← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ثم يشرح غالي شكري هذه الكلمات المنكرة والعبارات الخبيثة، ويعتبر أن قائلها قد بدأ يتحرر قليلًا عندما قالها. هذه شواهد من بلايا وطوام الحداثيين وآفاتهم الاعتقادية في تسميتهم ووصفهم غير اللَّه تعالى بأسماء وأوصاف اللَّه تعالى. الوجه الرابع من أوجه انحرافاتهم المتعلقة بالأسماء والصفات: السخرية بأسماء اللَّه وصفاته ومخاطبته تعالى بما لا يليق بجلاله . إن أدب الفوضى الحداثية قد فاض قبحه، وانتشر نتن عقائده، وأول منطلقاتهم في ذلك النيل من جلال اللَّه وعظمته وقداسته -جلَّ وعلا-، لقد قامت مدارسهم العديدة على ثالوث الحداثة المدمر: "التجاوز والتمرد والرفض". وأول شيء في تجاوزهم وتمردهم ورفضهم هو الدين، وخاصة دين الإسلام القويم. وأساليبهم في ذلك عديدة منها "تدنيس المقدس" الذي أضحى غاية من أعظم غايتهم، وهدفًا من أهم أهدافهم؛ ولذلك توجهوا نحو أركان إيمان المؤمنين فسلطوا عليها ألفاظهم الدنسة وعباراتهم النجسة، وغامروا في أودية الهلكات بسبابهم وسخريتهم من اللَّه مالك الملكوت جبار السموات والأرض قاصم الجبابرة -جلَّ وعلا-. وقد مرّ معنا من أول الفصل إلى هنا نماذج عديدة من كلامهم وكلها تدل على سخريتهم باللَّه تعالى، وفيها من العبارات المخزية الخبيثة، والمخاطبات الساخرة، ما فيه أكبر دليل على أنهم استهدفوا صرح هذا الدين ليهدموه، وتألبوا على قداسته ليدنسوها، وتكالبوا على نوره ليطفئوه، وأنى لهم ذلك؟! وهل يفلح نسج العنكبوت في مقاومة السيل إذا هدر؟!. أم هل تفلح القناني المكسرة ولو كثرت في رد الشمس، أو تغيير الكون، أو تبديل الحقائق؟!.

стр. 667

إن ألاعيب الخيال السقيم، ومرض العقول الملحدة، لا يُمكن أن تطفيء نور الحق مهما تكالبت وتألبت، فاللَّه متم نوره ولو كره الكافرون، وسوف أورد هنا بعض الشواهد على هذا الوجه من الانحراف، فمن ذلك قول أدونيس في سخريته بالدين والإسلام في مقطع بعنوان "رماد عائشة": (ثلاثة من الفراغ واحد مغارة والآخران صَدَأ: "رباه كم تزلزل الجدار في عظامنا وانطفأ السراج والصباح في عيوننا وجمدت صلاتنا على اسمك القديم ونسيت قلوبنا اللذائذ الخطايا آملة بوعدك الكريم) (١). فهو يجعل هذه العجوز "عائشة" رمزًا للتخلف الذي هو عنده الإيمان باللَّه والدين والدعاء ويستخدم اسم "عائشة" تبعًا للعداوة الشيعية التي تربى عليها في طائفته النصيرية ضد أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂. ثم يجعل الصلاة والدعاء تأخرًا ورجعية وجمودًا على اسم اللَّه تعالى. ومن أقواله التي يسخر فيها باللَّه تعالى وبأسمائه وصفاته كلامه الساقط في مقطع جنسي هابط يتحدث عن فرج امرأة فيقول: (في أحشائك أعرف أوقن أن الآتي سر حياتي فيك أصور أبدع أعلى آثاري

стр. 668

أوضح أعتم أسراري فيك أنشيء فيك أحقق أن اللَّه. لا يتناهى) (١). في هذا النص يظهر مقدار التهكم باللَّه تعالى، حيث جعل أزليته تعالى إنشاءً واختلافًا وقرن تحقيق ذلك بفرج امرأة في أسلوب تدنيسي واضح الألفاظ والمقاصد. ومن أقواله في هذا القبيل: (اعرف أن جنس الربوبية يتأصل في أحشاء الأرض ويتناسل اعرف الأرض بالأرض والسماء بنور الأرض) (٢). ومن الفلسفات الحداثية العلمانية المتهافتة التي يريدون الوصول إلى إبطال الشريعة وإبطال الدين كله قول العلماني اللبناني عادل ظاهر، في ندوة "الحداثة والإسلام": (إن الاعتقاد أن اللَّه أمر المسلم بأن يقنن الشريعة بغض النظر عن الظروف التي يجد نفسه فيها، هو اعتقاد يناقض طبيعة اللَّه، فإن اللَّه بحكم ماهيته، لا يُمكن أن يأمر بما هو خارق. . . باختصار، اللَّه بحكم طبيعته عقلاني بصورة تامة وما يعنيه هذا، على وجه التحديد، هو أنه لا يُمكن أن يأمر بعمل شيء إلّا إذا كانت الاعتبارات العقلانية لصالح القيام به. . .) (٣). وفي تطبيق بالمثال لقاعدته الزائفة هذه والتي فيها السخرية من اللَّه والمخاطبة له بما لا يليق، يقول: (. . . إننا من معرفتنا لطبيعة اللَّه يُمكننا أن نستنتج أن اللَّه ما كان ليأمرنا بأن نطبق نظام الشورى وأن نعاقب السارق

стр. 669

بقطع يده، بغض النظر عن ظروفنا الزمانية والمكانية) (١). وهكذا تتبدى الطبيعة العلمانية الحاقدة على الدين حتى وهي في مسوح الاحتجاج بالدين ضد الدين، فاللَّه -جلَّ وعلا- عندهم صاحب طبيعة وكأنه أحد المخلوقات -جلَّ وعلا وَتَقَدَّسَ- وصاحب عقلانية كالبشر المهازيل الضعفاء. ولعل هذا العلماني الجاهلي يظن نفسه قد أتى بالمفحم من الحجج، وما أشبه حجته بحجة أهل الجاهلية الأولى من مشركي قريش وفارس حين حرم اللَّه أكل الميتة فقالوا: (إن محمد وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم يأكلونه. . . فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٢)، ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾) (٣) (٤). ومن السخرية باللَّه وأسمائه وصفاته ومخاطبته بما لا يليق بجلاله قول السياب: (فنحن جميعًا أموات أنا ومحمد واللَّه. وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . . . . . فيا قبر الإله، على النهار. . . . . . إله الكعبة الجبار

