في أعراس هارون الرشيد
وبعار الشرق منبوذًا
يفتي عربات الفاتحين
وبأحزان الجواري والعبيد
وبوجه البحتري الجاحظ العينين
في أعقاب دينار
وفي أعتاب سلطان جديد
آه من صمت القواميس المريب
ومقامات الحريري
على هامش مخطوط قديم
ذكرتني بكلاب الزمهرير
تنبح الموتى
بصحراء الجليد
وبشمس العالم السوداء "كافور"
وخصيان المماليك
وضحكات جرير) (١).
أمّا محمود درويش بطل النضال الثوري العربي!!، فيقول تحت عنوان "الورد والقاموس":
(لابد لي أن أرفض الموت
وإن كانت أساطيري تموت
стр. 737
أنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، وعن شعر جديد
آه. . هل أدركت قبل اليوم
أن الحرف في القاموس، ياحبي بليد
كيف تحيا كل هذه الكلمات!
كيف تنمو؟. . كيف تكبر؟
نحن ما زلنا نغذيها دموع الذكريات
واستعارات وسكر) (١).
وهكذا يربط درويش بشعوبية قاحلة بين الموت والقديم باعتبار القديم موتًا، ثم ينقض على الحرف العربي وقاموس اللغة العربية ليصب خبايا شعوبية تلقاها مع ما تلقى من بغض الإسلام وأهله، الذي يرمزون له بالرمل والمرايا والنخل، وهي رموز تواضعوا عليها حتى لا تكاد تجد واحدًا من مشاهيرهم إلّا وهو يستخدم هذه الرموز في معرض الهجاء المبتذل الذي يوجهونه إلى الإسلام وقرون الهجرة الأولى وتاريخ المسلمين ولغة العرب في منظومة كبيرة متداخلة من الضلال والانحراف.
يقول محمود درويش في تهكم وسخرية واضحة:
(والرمل جسم الشجر الآتي
غيوم تشبه البلدان
لون واحد للبحر والنوم
وللعشاق وجه واحد
وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري
سنرمي ألف نهر في مجاري الماء
стр. 738
والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا
سيد الأيام
والنخلة أم اللغة الفصحى
أرى، فيما أرى، مملكة الرمل على الرمل
ولن يبتسم القتلى لأعياد الطبول
ووداعًا للمسافات) (١).
أمّا نزار قباني فقد تفنن في إبراز الوجه الكالح لشعوبيته، وتنوعت ألفاظ بغضه وهجائه للعرب، من منطلق بغض أصيل في نفسه، وحقد دفين، وموقف اعتقادي يخدمه ويستخدمه لإيصال رسالته الموكل بحملها من قبل أساتذته الذين تلقى عنهم متون وحواشي لهذه الأمة وتاريخها وحضارتها.
وقائمة الهجاء عند نزار قائمة طويلة متنوعة مبتكرة مترعة بالتدمير والإحباط والعدمية، إلى حد جعله يبعد عن العرب أي فضيلة ويلحق بهم أي رذيلة تخطر على باله.
وليس هجومه مقصورًا على أوضاع العرب الحالية، بل يمتد إلى لغة العرب والنحو والبلاغة، وإلى المثل والقيم والتاريخ وسائر المقومات والخصائص، مما يؤكد تمام التأكيد أن الشعوبية ما زالت موجودة في سائر جوانبها ومناشطها المظلمة، السياسية والأدبية والفكرية.
وليس من المناسب أن نجمع كل أقوال نزار قباني التي تهجم فيها على العرب ولغتهم، ولكن نأخذ بعض النماذج للدلالة على المراد، يقول قباني:
(أنعى لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة
والكتب القديمة
стр. 739
أنعى لكم
كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة
ومفردات القهر والهجاء والشتيمة
أنعى لكم، أنعى لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة) (١).
ولا يدري العاقل مما يعجب أمن هجومه على اللغة والتراث الذي يرمز له باللغة القديمة، أم من الألفاظ البذيئة التي يلصقها بلغة العرب، والتي هي من نتاج فكره السوقي، ولا ضير عنده ما دام هذا كله يقود إلى طموحه الشعوبي في إبادة كل فضل للعرب.
وفي مقطع آخر يصب شتائمه الحاقدة على الدين الممثل عنده في خطباء الجمعة، ثم على اللغة العربية وأحرفها التي جعلها رمزًا لحربه وتدميره وهجومه كأبشع ما يكون الهجوم الشعوبي، يقول:
(لو أعطى السلطة في وطني
لقلعت نهار الجمعة أسنان الخطباء
وقطعت أصابع من صبغوا بالكلمة أحذية الخلفاء
وجلدت جميع المنتفعين بدينار
أو صحن حساء
وجلدت الهمزة في لغتي
وجلدت الياء
وذبحت السين وسوف
وتاء التأنيث البلهاء
стр. 740
والزخرف والخط والكوفي
وكل ألاعيب البلغاء
وكنست غبار فصاحتنا
وجميع قصائدنا العصماء) (١).
وفي الحقيقة أن الجدير بقلع الأسنان، بل والعنق، من اجترأ على اللَّه وعلى شريعته ودينه ورسوله، ومن وقف خطيبًا وشاعرًا يدعو إلى الزنا والرذيلة والانحراف، ويجعل من المرأة مجرد جسد، ومستودع لنزاواته وخبائث قوله وعمله.
والجدير بقطع الأصابع ليس الذين مدحوا خلفاء وسلاطين المسلمين بل الذين مدحوا أئمة الكفر وأعلام الباطل ومذاهب الإلحاد والرذيلة والشر.
فأقل ما يقال في ميزان العقل والدين في حق من مدح خليفة أن مسلمًا مدح مسلمًا آخر، سواء أراد الدنيا أو غيرها بهذا المدح، أمّا من يمتدح الكافرين ويثني على الملحدين ويحسن مذاهب الملحدين كحال نزار وأضرابه الحداثيين، فهذا قد اتخذهم أولياء من دون المسلمين، وقال اللَّه -جلَّ وعلا-: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (٢).
ولا يفتر نزار من هجومه وشتائمه الموجه إلى اللغة ليس لأنها لغة العرب الذين يكن بغضهم في قلبه ويتفؤه بشتائمهم على لسانه؛ بل لأنها إضافة إلى ذلك لغة الدين القويم ولغة القرآن العظيم، ولذلك قرن بين اللغة والبعثة في إحدى المقاطع الهجائية جاعلًا اللغة إبرة مورفين، وهي عبارة
стр. 741
محوّرة من المبدأ الشيوعي الإلحادي القائل: "الدين أفيون الشعوبي"، وفي هذا المقطع يتضح للقارئ بجلاء أن نزار تأخذه حمية الجاهلية وتجيش نفسه بمكنوناتها الخبيثة في سباب مقذع للغة العربية لأجل أنها لغة الدين منذ البعثة النبوية في القرن السابع حسب قوله، ولأجل أنها لغة شيخ الجامع الذي يتلو القرآن ويعلم الناس الهدى الذي أوحاه اللَّه إلى نبينا محمد ﷺ ، فيقول:
(اللفظة جسد مهتدئ
ضاجعه الكاتب والصحفي
وضاجعه
شيخ الجامع
اللغة إبرة مورفين
يحقنها الحاكم للجمهور
من القرن السابع
اللفظة في بلدي امرأة
تحترف الفحش من القرن السابع) (١).
ولقول:
(أرفضكم جميعكم
وأختم الحوار
لم يبق عندي لغة
أضرمت في معاجمي
وفي ثيابي النار) (٢).
стр. 742
ويجعل تعلم العربية مضغًا وترديدًا لا قيمة له، فيقول:
(وتمضع مرة آخرى
حروف النصب والجر التي كنا مضغناها) (١).
ونحوه قوله:
(وما زلنا نجادل بعضنا بعضًا
عن المصروف والممنوع من صرف) (٢).
ويقول:
(سقطت في الوحول كل الفصاحات
ومات الخليل والفراء) (٣).
هذا بعض نيله من اللغة العربية، أمّا نيله من العرب أجمعين فقد كتب عنه الناقد الحداثي جهاد فاضل في كتابه فتافيت شاعر وابتدأ بمجموعته "قصائد مغضوب عليها" وبين أن عددها في الديوان أربع وعشرون قصيدة وهي في الواقع قصيدة واحدة ذات موضوع واحد هو هجاء العرب وتدميرهم والحكم بإعدامهم (٤)، ثم يورد جملة من كلماته الهجائية للعرب، ويعلق عليها، قال قباني:
(إياك أن تقرأ حرفًا من كتابات العرب
فحربهم إشاعة وسيفهم خشب
وعشقهم خيانة ووعدهم كذب
إياك أن تسمع حرفًا من خطابات العرب
стр. 743
فكلها نحو وصرف وأدب
ليس في معاجم الأقوام
قوم اسمهم عرب) ص ٧٣.
وبعد أن يصف العرب بأنهم قبائل جبانة وأمة مفككة يضيف إلى هذا الوصف أوصافًا أخرى:
من عهد فرعون إلى أيامنا:
هناك دومًا حاكم بأمره
وأمة تبول فوق نفسها كالماشية ص ٩١.
