحداثي الذي يجعل الوثنية أساس التعددية والحرية والتوحيد أساس التخلف والرجعية فإننا نشير هنا إلى نص آخر يدور
стр. 494
حول هذا المعنى ففي سياق دراسته للمجتمع الإسلامي من وجهة نظر ماركسية، يقول مؤلف كتاب "حداثة السؤال": (إن مجتمعنا، كمجتمع أبيسي، لاهوتي، تراثي، قبائلي، تحتضن فيه الواحدية الوثنية، لم يستنطق بعدُ ذاته، وقد كان من الممكن أن يتم لهذه الآثار المحفورة في وعينا ولا وعينا تدمير وإبدال، بمعاول الماركسيين العرب وسواعدهم لو أنهم ساءَلُوا آثار الذات وأشباح الحداثة) (١).
هذا هو الطرح الحداثي الذي يقلب الحقائق ويغالط في البراهين، يسمى التوحيد وثنية، ويجعل الماركسية والحداثة -وهما من أوثان العصر- أداوة إبدال وتطوير وتقدم.
للحداثة أدغالها ومتاهاتها التي جعلت القوم يتيهون في أودية وشعاب الهلاك والضلال، ومع ذلك فمثابتهم الأولى وأسسهم الأصلية محاربة التوحيد والإيمان، ومناقضة الإسلام، ابتداءً من ترسيخ مبدأ الإلحاد في جحد وجود اللَّه أولًا ثم جحد ألوهيته ثانيًا، ثم جر البشر في مستنقعات الذل والهوان الإلحادي الجاهلي.
ها هو مؤلف "حداثة السؤال" يتحدث عن تعددية الواحد والمراد به اللَّه تعالى أولًا أو ما يسميه المؤلف الحداثي "المطلق" و"المتعالي" فيقول: (هو الواحد الذي لا يتعدد ولا يقبل بالتعدد. . . إنه اسم لا عدد كما حددته المتعاليات الإسلامية، هو الواحد الذي لا يسمح بتصريف جوهره، يلغي ما يمحو اسمه، وما يستحضر عدديته، ينسل من التاريخ ليحل محله المطلق:
أحد، أحدية، واحد، واحدية هذا التصور المتعالي للفاعل في الطبيعة والحضارة مترسخ في وعينا ولا وعينا، نرى إليه ناسجًا انتشاريته في عموم العالم العربي. . .، إن التحرر هو الجواب الرئيس على السؤال الرئيس الذي
стр. 495
طرحه تخلف العالم العربي وتبعيته للمركز الاقتصادي، على أن هذا الجواب معقد بالواحداية المتعالية من جهة، وذو صيغة تجريدية من جهة ثانية) (١).
إن قلب الحداثة العربية ينبض بهذه المعاني السائدة بينهم في شتى مسالكهم وأنماط أساليبهم، ولا تنفك الحداثة عن هذا الأصل الإلحادي إلّا إذا تصورنا انفكاك ليل عن ظلام، فهم دعاة وثنية يسمونها التعديدية وأعداء توحيد تحت شعار نقد المتعاليات بل قضيتهم الراسخة إزاحة الإيمان وألوهية الرحمن، وإيجاد البديل الإلحادي من أي حقبة ومن أي مكان، يوناني أو إغريقي أو فرعوني أو بابلي أو آشوري أو غربي أو علماني أو عقلاني أو مادي أو حداثي، أي بديل من هذه أو غيرها، المهم ألَّا يكون الإسلام.
يقول مؤلف "حداثة السؤال" في استطراد حاقد ضد التوحيد والإيمان وبيان للمشروع الحداثي في هذا الصدد: (إنه الواحد الذي يحتاج لتحويل من صيغته المتعالية إلى صيغته التاريخية، من اسميته إلى عدديته. . .، ومهما كانت صعوبة نقد المتعاليات، وهي مترسخة في وعينا ولا وعينا فإن الشروع فيه مسألة مستعجلة. . .، وتعددية الواحد ضرورة عربية) (٢).
وهذا الكلام هو نحو كلام القائلين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (٣).
وقالى اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ (٤).
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ (٥).
стр. 496
ومن كلامهم الدال على استخفافٍ باللَّه تعالى قول النصراني جبرا عن النصراني الآخر توفيق صايغ: (. . . كان توفيق شخصًا مختلفًا عن خليل، وكان يعبر عن حسه الفاجع، أو حسه بالعقم، بشكل آخر لا عن طريق الغضب بل عن طريق المحاججة الدينية، كان يجادل اللَّه، يجادل المسيح يجال نفسه، يجادل مجتمعه، وكان دائمًا يخرج بنتيجة أن هذه القوى كلها لا تؤدي به أو لا تتخطى به العقم الذي يرفضه هو) (١).
وهذا الاجتراء على اللَّه تعالى سمة من سمات يحموم الحداثة، ومسلمة من مسلماتها، فها هو يتحدث بعفوية تامة وبشكل طبيعي عن ازدراء قرينه الصائغ للَّه تعالى، وهو دليل على ازدرائه هو واستخفافه بمقام اللَّه العزيز الجليل، ثم الوصول إلى النتيجة الإلحادية أن اللَّه تعالى والإيمان به لا يتخطى به العقم، وتاللَّه أن الكفر الذي تقلبوا في رمضائه هو العقم بعينه، وهو المحل والجدب في العقول والأرواح ولكن الذين كفروا لا يفقهون.
ويعبر البياتي عن هذا الاستخفاف بقوله:
(رأيت الإله على المقصلة
رأيت الديوك على المزبلة) (٢).
وفي دعوة إلى الثورة الماركسية أو الحداثية أو الإلحادية يتحدث عن "عائشة" رمز الفكرة المتنورة والحداثة المتجددة، ثم يدعو إلى الثورة على الطغاة وهو رمز شرحه أدونيس في الثابت والمتحول (٣)، وبين أنهم يقصدون به اللَّه تعالى، ثم يدعو البياتي بعد ذلك إلى الثورة على الدين ورمز له بالآلهة العمياء وهي إشارة صريحة إلى اللَّه تعالى، ثم الثورة على القضاء والقدر، فيقول خيب اللَّه آماله:
(عائشة ليس لها مكان
стр. 497
فهي مع الزمان، في الزمان
ضائعة كالريح في العراء
ونجمة الصباح في المساء
فعد لنيسابور
لوجهها الآخر يا مخمور
وثر على الطغاة والآلهة العمياء
والموت بالمجان والقضاء) (١).
