أطول باعًا في التاريخ منا وأكثر رسوخًا ووراءهم تراث حضاري ضخم، ونحن الأقلية كيف نستطيع أن نحجم هذا الأخطبوط الكبير؟. . . أعتقد أن الأخوة العلمانيين يستعجلون التقدم، إنهم يريدونه إيجابًا فقط، وأنا أريد أولًا أن أمنع عوائق التقدم، أي أعمل للتقدم سلبًا إذا جاز التعبير، فإذا ما استطعت ذلك، عندئذٍ أسلم المجتمع العربي إلى الإخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجابًا، ومن ثم، فأنا مقدم لهم، أنا ماركسي شاب، وهم ماركسيون شيوخ، هذا تقسيم لأدوار العمل. . .، وفي ما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي، فكما بينت لكم، أنا مفكر وضعي، أقصد أنا وضعي منهجي ولست وضعيًا مذهبيًا، إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين. . .) (١).
ويقول أيضًا: (. . . لا تطالبني بأن أبحث في مقدمات النظرية التي تستهلكني وأن أنسى قليلًا الممارسات العملية، وأنا هنا ماركسي أكثر من الماركسيين، ان الحزب البروليتاري هو الوريث الوحيد للأفكار) (٢).
وفي الذي يسمونه شعرًا حديثًا من ألفاظ الامتداح والافتخار بالردة والجحود والاستكبار على دين اللَّه، ما يعطي صورة جلية عن موقف الحداثيين من دين الإسلام شريعته وعقيدته وحضارته وتاريخه وقيمه وسائر مقوماته.
ومن أمثلة ذلك أقوال البياتي الذي سبق نقلها وفيها أنه كان يعبد آلهة الماضي ثم تخلى عنها وتمرد عليها (٣)، ثم دعوته للثورة على الدين تحت مسمى:
(ثر على الطغاة والآلهة العمياء
والموت بالمجان والقضاء) (٤).
стр. 527
ويمتدح الخال مبادئ الماركسية الإلحادية ويبجلها مقرًا بمضونها قائلًا:
(لا نور لا ظلام لا إله) (١).
ويلتصق جبرا إبراهيم جبرا بمتاهته الاعتقادية، ويمتدح استمساكه بها وإصراره عليها، قائلًا تحت عنوان "دهاليز":
(ما كنت، لا ما كنت لأبغي
فرارًا من متاهتي
متاهة أهلي رفقتي) (٢).
ونحو قول الخال السابق قول نظيره النصراني الآخر توفيق صايغ:
(يأتين إن يأتين في ركب إله
ولا إله
تقنص خطو إله
ولا إله) (٣).
ونحوه قوله:
(عادت لقريتها ولا قيد ولا جناح ولا حيوان ولا إله) (٤).
ويتحدث عن نفسه جاحدًا وجود الإله العظيم القهار، مفتخرًا بذلك حيث يقول:
(لففت العباءة حولي
стр. 528
تعكزت إلى القفر
إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله) (١).
ويقر بالهرطقة والإلحاد ويجعل ذلك دينًا له في قوله:
(حبي لك احتلام وديني هرطقة) (٢).
ويشهد على نفسه بأن قلبه خالٍ من الإيمان باللَّه في سياق افتخاره بذلك، وذلك في قوله:
(قفص قلبي، ولا طير، طير ولا قفص
قلبي عرش والمليك غاب
لم يغيبه انقلاب
قلبي بحر لم يعد يمشي عليه الألم
طارد الإله من بعد، وإمّا قضى
احتوى جثمانه، ثلاث ليال
قلبي قبر أفلت منه جثمان الإله) (٣).
ومن أنماط امتداح الكفر وتهوين أمره وجعله شيئًا عاديًا بل شيئًا محمودًا قول سعدي يوسف:
(حبيبتي كافرة إنها لم تتخذ غير الهوى دينا) (٤)
стр. 529
ومن الاجتراء على الكفر والإلحاد: الاستخفاف بكل ما يتعلق باللَّه تعالى كقول أمل دنقل:
(خصومة قلبي مع اللَّه ليس سواه) (١).
بل وصل به الأمر إلى حد تمجيد الشيطان وامتداحه والثناء عليه لاستكباره على أمر اللَّه وتمرده على مولاه، ولا ريب أن هذا الثناء على المتبوع الأكبر للحداثيين له أكبر الدلالة على عظم وفضاعة الانحراف الذي وصلت إليه الحداثة وأصحابها، يقول دنقل:
(المجد للشيطان معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال "لا" فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم) (٢).
أمّا نزار قباني فيعترف بإلحاده وكأنه يعترف بالفضيلة والصلاح:
(ماذا أعطيك؟ أجبني قلقي؟ إلحادي؟ غثياني) (٣)
وهكذا بكل استهانة بل وبكل افتخار يشهد على نفسه بالإلحاد، ومثل ذلك قوله في مقطع آخر:
(يا طعم الثلج وطعم النار
ونكهة كفري ويقيني) (٤).
وقوله:
стр. 530
(أعطيني الفرصة حتى أقنع حتى أؤمن حتى أكفر) (١).
وقوله:
(ماذا تشعرين الآن هل ضيعت إيمانك مثلي
بجميع الآلهة، وتقاليد القبائل) (٢).
وهكذا تصوغ الحداثة الكفر والإلحاد والردة والوثنية في عبارات أقل ما يفهم منها أنها تهوّن هذه الأمور، وتجعل الاعتراف بها أمرًا بسيطًا لا أثر له ولا ضرر، بل يفهم منها أنها تحرض على الكفر والإلحاد وتحث عليه بمقدار ما تحذر من الإيمان والإسلام وتنفر منه، نحو قول قباني:
(من بعد موت اللَّه مشنوقًا على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (٣).
وقول محمود درويش:
(يوم كان الإله يجلد عبده
قلت يا ناس نكفر) (٤).
وللشيوعي معين بسيسو مقطوعة بعنوان "المرتد" فيها عبث بهذا المصطلح واستخفاف بمدلوله وامتداح لرأس الماركسية وطاغوتها لينين (٥).
وله مقطوعة يفتخر فيها بأنه من ورّاث أبي لهب (٦)
стр. 531
وزوجته (١)، ويستهين فيها بالقرآن وبعذاب اللَّه الذي توعد به الكافر وزوجته، وذلك في قوله:
(ورثت عن أبي لهب
وزوجه، حمالة الحطب
ورثت جمرة وحبلًا من مسد
الحبل في أيدكمو
والجمر في يدي) (٢).