وفي لفظة أخرى تصبح بلاد العرب أي بلاده وبلادنا "بلاد الجنون والصداع والسعال والبلهارسيا" ص ٩٦.
أي: أن الشاعر هنا وهو شاعر عربي لا سائح أو رحالة أو مستشرق أوروبي أو غربي يعيرنا بأن بلاد العرب مستشفى أمراض عقلية وصحية مقززة للنفس وقذرة.
ثم تصبح الصورة أشد إقذاعًا وقسوة فيتحدث باسم المواطنين العرب:
(نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة ومن طنجة لعدن) (١).
وبعد أن ساق جهاد فاضل جملة من أقوال نزار المترعة بالشتائم للعرب والتنقص الذميم لهم، قال: (وهو يعرض هذه الصورة بشكل هجاء شعوبي مقذع لا مثيل له في عنفه وقسوته، حتى تراث الشعوبية القديم لا يتضمن في هجاء المقومات العربية ما بلغه نزار في ديوانه هذا، ولكن جوهر الحملة القديمة والمستحدثة واحد: هجوم على الصفات العربية المعروفة من كرم وصرف ونحو وأدب، وهجوم على إنسانية الإنسان العربي
стр. 744
وكونها بالفطرة غير قابلة للعلاج والشفاء، وهو لا يقدم بالطبع أي حل لأنه لم يحسب حسابًا للحلول، فذهنه وعقله منصرفان للتدمير لا لسواه. . .
إنه شعر سادي، عدمي، تدبيري، شعوبي، معبأ بأحقاد غير العرب على العرب، شعر له نسب واحد في تراثنا الشعري هو تراث الشعوبية.
قام الخطاب الشعوبي في تراثنا العربي الإسلامي على التقليل من شأن العرب لغة وتراثًا ومقومات، كما قام على الاستهزاء بقيمهم ومثلهم والتشكيك بدورهم التاريخي.
إن ما فعلته الشعوبية القديمة هو نفس ما يفعله نزار اليوم: دفع العرب عن كل فضيلة وإلحاق كل رذيلة بهم) (١).
ثم أجرى معه جهاد فاضل مقابلة مطولة وجه إليه فيها تهمة الشعوبية، وكشفه أمام نفسه والناس، فحار وحاد وحاول تغيير المقابلة بما يوافق حرارته القومية حسب قوله، فلما نشرت المقابلة هاجم الذي أجرى معه المقابلة وهو جهاد فاضل، وعيره بأنه جوزيف فاضل، والخواجه جوزيف، ولكنه غير اسمه إلى جهاد ركوبًا لموجة الجهاد والمجاهدين؛ ولأن عدة الشغل تستلزم هذا التغيير (٢).
والذي يجدر ذكره هنا أنه في معرض رده على جهاد فاضل بين أن الشعر الذي استُشهد به على شعوبية نزار مما سبق ذكره وغيره، هذا الشعر قرأه وسمعه مئات الألوف من العرب في الأمسيات الشعرية وعلى أشرطة الفيديو وصفقوا له ووجدوه صمام الأمان لأحزانهم ومراراتهم وانفجاراتهم الداخلية (٣).
وهذا الذي ذكره نزار قباني عن نفسه وشعره صحيح للأسف؛ ذلك أن الأمة قد مسخت عقولها أجهزة الأعلام الخادعة، حتى جعلت الشيطان في
стр. 745
منزلة الملك، والقديس في منزلة إبليس، وجعلت الخواء الفكري والعقلي أساسًا لتسيير الإفكار والعقائد الضالة والمنحرفة من غير نكير، بل بإجلال وتصفيق كما استشهد قباني، وهذا يدل على عمق المسخ والتجهيل الذي أصيبت به الأمة، وإلّا فأين العقول وأين الإباء وأين الحمية في أقوام يصرخ فوق رؤوسهم هذا الجاهل بأنهم ماشية تبول على نفسها، ومجانين في مصحة الأمراض العقلية وسفهاء، وكذابون وغادرون ومع ذلك يصفقون له ويشجعون ويمتدحونه؟!!.
ويتخذ الشعوبي المعاصر، الحداثة ستارًا لإيصال شعوبيته وقد وصف ذلك جهاد فاضل فقال: (حتى فكرة الحداثة التي يرفعها الشعوبي الحديث، ويركز عليها كستار يخفي به كراهيته للثقافة العربية الإسلامية، وهو ستار أو شعار ليس بريئًا عادة، حتى فكرة الحداثة هذه -مع ما يستتبعها من أخطار- استخدمها الشعوبي القديم من أجل إرباك العقائد وتشويه المفاهيم الإسلامية، والدعوة المبطنة إلى إحلال مفاهيم أخرى -أجنبية على الغالب- محلها، فباسم الحداثة والعقل والمنطق عملت الشعوبية على تحوير معنى النصوص والمفاهيم الإسلامية، فأولتها عما يخرج بهذه النصوص والمفاهيم من معانيها الإسلامية إلى مفاهيم غريبة بعيدة عن الإسلام.
وكما يعلن الشعوبي الحديث أنه يؤسس حداثته على الثقافة الأجنبية كان الكاتب الشعوبي القديم يتشدق بالثقافة الأعجمية، ويمجد كل ما هو خارج نطاق الثقافة العربية الإسلامية، ويتهكم من هذه الثقافة ويسخر بأصولها) (١).
وبعد هذا الإجمال والشرح الوجيز ننتقل إلى ذكر الشواهد على التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة.
وأبدأ أولًا بالتصورات المتأثرة بالوثنيات والأساطير المختلفة:
مرّ معنا في بداية هذا الفصل ذكر الجذور التي قامت عليها الحداثة في الغرب، وهي جذور تمتد إلى اليونان بأوثق الصلات، شأنها في ذلك شأن
стр. 746
جميع الفلسفات والمناهج والمذاهب الغربية التي جعلت من الإغريق وأوثانهم وفلسفاتهم أساسًا ومنطلقًا.
وإذا كانت الحداثة والمذاهب المادية الإلحادية والعلمانية في الغرب قد نشأت في ظروف تخصها وكانت نتاج أوضاع وظروف معينة، إذا كانت حداثة الغرب بهذه الكيفية، فإن الحداثة والعلمانية العربية ليست إلّا نسخة مستعارة منقولة بالنص إلى أوضاع وظروف مغايرة تمامًا لظروف الحداثة والعلمانية الغربية.
وبالرجوع إلى مراحل الصراع الفكري المادي الذي ساد الحياة الغربية إثر التسلط الكنسي وإلغاء العقل الإنساني وفرض الخرافة والجهالات، وتحريف الدين السائد بينهم؟ تبدو العلمانية والحداثة والمادية حركة إصلاح اجتماعي وعلمي تتمرد على كل هذه الضغوط والظروف العصيبة، بل إن الغرب بإقصائه الكنيسة عن التدخل في شؤون الحياة والدولة يبدو منسجمًا مع التصور الاعتقادي الموروث والمستند إلى المقولة المنسوبة إلى المسيح؟: "دع ما للَّه للَّه وما لقيصر لقيصر"، أمّا الحداثة والعلمانية في المجتمع المسلم، فليست سوى نبتة غريبة مستنبتة في غير أرضها وكل مضامينها الاعتقادية تؤكد أنها آيلة إلى زوال، ولكن ربّما بعد صراع طويلٍ دامٍ مثل صراع الإسلام في غربته الأولى مع الجاهلية الأولى.
إن الحداثة والعلمانية -وهذه علاقة عموم وخصوص- تعني بدعوتها إلى حرب الدين وفصله عن الحياة وإبعاده عن المناهج التي تسير نشاطات الإنسان، أنها تعني بكل ذلك الخروج الواضح الجلي على مبادئ عاشت عليها الأمة وتوحدت وازدهرت بها وخرجت بسببها من الظلمات إلى النور.
وإذا كانت الحداثة تعد في الغرب إنجازًا ثقافيًا حسب الظروف والمعطيات التي عاشها الغرب، فإنها تعني في العالم الإسلامي كفرًا ردة وتخلفًا ورجعية، وإذا كانت الحداثة في الغرب تستمد حياتها وروحها من وثنيات وأساطير الجاهلية اليونانية وغيرها؛ لأن ذلك أساسهم المعرفي
стр. 747
وجذرهم الفكري، فما الذي يدعو الحداثي العربي أن يتغنى بأساطير اليونان ويشيد بآلهتهم الباطلة، ويتمذهب بمذاهبهم الشكية واللاأدرية والوثنية؟.
الجواب الحقيقي على ذلك أن الحداثة العربية ليست سوى عملية نسخ فكري إلى حد التقمص، ولذلك لا تجد حداثيًا عربيًا يخرج عن هذا الإطار، ولا يتحول عن هذه الصورة الهزلية الشائنة؛ لأن الحداثيين العرب حين استنسخوا الحداثة من الغرب استنسخوا معها كل ما أحاط بها وكل ما كان في أغوارها من انحرافات وضلالات وجاهليات ووثنيات.
وانخرطوا في دائرة الاستبدال الحضاري، والأخذ الإجمالي والتفصيلي لفكر الغرب ونظرياته وفلسفاته وعقائده، وأضحوا صورة باهتة عن أولئك في أحط درجات انحطاطهم الخلقي والعقدي، وما من مجنون كنتشه أو مأبون كأندربه جيد (١) إلّا ونرى له من ضحايا الحداثة والعلمانية -من العرب- من يتبعه ويقلده ويشيد به.
