فهذه أوصاف نقص وذم للَّه الجليل العظيم، وإضافات تهكم وكذب إليه -جل وعلا-، حيث جعل الشمس مجتلاه، وجعل الهلال مفرقًا للجبين -تعالى اللَّه وتقدس- وجعل الجبال عرشه -جلَّ وعلا- ثم انعطف بكل قحة وفجاجة يصف اللَّه تعالى بالقسوة والوحشية، سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
وفي موضع آخر يصف اللَّه بالنسيان المنفي عنه : ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾، (١)، فقال:
(يا أختي، أنا قد انفقت الأيام أحاورها وأداجيها
وكأن اللَّه.
لم تنسج كفاه لقلبي قدري الإنسان. . . اللَّه.
ينسانا يا أختاه) (٢).
ويصف اللَّه تعالى بالنوم، ويجعله في مفتاح باب البيت ويزعم أنه رأى اللَّه تعالى في قلبه، وكل هذه أوصاف نقص يجب نفيها عن اللَّه، وتنزيهه عنها غاية التنزيه، يقول صلاح عبد الصبور:
(وأن اللَّه قد خلق الأنام ونام
وأن اللَّه في مفتاح باب البيت. . .
. . . رأيت اللَّه في قلبي) (٣).
وتبلغ به الجرأة إلى حد أن سمى مقطعًا له "أغنية إلى اللَّه" وهي تسمية توحي بالتنقص والازدراء، وفيه يخاطب اللَّه وكأنه يخاطب أحدًا من البشر، ويصفه ويضيف إليه أوصافًا لا تليق بجلال اللَّه وعظمته وقداسته، مما
يدل على استهانته واستخفاقه الكبير باللَّه ، يقول:
стр. 562
(اللَّه يا وحدتي المغلقة الأبواب
اللَّه لو منحتني الصفاء
اللَّه لو جلست في ظلالك الوارفة اللّفاء
أجدل حبل الخوف والسأم. . .
. . . نصرخ، يا ربنا العظيم، يا إلهنا
أليس يكفي أننا موتى بلا أكفان
حتى تذل زهونا وكبرياءنا.
. . . يا ربنا العظيم يا معذبي
يا ناسخ الأحلام في العيون
يا زارع اليقين والظنون
يا مرسل الآلام والأفراح والشجون
اخترت لي
لشد ما أوجعتني
ألم أخلّص بعد
ألم تر نسيتني
الويل لي نسيتني
نستني
نسيتني) (١).
وكم هاجم الحداثيون الشعر العربي القديم للمدائح التي كان يلقيها الشاعر للأمراء والسلاطين والخلفاء، غير أنهم ارتكسوا في مدائح أخبث
стр. 563
وأقذر، وذلك حين توجهوا يمدحهم إلى المنحرفين والضالين والملحدين، ومثال ذلك مقطوعة لصلاح عبد الصبور يمتدح فيها الشاعر والكاتب المسرحي الأسباني الشيوعي الملحد، الذي قتل في أوائل الحرب الأهلية سنة ١٣٥٤ هـ/ ١٩٣٦ م (١).
قال فيه:
(لوركا. . .
نافورة ميدان
ظل ومقيل للأطفال الفقراء
. . . لوركا شمس ذهبية
. . . لوركا سوسنة بيضاء
. . . لوركا قلب مملؤ بالنور الرائق) (٢).
بل قلب مملؤ بالكفر الخاثر، ولكن عبد الصبور وإخوانه في الغيّ الحداثي، جعلوه رمزًا وامتدحوه واطروه غاية الإطراء: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ (٣).
وينتقل صلاح عبد الصبور بعد عبارات الإطراء والمدح إلى ذكر مقتل "لوركا" ويصور مقتله على أنه مصيبة عظيمة وقعت في حق الإنسانية، ثم يذكر أنه أغفى في حضن اللَّه الغاضب، وهذه صفة انتقاص للَّه تعالى من وجهين:
الأول: أن اللَّه تعالى لا يوصف بأنه له حضن.
والثاني: أنه جعل هذا الملحد الماركسي يأوي إلى اللَّه ويطلب منه
стр. 564
العفو عن الذين قتلوه؛ لأنه يتصور أن اللَّه غضب من أجل مقتل هذا الكافر الذي لا يساوي عند اللَّه بعوضة، ثم ينسب أخيًر الأبناء إلى الرب الصمد -جلَّ وعلا- ويجعل لوركا من أبناء الرب، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا.
يقول صلاح:
(. . . يمضي حيث سقطت، وعض التراب فمك
حتى يغفي في حضن اللَّه الغاضب
يرجوه أن يعفو عن خفراء بلداء
قتلوا آخر أبناء الرب) (١).
وفي مسرحية الحلاج صاغ أسئلة عديدة فيها اعتراض ونقد جارح موجه إلى اللَّه ويسأل السؤال الكبير الجارح -على حد تعبيره- أين اللَّه عن المسجونين المظلومين والشرطي الظالم؟، وهو سؤال استنكار قبيح، يقول فيه:
(أما ما يملأ قلبي خوفًا، يضني روحي فزعًا
وندامه
فهي العين المرخاة الهدب
فوق استفهام جارح
أين اللَّه؟
والمسجنون المصفودون يسوقهمو شرطي
مذهوب اللب
قد أشرع في يده سوطًا لا يعرف من في
стр. 565
راحته قد وضعه) (١).
ويطرح في ثنايا المسرحية أسئلة اتهام موجهة إلى اللَّه تعالى، تتضمن أوصاف استنقاص واستهانة باللَّه -جلَّ وعلا-، وذلك في قوله:
(لكني ألقي في وجهك
بسؤال مثل سؤالك
قل: من صنع الموت؟
قل: من صنع العلة والداء؟
قل: من وسم المجذومين؟
والمصروعين؟
قل: من سمل العميان؟
من مد أصابعه في آذان الصم؟
من شد لسان البكم؟
من سود وجه السود؟
من صفر وجه الصفر؟
من القانا في هذي الدنيا مأسورين
لنغص بمشربنا، ونُشاكَّ بمطعمنا
نتنفس أبشع رائحة مضاعدة من رجع حلوق الموتى
الموتى الأحباء المقتولين القتلة
. . . من ألقانا بعد الصفو النوراني
في هذا الماخور الطافح
стр. 566
من. . . من. . .؟
الحلاج: لا. . لا. . لا أجرؤ
أتريد تقول. . .
لا. . لا. .
لا تملأ نفسي شكًا يا شبلي) (١).
وقد استعاض بالنقاط عن اسم اللَّه في قوله: (أتريد تقول. . .)، وهو حذف مقصود يضفي جوًا من الشك والاتهام، ويؤكد أن الإجابة على هذه الأسئلة الجارحة هو اللَّه تعالى وتقدس.
وفي المسرحية ذاتها يتقمص شخصية الحلاج (٢) ويؤيد مذهبه الحلولي الباطل، ويجعل كلمات اللَّه تعالى مخلوقة مولودة في قلب الحلاج، وذلك في قوله:
(. . . في أرض مدينته الخضراء
ولدت كلمات اللَّه هناك بقلبي المثقل
فأتيت بها، طوفت بأرض الناس) (٣).
ثم يستطرد في نَفسٍ صوفي ابتداعي، فيجعل اللَّه تعالى معشوقًا -تعالى اللَّه-، ويقرر عقيدة الفناء الصوفي، ويجعل من صفات اللَّه خلعة يُمكن أن يلبسها الإنسان المحب للَّه، على حد مزاعمه وادعاءاته الباطلة
стр. 567
المستنسخة من عقائد زنادقة المتصوفة أهل الحلول والاتحاد، يقول صلاح عبد الصبور:
(يا ولدي
الحب الصادق
موت العاشق
حتى يحيا في المعشوق
لا حب إذا لم تخلع أوصافك
حتى تتصف بأوصافه
وأنا أنوي أن يكمل حبي للَّه
أن أخلع أوصافي في أوصافه
أنا إنسان يضنيني الفكر ويعروني الخوف
ثبت قلبي يا محبوبي
أنا إنسان يظمأ للعدل ويقعدني ضيق الخطو
فأعرني خطوك يا محبوبي
وشفيعي في صدق الرغبة والميل
قلبي المثقل
ودموعي في الليل
سأخوّض في طرق اللَّه.