وقد قبس بعض هذا المعنى أحد أتباع الحداثة المحليين فظهر في أسمال الدفاع عن المرأة التي يراها مظلومة منذ أن نزل القرآن العظيم بسورة تبت التي تحدثت عن امرأة أبي لهب، فاعتبر الحداثي ذلك من الامتهان للمرأة وأن ذلك الامتهان في نظره حولها إلى سلعة تشتري وتباع وخاصة بعد ظهور القناع الذي هو الحجاب الإسلامي الذي شرعه اللَّه للمؤمنات، يقول من ضمن مقطوعة بعنوان "مفردات":
(اخرجوا فالشوارع غارقة
والملوحة في لقمة العيش
في الماء في شفة الطفل
في نظرة المرأة السلعة
الأفق متسع والنساء سواسية
стр. 532
منذ تبت وحتى ظهور القناع
تشتري لتباع وتباع
وثانيا تشترى لتباع) (١).
فهذا النص والذي قبله يدلان على احترام الحداثيين للكفر وأهله ودفاعهم عنهم، واتخاذهم رموزًا يعكسون على أشخاصهم عقائدهم وأفكارهم وموافقتهم العملية، في مسعى دائب لهدم الإسلام والخروج على أحكامه وشرائعه، وفيها إحياء الوثنية والجاهلية الأولى واستمداد جذور تاريخية واعتقادية من شخصيات ومواقف تلك الجاهلية؛ لإنعاش الجاهلية المعاصرة التي حملتها العقول الصغيرة المتشربة روح المدنية الغربية بثقة عمياء واندفاع كبير ومحاكاة أكبر، تبتديء من العقائد والأفكار والاتجاهات وتنتهي إلى الرموز والأشكال والأساليب الفنية، ولقد اندرج هؤلاء مع أولئك في مخطط العداء لهذا الدين، وتهافتوا معهم ضمن أكذوبة عالمية الأدب، وإنسانية الفنون، وسار بهم الدولاب الغربي في طريق العداء لتراثهم وأمتهم وحضارتهم، وقبل ذلك كله عقيدتهم وملتهم.
وهكذا اندمجت شخصيات الحداثيين العرب في مخطط التنميط الأوربي عن طريق الغزو والاستلاب الثقافي والحضاري.
ومن كان يتصور أن أحدًا ممن ينتسب إلى هذه الملة يعلن إلحاده ويفاخر به؟.
لقد صور هذا التناقض بين الموقفين سميح القاسم في قوله:
(أنا قبل قرون
لم أتعود أن ألحد
لكني أجلد
стр. 533
آلهة كانت في قلبي
آلهة باعت شعبي
في القرن العشرين) (١).
ويذكر في موضع آخر كيف انتقل إلى ظلمات الإلحاد وتشرب الشيوعية:
(رفيقي آه يا إيفان
عميقًا كان صوت معلمي الجوال
وعذبًا كان
همى مطرًا على صحراء
تشربه إلى الأعماق
قلبي الأسود الصلصال
فأصبح وردة حمراء
وأصبح بعد عقم طال
جوهرة وكمثراة
وعصفورًا، ومصباحًا على الطرقات
رفيقي آه يا إيفان
وصارت نكبة النكبات
جناحي ثورتي الحمراء باسم حبيبي الإنسان
بكيت على أبي المغدور في دوار قريتنا
بكيت على حديقتنا
стр. 534
بكيت على رفاق طفولتي، في وحشة المنفى
تلوت قصائدي الأولى
على جثث الحساسين
ودقت قبضتي باب السماء
ولذت بالدين
رثيت لوائي المدعوك بالطين
هجوت الشوك
يغتال الزنابق في بساتيني
سقطت لدى مزار الضوء
أعشى ضائع الخطوة
بلا حول ولا قوة
دعوت الأولياء الصالحين
فردت الوديان
إلهك كان يا هذا إلهك كان) (١)
فهذا نمط من أنماط الاستلاب العقدي والانقلاب الفكري من عقيدة كان يؤمن فيها باللَّه إلى عقيدة تقول: لا إله، وهو مثال على امتداح الكفر ومذاهبه، ومجافاة الدين الحق وأهله.
ويعلن المقالح في إحدى المقطوعات بأنه (كفر بكل عقيدة) (٢)، وأنه (عبد وجه الكفر والإيمان وسجد للأوثان) (٣).
стр. 535
والفيتوري يستخدم لفظ السماء رمزًا للدين والوحي والإيمان، ويعلن بأنه قد أصبح (كافرًا بالسماء والقضاء والقدر) (١).
أمّا الحداثي العربيد محمد شكري فإنه يقرر على لسان أحد شخصيات مذكراته الشخصية الواردة بشكل روائي والتي سماها "الخبز الحافي"، قال: (. . . كل هذا يحدث بسبب الخمر والنساء في بلد مسلم يحكمه النصارى لسنا مسلمين ولسنا نصارى) (٢).
أمّا صنوه بن جلون فإنه يقول في روايته ليلة القدر: (. . . أنا أستند حاليًا إلى الحق في حرية التفكير وحرية الاعتقاد أو عدمه، هذا لا يعني سوى ضميري. . .) (٣).
ويقول على لسان امرأة: (. . . إنني في قطيعة مع العالم أو على الأقل مع ماضي الشخصي، لقد اقتلعت كل شيء إنني مقتلعة عن طواعية، وأحاول أن أكون سعيدة، أي أن أعيش حسب إمكانياتي، بجسدي الخاص، لقد اقتلعت الجذور والأقنعة، أنا تيه لا تمسكه ديانة، أسير لا مبالية وأعبر الأساطير -هذا ما يدعى بالحرية- نعم التجرد من كل شيء، وعدم امتلاك أي شيء لكي لا يملكني شيء، حرة أي مستعدة، سابقة على العقبات، وربّما سابقة على الزمن) (٤).
أمّا سليل مدارس الإلحاد، المتهوّك المفتون علاء حامد فقد أبدأ وأعاد من الإلحاد في روايته "مسافة في عقل رجل"، وقرر -مفتخرًا باكتشافاته الجاهلية- بأن الدين خرافات، ولا بد من صراع معه قبل أن يصرع الملايين (٥)، وأنه لا رابط بين الحضارة والأديان بل اعتبر أن الأديان
стр. 536
خرافات جعلت الإنسان في بدائية وتخلف (١).
ويؤكد في وقاحة وخبث بأن الإيمان بكل ما في الأديان مما يسميه نقائص تحت حجة حظر النقاش لكل أمر يصعب على العقل إدراكه، هذا كله من الخرافات، ومن الذبح للتقدم ومن الإرهاب الفكري الديني (٢).
وفي صولاته الخائبة في الدفاع عن الإلحاد والكفر والمهاجمة للدين والإسلام خصوصًا، يحاول بكل وسائله الكليلة الهابطة أن ينكر وجود اللَّه صراحة، لأن اللَّه تعالى -حسب افترائه- ينكره الأغلبية من البشر، وأن الأقلية ما زالت تدرس وتتأمل (٣).