هذه هي محنة الاستعارة والتقمص التي أنغمس فيها جميع الحداثيين العرب من غير استثناء.
وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى ملقاة على عواهنه فإنه لابد من إثباتها بالبرهان، وقد مر في الفصول السابقة ما يؤكد ذلك بالدليل القاطع، وفي هذا الفصل زيادة تأكيد، وليس هناك ما يدعو الحداثيين العرب إلى استخدام الأسطورة والوثنيات الجاهلية اليونانية أو غيرها، إلّا مجرد تقليدهم للغرب، هذا التقليد الذي أنشأ في خباياهم عقائد الإلحاد والشك والرفض والتدمير، ومواجهة الدين الإسلامي، والسعي في مناقضته بشتى السبل والوسائل، لاسيما أنه جاء لتدمير الوثنيات ومحو الجاهليات، فلا جرم أن يكون المتشبعون بعقائد الجاهلية القديمة والمعاصرة أعداء للدين الذي هدم بنيان الوثنية وحطم أصنامها وأعلامها وأباد خضراءها.
стр. 748
من هذا ومما سبق يتبين لنا أسباب انجراف الحداثيين العرب في خوض الوثنيات الآسن، وقد خصص أدونيس في صدمة الحداثة من الثابت والمتحول عدة فصول لدراسة اليونان وعلاقة فلسفتهم وفكرهم بالمسلمين الذين يسميهم العرب تسمية مقصودة لها ما وراءها من دلالات باطلة يرغب الوصول إليها!!.
وقد بدأ كلامه بقوله: (كانت اليونان هي المشكلة الحضارية الأولى التي واجهها المجتمع العربي وكلنا نعرف المواقف التي تولدت عن هذه المواجهة) (١).
ثم صنف هذه المواقف إلى ثلاثة أقسام: الأول أخذ آلة التفكير، والثاني التوفيق بين الدين والعقل اليوناني، الثالث رفض الفلسفة اليونانية (٢).
ثم أشاد بالموقف الأول: موقف ابن رشد (٣)، الذي يقرر -حسب قول أدونيس- بأن لدى اليونان معرفة حقيقية يجب أخذها، ثم يذكر المبررات التي تسوغ أخذ ما لدى اليونان في سياق مليء بالمغالطة والتخليط والهشاشة.
ثم انتقل إلى الموقف المعاصر وإلى التلفيقية التي سار عليها من يسميهم مفكرو عصر النهضة، قال: (. . . لقد استعدنا التوفيقية والتلفيقية
стр. 749
الغزالية: "جسديًا" نأخذ الحضارة الغربية ووسائلها، أما "روحيًا" فنبقى في ثقافة الوحي) (١).
وهذه التلفيقية -حسب قوله- على ما فيها من أسباب للضلال والانحراف والتخلف والشتات إلّا أنه يراها توفيقًا وتلفيقًا لا قيمة فيه ولا غناء به، أي أنه يدعو إلى أخذ اليونانية كاملة، ويرى أن سيطرة الغرب الراهنة ونفوذه في المسلمين -وخاصة النفوذ الأمريكي- في كل المجالات قد خلخل هذه النظرة التوفيقية القديمة القائمة على الاستفادة من آلة اليونان الفكرية وترك مضمونها الاعتقادي ولاشك أن أدونيس جذل ومسرور بهذه النتيجة التي تخدم طموحاته الحداثية، وتوصله إلى الغاية التي سماها "صدمة الحداثة".
يقول بعد النص السابق ذكره: (غير أن الأمبريالية (٢) الثقافية تخلخل، اليوم، جذريًا، هذه التلفيقية، بحيث تقذف بالمجتمع العربي في مفترق حاسم، وبحيث أنه لا يبدو أكثر من ملحق اقتصادي - ثقافي بالغرب، وعلى الأخص بمركزه الامبريالي المهيمن: الولايات المتحدة، إنه الآن، بتعبير آخر، في مرحلة انشقاق على مستوى الأصل، ولئن قدرنا في الماضي أنه نلغي أو نعلق بمعنى ما، الغرب، ممثلًا باليونان، فإن الغرب اليوم يقيم في أعماق أعماقنا، فجميع ما نتداوله اليوم، فكريًا وحياتيًا، يجيئنا من هذا الغرب، أما فيما يتصل بالناحية الحياتية، فليس عندنا ما نحس به حياتنا إلّا ما نأخذه من الغرب وكما أننا نعيش بوسائل ابتكرها الغرب، فإننا نفكر بلغة الغرب: نظريات ومفهومات ومناهج تفكير ومذاهب أدبية. . . إلخ ابتكرها، هي أيضًا، الغرب، الرأسمالية، الاشتراكية، الديمقراطية، الجمهورية،
стр. 750
الليبرالية، الحرية، الماركسية، الشيوعية، القومية. . . الخ، المنطق الديالكتيك العقلانية. . . إلخ/ الواقعية الرومنطيقية، الرمزية السوريالية. . . الخ، هذا من دون أن ندخل في ميدان العلوم، وبخاصة العلوم البحتة.
كيف نواجه، في ضوء هذا كله، مشكلية الحداثة في المجتمع العربي؟، ولكن قبل ذلك، ما الشيء الباقي لنا كخصوصية مميزة؟ الدين والشعر، وحتى الدين والشعر لابد من أن نتساءل حولهما: أي دين؟ وأي شعر؟. . .، هذه المشكلية هي ما أسميتها بصدمة الحداثة) (١).
إن أدونيس في هذا النص وغيره يحاول أن يؤصل قضية الإلحاق بالغرب ويجعل لها أصلًا في التاريخ الثقافي للمسلمين ويستند إلى وهم تاريخي ووهم معاصر، أمّا الوهم التاريخي فيتمثل في جعل ابن رشد أساسًا للاستناد إلى اليونان، وتبريرًا للانجراف الحداثي نحو الفلسفات اليونانية في محاكاتهم للحداثيين الغربيين، واستناده على ابن رشد يذكر يالحداثي المغربي محمد عابد الجابري، الذي حاول المحاولة ذاتها واتخذ من ابن رشد سندًا لاستعارة الأفكار العلمانية والحداثية من الغرب.
ولست هنا في موضع تفنيد أقوال ابن رشد، ولكني أقول قولًا كليًا يُمكن الرد به على هؤلاء المغالطين: لقد كان ابن رشد رغم دفاعه عن الفلسفة الأرسطية اليونانية صاحب ملة ودين، وكان أخذه من الفلسفة من أجل تقوية البراهين العقلية الدينية، والرد على شبه المغالطين، فالفلسفة اليونانية عنده مجرد آلة يستخدمها ابن رشد لنصرة الدين، أو لاكتساب المعارف وضبطها بضوابط معرفية فلسفية.
أمّا أدونيس وأضرابه من الحداثيين فإنهم يأخذون الحداثة بقلبها وقالبها الغربي المحتوي على الفكر والإلحاد والمادية والضلال والانحراف، أي أنهم يأخذون من الغرب ومن اليونان -جذور الغرب الفكرية- يأخذون ما يودون به هدم دين الإسلام والقضاء على الملة الإسلامية، ويستخدمون ذلك في تدمير القيم والمبادئ والشريعة والعقيدة وكل ما جاء به الوحي إلى النبي ﷺ ،
стр. 751
وقد أثبتنا ذلك في الفصول الماضية وسوف يأتي مزيد إثبات في الفصول القادمة.
إن المسألة الجوهرية ليست في الأخذ من اليونان أو عدم الأخذ، وهل هذا نافع أو غير نافع، أو نحدد نظريًا ما الذي أخذوا وما الذي لم يأخذوا، وما الذي انتقد عليهم وما الذي سُلّم لهم إلى غير ذلك من المقولات التي يُمكن الحديث عنها في إطار نقاش أهل القبلة مع بعضهم.
المسألة الجوهرية هنا هي أن أدونيس وغيره من الحداثيين يسعون جاهدين لتبديل دين الأمة وتحويلها من أمة موحدة إلى أمة وثنية، ومن أمة صاحبة رسالة ودين إلى أمة بلا دين ولا رسالة ولا شريعة ولا خلق، أمّا الوهم المعاصر فيتمثل في الخلط المتعمد بين التقنية والأفكار والأخلاف والعقائد.
وهذا الخلط الذي يعتمد عليه الحداثيون في تمرير وتسويغ كفرهم وضلالهم وانحرافهم وتبعيتهم ومحاكاتهم الفكرية والعقدية للغرب، لون من ألوان الرؤية المبعثرة، والبصيرة المطموسة، كما أنه لون من ألوان المغالطة والكذب الفكري والمخادعة الثقافية.
وممن رسخ هذا المبدأ المتناقض أدونيس حيث جعل أنه من التناقض الأخذ بالحداثة التقنية ورفض الأفكار التي أنجزتها والتي يسميها الحداثة الحقيقية فيقول: (ندرك بالتالي، الدلالة في موقف العربى المتناقض عما نسميه الحداثة، فهو يقبل منها كل ما يحسن الحياة وطرقها المعيشة بخاصة، لكنه يرفض النظرة التي أبدعتها، والحداثة الحقيقية في الإبداع لا في المنجزات بذاتها) (١).