ربانيًا حتى أفنى فيه) (١).
ويستطرد في هذه الانحرافات ليصل إلى خرقة الصوفية الخرافية البدعية
стр. 568
ذات الجذور الوثنية، فيجعل منها ثوبًا للَّه تعالى اللَّه وتقدس:
(يارب اشهد
هذا ثوبك
وشعار عبوديتنا لك
وأنا اجفوه، أخلعه في مرضاتك
يارب أشهد) (١).
ويلوي رأسه مع خرافات وضلالات الصوفية واصفًا اللَّه تعالى بما يتنزه عنه -جلَّ وعلا- ونافيًا عنه ما اتصف به سبحانه، فيجعل اللَّه هو نور الكون، وينفي صفة العينين للَّه في سياق حوار مع من يسأله عن ذلك، ويجعل هذه الصفة بمثابة القفل على القلب في قوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢)، أي: كما أن العقل -عنده- ليس حقيقيًا فكذلك عين اللَّه تعالى ليست حقيقة، وهذا هو اعتقاد المعطلة وأشباههم ممن ضلوا في هذا الباب.
ثم يستطرد في كلامه جاعلًا نور اللَّه هو المصباح، وجاعلًا من نفسه بضعة من اللَّه -تعالى اللَّه وتقدس- بل جعل اللَّه تعالى متفرقًا في الناس، وهي عقيدة الحلول الإلحادية التي نهايتها جحد وجود اللَّه، وجعل الإنسان إلهًا مثل اللَّه تعالى، وهنا يلتقي المقصد الصوفي الزنديقي مع شقيقه الحداثي في الوصول إلى مآربهم الأصلية وهي جحد وجود اللَّه وربوبيته وألوهيته، وتأليه الإنسان والكون والحياة.
هذا كله قاله صلاح عبد الصبور في مسرحية الحلاج على لسان الحلاج:
(أراد اللَّه أن تجلى محاسنه، وتستعلن أنواره
فأبدع من أثير القدرة العليا مثالًا، صاغه طينا
стр. 569
وألقى بين جنبيه ببعض الفيض من ذاته
وجلاه، وزينه، فكان صنيعه الإنسان
فنحن له كمرأة، يطالع فوق صفحتها
جمال الذات مجلوًّا، ويشهد حسنه فينا
. . . فهذا حبنا للَّه
أليس اللَّه نور الكون
فكن نورًا كمثل اللَّه.
ليستجلي على مرآتنا حسنه
شرطي: مقاطعًا
ولكن شيخنا الطيب، هل ربي له عينان
لكي ينظر في المرأة؟
الحلاج: ولكن ولدي الطيب، هل قفل على قلبك
حتى ينطق القرآن
"أم على قلوب أقفالها"؟
شرطي آخر: أجدت الرد، كيف إذن تظن اللَّه.
بلا نعت بلا تشبيه
الحلاج: أظن اللَّه، كيف، ونوره المصباح
وظني كوة المشكاة
وكوني بضعة منه تعود إليه
الشرطي: أتعني أن هذا الهيكل المهدوم بعض منه
وأن اللَّه ﷻ متفرق في الناس؟
стр. 570
الحلاج: بلى، فالهيكل المهدوم بعض منه إن طهرت
جوارحه
وجل جلاله متافرق في الخلق أنوارًا بلا تفريق
ولا يُنقص هذا الفيض أدنى اللمح من نوره
شرطي ثالث: فأنت إذن إله مثله ما دمت بعضًا منه؟
الحلاج: رعاك اللَّه يا ولدي، لماذا تستثير شجاي
وتجعلني أبوح بسر ما أعطى
ألا تعلم أن العشق سر بين محبوبين
هو النجوى التي إن أعلنت سقطت مروءتنا
لأنا حينما جادلنا المحبوب بالوصل تنعمنا
دخلنا الستر، أُطعمنا، وأُشربنا
وراقصنا وأُرقصنا، وغُنينا وغَنينا
وكُوشفنا وكاشافنا، وعُوهدنا وعاهدنا
فلما أقبل الصبح تفرقنا
تعاهدنا، بأن أكتم حتى أنطوي في القبر) (١).
وفي المسرحية ذاتها يجعل اللَّه تعالى مظلومًا من قبل خلقه الظالمين وذلك في قوله على لسان الحلاج:
(أين المظلومين، وأين الظلمة؟
أو لم يظلم أحد المظلومين
جارًا أو زوجًا أو طفلًا أو جارية أو عبدًا؟
стр. 571
أو لم يظلم أحدٌ منهم ربه؟) (١).
هذه المسرحية الخبيثة تدور حول قضية حداثية أساسية وهي تدنيس قداسة اللَّه وَتَقَدّسَ-، بل لخص مقاصدها يوسف الخال في معرض إشادته بها وبصاحبها وذلك حين يقول: (خذ الحلاج عند عبد الصبور، لقد أراد أن يخلق مسيحًا في التراث الإسلامي، على الطريقة التي لدينا نحن المسيحيين كان الحلاج عنده مسيح الإسلام. . . فماذا لديك لتقول؟، إن اللَّه لا نعرفه نحن، عندما قال الحلاج: ما في الجبة إلّا اللَّه، فعلى الطريقة نفسها التي قال بها المسيح: أنا في الأب والأب في، فالمسيح والحلاج قالوا: إن اللَّه يمشي على الأرض، إنه إنسان، أنسنة اللَّه. . . من هنا أُدخل عبد الصبور في جماعة الشعراء التموزيين ولو لم يكن قد تكلم عن تموز مباشرة) (٢).
سبحان اللَّه عما يقول، وسلام على عيسى ابن مريم الذي كان عبدًا للَّه يدعو إلى عبادة الواحد الأحد الذي في السماء، وغضب اللَّه على من افترى عليه وكذب.
وفي مسرحية أخرى يتهكم باللَّه تعالى إلى حد بعيد، وذلك في قوله:
(يحرمني من نومي. . أشهى خبز في مائدة اللَّه) (٣).
وليس هناك ما يبرر له أن يعبر هذا التعبير بل كان في مقدوره أن يقول أشهى خبز في مائدة العين أو النفس أو الجسد أو الرغبة أو الإنسان أو أي شيء غير اللَّه تعالى، مما يدل على أن إتيانه باسم اللَّه تعالى أمرًا مقصودًا من أجل التنقص والتهكم، وتحقيق الاستخفاف، وتدنيس المقدس الذي يعد أصلًا من أصول الحداثة.
ومن هذا القبيل أقواله في مسرحية "مسافر ليل" الطافحة بسبّ اللَّه
стр. 572
تعالى عدوًا بغير علم، ونسبة الموت إليه وجعله كأحد من البشر، له بطاقة شخصية، قال -جازاه اللَّه-:
(يا عبده
قف واسمع وصف التهمة
أنت قتلت اللَّه.
وسرقت بطاقته الشخصية
وأنا علوان بين الزهوان بين السلطان
والي القانون) (١).
وقال:
(أنا مسؤول عن هذا الوادي كله
والشائعة تقول
رجل من أهل الوادي قد قتل اللَّه.
وسرق بطاقته الشخصية) (٢).