ثم يستنتج من كل مقدمات الادعائية الخرافية الباطلة أن الإنسان أصبح بسبب اعتناقه للأديان مجرد قطعة شطرنج على لوح الأديان، وأن الخلاص والتقدم في ترك الأديان، وأن شعوبًا بأكملها لا تدمن الأديان -حسب نص كلامه- ومع ذلك لم تنهر حضارتها ولم تتقوض دعائم بنيانها، بل استعاضت بالعلم فازدهرت حضارتها وتقدم إنسانها (٤).
ثم يقول ما نصه: (هذا معناه أن أحكام الأديان ليست سوى قطع شطرنج على مربع الحياة يُمكن في أي وقت من الأوقات استبدلالها بصيغة أكثر نضجًا واتساقًا مع العصر) (٥).
وفي سبيل تأليهه للإلحاد والكفر والجاهلية يقرر بأن الدين خرافات عاشت قرونًا تلوث طهارة العقل الجماعي (٦)، و (أن الخوف الذي عشش على الفكر الجماعي بأنسجته العنكبوتية والذي دعمه الاتهام المشرع بالردة والكفر والإلحاد والتهديد بإهدار الدم، هذا الخوف دفع الفكر الجماعي إلى
стр. 537
الارتماء في أحابيل الخرافات) (١).
ولذلك ينادي بمحاكمة الدين وفق مقاييس عقله الكليل وذهنه المريض، محاكمة من دون خوف، ويدعو إلى إسقاط الدين بعيدًا عن خشية الحكم بالكفر والردة والإلحاد؛ لأن ذلك -كما يفهم من كل كتابه- هو الفخر والتحرر والعقلانية والتقدم والحضارة والازدهار (٢)، بل إن عصر النهضة -كما يراه- جاء حين خلع الفكر شرنقة الدين وسيطرة رجال الدين (٣).
وهذه الرواية الخبيثة -التي يقبع صاحبها تحت ظل حماية تحرسه ليلًا ونهارًا- تفيض بالكفر البواح، وامتداح الكفر والوثنية والإلحاد، وبغض الدين وشتمه.
وهكذا تبدو لنا الحداثة في موقفها المشين من توحيد الألوهية ومن الإيمان باللَّه العلي العظيم وعبادته، وهي صورة قمئية سوداء تدل على انحدارٍ فكري وتلوث اعتقادي، ومضادة كاملة لدين اللَّه الذي ارتضاه.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (٤).
• • •
стр. 538
الفصل الثالث الانحرافات المتعَلِّقة بالأَسْماء والصِّفات
الإيمان بأسماء اللَّه وصفاته أحد أركان الإيمان باللَّه تعالى، وأحد أقسام توحيد اللَّه تعالى.
وأركان الإيمان باللَّه تعالى هي: الإيمان بوجود اللَّه وربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته -جلَّ وعلا- وأقسام توحيد اللَّه ثلاثة هي: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ولتوحيد الأسماء والصفات منزلة عالية في دين اللَّه ومكانة عظيمة، ولا يصح إيمان الإنسان ولا تستقيم عبادته حتى يكون على علم ويقين بأسماء اللَّه تعالى وصفاته، ليؤمن على بصيرة ويعبد اللَّه على الوجه الصحيح، ومن أجل هذه المنزلة وهذه المكانة اهتم علماء الإسلام بتوضيح حقائق وقواعد هذا التوحيد، وبينوا درجته وأقسامه وأحكامه، وأحكام المخالفين للحق الثابت فيه بالأدلة.
وأهم قواعد الإيمان بهذا التوحيد ما يلي:
أولًا: أسماء اللَّه تعالى كلها حسنى غاية الحسن، كاملة نهاية الكمال، كما أخبر -جل وعلا- عن نفسه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١)
стр. 539
وكمالها في ذاتها وفيما تتصمنه من صفات، كمال لا نقص فيها يوجه من الوجوه، والحسن في أسماء اللَّه تعالى باعتبار كل اسم على انفراده، باعتبار جمعه إلى غيره.
وأسماء اللَّه تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني.
وإثبات أسماء اللَّه تعالى يتضمن ثلاثة أمور، أحدها: ثبوت ذلك الاسم للَّه . والثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها للَّه . والثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
وتدل أسماء اللَّه تعالى على ذات اللَّه وصفاته دلالة مطابقة وتضمن والتزام.
ولا يصح إثبات اسم للَّه تعالى إلّا بما أثبته الوحي المعصوم، وتسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حق اللَّه تعالى وعدوانٌ وظلمٌ وضلالٌ.
والإلحاد في أسماء اللَّه تعالى هو الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع:
الأول: إنكار شيء من أسمائه تعالى أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، وهذا فعل أهل التعطيل.
الثاني: جعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبه.
الثالث: أن يسمي اللَّه تعالى بما لم يسمه به نفسه.
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز واللات من الإله.
الخامس: أن يسمي المخلوقين بأسماء اللَّه الخاصة به -جلَّ وعلا- مثل اللَّه والرحمن.
كل هذا من الإلحاد في أسمائه تعالى، وقد قال -جلَّ وعلا-:
стр. 540
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (١).
ثانيًا: للَّه تعالى صفات ثابتة على الحقيقة، وهي كمال كلها لا نقص فيها بوجه من الوجوه مطلقًا، ودل على ذلك العقل والنقل والفطرة.
وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق اللَّه تعالى مثل النوم والنسيان والجهل والعمى والموت والصاحبة والولد ونحو ذلك.
ومن وصف اللَّه بالنقص فهو كافر كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ (٣).
وقد نزه اللَّه نفسه عما يصفه به أهل الكفر والإلحاد من النقائص فقال -سبحانه-: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (٤).
وأفعال اللَّه تعالى لا منتهى لها وكذلك أقواله -جلَّ وعلا- كما أخبر عن نفسه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ (٥).
وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فنصف اللَّه بما وصف به نفسه مثل المجيء والإتيان والأخذ والإمساك ولا نسميه بها فلا نقول: الجائي والآتي والآخذ والممسك.
стр. 541
وصفات اللَّه الثبوتية هي التي أثبتها الباري لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ يجب فيها ثلاثة أمور:
الأول: إثباتها كما جاءت حقيقة على الوجه اللائق باللَّه تعالى.
الثاني: نفي التشبيه، فلا يشبهه أحد في صفاته -جلَّ وعلا-.
الثالث: قطع الكيف، وهو أن لا يسأل عن اللَّه تعالى بكيف، ولا يقال: كيفية سمعه كذا، أو استوائه، أو وجهه.
