الإسلامي، واندثر سلطان الأمة، برزت رؤوس هؤلاء لتعتلي منابر الفكر والأدب والثقافة والصحافة بتأييد من أشياعهم الأوروبيين، الذين وجدوا في الطائفيين بغيتهم لما في عقائدهم من ضلال، وما في قلوبهم من أحقاد متوارثة على المسلمين ودينهم وعقيدتهم وتاريخهم ورموزهم.
فأخذوهم وقربوهم وصنعوهم على أعينهم، وجعلوهم وسيلتهم الثانية في الغزو الفكري والاعتقادي والسلوكي، بعد نصارى العرب.
ولما جاء هؤلاء الطائفيون بكل خلفياتهم الاعتقادية الضالة، والتاريخية الحاقدة، ووجدوا العون من الأوربيين الغازين، والجهل الراسخ بين أبناء المسلمين، والشتات والفرقة والضعف المعنوي والحسي، وجدوا في هذه الأجواء بغيتهم فشرعوا يبثون سمومهم، ويرسخون باطلهم، وينشرون بلاءهم بين أبناء المسلمين.
وكانت إحدى أبرز اللافتات التي ولجوا من خلالها لا فتة الأدب الحديث والفكر المعاصر والتحرر الفكري.
لكنهم في الحقيقة لم يتحرروا من عقائدهم الباطنية والرافضية بل اجتهدوا في ترسيخ مفاهيمها ومصطلحاتها، ورسومها، وأضافوا إلى ذلك أخلاطًا أخرى من عقائد الوثنيات المختلفة ومن عقائد النصارى واليهود.
ولا غرو أن يكونوا كذلك، وقد مضى معنا في هوامش التعريف بأشهر الفرق الباطنية أنهم -أصلًا- في عقائدهم الباطنية قد مزجوا بين أنواع الخرافة والضلال من اليونان إلى الهند إلى المجوس والفرس إلى الديانات المحرفة.
وحين نتأمل نتأج الأسماء الطائفية من الحداثيين نجد أنهم حرصوا على توظيف عقائدهم الطائفية في أسلوب دعوي دعائي واضح، والأغرب
стр. 702
في حومة الصراع الفكري -والأظهر كذلك- أن نشطاء هذا الصراع هم من النصارى، ثم من الطائفيين المنتسبين إلى الإسلام زورًا وكذبًا.
ثم يراد لهذه الظاهرة أن تمر دون ذكر أو تأمل أو مراجعة، تحت شعارات خادعة، وضعت فكانت لها الهيبة في قلوب ضعفاء الإيمان والعقول من المسلمين، مثل شعارات الحرية الثقافية، والمرونة الفكرية، والتقدمية، والتحديث والعصرانية، وأكذوبة الأدب العالمي، وأسطورة التجديد المطلق، وغير ذلك من الشعارات التي اتخذت مسوغًا لكل تخريب اعتقادي وفكري وسلوكي وعملي.
وبإيجاز فإن الحداثة العربية لا تجحد أن من أعلامها ودعاتها جملة من الباطنيين والرافضة: فمن النصيريين علي أحمد سعيد النصيري المسمي نفسه "أدونيس" وزوجته خالدة سعيد النصيرية، ومن الرافضة عبد الوهاب البياتي ومظفر النواب ومهدي عامل وحسين مروة ومحمد علي شمس الدين وشوقي بزيع، ومن الدروز توفيق زياد، وغيرهم (١).
وسوف نورد -إن شاء اللَّه- من النصوص عن بعض هؤلاء ما يؤكد أنهم اتخذوا الحداثة سلمًا لتمرير وتسويق بضائعهم الفكرية الكاسدة.
القسم الثالث: حداثيون شعوبيون، والشعوبية مذهب قديم مشتق من لفظ الشعب، ونسبته غير قياسية إلى "الشعوب"، وسموا بذلك لأنهم ينتصرون للشعوب الأخرى على قبائل العرب، وهم جماعة من الناس لا يرون للعرب فضلًا على غيرهم، وهم على قسمين:
الأول: من يرى تسوية العرب بغيرهم، وأن لا تفاضل بين الأجناس والشعوب.
الثاني: من يذهب إلى استنقاص العرب، والحط من قدرهم،
стр. 703
والتصغير لشأنهم، والبحث عن مثالبهم وعيوبهم (١).
ومن الشيعة الرافضة محمد مهدي الجواهري، وأحمد الصافي النجفي ومحسن الموسوي ومحمد صالح عبد الرضا وعبد الأمير معلة وكلهم من العراق، ومن الرافضة كذلك محمد العلي وابنه رياض، وأحمد الشويخات وحنان الشيخ.
ومن الأحزاب القومية التي اتخذت الحداثة منهجًا وأسلوبًا حزب البعث العربي الإشتراكي وكان من مؤسيسه، ومن أبرز رجالاته جملة من النصيريين هم زكي الأرسوزي وصلاح جديد ومحمد عمران وإبراهيم ماخوس وسليمان العيسى، وجملة أخرى من الدروز هم شبلي العيسمي، حمود الشوفي، منصور الأطرش، سليم حاطوم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-: (. . . والذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم، وأن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول اللَّه ﷺ أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسًا، وأفضلهم نسبًا.
وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم لمجرد كون النبي ﷺ منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول اللَّه ﷺ أنه أفضل نسبًا ونفسًا، وإلّا لزم الدور) (٢).
وقال: (وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل للعرب، والشعوب للعجم، ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب.
стр. 704
والغالب أن مثل هذا الكلام لايصدر إلّا عن نوع نفاق إمّا في الاعتقاد، وإمّا في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك. . .) (١).
والدليل على فضل جنس العرب على غيرهم قوله ﷺ : (أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه تعالى خلق الخلق، فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خبرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم ببتًا، وأنا خيركم نفسًا) (٢).
وقد فسر شيخ الإسلام المراد بهذا الحديث وبين أنه (يحتمل شيئين:
أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم. . .، ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم، ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشًا بيوتًا فكانت بنو هاشم أفضل البيوت.
ويحتمل أنه أراد بالخلق: بني آدم، فكان في خيرهم: أي في ولد إبراهيم، أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو في بني عدنان، ثم جعل بني إسماعيل، أو بني عدنان قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة وهم قريش، وعلى كل تقدير فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم وقد بيَّن ﷺ : أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم ثم لقريش ثم للعرب. . .) (٣).
стр. 705
ثم أضاف ﵀ قائلًا: (فإن اللَّه تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشًا على سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص) (١).
ثم ذكر ﵀ بعد ذلك حكم بغض العرب ومحبتهم وبين: (. . . أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان. . .) (٢).
وبعد كلام طويل ذكر سبب تفضيل جنس العرب، فقال ﵀: (وسبب هذا الفضل -واللَّه أعلم- ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل: إمّا بالعلم النافع، وإمّا بالعمل الصالح.
والعلم له مبدأ وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام وهو: قوة المنطق، الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني، جمعًا وفرقًا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع، ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان فهم -مثلًا- بعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي التي لا يستراب فيها.
وأمّا العمل: فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخبر معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا
стр. 706
شريعة موروثة عن نبي، ولا هم -أيضًا- مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة، كالطب والحساب ونحوها، إنّما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب.
فلما بعث اللَّه محمدًا ﷺ بالهدى الذي ما جعل اللَّه في الأرض ولا يجعل أمرًا أجل منه وأعظم قدرًا، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية، والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم، زالت تلك الريون عن قلوبهم، استنارت بهدى اللَّه الذي أنزل على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم، بتلك الفطرة الجيدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل اللَّه أليهم، بمنزلة أرض جيدة في نفسها، لكن معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاة والعوسج، وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله. . .) (١).