وقال:
(الراكب: سامح جهلي يا مولاي
ما معنى هذي الكلمة
عامل التذاكر: أي افقدك وجودك
أفهمت؟
ولهذا حين أقول:
стр. 573
أنت قتلت اللَّه.
لا أعني طبعًا -استغفره- انك قد. .
لا، ولكني أعني. . أنسرقت بطاقته الشخصية
وبهذا يتساوى الأمران) (١).
وقال:
(إن اللَّه تخلى عن هذا الجزء من الكون
لا يعطينا شيئًا قط
لا ينظر في هذي الناحية كما كان
قلنا: ماذا حدث لنا؟
قالوا: أحدهمو قد قتل اللَّه هنا
ولهذا فهو يخاصمنا
أعني -طبعًا- أحدهمو قد سرق بطاقته الشخصية
وانتحل وجوده
قلنا: نبحث لكن في السر) (٢).
اللهم غفرانك من كتابة هذه الأقوال الشنيعة الخبيثة، ولولا أن اللَّه قد شرع للمسلمين الرد على الكافرين وتفنيد أقوالهم الباطلة، وذكر سبحانه أقوالهم الكافرة في القرآن من نسبة الولد والصاحبة والفقر إليه -جلَّ وعلا-؛ لكان ترك هذه الأقوال البشعة أولى من ذكرها.
هذا وإن صلاح عبد الصبور لا يعد عند المدافعين عند الحداثة من الغالين، بل قد يعد تراثيًا -أحيانًا- وينسب إلى الفلسفات المثالية، ويعنون
стр. 574
بها الإيمان بدين، أو بما وراء الطبيعة حسب مفاهيم وألفاظ الفكر المادي الإلحادي، وها هي أقواله في اللَّه تعالى من أبشع وأخبث الأقوال، وليس لها وجه تأويل أو قبول في مقاييس الشريعة الإسلامية إلا أنها مما يوجب حد الردة، بل بعضها يوجب ذلك.
أمّا أدونيس فقد نقلنا من كلامه في الفصلين السابقين ما يؤكد سخريته باللَّه وتنقصه لجلال اللَّه تعالى وتهكمه بدينه وشريعته وعباده، وأقواله في وصف اللَّه بأبشع الأوصاف وإلصاق النقائص به كثيرة تدل على الفساد الاعتقادي المستوطن في قلبه، والرغبة الحاقدة في اجتثاث الإسلام، والبغض الدفين المستولي على كل لبه. .، ومما لا ريب فيه أنه لا يذر مجالًا من خلاله أن يكيد للإسلام والمسلمين إلّا سلكه بما يسمى شعرًا تارة، وبالنقد تارة، وبالكتابات الصحفية، وبالمؤسسات ودور النشر والإصدارات، والندوات والمحاضرات، وقد لقي -للأسف- آذانًا صاغية من أبناء المسلمين، حتى بعض الذين عرفوا انحرافه الاعتقادي وضلاله الفكري وعداوته الشديدة للإسلام نجدهم ينتقدونه في هذه القضايا ومع ذلك يستأسرون إلى أبعد حد لما يسمونه الغنائية الفكرية (١) في قوله:
(قافلة كالناي والنخيل
مراكب تغرق في بحيرة الأجفان
قافلة مذنب طويل
من جحر الأحزان
آهاتها جرار
مملؤة باللَّه والرمال. . .) (٢).
стр. 575
سبحانك يا قيوم السموات والأرض. . . وأي غنائية فكرية في هذا الغناء القذر؟.
إن تيار الحداثة ينطلق منذ البداية من مبدأ رفض الإسلام في كل صيغه ومعطياته الجوهرية، اعتقادية وتشريعية وسلوكية، وإن جاز الابقاء على المعاني الروحية وبعض القيم عند بعض الحداثيين والعلمانيين كطقس يمثل نوعًا من التراث الشعبي أو ما يسمونه "الفلولكلور" فإن أدونيس والخال والحاج وسميح الأناسم وجبرا والصائغ وتوفيق زياد وبسيسو وسعدي يوسف وأضرابهم يطرحون الإسلام ويعادونه -تطبيقًا- في أي شكل وعلى أي مستوى.
والصنف الأول ممن يبقون على الإسلام تراثًا أو ممارسة فردية لا ينطلقون في ذلك من توقيره أو إجلاله، بل ثمة حقائق موضوعية وتحولات اجتماعية يعيشونها حتمت على أصحاب هذا الاتجاه أن يتجنبوا الجحد المباشر الصريح والمناقضة الكاملة الفاضحة، التي يمارسها أساتذتهم وزملاؤهم من أصحاب التيار الحداثي العلماني اللاديني.
وأهم هذه الحقائق الموضوعية بقاء الشعور الديني في نفوس المسلمين، وتأثير الدعوة الإسلامية الشمولية المعاصرة، التي استطاعت أن تحقق نجاحًا كبيرًا في جماهير المسلمين، وشكلت تيارًا إيجابيًا فعالًا ومؤثرًا في طائفة كبيرة من المثقفين، وفي قاعدة واسعة من الجماهير المسلمة، مما يصعب معه البوح بكل مكنونات القلوب الحداثية العلمانية، المترعة ببغض الدين أو بعض شرائعه، والملأى بالشك والريب فيه وفي تاريخه وحضارته.
إن ثقافة الردة التي يحمل لواءها أدونيس وأشباهه ترتكز أول ما ترتكز على مهاجمة أصل الأصول وقاعدة القواعد الإيمانية: توحيد اللَّه -جلَّ وعلا- وقد ذكرنا توضيحًا لهذا بالشواهد فيما يتعلق بالربوبية والألوهية، وفي ذلك تنقص مقصود بمقام اللَّه -جلَّ وعلا-، فإذا انضاف إليه انحرافه الواضح في توحيد الأسماء والصفات، ووصف اللَّه تعالى أو تسميته بأوصاف وأسماء
стр. 576
النقص تبين لنا أي حداثة هذه التي يدعو إليها وينافح عنها مثقفو الأدب الحديث.
يصف أدونيس -أهلكه اللَّه- الباري -جلَّ وعلا- بأنه يولد، مضاهيًا قول الذين كفروا من قبل قاتلهم اللَّه أنّى يؤفكون، وذلك في قوله:
(كاهنة الأجيال، قولي لنا
شيئًا عن اللَّه الذي يولد
قولي، أفي عينيه ما يعبد) (١).
وتبلغ به درجة الخبث والقذارة إلى أن يصف اللَّه في أحط الأوصاف الخسيسة وفي أبشع المواضع، حيث يقرر بأن اللَّه يُشاهد في العملية الجنسية، وأنه يتحقق له في فرج المرأة أن اللَّه "تعالى وتقدس" لا يتناهى وذلك في قوله:
(يا شهدي، يا شهد الشهوة
يا أرضًا تجنى في خلوه
يا قبة
فيها كل نجيِّ يشهد ربه
يا قصرًا يعلو تحت الزغب
في أحشائك تيه يجرف رمل التعب
في أحشائك أحيا موج الجنس، اكابد سَوْرَة مده
أردُ العالم في لا حدِّه
في أحشائك أعرف أوقن آن الآتي
سرُّ حياتي
стр. 577
فيك أصور أبدع، أعلى آثاري
أوضح أعتم أسراري
فيك أنشّيءُ، فيك أحقق أن اللَّه.
لا يتناهي) (١).
ثم يختم هذا الخبيث بقول أخبث مخاطبًا المرأة وجسدها وأعضاءها الجنسية:
(يا مجهولي نامي، آن مسيري نحو اللَّه.
الضائع آن وصولي) (٢).
ينفث الطائفي النصيري الحداثي أنتن قذراته في هذه الكلمات الرجيمة، ويتطاول القزم الحقير على مقام اللَّه ذي الجلال والإكرام والقداسة والعظمة كما تطاول أسلافه الهلكى من الكفار والمشركين.
