فاللَّه بلا حاجب
اللَّه هو النهر الصاخب
وهو الليل الغاضب
وهو الشمس المنظورة
والأفلاك اللامنظورة
والريح المنشورة، والروح السارب
اللَّه هو الإيماء والحركات
هو الرمز المنقوش على إحداق الطير
وأشجار الغابات
اللَّه هو الكلمات) (١).
ونحو ذلك قوله:
(يا غابة الرجال
أيها المقاتلون
اللَّه في آفاق هذه العيون المشمسة
اللَّه في أجنحة الحرائق المقدسة
في عزة الصدور، والسواعد القوية
اللَّه في كرامة الأرض، وفي
عدالة الثأر، وفي الحرية) (٢).
ويقول:
стр. 632
(ولكن صوتك الساطع
مثل الشمس في شعري
ومثل اللَّه والإنسان
والشيطان في ذاتي) (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
ويقول:
(لماذا يا معيتيقه
يجيء القادمون، وينصبون خيامهم
في سهلنا، ونهد خيمتنا، ونرحل كلما جاؤوا
لأن العشب عشب اللَّه.
- ونوغل في المجاعات الجديدة
كلما ارتفعت مشاعلهم
لماذا يا معيتيقه؟
- لأن الفعل فعل اللَّه) (٣).
ويقول ممدوح عدوان:
(حين يضيع الخبز بين اللَّه والناس) (٤).
ويقول:
(سقطت في المرآة
стр. 633
باغتني كالبرق وجه اللَّه) (١).
وله مقطع استرسل فيه ساخرًا باللَّه تعالى، وواصفًا له -جلَّ وعلا- بالنقائض في كلام سخيف هابط، وعبارات محشوة بالهذر والغثيان والكفر والضلال، يقول:
(ويباغتني اللَّه في نعمة
تنتقي صفوة القوم
كيف أصدق أن لدى اللَّه نبع حنان
ولا يتطلع يومًا إلى قهرنا؟
ولا يرى البشر الساكنين زرائب؟. . .
. . . وكيف تغافل كي لا يرى الآكلين النفايات
في مدن من مناسف
لا يسند القلب في ضعفه
تحت عبء الهموم
إلهي الذي قيل لي إنه صاغني مثله
كنت أرغب لو صغته شبهي
كنت أسكنته وطنًا
يتفنن كيف سيبكيه في كل يوم
يشكك في خلقه
ويطالبه أن يصفق للظلم
يجبره أن يحب العدو
стр. 634
وأن يتقلص خوفًا أمام الجنود
وأن يتجاهل كيف تضيق عليه الحدود
وكنت أطالبه أن يحب بلادًا تجاهره كرهها
ثم تمنعه لقمة لكرامته
وأطالبه أن يحب بلادًا تفاخره عريها
فتبارك هذا الإله
الذي كان يرفض أن يتمرغ في عيشنا
لم يكن يتقن اللعب فوق المزابل
لم يعرف السير في قسوة الوعر
لم يعرف النوم جوعًا
ولم يعطنا ما يواجه هذا البلاء
ها هو اللَّه يأتي أخيرًا على هيئة الطير
ينقر أرواحنا
كيف لم نره أمسى
حين قضينا طوى ليلة نتضور
كيف توارى عن الحلم
لم يأت في قلمة أو رغيف
وكيف مضى دون أن نتعلم
وأمسكتني، قلت لي: اللَّه يرزق
يجزي الثواب لعبد صبور
ولكنه اللَّه أنسى بنيه العقاب
стр. 635
فلا تحسبيه علينا ولا تحسبينا عليه
ابحثي عن سماء بها اللَّه.
فاللَّه لم يتحدر إلى الأرض
أو فابحثي عنه في وصفه
لم يكن غير رب غني
فروحي إلى الأغنياء تريه. . .
فإلى أي رب سيلجأ أبناؤه الفقراء؟
. . . أتلفت نحو بلادي. . . وأجهش
ما همني سمع اللَّه هذا النشيج إذن؟
أم تصامم؟
إن كان لا يتنازل أن يمسح الدمع
أو أن يهدئ في ليلة وجعي. . .
. . . سألوا اللَّه عن علة الأمر
لم يستمع، ثم في ليلة
كان أفقرهم خائفًا من عيون الطيور
رأى اللَّه في طلعة للهلال
فقال: إذن. . ذاك ربي يطاردني
سوف يفضحني
كيف يبقى إلهًا مضيئًا
وكل الذي في حياتي عتم
وضوء الطغاة وراء حصون مدججة
стр. 636
سوّرتها الديانات بالصلوات
وكانت قرابينها بشرًا أبرياء) (١).
ونقلت هذا الغثاء الزائف كله من أجل تأكيد قضية أن الحداثة ليست انفصالًا عن الإسلام والإيمان فحسب، بل ومناقضة لذلك تمام المناقضة، بل إنها في أوليات منطلقاتها تسعى لنقض الإسلام وتهدف إلى هدم الديانة، ويقوم نسيجها الفكري على كل شيء سوى الإسلام، وفي داخل أدغالها وسراديبها ومتاهاتها يجد الفاحص أصوات السقوط الاعتقادي، ونظرات السلخ الفكري، ونظريات الكفر والإلحاد، أنفاس لاهثة، ونفوس هائمة، وقلوب مظلمة، وأفكار جاهلية، تقوم أساسًا على إدانة الدين، ورفض الحق والخير والهدى والرشاد، وتبرير الجهل والانحطاط، وتسويغ الردة والضلال.
فخاخ منصوبة نُسجت أحابيلها من قصائد ودراسات نقدية ومقالات وقصص وروايات، يقع في شراكها حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام زائغوا القلوب والعقول، أتباع الشهوات، أرباب الشبهات.
ادعو أنهم جاؤوا من أجل التقدم والنهضة والرقي، فإذا هم ليسوا سوى طلائع عدو، وإفرازات عداوة، وإرهاصات حرب شاملة.
يحملون أسماء المسلمين من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، لكن عقائدهم غير عقائد المسلمين، وأفكارهم تناقض جوهر الدين الحنيف دين الإسلام، وطموحاتهم في إزالته من الوجود أو تهميشه، من خلال المهاجمة الواضحة لدين اللَّه والاستخفاف الجلي باللَّه العظيم -جلَّ وعلا- وتقبيح الوحي المعصوم، وتشويه الاستمساك بالوحي، وتزييف حقائق الدين -والدين كله حقائق- ومقاومة قواعده وأصوله، كل ذلك في تبجح ظاهر، وجرأة وقحة، وسفاهة معلنة ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢).
стр. 637
- ومنهم أحمد دحبور الذي شارك في وقاحة الحداثيين ضد اللَّه تعالى، ومن أقواله:
(والخبر لماذا لا يأتي من غامض علم اللَّه كما يأتينا الجوع أو الأمراء) (١).
وقوله:
(ودم على الجولان
وأسأل: أين وجه اللَّه؟) (٢).