стр. 670

بقطع يده، بغض النظر عن ظروفنا الزمانية والمكانية) (١). وهكذا تتبدى الطبيعة العلمانية الحاقدة على الدين حتى وهي في مسوح الاحتجاج بالدين ضد الدين، فاللَّه -جلَّ وعلا- عندهم صاحب طبيعة وكأنه أحد المخلوقات -جلَّ وعلا وَتَقَدَّسَ- وصاحب عقلانية كالبشر المهازيل الضعفاء. ولعل هذا العلماني الجاهلي يظن نفسه قد أتى بالمفحم من الحجج، وما أشبه حجته بحجة أهل الجاهلية الأولى من مشركي قريش وفارس حين حرم اللَّه أكل الميتة فقالوا: (إن محمد وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم يأكلونه. . . فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٢)، ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾) (٣) (٤). ومن السخرية باللَّه وأسمائه وصفاته ومخاطبته بما لا يليق بجلاله قول السياب: (فنحن جميعًا أموات أنا ومحمد واللَّه. وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . . . . . فيا قبر الإله، على النهار. . . . . . إله الكعبة الجبار

стр. 671

بدرع أمس في ذي قار بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار إله محمد وإله آبائي من العرب تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار وأبصرناه يهبط أرضنا يومًا من السحب: جريحًا كان في أحيائنا يمشي ويستجدي فلم تضمد له جرحًا ولا ضحى له منا بغير الخبز والأنعام من عبد. . . . . . أعاد اليوم، كي يقتص من أنا دحرناه وأن اللَّه باق في قرانا، ما قتلناه ولا من جوعنا يومًا أكلناه ولا بالمال بعناه. . .) (١). سبحان اللَّه ما أعظم حلم اللَّه على من قال هذا ومن طبعه ومن كتبه ومن نشره، ومن أشاد بصاحبه وامتدحه، أمثل هذا يقال أن شعره وكتاباته من (أعمال الرؤيا الحضارية الواعية ويمثلها خليل حاوي وعبد الصبور وحسب الشيخ جعفر والسياب)؟ (٢). وأي رؤيا حضارية واعية في هذا القول وأشباهه؟ وما أكثر أشباهه، والتي منها قوله:

стр. 672

(كفرت بأمة الصحراء ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكةٍ أو عند واديها. . . . . . لست لأعذر اللَّه. إذا ما كان عطف منه، لا الحب، الذي خلاه يسقيني كؤوسًا من نعيم) (١). ومن كلامه في مخاطبة اللَّه بما لا يليق به -جلَّ وعلا- قوله: (أليس يكفي أيها الإله إن الغناء غناء الحياه فتصبغ الحياة بالقتام؟ تحيلني، بلا ردى، حطام: سفينة كسيرة تطفوا على الحياة؟ هات الردى، أريد أن أنام بين قبور أهلي المبعثرة وراء ليل المقبرة رصاصة الرحمة يا إله) (٢). وهذه الأقوال من السياب كانت بعدما أضرَّ به المرض وشارف على الهلاك، وتاب وأناب على حد زعم بعضهم!!. وهي وإن كان فيها التجاء إلى اللَّه تعالى إلّا أنه يخاطب اللَّه فيها بلا توقير ولا تعظيم ولا إجلال وهذه من نتائج تربيته الحداثية، التي علمته الاستخفاف باللَّه تعالى، وصنوه البياتي له في هذا الباب الكثير من الألفاظ،

стр. 673

وقد سبق نقل شواهد من كلامه على هذا، ومما قال: (يا إلهي قضاؤك العدل يجرى أتراه على الورى أم عليا خبزك المشتهى وخمرك سالت قطرة منه على شفتيا أين عيناك يا إله الليالي لتصب النعاس في مقليتا كيف أرقى لعرشك المتعالي أبسكر الصلاة أم بالحميا) (١) وقوله: (مولاي لا يبقى سوى الواحد القيوم وهذه النجوم) (٢). وقوله: (مجنونًا كنت أنادي اللَّه) (٣). وقوله: (لغتي صارت قنديلًا في باب اللَّه. . . فسيبقى صوتي قنديلًا في باب اللَّه) (٤). وقوله: (لا غالب إلّا اللَّه فلماذا يبكي عبد اللَّه) (٥). ونحوها: (لا غالب إلّا الخمار) (٦).

стр. 674

وفي مقطوعة الخال التي سبق ذكرها والتي بعنوان "الجدار الأزلي" مضامين اعتقادية خطيرة في حوار مع اللَّه تعالى مليء بالشك والاستخفاف والعدمية والاستهانة (١). ونحوها مقطوعة صنوه توفيق صائغ الموجهة إلى اللَّه في عبارات خبيثة واتهامات وسخريات وشكوك ونقد للَّه -جلَّ وعلا (٢) -، وكذلك المقطع الآخر الممتليء بالسخرية باللَّه والبذاءة في الخطاب معه -جلَّ وعلا (٣) -، وقد سبق نقل كثير من ألفاظ هذين المقطعين في الفصلين السابقين. ومن أشباه هذه الأقوال، قول النواب: (. . . فإن سكن الخلق بأخذ عزلته بزوايا من اللَّه عابقة بالشراب ويثمل باللَّه سبحانه والبلاد التي درجات الكحول بها لم تصلها الخمور) (٤). فتأمل كيف يسب اللَّه تعالى ويسخر من اسمه -جلَّ وعلا-، ثم يمعن في السخرية، فيقول: (يثمل باللَّه سبحانه). أمّا أمل دنقل فيقول ساخرًا مستهزئًا: (حاذيت خطو اللَّه لا أمامه ولا خلفه) (٥). أمّا نزار قباني قد استكثر من أصناف الانحراف وغرق في جب الخنا والفساد حتى أصبح هذا من عاداته، ومن طبيعته القذرة، كقوله:

стр. 675

(وستارتان إذا تحركتا أبصرت وجه اللَّه خلفهما) (١). وقوله: (أريد البحث عن وطن ورب لا يطاردني) (٢). وقوله: (يا أيها الغالي الذي أرضيتُ عني اللَّه إذا أحببته) (٣). وقوله: (ما دمت يا عصفورتي حبيبتي. . . إذن فإن اللَّه في السماء) (٤). أمّا قصيدته "أسئلة إلى اللَّه" (٥) فقد ملأها بالأسئلة التهكمية والخطاب غير اللائق، والوصف الساخر باللَّه تعالى وتقدس، ومن سخريته بأسماء اللَّه الحسنى -جلَّ وعلا- قوله: (كلما طال شعرك طال عمري كلما رأيته منثورًا على كتفيك لوحة مرسومة بالفحم والحبر الصيني وأجنحة السنونو

стр. 676

حوطته بكل أسماء اللَّه. هل تعرفين؟ لماذا استميت في عبادة شعرك) (١). ويطلب من اللَّه أن يلغي الشتاء من مفكرته (٢) جلّ وتقدس، ويسخر بالقرآن وبصفات اللَّه -جلَّ وعلا- حين يقول: (أن أمر الحب يا سيدتي من علم ربي) (٣). ويسخر من علو اللَّه تعالى وقدرته في قوله: (ولم تزل نظن إن اللَّه في السماء يعيدنا لدورنا) (٤). وفي استهانة كاملة باللَّه يقول: (لا أحد يقدر أن يغادر المكان يشتري جريدة أو كعكة أو قطعة صغرى من اللبان لربه، لا أحد، يقدر أن يقول: يا رباه لا أحد) (٥).

стр. 677

أمّا محمود درويش فإنه يجعل من علامات القحط والجدب كثرة أسماء اللَّه تعالى، وذلك في قوله: (في الزمن البخيل يتكاثر الأطفال والذكرى وأسماء الإله) (١). ومن سخريته بصفات اللَّه تعالى قوله: (وها أنا أعلن أن الزمان تغير! كانت صنوبرة تجعل اللَّه أقرب وكانت صنوبرة تجعل الجرح كوكب وكانت صنوبرة تنجب الأنبياء) (٢). ومن سخرياته قوله: (ليس الرب من سكان هذا القفر) (٣). أمّا معين بسيسو فقد قال في اللَّه تعالى قولًا فظيعًا حين قال: (لم يبق سوى اللَّه يعدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد. . .) (٤) إلى آخرها. وقال: (وكنت أول الذين قد رأوك كنت بين اللَّه والنبي أول النساء كيف وارت كل هذه الخواتم المكررة) (٥).

стр. 678

ويقرن اللَّه تعالى بأشياء تافهة، وذلك في قوله: (غزلان تركض نحو الشمس الشباك يخبئ فمه الماء يخبئ دمه اللَّه. الراديو الكرسي الكأس الباخرة الطائرة البنك حقيبته في يده الاسمنت هنا القاهرة هنا بيروت) (١). أمّا سميح القاسم فيستهين بصفات اللَّه تعالى على طريقته الخاصة حين يقول: (فسيف الثار مبعوث وإيليًا وصوت اللَّه كيف نشاؤه يأتي ويملأ. . يملأ الدنيا!!) (٢). وكذلك زميله الشيوعي الحداثي توفيق زياد يسأل اللَّه بطريقة مليئة بالتهكم حين يقول: (طلبي متواضع ألف جنيه صفراء هل هذا يا ربُ عليك كثير) (٣)

стр. 679

أمّا عبد العزيز المقالح فله أسلوبه الخاص في الإلحاد في أسماء اللَّه وصفاته وألوهيته وربوبيته، ومن أمثلة هذا الأسلوب قوله: (تحت جلدي تعيشين، نبكي معًا ونصلي، نجوع ونعرى، نجدف في اللَّه والشعب، يضبطنا عسس الليل والمخبرون، فاكتب اسمي وأخفيك تحت دمي. . .) (١). ولمحمد الماغوط أيضًا أسلوبه التهكمي فهو يقرن اللَّه تعالى بالشوارع الدامسة في سياق من النقد والاعتراض فيقول: (هناك في تجويفٍ من الوحل الأملس يذكرني بالجوع والشفاه المشرده حيث الأطفال الصغار يتدفقون كالملاريا أمام اللَّه والشوارع الدامسة) (٢). ونحو هذا قوله: (وكنت أحبك يا ليلى أكثر من اللَّه والشوارع الطويلة) (٣). ويجتريء الماغوط على اللَّه ويقذف بشتائمه وتهكماته على اللَّه -جلَّ وعلا- ويخاطبه بأقذع الألفاظ وأخبثها فيقول -قاتله اللَّه-: (يارب أيها القمر المنهوك القوى أيها الإله المسافر كنهد قديم

стр. 680

يقولون إنك في كل مكان على عتبة المبغى، وفي صراخ الخيول بين الأنهار الجميلة وتحت ورق الصفصاف الحزين كن معنا في هذه العيون المهشمة والأصابع الجرباء أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر لنبكي) (١). ويقول: (كل ما أريده هو الوصول بأقصى سرعة إلى السماء لأضع السوط في قبضة اللَّه. لعله يحرضنا على الثورة) (٢). أمَّا ممدوح عدوان فإنه يسخر باللَّه -جلَّ وعلا- وصفاته حين يجعل الخيانة تصل إليه عارية وتتسلل إليه عبر سواد الليل، وذلك في قوله: (تمرمرت حتى تمر البلية صامتةً وتجيء الخيانة عارية: قلت: كيف وصلت إلى اللَّه يا أم قالت: تسللت عبر سواد الليالي

стр. 681

بصمت النسيم) (١). ويستخدم عدوان كلمة التسبيح في سياق السخرية والاستهزاء والتهكم باللَّه تعالى وصفاته وأفعاله فيقول: (فسبحان من خلق الطاعة البشرية سبحان من صنع العظم مثل العجين مطيعًا لكل القوالب صاغ الدموع بكل المقاييس سبحان من جعل العنق صالحة للمشانق والأمن منسجمًا مع عتم السجون وأنشأ للكفر ناطحة للسحابِ وأنشأ أقبية في بلادي وسبحانه كيف أخفى معاجزه عن عيوني فلم أتعجب سوى خلقه للجمال ورفع السماء بلا عمدٍ كن أكن لا تكن) (٢). أمّا أحمد دحبور فإنه يسخر باللَّه تعالى، وبمعاوية ﵁ ويجعله رمزًا للعمالة فيقول: (فلا تقربيني إذن واسمعي: كلهم ولغوا في دمائي