وها هو صلاح عبد الصبور في قصيدته الناس في بلادي يتهكم باللَّه غاية التهكم ويستخف به وبألوهيته، وبالإيمان به وبقضائه وقدره، فيقول:
(يا أيها الإله
الشمس مجتلاك، والهلال مفرق الجبين
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وأنت نافذ القضاء أيها الإله
بني فلان، واعتلى، وشيد القلاع
وأربعون غرفة قد ملئت بالذهب اللماع
وفي مساء واهن الأصداء جاءه عزريل
يحمل بين أصبعيه دفترًا صغير
ومد عزريل عصاه
بسر حرفي "كن" بسر لفظ "كان"
стр. 498
وفي الجحيم دُحرجت روحُ فلان
يا أيها الإله
كم أنت قاس موحش يا أيها الإله. . .
. . . وسار خلف نعشه القديم
من يَملكون مثله جلباب كتان قديم
لم يذكروا الإله أو عزريل أو حروف "كان"
فالعام عام جوع) (١).
أمّا يوسف الخال فيعبر عن استخفافه باللَّه تعالى وبألوهيته وعبادته بعبارات عديدة منها قوله:
(وهذا الزحف العاري أإنسان
أإنسان على شاكلة اللَّه.
أراه قد من لحم الشيطان) (٢).
وقوله:
(انبح فينا صوت الألوهة) (٣).
وقوله:
(بيني وبين السماء شعرة من الزمن، كلابي تنبح
في الدار، ولا عظام في قبور الموتى
والذباب يأكل العيون في مدينة الرب) (٤).
وفي سخرية جلية بالدين وأهله وبرب العالمين ﷻ يقول:
стр. 499
(النسور تبني أعشاشها في الرمل، وفي الوحل
يصلي القديسون
ارفعوا قبعاتكم أيها العاطلون عن العمل
الوثن يجثم على قارعة الطريق، ينشر قروحه في
وجه الشمس، الوثن يمد خرطومه في وسطنا، يحرك
لسان القتل، يحمل رائحة الأدغال، يتمنطق
بالريح الصفر
الوثن في البيوت، ولا رماد في المواقد) (١).
والمتتبع لرمزيات الحداثيين يجد أن الرمل والوحل من رموزهم المستخدمة ضد الدين والإيمان والإسلام وقرون الهجرة، أمّا تعبيره بالوثن فمراده بذلك اللَّه ذو الجلال والإكرام، وهذا يذكر بأقوال فرعون ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ (٢) ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٣)، والكفر كله ملة واحدة.
أمّا صنيعة المخابرات المركزية الأمريكية توفيق صائغ، فمن ضمن إبداعاته!! قوله:
(وما إلهك إن لم يجب؟. . .
. . . أيها المعطي رذاذًا والآخذ سيولًا
والمتلكيء في العطاء كأنّما
بذرة الألوهة بين طيات اليد القابضة
والهاب، تكاد تتعثر، للأخذ
стр. 500
كأنك تفتض بأخذك أعناق أرباب قدامى
وكأنك لا تدرك
إن عطاءاتك نفايا) (١).
وله مقطع جنسي بذيء مليء بالاستخفاف والسخرية باللَّه تعالى، ومنه قوله يخاطب اللَّه تعالى:
(ورسمك الذي بدا يتهلهل) (٢).
وقوله:
(أأدركت ما بنا
أم أأعماك الغرور واللاانتظار
وإباؤك أن ترانا انتشينا
نقمة ومقتا
نجزيك بهما عن الليالي المداد
نقعتنا بها بحمأة الترجي
ولا رجاء
ونفضتنا عنك، أرخص مما اشتريتنا
ولم تخلف لنا
غير وعد برسول من لدنك
ينقل لنا خيراتك
ينفخ في رماد الذكريات
أراعك أنا استدرنا
стр. 501
حول الرسول ساخرين
. . . إنك مغلوب كإيانا
وفي عوز مثلنا وأسر وصحراء
ورسالاتك هذه إلينا
استغاثات لا غرام
وتقربك الآن إلينا
ليس حبًا بقربى
لكن لتسكين إبرة فيك
لا تكل
وتريدنا وقد خرطشتنا برشاشك
أن نسكن إبرتك
ونحن "ألم تدرك؟ "
تقبلنا اللهيب لنوقد الكره الأصم
وابتلعنا العصير
لنتقيأ منه
اسمك والماضي وذكراكا؟) (١).
سبحانك اللهم تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، سبحانك اللهم تقدست وتعاليت، سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
وفي مقطع آخر يقرن بين اللَّه تعالى وحيوان الكركدن في تصميم على التدنيس والاستخفاف باللَّه تعالى وألوهيته والإيمان به، يقول:
стр. 502
(في الفجر الكبير
في الموكب الشامل
وحدك والإله الوحيدان
وكسعيه لعذرائه
سعيك لعذرائك
. . . إله حق وحيوان خيال
أفما تختلف النتائج
. . . والسنون الثلاث والثلاثون
أأطول في عمر الإله
من الساعات في عمرك؟
حبك العذراء
حب الإله لها
. . . أعضاء جنس
مذابح كفر وفحش
يتلوين
يفتحن سيقانهن
كافرات
بوجه السماء) (١).
وله مقاطع وكلمات كثيرة مليئة بهذا اللون من الكفر (٢).
أمّا قرينه في العمالة والديانة والحداثة أنسي الحاج فمن أقواله:
стр. 503
(أريدك يا إلهي دائمًا مثل هذه الأم) (١).
(ولماذا يهجس اللَّه بإقناع الإنسان واستمالته. . .) (٢).
(الصلاة تسقي اللَّه كما يسقي الحب المرأة) (٣).
(مجرمو اللَّه، في أي زمن وإلى أي إله انتسبوا، هم طارئون على فني الإجرام والقداسة معًا) (٤).
(اللَّه في البركة مطمئن وفي النهر منزعج
الصمد يرتاح في جمود الحركة ويراقبها بعيون الغدران والمستنقعات) (٥).
(هل يستطيع اللَّه أن يبطل إلهًا) (٦).
(نتمرد على اللَّه كما نتمرد على الأب، تستطيع أن تكون شيطانًا في كنف اللَّه. . .
. . . صورة اللَّه في كتابات بعض الأنبياء هي صورة السلطان الذي كانوا يشتهون أن يكونوا
اللَّه أول الدمع. . .
. . . لا دموع إلّا دموع اللَّه فوقها) (٧).