وقوله:
(شاهد:
راحته تدمي على المدفع
كان اللَّه يأتيه على شكل فلسطين) (٣).
وقوله:
(الأرض بساط اللَّه.
بساط اللَّه الآن يحاط بجيش اللَّه الأمريكي.
فمن جهة بالنار
ومن جهة بصلاة العار
وخلفهما حكم عدل
يتساقط عدلًا
فاستغفر
стр. 638
واختر أحد الموتين) (١).
- ومنهم محمد علي شمس الدين القائل:
(أخذت زينة نهديها
وتعرت لتصير أشد نقاء من قلب اللَّه.
قرأت:
وسلام هي حتى الفجر، سلام هي حتى الفجر) (٢).
والقائل:
(ولما اتكأنا على شرفة اللَّه.
أبصرت مروان يهرب مني) (٣).
والقائل:
(ملك الضدين أنا
ورئيس أبالسة الرحمن) (٤).
وفي مجال الرواية يصف عبد الرحمن المنيف اللَّهَ تعالى بأنه صاحب الخيمة الزرقاء ويقصد السماء (٥)، وذلك وصف باطل، وإضافة فيها تنقص باللَّه تعالى.
ويصف الروائي المغربي المنحرف محمد شكري أحد الناس بأنه خبز اللَّه -جلَّ وعلا- وذلك في قوله: (. . . رجل رائع، أجمل ما فيه هو أنه لا يلاحظ كثيرًا، إنه خبز اللَّه كما يقال. . .) (٦).
стр. 639
أمّا الطاهر بن جلون فيقول في روايته ليلة القدر: (. . . وكانت صيحاتهم تختلط بصيحات المؤذن الذي كان يستعمل ميكروفونًا لكي يسمعه اللَّه على نحو أفضل) (١).
فهو يسخر من صفة السمع للَّه تعالى كما يسخر من صفة البصر له -جلَّ وعلا- في قوله: (. . . كنت تختبئين في الصشدوق الخشبي الملون لكي تفلتي من نظر اللَّه، منذ أن علموك بأن اللَّه في كل مكان، وأنه مطلع على كل شيء وأنت تقومين بكل حركة بهلوانية لتتملصي من حضوره، كنت تخشينه أو كنت تتصنعين ذلك، لم أعد أعرف) (٢).
أمّا علاء حامد فإن روايته مسافة في عقل رجل ليست مهتمة بغير الكفر باللَّه ولا مقصد لها إلّا جحد وجوده -جلَّ وعلا- ونفي ألوهيته وأقواله في وصف اللَّه تعالى وتسميته بأوصاف وأسماء النقص كثيرة جدًا، بل الرواية كلها من هذا القبيل، ومن أمثلة ذلك قوله: (. . . الحاكم يرى بعيونه (جواسيسه) واللَّه يرى ويسمع هو الآخر، وإحدى وسائله ملائكته. . .) (٣).
وقوله -قاتله اللَّه-: (نحن الحقيقة وما عدانا هو الوهم، نحن الحقيقة، والحقيقة نحن، وطالما أن اللَّه حقيقة، فلسنا سوى اللَّه، الأمطار دموعه، والريح زفرته، والغضب براكينه، والعلم عقله، والإنسان وسيلته، والسلطان رغبته، والكون سلوته، وإذا كان اللَّه والإنسان واحد [هكذا] لا يتجزأ فلماذا يعجز الإنسان عن المعرفة الكلية؟!) (٤).
ويجعل اللَّه تعالى هو القانون الكلي الذي يحكم الكون، والقانون الكوني المادي الكلي هو اللَّه، وكرر ذلك في مواضع عديدة في سوفسطائية
стр. 640
عشوائية متناقضة وفلسفة متهافتة بليدة (١).
بل جعل اللَّه تعالى وتقدس خاضعًا لهذا القانون الكوني الكلي حسب خرافاته وأكاذيبه (٢).
ومرة يصفه وتقدس- بأنه خلية أبدية لا تفنى، وأن المخلوقات متولدة من هذه الخلية حسب خرافاته، فيقول: (لو شبهنا اللَّه بخلية أبدية لا تفنى وأن مخلوقاته ليست سوى انقسام لهذه الخلية الأبدية ولكن بعد إضافة مواد أخرى كيمائية (مواد بشرية) اكتسبت بها خواص جديدة ظاهرية بالإضافة إلى خواص الخلية الأبدية، إذا قلنا بذك فنحن لم نبتعد عن جادة الصواب، ولكننا في نفس الوقت لم نقترب كثيرًا من الحقيقة) (٣).
وقوله: (إذا أردت رؤية اللَّه مجسمًا فتأمل الشمس والنجوم والحيوان والإنسان والنبات، أمّا القول بأن اللَّه يجلس على عرش، وأن له مكانًا محددًا يجلس فيه يُمكن التحدث معه بلسان طلق، فهذه أوهام صُنعت بمهارة وصدقتها عقول تعيش في دروب الجهالة المفرطة) (٤).
وهذا القول كله أباطيل زائفة بدءًا بوحدة الوجود الإلحادية التي تبلورت عن الغربيين المعاصرين في صورة من صور الإلحاد الكامل، وقد سبق تفصيل ذلك في الفصل الأول (٥).
أمّا تصويره لعقيدة المسلمين في اللَّه بأن له -جلَّ وعلا- مكانًا محدودًا فهو من الكذب والزيف، فإن أهل الحق يعتقدون أن اللَّه مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وأنه عالٍ على خلقه، لا تحده الأمكنة ولا الأزمنة فهو أكبر وأعظم وأجل وأعلى، ليس
стр. 641
كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو يتكلم إذا شاء مع من شاء كيف شاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
أمّا هذا المعتوه فإنه يخبط في أودية الباطل خبط عشواء ويخلط شكوكه وأوهامه بما يظن أنه العلم والبرهان، وهو في الحقيقة ليس سوى الهذيان، وروايته الإلحادية هذه تفيض بدلائل هذا التخبط والتيه، سلط اللَّه عليه يدًا من الحق حاصدة.
ويشبهه في طرحه وخبطه وتناقضه "نوال سعداوي" ذات الصيت السيء والسمعة الملوثة، والمحمية من أشباهها من أهل الزيغ والضلال، الذي سخروا جهودهم لحماية المرتدين والملاحدة، وقتل المؤمنين الموحدين، وسجنهم وتشريدهم، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه العلي العظيم، ومن كتبها رواية بعنوان "سقوط الإمام" مليئة بالنفايات الاعتقادية والسقوط الفكري.
وملخصها: أنها جعلت من أسمته إمامًا، جعلته اللَّه تعالى وتقدس، وأسقطت من خلال هذه الشخصية كل تنقص وازدراء باللَّه تعالى، ووصفته بأوصاف البشر بل بأحط الأوصاف التي يُمكن أن يقارفها بشر من الظلم والاغتصاب والدعارة وغير ذلك تعالى اللَّه عما تقول علوًا كبيرًا.