وما تطاوله هذا إلّا لأجل الوصول إلى الغاية الأساسية والمهمة التي تحمل أوزارها، ترى هل هناك ارتباط بين هذا الهجوم الفاضح وبين ارتباطاته بالطائفة النصيرية والجامعة الأمريكية في بيروت ومنظمة حرية الثقافة التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (٣)، وتتمثل تلك الغاية فيما خطه بيده الدنسة في كتابه الثابت والمتحول حيث قال: (. . . إذا كان التغيير يفترض هدمًا للبنية القديمة التقليدية، فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، وإنّما يجب أن يكون بآلة من داخله، إن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته) (٤).
وهذا هو الذي على عمله في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" حيث
стр. 578
حاول أن يستخدم شيئًا من التراث لهدم الإسلام، غير أنه لم يفلح ولن يفلح، فقد ركن إلى الشذاذ من الباطنيين والملاحدة والشاكين واتخذ منهم أساسًا لمنطلقه، ولن يفلح؛ لأن دين اللَّه محفوظ، موعود من اللَّه القدير بالنصر والتمكين ولو كره المجرمون.
غير أن ما يجب التنبيه عليه في هذا المقام، أن قاصري العقول من أتباع الحداثة والمدافعين عنها، يظنون أن الحداثة مجرد تجديد في الإشكال، ونمط تحديث في التعابير وأسلوب جمالي حديث، وفي الحقيقة أن الحداثة لم تتخذ ذلك غرضًا لها إلّا بعد أن اتخذت هدم الدين وتشويه الرسالة ومعارضة الشريعة أهم أهدافها بل أول أهدافها. . وإلّا فما وجه الارتباط بين التجديد في الأساليب والأشكال وهدم البنية الاعتقادية والثقافية والحضارية للأمة؟.
ولماذا لا نكاد نجد حداثيًا إلّا وهو مغموص في دينه وعقيدته بكفر بواح أو بنفاق أو بشكوك؟.
ولماذا لا نجد عند رواد الحداثة وأساتذتها ومعلميها أدنى توقير للَّه تعالى أو لكتابه أو لرسله الكرام أو لشريعة الإسلام؟.
ثم لماذا نجد عندهم مقابل ذلك الاحترام للوثنيات اليونانية والإغريقية والفرعونية والآشورية بل وحتى البوذية وجاهلية العرب قبل الإسلام؟، والإجلال والتعظيم لمبادئ الكفر ومناهجه المعاصرة؟.
وما تكون موجعة للإسلام والمسلمين إلّا كانوا في صفها، وما تكون ملمة ضد الدين وأهله إلّا فرحوا بها، وإن جاء فتح أو نصر أو تَمكين للمسلمين كشروا وغضبوا وضاقت نفوسهم وحصرت صدورهم.
وفي كتاباتهم الصحفية وتصريحاتهم العلمانية ما يؤكد كل هذا الذي ذكرناه.
إنه الهدم، والثورة على الإسلام، وإن تلبس بلبوس الثقافة والفن والإبداع.
стр. 579
فنحن أمة قد وهبنا اللَّه تعالى من خصائص التمييز بين الحق والباطل ما لم يهبه لغيرنا من الأمم، ذلك أن أمة الإسلام هي أمة الحق له تدعو وبه تهدي وتعدل: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ (١)، وليس بعد الحق إلّا الضلال، ولا بعد الهدى إلّا العمى ولا بعد الإيمان إلّا الكفر، ولا بعد التوحيد إلّا الوثنية، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ومن شواهد انحرافات أدونيس في هذا الباب ما كتبه في ديوانه عن حقيقة الإسراء والمعراج، حيث صور هذه الحقيقة تصويرًا أسطوريًا، وساقها سياقًا مملوءًا بالسخرية والتشكيك والأكاذيب والتهكمات الكثيرة، وذلك تحت عنوان "السماء الثامنة، رحيل في مدائن الغزالي"، ويعني بمدائن الغزالي الإسلام وقد تعهد قائلًا:
(أهدم كل لحظة
مدائن الغزالي
أدحرج الأفلاك فيها أطفئ السماء) (٢).
وصور المسلمين في صورة تخبط وضياع وخرافة، وأنهم يحملون جثث الأسلاف ويقصد تراث السلف، وأنهم تائهون والرمل في عيونهم -رمتني بدائها وانسلت-، يقول:
(مسافرون يخبطون
أين يذهبون؟
من جثث الآباء يحملون
تمائمًا
стр. 580
والتيه في أقدامهم طريق
والرمل في وجوههم عيون) (١).
ثم يبدأ بقصة الإسراء والمعراج قائلًا:
(شددت فوق جسدي ثيابي
وجئت للصحراء
كان البراق واقفًا يقوده جبريل، وجهه كآدم، عيناه كوكبان
والجسم جسم فرس، وحينما رآني
زُلزل مثل السمكة
في شبكة) (٢).
وليس هذا مجال دراسة ما في هذه المقطوعة من كفر وإلحاد، ولكن نأخذ منها ما فيه تهكم باللَّه تعالى وتنقص مما يخص هذا المبحث يقول جاعلًا نفسه هو الذي أسري وعرج به:
(وكان سيف النقمة المجبول بالدماء
معلقًا بالعرش، قلت: سيدي
ارفعه عن بلادي
فقال: تم الحكم والقضاء
وسوف يفنى شعبك الحنيف مثل زبد بالطعن والطاعون
لكنك المفضل الحبيب - أدمٌ
خلقته من طين
وكان إبراهيم لي خليلًا
стр. 581
وأنت لي حبيب
وموسى
كلمته وبيينا حجاب
وأنت تلقاني بلا حجاب
وإن أكن خلقت من كلامي
عيسى، فقد شققت من أسمائي
اسمًا لك، اقترنت بي
أعطيتك الكوثر
والحوض والشفاعة الكبرى) (١).
(دهشت؟ هذي قبة
سرير، من عنبر عليه حورية.
تضيء من خنصرها الحقول والفصول
هذي لن يموت شاهدًا
بأنك الرسول) (٢).
وفي لهجة ممزوجة بالكذب على اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، يتعدى هذا الباطني جميع الحدود، ويطرح أصناف خبثه. . . ليكون طليعة الجبهة الحداثية الساعية إلى هدم الدين من خلال التهجم على صفات اللَّه تعالى وأسمائه الحسنى، ففي النص السابق يجعل للَّه سيفًا من نقمة مجبول من دم، وهذه إشارة يصف فيها اللَّه تعالى بالظلم والقسوة، ثم يصف هذا السيف بأنه معلق بالعرش، ثم يكذب على اللَّه تعالى ويجترئ عليه اجتراء
стр. 582
المفتري، ويزعم أن اللَّه لقي النبي ﷺ بلا حجاب، مع أن سياق الكلام ليس عن شخص النبي ﵊، وإنّما عن نفسه وكأنه يقص قصة أسطورية، ثم يزعم أن اللَّه اشتق اسمًا من أسمائه ووهبه للنبي ﵇، وأنه اقترن به، تعالى اللَّه عما يقولون ويفترون علوًا كبيرا.
وبالمقابل نجد أنه يمجد نفسه ويطريها إلى حد التقديس ويضفي على ذاته من النعوت الخارقة ما لا يخطر بعقل، فها هو في مقطع بعنوان: "هذا هو اسمي" يقول في أوله:
(ماحيًا كل حكمة هذه ناري
لم تبق آية، دمي الآية
هذا بدئي) (١).
إذن فغايته الأصلية ومسعاه الأساسي محو الحكمة، وحرق الديانة وإبادة الوحي والآيات، هذه هي البداية التي ينطلق منها والنهاية التي يريد الوصول إليها، ولكنه -خيب اللَّه فأله- غير قادر على ذلك، ومن الذي يستطيع أن يطفيء وهج الشمس بفمه؟.