سبحان اللَّه وتعالى عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
стр. 504
أمّا الشاعر العربيد أمل دنقل فإنه يتوجه إلى اللَّه بدعاء ثم يقرر بأنه لم يكن هناك أي صدى ولم يجد سوى الوباء والجرب:
(ودعونا اللَّه أن يكشف عنا الغمة المنعقدة
أعطنا ليلة حب واحدة
أعطنا ليلة طهر واحدة
أعطنا ليلة صدق واحدة
وتنسمنا صدى الدعوة، غربلنا الهواء
لم يكن إلّا الوباء
جربًا تحت الجلود. . .) (١).
وفي جرأة ووقاحة وسخرية واستخفاف يقول:
(خصومة قلبي مع اللَّه ليس سواه
. . . فهل نزل اللَّه عن سهمه الذهبي لمن يستهين به
هل تكون مكان أصابعه. . . بصمات خطاه) (٢).
أمّا نزار قباني فله أسلوبه الخاص في الاستخفاف والسخرية، فهو يقرن اللَّه تعالى بالشعر:
(الآن عرفنا
أنا كنا ضد اللَّه وضد الشعر) (٣).
ويجعل اللَّه -تعالى اللَّه وتقدس- جاهلًا محتاجًا فيقول:
стр. 505
(اللَّه يفتش في خارطة الجنة عن لبنان) (١).
ويقول سميح القاسم بنغمة ماركسية إلحادية:
(أنا قبل قرون
لم أتعود أن ألحد
لكني أجلد
آلهة كانت في قلبي
آلهة باعت شعبي) (٢).
ويقول محمد الماغوط مخاطبًا عشيقته:
(وكنت أحبك يا ليلى
أكثر من اللَّه والشوارع الطويلة
وأتمنى أن أغمس شفتيك بالنبيذ
وألتهمك كتفاحة حمراء على منضدة) (٣).
ويقول: أحمد دحبور في تهكم سافر:
(الأرض بساط اللَّه.
بساط اللَّه الآن يحاط بجيش اللَّه الأمريكي:
فمن جهة بالنار
ومن جهة بصلاة العار
وخلفهما حكم عدل
стр. 506
يتساقط عدلًا
واختر أحد الموتين
أو ارحل
دون وطن) (١).
ويواصل في تهكمه واستخفافه باللَّه تعالى وعبادته:
(ها هم من التل حتى الصلاة
يمر عليهم وزير الهبات فيثني على باريء الكائنات بما
هو أهل ويلقى على رأسها حجرًا
ثم يذبح من أهلنا نفرًا
رحمة، لعنة، لعنة، رحمة
أسأل اللَّه الا يسم بالعفو حزني) (٢).
أمّا الروائي الحداثي الكبير عبد الرحمن المنيف فيقول في روايته مدن الملح: (الرجل يستيطع أن يرضي اللَّه ويرضي الشيطان معًا، أمّا أن يرضي امرأتين فأمر مستحيل) (٣).
وهو كلام في غاية السخف والانحطاط، وفي غاية الاجتراء على اللَّه القدوس العظيم إذ يقرنه بالشيطان الرجيم، ويجعل رضوانه قرينًا لرضى الشيطان، ويجعل منال هذا الرضوان أسهل وأيسر من نيل رضوان النساء، اللهم سبحانك وبحمدك.
وفي مواضع أخر من روايته، يصل به التهكم مداه حين يقول: (أخطر شيء في هذه الحياة بعد اللَّه والمال هو السروال، إذا كانت دكته قاسية
стр. 507
أتعب، وإذا ارتخت دكته أشقى وأتعب) (١).
ويقول على لسان أحد الشخصيات: (يارب يا صاحب الخيمة الزرقاء أنت العالي وتعرف ما بالقلوب، أحرس الوادي وجنبه البلاء) (٢).
وعلى لسان شخصية أخرى يتحدث عن رجل أرمني اسمه آكوب قائلًا: (آكوب أقوى من ربهم، أكوب يدفنهم قبل ما يموت) (٣).
وتقول زهوة إحدى شخصيات الرواية عن قصر أخيها خريبط: (. . . ويلزم تعرفين هذا القصر قصر الرحمن) (٤).
ويقول: (الإنسان أي إنسان، يكتسب الكثير من التجارب والمعارف والأشعار وتجعله باستمرار غير ما كان قبلها، أمَّا أن ينقلب بهذا المقدار فلا شيء يقوى على ذلك إلّا اللَّه والمرأة) (٥).
وعلى لسان زيدان أحد الشخصيات في بادية الظلمات من مدن الملح يقول: (موران بعدها بوعيها أو اللَّه هبل أهلها؟، وإذا أمهلها فيا ترى ينذرها، وبعدها يسوي بها اللي سواه بإرم ذات العماد ويقلب عاليها سافلها، ويغير كل شيء فيها، أم عنده أشغال أهم منها؟) (٦).
ويقول ابن جلون في رواية ليلة القدر: (كانوا يعيشون هناك في اكتفاء ذاتي بعيدًا عن المدينة بعيدًا عن الطرق وبعيدًا عن اللَّه نفسه) (٧).
أمّا رواية مسافة في عقل رجل فقد اترعت بالخبث والاستخفاف والسخرية باللَّه تعالى وبدينه وألوهيته والإيمان به (٨).
стр. 508
المظهر الثامن من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: معاداة السماء:
ويريدون بالسماء: اللَّه ﷻ والوحي والدين والشريعة والعقيدة، والنبوات ونحو ذلك، ولهم في استعمال لفظ "السماء" بهذه المعاني أصناف مكر يفضي في حسبانهم إلى تدمير الدين فيها ووضعها في قوالب الاستخفاف والسخرية والدنيس.
وتلك خبيئة الحداثة، وقتام مبادئها وأصولها الخبيثة، ولون من ألوان ارتكاسها وأصحابها في ظلمات أهل الماديات من المغضوب عليهم والضالين والملحدين.
وقد تفنن الحداثيون في استجلاب اعتراف ورضى أسيادهم من أهل الغرب، وأول علائم تفننهم سعيهم الحثيث في النيل من عقيدة الأمة وشريعتها وسائر مقوماتها الأساسية بالضلال السافر أحيانًا، والمحتجب أحيانًا أخرى.
وسوف أورد هنا بعض الشواهد على معاداتهم للسماء على اعتبار أن السماء عندهم تمثل الألوهية والربوبية، وتمثل الإسلام والدين والوحي والهدى.