ومن نصوصها في هذه الرواية قولها في أول أسطر رواياتها: (وأنا طفلة كنت أرى وجه اللَّه في أحلامي كوجه أمي شديد العدل وكوجه أبي شديد الرحمة، لكن زميلتي فاطمة أحمد في المدرسة كانت ترى وجه اللَّه في أحلامها كوجه أبيها شديد القسوة وكوجه عمها شديد الظلم) (١).
(في طفولتي وأنا نائمة كان اللَّه يزورني وله صوت حنون كصوت أمي) (٢).
وقد كررت مرات كثيرة وصف إحدى شخصيات الرواية بأنها
стр. 642
"بنت اللَّه" ومن ذلك قولها في المقدمة: (وكان شخصيات البنات والنساء أكثر استقرارًا لكن اسم بنت اللَّه أثار في القلق ليالي طويلة، وحاولت أن أغير اسمها فهو اسم ينتهك المحرمات في حد ذاته، فكيف تجرؤ فتاة أن تحمل اسمًا محرمًا إلى جانب حملها جنينًا غير شرعي، وقد يباح في المسيحية أن نسمع اسم ابن اللَّه وهو المسيح لكن أن نسمع اسم بنت اللَّه فهذا غير وارد تمامًا، لكن بنت اللَّه سألتني في الرواية ماذا لو كنت مريم العذراء وولدت بنتًا وليس ذكرًا ألا تكون ابنتي هي بنت اللَّه ويسمونها المسيحة، وتصبح واحدة من الأنبياء) (١).
أي أنها بكل إصرار اتخذت هذا الاسم وهي عالمة بأنه محرم، واجترأت على إضافة بنت الزنى إليه وهي مدركة أن ذلك لا يجوز، ولكن ذلك من مقتضيات الحداثة المؤسسة على انتهاك المحرم واختراق المألوف ومجاوزة السائد حسب تعبيراتهم، ولذلك خرقوا له بنين وبنات، وزوجات وأوصافًا ناقصة جل اللَّه وتنزه عما يقولون ويصفون.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ (٢).
وقالت تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ (٣).
ومن أقوالها: (. . . انتزعت من صدرها الشيء المخبوء، ساوت الأرض بكفها الكبيرة الحانية مثل كف اللَّه) (٤).
وقولها: (أطفال كثيرون بلا أم ولا أب ولا جدة يسمونهم أطفال اللَّه
стр. 643
وأنا اسمي بنت اللَّه، لم أكن رأيت اللَّه وجهًا لوجه، تصورت أن اللَّه هو أبي، وأمي هي زوجة اللَّه، وفي النوم أرى أمي واقفة تنتظر اللَّه) (١).
ويبلغ بها الكفر والضلال أن قالت: (في الليل تحوطني أختي بذراعيها، تنشج بصوت مكتوم وتحكي قصة أمها، زارها اللَّه في الحلم، وحملت منه مثل مريم العذراء، ارتدت ثوبًا واسعًا لتخفي ارتفاع البطن، ولدتها في الليل بعد أن نام الناس، لكن عيون الإمام رأتها، ربطوها بالحبال ورجموها حجرًا حجرًا، قلت لها وأنا أعانقها: إذا كان اللَّه هو السبب فلماذا يقتلونها؟. . . وفي الحلم يتراءى لي اللَّه على شكل رجل، واقف في الظلمة ويده اليمنى خلف ظهره رأسه يلمع تحت الضوء بغير شعر، ووجهه يغطيه الشعر، يرتعد جسمي تحت الغطاء وعيناي مغلقتان، يحرك يده اليمنى خلف ظهره، يرفعها أمامي ويفتح أصابعه، ليمس في يده العصا، يهمس بصوت ناعم: بنت اللَّه، تعالي يقترب مني حتى يلامسني بيده، أتحسس كفه الكبير الحاني، بشرته ناعمة كصدر الأم، أضع رأسي على صدره وأغمض عيني، يده تربت على وجهي، ثم تهبط لتربت على صدري وبطني، رجفة غامضة تهزني وقشعريرة يهمس بصوت ناعم: لا تخافي أنا اللَّه وسوف تلدين المسيح، أصحو من النوم والدنيا ظلام، جسمي مبلل بالعرق وله رائحة اللَّه) (٢).
وهكذا تبدو لنا الرواية الحداثية العربية في لون ألوان كفرها وإلحادها، وتتمادى السعداوي في غيها فتشبه العورة باللَّه تعالى (٣)، ولو تتبعت كل أوصاف النقص والتهكم والسخرية والازدراء وكل أوصاف الذم والشتم الذي ألحقته هذه المرأة باللَّه تعالى لطال المقام واتسع، وفي الجملة هذه الرواية الساقطة مثل رواية مسافتم في عقل رجل تتوجه أساسًا إلى النيل من اللَّه -
стр. 644
جلَّ وعلا (١) -، ومحاولة إسقاط القداسة عنه، وإبعاد التوقير له من نفوس الناشئة الذين يطرح بين أيديهم هذا الغثاء الفكري، وإخلاء القلوب والعقول من تعظيم اللَّه واحترامه، تمهيدًا لإحلال الكفر في الأنظمة والسلوك وسائر مناحي الحياة.
ومن الروايات المليئة بأوصاف النقص الملحقة باللَّه تعالى رواية "ألف وعام من الحنين" لسيء الذكر رشيد بو جدرة الذي يعلن كفره وإلحاده ويفاخر بذلك وبأنه أول من تجرأ على ذكر اللواط والإشادة به في كتابه "التطليق" (٢).
يقول هذا الحداثي العلماني عن اللَّه ما لم يقله سواه من الحداثيين والكافرين، ويصفه بما تقشعر له الأبدان: (. . . بلدة تعودوا أن يقولوا عنها بأن اللَّه تبرزها في يوم من أيام الغضب) (٣).
(. . هؤلاء الناس الذين قر رأيهم على أن بلدتهم إنّما هي قذارة أسقطها اللَّه ذات يوم من أيام الضجر) (٤).
ويقول: (. . . وكانت تقول لمن يريد الإصغاء إليها سواء في الحمامات أو في حفلات الزواج أو في انجازات أن اللَّه نفسه قد بدأ يمارس الغش؛ لأنه لم يتمكن من حصر مخلوقاته داخل المسجد ولا أدل على ذلك من تدهور الزمن. . . كانت إذن على علاقة سيئة مع السماء، تنتظر منها أن تضع يدها ثانية على وقائع الأمور وخاصة على ابنها المجنون قبل أن تذهب لزيارة الأولياء الذين أهملتهم تعبيرًا منها عن غضبها وعن خيبتها لرؤية اللَّه وهو ينجرف في سيول فيضاناته. . .) (٥).
стр. 645
ويقول: (. . . ينبغي أن تكون راضيًا في تقليد اللَّه، فهو كذلك وحيد، لكنه على ما يرام، وأنت تعلم أنه لا شقيق له وإلّا فيا لخرابنا) (١).