وبهذا الأسلوب وأشباهه لبّس أدونيس على المغفلين بهذه الفلسفة التي تخلط بين التقنية والأفكار والفلسفات والقيم، فهو يعتبر أنا إذا أخذنا من الغرب حداثة التقنية ورفضنا أساسها الفكري والثقافي والعقدي فنحن نمارس
стр. 752
الصراع بين قيم الثبات التي تمثل الماضي، والتحولات المستقبلية.
ولم يعلم أن التقنية أصلًا منفصلة عن أي أساس فلسفي؛ لكونها حيادية تجريبية، لا علاقة لها بالمعتقد وليست مبنية على فلسفة مّا، أمّا الأفكار والعقائد والقيم والأخلاق فإنها لم تنتج هذه التقنية بل هي من أسباب استخدام التقنية، في التدمير والبلاء والفساد الكوني، وما نراه اليوم من الظلم الذي تمارسه الدول المتقدمة في التقنية، والإباحية والدمار، والبشاعة السلوكية والسياسية والاقتصادية، والتفكك الاجتماعي، وألوان الانحراف الكثيرة، كلها تبين مدى تأثير هذه العقائد المنحرفة والأفكار الضالة التي يريد أدونيس وسائر الحداثيين استيرادها، تحت ستار النتاج التقني، وسوف تكون هذه الأفكار والعقائد -يومًا ما- سببًا في تدمير هذه التقنية، وتدمير البشرية والحياة الطبيعية والفطرية في الأرض والبحر والجو.
وهنا نحن نرى اليابان قد تقدمت في أمور التقنية ولم تتخل عن أفكارها وعقائدها وعاداتها، فلماذا يصر الحداثيون العرب على مسخ هذه الأمة وربطها بدولاب الغرب؟، ألا يكفي أننا نعيش تخلفًا وتبعية تقنية محزنة؟ حتى يأتي هذا الباطني العميل ليطلب أن نتبع الغرب في الفكر والعقل حيث يقول: (إننا نمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائله لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل، ووسائل هذا التحسين. . .) (١).
وهذا القول من أدونيس في الخلط بين التقنية والعقائد والأفكار، والدعوة إلى استيراد ما عند الغرب من فلسفات وثقافات وسلوكيات، ليس حصرًا على أدونيس، بل قاله كثيرون، واحتج به جم غفير من الحداثيين (٢).
стр. 753
وتحت هذه الذريعة الزائفة تسللت الوثنيات اليونانية الإغريقية والسوموية والآشورية والكنعانية والبابلية وغيرها من عقائد الجاهلية الأولى.
ولقد تبنت مجلة شعر الاتجاه الأسطوري الوثني وأغرقت فيه غاية الإغراق، وقد ذكرنا آنفًا كيف سيطرت فكرة "المتوسطية" على أتباع شعر، وكيف أنهم حاولوا من خلال ترويج هذه الفكرة أديبًا من منبر مجلة شعر، وسياسيًا من منبر حزب القوميين الاجتماعيين لأنطون سعادة، حاولوا ربط الأمة بفكرتين أساسيتين: الفينيقية والنصرانية (١).
لقد كانت مجموعة شعر ترسخ مفهوم الوثنية والأساطير ترسيخًا مبالغًا فيه، حتى أصبح من أبرز ظواهر هذا الاتجاه الذي تلقى الدعم السخي من أمريكا ومن المخابرات الأمريكية على وجه الخصوص من خلال مؤسسة فرنكلين التي بدأت بمدفوعاتها السخية تستقطب أعمدة الثقافة العربية الحديثة (٢).
(إن التدخل الأمريكي كان يحمل طابع توجيه حركة التغاير العربية إلى أفق محدد، وسنرى كيف لعبت مجلة شعر دورًا في سياق هذا التوجيه وبأية لغة، وكيف وفرت لها اتجاهات من خارجها مستندًا أوليًا لتحاول شق طريق إلى مستقبل خاص للشعر العربي) (٣).
في عام ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م برزت إلى الوجود مجلة شعر وافتتح أول أعدادها بمقتطفات لشاعر أمريكي (٤)، لتقوم بترويج الأساطير والوثنيات اليونانية وغيرها، ولقد عبر السياب عن الاتجاه لتبني الأساطير وترويجها بأن
стр. 754
ذلك جاء: (استلهامًا لوجود أكثر عمقًا من الوجود اليومي الضاغط الفاقد لكل شاعرية. . .) (١).
ويضيف قائلًا: (إن اللجوء إلى الخرافة والأسطورة وإلى الرموز من مظاهر الشعر الحديث المهمة. . . نحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لاشعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح، إذًا فالتعبير المباشر عن اللاشعر لن يكون شعرًا فماذا يفعل الشاعر إذن؟ يلجأ إلى الخرافات والأساطير التي لا تزال تحتفظ بحرارتها؛ ولأنها ليست جزءًا من هذ العالم) (٢).
هذه العبارات المليئة بالتضليل والمخادعة، والنفاق الفكري، ليست سوى تبرير ميت لاستخدام الأسطورة والوثنيات المختلفة، التي أخذ أفراد عصابة شعر ثمن ترويجها سلفًا من مؤسسة فرنكلين الأمريكية أو من منظمة حرية الثقافة المعروفة كأحد وجوه وكالة المخابرات الأمريكية (٣).
ومن وجوهها الأخرى مع مجلة شعر مجلة حوار وأدب وأصوات.
لقد كان العنصر الوثني والأسطوري الذي تبنته حركة شعر يقوم بدور داعم للثقافة الغربية التي تريد أمريكا بثه في المنطقة: (وجاءت الأسطورة لتلعب هذا الدور مدعومة بمرجعية ثقيلة الوزن والتأثير بفعل التضخيم الإعلامي المقصود، والمرجعية التي نعنيها هي طرح أسماء بعض الشعراء الغربيين مع إحاطتهم بهالة خرافية تجعلهم مثلًا يحتذى في كل إبداع. . .
يدلنا إلى هذا أن تعبير "الشعر المعاصر" كان يعني حقيقة ما يكتبه الغير وفق انتقاء واضح لا يترك مجالًا للتأويل في أن ما هو "عالمي" و"معاصر" هو الغربي تحديدًا، طوال أحد عشر عددًا من أعداد مجلة شعر بين عامي ١٩٥٧ - ١٩٥٩ م اقتصرت ترجماتها للشعر في عالم اليوم على
стр. 755
الشعر الغربي: "شاعرًا أو شاعرين من الثقافة الانجلوساكونية، ٩ شعراء فرنسيين أسباني واحد") (١).
وهكذا تبدو لنا مجلة شعر من خلال النص السابق -وهو لحداثي قومي- أداة في يد الأمريكان لتنفيذ مآربهم في تفكيك الأمة وإلحاقها بالفلك الغربي الأمريكي أو الأوروبي، وإبعادها عن دينها موطن القوة والعزة والكرامة، وقد تمادى أصحاب مجلة شعر في الوثنية والأسطورة حتى وصل الأمر بأحد الحداثيين إلى القول بأن (الشعر العربي المعاصر قد تأسس منذ ولجت الأسطورة كبعد بنيوي شعوري إلى جسد القصيدة) (٢).
لقد اتخذت عصابة شعر في سبيل ترسيخ مشروعها الأسطوري الوثني مصطلح الشعراء والتموزيين، وهو الوصف الذي أطلقه جبرا إبراهيم جبرا في دراسة له في مجلة شعر عام ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م على شعر كل من أدونيس ويوسف الخال والسياب وخليل حاوي وجبرا.
وهذه التسمية ذات دلالة على مشروع الاستعارة والتقمص الحداثي الذي مارسه هؤلاء الأتباع. فما قصة تموز؟ وما خلفياته؟ وما المقاصد المناطة بهذا الاسم الوثني؟.
تموز: وثن أسطوري استخدم عند الآشوريين البابليين على اعتباره ربًا للمحاصيل والإنبات، يموت في أسطورتهم في كل شتاء، ويولد في كل ربيع، صار زوجًا لعشتار أوفينوس أو عشيقها، يسمى تموز عند السومريين "دوموزي" وهو رمز للتجدد السنوي عندهم، وقد انتشرت أسطورته في البلاد المحيطة بشرقي البحر الأبيض المتوسط، وتركزت عبادة تموز في وادي الرافدين وسورية، ثم أخذ الإغريق عنهم عبادته في حوالي القرن السابع قبل الميلاد، وسموه "أدونيس" وجعلوه ربًا للإنبات والإخصاب،
стр. 756
ويقال: أنه غيره، وإنَّما حصل تماثل بين أدونيس الوثن الفينيقى، وتموز الوثن البابلي.
وإنَّما تظهر هذه الأوثان في أشكال متشابهة ومتعددة في الأساطير التي تروى عن تلك الأمم.
إن موت تموز وانبعاثه حسب ما ورد في الأسطورة يماثله موت أدونيس الذي تقول الأسطورة الفينيقية أنه ذهب للصيد فقتله خنزير بري، ومن دمه نبتت شقائق النعمان، ويقولون: أن أدونيس يموت ثم يولد ثانية؛ ولذلك يحتفلون بذلك ويسمون احتفالهم "أدونيا" ويكون عقب الحصاد السنوي على شرف أدونيس!! حزنًا على موته واحتفالًا بولادته الثانية، ويرمز هذا الاحتفال عند اليونان والرومان إلى دورة الإنبات التي تتجلى في الموت الفصلي لأدونيس وانبعاثه.