ولا يعني ذلك أن صفات اللَّه لا كيفية لها، بل لها كيفية ولكننا لا نعرفها فنفوض علم كيفية الصفات إليه.
والصفات السلبية ما نفاها اللَّه تعالى عن نفسه أو على لسان رسوله ﷺ ، وكل ما نفاه فهو نقص يجب تنزيه اللَّه عنه -جلَّ وعلا-، ويجب في النفي أمران:
الأول: نفيها عنه .
الثاني: إثبات ضدها على الوجه الأكمل؛ لأن النفي المحض ليس بمدح إلّا إذا تضمن ما يدل على الكمال، والنفي المحض قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالًا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
ومن الصفات المنفية عن اللَّه تعالى مما جاء في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (١)، فيجب نفي الموت عن اللَّه تعالى وإثبات كمال حياته، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٢)، فيجب نفي الظلم عنه -جلَّ وعلا- لثبوت كمال عدله تعالى.
ويلزم إثبات صفات اللَّه تعالى من غير تمثيل ولا تكييف، فالإثبات ضده التعطيل ونفي الصفات، والتمثيل هو اعتقاد مماثل للَّه تعالى في صفاته من صفات المخلوقين.
стр. 542
والتشبيه مثل التمثيل وإن كان التمثيل أشمل.
أمّا التكييف فهو أن يعتقد أن كيفية صفات اللَّه كذا من غير أن يقيدها بمماثل، أو يسأل عن صفاته بكيف، وهذا كل باطل، فكل كيفية تقدرها الأذان لصفات اللَّه تعالى فإنها باطل وكذب وضلال، واللَّه أعلى وأعظم وأجل من كل ذلك.
ويجب اعتقاد أن صفات اللَّه توقيفية فلا نثبت له من الصفات إلّا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، إمّا تصريحًا بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، وإمّا تضمن الاسم لها مثل الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع.
وإمّا التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش، والانتقام من المجرمين كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٢).
ومن الإلحاد في صفات اللَّه تعالى وصفه تعالى بما لم يصف به نفسه أو إضافة شيء ينزه اللَّه عنه أو نفي صفات اللَّه الثابتة له، أو السخرية بأسمائه وصفاته أو وصف غير اللَّه بالأوصاف الخاصة باللَّه تعالى.
كل ذلك انحراف وضلال وإلحاد في صفاته -جلَّ وعلا- (٣).
وإذا نظرنا إلى الأدب المعاصر، وأدب الحداثة خاصة فإننا نجد أنهم قد انغمسوا في أخبث وأبشع أنواع الضلال في أسماء اللَّه وصفاته.
بل نجد أنهم اتخذوا من الإيمان باللَّه تعالى هدفًا أوليًا لحربهم الشرسة على الإسلام والمسلمين، فإنهم لم يكتفوا بجحد وجود اللَّه تعالى وربوبيته، ولا بجحد ألوهيته والشرك فيها، حتى وصلوا إلى التعدي الصريح على ذات اللَّه تعالى في أسمائه وصفاته، ويتمثل ذلك في عدة أوجه هي:
стр. 543
الوجه الأول: وصف اللَّه تعالى وتسميته بأسماء وأوصاف النقص، ووصفه بما لم يصف به نفسه، ووصفه بما نفاه عن نفسه وإضافة أشياء إليه تهكمًا باللَّه تعالى أو تشريفًا لأشياء لم يشرفها اللَّه تعالى:
وشواهد هذا الضرب من الانحراف كثيرة جدًا في كلام الحداثيين، وبداية انحرافهم في هذا الباب من اعتبارهم أن صفات اللَّه تعالى مشكلة كما عبر عن ذلك محمد أركون في ندوة الإسلام والحداثة (١).
ومن تقريرهم أن الصفات الثابتة في الوحي والمأثور عن الصحابة إنّما كان تأثرًا بالمحيط الذي عاشوا فيه كما عبر عن ذلك أحدهم بقوله: (لم يكن محمد ولم يكن معاصروه معتزلة ولا كانوا أشاعرة، ولا فلاسفة، ولا بد أن في المعاني التي تداولوها من محيطهم والتي أسندوها إلى ألفاظ الألوهية والجبروت والغفران واليد والعرش وغيرها من عبارات الذات والصفات الإلهية تتميز تميزًا كبيرًا عما أسند إليها لاحقًا في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة) (٢).
ويتضمن هذا النص عدة افتراءات على الحقيقة:
أولها: الزعم بأن المعاني التي تداولها النبي ﷺ والصحابة ليست من وحي اللَّه وإنّما هي من المحيط الذي عاشوه، وضرب أمثلة لذلك بالألوهية والصفات، وهذا يؤدي إلى مقصده الإلحادي الشنيع في جعل النص أسطورة وتاريخًا فحسب.
ثانيها: يتضمن كلامه أن ما أسند إلى صفات اللَّه تعالى لاحقًا في المجتمعات المتمدنة -حسب وصفه- أصوب وأصلح وأحكم مما قاله الرسول ﷺ واعتقده الصحابة.
стр. 544
ثالثها: أن السياق في مقاله كله يوصل إلى نفي الصفات حتى بالصورة الابتداعية التي انضافت في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة، والمطلع على بقية المقال يتضح له ذلك بجلاء.
رابعها: أن فلسفة الحداثة في نفي صفات اللَّه تعالى أو وصفه بما لا يليق به -جلَّ وعلا- تقوم أساسًا على نظرتهم الإلحادية لنصوص الوحي المعصوم.
واعتمادًا منهم على أصول النظر المادي العقلاني الإلحادي، جعلوا نصوص الوحي من قرآن وسنة مجرد أساطير، وهذا ما صرح به نصر حامد أبو زيد في مقالة له بعنوان "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع" حيث قال: (تتحدث كثير من آيات القرآن عن اللَّه بوصفه ملكًا بكسر اللام له عرش وكرسي وجنود وتتحدث عن القلم واللوح، وفي كثير من المرويات التي تنسب إلى النص الديني الثاني -الحديث النبوي- تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسي والعرش، وكلها تساهم -إذا فهمت فهمًا حرفيًا- في تشكل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس. . .، لكن من غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتهما لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري) (١).
وهكذا تتأسس النظرة الإلحادية نحو الدين كله في سياق من التأويل الإلحادي والنظرة الفكرية المادية، ومن هذا الأساس ونحوه تنبثق النظرة الحداثية نحو نصوص الوحي الشريف، مسترسلة نحو دركات من الكفر البواح، والضرب في أوهام المادية، بعيدًا عن أي دلالة عقل أو برهان تجريب أو حس أو فطرة، أمّا النقل فهم أعداؤه ومناقضوه فلا دلالة له عندهم على الإطلاق، وهذا من ضلال أعمالهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ (٢)، وهذا الإغراق الحسي في الماديات هو الذي وصفه اللَّه تعالى في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 545
يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١).