стр. 682

من معاوية رضي اللَّه والأمريكان عنه، إلى باعة الشهداء) (١). ويقرن اللَّه تعالى بأشياء دنيوية ويجعله في قائمة الممنوعات منتقدًا عرف المسلمين وعقيدتهم التي تجعل اللَّه تعالى أعلى وأجل وأكبر من كل شيء. وكأن دحبور لا يرى أن الحداثيين قد قاموا بما يلزم لحداثتهم وكفرهم من سخرية باللَّه تعالى وجحد وإلحاد، فيطالب بأكثر مما حدث فيقول: (وتحت الباب قائمة الممنوع زاحفة على المفاتيح لا تكتب عن الغضب المقموع والجوع والأحلام زائدة عن حدها والغلا واللَّهِ أين هي القصيدة الآن؟ قل لي: أين أين هي. . .) (٢). ويتشدق بعبارات السخرية باللَّه تعالى قائلًا: (فليبارك الرب لها ثنا وآثامنا الضرورية بمزيد من الظلام الضروري حتى نتمكن، بأمان، من إدراك الصباح بما هو أهل وما نحن أهل) (٣).

стр. 683

وقد مرت عبارة المنيف التهكمية التي يقول فيها: (أخطر شيء في هذه الحياة بعد اللَّه والمال هو السروال، إذا كانت دكته قاسية أتعب وإذا ارتخت دكته أشقى وأتعب) (١). أمّا روايات ليلة القدر لابن جلون ومسافة في عقل رجل لعلاء حامد، وسقوط الإمام لنوال السعداوي، وألف وعام من الحنين، وعرس بغل لابن جلون، فإنها مليئة مترعة بالخبائث والنجاسات الفكرية من السخرية باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته ومخاطبته بما لا يليق من القول، واعتناق عقائد السياب والشتم والذم الموجه للَّه تعالى وتقدس. • • •

стр. 684

الإنحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها «دراسة نقدية شرعية» تأليف الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي [المجلد الثاني]

стр. 685

الفصل الرابع التصوُّرات المتأثرة بالوثنيات والديانات المنحرفة إن المتتبع للأدب العربي المعاصر والدارس لمذاهبه ومدارسه وتوجهاته، يكتشف أن العنوان الموضوع لهذا الفصل يقارب الحقيقة ولا يلج إلى عمقها. حيث إن الحقيقة في هذه القضية أن الأدب العربي المعاصر، وأعني الحداثة على وجه الخصوص لا تتوقف علاقته بالوثنيات والديانات المحرفة على مجرد التأثر بها، بل تجاوز ذلك إلى حد أصبحت معه هذه الوثنيات والديانات المحرفة جزءًا من النظام المعرفي، والأساس الثقافي والفكري للحداثة، وما الألفاظ الوثنية والنصرانية واليهودية إلّا نضحة من بئر عميقة استقى منها الحداثيون وتظلعوا. ومما يؤكد هذا الأمر ما يلي: ١ - أن الحداثة نبتة غربية، وهذه النبتة نشأت وترعرعت في طينة الفلسفات الغربية التي تعود في أصل تكوينها إلى اليونانية الإغريقية، وإلى اليهودية والنصرانية. ٢ - إن أساتذة الحداثة من الغربيين على الرغم من مناداتهم بالتحرر من القديم وتجاوز السائد، إلّا أنهم لم يتحرروا مطلقًا من سلطان الفلسفات اليونانية القديمة، ولا من بقايا الدين النصراني واليهودي الذي ولدوا ونشاؤوا

стр. 686

في أحضان رموزه، وبقي مؤثرًا فيهم (١)، ومما يؤكد ذلك: ٣ - أن هؤلاء الأساتذة الغربيين تعج كتاباتهم بالمعاني والمصطلحات والألفاظ ذات الدلالات والجذور اليونانية أو النصرانية أو اليهودية، وقد أخذ ذلك عنهم تلامذتهم من حداثيي العرب وحاكوهم وقلدوهم. ٤ - إن الحداثة الغربية حلقة في التسلسل الانحرافي الذي اعتنقه الغرب بدءًا من فلسفات الإغريق وانتهاءً بالنصرانية واليهودية المحرفتين، وقد ذكرنا في الفصل الأول شيئًا من هذا التسلسل الفكري والاجتماعي والثقافي والاعتقادي الذي أوصل الغرب إلى ما وصلوا إليه اليوم من انحرافات هائلة واسعة كبيرة، ليس آخرها الحداثة بمدارسها الإلحادية والشكية واللاأدرية، ولا الوجودية ولا السلوكيات البهيمية التي انحط إليها الإنسان الغربي إلّا من شاء اللَّه وقليل ما هم. ٥ - إن طبيعة الفلسفات والأفكار اليونانية القائمة على أوثان مؤلهة وأرباب معبودة من دون اللَّه وما توالد من هذه الطبيعة من فلسفات أخرى تدور على محور الإلحادية، كل هذه قادت -وطبيعي أن تقود- إلى الحداثة بمدارسها الفكرية والأدبية المختلفة. ٦ - إن طبيعة الدين النصراني بعد أن حرفه أهله، وكذبوا فيه، ومن خلاله، على اللَّه -جلَّ وعلا- أتاحت للنصارى الغربيين بما فيهم الحداثيين، أن يمتطوا الدين لتحقيق مآربهم والوصول إلى أغراضهم، ولو كانت هذه المآرب والأغراض تعارض الدين بالكلية أو تناقضه، فإن لديهم من فوضوية الكذب في الدين، والاختلاق فيه، ما يبرر لهم استخدامه على أي نحو يريدون. ٧ - وقبل هذا كله لابد من النظر في طبيعة الصراع بين الحق والباطل والإيمان والكفر والهدى والضلال، فإن الحق قوته في ذاته وبراهينه وأدلته،