ثم بعد كلام طويل ذكر ما يجب على من يذكر الفضائل، والمراد بتفضيل العرب أو غيرهم ممن وردت نصوص بتفضيلهم، فقال: (. . . إن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل إذ يعرف الخير، ويتحراه جهده، ليس غرضه الفخر على أحد، ولا الغمص من أحد، فقد روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي (٢) ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : "إنه أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (٣).
стр. 707
فنهى اللَّه سبحانه على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة على الخلق وهي الفخر والبغي؛ لأن المستطيل أن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا، فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة، مثل أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه والنظر إلى ذلك فإنه مخطيء في هذا؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما قدمناه، فرب حبشي أفضل عند اللَّه من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب نقصه وخروجه عن الفضل، فضلًا عن أن يستعلي بهذا ويستطيل.
وإن كان من الطائفة الأخرى، مثل العجم، أو غير قريش، أو غير بني هاشم، فليعلم أن تصديقه لرسول اللَّه ﷺ فيما أخبر وطاعته فيما أمر، ومحبة ما أحبه اللَّه، والتشبه بمن فضل اللَّه، والقيام بالدين الحق، الذي بعث اللَّه به محمدًا، يوجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة المفضلة وهذا هو الفضل الحقيقي) (١).
هكذا الكلام السديد الذي كتبه شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه، فيه رد على كلتا الطائفتين المنحرفتين: على الشعوبيين الذين يبغضون العرب ويذمونهم، وعلى القوميين العروبيين الذين يفتخرون بجنسهم وعرقهم وأنسابهم.
فأفضلية جنس العرب على جنس سائر الأمم مما يعتقده أهل السنة والجماعة، ولكن هذا شيء والافتخار بالجنس والعرق شيء آخر، وهو من أمور الجاهلية التي أبطلها الإسلام، ونهى عنها رسول اللَّه ﷺ فقال: "لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلّا بالتقوى. . . " (٢) الحديث.
وقال ﷺ إن اللَّه أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها
стр. 708
بآبائها، الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤمن تقي، وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على اللَّه من الجعلان التي تدفع النتن بأفواهها" (١).
وجماع القول في هذه القضية ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عليه ﵀ في الفتاوى-: (وجمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم كما أن جنس قريش خير من غيرهم، وجنس بني هاشم خير من غيرهم، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خبارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (٢).
لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد، فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش وفي غير بني هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم) (٣).
إلى أن قال: (لم يخص العرب بحكم شرعي، بل ولا خص بعض أصحابه بحكم دون سائر أمته، ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم، وكذلك السابقون الأولون لم يخصهم بحكم، ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما اختصوا به من العمل، وذلك لا يتعلق بالنسب.
والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية، ولكن خص قريشًا بأن الإمامة فيهم، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم. . .) (٤).
والمقصود أن الشعوبية التي رفع رياتها المنحرفون من الفرس
стр. 709
والعرب (١)، تقوم على نظرية غير الإسلام في هذه الناحية، وأهم معالم الشعوبية ما يلي:
١ - بغض العرب، والاستخفاف بهم، والتحقير من شأنهم.
٢ - تقوم الشعوبية على جوانب فكرية وسياسية وأدبية تستهدف الكيد للعرب ومنعهم من تحقيق ازدهارهم.
٣ - تلغي الشعوبية معيار العقيدة والدين أو تقلل من شأنها وتعتمد على معيار العرق واللغة والوطن.
٤ - تستهدف الشعوبية تشويه تاريخ العرب وتصغير شأنهم وإنكار أي دور حضاري لهم.
٥ - تستنقص الشعوبية من قدر اللغة العربية وتهون من شأنها وتسعى في إضعافها وتدميرها، وتلصق بها شتى التهم كالتخلف والبربرية، والجفاء والضعف الشاعري والجمود، والمبالغات، وغير ذلك.
٦ - محور الخطاب الشعوبي أن العرب قبائل لا تربطها رابط وليس لها في الحضارة والتقدم نصيب، وأنهم مجرد حالة من الهمجية والتخلف في حين أن الشعوب الأخرى أصحاب حضارات راسخة.
وانظر هذه المسألة في ١٥/ ٤٣١ و ٢٧/ ٤٧٢، وجامع الرسائل بتحقيق محمد رشاد سالم المجموعة الأولى ٢٨٧ - ٢٩٠، ومنهاج السنة ٤/ ٦٠٠، وسلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ١٩٢ - ١٩٧.
٧ - الدعوة إلى إحلال العادات والتقاليد والإعراف الاجتماعية والثقافية واللغوية الفارسية والرومية محل العربية.
٨ - اتخاذ الشعوبية طريقًا لمضادة الإسلام ومحاربة أهله.
٩ - إحياء تراث الملل والنحل للشعوب غير العربية التي كانت قبل الإسلام.
стр. 710
١٠ - تحوير معنى النصوص والمفاهيم الإسلامية، وتاويلها تاويلًا يخرجها عن مفاهيمها الحقيقية إلى أخرى بعيدة عن الإسلام.
هذه أهم سمات الشعوبية، ولكن هل كانت مجرد مذهب اعتقادي فكري بدأ في العصر الأموي واشتد في العصر العباسي ثم انتهى بعد أن مضت عليه السنون؟.
إن المتأمل في كتابات المستغربين العلمانيين والحداثيين يرى أنهم الامتداد الحقيقي للفكرة الشعوبية، والصورة الأكثر خبثًا أيضًا؛ ذلك أنهم -أو أكثرهم- أضاف إلى شعوبيته وبغضه للعرب أمة وجنسًا ولغة، بغضه للدين وإلحاده المكشوف وشركه باللَّه تعالى، وغير ذلك من أنواع الانحراف الاعتقادي والخلقي والعملي.
والدارس لتاريخ الصراع الفكري الحديث بين الإسلام وغيره يستطيع أن يكتشف أن دعاة التغريب الأوائل كانوا ينطوون على عقيدة شعوبية تخريبية، ولا مجال هنا لاستعراض خبايا هذه الطليعة المستغربة، ويكفي أن نستدل بواحد من أظهر مشاهيرها، وهو طه حسين، الذي شحن كتاباته بالتحامل على العرب والإسلام وخاصة كتابيه في الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر (١).
ثم توالدت هذه العقيدة الشعوبية إلى أن وصلت إلى الحداثيين الذين تشبعوا بأفكار وعقائد الغرب وذابوا في مذاهبه واندمجوا في فلسفته، فصاروا لسانه الناطق عنه، ولواءه المنشور في بلاد العرب والمسلمين، ومن الطبيعي أن يكون المتشرب لعقيدة مّا، لسانها المعبر عنها وحسامها المدافع عنها.
والحداثيون يعترفون -بافتخار أحيانًا وبانتقاد في أحيان قليلة- أنهم يعيشون التبعية للغرب فكرًا وسلوكًا وممارسة.
стр. 711
يقول الماركسي اللبناني حسين مروة (١): (لقد كنا في لبنان مصابين بانتشار ألوان من الأدب والفن الانحلاليين وكان معظم أدبائنا وفنانينا متأثرين بالمؤسسات الأجنبية والمدارس الفرنسية في الأدب والفن والفلسفة، من رومنطيقية وسوريالية وانطباعية ووجودية، يقلدونها جميعًا، ويتعصبون لها، ويقفون بوجه الحركة الواقعية في الأدب والفن) (٢).