ويقول: (. . . وأسلمت نفسها للَّه في ذلك اليوم، بعد أن خاصمته مدة طويلة، وحكت عانتها. . .) (٢).
غفرانك اللهم تباركت وتعاليت عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
إن هذه الشواهد كلها -وهي قليل من كثير- لتدل على أن الحداثة تقوم في حقيقة الأمر وفي رأي أصحابها -: بتدمير القداسة والانقطاع عن الماضي، عن الإسلام على وجه الخصوص، والثورة على الدين، والهدم لكل معاني وأصول الاعتقاد، والرفض لكل إيمان باللَّه تعالى، والمجانبة لكل ما يمت إلى التوحيد واليقين بصلة، والتحول الكامل عن الوحي ومقتضياته ولوازمه، والتمرد السافر على العقيدة والشريعة والأخلاق الإسلامية.
إنها ارتكاس في الضلال، وانحدار إلى الجاهلية، واتباع للباطل، وهبوط إلى أسفل سافلين.
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (٣).
الوجه الثاني من أوجه انحرافاتهم في أسماء اللَّه تعالى وصفاته: نفي أسماء اللَّه تعالى وصفاته الثابتة له .
وهذه قضية يسيرة على الحداثيين الذين رتعوا في الضلال ووصفوا اللَّه بشتى أوصاف السوء، واستعملوا في حقه لغة الشتم والذم والسباب.
وقد مرّ فيما مضى ما يدل على هذا الوجه من الانحراف، إمّا مطابقة كنفي أدونيس وتكذيبه بالإسراء والمعراج وحديث الرسول ﷺ مع ربه، حين
стр. 646
ساق ذلك كله على شكل أسطوري وحين جعل من نفسه بديلًا للرسول، واختلق الأكاذيب (١).
وإمّا تضمنًا ولزومًا، وهذا في كلامهم كله، فإنه يلزم من وصف اللَّه بالنقص كالموت والظلم والنكاح والولد والنسيان وغير ذلك مما عجت به أقوالهم الخبيثة، يلزم منه نفي صفات الكمال للَّه تعالى ونفي أسمائه الحسنى -جلَّ وعلا-.
ومما مرّ معنا مما لا فائدة من إعادته هنا أقوال المفتون نصر أبو زيد في نفي صفة الكلام للَّه، ونفي أن القرآن كلام اللَّه، وتأييده رأي المعتزلة وثنائه على منهجهم (٢).
وله في نفي أسماء اللَّه وصفاته قول فاسد خبيث حيث جعل فهم نصوص الوحي المخبرة عن اللَّه تعالى وصفاته وعن الغيبيات، فهمًا يوافق طريقة السلف، جعل ذلك مساهمًا في تشكيل صورة أسطورية، حيث قال: (تتحدث كثير من آيات القرآن عن اللَّه بوصفه ملكًا بكسر اللام، له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح، وفي كثير من المرويات التي تنسب إلى النص الديني الثاني -الحديث النبوي- تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسي والعرش، وكلها تساهم -إذا فهمت فهمًا حرفيًا- في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس. . . ولعل المعاصرين لمرحلة تكون النصوص -تنزيلها- كانوا يفهمون هذه النصوص فهمًا حرفيًا، ولعل الصور التي تطرحها النصوص كانت تنطلق من التصورات الثقافية للجماعة في تلك المرحلة، ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك، لكن من غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتها لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري. . .) (٣).
стр. 647
والمعنى نفسه يكرره حداثي آخر في ندوة بعنوان "الإسلام والحداثة" حيث قرر أن النبي ﷺ وأصحابه تداولوا ألفاظًا ومعاني في الصفات والغيبيات بناء على المحيط الذي كانوا يعيشون فيه، وهذا القول والذي سبقه يتضمن نفي حقائق هذه الألفاظ التي جاء بها الإسلام، وهي بداية موجة إلحادية لنفي الإسلام وسائر شرائعه وأخباره.
والنص المشار إليه هو قوله: (. . . لم يكن محمد ولم يكن معاصروه معتزلة ولا كانوا أشاعرة، ولا فلاسفة، ولابد أن المعاني التي تداولوها من محيطهم والتي أسندوها إلى ألفاظ الألوهية والجبروت والغفران واليد والعرش وغيرها من عبارات الذات والصفات الآلهية تتميز تميزًا كبيرًا عما أسند إليها لاحقًا في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة) (١).
وفي الندوة المذكورة آنفًا والمعنونة بعنوان "الإسلام والحداثة" يتحدث حسن حنفي عن الوحي ومنزلته في التوراة والإنجيل والقرآن الذي يسميه الوحي الجديد فيقول: (. . . يكشف الوحي الجديد صفات التنزيه للتوحيد وصلة الخلق في صفة "كن فيكون" وأن اللَّه ليس له أصابع يضع عليها الأرض والشجر. . .) (٢).
وعلى الرغم أن صاحب النص قد أعلن في الندوة أنه ماركسي وأن إيمانه يكفره (٣)، وقرر بأنه (. . . قد تداخل كلام اللَّه وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن. . .) (٤)، وغير ذلك من الأقوال والعقائد الموجبة لحد الردة، إلّا أنه يحاول أن يظهر في النص السابق -وهو يناقش تحريفات اليهود- بمظهر الباحث المطلع، شأنه شأن أساتذته من المستشرقين، فكذب على الوحي المعصوم وادعى أن الإسلام قد جاء بنفي صفة الأصابع
стр. 648
عن اللَّه، وهذا كذب وافتراء بل تثبت للَّه صفة الأصابع كما يليق بجلاله .
وقد مرّ معنا في المظهر السالف إلحاده في صفات اللَّه وقوله بأن اللَّه عالم قادر حي سميع بصير متكلم مريد بالمجاز وأن الإنسان له هذه الصفات حقيقة؛ لأن الوحي كله مجاز وكل اللغة مجاز حسب زعمه (١).
وفي منثور كلمات الحداثيين ما يدل على نفي صفات للَّه تعالى، ومن ذلك قول السياب في أبياته التي قالها بعد أن أحس بقرب الأجل ودنو الموت، وتضرع فيها إلى اللَّه تعالى، ولكن خلفيته الثقافية الملوثة جعلته يقول مخاطبًا اللَّه تعالى:
(أتسمع النداء؟ يا بوركت، تسمعُ
وهل تجيب إن سمعت؟
صائد الرجال
وساحق النساء أنت يا مفجّع) (٢).
هذه أقواله بعدما يسمى "توبة السياب" وأوبته إلى اللَّه!!، واللَّه -جلَّ وعلا- يسمع كل شيء وهو السميع، ويجيب من يشاء وهو قريب مجيب -جلَّ وعلا-.