стр. 687

أمّا الباطل فإنه لابد أن يؤلب أجناده وإن اختلفت مللهم وعقائدهم واتجاهاتهم، ولابد أن يبحث له عن جذور تسند جذعه الخاوي، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١). وهذا ما حدث فعلًا في قضية الحداثة، فإنها لهشاشتها وتداعي بنيانها تبحث لها عن جذور تقويها وأركان تشد من أزرها، ولو كانت هذه الجذور متباينة مختلفة متناقضة متشاكسة، فها هي تأخذ من وثنيات اليونان والبابليين، والفراعنة والهنادكة والبوذيين، والجاهليين العرب، وتنبض بنبض اليهودية والنصرانية، وتستند إلى المرتدين والزنادقة والباطنيين. وهؤلاء جميعًا على تفرق عقائدهم وتباينها واختلافها يجتمعون في نسق الحداثة ليكونوا أصدق مثال على أن الكفر ملة واحدة في مقابل ملة الإسلام، وإزاء كل هذا نجد أن رقاب بعض أبناء المسلمين العرب انحنت أمام الفكر الغربي الحديث تحتشي منه في جوفها، وتلعق من حمأته، وتشرب من مائه الآسن شرب الهيم، فكان من قيئها على الصحف وفي الكتب وفي المنتديات وفي وسائل الإعلام ما نسمعه من دعوات علمانية وحداثية ووجودية وقومية واشتراكية وشيوعية وليبرالية وبرغماتية إلى آخر تلك الأسماء والمذاهب الشائنة الشائهة. وقضية تأثر الحداثيين العرب بالعقائد الوثنية واليهودية والنصرانية من أوضح الواضحات، وأجلى المضامين الحداثية، في الشعر والدراسة والنقد والرواية. وتتبع كل شواهد هذه القضية مما يعسر ويصعب، ولكن نقول قولًا إجماليًا ثم نتبعه بشيء من التفصيل، ثم بشيء من الشواهد والأدلة لإثبات الدعوى. أمّا الإجمال فإنه يُمكن القول إنه لا يخلو حداثي من التأثر بهذه العقائد الباطلة، إمّا في مجمل اتجاهه وفلسفته، وإمّا في جزئيات عباراته ورموزه، وسوف نسوق إن شاء اللَّه جملة من الشواهد على هذا الأمر. وأمّا التفصيل فإن الحداثيين العرب ينقسمون في الجملة إلى ثلاثة أقسام من حيث الأصل والمنبت والانتساب:

стр. 688

القسم الأول: حداثيون نصارى، ولهم صولة وجولة وتأثير قوي وواضح في استيراد الحداثة وتسويقها، وأكثرهم من رواد هذا الاتجاه، ومن زعمائه والداعين إليه: وهؤلاء لا تجد انتسابهم إلى العرب إلّا انتساب اللسان واللغة والعرق، بل كان بعضهم لا يعرف اللغة العربية كما اعترف يوسف الخال بأنه عاد من أمريكا إلى لبنان ليتعلم اللغة العربية وبعد سنة وعدة أشهر أعلن تأسيس مجلة "شعر" وحركة التجديد في الشعر العربي (١)!!. وأحد النقاد يقرر بالشواهد أن جبران خليل جبران يعادي اللغة العربية، ويرى أنها أسهمت في تحديد نظرة العربي إلى الكون (٢)، ويقرر هذا الناقد أن هدم اللغة العربية أكبر إنجازات جبران (٣) الذي كان باعتراف خلطائه وأصدقائه: (يجهل قواعد النحو العربي، ولا يكاد يفهمها) (٤). وعلى هذا النحو كان أنسي الحاج وميخائيل نعيمة وغيرهم. لقد كان النصارى العرب - طلائع العدو وربيئته الأولى في المعركة الجديدة، معركة العقيدة والثقافة، بدلًا من معركة السيف والرصاص، التي اكتشف الغرب النصراني من تجاربهم العديدة من أيام فتح دمشق ومصر وبيت المقدس واستانبول والحروب الصليبية أن الحرب العسكرية غير ذات جدوى في إضعاف المسلمين وإنهاكم، فاختطوا أسلوبًا جديدًا في الحرب يتمثل في الغزو الاعتقادي والفكري، وكان بابهم إلى البلاد العربية إخوانهم في الدين من نصارى الشام ومصر، فمن خلالهم تسللت إلى بلاد المسلمين المفاهيم المناقضة لدين الإسلام مثل القومية والعلمانية والحداثة وغيرها، لقد تواطأوا مع نصارى الغرب في تمزيق القوى المعنوية والفكرية والمادية للمسلمين. وإذا تأملنا قائمة أدباء الحداثة فإننا نجد أسماء كبيرة في عالم

стр. 689

الحداثة كان لها الدور الكبير في نشر هذا المبدأ والدعاية له، والتمكين لأفكاره وأهدافه، وترسيخ وجوده في الذوق الصحفي والإعلامي والتأليفي، حتى غدا الملتمس للنشر والمكانة الإعلامية يبحث عن رضا العصابات النصرانية التي بسطت نفوذها من المقطم (١) والأهرام (٢) والهلال لجورجي زيدان والجريدة المصرية (٣)، والمقتطف (٤) والشرق (٥) والرابطة التي أسسها خريجو الكلية العلمانية في بيروت سنة ١٣٢٩ هـ/ ١٩١١ م (٦)، وغيرها من المجلات والجرائد العربية التي كان على رأسها نصارى من بلاد الشام ومصر، منذ ذلك الحين حتى ظهرت مجلة شعر ليوسف الخال وحوار لتوفيق صائغ. وإذا تأملنا قائمة سدنة الحداثة وأزلامها لنرى الأسماء النصرانية، فإننا نجد أسماء شهيرة مثل يوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا وأنسي الحاج وغالي شكري ولويس عوض وخليل حاوي وتوفيق صائغ وأنطون سعادة (٧)، فضلًا عن أدباء المهجر الذين هم الطليعة الأولى لهذا الجيش الغازي، ويعد جبران خليل جبران أحد كبار مؤسسي هذا الاتجاه؛ ولذلك اعتمده أدونيس في الثابت والمتحول، واعتبره أحد أبرز مؤسسي الحداثة العربية، ولميخائيل نعيمة (٨) دوره الكبير.