ففي هذا النص اعتراف كامل بتبعية أولئك للغرب، إلّا أن الطريف والمؤلم في الوقت ذاته أنه ينتقد عليهم وقوفهم ضد الحركة الواقعية في الأدب، وهي ليست سوى وجه آخر للتبعية، لكنها تبعية للكتلة الشرقية من أوروبا: الكتلة الشيوعية الماركسية اللينينية التي كان حسين مروة من أنشط دعاتها الحزبيين والفكريين، وكانت مجلة الثقافة الوطنية المنبر الثقافي والأدبي الذي امتطاه دعاة الشيوعية يبثون أفكارهم من خلاله (٣).
ومن شواهد اعترافات الحداثيين بالتبعية بل، وتأصيلهم لذلك ما ذكره
стр. 712
محمد جمال باروت عن تبعية عصابة شعر حيث قال: (. . . حركة مجلة شعر قد دمجت فعليًا بين المثال الإحيائي النهضوي والمثال الغربي، بعيدًا عن أية مثنوية حضارية، وبهذا المعنى قادت الأطروحة النهضوية مشروع شعر إلى المثال الغربي، كإعادة اتصال به، أو كتكرار لما كان في البدء، ويعبر عن ذلك أدونيس في معالجة لقضية المثنوية الحضارية، أمّا يسميه "قضية التعارض: شرق/ غرب" "ففي الأصل لا غرب لا شرق في الأصل الإنسان سائلًا باحثًا، بدأ السؤال والبحث وجودًا ومصيرًا في حوض المتوسط الشرقي ومن ضمنه سومر/ بال ثم أصبح نضامًا فكريًا، ومشروع أجوبة متكاملة في أثينا، من هذا الحوض كذلك جاءت الرؤيا الدينية: اليهودية وبعدها المسيحية مشروع أجوبة أخرى، وهيمن الجواب المسيحي وغزا ما وراء المتوسط "الغرب"، ثم جاء الإسلام بأجوبته التي تحتضن ماتقدمها وتكملها، أوروبا نفسها تسمية مشرقية فينيقية، أي: أنها اكتشاف أو ابتكار مشرقي، أليس اسمها هو نفسه، اسم الآلهة الفينقية "أوروب" كما تقول الأسطورة أي كما يقول الخيال/ الواقع") (١).
فقضية الارتماء الغربي قضية عادية مسلّم بها، لكن أدونيس يبحث عن تسويغ تاريخي بفذلكة متهافتة، تقوم على أساس فكرة الحضارة المتوسطية، وهي أوروبا المستوردة في فكر وشعر الحداثة، وهي الجذور التي تريد عصابة شعر ترسيخ عقائدها الوثنية والنصرانية باسم أنها كانت نابعة من الشرق على حد تعبير أدونيس في قوله: (الإبداعات الكبرى في الغرب، سواء كانت دينية أو فنية أو فلسفية -تجاوزًا للتقنية- شرقية الينانيع، أنها نوع من شرقنة الغرب) (٢).
يقول باروت بعد هذا النص: (هكذا تأسست أطروحة المعاصرة ليس بوصفها اقتلاعًا بل بوصفها نهضة وعودة إلى الجذور، وستعبر اطروحة
стр. 713
"الحضارة المتوسطية" عن ذلك تمامًا، فيوسف الخال يشير من انكلترا إلى البحر المتوسط "بحرنا العظيم الخالد" كما يصف "خطوات الملك" لشوقي أبو شقرا بأنها "إنتاج لبناني متوسطي" كما يرى أدونيس في شعر يوسف الخال عودة العربي إلى نقائه الأول "عودة توحدنا بقوى تراثنا الحية الحرة. . . هذه القوى هي عقدة الوصل التي تعيد ربطنا كعرب بتاريخ المغامرة الإنسانية، تصل ما انقطع بيننا وبين اليونان، وما قبل اليونان عبر المسيحية -بيننا وبين التراث المتوسطي- خميرة الحضارة الإنسانية ومهدها") (١).
إن هذا النص والذي قبله يبدوان للوهلة الأولى أنهما يمثلان نظرة تاريخية خاصة بصاحبها، وموضوعية معرفية تحتوي على إنصاف، إلا أنها في حقيقة الأمر ينطويان على مبدأ تسويقي لا يخلو من طرافة مضحكة فحواها: إن الحداثة المستوردة ليست سوى بضاعتنا التي ردت الينا، فهي -حسب رأي باروت- نهضة تقوم على جذور تاريخية هي الحضارة المتوسطية، فلا وجه للانزعاج منها، ووصفها بأنها غزو فكري غربي، ولا مجال لاعتبارها غريبة على هويتنا وثقافتنا ومجتمعاتنا، فيا لها من حقائق مزورة وتخيلات تكتسي -بالزور- ثوب الحقيقة!!!
إن أصدق تعبير عن هذه التبعية ما قاله باروت عن ذوبان عصبة شعر في الغرب: (التي وجدت في النموذج الثقافي - الشعري الغربي كمال التعبير عنها، لقد هضمت نخبة "شعر" محتويات هذه الحساسية ثقافيًا وروحيًا وجماليًا، وأعادت إنتاجها شعريًا) (٢).
وهذا القول شهادة حقيقية على مقدار التبعية في مجلة شعر وأتباعها وهي شهادة يُمكن تعميمها على كل أتباع الحداثة الذين تبنوا ما يسمى بالنهضة الحديثة وهي في الحقيقة ارتكاس وانتكاس وتبعية باعتراف الحداثيين أنفسهم، كما قال أحدهم: (كانت النهضة تعلن عن تكون نظرة جديدة للحياة والعالم والإنسان. . . بهذا المعنى يُمكن فهم اقتراح "الشعر المنثور"
стр. 714
في العقد الأول من القرن، عبر صلته الوثيقة بهاجس النهضة، ومحتواها العصري، صحيح أن هذا الاقتراح كان يستمد معاييره من الغرب. . . من هنا كانت النهضة المحكومة بوعي يرى في الغرب روح العصر) (١).
وفي اعترافات صارخة بالتبعية الكاملة يقول أحد الحداثيين: (. . . يؤثر كثيرون "من الشعراء" عدم الكتابة إلّا انعكاسًا كليًا لمرأة الحداثة الغربية، وإذ نعترف بأن الغرب اليوم يقدم لنا غالبية عناصر الحداثة الأدبية الشعرية، فإن الانقياد والإمحاء الكلي أمام نماذجه يحرماننا من تكوين لغتنا الشعرية الخاصة) (٢).
ونحوه قول الآخر: (لقد كان التحديث -ويا لسذاجتنا نحن التقدميين- شعارًا شافًا، وأحيانًا شفافًا لإنجاز التبعية الكاملة للغرب) (٣).
وفي حقيقة الأمر أن هذه الأقوال ليست سوى قطرة صغيرة من بحر الاعترافات الواضحة بالتبعية، والنماذج الصارخة لها، وليس بإمكاني أن أورد هنا كل ما جمعته في هذا الصدد (٤).
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 716
لكن المقصود هنا أن هذه التبعية أضافت إلى شرور الحداثة الاعتقادية والسلوكية شرًا آخر يتمثل في اعتناق الشعوبية ومعاداة العرب، إذ من الضروري أن يكون المنتمي إلى فكر الغرب وعقائده ومذاهبه وفلسفاته،
стр. 717
منطويًا على ما انطوى عليه الغرب من بغض للعرب أصل الإسلام ومعدنه.