وقد ساقتهم فلسفتهم المادية الإلحادية، ومحاكاتهم لأسيادهم الملاحدة الغربيين إلى التنافس في انتحال أقوالهم، والتعبير عنها باللسان العربي، وأصبحت إمكانية التحرر من هذه التبعية معقدة متداخلة تداخل أنماط محاكاتهم للغربيين، في ظل مزاعم عريضة من الاستقلال والإبداع والتجديد والتحديث وعدم التقليد، وغير ذلك من الدعاوى التي تؤكد البراهين أنهم على عكسها تمامًا، وما رأينا ضلالًا ينفثه المستغربون العرب إلّا ووجدنا أصوله عند أشياخهم وأساتذتهم من الغربيين، بل ربّما وجدناه بنصه وحرفه مترجمًا ترجمة شوهاء حتى أن بعضهم رصد بعض علائم هذه الظاهرة في كتابات سادن صنم الحداثة أدونيس فأصدر كتابًا بعنوان "أدونيس منتحلًا" (٢).
ولا غرو أن يكون التلاميذ تبعًا لأساتذتهم، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار مقدار الانبهار عند التلاميذ إلى حد الصدمة، ومقدار الاستعلاء عند الأساتذة إلى حد الإذلال والاستخفاف، ثم مقدار العداء لهذه الأمة دينًا وتراثًا وتاريخًا وحضارة ومستقبلًا، فأضحت الحداثة مركزًا خفيًا أو جليًا لحمل رايات هذا العداء، وبث سموم هذه الأحقاد، يهودية الأصل نصرانية الراحلة.
وليس هنا مجال عرض هذه الأهداف المتشابكة والمصائر المتشابهة، ولكن المراد إثبات أن ضلال وانحراف الحداثة وأتباعها آت من أصقاع الكفر والضلال، ليُغرس بالهيمنة والإرهاب والبهرج في جسد الأمة المسلمة التي ما عرفت منذ آمنت باللَّه إلّا الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
وما انحراف الحداثيين العرب في توحيد الأسماء والصفات إلّا أحد
стр. 546
ألوان هذا العدوان المغلف بالثقافة والفن والشعر والإبداع.
ولا يوجد مسلم يؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا وهو يسمع أو يقرأ هذه الدمامل الاعتقادية الخبيثة، ثم لا ينحاز إلى صف المؤمنين يقاتل حمية لدينه ودفاعًا عن أقدس وأشرف وأغلى شيء، فليس للحياد في هذه القضايا مجال؛ إذ الحياد في حد ذاته ارتكاس وضلال وفساد اعتقادي، فكيف بالدفاع عن الحداثة وأهلها، وتحسين الظن بهم والبحث عن محاسنهم وإطراء أعمالهم وأقوالهم، لا شك أن فاعل ذلك هو مثلهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ (١).
وقال -جلَّ شأنهُ-: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (٢).
ولا ريب أن الحداثة قد انبنت على صيغة إلحادية تضاد الإيمان تمام المضادة، وتناقض التوحيد تمام المناقضة، وقد مرَّ معنا في الفصلين السابقين ما يؤكد ذلك، وفي هذا الفصل سنطلع على أنواع أخرى من بشاعة المعتقدات الحداثية بشواهد منقولة من كتب أصحابها مباشرة.
ولنبدأ بمؤسسي الحداثة الشعرية العربية، ونرى كيف اجترأوا على اللَّه تعالى، ووصفوه بأبشع أنواع النقص، وكانوا بذلك فاتحة الضلال للحداثيين الذين جاؤوا من بعدهم، والسياب ونازك والبياتي هم طليعة هذا الشر
стр. 547
المستطير، وأقوالهم المنحرفة في الأسماء والصفات كثيرة.
فمن أقوال السياب: ما تفوه به من كلام موجه إلى اللَّه تعالى يصفه فيه بالإحراج والظلم، ويسأله باستخفاف، ويجعل له قلبًا يسعد ويخيب، ويجعل له تاجًا يهوي، وعرشًا يخر، وذلك في قوله:
(بكاؤك وارتعابك فيه للَّه إحراج
وباسمهما أسائله الحساب: أتضرع الأطفال
لتشهد لوعة الآباء؟ تسعد قلبك الآمال
تخيب!!
يكاد يهوى من صراخي عنده التاج.
ويُهدم عرشه ويخر، تُطفأ حوله الآباد والآزال
ويقطر لابن آدم قلبه ألمًا وينفطر) (١).
ويصف اللَّه بأن له خاطرًا، وذلك في قوله:
(هل أن جيكور كانت قبل جيكور
في خاطر اللَّه. . في نبع من النور؟) (٢).
ويخاطب جيكور قريته العراقية ويتعدى على اللَّه فيجعل وجهه -جَلَّ وَجْهُ رَبّي- من قدره وذلك في قوله:
(لولاك يا جنتي الخضراء، يا داري
لم تلق أوتاري
ريحًا فتنقل آهاتي وأشعاري
стр. 548
لولاك ما كان وجه اللَّه من قدري) (١).
ويسأل عن جيكور ومن يُرجع إليها اللَّه تعالى:
(ومن يُرجع اللَّه يومًا إليها) (٢).
ويصف اللَّه بأنه في القدس وسيناء، تعالى اللَّه، وذلك في قوله:
(تثاءب ظلها وأصيلها بين العقارب والسنانير
وبين المسرج الظلماء
والممتد حتى اللَّه في القدس وفي سيناء) (٣).
ويجعل وجه اللَّه تعالى ملموحًا في بعض مخلوقاته، بل يجعله بعضًا من مخلوقاته، وذلك في قوله:
(وفي الصباح يا مدينة الضباب
والشمس أمنية مصدور تدير رأسها الثقيل
من خلل السحاب
سيحمل المسافر العليل
ما ترك الداء له من جسمه المذاب
ويهجر الدخان والحديد
لعله يلمح في درام من نهر
يلمح وجه اللَّه فيها، وجهه الجديد
في عالم النقود والخمور والسهر) (٤).
стр. 549
ويصف اللَّه تعالى بالفزع والنوم، وذلك في قوله:
(في ذلك السكون ليس فيه
إلّا الرياح العاويه
سيفزع اللَّه من الأموات
ويسحب الموت ويغفو فيه
مثل دثار في الليالي الشاتيه) (١).
ويقرر أن اللَّه التقى هو والإنسان والأموات والأحياء، وذلك في قوله:
(يا من حملت الموت عن رافعيه
من ظلمة الطين التي تحتويه
إلى سماوات الدم الواريه
حيث التقى الإنسان واللَّه والأموات والأحياء في شهقةٍ
في رعشة للضربة القاضيه) (٢).