فمن ذلك قول نزار قباني حينما ناقشه منير العكش (١) في كتابه أسئلة الشعر قائلًا: (. . . حين لا يجد الشاعر له مطابقًا لغويًا أو رمزيًا على الأرض لهو أكبر دليل على تحدي السماء) (٢).
أجاب قباني: (لا أزال أصر على أن السماء لا تعرف أن تكتب شعرًا،
стр. 509
إن الشعر محصور بالإنسان، وبالإنسان فقط، ومما لا شك فيه أن القلب الإنساني تركيب سماوي، ولكنه تركيب ملغوم بكثير من الاحتمالات التي لا تتوقعها السماء، القلب الإنساني قمقم رماه اللَّه على شاطيء هذه الأرض، وأعتقد أن اللَّه نفسه لا يعرف محتوى هذا القمم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت) (١).
أمّا البياتي فيعبر عن رفضه للدين ومعاداته له ولما ينبثق عنه من تراث وحضارة بقوله:
(وبصقت في وجه السماء) (٢).
وقوله مخاطبًا عشتار:
(وتمزقت وناديتك باسم الكلمة
باحثًا عن وجهك الحلو الصعير
في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة
وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء
وتراب العاشق الأعظم في أعياده موت الفقراء
ضارعًا أسأل، لكن السماء
مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء
ودمى عمياء من طين وأشباح نساء
لم يرين الفجر في قلبي ولا الليل في وجهي بكاء
فمتى تنهل كالنجمة عشار وتأتي. . .) (٣).
ويبحث عن جذر يشاركه هذه النظرة المحتقرة، وينفش في رواق الإسلام
стр. 510
النظيف الطاهر فلا يجد إلّا شبيهًا له في الشك والريب والاضطراب، فيتكيء عليه جاعلًا منه سلفًا ومطيته إلى رموزه الشيوعية من لوركا إلى الفقراء الكادحين الذين يفني باسمهم تحت لواء المطرقة والمنجل، فيقول:
(شيخ المعرة الضرير يفتح الكوة في اكتئاب
ويحدج السماء
بنظرة ازدراء
. . . لوركا يُجرُ واقفًا للموت في الميلاد
أمامه كانت كلاب الصيد تجري
تنبح الجلاد) (١).
ونظرة الاحتقار للسماء التي عبر عنها البياتي من خلال سلفه البائد، هي النظرة نفسها التي عبر عنها صلاح عبد الصبور في قصيدة الناس في بلادي في قوله:
(. . . فالعام عام جوع
وعند باب القبر قام صاحبي خليل
حفيد عمي مصطفى
وحين مد للسماء زنده المفتول
ماجت على عينيه نظرة احتقار
فالعام عام جوع) (٢).
(. . . هنا صورة أخرى قاتمة للقدر، واتهام للمقدر ومزيد من الانحراف والكفر، وإذا كان المؤمنون يضرعون إلى اللَّه تعالى في أعوام
стр. 511
المجاعة وفترات الأوبئة أن يرفع عنهم البلاء، وإذا كان الأقل إيمانًا والعاصون يلجأون -فطريا- إلى اللَّه في أوقات الشدة، وهذا اللجؤ من طبيعة الإنسان، ويمسكون عن المعصية، ويأخذون في الاستغفار أملًا في عفو اللَّه ورحمته المنقذة، فإن مريدي العم مصطفى من صنف آخر، ليس فيه المؤمنون ولا حتى الفاسقون، فهم يعرضون عن ذكر الإله ولا يعبأون بالموت، وكأنهم استغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا، إذ يتفجر انحرافهم ويعربد فكرهم في أعلى صورة، وتبتديء آثار العم مصطفى وقد بلغت عرامها، فيخرج من بين الصفوف "خليل" حفيد العم مصطفى ليكون امتدادًا له، ليس في النسب وحسب بل في الكفر والتمرد والطغيان، فقد تضخم ما زرعه فيه جده واشتد، وتحولت الثورة الصامتة إلى ثورة صاخبة، وتحولت ألفاظ التهجم على الألوهة إلى تحد ودعوة -قميئة- للمنازعة والصراع، فخليل تحت تأثير موت جده وعام الجوع ينفجر بأعلى صور النقمة التي تدور في نفوس مريدي العم مصطفى، ويرفع إلى السماء زنده المفتول، والزند المفتول إشارة واضحة إلى الاغترار بالقوة وإلى التحدي، والإقدام على الخصومة والمصارعة.
ولا يكتفي الشاعر بهذه الصورة القذرة، بل ينهي القصيدة بلقطة سريعة أشد كفرًا وقذارة. . فخليل الذي يرفع زنده متحديًا السماء. . ينظر أيضًا "باحتقار" يموج -انظر ما توحي به لفظة يموج من قدر كبير- بين عينيه. . والاحتقار موجه إلى اللَّه !! تعالى اللَّه عما يأفكون. . .
ولا شك أن هذه الصورة أثر من آثار تخبط الشاعر وتأثره بالصورة القاتمة التي بثها الأدب اليوناني القديم للقدر، وبالصور التي نمت -بتأثيرها- في الآداب الأوربية في ظل موجات الإلحاد والتمزق والاضطراب) (١).
وعند صلاح عبد الصبور من هذه التصورات ما يكفي للدلالة على مدى محاكاة أهل الحداثة -ممثلة في متبوعيها- للملل والنحل والعقائد الكافرة
стр. 512
قديمها وحديثها، وليس في أدبيات المسلم -مهما بلغت به المعاصي والذنوب، ومهما بلغ به الجهل بدين اللَّه- مثل هذه المعاني الكسيحة الفاسدة.
وليست قصيدة الناس في بلادي إلّا حبة في عقد فكري واعتقادي عاشه صلاح عبد الصبور منافحًا ومدافعًا وداعيًا، ومن مخازيه مما يشابه ما ذكرناه آنفًا، ما جاء في مقطع بعنوان رسالة إلى صديقة يقول فيه:
(بالأمس في نومي رأيت الشيخ محي الدين
مجذوب حارتي العجوز
وكان في حياته يعاين الإله
تصوري، ويجتلي سناه
. . . ومات شيخنا العجوز في عام الوباء
وصدقيني، حين مات فاح ريح طيب
من جسمه السليب
وطار نعشه وضجت النساء بالدعاء والنحيب
بكيته، فقد تصرمت بموته أواصر الصفاء
ما بين قلبي اللجوج والسماء. . .) (١).