стр. 690

أمّا أمين الريحاني (١) فقد تجاوزت عمالته حدود الأدب والثقافة إلى التجسس والعمالة السياسية كما في التحقيق الذي كتبه عنه جهاد فاضل في مجلة الحوادث اللبنانية بعنوان "أمين الريحاني هل كان عميلًا للأمريكان؟ "، وأجاب على هذا السؤال بما يثبت بالوثائق أنه كان بالفعل عميلًا للأمريكان حتى قال عنه أحد ضباط الاستخبارات الأمريكية صاحب كتاب لعبة الأمم: (لولا الريحاني، فلربما اختلفت خريطة الشرق الأوسط المعاصرة) (٢). لقد كان أمين الريحاني رائدًا من رواد أدباء المهجر في أمريكا ومعه جبران وميخائيل نعيمة، ثم تفرغ الريحاني للتجول والرحلات المريبة في بعض بلاد العرب وأوروبا أمريكا، فألف كتبه في الرحلات واستمر نعيمة وجبران في نشاطهم الأدبي الفكري حتى أسسوا جماعة أدبية مع نصارى آخرين من لبنان (٣)، وأطلقوا على هذه الجماعة اسم الرابطة القلمية التي تبنت بقوة منظمة محاربة القديم كما قال أحد النقاد: (. . . إن الحملة على القديم وأتباعه لم تنتظم إلّا مع ظهور الرابطة القلمية عام ١٩٢٠ في أمريكا الشمالية والعصبة الأندلسية في أمريكا الجنوبية عام ١٩٣٣ م فكانت الحملة يشكل عام ثورية جارفة في الأولى راغبة في قطع كل علاقة بين الحاضر والماضي، وهادئة تدرجية في الثانية. . .، ولعل أبرز الثائرين على القديم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وتستهدف ثورتهما مفهوم الشعر وعناصره الشكلية والموضوعية) (٤). لقد تكونت هذه الرابطة وقامت على أساسين فكريين اعتقاديين هما

стр. 691

النصرانية، والثقافات الأجنبية من آداب الغرب وفلسفاته (١). بل قرر مجموعة من الباحثين في تاريخ الأدب وأصوله الفكرية أن (جبران وزملاءه من كتاب الرابطة القلمية كانوا الرسل الأمناء الحقيقيون الذين راحوا يبشرون بالمباديء المسيحية الحقة) (٢). ومن خدمات أصحاب الرابطة القلمية لأهل ملتهم النصارى الغربيين أنهم أرسلوا إلى مؤتمر الصلح الدولي المنعقد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى رسالة ارتماء وعمالة جاء فيها: (. . . إن السوريين ليسوا بعرب، وإن اللغة العربية التي يتكلمون بها اضطرهم الفاتحون إلى استعمالها، بدلًا من اللغتين الآرامية الوطنية واليونانية اللتين كانتا اللسان الشائع في البلاد السورية) (٣). وقد وقع على هذه المذكرة الخائنة الكاذبة: جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وغيرهما من أعضاء الرابطة (٤). وفي شذرات سريعة يُمكن القول بأن هذه الطليعة النصرانية هم جذور أدب الحداثة اليوم، وقد كان الريحاني كما سلف راسخًا في الخيانة والعمالة المندسة تحت أثواب الأدب والثقافة والرحلات، وكان في نتاجه الشعري القليل محاكيًا ومقلدًا للشاعر الأمريكي "والت وايتمان" كما اعترف هو بنفسه (٥). أمّا ميخائيل نعيمة فقد درس في روسيا القيصرية وتشبع بالأدب الروسي، وكان إضافة إلى نصرانيته يعتقد البوذية والهندوكية كما أكد بعض الباحثين (٦)، وكان ماسونيًا في حركة سورية الحرية التي تنادي بجعل سورية محمية أمريكية (٧).

стр. 692

أمّا جبران فقد كان نصرانيًا، شهوانيًا، داعرًا، اتخذ نيتشه إمامًا له فوافقه في جنونه وإلحاده، وكان جبران ينسب عند أصحابه إلى الجنون (١)، وينسب عند أدونيس إلى الريادة في الحداثة ونقض الدين ومحاربة الربوبية والألوهية والنبوات والوحي، كما سوف يأتي بيانه. أمَّا عبد المسيح حداد وهو أحد مؤسسي الرابطة القلمية فقد صرح بأن أعضاء الرابطة كانوا يرون أن الأدب العربي هو الوجه الآخر للإسلام ومن أجل ذلك وقفوا منه ومن اللغة العربية المواقف المعروفة (٢). ومن هنا يتضح بالدليل المادي أن مآرب القوم ليست التجديد في الأدب والشعر، وأن هجومهم على القديم ومحاربتهم للتراث ليس مقطوع الصلة بأصول اعتقادات هؤلاء وتلامذتهم، وليس منتًا عن مخططات إخوانهم في الملة والدين من الأوروبيين (٣). وسوف يأتي بإذن اللَّه تعالى في ثنايا هذا الفصل إثبات أثر النصارى الحداثيين في الحداثة العربية.

стр. 693

القسم الثاني: حداثيون طائفيون، وهؤلاء لهم في الحداثة قدم راسخ وشأن كبير، وخطر عظيم . وليس من باب المصادفة أن يكون هؤلاء ممن تزعموا هذا المبدأ وسعوا في نشره والدعاية له، فإن تاريخ المسلمين يشهد على أن طوائف المبتدعة وخاصة الباطنية وأهل الرفض والتشيع كانوا في حالات كثيرة في ضفة العدو وطائفته، بالعلن كلما أمكنهم ذلك، وبالسر وهو غالب حالهم. ومن يراجع تاريخ الحركات الباطنية والرافضية يجد الشواهد الكثيرة على هذا فقد كانوا في صف الكفار التتار في أواخر الدولة العباسية، وكان الوزير الرافضي ابن العلقمي (١) عينًا للتتار. داخل بغداد، ومعينًا لهم على دخولها وسلبها وتدميرها وقتل الخليفة العباسي سنة ٦٥٦ هـ (٢). وكانت حروبهم على المسلمين ومناقضتهم لملة الإسلام مستمرة باللسان والقلم والسنان والتجسس وغير ذلك، ذلك أنه بعد أن وضع اليهودي عبد اللَّه بن سبأ (٣) وأشياعه من المنافقين والمغفلين من المسلمين بذور الشر والفتنة؛ بدأ ينشر ضلاله بين المسلمين في السر حتى ألّبَ الناس على قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين (٤)، فوقع السيف في أمة الإسلام، وكان هذا الحدث العظيم مبدأ فتنة بين المسلمين ومقدمات حروب ومشكلات، وإرهاصات لباع كبيرة هزت الأمة الإسلامية وما تزال.