وليس هذا من باب اللازم العقلي والواقعي فحسب، وإن كان لازمًا لا فكاك منه، بل هو إضافة إلى ذلك من الأمور التي يصرح بها الحداثيون في معرض انغماسهم في التبعية للغرب، وهو ملمح واضح غاية الوضوح.
وتظهر شعوبيتهم جلية في معرض هجومهم على اللغة العربية ومناداتهم بتدميرها وتفجيرها أو تغييرها، واستبدالها بالأحرف اللاتينية أو بالعامية المحكية، وهذا كثير عند الحداثيين، بل إنه من سماتهم الأساسية حتى عند المعتدلين منهم والذين مازالوا يعترفون بحق اللغة العربية في الحياة!!، أمّا المنادون بإبادتها بالكلية فلا ريب أنهم قد قطعوا شوطًا كبيرًا في الارتماء الشعوبي بمضادتهم وبغضهم للغة القرآن العظيم لغة العرب، أو بمناداتهم بتغيير دلالات الألفاظ وعلاقاتها ببعضها، أو الدعوة إلى إلغاء النحو والإعراب واللغة المعجمية للألفاظ، أو بالعبث باللغة وألفاظها (١).
стр. 718
ولولا أن المقام لايتسع لذكر الشواهد على عداوتهم للغة وحربهم لها لذكرت من ذلك أشياء كثيرة، تدل بجلاء على شعوبية الحداثيين وبغضهم للغة العرب، رغم دعاواهم العريضة في أنهم بمشروعهم الحداثي يخدمون اللغة ويسعون لتطويرها وانعاشها على حد تعبيرهم، غير أن في أقوالهم وتصريحاتهم
стр. 719
وممارساتهم ما يؤكد أنهم احترفوا التدمير والتفجير والإبادة لهذه اللغة الكريمة (١).
ومن هذين الموقفين: "أعني تبعيتهم للغرب وحربهم للغة العرب" يتبين لنا أن الحداثي شعوبي بكل ما تحويه هذه النسبة من دلالات، وما تتضمنه من معاني، وأقول قولًا مجملًا: أنه ما من حداثي نصراني أو نصيري إلّا وهو ينطوي على عقيدة شعوبية.
أمّا الحداثيون المشاد بهم في المدائح الحداثية المتبادلة من أصحاب الأعراق غير العربية، فإن عداوتهم للعرب واللغة العربية أشد وأنكى، وأقرب مثال على ذلك الجزائري البربري الملحد كاتب ياسين (٢)، الذي يقول: (ترى هل أن "الإسلام العربي" هو جزء من شخصيتنا أم لا؟، أنا أقوال لا، ومجرد النفي هذا ينطوي على إرادة القضاء على تلك التصورات فبالنسبة إلى المرأة الجزائرية يشكل الإسلام العربي طوقًا لا يحتمل، كما يشكل التعريب لكونه سلاحًا سياسيًا ووسيلة تلاعب بالعواطف بالنسبة إلينا في الجزائر، جرحًا داميًا نازفًا وآفة، ومن هنا القول: إن كل ما يتعلق بالإسلام العربي يتطلب توضيحًا بغية الحد من الأضرار التي يلحقها بنا) (٣).
(اليوم وأكثر من كل يوم يقتضي الحذر من الأوهام والادعاءات العقائدية الدعائية من أجل العروبة، من هنا تمردي على القول بأن الجزائر عربية. . .، ليست الفصحى لغة القرآن بل اللغة التي ابتدعنا. . لا وجود لعرق عربي برأيي؛ لذا يجب أن ننفض غبار الغموض، القاتل والمتأتي من تفاعل وتزاوج اللغة والدين: الدين العربي الإسلامي، كلنا مأخوذ وبنسب متفاوتة بهذا المعتقد، والفلسطينيون ضحاياه الأول، لدى التوقف عند العروبة
стр. 720
والتعريب، يجب أن نتساءل أولًا عما إذا كنا دومًا عربًا؟، كلا بكل تأكيد، وإذا كان هذا من الحقائق المسلم بها والبديهية. . .
لقد فرض علينا الإسلام دينًا، وذلك في بلد يقول بالاشتراكية نظامًا، وهو أمر على جانب كبير من الخطورة. . .، أضحيت شخصيًا موضع حملات صحفية، وصفتني بعدو العرب والدين والضاد، فهل من الممكن أن يكون المرء عدو اللغة، هذا مع العلم أنني توقفت عن الكتابة بالفرنسية وانصرفت إلى التأليف بالعربية واللغة الشعبية.
في الواقع أنني ضد الفصحى. . . إن استمعت لإحدى النشرات التلفزيونية لقلت إنه معيب في الواقع استعمال لغة بليدة جافة متعبة، تعتمد الجمل الطويلة بحيث تخالها بلا نهاية. . .) (١).
(لدينا كل الدافع لمحاربة العروبة الإسلامية؛ لأنها هي التي مع دخول الإسلام إلى الجزائر، قضت على الثقافة واللغة الجزائرتين، وحتى يمنع بعض المدرسون (٢) تلامذتهم التكلم باللغة المسماة لغة البربر، علمًا أنها لغة البلاد الأصيلة) (٣).
فهذا نموذج صارخ اجترأ صاحبه على كشف مكنونه، في حين تخفى الآخرون خلف سجف العبارات والجمل الرمزية، والتحليلات اللغوية والتاريخية، وغير ذلك.
وما قرره كاتب ياسين في كلامه السابق تعبير عن رأي أساتذته من الفرنسيين وهو بذلك يقوم بإكمال الدور الاستعماري الذي أسسته قوات الاحتلال الفرنسي، وغير غريب على من ارتضع حب فرنسا وأهواءها وعقائدها أن يكون عدوًا -بكل هذه الكمية من الحقد- على الإسلام والعرب واللغة العربية.
وعلى الرغم من هذه المجاهرة بعداوة العرب واللغة العربية إلّا أننا نجد أن الحداثيين في جزيرة العرب وفي غيرها، من القوميين وغيرهم
стр. 721
يمتدحون هذا الساقط ويشيدون به، ويدافعون عن مواقفه، ويقدمون عند موته المراثي الصحفية الطويلة!!.
وهذا يتضمن إقرارًا ضمنيًا منهم بما يعتقده ويقوله كاتب ياسين، وموافقة إجمالية على عقيدته المعادية للإسلام وللعربية والعرب.
ومن الصنف نفسه: الحداثي الجزائري البربري نبيل فارس (١) الذي صرح بأن بلدان المغرب العربي تعرضت لغزو عربي إسلامي، وأن الإسلام ليس إلّا ظاهرة تاريخية وأن دخوله إلى المغرب كان دخولًا عسكريًا استعماريًا وأن العرب عجزوا عن الوقوف على ظاهرة البربر وفهم تاريخهم على حد تعبيره الشعوبي (٢).
ومن أعلام الحداثة في البلدان الإسلامية من الشعوب غير العربية، وله حظوة كبيرة عند الحداثيين العرب وخاصة أصحاب الاتجاه الماركسي واليساري، الحداثي التركي ناظم حكمت (٣) الذي لا تكاد تجد حداثيًا من أتباع ما كان يسمى الكتلة الشرقية إلّا وهو يذكره بتعظيم وإجلال تتجاوز حدود المدح والإعجاب، وبخاصة ما كتبه عنه عبد الوهاب البياتي (٤).
ناظم حكمت اليهودي الأصل والشيوعي الاعتقاد، ممتليء إلى مشاشه ببغض الإسلام والمسلمين والعرب والقرآن واللغة العربية، وهو مع كل ذلك علم من أعلام هذا الفكر المريض، ورأس من رؤوس التخلف الحداثي.