ويصف اللَّه بأنه تمسه الأيدي -جلّ وتقدس-، وذلك في قوله:
(. . . حتى تروّى من مسيل الدماء
أعراق كل الناس، كل الصخور
حتى نَمس اللَّه.
حتى نثور) (٣).
أمّا قصيدته التي بعنوان "في المغرب العربي" فمليئة بالكفر والسخرية باللَّه تعالى ودينه ورسوله، ووصف اللَّه تعالى بالموت والبكاء والمشي على
стр. 550
الأرض مجروحًا يستجدي، إلى آخر ما في هذه القصيدة من أوصاف إلحادية فاضحة فاسقة، وسوف أسوق أكثرها لبيان أن الحداثة من أول نشأتها كانت تتيه في غواية الإلحاد والكفر، يقول السياب:
(قرأت اسمى على صخره
هنا، في وحشة الصحراء
على آجرة حمراء
على قبر، فكيف يحس إنسان يرى قبره؟
يراه وإنه ليحار فيه:
أحي هو أم ميتٌ؟ فما يكفيه
أن يرى ظلًا له على الرمال
كمئذنة معفرة
كمقبرة
كمجد زال
كمئذنة تردد فوقها اسم اللَّه.
وخُط اسم له فيها
وكان محمد نقشًا على آجرة خضراء
يزهو في أعاليها
فأمسى تأكل الغبراء
والنيران من معناه
ويركله الغزاة بلا حذاء
بلا قدمِ
وتنزف منه، دون دمِ
стр. 551
جراح دونما ألم -
فقد مات
ومتنا فيه، من موتي ومن أحياء
فنحن جميعنا أموات
أنا ومحمد واللَّه.
وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرةٍ
عليها يكتب اسم محمد واللَّه.
على كسرة مبعثرة
من الآجر والفخّار
فيا قبر الإله، على النهار
ظلٌ لألف حريةٍ وفيل
ولون أبرهة
وما عكسته منه يد الدليل
والكعبة المحزونة المشوهة. . .
. . . إله الكعبة الجبار
تدرع أمس في ذي قار
بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار
إله محمد وإله آبائي من العرب
تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار
وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار
وأبصرناه يهبط أرضنا يومًا من السحب:
стр. 552
جريحًا كان في أحيائنا يمشي ويستجدي
فلم نضمد له جرحًا
ولا ضحّى
له منا بغير الخبز والإنعام من عبد
وأصوات المصلين ارتعاش من مراثيه
إذا سجدوا ينزُّ دمُ
فيسرع بالضماد فمُ:
بآيات يغض الجرح منها خير ما فيه
تداوي خوفنا من علمنا أنا سنحييه
إذا ما هلل الثوار منا "نحن نفديه"
أغار من الظلام على قرانا
فأحرقهن سرب من جرادِ
كأن مياه دجلة حيث ولى
تنم عليه بالدم والمدادِ
أليس هو الذي فجأ الحبالى
قضاه، فما ولدن سوى رمادِ؟
وأنعل بالأهلة في بقايا
مآذنها، سنابك من جوادِ؟
وجاء الشام يسحب في ثراها
خطى أسدين جاعا في الفؤادِ؟
فأطعم أجوع الأسدين عيسى
стр. 553
وبل صداه من ماء العمادِ
وعض نبي مكة، فالصحارى
كل الشرق ينفر للجهاد؟
أعاد اليوم، كي يقتص من أنا دحرناه؟
وإن اللَّه باقٍ في قرانا، ما قتلناه؟
ولا من جوعنا يومًا أكلناه؟
ولا بالمال بعناه. . .
. . . أهذا لون ماضينا
تضوّأ من كوى الحمراء
ومن آجرة خضراء
عليها تكتب اسم اللَّه بقيا من دم فينا؟
. . وهب محمد وإلهه العربي والأنصار
إن ألهنا فينا) (١).
ولا يخفى على ذي لب وإيمان كم اترعت هذه المقطوعة من انحرافات وضلالات، ولكن المنافقين لا يفقهون، ولذلك تراهم يدافعون عن الذين يختانون أنفسهم وبإلههم العظيم يكفرون.
وفي مقطوعة أخرى يصف اللَّه بالثورة، ويخاطبه كأنما يخاطب بشرًا، وذلك على لسان حفار القبور:
(وهز حفار القبور
يمناه في وجه السماء، وصاح: رب! أما تثور) (٢).
стр. 554
ويصف اللَّه تعالى بالنشوة، وذلك في قوله:
(. . . تلتف ساق بساق وهي خادرةٌ
تحت الموائد تخفي نشوة البشر
عن نشوة اللَّه من همسٍ ومن سمر
في خيمة القمر) (١).
ويصف اللَّه تعالى بنقائص منها أنه -تعالى- رآه المقبور رأي العين ورآه يبكي بكاء رحمة واعتذار، تعالى اللَّه وتقدس، يقول السياب عن أخيه المقعد حميد الذي مات:
(يا ويلنا للمصير!!
ينام ورجلاه مطويتان
شهودًا على الداء في قبره
إذا ما رأى اللَّه رأي العيان
وقد سار زحفًا على صدره
فأي انسحاق وأي انكسار
يشعان من عينه الضارعة!!
سيبكي له اللَّه من رحمة واعتذار) (٢).
هذا ما لدى السياب، أمّا نازك الملائكة فإنها تصف الرب بالكآبة في قولها:
(وأضحك ضحكة رب كئيب تَمرد مخلوقه الكافر) (٣)
стр. 555
أمّا عبد الوهاب البياتي فقد انغمس إلى آذانه في هذا الضرب من الانحراف، وتنوعت عباراته فيه ولا غرو أن يكون كذلك وهو الذي اعتنق الشيوعية عقيدة، واتخذ نظامها مسلكًا، ودافع عن تاريخها ورموزها، وسعى في نشرها، وجعلها غاية شعره وكتاباته، واندمج في مؤسساتها وبنياتها المعرفية والفكرية اندماجًا كاملًا، وانفجرت خبائثه الاعتقادية ضد الإسلام والمسلمين، في تعمد للمحو والهدم كأساس لبداياته الحداثية، ومشاريعه الإبداعية المناقضة لملة الإسلام عقيدة وشريعة.
ومن هذا الضرب مما له علاقة بهذا الفصل أقواله تحت عنوان "يا إلهي" ناسبًا الخبز والخمر إلى اللَّه تعالى ومسميًا اللَّه تعالى إله الليالي، وجاعلًا الصلاة سكرًا، وذلك في قوله:
(يا إلهي قضاؤك - العدل يجري أتراه على الورى أم عليا
خبزك المشتهى وخمرك سالت قطرة من دم على شفتيا
أين عيناك يا إله الليالي لتصب النعاس في مقلتيا
كيف أرقى لعرشك المتعالي أبسكر الصلاة أم بالحميا) (١)
ولعل هذه القصيدة تعد عند الحداثيين من مثاليات البياتي وإيمانياته المتافيزيقية -حسب تعبيرهم- وهي كما يظهر من ألفاظها مترعة بهذه الألفاظ المنحرفة.