стр. 694

وقد استغل عبد اللَّه بن سبأ هذا الجو المضطرب، وعمل على زيادة الاضطراب والفتنة حتى وقع ما وقع من قتال وأمور دامية، ظهر في أثنائها وعلى إثرها فرق الضلال كالخوارج، والشيعة الذين وضع أساس بنائهم عبد اللَّه بن سبأ اليهودي مستغلًا تعاطف الناس مع أمير المؤمنين علي ﵁ وحبهم له ولآل البيت، فأظهر التعلق بمحبتهم وزعم أن عليًا ﵁ أوصى له بالخلافة من النبي ﷺ ونشر ذلك بين الناس فكانت هذه بداية بدعة الوصي والوصاية التي بنى عليها الشيعة أكثر أباطيلهم، ثم غالى حتى زعم أن عليًا كان نبيًا يوحى إليه، ثم غلا حتى ادعى له الألوهية من دون اللَّه (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أمّا الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأمّا الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد اللَّه بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر) (٢). ولكن ابن سبأ لم يمت إلّا وقد وضع بذور شره، فأخذ مذهب السبئية بعده بنان بن سمعان (٣) الذي قال بإلهية علي ﵁ ثم من بعده في ابنه محمد ثم في أبي هاشم ابن محمد بن علي بن أبي طالب ثم في نفسه هو، وكتب رسائل يدعو إلى نفسه بهذه الدعوى، وبدعوى النبوة، وأنشأ طائفة تسمى البنانية (٤)، تقوم على تأليه علي ﵁ ثم تأليه بنان،

стр. 695

والقول بالتناسخ، وكان مع بنان في هذه المدة وهذه البدعة المغيرة بن سعد البجلي (١) الذي كان يزعم أن عليًا ﵁ كان يستطيع أن يحي الموتى، وأن لمعبوده أعضاءً على صورة حروف الهجاء، ثم ظهر من بعدهما وعلى نفس المنوال أبو منصور العجلي الذي تنسب إليه فرقة المنصورية (٢)، وكان يزعم أنه رفع إلى السماء، وأن اللَّه مسح على رأسه، وكان هو وأتباعه من الشيعة ينكرون القيامة، ويزعمون أن عليًا هو الكسف الساقط من السماء، وأن الجنة رجل أمروا بموالاته، وهو إمام الوقت وأن النار رجل أمروا بمعاداته وهو خصم الإمام، وتأولوا المحرمات والفرائض على أسماء رجال، ثم جاء من بعده أستاذ الباطنية وجامع ضلالات من سبق ومضل من لحق أبو الخطاب (٣) الأسدي الذي تنتسب إليه فرق الخطابية الكافرة، القائلين بألوهية أحد أبناء جعفر الصادق (٤) وبالتناسخ، وبكون الشريعة ذات ظاهر وباطن، وأن الفرائض أسماء رجالٍ ونساء. وكان أبو الخطاب الأسدي، أحد شيوخ المفضل بن عمر الجعفي (٥)،

стр. 696

شيخ محمد بن نصير النميري (١) الذي كون فرقة النصيرية الباطنية، ولما توفي جعفر الصادق (٢) سنة ١٤٨ هـ رحمه اللَّه تعالى، انقسمت الشيعة بحسب اعتقاداتهم المختلفة في آل البيت، فالغلاة منهم وهم الذين ذكرنا آنفًا قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر (٣)، وهو الذي تنتسب إليه الاسماعيلية، أمّا الإمامية الرافضة فقالوا: بإمامة أخيه موسى الكاظم (٤). وقد بايعت الإسماعيلية على الإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر (٥) الإمام المكتوم كما يقولون، وفي هذه المدة تركز المذهب الباطني بفلسفاته،

стр. 697

وظهر بفتنته أمام المأمون العباسي، وكان تدبير أمر هذه الدعوة ونشرها واستمالة الناس إليها على يد عبد اللَّه بن ميمون القداح (١) الذي كان مولى لجعفر بن محمد الصادق. وعلى يد ميمون بن ديصان (٢) المجوسي الزنديق المتستر بالتشيع لآل البيت، والذي كان يظهر الرفض ويبطن الكفر المحض. وعلى يد محمد بن الحسين الملقب بدندان (٣) المتفلسف المنجم الشعوبي الذي كان يرى أن للكواكب تدبيرًا في الكون وروحانية، وكان يسعى لعودة دولة المجوس ويتنبأ بذلك ويتمنى أن يكون ذلك على يديه.

стр. 698

وقد اجتمع الثلاثة في سجن في العراق، وهناك وضعوا قواعد الملة الإسماعيلية، ولما خرجوا بدأوا بنشر دعوتهم في جبال الأكراد، وبلاد المغرب وفي أهل البحرين، ثم في أهل اليمين، وقد تمكنت الدعوة الباطنية من الانتشار حتى دخل في دعوتهم بعض كبار الدولة آنذاك، ومن خواص الخليفة العباسي، وهو القائد المسمى بالأفشين (١). وفي هذه المدة كانت فتنة الباطنية وقوتهم تتمثل في الفرقة الخرمية بقيادة الباطني بابك الخرمي (٢) الذي قام بحرب المسلمين وقتالهم وكانت منه أمور عظيمة في النكاية بالمسلمين. ثم قامت ثورة الزنج بقيادة صاحبها الباطني علي بن محمد (٣)، وتفرع المذهب الباطني الخبيث إلى مذاهب عديدة أشهرها: القرامطة (٤)،

стр. 699

والدروز (١) وإخوان الصفا (٢)،. . . . . . . .