ثم يكرر مدائحه لنفسه من خلال اسمه الأصلي علي أحمد سعيد ويقول:
(قادر أن أغير: لغم الحضارة - هذا هو اسمي) (٢).
ويقول:
(أرى المئة اثنين أرى المسجد الكنيسة
سيافين والأرض وردة) (٣).
ويقول:
стр. 583
(قدست رائحة الفوضى) (١).
وفي تعالٍ وغطرسة متناهية يقول:
(وطني راكض ورائي كنهر من دم جبهة الحضارة
قاع طحلبي) (٢).
إلّا أنه يصل حد الكفر البواح والغرور الكفري الجامح في قوله عن نفسه:
(ورأيت اللَّه كالشحاذ في أرض علي) (٣).
ثم يقول:
(في طواحين الهواء
سقط الخالق في تابوته) (٤).
وفي مقطع آخر يتحدث عن اسمه الوثني "أدونيس" وعن الشعر والفكر الحداثي، على أنه مجد وفرحة، ومكر مثل مكر اللَّه تعالى وتقدس، يقول:
(لا مجد الغزوبل مجد الاستقبال
لا فرحة أن تغلب بل فرحة أن تحيا
لا توحش العنف، بل أنس مكر كأنه من مكر اللَّه. . .
. . . اقتربي أيتها الطالعة المحية، أما قرأت ". . . أول المحبة معنى أبداه سماه حسنًا، ثم أبدى شخصًا ألبسه ذلك المعنى، وسماه حسنا ثم قابل الحسن بالحب، والمتَحسِن بالمحب، والمستحسن بالمحبوب) (٥).
стр. 584
وتأبى عليه نزعته الباطنية إلّا الانحدار إلى وهدة أسلافه من الباطنيين الملاحدة، ففي أحد المقاطع الطويلة يتحدث عن النصيري الشلمغاني (١)، ويضمن كلامه في المقطع الذي يسمه شعرًا، ويقرر أقواله الإلحادية الحلولية التي تصف اللَّه تعالى بأبشع الأوصاف، يقول:
(يصلب الشلمغاني ويحرق
يكون من مذهبه
أ - اللَّه يحل في كل شيء حل في آدم وفي إبليس
ب - خلق الضد ليدل على المضدود
ج - الضد أقرب إلى الشيء من شبيهه
د - اللَّه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بالقلب
هـ - اللَّه اسم لمعنى
و- من احتاج الناس إليه فهو إله، لهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلهًا
ز- ملاك من ملك نفسه وعرف الحق
ويقول الشلمغاني
اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات
لا تناكحوا بعقد
أبيحوا الفروج
للإنسان أن يجامع من يشاء
стр. 585
ويقول الشلمغاني
اقرأو كتابي - الحاسة السادسة في إبطال الشرائع
الجنة أن تعرفوني
النار أن تجهلوني) (١).
وكل يميل إلى جنسه، وكل يأنس بأشباهه وأمثاله، وقد تشاكلت عقائد الخبث بين أدونيس والشلمغاني، كما تشاكلت عقائد الحداثيين العرب مع الملاحدة والإباحيين في بلاد الغرب، فانتحلوا منهم، وحاكوهم في ضلالهم، وصاروا نسخًا مكرورة عن أسيادهم وقد عبر بعضهم عن هذا بقوله: (حداثة الغرب النهضوية والعقلانية والعلمية كانت مفصلًا تاريخيًا هامًا في حياة البشرية أعادت الاعتبار للإنسان) (٢).
وإذا كانت هذه نظرتهم وهذا هو معيارهم فإنه بلا ريب قد أتموا أدوار المحاكاة والتبعية إلى حد الانجرار الكامل والتلقي البليد، تقول صاحبة المقولة السابقة: (وجاء دور كهايم (٣) ليعلن أن المجتمع هو اللَّه واللَّه هو المجتمع)، وقد تبع العلمانيون والحداثيون العرب هذه المقولة وقلدوها وأنزلوها على وقائع عديدة وأحوال كثيرة، واستخفوا باللَّه تعالى فوصفوه بالنقص، وجعلوه -جلَّ وعلا- هدفًا لسخريتهم واستخفافهم، وجعلوا من هذه السخرية والاستخفاف منطلقًا لسائر ضلالاتهم الاعتقادية والعملية.
стр. 586
بيد أن تقليدهم للغرب قام على سوقه في أبواب الفلسفات والعقائد والمبادئ والأفكار، ولم يفلحوا أدنى فلاح في اقتباس ما يلزم للنهضة التقنية والإدارية، بل غرقوا في حمأة الفلسفات الإلحادية والمادية والإباحية التي زعم الغرب أنها هي أصل التقدم التقني.
وما الحداثة التي اخترمت حيزًا من أبناء المسلمين وألقت بهم في أتون الشكوك والجحد والرفض والوجودية، إلّا صورة من صور الاقتباس والنقل الذي مارسته المدارس الحداثية العربية.
لقد أخذوا الحداثة بأوصابها وأخلاطها وإلحادها وفضائحها وضياعها، وهذا ما عبر عنه أحدهم قائلًا: (لعل إشكالية الحداثة هي الأكثر لبسًا بين الإشكالات الثقافية والفنية إلتي شهدتها لوحة الثقافة العربية الراهنة.
ويبدو أن هذا اللبس والغموض المحيط بها ليس سمة الحداثة في حقل تداولها الاصطلاحي والدلالي العربي فحسب، بل هي ولدت في سياقها الغربي متلبسة باللبس والشك والقلق، والعقل المزدحم بتمزقاته وانشراخه في إضفاء التجسيد والحسية على عالم المجردات، عبر التعايش المأزوم تجاه الكامن في داخل الإنسان الحديث، الذي يعيش حالة تضاد بين نزعة مضادة للطبيعة وحنين متعاظم تجاه هذه الطبيعة الضائعة حيث لا أفق سوى العدمية والاستلاب، بعد إعلان نيتشه موت اللَّه وموت الجمال معه، والفن لم يعد يعوض عن الحياة بل يساهم في تعميق الاستلاب نحوها، فسيموت الفن تاركًا إيانا في العراء، حيث الشمس السوداء للسأم والسوداوية شمس الفرح الحمراء وقمر الكارثة الشاحب، فالعالم لا يزال مقلوبًا على الرغم من حلم ماركس بإقافه على قدميه. . .
إن الباحث وهو يجهد لاكتشاف خصائص ومميزات الحداثة وسط العوالم القاحلة والعراء الروحي إلّا من الشمس السوداء وقمر الكارثة الشاحب لابد أن يقر بصعوبة الإحاطة بكليتها عبر تناقضاتها وتفتت رؤيتها لذاتها وللعالم. . . وهي إذ تطمح لإلغاء الطبيعة عبر تشييئها التقني لا تلبث أن تنتحب حنينًا إلى فردوس الطبيعة المفقود، فقد اغتالت اللَّه والجمال
стр. 587
والأخلاق والفن وراحت تندب وترثي ما اجترحته يداها. . .) (١).
وهذا النص يثبت عدة أمور:
الأول: أن الحداثة العربية ليست سوى صورة منقولة من الغرب.
الثاني: أن الحداثة ولدت وهي ممتزجة باللبس والشك والقلق والانشراخ والتشاكس، وذلك وفق منبتها في الأرضية الغربية المادية التي نبتت فيها.
الثالث: أن الحداثة ارتكست في عالم المادة والحسية، ونشأت على ذلك، فأنتجت ثمرات العدمية والجفاف والضياع والسأم والانحطاط.
الرابع: أن الحداثة تقوم فكرتها على إلغاء وجود اللَّه تعالى وألوهيته.