أمّا صلاح عبد الصبور فقد جعل الحلاج قناعًا له، واتخذ من شخصيته إطارًا يسقط من خلاله فكره وعقيدته، ومن ذلك قوله المنقول آنفًا في نفي صفته العين للَّه تعالى (٣).
أمّا يوسف الخال فإنه أضاف إلى كل بلاياه وتخبطاته الاعتقادية وضلاله الإلحادي قوله:
стр. 649
(اللَّه عين لا ترى أحدًا
سوادُها ملء السموات) (١).
وقوله:
(من كان يسمع النداء
لعل في السماء أحدًا
يثأر للدماء) (٢).
وقوله:
(فلا يتدحرج صخر القبور
ولا يصعد اللَّه نحو السماء) (٣).
وسعدي يوسف الحداثي العراقي يستخدم لفظ الرمل رمزًا للتخلف وهو رمز متداول عند الحداثيين، ويريدون به الإسلام.
وسعدي ينسب اللَّه تعالى إلى الرمل ويجعله بلا صفات مرة، ومرة مجهول الصفات فيقول:
(أنا في انتظار يديك يا ربًا يسير على الرمال
إن الذي قد سار فوق الماء مات
وبقيت أنت
بلا صفات
لكن قلبي في انتظارك
فالبحر مزقه نبي بالحذاء
стр. 650
وبالبخار
القيته يبكي على قدمي، مهتوك الإزار
وبقيت أنت
إلهي الرملي، مجهول الصفات
إلّا من الألم المقدس في انتظاري
وأنا أشق الرمل لكن أغوص
في الصفر
أحصي اللانهاية في النهاية) (١).
ونزار قباني يقول:
(لم نزل نظن أن اللَّه في السماء
يعيدنا لدورنا) (٢).
أمّا هرطقات علاء حامد في روايته مسافة في عقل رجل فكثيرة متناقضة متهافتة ومنها زعمه الكاذب: (إن اللَّه تعالى لفظًا ومعنى من اختراع الإنسان) (٣).
وزعمه أن القول بأن اللَّه مستوٍ على عرشه مجرد أوهام صنعت بمهارة (٤).
ونحو ذلك هرطقات نوال السعداوي التي ذكرت أشياء منها في الوجه الأول من أوجه انحرافاتهم في الأسماء والصفات ومما يستشهد به في هذا الوجه قولها: (. . . وكتموا أنفاسهم محملقين في السماء متصورين أن اللَّه
стр. 651
له يد يرونها بالعين، وسجدوا حتى لامست جباههم الأرض، سبحانه ليس له يد ولا لسان) (١).
الوجه الثالث من أوجه انحرافاتهم في أسماء اللَّه تعالى وصفاته: وصف غير اللَّه تعالى وتسميته بأوصاف وأسماء اللَّه -جلَّ وعلا -.
سبق في الفصل الأول والثاني من هذا الباب ذكر أوجه انحرافهم في الربوبية والألوهية، وفيها مواضع عديدة وكثيرة من تسميتهم ووصفهم غير اللَّه تعالى بأسماء وصفات اللَّه تعالى، وخاصة الرب والخالق والإله وما تتضمنه من صفات، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
ومن أقوالهم الأخرى في هذا الوجه جعل أدونيس دمشق وبغداد إلهًا (٢).
وجعل مكره ومكر الحداثة كأنه مكر اللَّه تعالى حيث قال: (لا توحش العنف، بل أنس مكر كأنه لعن مكر اللَّه) (٣).
ويقول أحمد دحبور:
(لا تخرج إلى الشارع لا تخرج إلى
في صوتها الدامع قضبان
وألياف
ورحمان
وسياف) (٤).
وعندما أقول بأن الحداثيين صنيعة الأعداء، وطليعة المحاربين للإسلام، فليس ذلك لمجرد بغضي لهم -وإن كان بغضهم من أوثق عرى
стр. 652
الإيمان- ولكن إضافة إلى ذلك ما تنضح به مؤلفاتهم من اعتراف صريح أو ضمني بالتبعية، وما يلاحظه أي متابع من ممارسة الانتحال، والإغراق في المحاكاة، أما احتفاء أولئك بهم وإشادتهم بأعمالهم إشادة الأستاذ بتلميذه، فمن أظهر الظواهر، ومن ذلك ما ذكره صاحب كتاب "أدونيس منتحلًا" في قوله: (نشير تمهيدًا، ومارين، إلى أن أدونيس عرف غيلفيك (١) شخصيًا، استمد منه العون لدى أول دخوله لساحة الشعرية الباريسية، ويتذكر القارئ قصيدة غيلفيك الإهدائية التي يقدم بها الترجمة الفرنسية لـ "أغاني مهيار الدمشقي" قصيدة لا تخلو من أبوية، أبوية شاعر فرنسي يقدم إلى ساحته الثقافية شاعرًا من لغة أخرى) (٢).
ويذكر المؤلف في الهامش بعضًا من مقدمة هذا الفرنسي لتلميذه أدونيس، وفيها استخفاف باللَّه تعالى، ووصف أدونيس بأوصاف وأسماء الإله العظيم -جلَّ وعلا-، وهذا أحد أدلة التبعية التي نرى نماذجها في أفكار وكلمات أدونيس نفسه، الذي ثبت بالأدلة القاطعة أنه لا يعدو أن يكون منتحلًا!!.
يقول غيلفيك في مقدمته لأدونيس:
(يا أدونيس
لو كنت اللَّه.
لأجلستك إلى يميني
ولمنحتك سلطانًا
ورحت أتطلع إليك
وأنت تخلق وتدبر) (٣).
стр. 653
وللسياب باع في هذا الضرب من الانحراف، ومنه قوله:
(أنا الباقي بقاء اللَّه أكتب باسمه الآجال
وما لسواه عند مطارق الآجال من حرمه) (١).
وقوله:
(المجد للَّه والإنسان إن يدًا تحيي … وقلبًا يداوي منهما أثر) (٢)
وكذلك البياتي القائل:
(فاسكبي روحك الحنون بروحي … لأرى من صفائه وجه ربي) (٣)
والقائل:
(يا سنا اللَّه بصحراء انتظاري يا هواها) (٤).
والقائل:
(صغيرتي نادية
رأيت في سماء عينيك
رأيت اللَّه والإنسان) (٥).
والقائل مخاطبًا أحدهم:
(مولاي، لا يبقى سوى الواحد القيوم
وهذه النجوم) (٦).
ومن تراتيله الوثنية، وعاداته الجاهلية، وتمجيداته الصنمية قصيدته التي
стр. 654
بعنوان "مرثية إلى أخناتون" (١) والتي يقول فيها مشبهًا هذا الطاغية باللَّه تعالى وتقدس، يقول البياتي:
(يا أيها المعبود
أنت الذي يعيش في الحقيقة
ممجدًا مباركًا قدوس. . .