هؤلاء من أعراق غير عربية، أمّا الذين ينتمون إلى العرب وهم في الوقت نفسه ينطوون على عقائد الشعوبية فكثيرون.
стр. 722
وغني عن الذكر أن نصارى العرب كانوا أشد الحداثيين ولوعًا بالشعوبية، وانتماءًا لها، ولن أذكر في هذا المقام سوى شهادة ناقد حداثي، نظر إلى هذه الظاهرة بنظرة تحليلية تاريخية تؤكد ارتباط النصارى الحداثيين بالنموذج الغربي ثقافة وحضارة وانتماءًا.
يقول محمد جمال باروت: (إن حركة مجلة شعر إذ ترى في المعاصرة الغربية نموذجها الثقافي الشعري، بصفة متوسطية خطاب الهوية، وبصفة أن سورية ليست أمة شرقية وليس لها نفسية شرقية بل هي أمة متوسطية ولها نفسية التمدن الحديث الذي وضعت قواعده الأساسية في سورية، فإن متوسطية خطاب الهوية في سورية، لتبرير اندماجه الحضاري بالغرب لم تكن وليدة أنطون سعادة. . . بل إنه يُمكن تتبع جذورها في الفكر العربي في عصر النهضة، لدى المثقفين البرجوازيين المسيحيين، الذين حلموا بسورية الجغرافية الطبيعية المستقلة من جبال طوروس إلى صحراء سيناء، في إطار مجتمع علماني يقوم على الاقتصاد الحر والنظام البرلماني، وتدق فيه أجراس الكنائس بحرية في الستجق اللباني، وتحميه وتنميه أوروبا الليبرالية إلّا أن الارتباط الحضاري بالغرب إذ غذاه كون الحضارة حضارة مسيحية، والشعور بالاقتلاع داخل المجتمع العثماني الإسلامي، وارتباط العروبة بالإسلام، فإنه كان يستجيب لمتطلبات نمو البورجوازية المسيحية الناشئة التي قادت عملية "التحديث" والتي رأى مثقفوها في الغرب الليبرالي العلماني نموذجهم الحضاري. . . إن فكرة الوطن السوري في أواسط القرن التاسع عشر لدى المثقفين البورجوازيين المسيحيين يُمكن تتجعها لدى بطرس البستاني (١) الذي كان يقول: إن
стр. 723
الامبراطورية هي وطننا لكن بلادنا هي سورية، كما أنشأ بعض الشبان المسيحيين من حلقة البستاني عام ١٨٧٥ م جمعية سرية دعت أبناء سورية إلى الاتحاد وطالبت بحكم ذاتي موحد لسورية ولبنان، إلّا أن التميز الحضاري لكيان اسمه "سورية" عن الحضارة العربية الإسلامية، في أوساط المثقفين البورجوازبين المسيحيين، خريجي الإرساليات، الذين حلموا بسيطرة الثقافة الفرنسية قدتم تحت تأثير الأب اليسوعي "هنري لامنس (١) " أحد مؤرخي الإسلام الكبار (٢)، والأستاذ في الجامعة اليسوعية في بيروت "الذي كان شديد الإيمان بكيان اسمه سورية وقد ظهر نفوره من الإسلام والقومية العربية بوضوح في كتاباته، حيث ميز أشد التمييز بين السوريين والعرب".
وسيوضح الأديبان المسيحيان اللبنانيان شكري غانم (٣) وجورج سمنة (٤) فكرة سورية حيث كانا يؤمنان بأن الأمة السورية بالرغم من وحدتها الطبيعية التي منحتها إياها الجغرافية، لم تتمتع قط بعد بوحدة اجتماعية سياسية؛ لذلك ناديا بدولة سورية قومية علمانية، يأخذ فيها لبنان مركزه كأحد ولاياتها.
ويشير ألبرت حوراني (٥) في مرجعه الأصيل "الفكر العربي في عصر النهضة" أن المثقفين البورجوازيين المسيحيين "كانوا يعتبرون لبنان بلدًا متوسطًا متصلًا بالمسيحية الغربية. . . ".
كما يؤكد د/ هشام شرابي (٦) "يجب التأكيد على أن الطائفيين
стр. 724
المسيحيين اعتبروا العروبة والفكرة الإسلامية -اللتين اعتبرتا مترادفتين تقريبًا- معاديتين للمسيحية ليس دينيًا فحسب بل حضاريًا، فاتجهت الطائفية المسيحية صوب المتوسط وأوروبا وأدارت ظهرها للصحراء والإسلام" وسيعلن دعاة القومية السورية -آنذاك قبل سعادة- ومعظمهم من المثقفين البورجوازيين المسيحيين "أن السوريين ليسوا عربًا، بل ليس هناك من أمة عربية، وكل ما في الأمر أن هناك قومية عربية مزعومة خلقها الأمير فيصل والعملاء الإنكليز الهنود، وقد أوضح جورج سمنة الناطق باسم هذا الفريق خطة إنشاء جمهورية سورية علمانية ديموقراطية اتحادية تحت حكم فرنسا") (١).
ثم يشير باروت إلى تقلص فكرة سورية الكبرى إلى حدود القومية اللبنانية إثر رفض المثقفين المسلمين الطرح النصراني السابق، فيقول: (. . . ستتقلص القومية السورية إلى حدود القومية اللبنانية، لدى عدد من الشعراء اللبنانيين المسيحيين وفي مقدمتهم شارل قرم وميشال شيحا (٢) وسعيد عقل (٣) الذين قالوا بوجود أمة لبنانية قائمة بذاتها، برزت في التاريخ للمرة الأولى في عهد الفينيقيين، واتخذت تدريجيًا شكلها الحالي، وبهذا المعنى أعيد خطاب الهوية إلى مرجع متوسطي "فينيقي في المعنى الضيق " ليبرر ارتباط السنجق اللبناني اقتصاديًا واجتماعيًا، حضاريًا وثقافيًا
стр. 725
بالنموذج الغربي، ولقد عبر ذلك عن تحول البورجوازية المسيحية الطائفية إلى بورجوازية كولونيالية (١).
فقد نظر ميشال شيحا (٢) (إلى أن لبنان جزء لا يتجزأ من العالم المحيط بالبحر المتوسط ذلك البحر المختار الذي جعلته العناية الإلهية، ضروريًا لتقدم الخليقة، وأن سكان شواطئه يشعرون بأواصر القربى حيثما التقوا). . . إن علمانية وليبرالية وعقلانية المثقفين البورجوازيين المسيحيين في مطلع عصر النهضة تنكسر هنا وتتحول إلى نقيضها على يد ميشال شيحا، الذي استعاض عن سورية بالسنجق اللبناني وعن العلمانية بالتنظير للانعزال الطائفي، وحفاظ كل طائفة على استقلالها الديني، وعن اللبرالية العقلانية (٣)، بليبرالية التعايش الطائفي، وفي ذلك كله، رأى شيحا الغرب كدوحة كبرى لثقافة السنجق اللبناني) (٤).