الخامس: وصفه للَّه تعالى بالموت، وأن الحداثة قد اغتالته، كذب قائم على المبدأ التنقصي الذي تشيعه الحداثة العربية وتقوا عليه وتدعو له.
السادس: الإقرار بأن الحداثة عديمة الخلق، ضائعة السبيل، تائهة المقصد، مدمرة للخلق والفن والجمال، وفي هذا ما يرد كل المزاعم التي يدعيها أزلام الحداثة وأتباعها في الجماليات الفنية والغنائيات الفكرية حسب تعبيرهم.
أمّا الزعم الكافر والوصف الملحد في أن اللَّه تعالى مات أو اغتالته الحداثة فقول تافه وفكر منحط وفضدة إفرازٍ مادي، نسأل اللَّه السلامة من هذا الكفر ومن أتباعه والمحامين عنه والمعتذرين له.
فهل يرضى مسلم هذا الكفر البواح؟ وقد اشترى اللَّه من المسلمين دماءهم وأموالهم لنصرة دينه ورفع لواء شريعته وكبت الكافرين، وهل فقد المسلمون حمية الإيمان، والإحساس بالكرامة؟ وهم يسمعون ويقرأون مثل هذه الأقوال التي تنز خبثًا ومكرًا وكفرًا وتستفز المسلمين في دينهم أصل
стр. 588
عزتهم، وفي عقيدتهم وتاريخهم وتراثهم وحضارتهم وأمتهم، وكل معالم مجدهم وسؤددهم؟!.
وقد سردنا أمثلة عديدة لذلك، وما زالت جعبة أهل الحداثة مليئة بسهام الزيف والضحالة والارتداد، بل لا تفتش أحدًا منهم إلّا وتجده يجاهر بالكفر أو يلحن بأقوال تدل على قرارة نفسه السوداء ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١).
فها هو المتردي نصر حامد أبو زيد يسخر من صفة علم اللَّه -جلَّ وعلا- فيقول متهكمًا: (وأمّا الحديث عن أسباب النزول أو النسخ فقد كان ذلك معلومًا للَّه منذ الأزل ثم تركب التنزيل على الوقائع في خطة إلهية محكمة معدة سلفًا) (٢).
ويواصل سخريته قائلًا: (بل إن كل ما نقول الآن من أقوال وما قيل قبل ذلك وما سيقال معلوم للَّه مراد له، فكل ما في الكون من أشياء وأحداث ووقائع وأفكار وعبارات مراد له وجزء من كلماته التي لا ننفذ كما ورد في القراءات) (٣).
ثم ينسرب بعد هذا كله ليقول بأن نسبة القرآن إلى اللَّه تعالى غير قطعية، بل هي تبرير ديني لوضع اجتماعي، وأن القرآن استمد القداسة من الامتداد التراثي والعبق التاريخي، والوهم بأن ذلك هو الإسلام ذاته.
ثم يتكئ اتكاء العاجز عن الحجة والبرهان إلى أقوال المعتزلة في زعمهم الباطل أن القرآن مخلوق، ويصف هذه البدعة بأنها فكرة حيوية وحضارية، وأنها هي التي أبدعت وأنجزت الإنجازات التي أفادت منها أوروبا فيما بعد!!.
يقول: (. . . كان المعنى النقيض الذي ساد بعض الوقت ثم تم
стр. 589
تهميشه بعد ذلك هو أن القرآن حادث مخلوق ارتبط إيجاده وإنزاله بحاجة البشر وتحقيقًا لمصلحتهم، ومن السهل أن ندرك أن هذا المعنى النقيض كان جزءًا من بنية فكرية أخرى تطرح رؤية للعالم والطبيعة والإنسان تتسم بالحيوية والديناميكية. . . وغني عن القول أن تلك الرؤية النقيضة هي التي أبدعت وأنجزت في مجال المعرفة العلمية تلك الإنجازات التي أفادت منها أوروبا. . .
وإذا كان معنى قدم القرآن وأزلية الوحي يجمد النصوص الدينية ويثبت المعنى الديني، فإن معنى حدوث القرآن وتاريخية الوحي هو الذي يعيد للنصوص حيويتها، ويطلق المعنى الديني -بالفهم والتأويل- من سجن اللحظة التاريخية إلى آفاق الالتحاق بهموم الجماعة البشرية في حركتها التاريخية. . . إن القول بحدوث القرآن يظل ذا أهمية تاريخية من حيث المعنى والدلالة. . . الذي ندعو إليه هو عدم الوقوف عند المعنى في دلالته التاريخية الجزئية، وضرورة اكتشاف المغزى الذي يُمكن لنا أن نؤسس عليه الوعي العلمي التاريخي.
إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية) (١).
في هذا النص المليء بالمغالطة والكذب والضلال والانحراف تساوق مزدوج يبدأ من ذيول المعركة الخاسرة بين أهل السنة والمعتزلة، وينتهي إلى المعركة العلمانية الحديثة التي سوف تنتهي بالهزيمة للضلال كما انتهت قبلها كل معارك الكفر ضد الإسلام.
وإذا كان علماء المسلمين في القرن الماضي شنوا هجومهم المبارك على المستشرقين وكشفوا بالحقائق والبراهين زيفهم وكذبهم وتحاملهم، فإنهم اليوم في حاجة شديدة إلى حملة أخرى ضد أذيال المستشرقين والملاحدة الغربيين من أمثال هذا الأفاك.
إن نفيه لصفة العلم للَّه تعالى وتهكمه بها، ثم نفيه لصفة الكلام وجعله
стр. 590
القرآن مخلوقًا، ثم زعمه بأن قول أهل السنة هو أن القرآن قديم، كل ذلك من الكذب المفترى والإفك المبين، وهو نموذج من نماذج الحداثة الفكرية التي يراد لها أن تكون هي السائدة والشائعة، من خلال هيمنة سياسية عميلة، وإعلام مسخر للشر والفساد والإفساد، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه العلي العظيم.
وإذا كان نصر أبو زيد قد استعذب أقوال معلميه من الملاحدة الكافرين فأضحى مرددًا لها، فإن في حقائق العقل ويقينيات الدين وقطعيات البراهين ما يدحض أوهامه التي يحاول أن يصورها في شكل علم وبرهان، وهي في الحقيقة ليست سوى دعاوى مدعمة بأدلة الكذب والأوهام.
إن غاية مراده من كل أباطيله أن يصل إلى جعل الدين ونصوصه المقدسة مجرد نصوص لغوية -كما قال- يُمكن نقضها ونقدها ومخالفتها ومحاربتها تحت شعار أنها ذات (. . . دلالات مفتوحة وقابلة للتجدد مع تغير آفاق القراءة المرتهن بتطور الواقع اللغوي والثقافي) (١).
وما دمنا نتحدث في مجال وصف أهل الحداثة للَّه تعالى بأوصاف النقص، فإن من المناسب أن نذكر بعض مرامي هذا المفتري في كلامه السابق. .، فإنه بعد أن قدم بتلك المغالطات الواضحة واستند إلى أقوال المعتزلة مبجلًا مطريًا، أعاد باطله في صيغة أخرى حيث قال: (. . . فالقرآن كلام اللَّه وكذلك عيسى ﵇ رسول اللَّه وكلمته. . .، وإذا كان القرآن قولًا ألقي إلى محمد ﵇، فإن عيسى بالمثل كلمة اللَّه. . .، والوسيط في الحالتين واحد وهو الملك جبريل الذي تمثل لمريم بشرًا سويًا وكان يتمثل لمحمد في صورة أعرابي، وفي الحالتين يُمكن أن يقال: أن كلام اللَّه قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين: تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في
стр. 591
الإسلام نصًا لغويًا في لغة بشرية هي اللغة العربية، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًا، أو تأنسن الإلهي) (١).