متوجًا بزهرة اللوتس والثعبان
حيًا جميلًا خالدًا معبود
وعاشقًا معشوق
شمس النهار أنت في جلالك العظيم
وضعت نيلًا في أسماء وصنعت منه أمواجًا على الجبال
تسقط والحقول
إنك في قلبي ترى مدائن الموت وأهراماتها والبحر والسحاب
إنك لا تموت
إنك لا تفنى إلى الأبد
إنك لا تعطش في سفينة الشمس لا تجوع
ولا يدب الشيب في شعرك أو تنفي إلى أصقاع موت النور
تحترق السماء من أجلك والنيل على غدائر الأرض وفوق صدرها الحنون) (٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا
стр. 655
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ (١).
وفي جهة أخرى يتوجه البياتي إلى الشاعر ليضفي عليه أوصاف الأبدية والأزلية، بل والألوهية الصريحة، وذلك في قوله:
(صوت الشاعر فوق نحيب الكورس يعلو، منفردًا منحازًا
ضد الموت، وضد تعاسة البشر الفانين. . .
. . . منفيًا يتطهر، لا اسم له، وله كل الأسماء، بقانون أزلي يتحول كم هو شرير أن يسكنك الشعر: "إلهي بين يديك أنا قوس فاكسرني" ومحب محبوب فاهجرني. . .) (٢).
وفي المعنى نفسه يقول: (لو كان البحر مدادًا للكلمات لصاح الشاعر: يا ربي، نفد البحر ومازلت على شاطئه أحبو. . .) (٣).
أمّا صلاح عبد الصبور فإنه يضفي صفات وأسماء الرب- جلَّ وعلا- على العلم المصري، وذلك في قوله:
(لترتفع، لترتفع، يا أيها المجيد
يا أجمل الأشياء في عيني، أنت يا خفاق
يا أيها العظيم، يا محبوب، يا رفيع، يا مهيب
يا كل شيء كان في الحياة أو يكون
يا علمي يا علم الحرية) (٤).
ويقول على لسان الحلاج:
стр. 656
(ما يرضاه الرحمن لمخلوق في صورته، ذي روح
متصف بصفاته) (١).
ويقول على لسانه مقررًا عقيدة الاتحادية الصوفية:
(يا ولدي
الحب الصادق
موت العاشق
حتى يحيا في المعشوق
لا حب إذا لم تخلع أوصافك
حتى تتصف بأوصافه
وأنا أنوي أن يكمل حبي للَّه
أن أخلع أوصافي في أوصافه. . .
سأخوّض في طرق اللَّه.
ربانيًا حتى أفنى فيه. . .
. . . أنوي أن أنزل للناس
وأحدثهم عن رغبة ربي
اللَّه قوي، يا أبناء اللَّه.
كونوا مثله
اللَّه فعول يا أبناء اللَّه.
كونوا مثله
стр. 657
اللَّه عزيز يا أبناء اللَّه) (١).
ويقول على لسانه أيضًا:
(أراد اللَّه أن تجلى محاسنه، وتستعلن أنواره
فأبدع من أثير القدرة العليا مثالًا، صاغه طينا
وألقى بين جنبيه ببعض الفيض من ذاته.
وجلّاه، وزينه، فكان صنيعه الإنسان
فنحن له كمرأة، يطالع فوق صفحتها
جمال الذات مجلوًا، ويشهد حسنه فينا
فإن تصف قلوب الناس، تأنس نظرة الرحمن
إلى مرآتنا، ويديم نظرته، فتحيينا
وإن تكدر قلوب الناس يصرف وجهه عنا
ويهجرنا ويجفونا) (٢).
وأقواله المليئة بهذا الخلط الابتداعي الفلسفي الاتحادي كثيرة في مسرحيته التي سماها "الحلاج" فمرة يقول هو بضعة من اللَّه تعالى وتقدس (٣)، ومرة يعبر عن هيكل الإنسان بأنه بعض من اللَّه تعالى:
(بلى فالهيكل المهدوم بعض منه إن ظهرت جوارحه
وجل جلاله متفرق في الخلق أنوارًا بلا تفريق) (٤).
وغير ذلك من الكلمات والعبارات المأخوذة من ملاحدة الصوفية،
стр. 658
والموظفة في الشعر الحديث توظيفًا يصب في الغرض الحداثي الأول: إزالة هيبة اللَّه وقداسته من النفوس التي لم تقتنع بجحد وجوده بالكلية، فتعالى اللَّه الملك الحق.
أمّا يوسف الخال فيقول في حوار مع الشيطان، مشبهًا نفسه أو الشيطان باللَّه تعالى في الخلق:
(أواه أتجبل كفّي الطين، متى؟
ومتى أنفخ فيه الروح، متى أصنعه
شيئًا كالشمس إذا تغرب) (١).
أمّا النصراني الآخر أنسي الحاج فيقول:
(اللهو المجنون من صفات الألوهة، الفنان في لحظة الخلق فلذة إله) (٢).
ويقول الرافضي الشيوعي مظفر النواب:
(فالتبس اللَّه عندي بكل البشر) (٣).
ويقول أمل دنقل:
(وأهرب نحو عينيك يطالعني الندى واللَّه والغفران) (٤).
ويقول:
(. . . صدري جنتك الموعودة، وذراعاي ذراع الرب) (٥).
ويقول نزار قباني:
стр. 659
(نهدًا لجوجًا فيه تيه الذرى وما لدى ربي من عنفوان) (١)
وفي حديثه عن عشقته يقول:
(. . . هدية صغيرة تحمل نفسي كلها
لعلها
إذا أنا حملتها
غدًا لها ستسعد
يا مُرتجى يا أحد) (٢).
وعن عشيقة أخرى يقول قاتله اللَّه:
(يجوز أن تكوني
واحدة من أجمل النساء
دافئة كالفحم في مواقد الشتاء
وحشية كقطة تموء في العراء
آمرةً ناهية كالرب في السماء) (٣).
ونحو هذا الاعتقاد الباطل، قوله:
(ونهدك هذا المليء المضيء الجريء العزيز القدير) (٤).
ونحوه قوله:
(وجسدك الياسميني يأمر وينهى، ويقول للشي كن فيكون) (٥).
стр. 660
وفي سخرية وتهكم بالخليفة الرمز التاريخي والمدلول العضوي لجماعة المسلمين، ثم تهكم باللَّه وتقدس، يقول:
(كلما جئت إلى باب الخليفة
سائلًا عن شرم الشيخ
وعن حيفا ورام اللَّه والجولان
أهداني خطاب
كلما كلمته ﷻ
عن حزيران الذي صار حشيشًا
نتعاطاه صباحًا ومساء. . .
. . . فاعذروني أيها السادة إن كنت كفرت) (١).
وفي مقطع بعنوان بانتظار غودو يقول عنه:
(لم نره
ولم نقبل يده
لكن من تبركوا يومًا به
قالوا بأن صوته
يحرك الأحجار
وأنه وأنه
هو العزيز الواحد القهار) (٢).