من هذه الخرافة في تموز أو أدونيس في أسطورة الموت والانبعاث تكون الجوهر الأساسي لأسطورة تموز بكل بدائلها (١).
لقد توجه الحداثيون وخاصة في حركة شعر نحو تموز، فتسمت المجموعة السالف ذكرها باسم الشعراء التموزيين، وتسمى علي أحمد سعيد أسبر النصيري باسم أدونيس واقتبسوا من الخرافات التي أحاطت بتموز وأدونيس منطلقاتهم وطموحاتهم الحداثية، وترسخت علاقتهم بالوثنيات على أوسع قاعدة، وفلسفوا التجديد والانبعاث الأسطوري لتموز وأدونيس فلسفة توافق مشاريعهم الحداثية الساعية إلى تدمير الأمة وتحطيم شأنها.
لقد تجاوزوا بهذا الرمز الوثني كل مرجع عربي جاهلي أو إسلامي، ليرتبطوا بالوثنيات التي تجعلهم يمثلون الامتداد للعالم الجديد، الغرب، البحر، حوض المتوسط.
وقد انطلق جبرا في اقتراح هذا المصطلح كما يقول إلى مرجع فيه
стр. 757
الديمومة والبعث والخصب، ثم يحاول أن يوجد لهذه الأوثان قاعدة عند العرب فيقرر أن هذا الرمز "تموز" ليس جديدًا علينا كأمة فيها من العادات والمعتقدات الشعبية كثير من أسطورة تموز بأشكالها (١).
وهذه محاولة تسويقية، وتغطية على الاستعارة الوثنية، والتقمص الفكري الهش للغرب، وفي الحقيقة أن جبرا وأتباعه من شعراء الحداثة وخاصة عصابة شعر قد أخذت هذه التسمية وغيرها من الرموز الأسطورية الوثنية، ومن كتاب "الغصن الذهبي" لجيمس فريزر (٢) مرجعية فكرية، وقد قام جبرا في عام ١٩٥٧ م بترجمة جزء "أدونيس أو تموز" من هذه الموسوعة (٣) وتأثر بها غاية التأثر واستنسخ أفكارها وعممها بشكل دعائي من خلال مناشط حركة شعر.
(وتعتبر موسوعة الغصن الذهبي لجيمس فريزر التي صدرت عام ١٨٩٠ م في طليعة الدراسات الأسطورية التي أثرت بشكل بارز في الأدب العالمي إلى الحد الذي دفع البروفسور بكي إلى اعتبارها "مصدرًا يكاد لا ينضب للأساطير والرموز المركزية في أدب القرن العشرين" وقد برز تأثير فريزر في قصيدة أليوت الشهيرة "الأرض الخراب" التي تعرف إلى رموزها، وخاصة ما يتصل منها بالخصب، وشرحها اعتمادًا على فريزر، وهذا ما أشار إليه أليوت نفسه، ويمتد تأثير فريزر إلى النقد أيضًا. . . وقد ترجم جبرا إبراهيم جبرا عام ١٩٥٧ م جزء "أدونيس أو تموز" من هذه الموسوعة بشكل ممتاز) (٤).
وهكذا تتسلسل عملية التأثر بالغرب عند أصحاب الحداثة العربية، من فريزر إلى أليوت، ومن تموز إلى الأرض اليباب، التي كان لها أبلغ الأثر في نتاج كثير من شعراء الحداثة، وأولهم وطليعتهم بدر شاكر السياب الذي
стр. 758
قال عنه باروت: (بدأ السياب في استعمال الأسطورة بعد عام ١٩٥٢ م. . . إن السياب قد بدأ التعرف على أليوت بصعوبة، وما لديه من أساطير ورموز وتضمينات واستعارات، كما كان قد اطلع على مخطوطة ترجمة جبرا لـ "تموز أو أدونيس" أحد أجزاء موسوعة الغصن الذهبي. . .) (١).
ولعمق تأثير كتاب الغصن الذهبي على جبرا وخاصة الجزء الذي ترجمه باسم أدونيس، قال في المقدمة ما يدل على الانبهار والانصهار، قال: (كان لهذا الجزء -أدونيس- فضلًا عن خطورته الانثربولوجية الظاهرة أثر عميق في الإبداع الأدبي في أوروبا في السنين الخمسين الأخيرة، بما هيأه للشعراء والكتاب من ثروة رمزية وأسطورية نرجو أن يقبل عليها أدباؤنا أيضًا، لإغناء أدبنا الحديث) (٢).
لقد كان جبرا والثلة التموزية الذين معه يرون في إحياء هذا الرمز وتداوله وإشاعته مخرجًا ثقافيًا ينطلقون من خلاله إلى نيل رضوان أساتذتهم والاندماج في صميم الفكر الغربي الذي يرونه المثال الأعلى، ويحققون بذلك صرف الأمة عن دينها وتوحيدها وعقيدتها ومبادئها.
لقد اعتبروا الإسلام وحضارته وتاريخه وتراثه جدبًا وتخلفًا، ورأوا أن الخلاص من ذلك لا يكون إلا بارتباطها الثقافي والاعتقادي بعقائد بني ملتهم من النصارى الغربيين.
وقد عبر جبرا عن هذا بقوله: (لقد نبهتنا نكبتنا الكبرى إلى حقيقة الذبول الذي أصاب شعبًا كبيرًا قرونًا عديدة، إلى حقيقة العنة الروحية التي ما عدنا نستطيع تحملًا لها، فوجد شاعر كيوسف الخال في الأسطورة البابلية خير رمز لمعاناتنا) (٣).
стр. 759
لقد إنهارت حركة شعر وانفض سامرها، ولكن هل بقي للإحياء الوثني الذي تزعمته أثرٌ في واقع الأدب العربي المعاصر؟.
يجيب على هذا السؤال محمد جمال باروت، الذي يمتدح المثال الجمالي التموزي -حسب تعبيره- ثم يذكر تأثير مدلولات الوثنية التموزية في أكثر شعراء الحداثة، فيقول: (. . . إن المثال الجمالي التموزي، إذ نضج في حلقة شعر، وفي مهادها الفكري - الايديولوجي، فإنه في تطوره الدلالي لم ينحصر فيها، بل أثر عميقًا في تحولات الشعر العربي الحديث، بل وارتبط بأكثر الشعراء تمثيلًا لهذه التحولات، علمًا أن هؤلاء الشعراء كانوا متعددين في مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية - الايديولوجية - السياسية، ومتفاوتين في مدى قوة الالتزام كل منهم بهذه المشارب والانتماءات) (١).
وفي موضع آخر تحت عنوان "تموزية ما بعد حركة مجلة شعر"، يقول: (لقد فتحت تموزية حركة مجلة شعر الباب أمام الشعر العربي الحديث ليكتنه القدرات الدلالية والإيحائية والشعرية للأسطورة. . .، ومن أكبر الممثلين لتموزية ما بعد حركة مجلة شعر عبد الوهاب البياتي، بشكل معمق وأكيد في دواوينه "الذي يأتي ولا يأتي ١٩٦٦ م" و"الموت في الحياة ١٩٦٨" و"عيون الكلاب الميتة ١٩٦٩" و"الكتابة على الطين ١٩٧٠" وهي مرحلته الشعرية الأكثر أهمية وحداثة وعمقًا في أسئلتها واقتراحاتها، ولربما بهذا المعنى كان يوسف الخال يقول بترق عام ١٩٨٣: "إن عبد الوهاب البياتي يعرف أكثر من غيره أن شعر إنَّما قامت لأجل بلورة خطه، وخط غيره من شعراء الحداثة العربية" لكأن البياتي في مرحلته الشعرية هذه، يعيد إنتاج تموزية شعر مع تطعيمها بإيقاع إيديولوجي جديد، إنه مثل شعراء تموزية شعر يكتب: (أنا أميل إلى اختيار صورة المنقذ الذي يتجسد بصورة النبي كما هو وارد في العقيدة الإسلامية أو بروميثيوس الذي سرق النار الإلهية من أجل البشر، كما يتجسد في الميتيولوجيا (٢) اليونانية أو ميثولوجية
стр. 760
شعوب البحر المتوسط، وقد تحل وتتحد صورة البطل أو المنقذ الإسلامي - العربي - الإغريقي، بل أشعر أحيانًا أن البحر الأبيض المتوسط هو مسرح ولادة حضارات العالم القديم والحديث") (١).
ثم يذكر باروت مجموعة من شعراء الحداثة الذين مثلوا تموزية مجلة شعر بعد إنقراض هذه المجلة وحركتها (٢).
ويذكر منهم محمود درويش في قصيدة "الأرض" التي أصدرها عام ١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م: (والتي توظف بشكل تضميني بارع القدرات الدلالية والإيمانية للأسطورة التموزية) (٣).