ولعل كاتبًا أو ناقدًا مولعًا بالحداثة مقدسًا لها يجد في هذا القول ما يرد به على الطرح العام لهذا البحث قائلًا ها هو صلاح يؤمن بالشيوخ والدين!!.
وفي واقع الأمر أن الكلمات تضج بلون آخر من الانحراف، وفيها من تهوين الدين والاستخفاف به ونسبته إلى الخرافة والتخلف الشيء الكثير، فالشيخ محي الدين مجنون، أو مجذوب، حسب التعبير الصوفي وهو
стр. 513
يعاين اللَّه -تعالى اللَّه عما يقولون- بل ويجتلي سناه.
وهذا الشخص المجنون الصوفي الخرافي هو محور اهتمام صلاح عبد الصبور ومحور كلامه، وهو الإطار الذي يسقط من خلاله تصوره للدين وأهل الدين، وفي ذلك إيحاء كامل بجهل الشاعر أو إغراضه، فقد جعل العلاقة باللَّه تعالى وبالدين قائمة على أساس التبعية لهذا المجذوب، فلما مات فاحت رائحة جسده وطار نعشه وهي صور شعبية خرافية يتبرع بها الناس الجهلة في إضفاء أوصاف الخوارق على الدراويش والمجاذيب "مشايخ الدين" ولم يقف الشاعر عند هذه الصورة الخيالية الخرافية بل اتبعها بأنه قد تصرمت بموت المجذوب محي الدين أواصر الصفاء بينه وبين السماء، وكأن علاقة الإنسان بربه، علاقة مرتهنة بشخص، وأي شخص؟ مجنون يسمى الشيخ محي الدين.
وبالإضافة إلى هذه الصورة التهكمية للدين والعلاقة الواهية به، يريد أن يصل إلى الدين كله عبارة عن اختيار ساذج بسيط خرافي هش يُمكن اعتناقه أو تركه لأي علة أو عارض، وأن الدين -في حال اختياره- ليس سوى علاقة فردية بالسماء، قابلة للاعتناق والترك وفق مراد الشخص.
ومن صور التهكم والعداء للسماء قول توفيق صائغ:
(أعضاء جنس
مذابح كفر وفحش
يتلوين
يفتحن سيقانهن
كافرات
بوجه السماء) (١).
стр. 514
وهي صورة بشعة خبيثة، تنم عن طوية أخبث وأبشع، وعقيدة أفسد وأشنع، بل وتدل على أن من ارتكس في حب هؤلاء والإعجاب بهم والدفاع عنهم، وقد علم باطلهم وضلالهم هو مثلهم.
أمّا نزار قباني فقد شن حملته على السماء والدين والقدر والنبوة والتراث والقيم وبلاد المسلمين وثقافتهم، في كثير من أقواله وخاصة المقطع الذي سماه "خبز وحشيش وقمر" والذي يقول فيه:
(ما الذي يفعله قرص ضياء؟
ببلادي
ببلاد الأنبياء
وبلاد البسطاء
ماضغى التبغ وتجار الخدر
ما الذي يفعله فينا القمر؟
فتضيع الكبرياء
ونعيش لنستجدي السماء
ما الذي عند السماء؟
لكسالى ضعفاء
يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر
ويهزون قبور الأولياء
علها ترزقهم رزًّا وأطفالًا قبور الأولياء
ويمدون السجاجيد الانيقات الطرر
يتسلون بأفيون نسميه قدر
وقضاء
стр. 515
في بلادي. . في بلاد البسطاء) (١).
ولا شك أن بلاد المسلمين لما كانت مستمسكة بدينها تقيمه في حياتها وتجعله قوام عيشها، كانت أزهى وأرقى أمة، وما أصابها الخدر والضعف والهوان والذل إلّا عندما تركت طريق الأنبياء وتركت استجداء اللَّه وعبادة اللَّه الذي في السماء، وصار المنحرف والملحد والشاك والضائع والعميل رأسًا يشار إليه بالبنان، تطيع أقواله، وأضحى من أبنائها من يدافع عن انحرافاته وضلاله وكفره من يدافع من المسترحلين ميتي الشعور الديني، عديمي العلم والإيمان.
وأمّا محمود درويش فإنه يعبر عن مجافاته للسماء تعبيرًا رمزيًا يشي بالجحد والإنكار والإلحاد، وذلك في قوله في مقطوعة بعنوان "أبي":
(غض طرفًا عن القمر
وانحن يحضن التراب
وصلى
لسماء بلا مطر
ونهاني عن السفر) (٢).
فهو يعتقد أن السماء لا شيء عندها، بل فيها الجمود والتحجر، ويرى السفر والبحر "الغرب" رمز التقدم والتطور:
(وأبي قال مرة
حين صلى على حجر
غض طرفًا عن القمر
واحذر البحر والسفر
стр. 516
يوم كان الآله يجلد عبده
قلت: يا ناس! نكفر؟
فروى لي أبي. . . وطأطأ زنده) (١).
وفي مقطع آخر يجعل درويش السماء أغلالًا في سياق حديثة عن سرحان الذي يقول عنه:
(رأينا أصابعه تستغيث، وكان يقيس السماء بأغلاله) (٢).
(ومن يومها كفت الأمهات عن الصلوات وصرنا
نقيس السماء بأغلالنا) (٣).
ويتبدى محمود درويش أكثر وقاحة وحربًا على الإسلام في ديوانه أحد عشر كوكبًا حين يقول:
(أقل احتفالًا على شاشة السينما، فخذوا وقتكم
لكي تقتلوا اللَّه. . .
. . . ونعرف ما هيأ المعدن - السيد اليوم من أجلنا
ومن أجل آلهة لم تدافع عن الملح في خبزنا
ونعرف أن الحقيقة أقوى من الحق، نعرف أن الزمان
تغير، منذ تغير نوع السلاح، فمن سوف يرفع أصواتنا
إلى مطر يابس في الغيوم؟. . .) (٤).
فإلى الذين يتلمسون بوارق الأمل في الحداثة ويعتبرون أنفسهم من المسلمين: أما آن لكم أن ترحلوا عن فسطاط الكفر والزندقة والنفاق؟.
стр. 517
ويعبر محمود درويش عن يأسه وجحوده ومعاداته للسماء، ومن في السماء، في قوله:
(ونحن الذين ندق نحاس السماء، ندق السماء لتحفر من بعدنا طرقات) (١).