ثم يُقال بعد ذلك بأن الشعر الحديث تبلور في عدة ظواهر منها: أعمال أدبية اتخذت لها طابعًا من جذور التراث يعبر عن تجربتها الجديدة،
стр. 661
ومن رواد هذه الظاهرة نازك الملائكة ونزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي، وهؤلاء يوصف عملهم بالسلفية الجديدة) (١).
فأية جذور تراثية في هذا الكلام وأشباهه؟! اللهم إلّا إن كانت الأحرف والكلمات وبعض التراكيب توافق لسان العرب، فعُد ذلك من التراث!!.
إن الثناء المنطوي على تبجيل أو إشادة بهؤلاء الذين ركبوا متن الكفر والإلحاد وامتطوا كل ما يضاد الدين؛ لهو أمر بالغ الخطورة وفيه جُلَّ خبايا الأمراض والعلل والأسقام الاعتقادية التي يراد لها أن تنطلي على المسلمين من خلل رماد التهوين فضلًا عن الإشادة والامتداح.
وكأن هؤلاء لم يطلعوا على قول اللَّه : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٢).
إن من عبث الكلمات والتلاعب بالمصطلحات، وغبش المضامين أن يُمتدح المستهزيء باللَّه والساخر من دينه، فإذا قال غيور على دين اللَّه: لم هذا؟ قالوا: نثني على جماليات أدبية، وتراكيب إبداعية، وغنائيات فنية، وثقافة واسعة، واطلاع كبير، إلى غير ذلك من العبارات التي تسوّق النفاق وتمتدح أهله، تحت مظلة عبارات خاوية أصبحت بوقًا للدعاية ومطية للأعمال السيئة والعقائد الخبيثة.
فليس الإبداع، أو الجمال الفني، أو الثقافة الواسعة، أو التجديد، ليست هذه خيرًا لذاتها وليست دليلًا على العبقرية والعقل؛ لأن الذي يُبدع أو يأتي بالجميل من الفن أو يطلع على الكثير من الثقافات ليس ممدوحًا أو محمودًا لذاته، بل إن كان إبداعه وجمالياته واطلاعه في وجه الحق ومن
стр. 662
أجل الحق والخير والفضيلة -والإيمان والتوحيد أساس كل ذلك- فهو محمود، وإن كان إبداعه وجمالياته وثقافاته وتحديثاته في ضفة الباطل والشر، وتنطوي على الإلحاد والكفر والجاهلية فهو مذموم مخذول ولا يساوي في ميزان اللَّه وفي ميزان المؤمنين به جناح بعوضة، ولو طار خبره في الآفاق واعتلى عرش رأس الطواغيت إبليس.
ومن أمثلة انحرافهم في هذا الوجه تسبيح محمود درويش للتي أسرت بأوردته -حسب قوله-:
(وغزة لا تبيع البرتقال لأنه دمها المعلب
كنت هربت من أزقتها
وأكتب باسمها موتي على جميزة
فتصير سيدة وتحمل بي فتًى حرًا
فسبحان التي أسرت بأوردتي إلى يدها) (١).
وقوله:
(. . . للباحثين عن اللَّه في الكائن الآدمي) (٢).
ومن الأمثلة قول معين بسيسو:
(أيتها المدينة السحابة. . .
ها أنت مثل اللَّه في يديه السلسلة
لا أنت سنبلة لا أنت قنبلة) (٣).
وقول سميح القاسم:
(أيها القيصر عش
стр. 663
ثمن الخمسين قرش
أنت يا مولاي رحمن رحيم
والذي يغضب من عدلك يا مولاي
شيطان رجيم) (١).
وقوله:
(ونار جبيننا المشجوج لن تطفأ
بغير ضمادك الرحمن يا إيقاع أحرفنا) (٢).
وقوله:
(مولاي يا الاسكندر العصري
يا باري الغيوم الواعدة
أمطر على الأتباع ياقوتًا
ونيرانًا على زمر الفلول الجاحدة) (٣).
وقوله:
(أدلجت تثقل كاهلي المطعون محنة
والجرح رحماني الرحيم
يا زاد أجدادي وزادي) (٤).
ويخاطب المقالح الفدائي قائلًا:
(يا فارس الأغوار والتلال
стр. 664
يا أنت يا ابن الشمس والجمال
تباركت يداك
تباركت مأساتك العظيمة) (١).
ومن المعروف عند أهل العلم أنه هذا الإطلاق لا يقال إلا للَّه تعالى، كما في أول سورة "تبارك" وأول سورة "الفرقان".
ونحوه قول محمد علي شمس الدين:
(. . . تبارك هذا الموت، تبارك
هذا الكأس، تبارك هذا الوحل
على شفتيك
تباركت الأمطار إليك. . .) (٢).
ويقول محمد الماغوط:
(يا إخوتي لقد نسيت حتى ملامحكم
أيتها العيون المثيرة للشهوة
أيها اللَّه.
أربع قارات جريحة بين نهدي) (٣).
ويقول:
(. . . وأغلقوا في وجهها كل أبواب العالم
لتظل وحيدة كالريح كاللَّه) (٤).
أمّا ممدوح عدوان فيقول:
(إنني التل المقاتل
стр. 665
حين تستشري الخديعة
إنني قدس وقدوس
تعري في دمي المنفى) (١).
ويقول عبد الرحمن المنيف في رواية مدن الملح على لسان زهوة التي تتحدث عن قصر أخيها السلطان: (ويلزم تعرفن هذا القصر قصر الرحمن) (٢).
ومن الشعر الحديث الذي درسه النصراني المصري غالي شكري في كتابه "شعرنا الحديث إلى أين؟ " هذه القصيدة التقريرية حسب قول شكري بعنوان "عد يا نيكسون":
(سبحانك
سبحان المعطي
يا خالق حلف الأطلنطي
يجرب فينا أسلحته
أي مروة
بل أية أخلاق حرة. . .) (٣).
وفي موضع آخر يستشهد بأبيات حداثية يخاطب بها صاحبها ترومان قائلًا:
(وكاللَّه أنت إله وحيد
معاذك!! بل أنت فوق الشبيه، وليس كمثلك شيء يكون) (٤).
стр. 666
ثم يشرح غالي شكري هذه الكلمات المنكرة والعبارات الخبيثة، ويعتبر أن قائلها قد بدأ يتحرر قليلًا عندما قالها.
هذه شواهد من بلايا وطوام الحداثيين وآفاتهم الاعتقادية في تسميتهم ووصفهم غير اللَّه تعالى بأسماء وأوصاف اللَّه تعالى.
الوجه الرابع من أوجه انحرافاتهم المتعلقة بالأسماء والصفات: السخرية بأسماء اللَّه وصفاته ومخاطبته تعالى بما لا يليق بجلاله .
إن أدب الفوضى الحداثية قد فاض قبحه، وانتشر نتن عقائده، وأول منطلقاتهم في ذلك النيل من جلال اللَّه وعظمته وقداسته -جلَّ وعلا-، لقد قامت مدارسهم العديدة على ثالوث الحداثة المدمر: "التجاوز والتمرد والرفض".