ثم يعود باروت إلى ذكر مجلة شعر مقصد المقدمة السابقة، فيقول: (بهذا المعنى تبدو "الأطروحة المتوسطية" في "حركة مجلة شعر" حلقة متمايزة من حلقات هذه الأطروحة في الفكر العربي في عصر النهضة، ولقد تعرف شعراء "حركة مجلة شعر" الأساسيين عليها من خلال تعرفهم على سعادة، وانخراطهم في مشروعية النهضوي "في مرحلة معينة على الأقل" رغم أنهم وظفوها في سياق مختلف، سياق التماهي بالنموذج الغربي كعودة إلى الجذور الحضارية، أي: إلى الأصول المتوسطية الواحدة لسورية والغرب، وبذلك تستعيد "حركة مجلة شعر" النموذج الغربي كاستعادة لأصولها المحلية) (٥).
ولا ريب أن مجلة شعر كانت في نشأتها وطرحها الثقافي تمثل هذا
стр. 726
التيار النصراني بكافة طروحاته الطائفية النصرانية (١) المشتملة على فكرة سورية الكبرى عند أنطون سعادة أو فكرة لبنان الفينيقي عند سعيد عقل وأضرابه، وقد كان لأنطون سعادة أكبر الأثر في ترسيخ هذه المفاهيم عند كافة الفئات بل إنه كما قال باروت: (. . . إن خطاب الهوية الذي بلوره، كان أيضًا خطابًا قوميًا بورجوازيًا علمانيًا قامت "مبادئه الإصلاحية (٢) " على فصل الدين عن الدولة، ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، وإلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد على أساس العلاقات الإنتاجية البورجوازية. . . .
تكون داخل مشروع سعادة اتجاه ليبرالي وجودي واسع من القمة إلى القاعدة، كان من متزعميه الشاعر يوسف الخال صاحب دار مجلة شعر ورئيس تحريرها، وقد أراد هذا الاتجاه أن يعبر عن سياسة الحزب في حقل الثقافة والفنون الجميلة. . .
. . . نمت داخل مشروع سعادة انكفاءات ميتافيزيقية مسيحية متطرفة تتناقض مع علمانية سعادة (٣)، كما كان من محبذي سعادة، وذوي الصلة المباشرة به الدكتور شارل مالك (٤)، أستاذ الفلسفة في الجامعة الأمريكية والمعروف بنزعته الغيبية والرجعية (٥) والانعزالية والكولونيالية، وقد احتضن
стр. 727
شارل مالك مجلة شعر وشارك أكثر من مرة في خميسها في الآن ذاته. . .
إننا نشير إلى ذلك لكي نبين علاقة الاتصال والتمايز بين حركة مجلة شعر وبين أطروحات سعادة إذ أن أغلب العاملين في حركة مجلة شعر كما أقر بذلك يوسف الخال كانوا من القوميين الاجتماعيين وعلى رأس الشعراء والكتاب يوسف الخال وخليل حاوي وأدونيس وعصام محفوظ وفؤاد رفقه ومحمد الماغوط، والنقاد: خالدة سعيد وعادل ظاهر وأسعد رزوق وحليم بركات، ومراسلين كعادل ظاهر في أمريكا.
وهذا يبين الاختلاطات المتناقضة في تجربة ووعي النخبة الرئيسية التي قادت حركة مجلة شعر، بكل ما في هذه التجربة والوعي من اختلاطات ليبرالية ووجودية وميتافيزيقية وقومية ومسيحية ونتشوية، وسنرى هذه الاختلاطات داخل المثل الجمالية الكبرى لحركة مجلة شعر وداخل النص الشعري نفسه) (١).
وهكذا يتبين لنا من خلال هذه الشهادة التي قدمها الحداثي محمد جمال باروت والتي تتضمن ما سبقت الإشارة إليه من أن نصارى الحداثة إضافة إلى انحرافاتهم الاعتقادية الصارخة هم كذلك شعوبيون يعادون العرب واللغة العربية، ويرون أنفسهم مجرد متكلمين بلغة لا قيمة لها عندهم، ومستوطنين أرضًا لا منزلة لها إلّا إذا كانت امتدادًا للغرب فكرًا وعقيدة وحضارة.
ولا يداري هؤلاء عداوتهم ولا يتسترون بها بل يعلنون تأييدهم للشعوبيين ويمتدحون مواقفهم، فها هو يوسف الخال عندما وجه إليه سؤال عن أن حركة شعر تحتوي على أقليات طائفية أثرت في صبغتها الفنية والسياسية -على حد قول السائل الذي لم يتعرض للناحية الاعتقادية لكونه حداثيًا- وأن المجلة والحركة اتخذت طابعًا شعوبيًا أجاب الخال قائلًا: (هذا الاتهام له ما يقابله في التاريخ العربي، وقد عبر عنه في وقت مضى بالشعوبية ويُمكن
стр. 728
تحديد الشعوبية بأنها خروج على التقاليد الرسمية المتبعة في الحياة والفكر وتحت ستارها في الماضي وتحت صيغها المختلفة حديثًا يحاولون خنق كل تجديد، وكل تحرر، وكل خروج عن السياق العام المألوف، وبكلمة أخرى صارت الشعوبية صنوًا للتمرد، أمّا فيما يختص بمجلة شعر فقد وجه إليها هذا الاتهام؛ لأنها كانت كذلك، وإذا صادف أن طغى عليها الانتماء إلى طوائف معينة، وهي ما أسميتها أنت بالأقليات، أو كان بعض الذين قاموا عليها، كانوا فيما مضى، أو لا يزالون إلى الآن، يدينون بالولاء للحزب القومي الاجتماعي فهذا من قبيل المصادفة. . .
مما يستوقف النظر أن معظم الحركات التجديدية والإبداعية في التاريخ العربي جرت على أيدي من يسمونهم بالشعوبيين، وعلينا أن نسجل هنا واقعًا، وهو أن كل تجديد وإبداع في كل تراث، إنّما يأتي من خارجه. . .) (١).
مع العلم بأن هذه العقائد الشعوبية التي حمل لواءها نصارى لبنان لم تكن مقصورة عليهم بل هي ممتدة إلى كل نصارى العرب بمن فيهم الذين حملوا لواء القومية العربية ودعوا إليها وناضلوا من أجلها.
مع أن المتبادر إلى الذهن أن القومي يتبنى بشكل أساسي محبة العرب واللغة العربية وينشر أمجادها ويتغنى بفضائلها، غير أنه ثبت أن القوميين العرب وخاصة النصارى منهم كانوا أشد شعوبية وألد عداوة للعرب ولغتهم ودينهم.
وقد شاركهم في هذه الشعوبية الطائفيون الآخرون من النصيريين والدروز، فكونوا جبهة موحدة ضد الإسلام والعرب واللغة العربية والقرآن والسنة، ولكن هذه المرة باسم القومية العربية وباسم العروبة (٢).
стр. 729
وقد كان نصارى مصر على المنهج الشعوبي ذاته وعلى المنوال الاعتقادي المنحرف المضاد للإسلام والعرب فها هو سلامة موسى (١) لا ينفي عن مصر صفة العروبة فحسب بل وينفي أن تكون شرقية فيقول: (إطلاق اسم الشرق على مصر خطأ فاحش، فقد عشنا نحن نحو ألف سنة، ونحن جزء من الدولة الرومانية، فلا نحن ولا العرب أمة شرقية. . . وإذا كنا نحب السير مع أوروبا فليس ذلك لأننا والأوروبيين من دم واحد وأصل واحد فقط، بل لأن ثقافتنا تتصل بثقافتهم من عهد مدرسة الاسكندرية ومجمع أثينا) (٢).