أمّا سميح القاسم فقد تسارعت خطواته على دروب الإلحاد من خلال الشيوعية التي اعتنقها، فأضحى لسانًا معبرًا عن الماركسية عقيدة ومسلكًا ورموزًا، وسيفًا مصلتًا على الدين والإيمان، ومن ذلك قوله في مقطوعه بعنوان "عزيزي ايفان الكسييفتش اكتوبر" وفيها يصور صحوته التي جاءته بعد اعتناقه للشيوعية!!:
(صحوت على يد مسّت جبيني الجهم، في رفق
وصوت معلم جوال
أتى من قمة الشرق) (٢).
(عميقًا كان صوت معلمي الجوال
وعذبًا كان
همى مطرًا على صحراء
تشربه إلى الأعماق
قلبي الأسود الصلصال
فأصبح وردة حمراء
وأصبح بعد عقم طال
جوهرة وكمثراة
стр. 518
وعصفورًا، ومصباحًا على الطرقات
رفيقي -آه- يا إيفان) (١).
وبعد هذا الانطراح الاتباعي والترنيم العبادي للشيوعية، يصور تركه للدين ومعاداته للسماء:
(تلوت قصائدي الأولى
على جثث الحساسين
ودقت قبضتي باب السماء
ولذت بالدين. . .
. . . دعوت الأولياء الصالحين
فردت الوديان:
إلهك كان يا هذا. . إلهك كان
وقهقهت السفوح السود
والقمم النحاسية
إلهك كان. . يا طرح الأناشيد الحماسية) (٢).
ويعتبر تركه للدين طهارة!!، وغرقة في الإلحاد نجاة!!، فيقول:
(من قديم الزمان!
قيل: كانوا سعاه
في بريد الإله
لم يكونوا غزاه، ككل الغزاة
стр. 519
وأنا ايها السادة التافهون
طاهر، طاهر من رياء القضاة
ومسوح السماء) (١).
ولزميله الماركسي الآخر دندنة إلحادية أخرى على المسار المعتم نفسه، ذلك هو توفيق زياد الذي يقول:
(ومن أين تأتي النقود
وهذه السموات رغم الدعاء
ورغم الصلاة صباح مساء
أبت أن تجود ولو بالقليل
من الذهب المفتدى) (٢).
ويعتبر توفيق زياد أحد المندفعين في تمجيد الشيوعية ومدحها وإطرائها والتغني بتاريخها القديم -مثل ثورة العمال في باريس في القرن الماضي وهو ما يسمى عند الماركسيين بكومونة باريس- والافتخار بتاريخها الحديث، وإنجازاتها المادية، ومن ذلك قوله:
(وتكبر مدخنة تتحدى
السبع السموات) (٣).
ويخاطب عمال العالم بلهجة ثورية ماركسية تقريرية أشبه بالبيانات العسكرية، فيقول:
(هبوا كالريح كعاصفةٍ
стр. 520
تكتسح السبع سماواتٍ) (١).
أمّا الفيتوري فقد كانت له جولاته وصولاته الحداثية وانحرافاته الفكرية، وذلك قبل أن يكتشف دنس المسلك الحداثي وخطورته على الأمة والدين والأخلاق، وكان من سوابقه الرديئة قوله:
(ولأن الموت عبد
ولأن الظلم عبد
ولأن الحر عبد في بلاد مستغلة
ولأن القدر السيد عبد يتأله
والنبوات مظلة
والديانات تعلة
هي من كل ضريح في بلادي
كل ميت مندثر
كل روح منكسر
ناقمًا على البشر
كل أعداء البشر
كافرًا بالسماء والقضاء والقدر) (٢).
وعلى نَمط أقوال صلاح عبد الصبور في قصيدته الناس في بلادي يقول محمد علي شمس الدين، محاكيًا ومكررًا المعنى نفسه:
(سأطلق نحو السماء رصاصة رفضي
стр. 521
وداعًا) (١).
أمّا الداعر العربيد -حسب اعترافاته- محمد شكري، فله من الأقوال المنكرة والأفعال القبيحة ما سطره بكل جرأة ووقاحة في روايته عن نفسه التي سماها: "الخبز الحافي" والتي يقول فيها: (. . . أجدني بعيدًا لاعنًا إياه، كارهًا كل الناس باصقًا على السماء والأرض، ذات يوم كنت مع نشالين في مقهى ندخن الكيف ونشرب الشاي الأخضر) (٢).
ويقول: (. . . رأيت في الطريق بعض الأسماك الصغيرة المداسة، سمعت سقوطي في الماء، أظافري دامية، رفعت وجهي نحو السماء، إنها أكثر عراء من الأرض أكثر عراء) (٣).
المظهر التاسع من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: احترام وامتداح الكفر والإلحاد والوثنية والماركسية والعلمانية، وغير ذلك من ملل الكفر ونحله والاعتراف بالانتماء إليها:
وهذا المظهر من أكثر المظاهر شيوعًا عن الحداثيين، بل كل الحداثيين على ذلك، حتى بعض أولئك الذين ما زالوا يعلنون الانتساب إلى الدين ويظهرون العمل ببعض أحكامه.
فلا تجد أحدًا ممن أشرب قلبه حب الحداثة أو تلوث بأجوائها إلّا وهو يمتدح ويثني على رؤوس الحداثيين العرب وغيرهم، ويظهر أن لهم مكانة سامية في الفكر والفن والأدب، بل ربّما رضخ في هيبة وإجلال لما يسمونه معطيات فنهم وإبداعهم وحداثتهم.
فإذا تكلم عنهم تكلم بلسان المجلّ المعظِّم، وإذا ذكرهم أشاد بهم وأوصلهم إلى السماكين، وإن ناقشهم تأدب معهم تأدب التلميذ مع أستاذه،
стр. 522
وان عارضهم في بعض الأوجه، ساق معارضته لهم في سياق من اللين واللطف والاحترام والخشية.
هذا فيما يتعلق برؤوس طواغيت الحداثة، أمّا ما يتعلق بالمذاهب والمناهج والسبل والأساليب فإن لها من الهيبة والمكانة والانقياد والاتّباع والطاعة والمحبة الشيء الكثير، الذي يدل بجلاء على أن انقيادهم للحداثة واتباعهم لها هو في حقيقته انقياد عبادي اعتقادي.
ناهيك عن القداسة المتعارف عليها بين الحداثيين حول كلمات مثل الإبداع والحداثة والتجديد والعقلانية والتنوير والعصرانية والتجاوز والتخطي وكسر المألوف والسائد ونحو ذلك.