وفي موضع آخر ينسب البياتي إلى اللَّه الولد -تعالى اللَّه عما يقول علوًا كبيرًا- يقول:
(يغني، عمر الخيام، يا أخت
حقول الزيت، واللَّهُ
يغني طفله المصلوب في مزرعة الشاه) (٢).
стр. 556
ومن أبشع وأشنع أقواله، قوله الخبيث:
(اللَّه في مدينتي يبيعه اليهود
اللَّه في مدينتي مشرد طريد
أراده الغزاة أن يكون
لهم أجيرًا
شاعرًا
قواد
يخدع في قيثاره المذهب العباد
لكنه أصيب بالجنون
لأنه أراد أن يصون
زنابق الحقول من جرادهم
أراد أن يكون
الملك لك
ما أبعد الطريق
الحمد لك
وما أقل الزاد
اللَّه في مدينتي يباع في المزاد
دعارة الفكر
هنا، رائجة، دعارة الأجساد) (١).
أبعد هذا الشناعات الاعتقادية والخبث الفكري والانحراف المبدئي
стр. 557
يحق لأحد من المسلمين أن يقول عن البياتي أنه لم يتعمد جرح عقيدة أمته (١).
ويقول البياتي أيضًا:
(اللَّه والشيطان
وريث هذا العالم الإنسان
يحوم حول سوره عريان
فاكهة محرمة
ومدن بلا ربيع مظلمة) (٢).
ويقول في تهكم وتنقص مقصود:
(من ترى ذاق، فجاعت روحه، حلو النبيذ
وروابي القارة الخضراء والمطاط والعاج وطعم الزنجبيل
وعبير الورد في نار الأصيل
ورأى اللَّه بعينيه، ولم يملك على الرؤيا دليل
فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك
ذقت لما هبطت عشتار في الأرض ملاك) (٣).
لقد أضحت عشتار لديه محور الآمال والمطالب والمقاصد، فهي فوق النقد، وهي مفتاح الرؤيا لكل شيء، حتى ليزعم أنه يرى اللَّه بعينيها!!.
وهو أمر عجيب من ماركسي تكونت ثقافته تحت مبدأ الماركسية "لا إله
стр. 558
والحياة مادة" ووثني يخاطب عشتار في تبجيل عبادي، ثم يزعم أنه يرى اللَّه!!.
غير أن إيراده لاسم اللَّه الجليل الكريم ليس إلّا من باب التدنيس والتنقص، ولذلك اتبع دعواه بقوله: ولم يملك على الرؤيا دليل، وهي عبارة تربط علاقات الاعتقاد الماركسي بالوثني، في سبيل جحد ونكران، ملبسٍ بلباس غامض موهم وعبارات ملتوية.
ويتصور البياتي أن اللَّه تعالى كواحد من البشر يُمكن الاختفاء عنه فيقول:
(وأنا أحمل في الشارع جثة
مخفيًا وجهي عن اللَّه وعنك) (١).
ومن جنس هذه الأقوال الواصفة للَّه تعالى بالنقص قوله:
(على صدرك استلقي
على صياح ديك الفجر في مملكة اللَّه وفي مملكة السحر وفي
أصقاعها أواصل الرحيل) (٢).
ويتحدث عن اللَّه تعالى باستخفاف حداثي صارخ، مصورًا أن اللَّه تعالى يُبحث عنه في مدينة العشق، وذلك في قوله:
(من أعطاك حق البحث في مدينة العشق عن اللَّه؟) (٣).
وعلى النمط نفسه يقرن بين اللَّه تعالى والأصقاع الوثنية والموسيقى والثورة والحب، وهو إقران يقصد منه التنقص والتدنيس فيقول:
(. . . ارحل تحت الثلج
стр. 559
أواصل موتي في الأصقاع الوثنية، حيث الموسيقى والثورة
والحب وحيث اللَّه) (١).
ونحو ما سبق قوله:
(لغتي صارت قنديلًا في باب اللَّه.
. . . فيبقى صوتي
قنديلًا في باب اللَّه) (٢).
ويجعل صفة البصر للَّه تعالى موضع تندرٍ ووهم، حيث يجعل إثباتها من كلام أحد المجانين، وذلك في قوله:
. . . انتظريني -قال المجنون- وظلي ميتة بين الموتى، واقتربي
من ضوء الشمعة، إن اللَّه يرانا ويرى وجهي الخائف مقتربًا من وجهك) (٣).
وينتقص الباري سبحانه غاية التنقص في قوله:
(. . . اتخطى الوضع البشري، ادور وحيدًا حول
اللَّه وحول منازله في الأرض. . .
. . . موسيقى أعمى ينزف فوق الأوتار دمًا، يرفع مثلي يده في صمت فراغ الأشياء، ويبحث عن شيء ضاع، يدور وحيدًا حول اللَّه، بصوت فمي أو فمه يصرخ. . .
. . . ويقول وداعًا لمآذن قصر الحمراء، يدور وحيدًا حول اللَّه.
وحول منازله في الأرض. . .) (٤).
стр. 560
إن الدمار الحداثي والانحطاط المسترسل في كتابات وأعمال أهل الحداثة، يتطلب وقفات كشف ونقد وفضح متواصلة بلغة واضحة جلية لا تعرف المجاملة على حساب الدين، ولا تخضع لمقاييس أهل التذويب والتلفيق الذين يقولون: إن أردنا إلّا إحسانًا وتوفيقًا؛ فإنه لا يُمكن التوفيق بين الكفر والإيمان كما لا يُمكن لمن أراد الشرب أن يخلط في إنائه بين الماء والبول.
والنصوص المذكورة آنفًا هي من أقوال الرعيل الأول من الحداثيين، وأول من سن سنن الحداثة الشعرية في بلاد العرب، وكان لهم عميق الأثر والإسهام الفعال المؤثر في تبديل المفاهيم والمضامين الشكلية والفكرية، والذين جاؤوا من بعدهم كانوا على منوالهم، بل بعضهم كان أشد اعتناقًا للانحراف وأكثر عداوة للدين من أولئك الأوائل.
ومن الجيل الثاني من شعراء الحداثة صلاح عبد الصبور وله أيضًا إسهاماته الريبية المنحرفة، وله دوره الكبير الفعال وخاصة في شعراء وأدباء مصر من الحداثيين.