وهذا السعي النصراني لفصل أمة العرب وتمزيقها وجعلها بمثابة اللقيط المنسوب إلى غير أهله، والدعيّ الذي لا يعرف أصله ونسبه، امتد حتى وصل إلى بعض أبناء المسلمين المتأثرين بالنصارى والمتتلمذين على أيديهم والمتشبعين بأفكارهم وعقائدهم، فلم يقتصر الشر والضلال الاعتقادي على منشئيه ومروجيه، بل انتشر كما أرادوا أو كما أراد لهم أشياعهم من الغربيين، حتى شاع الداء في أبناء المسلمين فاستسلم بعضهم لهذه الدعوات وانخرط في سباق لإثبات الجدارة، فكان في عداوته للدين والعرب والعربية أخبث وأبشع من أساتذته.
стр. 730
ومن أمثلة ذلك طه حسين الذي ضج بالعداوة للدين الإسلامي وللعرب إلى حد جعله يقول في كتابه "مستقبل الثقافة": (إن العقل المصري منذ عصوره الأولى، عقل إن تأثر بشيء، فإنّما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط) (١).
وكان هذا القول إجابة على سؤاله القائل: (هل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟) (٢).
وهو الذي سبق له أن أعلن (أن المصريين خضعوا لضروب من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان ومن العرب والترك والفرنسيين على حد سواء) (٣).
وقد كان توفيق الحكيم (٤) ينزع إلى هذا المنزع ويفصل في حقد وكراهية بين مصر والعرب، ويربط مصر بالفراعنة وغيرهم، ففي مقالة له في مجلة الرسالة بعنوان "إلى الدكتور طه حسين" يقول: (إن اختلاطنا بالروح
стр. 731
العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا أن لنا روحًا خاصة بنا تنبض بنبضات ضعيفة، تثقل تحت ثقل تلك الروح الغالبة، وأن أول واجب عليكم استخراج أحد العنصرين من الآخر، حتى إذا ما تم تمييز الروحين كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما، لابد أن نعرف إذن ما المصري وما العربي؟) (١).
وفي ضوء هذه التصورات التي شكلتها أقلام النصارى العرب وغير العرب وأتباعهم من أبناء المسلمين نجد أن دعوات التجديد والتحديث في الأدب التي لهج بها الكثيرون في البلاد العربية قامت على أساس من معاداة الإسلام أولًا ثم معاداة العربية ثانيًا، باعتبار أن الإسلام والعرب ولغتهم وجهان لعملة واحدة.
ولو ذهبت استعرض كل أوجه وأمثلة الشعوبية في الأدب العربي الحديث لطال المقام.
ويكفي أن نستدل بحركات الإحياء الوثني الفينيقي والفرعوني والمتوسطي والآشوري والسومري والنصراني على أن دعوات التجديد تلك امتطت هذه الدعوى العريضة من أجل الهجوم على الإسلام وعلى العرب أصل الإسلام ومعدنه، وعلى اللغة العربية لغة القرآن والسنة والعلم الشرعي.
وأبرز هؤلاء وأشهرهم الباطني علي أحمد سعيد أسبر "أدونيس" الذي وصف نفسه وامتدحها تحت قناع الاسم الذي اخترعه "مهيار الدمشقي": (أما مهيار الذي سمى نفسه به مضافًا إليه "الدمشقي" أحيانًا كثيرة، فهو مهيار الديلمي الشاعر الفارسي الشعوبي، الذي ينير اسمه أعذب الذكريات لدى أدونيس فلكثرة إعجاب أدونيس به سمى نفسه مهيار، وللتفريق بينهما أضاف "الدمشقي" وهي كلمة ترمز إلى تلك المرحلة السورية للفتح العربي، والتي شهدت وجود شخصيات فكرية معروفة مثل يوحنا الدمشقي وسواه، وكل ذلك أمور لها دلالتها عند أدونيس وعند القارئ معًا) (٢).
стр. 732
ويَمتليء كتاب أدونيس الثابت والمتحول، والذي هو تلمود الحداثة العربية، يمتليء بمعاداة العرب واللغة العربية والإسلام.
بل قد أكد فيه أنه لا إبداع مع العروبة وتراث العرب؛ لأن العرب شعب ليس حيًا في الحاضر وليس له مكان في المستقبل؛ لأنه شعب محاصر بين فعلين يرث أو يقتبس (١)، ومن أمثلة شعوبيته وباطنيته أيضًا امتداحه وهيامه بالثورة الرافضة في إيران ولئن (كان مهيار الديلمي شعوبيًا، لكن كان أيضًا شاعرًا، أمّا مهيار الدمشقي فأمر آخر:
أفق ثورة والطغاة شتات.
كيف أروي لايران حبي
والذي في زفيري
والذي في شهيقي تعجز عن قوله الكلمات
سأغني لكم لكي تتحول في صبواتي
نار عصف، تطوف حول الخليج
وأقول المدى والنشيج
أرضي العربية، ها رعدها يتعالى
صاعدًا خالقًا وحريقًا
يرسم المشرق الجديد ويستشرف
الطريقا
شعب إيران يكتب للشرق فاتحة
الممكنات
شعب إيران يكتب للغرب
стр. 733
وجهك يا غرب ينهار
وجهك يا غرب مات
شعب إيران شرق تأصل في أرضنا
ونبي
إنه رفضنا المؤسس ميثاقنا العربي) (١).
ويكفي أن نطل إطلالة صغيرة على شعر البياتي ومحمود درويش ونزار قباني كنماذج حداثية معاصرة تدل على مدى تغلغل الشعوبية في فكر ونتاج الحداثيين حتى الذين يزعمون أنهم متعصبون للعروبة ومتشددون في شأن العنصر العربي واللغة العربية.
فأمّا البياتي فقد ارتمى في أحضان الشيوعية يقيس كل شيء بمعاييرها ممتدحًا أحط تصرفاتها وأبشع أعمالها ساخرًا من العرب ومدنهم مدن الرماد -حسب تعبيره- مدن الشرق أو مزابل الشرق الذي هو علامة للبؤس، ثم يمتدح مجد فقراء فقراء الأرض في فيتنام!! فيقول:
(رأيت في مزابل الشرق وفي أسواقه الملوك
والعور والأبواق والديوك
مخصية تصيح
رأيت فلك نوح
وأممًا مغلوبة تنوح
وشعراء عدد الذباب
عادوا بتيجان من الورق
من رحلة الضياع والقلق
стр. 734
وحالمين يحرثون البحر
مثل طلوع الفجر
رأيت شهر زاد
جارية في مدن الرماد
تباع في المزاد
رأيت بؤس الشرق
ونجمة الميلاد في دمشق
رأيت مجد فقراء الأرض في الفيتنام) (١).
وفي سياق آخر يصف الشرق بأنه مستنقع، وذلك في قوله: (فأنا عبدةُ عبدِ "الأسود - الأبيض" في مستنقع الشرق الكريه) (٢).
وفي موضع آخر يمتدح فيه زملاءه من الشيوعيين المغاربة ويعرج على كوبا ولوركا، ويصف بلاد المغرب العربي بأوصاف التخلف ويجعل ذلك مرتبطًا بالإسلام المعبر عنه بالولي والأضرحة والطلاسم والنذور وحجاب المرأة وجبال النوم، فيقول:
(تشرق شمس اللَّه في عينيك إذ تغرب في قوارب
الصد على شواطئ المغرب
حيث فقراء الأطلس المنتظرون معجزات القمر الولي
في الأضرحة - الطلاسم - الذبائح - النذور، حيث
النسوة المكفنات بسواد الخرق - الأطمار
حيث الشاعر الأندلسي يرتدي عباءة الريح
стр. 735
يطير حاملًا قيثاره فوق جبال النوم) (١).