وأول شيء في تجاوزهم وتمردهم ورفضهم هو الدين، وخاصة دين الإسلام القويم.
وأساليبهم في ذلك عديدة منها "تدنيس المقدس" الذي أضحى غاية من أعظم غايتهم، وهدفًا من أهم أهدافهم؛ ولذلك توجهوا نحو أركان إيمان المؤمنين فسلطوا عليها ألفاظهم الدنسة وعباراتهم النجسة، وغامروا في أودية الهلكات بسبابهم وسخريتهم من اللَّه مالك الملكوت جبار السموات والأرض قاصم الجبابرة -جلَّ وعلا-.
وقد مرّ معنا من أول الفصل إلى هنا نماذج عديدة من كلامهم وكلها تدل على سخريتهم باللَّه تعالى، وفيها من العبارات المخزية الخبيثة، والمخاطبات الساخرة، ما فيه أكبر دليل على أنهم استهدفوا صرح هذا الدين ليهدموه، وتألبوا على قداسته ليدنسوها، وتكالبوا على نوره ليطفئوه، وأنى لهم ذلك؟!
وهل يفلح نسج العنكبوت في مقاومة السيل إذا هدر؟!.
أم هل تفلح القناني المكسرة ولو كثرت في رد الشمس، أو تغيير الكون، أو تبديل الحقائق؟!.
стр. 667
إن ألاعيب الخيال السقيم، ومرض العقول الملحدة، لا يُمكن أن تطفيء نور الحق مهما تكالبت وتألبت، فاللَّه متم نوره ولو كره الكافرون، وسوف أورد هنا بعض الشواهد على هذا الوجه من الانحراف، فمن ذلك قول أدونيس في سخريته بالدين والإسلام في مقطع بعنوان "رماد عائشة":
(ثلاثة من الفراغ
واحد مغارة
والآخران صَدَأ:
"رباه كم تزلزل الجدار في عظامنا
وانطفأ السراج والصباح في عيوننا
وجمدت صلاتنا على اسمك القديم
ونسيت قلوبنا اللذائذ الخطايا
آملة بوعدك الكريم) (١).
فهو يجعل هذه العجوز "عائشة" رمزًا للتخلف الذي هو عنده الإيمان باللَّه والدين والدعاء ويستخدم اسم "عائشة" تبعًا للعداوة الشيعية التي تربى عليها في طائفته النصيرية ضد أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂.
ثم يجعل الصلاة والدعاء تأخرًا ورجعية وجمودًا على اسم اللَّه تعالى.
ومن أقواله التي يسخر فيها باللَّه تعالى وبأسمائه وصفاته كلامه الساقط في مقطع جنسي هابط يتحدث عن فرج امرأة فيقول:
(في أحشائك أعرف أوقن أن الآتي
سر حياتي
فيك أصور أبدع أعلى آثاري
стр. 668
أوضح أعتم أسراري
فيك أنشيء فيك أحقق أن اللَّه.
لا يتناهى) (١).
في هذا النص يظهر مقدار التهكم باللَّه تعالى، حيث جعل أزليته تعالى إنشاءً واختلافًا وقرن تحقيق ذلك بفرج امرأة في أسلوب تدنيسي واضح الألفاظ والمقاصد.
ومن أقواله في هذا القبيل:
(اعرف أن جنس الربوبية يتأصل في أحشاء الأرض
ويتناسل
اعرف الأرض بالأرض
والسماء بنور الأرض) (٢).
ومن الفلسفات الحداثية العلمانية المتهافتة التي يريدون الوصول إلى إبطال الشريعة وإبطال الدين كله قول العلماني اللبناني عادل ظاهر، في ندوة "الحداثة والإسلام": (إن الاعتقاد أن اللَّه أمر المسلم بأن يقنن الشريعة بغض النظر عن الظروف التي يجد نفسه فيها، هو اعتقاد يناقض طبيعة اللَّه، فإن اللَّه بحكم ماهيته، لا يُمكن أن يأمر بما هو خارق. . . باختصار، اللَّه بحكم طبيعته عقلاني بصورة تامة وما يعنيه هذا، على وجه التحديد، هو أنه لا يُمكن أن يأمر بعمل شيء إلّا إذا كانت الاعتبارات العقلانية لصالح القيام به. . .) (٣).
وفي تطبيق بالمثال لقاعدته الزائفة هذه والتي فيها السخرية من اللَّه والمخاطبة له بما لا يليق، يقول: (. . . إننا من معرفتنا لطبيعة اللَّه يُمكننا أن نستنتج أن اللَّه ما كان ليأمرنا بأن نطبق نظام الشورى وأن نعاقب السارق
стр. 669
بقطع يده، بغض النظر عن ظروفنا الزمانية والمكانية) (١).
وهكذا تتبدى الطبيعة العلمانية الحاقدة على الدين حتى وهي في مسوح الاحتجاج بالدين ضد الدين، فاللَّه -جلَّ وعلا- عندهم صاحب طبيعة وكأنه أحد المخلوقات -جلَّ وعلا وَتَقَدَّسَ- وصاحب عقلانية كالبشر المهازيل الضعفاء.
ولعل هذا العلماني الجاهلي يظن نفسه قد أتى بالمفحم من الحجج، وما أشبه حجته بحجة أهل الجاهلية الأولى من مشركي قريش وفارس حين حرم اللَّه أكل الميتة فقالوا: (إن محمد وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم يأكلونه. . . فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٢)، ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾) (٣)(٤).
ومن السخرية باللَّه وأسمائه وصفاته ومخاطبته بما لا يليق بجلاله قول السياب:
(فنحن جميعًا أموات
أنا ومحمد واللَّه.
وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة
عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . .
. . . فيا قبر الإله، على النهار. . .
. . . إله الكعبة الجبار
стр. 670
بقطع يده، بغض النظر عن ظروفنا الزمانية والمكانية) (١).
وهكذا تتبدى الطبيعة العلمانية الحاقدة على الدين حتى وهي في مسوح الاحتجاج بالدين ضد الدين، فاللَّه -جلَّ وعلا- عندهم صاحب طبيعة وكأنه أحد المخلوقات -جلَّ وعلا وَتَقَدَّسَ- وصاحب عقلانية كالبشر المهازيل الضعفاء.
ولعل هذا العلماني الجاهلي يظن نفسه قد أتى بالمفحم من الحجج، وما أشبه حجته بحجة أهل الجاهلية الأولى من مشركي قريش وفارس حين حرم اللَّه أكل الميتة فقالوا: (إن محمد وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم يأكلونه. . . فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٢)، ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾) (٣)(٤).
ومن السخرية باللَّه وأسمائه وصفاته ومخاطبته بما لا يليق بجلاله قول السياب:
(فنحن جميعًا أموات
أنا ومحمد واللَّه.
وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة
عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . .
. . . فيا قبر الإله، على النهار. . .
. . . إله الكعبة الجبار