وهكذا استمرت الوثنيات التموزية تضرب بجران انحرافاتها في نتاج شعراء وكتاب الحداثة، وقد ذكرنا آنفًا تأثير شعراء حركة شعر بجيمس فريزر وأليوت، وهو تأثر واضح الأثر، عميق التأثير، بيد أنه من الضروري ذكر أثر أنطون سعادة في ترسيخ هذا الاتجاه الوثني الذي استقاه سعادة من الغرب النصراني الوثني، ليكون حربًا للأمة وسببًا في تفريق شملها وإضعاف قوتها، وربط حياتها ومسارها بالغرب.
لقد جاء من البرازيل إلى لبنان أنطون سعادة، وظهر في عام ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣٢ م على مسرح السياسة مباشرة، وألف الكتب ونشر ما سبق له تأليفه، وكون حزبًا منظمًا دقيقًا أطلق عليه اسم "الحزب القومي الاجتماعي" (٤)،
стр. 761
ومن كتبه التي قام بنشرها وكان لها التأثير القوي في تكوين حركة حداثية أبرز شخصياته أنطون سعادة الذي أعدم عام ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م إثر قيامه بمحاولة ثورة في لبنان، ومنهم غسان جدير نصيري، وجورج عبد المسيح وإنعام رعد ويوسف الخال وخليل حاوي، وكلهم نصارى ومنهم أدونيس النصيري الزنديق الشهير.
فكرية سياسية كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري" وقد صدرت طبعته الأولى في الأرجنتين سنة ١٣٦٢ هـ/ ١٩٤٣ م، ومنذ عام ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م أعيد طبعه في بيروت على نطاق واسع (١) محوران أساسيان امتد من خلالهما تأثير أنطون سعادة على الساحة الثقافية المختمرة بالاتجاهات والمذاهب والأفكار والمختلفة والمنحرفة:
المحور الأول: الحزب الذي كونه وأحكم نظامه في صورة مركزية مرتبطة بشخصه، وقد انطلق من خلال الحزب ليكسب الأتباع، ويبث الدعاية، لنفسه وأفكاره، وقد بارك الغرب هذا الحزب، وأمده بالمال والسلاح والدعاية.
стр. 762
وبذلك استقطب هذا الحزب مجموعة كبيرة من ذوي الاتجاهات المختلفة، وقد سبق ذكر ذلك في ثنايا هذا الفصل.
لقد كون أنطون سعادة لنفسه هالة من التعظيم والقوة والمكانة، وخلب بهذه الهالة المفخمة عقول وقلوب أتباعه وكان يرى أنه نبي أو بمثابة نبي وكان أتباعه يرون فيه القوة المقدسة والمخلص والبطل والمنقذ، وقد صور باروت في كتابه الحداثة التي كان أتباعه يرضخون لها فقال: (تنهض شخصية أنطون سعادة في دعي هذا الجبل، كخيط متوهج دامٍ ما بين النبوة والبطولة (١)، الكشف والفعل (٢)، وكان نفسه يرى أن ثمة قوة مقدسة بالمعنى النبوي تضعه في خط متصل منذ البعل الكنعاني إلى سارجرجس إلى الخضر، بل حاول أن يكرر الأسطورة نفسها، وأن يهز بمصيره مئات الذين اندفعوا خلفه، أراد أن يكون دفعة واحدة، النبي والبطل، والمخلص والفادي، ووجد فيه أتباعه تكرارًا لأسطورة تقارب يسوع، ودفعة بطوليه للنهضة رأى فيه أدونيس مثلًا "جلجلة البعث" هذا يوضح أبعاد الهزة الوجدانية الكبرى التي أثارها مصيره في حساسية ووعي النخبة التي اندفعت خلف أحلامه، بإيمان ميتافيزيائي، وهي تبحث عن البطل المنقذ القادر، المخلص المنتظر، الذي يبعث جوهر الأمة، المتعالي على التاريخ من بين الأجداث، وينهض به من جديد، وكان سعادة يرى كلماته كوحي، كما الأنبياء، ويلزم بها أتباعه كما هي علاقة النبي (٣) بجمهور المؤمنين، وكان في تصوره لهذه العلاقة قريبًا جدًا من تصور الأستاذ الاسكندروني زكي الأرسوزي (٤) عن توجس الأمة لانبثاق البطل النبي منها
стр. 763
وتجليه فيها، وبخلقها من جديد، وعودتها لتحمل رسالتها إلى العالم من هنا كان سعادة يرى كما يرى الارسوزي حق الولاية للنبي على جمهور المؤمنين وبتعبير سعادة حق الزعيم في قيادة وتوجيه الأمة) (١).
وهكذا يتبين بشهادة حداثي -لا يُمكن أن يقال بأنه يتحامل على أصحابه وأحبابه- مدى التأثير الذي مارسته شخصية أنطون سعادة على جيل واسع من المثقفين والشعراء والأدباء والكتاب والسياسية، وقد ألقى في روعهم من ضمن ما ألقى، محبة الوثنيات والتعلق بها وتقديسها والوقوف أمام أسمائها ورموزها ومفاهيمها موقف العبودية الذليلة الخانعة، وموقف المحبة والانقياد والاتباع والإجلال، وهم بذلك لايفترقون في قليل أو كثير عن إخوانهم من عبدة الأوثان من أهل الجاهلية العربية أو غيرها، والفارق الوحيد الذي يُمكن ذكره هو أن عبدة الأوثان الأوائل كانوا يتقدمون إلى عبادتها بسذاجة وبساطة وعفوية، من غير عمق ولا معرفة ولا دراية.
أما عبدة الأوثان المتأخرين من الحداثيين وغيرهم فإنهم يتقدمون إلى عبادتها وهم متدرعون بالثقافة والعلم والموضوعية والحرية الفكرية والفلسفة العميقة إلى غير ذلك من الشعارات والأسماء المنفوخة.
المحور الثاني: الذي انطلق من خلاله أنطون سعادة للتأثير والاستقطاب: مؤلفاته، ومنها "نشوء الأمم" و"المحاضرات العشر في الندوة الثقافية" و"تعاليم وشروح في العقيدة القومية والاجتماعية" و"الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية" (٢).
غير أنه (كان التأثير الأدبي الرئيسي لسعادة عبر كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري" -صدر في الأرجنتين عام ١٩٤٣ م وبدءًا من ١٩٤٧ م أعيد طبعه في بيروت على نطاق واسع- ومن المفيد هنا استحضار بعض الاستشهادات لتحديد مجال التفحص الذي سنقوم به.
стр. 764
يؤكد أدونيس أن هذا الكتاب "كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وتوجهي الشعري: ولأنَّه بالإضافة إلى ذلك أثر تأثيرًا كبيرًا في جيل كامل من الشعراء، بدءًا من سعيد عقل وصلاح لبكي ويوسف الخال وفؤاد سليمان (١)، وانتهاء بخليل حاوي، وكان إلى ذلك ملهمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية النقدية في النقاش الذي دار حول مجلة شعر والمشكلات التي أثارتها".
كما يؤكد الدكتور نذير العظمة "أحد مؤسسي شعر" أن "أغلب الشعراء التموزيين ما خلا جبرا إبراهيم جبرا وبدر شاكر السياب، كانوا ينتمون إلى الحركة القدمية الاجتماعية أو يتصلون بها بشكل من الأشكال، فالدكتور: خليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال هم من رواد الحركة التموزية، لم يكونوا أعضاء في الحزب فقط، بل مارسوا فيه مسؤليات ثقافية وفكرية مهمة، وبكلمة أخرى كانوا على معرفة حميمة بما يكتب أنطون سعادة، وينظر في مسألة التجديد في الشعر بشكل خاص والأدب والفكر بشكل عام") (٢).
وقد ربط أنطون سعادة الفكر والتجديد والانبعاث في كتابه هذا وسائر كتبه ومحاضراته بالمرجعية الوثنية وخاصة الفينيقية في الدرجة الأولى، ثم الإغريقية والسومرية والكنعانية والآرامية والبابلية (٣).
والذي يهم سعادة في كل هذه التراثات الجاهلية الوثنية (هو العودة إلى القصائد والملاحم السورية المتجلية بالأساطير، وتجديدها عبر نظرة جديدة إلى الحياة والعالم، حيث يرى أن هذه القصائد والملاحم تشكل
стр. 765
المرجع التراثي الحقيقي للشعر، ومن هنا لايجد إلا الطلب إلى "الأدباء الواعين أن يحجوا ويسيحوا إلى مقام الآلهة السورية، فيعودوا من سياحاتهم حاملين إلينا أدبًا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور") (١).
يتضح لنا من خلال النقل السابق أن أنطون سعادة جعل الأساطير الوثنية والخرافات الجاهلية محور فكرته ومنطلق مذهبه وأساس دعوته، وربط الإبداع والنهضة والبعث والإنماء بهذه التصورات والعقائد الوثنية وربط أتباعه بهذا المفهوم، فقاموا هم بدورهم وبحماسة أكبر، وبتنظير أطول وممارسة أكثر، ببث الدعوة إلى هذه الوثنيات وتأصيل الإيمان بها وتقوية الدعاية لها، فانساقوا في أودية الخرافات والأوهام يستجلبون من رمادها عناصر الحياة لفكرتهم الميتة.
ومن أعجب الأعاجيب أن الحداثيين ينادون بالعقلانية ويدعون المنطقية، وهم مع هذه الدعوى العريضة يستسلمون لهذه الخرافات يؤمنون بها ويقدسونها ويجعلونها أساسًا للنهضة والارتقاء!!.