وفي مقطع يمتدح نفسه بمضمون خرافة يونانية اسمها سارق النار يقول تحت عنوان "سيرة ذاتية لسارق النار":
(اللغة الصلعاء كانت تضع البيان والبديع
فوق رأسها باروكة
وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك) (٢).
وقد مر معنا آنفًا أن من أصول العقائد الشعوبية مهاجمة اللغة العربية وذمها، وها هو البياتي رمز العروبيين وفخر القوميين، يصف لغة العرب بهذه الأوصاف التي لا يجترئ أن يقولها في لغة الروس أو الأسبان!!، ونحو ذلك قوله:
(ونحن ما زلنا على صهوات خيل الريح
موتى هامدين
عميًا نزيد ونستزيد
ونموت في "حتى"
وفي أنساب خيل الفاتحين) (٣).
وفي مقطع يتحدث عن الهزائم العربية الراهنة ويربطها بتاريخ المسلمين في سخرية وتهجم، وفي سخط على اللغة العربية ورموزها من الشعراء والمؤلفين، فيقول بعد ذكر الهزائم:
(ذكروا بالطواويس التي باضت
على الأوتاد
стр. 736
في أعراس هارون الرشيد
وبعار الشرق منبوذًا
يفتي عربات الفاتحين
وبأحزان الجواري والعبيد
وبوجه البحتري الجاحظ العينين
في أعقاب دينار
وفي أعتاب سلطان جديد
آه من صمت القواميس المريب
ومقامات الحريري
على هامش مخطوط قديم
ذكرتني بكلاب الزمهرير
تنبح الموتى
بصحراء الجليد
وبشمس العالم السوداء "كافور"
وخصيان المماليك
وضحكات جرير) (١).
أمّا محمود درويش بطل النضال الثوري العربي!!، فيقول تحت عنوان "الورد والقاموس":
(لابد لي أن أرفض الموت
وإن كانت أساطيري تموت
стр. 737
أنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، وعن شعر جديد
آه. . هل أدركت قبل اليوم
أن الحرف في القاموس، ياحبي بليد
كيف تحيا كل هذه الكلمات!
كيف تنمو؟. . كيف تكبر؟
نحن ما زلنا نغذيها دموع الذكريات
واستعارات وسكر) (١).
وهكذا يربط درويش بشعوبية قاحلة بين الموت والقديم باعتبار القديم موتًا، ثم ينقض على الحرف العربي وقاموس اللغة العربية ليصب خبايا شعوبية تلقاها مع ما تلقى من بغض الإسلام وأهله، الذي يرمزون له بالرمل والمرايا والنخل، وهي رموز تواضعوا عليها حتى لا تكاد تجد واحدًا من مشاهيرهم إلّا وهو يستخدم هذه الرموز في معرض الهجاء المبتذل الذي يوجهونه إلى الإسلام وقرون الهجرة الأولى وتاريخ المسلمين ولغة العرب في منظومة كبيرة متداخلة من الضلال والانحراف.
يقول محمود درويش في تهكم وسخرية واضحة:
(والرمل جسم الشجر الآتي
غيوم تشبه البلدان
لون واحد للبحر والنوم
وللعشاق وجه واحد
وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري
سنرمي ألف نهر في مجاري الماء
стр. 738
والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا
سيد الأيام
والنخلة أم اللغة الفصحى
أرى، فيما أرى، مملكة الرمل على الرمل
ولن يبتسم القتلى لأعياد الطبول
ووداعًا للمسافات) (١).
أمّا نزار قباني فقد تفنن في إبراز الوجه الكالح لشعوبيته، وتنوعت ألفاظ بغضه وهجائه للعرب، من منطلق بغض أصيل في نفسه، وحقد دفين، وموقف اعتقادي يخدمه ويستخدمه لإيصال رسالته الموكل بحملها من قبل أساتذته الذين تلقى عنهم متون وحواشي لهذه الأمة وتاريخها وحضارتها.
وقائمة الهجاء عند نزار قائمة طويلة متنوعة مبتكرة مترعة بالتدمير والإحباط والعدمية، إلى حد جعله يبعد عن العرب أي فضيلة ويلحق بهم أي رذيلة تخطر على باله.
وليس هجومه مقصورًا على أوضاع العرب الحالية، بل يمتد إلى لغة العرب والنحو والبلاغة، وإلى المثل والقيم والتاريخ وسائر المقومات والخصائص، مما يؤكد تمام التأكيد أن الشعوبية ما زالت موجودة في سائر جوانبها ومناشطها المظلمة، السياسية والأدبية والفكرية.
وليس من المناسب أن نجمع كل أقوال نزار قباني التي تهجم فيها على العرب ولغتهم، ولكن نأخذ بعض النماذج للدلالة على المراد، يقول قباني:
(أنعى لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة
والكتب القديمة
стр. 739
أنعى لكم
كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة
ومفردات القهر والهجاء والشتيمة
أنعى لكم، أنعى لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة) (١).
ولا يدري العاقل مما يعجب أمن هجومه على اللغة والتراث الذي يرمز له باللغة القديمة، أم من الألفاظ البذيئة التي يلصقها بلغة العرب، والتي هي من نتاج فكره السوقي، ولا ضير عنده ما دام هذا كله يقود إلى طموحه الشعوبي في إبادة كل فضل للعرب.
وفي مقطع آخر يصب شتائمه الحاقدة على الدين الممثل عنده في خطباء الجمعة، ثم على اللغة العربية وأحرفها التي جعلها رمزًا لحربه وتدميره وهجومه كأبشع ما يكون الهجوم الشعوبي، يقول:
(لو أعطى السلطة في وطني
لقلعت نهار الجمعة أسنان الخطباء
وقطعت أصابع من صبغوا بالكلمة أحذية الخلفاء
وجلدت جميع المنتفعين بدينار
أو صحن حساء
وجلدت الهمزة في لغتي
وجلدت الياء
وذبحت السين وسوف
وتاء التأنيث البلهاء
стр. 740
والزخرف والخط والكوفي
وكل ألاعيب البلغاء
وكنست غبار فصاحتنا
وجميع قصائدنا العصماء) (١).
وفي الحقيقة أن الجدير بقلع الأسنان، بل والعنق، من اجترأ على اللَّه وعلى شريعته ودينه ورسوله، ومن وقف خطيبًا وشاعرًا يدعو إلى الزنا والرذيلة والانحراف، ويجعل من المرأة مجرد جسد، ومستودع لنزاواته وخبائث قوله وعمله.
والجدير بقطع الأصابع ليس الذين مدحوا خلفاء وسلاطين المسلمين بل الذين مدحوا أئمة الكفر وأعلام الباطل ومذاهب الإلحاد والرذيلة والشر.
فأقل ما يقال في ميزان العقل والدين في حق من مدح خليفة أن مسلمًا مدح مسلمًا آخر، سواء أراد الدنيا أو غيرها بهذا المدح، أمّا من يمتدح الكافرين ويثني على الملحدين ويحسن مذاهب الملحدين كحال نزار وأضرابه الحداثيين، فهذا قد اتخذهم أولياء من دون المسلمين، وقال اللَّه -جلَّ وعلا-: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (٢).
ولا يفتر نزار من هجومه وشتائمه الموجه إلى اللغة ليس لأنها لغة العرب الذين يكن بغضهم في قلبه ويتفؤه بشتائمهم على لسانه؛ بل لأنها إضافة إلى ذلك لغة الدين القويم ولغة القرآن العظيم، ولذلك قرن بين اللغة والبعثة في إحدى المقاطع الهجائية جاعلًا اللغة إبرة مورفين، وهي عبارة