ثم يكرر القول: (أصبحنا في موقف يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة. . . وإذا كنا هنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية فإن هذا التبني لا يقوم على أساس نفعي إيديلوجي. . .) (٢).
إن منتهى هذه الأقوال نفي الدين بكامله، وجحد الألوهية بالكلية، ومناقضة الإسلام تمام المناقضة، لكن بطريق متلوي وتحت مسميات الدراسة اللغوية والألسنية البنيوية، فنفي صفة الكلام للَّه وجعلها مخلوقة، والخلط بين كلام اللَّه تعالى الذي هو صفة من صفاته ومنه القرآن العظيم وبين المخلوق بأمر اللَّه تعالى وهو عيسى ﵊، كل ذلك من أبواب التلبيس والتدليس والمغالطة.
فاللَّه -جلَّ وعلا- خالق، وكل شيء سوى اللَّه تعالى وصفاته مخلوق، وكلام اللَّه صفة من صفاته والقرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق، وعيسى ﵊ مخلوق وبأمر من اللَّه وكلام منه -جلَّ وعلا- وأمر وكلامه من صفاته وليست مخلوقة، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٣) فقد فرق -جلَّ وعلا- بين الأمر والخلق ليدلنا على أن الأمر غير الخلق ولو كانا شيئًا واحدًا لما فرق بينهما.
ولسنا هنا في مقام الدحض لأقوال أبي زيد على طريقة محاجة أهل السنة لمخالفيهم من أهل الملة؛ لأن كلامه ينبع ويصب في حقول الإلحاد المظلمة، ويكفيه إلحادًا أنه جعل كلام اللَّه تعالى مخلوقًا بل جعله مجرد نصوص لغوية مثل الشعر والقصة والرواية، بل تبنى القول ببشرية النصوص الدينية حسب تعبيره، وواحدة من هذه تخرج من الملة فكيف وقد اجتمعت كلها؟!، نسأل اللَّه العافية والسلامة، ونعوذ باللَّه من الكفر وأهله.
стр. 592
وعلى منوال التنقص الذي اتخذته الحداثة شعارًا لها وأساسًا لمنطلقاتها، يتحدث حسن حنفي عن صفات اللَّه تعالى باعتجارها مجازًا في حين أن صفات المخلوق -كما يزعم- حقيقة، مستندًا إلى أقوال بعض المبتدعة من السابقين، زاعمًا أن سؤالًا وجه إلى أحد علماء اللغة القدامى: (والسؤال هو: أيهما أصح؟ هل اللَّه عالم قادر سميع بصير متكلم مريد بالحقيقة، وأنا كذلك بالمجاز؟ أم أن اللَّه عالم قادر حي سميع بصير متكلم مريد بالمجاز، وأنا كذلك بالحقيقة؟)، ثم يقول بأن عالم اللغة هذا انتهى: (لأن يقول بأن الرأي الثاني هو الأصح. . . إن هذه أشياء حقيقة عندي، فأنا أسمع وأبصر وأتكلم وأريد، ولما أردت أن أقيس على الشاهد وصفت اللَّه كذلك فأنا كذلك في الحقيقة وهو كذلك بالمجاز، فكل الوحي مجاز، وكل لغتنا مجاز وكل كلامنا مجاز، وهو تقريب لفهم الواقع، وتلك هي أهمية الخيال) (١).
فما دامت صفات اللَّه عنده مجاز والوحي مجاز في حين أن الإنسان حقيقة، فإن مؤدى هذا القول الضال أن اللَّه تعالى ليس بحقيقة ولا وحيه حقيقة، بل ضرب من ضروب الوهم والخيال.
بل يصل به التنقص للَّه تعالى والسعي لهدم دين الإسلام ونقض عراه أن قرر بأن أي كلام تقوله يصح أن يكون قرآنًا، وذلك في قوله. (. . . الحداثة تبدأ بالالتحام المباشر مع الواقع، فالبنسبة لقضية فلسطين، هل أنك تحتاج إلى العودة إلى القرآن والحديث لتنادي بالتحرير؟ وفي قضية الشعر والفن، هل أنت محتاج إلى نص قرآني أو حديث نبوي لكي تعرف أو تجد حلًا لقضايا الشعر والفن وقضايا الوحدة والتجزئة، قضايا الهوية والاختلاف. . . الخ، وهذا يعني بأن الإلتحام المباشر بالواقع يجبُّ أحيانًا كل نص، بل إنك كما قال مالك بن أنس (٢): "ما رآه المسلمون حسنًا فهو
стр. 593
عند اللَّه حسن" (١) قل أنت: قال اللَّه في كتابه الكريم: يا شباب الحجارة ويا أطفال الحجارة استمروا، ويكون كلامك صحيحًا. . .، إن المسلم يجوز له أن يضع نصًا يعبّر به عن مقصدٍ في الواقع ويكون مصدرًا للحكم) (٢).
إنه يقرر بكل استخفاف وسخرية بأن الإنسان يُمكن له أن يقول أي كلام فيصبح هذا الكلام قرآنًا أي يصبح مثل كلام اللَّه.
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ (٣).
ومن أخبث أقوال حسن حنفي في هذا الصدد قوله في صيغة إعجاب بالصوفية في ندوة "الحداثة والإسلام": (. . . والصوفي يتحدث بحرية تامة مع اللَّه، ويتكلم عن علاقته العشقية مع اللَّه، وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى، اللَّه يعامله جنسيًا وهو يعامل اللَّه جنسيًا. . .) (٤).
أمّا نزار قباني فإنه يصف اللَّه تعالى بالجهل وعدم المعرفة بالإنسان وقلبه وعواطفه، وذلك في قوله: (. . . القلب الإنساني قمقم رماه اللَّه على شاطيء هذه الأرض، واعتقد أن اللَّه نفسه لا يعرف محتوى هذا القمقم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت) (٥).
ويصف اللَّه تعالى بأنه دبيب شعري وإيقاع، وأن موت القصيدة هو موت للَّه تعالى، إلى آخر كلامه النجس الدنس المليء بالكفر والضلال،
стр. 594
حيث يقول: (إن اللَّه عندي هو دبيب شعري، وإيقاع صوفي داخلي، والشعور الديني لدي، هو شعور شعري، والكفر عندي هو موت صورة اللَّه القصيدة في أعماقي) (١).
ويبلغ به التهكم والتنقص باللَّه تعالى أخبث غاية حين يقول: (. . . وماذا يكون الشعر الصوفي سوى محاولة لإعطاء اللَّه مدلولًا جنسيًا) (٢).
أمّا النصراني يوسف الخال فقد قرر بأن مسرحية الحلاج لصلاح عبد الصبور تصل إلى قاعدة نصرانية ويفسر ذلك بقوله: (عندما قال الحلاج: ما في الجبة إلّا اللَّه، فعلى الطريقة نفسها التي قال بها المسيح: أنا في الأب والأب فيّ، فالمسيح والحلاج قالا إن اللَّه يمشي على الأرض، إنه إنسان، انسنة اللَّه. . .) (٣).
سلام اللَّه وصلاته على المسيح عيسى ابن مريم، فقد كذبت عليه النصارى وافترت، كما كذبوا على اللَّه -جلَّ وعلا-.
وإن من التدنيس أن يقرن نبي اللَّه عيسى ﵇ بالزنديق الحلاج، ويجعلان في سياق اعتقادي كفري واحد، نزه اللَّه نبيه عن ذلك.
أمّا وصف اللَّه بأنه يمشي على الأرض وأنه إنسان فوصف كفري من كافر ملحد، ولكنه إضافة إلى ذلك، يعد من أصول مبادئ الحداثة العربية، وهو ما يعبرون عنه بتأليه الإنسان وأنسنة اللَّه كما قال يوسف الخال، فسبحان اللَّه العظيم وتقدس الملك القيوم عما يقولون.