ولكن أنطون سعادة قد أقنعهم بأن هناك فرق بين الخرافة والأسطورة، (فيرى أن الخرافة هي نتاج مجتمع بدوي محدود، مشدودة إليه ومنحصرة في جموده، في حين أن الأسطورة هي نتاج حضاري تعبر عن هم إنساني شامل، فيرى أن عكس الخرافة هو "الأساطير الراقية ذات الصبغة الفلسفية المتناولة قضايا الحياة الروحية والمادية، الملازمة للجماعات البشرية التي أظهرت استعدادًا نفسيًا عاليًا، وجعلت أساطيرها ذات مغزى في الحياة والممات كالأساطير السورية" ويعدد منها أساطير أدونيس وطافون وإيل والبعل، ويشرح بعضها، ويشترط سعادة تجديد هذه الأساطير، عبر نظرة جديدة إلى الحياة والعالم تقدم "فهمًا جديدًا للحياة" من هنا يلح على
стр. 766
"العناية بالأساطير الأصلية ذات المغزى الفلسفي في الوجود الإنساني بوعي لنظرة أساسية إلى الحياة والكون والفن") (١).
هذا القول لأنطون سعادة يؤكد غاية التأكيد أن الحداثة في مضامينها وأفكارها وجذورها وفروعها ليست إلا فكرًا مستعارًا، ومفهومًا تقمصه الأتباع من غير عقل ولا نظر، فأنطون سعادة يفرق بين الخرافة والأسطورة!!.
ولم يقل له أحد من مريديه بأن الأسطورة هي خرافة بل أشد من الخرافة، ذلك أن في اسمها الدلالة الكبرى على كونها كذبًا واختلافًا، ومع ذلك يسميها الأساطير الراقيات ذات الصبغة الفلسفية، وسبب هذه التسمية أن هذه الأساطير هي المعتمدة رسميًا في الفكر والفلسفات الغربية؛ فلذلك كانت راقية وفلسفية، ولم تكن كذلك إلَّا لأنها كانت ملازمة للجماعات البشرية التي أظهرت استعدادًا نفسيًا عاليًا، وهذه الجماعات البشرية هم الغرب وفلاسفتهم.
أما أساطير العرب فإنها عنده -حتى وهي أساطير تشابه أساطير الغرب- منبوذة؛ لأنها خرافية وبدوية وليست حضارية!!، ومن هذا المنطلق استطاع سعادة أن يربط اتباعه بالغرب برباطين:
الأول: إحياء الأساطير والأوثان التي يؤمن بها الغرب وتشكل جذور فكره.
الثاني: صيغ هذه الأساطير بصيغة محلية "سورية" مع ربط الإقليم المحلي بالفكرة "المتوسطية" لتتم عملية الربط التاريخي والحضاري -حسب قوله- بين سورية والغرب، هذه المفاهيم التي غرسها أنطون سعادة، مع المفاهيم المنحرفة الأخرى، مثل نفي الألوهية، وجحد وجود اللَّه تعالى، ورفض الغيبيات، وفصل الدين عن السياسة، سارت في أتباعه مسير الدم في عروقهم، وشكلت مفهومًا ثقافيًا وسياسيًا شاملًا، وجد الحركة الشعرية
стр. 767
العربية الحديثة مطية صالحة له للوصول إلى مآربه الظاهرة والخفية.
وتتبدى هذه المفاهيم الأسطورية التي شاعت بين أدباء الحداثة، دليلًا جديدًا على التبعية والانقياد الفكري ليس في هذه القضية فحسب بل في الاتجاه العام للشعر والأدب العربي كله، وهذا ما أكده غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين، حيث قال: (فلا شك أن الثقافات الأجنبية ومدارس الشعر الغربي والبيئات الحضارية الجديدة، كانت جميعها من عوامل التجديد، ولكنا نلاحظ أن حركات التجديد في جميع المراحل السابقة على حركة الشعر الحديث قد حافظت على جوهر الشعر العربي، بينما نلاحظ في نفس الوقت أن الحركة الحديثة تقوم أساسًا على رفض هذا الجوهر، فلا يقتصر التجديد فيها على استخدام الأسطورة أو الرمز أو لغة الحديث اليومي أو المشكلات الميتافيزقية، ولكنها غيرت بالفعل من الاتجاه العام للشعر العربي، وانعطفت به وجهة أخرى وهي بلا ريب وجهة الشعر الغربي الحديث) (١).
إن هذه الحقيقة لأمراء فيها ولا غبار على ثبوتها، وقد كانت استعارتهم للعناصر الوثنية والنصرانية واليهودية، من أبرز وأظهر نَماذج محاكاة شعراء الحداثة العرب لأدباء وفلاسفة الغرب.
وقد كان المنهج الأسطوري الذي نشأ في الغرب في جوانبه الأدبية والفلسفية والتاريخية وأنماطه النفسية واللاشعورية، واتخاذ الأساطير وتأويلها، وجعل الشاعر كالعراف والساحر، وغيرها؛ أساسًا ومنطلقًا للتقمص الذي مارسه حداثيو العرب.
وقد عني الغربيون بالأساطير ولجأوا إليها واتخذوها مثابة للمسار الفكري والفلسفي والإبداع الأدبي فظهر المذهب الأسطوري في الدراسات الأدبية في أحضان الأنثربولوجيا (٢)، واتجهت مجموعات في إنكلترا وأمريكا
стр. 768
تحاول أن تكشف عن الأساطير الأصيلة -حسب زعمهم- للإنسانية خلف الأدب، كالأدب الإلهي والتضحية بالإله والهبوط إلى الجحيم، وغير ذلك مما نجد صداه في الكتابات الأدبية والعقائد المحرفة كالخطيئة والتكفير والخلاص في النصرانية، وكان لهذا المذهب الأسطوري جذوره في الدراسات النفسية وخاصة عند أتباع اليهودي فرويد (١) الذين كانوا ينظرون إلى الأسطورة على أنها حلم لفرد مكبوت، أمّا يونج (٢) ورهطه فقد نظروا إليها على أنها نَمط أولى للجنس البشري، لا ينم عن مرضه، بل ينم عن مشاركته الطبيعية في اللاشعور الجمعي، وهو المذهب الذي يقول به يونج، في مقابل اللاشعور الفردي الذي يقول به فرويد (٣).
وعلى ذلك فقد فلسف هؤلاء الأسطورة فلسفة تحاول وضعها في
стр. 769
حقل الحقيقة والتأثير، فأكدوا جميعًا أن الأساطير ليست كما يعلم الناس حشدًا من الخرافات، وليست مجرد أوهام من عالم الفوضى، بل هي لغة أخرى، لغة الشعر والخيال والانفعال بجانب لغة المنطق والنثر والعلم (١).
وفي معرض إثبات طابع العلمية على الأسطورة قرروا أنه من الخطأ أن تظن أن الشاعر حين يستلهم تجارب العصور السحيقة، إنما يستعين بأمور غير أصيلة؛ لأن التجربة الأولية هي مصدر إبداعه، فليس غريبًا أن يلوذ بالأسطورة، ويصور تجربته تصويرًا أسطوريًا، حتى يهبها الشكل الفني (٢).
ثم جاء المنهج الأسطوري في منحاه التاريخي ليضفي على الأسطورة مكانة ويجعل لها شرعية.
ومن أبرز الذين اهتموا بالأسطورة من هذا الجانب الإنجليزي جيمس فريزر، وهو من علماء الانسنه "الانثربولوجيا"، وقد ألف كتابًا في هذا الصدد ذاع صيته وعظم تأثيره، وهو "الغصن الذهبي" المكون من اثني عشر مجلدًا، وموضوعه دراسة السحر والدين والأساطير القديمة، دراسة حاول فيها أن يؤكد شرعية الأسطورة وأهميتها، ويضع المبررات للعبادات الوثنية المختلفة، ويضع استنتاجات احتمالية وهمية تفتقر إلى البرهان، ليعرض تطور الفكر والمجتمع، ويحاول أن يجد علاقة بين السحر والفن والدين والزعامة في ظل الارتباط بين وظيفة الكاهن والساحر، ويخلط بين الدين الحق والوثنيات الباطلة وبين الأنبياء والكهان، وحاول في كتابه هذا ربط التشابهات الأسطورية ليخلص منها إلى نظرية تعميمية هي أن الأسطورة إنسانية وليست إقليمية أو محلية، في سياق يتضح منه إضفاء صفة العالمية على الأساطير والخرافات، لتتخذ من خلال هذه الدعوى الكبيرة هيبة عند ضعفاء العلم والعقل وعديمي الإيمان.
وعلى كل حال فإن كتاب الغصن الذهبي كان له دور بارز في نشوء
стр. 770
نوع جديد من الدراسات الأدبية والنقدية، يقوم على الأسطورة، وكان له تأثير واضح في شعراء الحداثة، وقد اعترف أليوت في تعليقاته على الأرض الخراب بتأثره العميق بالغصن الذهبي (١).
هذه هي جذور الاقتداء الحداثي العربي بالأسطورة الغربية، والقواعد التي انطلقوا منها للمحاكاة البليدة والاستنساخ الأعمى.