أمّا الأسماء والشخصيات الحداثية والعلمانية فهي عندهم بمنزلة أعلى من منزلة الأنبياء وفي مقام أجل من مقام الإله العظيم -جلَّ وعلا-.
وليس هذا القول مجرد دعوى، بل هي الحقيقة تنطق بها مؤلفات وأعمال وأقوال الحداثيين، ولو لم يكن من دليل إلّا شدة دفاعهم عن الحداثة واستماتتهم في نشرها واذاعتها، وغيرتهم عليها، وولههم الشديد بها وبضلالها وانحرافاتها وشرها وفسادها وباطلها؛ لكان ذلك كافيًا.
وإنني لأجزم بأن امتداح الحداثة والدفاع عنها يتضمن في طياته امتداح الكفر والإلحاد والوثنية والانحراف والضلال؛ ذلك أن الحداثة كما مر معنا، وكما سيأتي -إن شاء اللَّه- لم تنفك عن هذه العقائد الضالة المنحرفة، ولا يُمكن لها أن تنفك.
فقد نبتت الحداثة الفكرية والأدبية في ذلك المرتع الوخم، ثم تدرجت في دركات الشرك والكفر وقطعت فيها أشواطًا بعيدة، فأصولها ثابتة في طينة تأليه الإنسان وأعماله، وجحد ربوبية اللَّه تعالى وألوهيته والتهكم والسخرية به تعالى وبدينه وبرسله وكتبه وبالغيب والقدر والشرائع، وفروعها مثمرة بشوك الإلحاد والدعارة والفساد.
ومطالعة يسيرة في كتب البياتي والخال ودرويش وقباني وأدونيس
стр. 523
وباروت والجابري وأنسي الحاج وأركون وبسيسو ونوال السعداوي وتوفيق صايغ وتوفيق زياد وجبرا وبو جدرة ومحمد شكري ونصر حامد أبو زيد وحسن حنفي وخليل حاوي وغيرهم وغيرهم تؤكد ذلك.
ولم يقتصر موقفهم على امتداح الكفر والوثنية بل تعدى ذلك إلى الافتخار والاعتزاز بها كقول أدونيس:
(أسير في الدرب التي توصل اللَّهَ
إلى الستائر المسدلة
لعلني أقدر أن أبدله) (١).
وقوله في وقاحة إلحادية صلعاء:
(أنا المتوثن والهدم عبادتي) (٢).
وقد مر معنا في غير موضع من هذا الفصل والذي سبقه ما يدل بصراحة على امتداحهم للكفر والإلحاد والوثنية والجاهلية واحترامهم لها ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ (٣).
ففي مقال عن العلمانية تؤكد كاتبته أن الحداثة والعلمانية تنزع القداسة عن كل شيء وخاصة عن اللَّه تعالى، ليصبح الإنسان هو الإله المقدس، ثم تضيف بعد مدحها وإشادتها بالحداثة والعلمانية: (والعلمنة لا تعني الإلحاد وإنّما تعني حرية الاختيار. . . فالكثير من العلمانيين مؤمنون حقيقيون) (٤).
وفي إشادة تضيف قائلة: (كانت خطورة إخراج الجنس والجسد من ظلمات المحرم إلى علنية اللغة وعلنية الممارسة مفصلًا جوهريًا في
стр. 524
سقوط المقدس) (١).
وتقول: (حداثة الغرب النهضوية والعقلانية والعلمية كانت مفصلًا تاريخيًا هامًا في حياة البشرية أعادت الاعتبار للإنسان) (٢).
ولولا خشية الاستطراد والخروج عن حدود البحث لأوردت من كلام العلمانيين الأقوال التي تثبت احترامهم للعلمانية إلى حد التقديس، وامتداحهم للكفر والضلال والوثنية والجاهلية، المتمثلة في الأنماط العلمانية المختلفة، وحربهم -في الوقت نفسه- للإيمان والإسلام والشريعة والوحي (٣).
ومما سبق ذكره عدة مرات ثناء أحد منظري الحداثة على الوثنية اليونانية باعتبارها أساسًا للتحديث والتعددية، وذمه للتوحيد والإيمان باللَّه باعتبارها أساسًا للتخلف والرجعية (٤).
وقد وصل الأمر بالحداثيين إلى حد الاعتراف والمفاخرة بالإلحاد صراحة، كما قال رشيد بو جدرة الجزائري (٥) قدوة الحداثيين: (. . . إننا
стр. 525
نتجه نحو الحكم العلماني؛ لأن الدولة عندنا علمانية أصلًا، إذ تدرس في السنوات الابتدائية الأولى بعض السور القرآنية، لينتفي بعدها كل توجيه ديني.
رأينا أثر الاستقلال، اتجاه الدولة نحو السماح لمن لا يصوم بالأكل علنا، وصدرت فتوى من إمام الجزائر أعفت عمال المجمعات الصناعية الكبرى -صناعات الحديد والبترول- من فريضة الصوم، فكان أن ساد المدن نوع من التسامح، واعتاد الناس ارتياد المقاهي والمطاعم،. . . وتجد حتى اليوم في العاصمة مطعمين أو ثلاثة تقدم الطعام في رمضان.
صحيح أنه لا يُمكن للملحدين وغير المؤمنين اليوم المطالبة بشيء، لكن هناك محاولة حاليًا لتشكيل اتحاد ملحدين جزائريين يمكنهم الدفاع عن أنفسهم كجماعة، يكفيها شيء من الإقدام والجرأة لتفرض احترامها، هناك الكثير ممن يتظاهرون باحترام فريضة الصوم، يبرحون مكاتبهم وأمكنة عملهم للتدخين في بيوت الخلاء فهذا مذل.
نحن الأقلية المظلومة -يقصد الملاحدة- يعترى التباعد علاقاتنا مع السلطة خلافًا للمسلمين المؤمنين، فمن السهل أن تكون مسلمًا في هذه البلاد ولكن من الصعوبة بمكان أن تكون ملحدًا، وعندما أتكلم عن أقلية غير مؤمنة أقصد أناسًا من فئة المثقفين معروفة بتوجهاتها الماركسية. . .) (١).