واجتراء صلاح عبد الصبور على مقام اللَّه -جلَّ وعلا- شهير كثير، ومن ذلك قوله في قصيدة "الناس في بلادي":
(. . . يا أيها الإله
الشمس مجتلاك والهلال مفرق الجبين
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وأنت نافذ القضاء أيها الإله. . .
. . . وفي الجحيم دُحرجت روح فلان
يا أيها الإله
كم أنت قاس موحش يا أيها الإله) (١).
стр. 561
فهذه أوصاف نقص وذم للَّه الجليل العظيم، وإضافات تهكم وكذب إليه -جل وعلا-، حيث جعل الشمس مجتلاه، وجعل الهلال مفرقًا للجبين -تعالى اللَّه وتقدس- وجعل الجبال عرشه -جلَّ وعلا- ثم انعطف بكل قحة وفجاجة يصف اللَّه تعالى بالقسوة والوحشية، سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
وفي موضع آخر يصف اللَّه بالنسيان المنفي عنه : ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾، (١)، فقال:
(يا أختي، أنا قد انفقت الأيام أحاورها وأداجيها
وكأن اللَّه.
لم تنسج كفاه لقلبي قدري الإنسان. . . اللَّه.
ينسانا يا أختاه) (٢).
ويصف اللَّه تعالى بالنوم، ويجعله في مفتاح باب البيت ويزعم أنه رأى اللَّه تعالى في قلبه، وكل هذه أوصاف نقص يجب نفيها عن اللَّه، وتنزيهه عنها غاية التنزيه، يقول صلاح عبد الصبور:
(وأن اللَّه قد خلق الأنام ونام
وأن اللَّه في مفتاح باب البيت. . .
. . . رأيت اللَّه في قلبي) (٣).
وتبلغ به الجرأة إلى حد أن سمى مقطعًا له "أغنية إلى اللَّه" وهي تسمية توحي بالتنقص والازدراء، وفيه يخاطب اللَّه وكأنه يخاطب أحدًا من البشر، ويصفه ويضيف إليه أوصافًا لا تليق بجلال اللَّه وعظمته وقداسته، مما
يدل على استهانته واستخفاقه الكبير باللَّه ، يقول:
стр. 562
(اللَّه يا وحدتي المغلقة الأبواب
اللَّه لو منحتني الصفاء
اللَّه لو جلست في ظلالك الوارفة اللّفاء
أجدل حبل الخوف والسأم. . .
. . . نصرخ، يا ربنا العظيم، يا إلهنا
أليس يكفي أننا موتى بلا أكفان
حتى تذل زهونا وكبرياءنا.
. . . يا ربنا العظيم يا معذبي
يا ناسخ الأحلام في العيون
يا زارع اليقين والظنون
يا مرسل الآلام والأفراح والشجون
اخترت لي
لشد ما أوجعتني
ألم أخلّص بعد
ألم تر نسيتني
الويل لي نسيتني
نستني
نسيتني) (١).
وكم هاجم الحداثيون الشعر العربي القديم للمدائح التي كان يلقيها الشاعر للأمراء والسلاطين والخلفاء، غير أنهم ارتكسوا في مدائح أخبث
стр. 563
وأقذر، وذلك حين توجهوا يمدحهم إلى المنحرفين والضالين والملحدين، ومثال ذلك مقطوعة لصلاح عبد الصبور يمتدح فيها الشاعر والكاتب المسرحي الأسباني الشيوعي الملحد، الذي قتل في أوائل الحرب الأهلية سنة ١٣٥٤ هـ/ ١٩٣٦ م (١).
قال فيه:
(لوركا. . .
نافورة ميدان
ظل ومقيل للأطفال الفقراء
. . . لوركا شمس ذهبية
. . . لوركا سوسنة بيضاء
. . . لوركا قلب مملؤ بالنور الرائق) (٢).
بل قلب مملؤ بالكفر الخاثر، ولكن عبد الصبور وإخوانه في الغيّ الحداثي، جعلوه رمزًا وامتدحوه واطروه غاية الإطراء: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ (٣).
وينتقل صلاح عبد الصبور بعد عبارات الإطراء والمدح إلى ذكر مقتل "لوركا" ويصور مقتله على أنه مصيبة عظيمة وقعت في حق الإنسانية، ثم يذكر أنه أغفى في حضن اللَّه الغاضب، وهذه صفة انتقاص للَّه تعالى من وجهين:
الأول: أن اللَّه تعالى لا يوصف بأنه له حضن.
والثاني: أنه جعل هذا الملحد الماركسي يأوي إلى اللَّه ويطلب منه
стр. 564
العفو عن الذين قتلوه؛ لأنه يتصور أن اللَّه غضب من أجل مقتل هذا الكافر الذي لا يساوي عند اللَّه بعوضة، ثم ينسب أخيًر الأبناء إلى الرب الصمد -جلَّ وعلا- ويجعل لوركا من أبناء الرب، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا.
يقول صلاح:
(. . . يمضي حيث سقطت، وعض التراب فمك
حتى يغفي في حضن اللَّه الغاضب
يرجوه أن يعفو عن خفراء بلداء
قتلوا آخر أبناء الرب) (١).
وفي مسرحية الحلاج صاغ أسئلة عديدة فيها اعتراض ونقد جارح موجه إلى اللَّه ويسأل السؤال الكبير الجارح -على حد تعبيره- أين اللَّه عن المسجونين المظلومين والشرطي الظالم؟، وهو سؤال استنكار قبيح، يقول فيه:
(أما ما يملأ قلبي خوفًا، يضني روحي فزعًا
وندامه
فهي العين المرخاة الهدب
فوق استفهام جارح
أين اللَّه؟
والمسجنون المصفودون يسوقهمو شرطي
مذهوب اللب
قد أشرع في يده سوطًا لا يعرف من في
стр. 565
راحته قد وضعه) (١).
ويطرح في ثنايا المسرحية أسئلة اتهام موجهة إلى اللَّه تعالى، تتضمن أوصاف استنقاص واستهانة باللَّه -جلَّ وعلا-، وذلك في قوله:
(لكني ألقي في وجهك
بسؤال مثل سؤالك
قل: من صنع الموت؟
قل: من صنع العلة والداء؟
قل: من وسم المجذومين؟
والمصروعين؟
قل: من سمل العميان؟
من مد أصابعه في آذان الصم؟
من شد لسان البكم؟
من سود وجه السود؟
من صفر وجه الصفر؟
من القانا في هذي الدنيا مأسورين
لنغص بمشربنا، ونُشاكَّ بمطعمنا
نتنفس أبشع رائحة مضاعدة من رجع حلوق الموتى
الموتى الأحباء المقتولين القتلة
. . . من ألقانا بعد الصفو النوراني
في هذا الماخور الطافح