وقد حاول بعض النقاد الحداثة العربية أن يوجدوا المسوغات الفنية والثقافية لهذا الارتماء الحداثي في أحضان التبعية للغرب، فهذا محمد مندور يتحدث عن هذه القضية، ويطلق على هذا المنهج اسم التجارب الأسطورية (٢)، ثم حاول بعث أساطير إقليمية ومحلية لإضفاء صورة الاستقلالية في هذا الشأن عن المغرب (٣)!!، مع إعجاب وانبهار -في الوقت نفسه- بالملاحم والأساطير والوثنيات الجاهلية الخالية (٤).
وعلى هذا النحو التبريري ينطلق إحسان عباس في كتابه "اتجاهات الشعر العربي المعاصر" ليؤكد أن (من بدهيات الحركة التاريخية أن الإنسان المعاصر، في ظل النوازع القومية، قد انتقل من واقع التاريخ إلى تبني "الأسطورة التاريخية" واستخدامها حافزًا في تقوية "التكاتف الاجتماعي" في الأمة الواحدة، وأن ذلك كان يمتد من مبدأ الإيمان بإرادة القوة إلى الخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف. . .) (٥).
وهكذا يحاول إحسان عباس أن يظهر لنا أن تبني الوثنيات والأساطير لا ضير فيه، لا من ناحية الفكر والاعتقاد ولا من ناحية الانتماء، بل إنه يصفه كضرب من ضروب الضرورة اللازمة لتقوية التكاتف الاجتماعي
стр. 771
والخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف، وأيم اللَّه أن هذا القول من أعظم الكذب والمخادعة والتدليس، ومناقضة العقل والواقع والتاريخ، وإلَّا متى كانت الأساطير والوثنيات التي فرقت الإنسانية وشتت الإنسان وأبعدته عن طريق الخير، وأركسته في الضعف والتفكك والتخلف، متى كانت سببًا لنهضته ويقظته وسعادته؟.
وها هو التاريخ يشهد في كل صفحاته أن سقوط الإنسان وانحداره حصل منذ أن ارتمى في الوثنيات والأساطير، ثم ها هو الواقع اليوم يشهد على ذلك، ولكن الأعين العمي والبصائر المطموسة لا يُمكن لها أن ترى الحقائق ولو كانت مثل الشمس في ضحى النهار.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (١).
ويلخص إحسان عباس الاتجاه الأسطوري الذي امتطى الشعر العربي الحديث، ويذكر أسباب ذلك في لهجة تبريرية أقرب إلى الأسلوب الدعائي، وإن كان قد انتقد إدخال الأسطورة واستخدامها في غير موضعها، وهو نقد يتجه نحو كيفية الاستعمال وليس على المبدأ ذاته، ثم بين دلالات الأسطورة، فقال: (ويعد استغلال الأسطورة في الشعر العربي الحديث من أجرًا المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثارًا حتى اليوم؛ لأن ذلك استعادة للرموز الوثنية واستخدام لها في التعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر، وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام، حتى إن التاريخ قد حول إلى لون من الأسطورة لتتم للأسطورة سيطرتها الكاملة، لماذا تم كل ذلك؟، ثَمّة أسباب كثيرة ربما كان في أولها -وإن لم يكن أقواها- التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة منذ القديم سداه ولحمته، وأنَّه منذ دراسة جيمس فريزر في "الغصن الذهبي" للأسطورة، ومنذ دراسة فرويد ويونج لدورها في اللاوعي الإنساني، انهارت الحواجز التي كانت تقوم دون تقبلها
стр. 772
في الشعر العربي الحديث، أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة؛ لأنها تصل بين الإنسان والطبيعة وحركة الفصول وتناوب الخصب والجدب، وبذلك تكفل نوعًا من الشعور بالاستمرار، كما تعين على تصور واضح لحركة التطور في الحياة الإنسانية، وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر، والربط بين الماضي والحاضر، والتوحيد بين التجربة الذاتية والتجربة الجماعية، وتنقذ القصيدة من الغنائية المحض (١)، وتفتح آفاقها لقبول ألوان عميقة من القوى المتصارعة والتنويع في أشكال التركيب والبناء.
لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث -في توق محموم- يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية "عشتاروت تموز" أو مصرية "أوزوريس" أو حثية "أنيس" أو فينيقية "أدونيس، فينيق" أو يونانيَّة "أورفيوس، برمثيوس، عولس، أودميس، ايكار، سيزيف، اوديب. . . إلخ" أو مسيحية "المسيح، لعازر، يوحنا المعمدان" (٢) بل إنه ذهب إلى بعض حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية (زرقاء اليمامة، اللات)، وعامل القصص الإسلامية على المستوى نفسه مثل قصة الخضر (٣) وحديث الإسراء (٤)، والمهدي المنتظر (٤) (صاحب الزمان) واتخذ من كل ذلك رموزًا في شعره،
стр. 773
تقوى أو تضعف بحسب الحال، وبحسب قدرته الشعرية، وحين اضطر إلى مزيد من التنويع ذهب إلى خلق الأقنعة والمرايا، والاستعانة بالأدب الشعبي. . . .
ومن الإنصاف أن نقول: أن الشعراء يختلفون في مقدار شغفهم بالأسطورة فبعضهم يكثر منها مثل السياب، وبعضهم قليل الالتفات إليها مثل محمود درويش، وأن شعراء العراق ولبنان -على وجه العموم- لايجدون غضاضة في تطلبها من أي مصدر، بينما شعراء مصر -مثلًا- يتحفظون تجاه بعضها ويقبلون على بعضها الآخر. . .، ومع أن هذا الاندفاع نحو الأسطورة المستعارة كان ذا نتائج إيجابية (١)، فقد علقت به بعض النتائج السلبية: إذ أخذت الأساطير أحيانًا وأقسرت على الدخول في بناء القصيدة، دون تمثل لها ولأبعادها، فوضح أنها دخيلة قلقة في موضعها (٢). . . .
بل لعلي لا أتجنى حين أقول إن الشاعر الحديث قد اقتصر في استعمال هذه الرموز -رغم كثرتها- على دلالات محدودة، مما وسم الشعر بطابع التقارب والتكرار، وأهم هذه الدلالات ثلاث:
١ - التعبير عن القلق الروحي والمادي باستغلال رمز الجواب، وفي هذا المجال استخدمت رموز عولس والسندباد وأورفيوس وإيكار. . .، وقد أضاف البياتي إلى الجوابين "عائشة" وهو رمز أوجده أدونيس ثم تخلى عنه "لتقوم مقام الخضر الخالد. . .
٢ - التعبير عن البعث والتجدد، ومن الرموز الصالحة لذلك تموز أو
стр. 774
أدونيس ولعازر والمسيح وأوزوريس وفينيق. . .
٣ - التعبير عن العذاب والآلام التي يواجهها الإنسان المعاصر، وهنا تعود رموز المسيح وبرمثيوس وسيزيف إلى الظهور.
وقد كان السياب بحكم موقعه الزمني، شديد البحث عن الرمز لا يهدأ له بال، وكانت حاجته إلى الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات وتقلبات نفسية وجسمية، وبسبب التغيرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق (١) حينئذ، ولهذا يصلح أن يكون السياب نموذجًا للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مهدئ لأعصابه المستوفزة، فهو يتصيده حيثما وجده (٢)، وقد تأثر كثيرًا بذلك الفصل الذي ترجمه الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا من كتاب "الغصن الذهبي" عن البطل الأسطوري "أدونيس"، وبهذا يكون السياب قد فتح المجال بعده لمن شاء أن يستخدم الرموز، وإن تجاوز، بعضهم في القدرة على الاختيار وفي طريقة الاستخدام، على أن السياب نفسه قد تطور كثيرًا في كيفية استغلال الأساطير والرموز، ابتداءً من اتخاذها نماذج موضحة "كما في قصة يأجوج ومأجوج (٣) في قصيدة الموسى العمياء") (٤).
وفي هذا النص المنقول كفاية عن نقل نصوص أخرى من نقاد حداثيين عنوا بدراسة ظاهرة الأسطورة والوثنيات في الأدب العربي الحديث، من نشأتها في الغرب إلى استيرادها في بلاد العرب وأبعاد ذلك، مع ذكر أمثلة وتحليلات وشروحات، يظهر في أكثرها -إن لم أقل كلها- الإشارة والتبجيل لهذا الاتجاه
стр. 775
والفحص عن معاني الرموز الوثنية عند شعراء الحداثة ومغازي كلامهم وإشاراتهم والأسماء الوثنية التي استعملوها في ثنايا نصوصهم (١).
وإذا انتقلنا من جانب الدراسات النقدية والتنظيرية لكتاب ونقاد الحداثة، إلى جانب الشواهد والأمثلة المنتشرة في ما يسمونه الأعمال الإبداعية، فإننا سوف نجد بحرًا من الرموز والأساطير والوثنيات الجاهلية من شتى العصور ومن مختلف الأمم، ويكفي في رواج هذه الظاهرة أن تلامذة وأتباع الخال قد قرأوا واتبعوا ما قرره في موازين التقدم والتخلف حيث كان (. . . يرى أن اختناق العقل العربي قد ترافق مع سيطرة التراث الهندي ومنه