ومن أشباه هذا اللون الفاقع في الاعتراف والافتخار بالإلحاد قول حسن حنفي عن نفسه مناقشًا أحد العلمانيين الذين اتهموه!! بالسلفية والتراثية والإيمان!! فأجاب حسن حنفي: (. . . أنت تعني الإيمان السلفي التاريخي. . . الخ والمتوارث عبر التاريخ، وهو الشيء الذي تخافه علي، لذلك فإن إيماني يكفرني، كما أنه يكفرك أيضًا. . . نحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن نحاول أن نخرج من الإيمان السلفي، إلّا أنهم
стр. 526
أطول باعًا في التاريخ منا وأكثر رسوخًا ووراءهم تراث حضاري ضخم، ونحن الأقلية كيف نستطيع أن نحجم هذا الأخطبوط الكبير؟. . . أعتقد أن الأخوة العلمانيين يستعجلون التقدم، إنهم يريدونه إيجابًا فقط، وأنا أريد أولًا أن أمنع عوائق التقدم، أي أعمل للتقدم سلبًا إذا جاز التعبير، فإذا ما استطعت ذلك، عندئذٍ أسلم المجتمع العربي إلى الإخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجابًا، ومن ثم، فأنا مقدم لهم، أنا ماركسي شاب، وهم ماركسيون شيوخ، هذا تقسيم لأدوار العمل. . .، وفي ما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي، فكما بينت لكم، أنا مفكر وضعي، أقصد أنا وضعي منهجي ولست وضعيًا مذهبيًا، إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين. . .) (١).
ويقول أيضًا: (. . . لا تطالبني بأن أبحث في مقدمات النظرية التي تستهلكني وأن أنسى قليلًا الممارسات العملية، وأنا هنا ماركسي أكثر من الماركسيين، ان الحزب البروليتاري هو الوريث الوحيد للأفكار) (٢).
وفي الذي يسمونه شعرًا حديثًا من ألفاظ الامتداح والافتخار بالردة والجحود والاستكبار على دين اللَّه، ما يعطي صورة جلية عن موقف الحداثيين من دين الإسلام شريعته وعقيدته وحضارته وتاريخه وقيمه وسائر مقوماته.
ومن أمثلة ذلك أقوال البياتي الذي سبق نقلها وفيها أنه كان يعبد آلهة الماضي ثم تخلى عنها وتمرد عليها (٣)، ثم دعوته للثورة على الدين تحت مسمى:
(ثر على الطغاة والآلهة العمياء
والموت بالمجان والقضاء) (٤).
стр. 527
ويمتدح الخال مبادئ الماركسية الإلحادية ويبجلها مقرًا بمضونها قائلًا:
(لا نور لا ظلام لا إله) (١).
ويلتصق جبرا إبراهيم جبرا بمتاهته الاعتقادية، ويمتدح استمساكه بها وإصراره عليها، قائلًا تحت عنوان "دهاليز":
(ما كنت، لا ما كنت لأبغي
فرارًا من متاهتي
متاهة أهلي رفقتي) (٢).
ونحو قول الخال السابق قول نظيره النصراني الآخر توفيق صايغ:
(يأتين إن يأتين في ركب إله
ولا إله
تقنص خطو إله
ولا إله) (٣).
ونحوه قوله:
(عادت لقريتها ولا قيد ولا جناح ولا حيوان ولا إله) (٤).
ويتحدث عن نفسه جاحدًا وجود الإله العظيم القهار، مفتخرًا بذلك حيث يقول:
(لففت العباءة حولي
стр. 528
تعكزت إلى القفر
إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله) (١).
ويقر بالهرطقة والإلحاد ويجعل ذلك دينًا له في قوله:
(حبي لك احتلام وديني هرطقة) (٢).
ويشهد على نفسه بأن قلبه خالٍ من الإيمان باللَّه في سياق افتخاره بذلك، وذلك في قوله:
(قفص قلبي، ولا طير، طير ولا قفص
قلبي عرش والمليك غاب
لم يغيبه انقلاب
قلبي بحر لم يعد يمشي عليه الألم
طارد الإله من بعد، وإمّا قضى
احتوى جثمانه، ثلاث ليال
قلبي قبر أفلت منه جثمان الإله) (٣).
ومن أنماط امتداح الكفر وتهوين أمره وجعله شيئًا عاديًا بل شيئًا محمودًا قول سعدي يوسف:
(حبيبتي كافرة إنها لم تتخذ غير الهوى دينا) (٤)
стр. 529
ومن الاجتراء على الكفر والإلحاد: الاستخفاف بكل ما يتعلق باللَّه تعالى كقول أمل دنقل:
(خصومة قلبي مع اللَّه ليس سواه) (١).
بل وصل به الأمر إلى حد تمجيد الشيطان وامتداحه والثناء عليه لاستكباره على أمر اللَّه وتمرده على مولاه، ولا ريب أن هذا الثناء على المتبوع الأكبر للحداثيين له أكبر الدلالة على عظم وفضاعة الانحراف الذي وصلت إليه الحداثة وأصحابها، يقول دنقل:
(المجد للشيطان معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال "لا" فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم) (٢).
أمّا نزار قباني فيعترف بإلحاده وكأنه يعترف بالفضيلة والصلاح:
(ماذا أعطيك؟ أجبني قلقي؟ إلحادي؟ غثياني) (٣)
وهكذا بكل استهانة بل وبكل افتخار يشهد على نفسه بالإلحاد، ومثل ذلك قوله في مقطع آخر:
(يا طعم الثلج وطعم النار
ونكهة كفري ويقيني) (٤).
وقوله:
стр. 530
(أعطيني الفرصة حتى أقنع حتى أؤمن حتى أكفر) (١).
وقوله:
(ماذا تشعرين الآن هل ضيعت إيمانك مثلي
بجميع الآلهة، وتقاليد القبائل) (٢).
وهكذا تصوغ الحداثة الكفر والإلحاد والردة والوثنية في عبارات أقل ما يفهم منها أنها تهوّن هذه الأمور، وتجعل الاعتراف بها أمرًا بسيطًا لا أثر له ولا ضرر، بل يفهم منها أنها تحرض على الكفر والإلحاد وتحث عليه بمقدار ما تحذر من الإيمان والإسلام وتنفر منه، نحو قول قباني:
(من بعد موت اللَّه مشنوقًا على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (٣).
وقول محمود درويش:
(يوم كان الإله يجلد عبده
قلت يا ناس نكفر) (٤).
وللشيوعي معين بسيسو مقطوعة بعنوان "المرتد" فيها عبث بهذا المصطلح واستخفاف بمدلوله وامتداح لرأس الماركسية وطاغوتها لينين (٥).
وله مقطوعة يفتخر فيها بأنه من ورّاث أبي لهب (٦)