وفي سياق استخفافِ وتنقصِ يوسف الخال باللَّه الجليل، يقرنه بالمرأة، ويجعل وصف المرأة وصفًا للَّه -جلَّ وعلا-، يقول: (ليس ضروريًا أن يصف الشاعر امرأة يحبها، أن يصف عينيها وصدرها وجسدها،
стр. 595
العيون الخضر والقامة البيلسان وما إلى ذلك، من وحي هذه المرأة قد يكتب قصيدة عن اللَّه) (١).
أمّا عندما يزعم إمعات الحداثة من أبناء المسلمين أن رواد الحداثة من النصارى قد تخلو عن عقائدهم القديمة في الصلب والتثليث فإنا ننقل لهم بعض أقاويل الخال المشبعة بعقيدته النصرانية، وما النص السابق إلّا واحدًا من نصوص كثيرة، منها قوله في تمجيد الأولمب وأثينا وما نتج عنها من فكر ونظام:
(يا لفتحٍ للفكر مهد للحق
سبيلًا وزف خير البشائر
هو ذا اللَّه عن خطاياي مصلوبًا
يريني وجه المحبة سافر
فالتقى العالمان: الشرق والغرب
وشدّا على الوداد الأواصر
بفداء من المحبة سمح) (٢).
فها هي كلماته الزائفة تنضح بالنصرانية المحرفة، وتضج بالانحراف في وصفه اللَّه تعالى بالصلب، وفي ربطه التقدم والحرية بالعقائد الوثنية والخرافات النصرانية.
ويَمضي في تخبطاته الإلحادية واصفًا العظيم الجليل -جلَّ وعلا- بأنه أُنزل على الأرض، وأنه مات، وفق قاعدة الحداثيين والعلمانيين الملاحدة الذين يجعلون ذلك أساسًا لمنطلقاتهم الإبداعية والفنية والفكرية فيقول -متحدثًا عن الإنسان وطموحاته-:
(وكم تاق إلى الفعل فأعلى
стр. 596
هرمًا، أو أنزل اللَّه على الأرض
إلهي حينما مات ألم
يشفع به الوهم الذي كانا) (١).
وفي مقطع له بعنوان الحوار الأزلي، يخاطب اللَّه تعالى بخطاب مليء بالشك والريب والاستخفاف والنقص، وهو مقطع يُمكن من خلاله تلخيص مقاصد الحداثة ومآربها الاعتقادية ومشاريعها، ورموزها التي تتخذها للتعبير عن التخلف مثل الرمل والتماسيح والظلام والبوم والغربان والغيم الأسود والطوفان، وأخرى للتعبير عن التقدم مثل النور والبحر الذي هو الغرب.
وهو مقطع يتحدث فيه عن نشأة الإنسان وذكر فترات حياته وفق النبوات، ويصف اللَّه بأنواع كثيرة من النقص والازدراء بدءًا من سؤاله في المطلع:
(متى تُمحى خطايانا
متى تورق آلام المساكين؟
متى تلمسنا أصابع الشك؟
أأموات على الدرب ولا ندري) (٢).
ثم يقول على طريقته وعقيدته النصرانية:
(إذا ما استفحل الشر:
صليب اللَّه مرفوع على رابية الدهر) (٣).
ونحوه قوله:
стр. 597
(صليب اللَّه لم يمح خطايانا) (١).
ثم يسأل سؤالًا كافرًا:
(متى يعرى، إله ملأ العين
إله يمت بعد. . .) (٢).
ثم يعود إلى مذهب الحداثي الذي سماه قبلًا "أنسنة اللَّه" تعالى اللَّه وتقدس فيقول:
(وهذا الزاحف العاري أإنسان؟
أإنسان على شاكلة اللَّه؟
أراه قُدّ من لحم الشياطين) (٣).
ثم يجتريء في وقاحة فيصف اللَّه -جلَّ وعلا- بالموت ويجعله لحمًا وخبزًا ودمًا وخمرًا يؤكل ويشرب، تقدس اللَّه وتنزه عما يقول الحداثيون:
(غراب البين لم يرحم ضحايانا
ولم ينهض من القبر سوى اللَّه.
سوى شيء هو اللَّه، أكلنا لحمه
خبزًا، شربنا دمه خمرًا
فما أشبعنا الخبز
ولا أسكرنا الخمر) (٤).
وهكذا تنشأ الحداثة في هذه المراتع الوخمة، وعلى أيدي هؤلاء الحاقدين، أعداء الدين والإنسانية وحلفاء الرذيلة والشيطان، وعلى هذه
стр. 598
النماذج تتكون أفكار وعقائد الحداثيين ومشروعاتهم.
ومن أقواله في وصف اللَّه تعالى بالنقص قوله:
(ندق بوابة النعيم
تنزف أيدينا
يقال هذا حظنا القديم
واللَّه صامت فينا) (١).
وقوله:
(واللَّه في ديارنا مشرد
يود لو أن يدًا جريئة
تعيده) (٢).
وقوله:
(وحين أموت خذوا جسدي
ولا تدفنوه
لئلا يقوم مع الفجر يومًا
ويكشف سر الإله
مع الشوق يحلو لنا الانتظار
وإن فرغت خمرة في الكؤوس
فها هو ذا الرب بين الحضور. . .
وفي الحب تنكشف الأحجيات
стр. 599
فلا يتدحرج صخر القبور
ولا يصعد اللَّه نحو السماء) (١).
وأمّا محور كلامه عن اللَّه فهو يبدأ ويعود إلى وصفه -جلَّ وعلا- بالموت من جنس قوله:
(ونعش الإله القديم) (٢).
وهذا المحور الذي يدور كلامه عليه، هو المحور ذاته الذي تدور عليه قضية الحداثة من أولها إلى آخرها، وإن زعم المغفلون غير ذلك.
والشاعر التموزي النصراني الحداثي الآخر جبرا إبراهيم جبرا أستاذ الجيل الحداثي ومفخرة الأدب الحداثي، له في هذا المسلك الشائن مثل الذي لأشباهه، ومن ذلك قوله عن المرأة المحتشمة:
(اتلك التي وراء الجدار المهدم قلت لها
حديقة اللَّه في هذا الجسد) (٣).
وهذه إضافة تدنيس وتنقص، مثل قوله:
(في وجه الفضاء والأفنان العوالي تنحني
كأقواس الكنائس الشواهق
واللَّه يهدر صوته بين الشجر) (٤).
وفي مقطع كتبه بالأحرف اللاتينية (AGNUS DEI) وترجمتها "قتل الإله" (٥)، أو "لا أدري" الإلحادية المنسوبة لمذهب اللاأدرية الذي سبق الحديث عنه، يقول:
стр. 600
(يا حمل اللَّه الحاملَ خطايا العالم
قطّر دمعنا لفظًا) (١).
وثالث أثافي الشر الحداثي النصراني "توفيق صايغ" يستخدم كل وسائله التصريحية والتلميحية، ومصطلحاته النصرانية في سياق تهجم وتنقص باللَّه تعالى، فمن ذلك قوله:
(أأنا الملومُ
إن أنت نفيتني
وأنت وصمتني
وقلت: فتش عن الفداء
وسقت عني الفداء
أأنا أصفّد
لدخولي منزلًا
أنت عينته لي
ومفتاحك أدخلني فيه؟
أناتك يا واصمي
رضيت الوصمة
وكفارة وسّعت وصمتي
أفلا يكفيك هذا
إلهي ألا يكفيك؟) (٢).
وقد أثنى سعيد عقل (٣) على هذا الكفر الأصلع وامتدح هذا الظلام