стр. 700

والنصيرية (١)، وقامت لهم دولة العبيدية، ولما تحطمت هيبة الحكم

стр. 701

الإسلامي، واندثر سلطان الأمة، برزت رؤوس هؤلاء لتعتلي منابر الفكر والأدب والثقافة والصحافة بتأييد من أشياعهم الأوروبيين، الذين وجدوا في الطائفيين بغيتهم لما في عقائدهم من ضلال، وما في قلوبهم من أحقاد متوارثة على المسلمين ودينهم وعقيدتهم وتاريخهم ورموزهم. فأخذوهم وقربوهم وصنعوهم على أعينهم، وجعلوهم وسيلتهم الثانية في الغزو الفكري والاعتقادي والسلوكي، بعد نصارى العرب. ولما جاء هؤلاء الطائفيون بكل خلفياتهم الاعتقادية الضالة، والتاريخية الحاقدة، ووجدوا العون من الأوربيين الغازين، والجهل الراسخ بين أبناء المسلمين، والشتات والفرقة والضعف المعنوي والحسي، وجدوا في هذه الأجواء بغيتهم فشرعوا يبثون سمومهم، ويرسخون باطلهم، وينشرون بلاءهم بين أبناء المسلمين. وكانت إحدى أبرز اللافتات التي ولجوا من خلالها لا فتة الأدب الحديث والفكر المعاصر والتحرر الفكري. لكنهم في الحقيقة لم يتحرروا من عقائدهم الباطنية والرافضية بل اجتهدوا في ترسيخ مفاهيمها ومصطلحاتها، ورسومها، وأضافوا إلى ذلك أخلاطًا أخرى من عقائد الوثنيات المختلفة ومن عقائد النصارى واليهود. ولا غرو أن يكونوا كذلك، وقد مضى معنا في هوامش التعريف بأشهر الفرق الباطنية أنهم -أصلًا- في عقائدهم الباطنية قد مزجوا بين أنواع الخرافة والضلال من اليونان إلى الهند إلى المجوس والفرس إلى الديانات المحرفة. وحين نتأمل نتأج الأسماء الطائفية من الحداثيين نجد أنهم حرصوا على توظيف عقائدهم الطائفية في أسلوب دعوي دعائي واضح، والأغرب

стр. 702

في حومة الصراع الفكري -والأظهر كذلك- أن نشطاء هذا الصراع هم من النصارى، ثم من الطائفيين المنتسبين إلى الإسلام زورًا وكذبًا. ثم يراد لهذه الظاهرة أن تمر دون ذكر أو تأمل أو مراجعة، تحت شعارات خادعة، وضعت فكانت لها الهيبة في قلوب ضعفاء الإيمان والعقول من المسلمين، مثل شعارات الحرية الثقافية، والمرونة الفكرية، والتقدمية، والتحديث والعصرانية، وأكذوبة الأدب العالمي، وأسطورة التجديد المطلق، وغير ذلك من الشعارات التي اتخذت مسوغًا لكل تخريب اعتقادي وفكري وسلوكي وعملي. وبإيجاز فإن الحداثة العربية لا تجحد أن من أعلامها ودعاتها جملة من الباطنيين والرافضة: فمن النصيريين علي أحمد سعيد النصيري المسمي نفسه "أدونيس" وزوجته خالدة سعيد النصيرية، ومن الرافضة عبد الوهاب البياتي ومظفر النواب ومهدي عامل وحسين مروة ومحمد علي شمس الدين وشوقي بزيع، ومن الدروز توفيق زياد، وغيرهم (١). وسوف نورد -إن شاء اللَّه- من النصوص عن بعض هؤلاء ما يؤكد أنهم اتخذوا الحداثة سلمًا لتمرير وتسويق بضائعهم الفكرية الكاسدة. القسم الثالث: حداثيون شعوبيون، والشعوبية مذهب قديم مشتق من لفظ الشعب، ونسبته غير قياسية إلى "الشعوب"، وسموا بذلك لأنهم ينتصرون للشعوب الأخرى على قبائل العرب، وهم جماعة من الناس لا يرون للعرب فضلًا على غيرهم، وهم على قسمين: الأول: من يرى تسوية العرب بغيرهم، وأن لا تفاضل بين الأجناس والشعوب. الثاني: من يذهب إلى استنقاص العرب، والحط من قدرهم،

стр. 703

والتصغير لشأنهم، والبحث عن مثالبهم وعيوبهم (١). ومن الشيعة الرافضة محمد مهدي الجواهري، وأحمد الصافي النجفي ومحسن الموسوي ومحمد صالح عبد الرضا وعبد الأمير معلة وكلهم من العراق، ومن الرافضة كذلك محمد العلي وابنه رياض، وأحمد الشويخات وحنان الشيخ. ومن الأحزاب القومية التي اتخذت الحداثة منهجًا وأسلوبًا حزب البعث العربي الإشتراكي وكان من مؤسيسه، ومن أبرز رجالاته جملة من النصيريين هم زكي الأرسوزي وصلاح جديد ومحمد عمران وإبراهيم ماخوس وسليمان العيسى، وجملة أخرى من الدروز هم شبلي العيسمي، حمود الشوفي، منصور الأطرش، سليم حاطوم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-: (. . . والذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم، وأن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول اللَّه ﷺ أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسًا، وأفضلهم نسبًا. وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم لمجرد كون النبي ﷺ منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول اللَّه ﷺ أنه أفضل نسبًا ونفسًا، وإلّا لزم الدور) (٢). وقال: (وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل للعرب، والشعوب للعجم، ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب.

стр. 704

والغالب أن مثل هذا الكلام لايصدر إلّا عن نوع نفاق إمّا في الاعتقاد، وإمّا في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك. . .) (١). والدليل على فضل جنس العرب على غيرهم قوله ﷺ : (أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه تعالى خلق الخلق، فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خبرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم ببتًا، وأنا خيركم نفسًا) (٢). وقد فسر شيخ الإسلام المراد بهذا الحديث وبين أنه (يحتمل شيئين: أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم. . .، ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم، ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشًا بيوتًا فكانت بنو هاشم أفضل البيوت. ويحتمل أنه أراد بالخلق: بني آدم، فكان في خيرهم: أي في ولد إبراهيم، أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو في بني عدنان، ثم جعل بني إسماعيل، أو بني عدنان قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة وهم قريش، وعلى كل تقدير فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم وقد بيَّن ﷺ : أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم ثم لقريش ثم للعرب. . .) (٣).

стр. 705

ثم أضاف ﵀ قائلًا: (فإن اللَّه تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشًا على سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص) (١). ثم ذكر ﵀ بعد ذلك حكم بغض العرب ومحبتهم وبين: (. . . أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان. . .) (٢). وبعد كلام طويل ذكر سبب تفضيل جنس العرب، فقال ﵀: (وسبب هذا الفضل -واللَّه أعلم- ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل: إمّا بالعلم النافع، وإمّا بالعمل الصالح. والعلم له مبدأ وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام وهو: قوة المنطق، الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني، جمعًا وفرقًا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع، ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان فهم -مثلًا- بعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي التي لا يستراب فيها. وأمّا العمل: فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخبر معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا
следующие страницы →