والخروج من حال الضعف والتفكك والتخلف، وأيم اللَّه أن هذا القول من أعظم الكذب والمخادعة والتدليس، ومناقضة العقل والواقع والتاريخ، وإلَّا متى كانت الأساطير والوثنيات التي فرقت الإنسانية وشتت الإنسان وأبعدته عن طريق الخير، وأركسته في الضعف والتفكك والتخلف، متى كانت سببًا لنهضته ويقظته وسعادته؟.
وها هو التاريخ يشهد في كل صفحاته أن سقوط الإنسان وانحداره حصل منذ أن ارتمى في الوثنيات والأساطير، ثم ها هو الواقع اليوم يشهد على ذلك، ولكن الأعين العمي والبصائر المطموسة لا يُمكن لها أن ترى الحقائق ولو كانت مثل الشمس في ضحى النهار.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (١).
ويلخص إحسان عباس الاتجاه الأسطوري الذي امتطى الشعر العربي الحديث، ويذكر أسباب ذلك في لهجة تبريرية أقرب إلى الأسلوب الدعائي، وإن كان قد انتقد إدخال الأسطورة واستخدامها في غير موضعها، وهو نقد يتجه نحو كيفية الاستعمال وليس على المبدأ ذاته، ثم بين دلالات الأسطورة، فقال: (ويعد استغلال الأسطورة في الشعر العربي الحديث من أجرًا المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثارًا حتى اليوم؛ لأن ذلك استعادة للرموز الوثنية واستخدام لها في التعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر، وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام، حتى إن التاريخ قد حول إلى لون من الأسطورة لتتم للأسطورة سيطرتها الكاملة، لماذا تم كل ذلك؟، ثَمّة أسباب كثيرة ربما كان في أولها -وإن لم يكن أقواها- التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة منذ القديم سداه ولحمته، وأنَّه منذ دراسة جيمس فريزر في "الغصن الذهبي" للأسطورة، ومنذ دراسة فرويد ويونج لدورها في اللاوعي الإنساني، انهارت الحواجز التي كانت تقوم دون تقبلها
стр. 772
في الشعر العربي الحديث، أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة؛ لأنها تصل بين الإنسان والطبيعة وحركة الفصول وتناوب الخصب والجدب، وبذلك تكفل نوعًا من الشعور بالاستمرار، كما تعين على تصور واضح لحركة التطور في الحياة الإنسانية، وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر، والربط بين الماضي والحاضر، والتوحيد بين التجربة الذاتية والتجربة الجماعية، وتنقذ القصيدة من الغنائية المحض (١)، وتفتح آفاقها لقبول ألوان عميقة من القوى المتصارعة والتنويع في أشكال التركيب والبناء.
لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث -في توق محموم- يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية "عشتاروت تموز" أو مصرية "أوزوريس" أو حثية "أنيس" أو فينيقية "أدونيس، فينيق" أو يونانيَّة "أورفيوس، برمثيوس، عولس، أودميس، ايكار، سيزيف، اوديب. . . إلخ" أو مسيحية "المسيح، لعازر، يوحنا المعمدان" (٢) بل إنه ذهب إلى بعض حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية (زرقاء اليمامة، اللات)، وعامل القصص الإسلامية على المستوى نفسه مثل قصة الخضر (٣) وحديث الإسراء (٤)، والمهدي المنتظر (٤) (صاحب الزمان) واتخذ من كل ذلك رموزًا في شعره،
стр. 773
تقوى أو تضعف بحسب الحال، وبحسب قدرته الشعرية، وحين اضطر إلى مزيد من التنويع ذهب إلى خلق الأقنعة والمرايا، والاستعانة بالأدب الشعبي. . . .
ومن الإنصاف أن نقول: أن الشعراء يختلفون في مقدار شغفهم بالأسطورة فبعضهم يكثر منها مثل السياب، وبعضهم قليل الالتفات إليها مثل محمود درويش، وأن شعراء العراق ولبنان -على وجه العموم- لايجدون غضاضة في تطلبها من أي مصدر، بينما شعراء مصر -مثلًا- يتحفظون تجاه بعضها ويقبلون على بعضها الآخر. . .، ومع أن هذا الاندفاع نحو الأسطورة المستعارة كان ذا نتائج إيجابية (١)، فقد علقت به بعض النتائج السلبية: إذ أخذت الأساطير أحيانًا وأقسرت على الدخول في بناء القصيدة، دون تمثل لها ولأبعادها، فوضح أنها دخيلة قلقة في موضعها (٢). . . .
بل لعلي لا أتجنى حين أقول إن الشاعر الحديث قد اقتصر في استعمال هذه الرموز -رغم كثرتها- على دلالات محدودة، مما وسم الشعر بطابع التقارب والتكرار، وأهم هذه الدلالات ثلاث:
١ - التعبير عن القلق الروحي والمادي باستغلال رمز الجواب، وفي هذا المجال استخدمت رموز عولس والسندباد وأورفيوس وإيكار. . .، وقد أضاف البياتي إلى الجوابين "عائشة" وهو رمز أوجده أدونيس ثم تخلى عنه "لتقوم مقام الخضر الخالد. . .
٢ - التعبير عن البعث والتجدد، ومن الرموز الصالحة لذلك تموز أو
стр. 774
أدونيس ولعازر والمسيح وأوزوريس وفينيق. . .
٣ - التعبير عن العذاب والآلام التي يواجهها الإنسان المعاصر، وهنا تعود رموز المسيح وبرمثيوس وسيزيف إلى الظهور.
وقد كان السياب بحكم موقعه الزمني، شديد البحث عن الرمز لا يهدأ له بال، وكانت حاجته إلى الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات وتقلبات نفسية وجسمية، وبسبب التغيرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق (١) حينئذ، ولهذا يصلح أن يكون السياب نموذجًا للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مهدئ لأعصابه المستوفزة، فهو يتصيده حيثما وجده (٢)، وقد تأثر كثيرًا بذلك الفصل الذي ترجمه الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا من كتاب "الغصن الذهبي" عن البطل الأسطوري "أدونيس"، وبهذا يكون السياب قد فتح المجال بعده لمن شاء أن يستخدم الرموز، وإن تجاوز، بعضهم في القدرة على الاختيار وفي طريقة الاستخدام، على أن السياب نفسه قد تطور كثيرًا في كيفية استغلال الأساطير والرموز، ابتداءً من اتخاذها نماذج موضحة "كما في قصة يأجوج ومأجوج (٣) في قصيدة الموسى العمياء") (٤).
وفي هذا النص المنقول كفاية عن نقل نصوص أخرى من نقاد حداثيين عنوا بدراسة ظاهرة الأسطورة والوثنيات في الأدب العربي الحديث، من نشأتها في الغرب إلى استيرادها في بلاد العرب وأبعاد ذلك، مع ذكر أمثلة وتحليلات وشروحات، يظهر في أكثرها -إن لم أقل كلها- الإشارة والتبجيل لهذا الاتجاه
стр. 775
والفحص عن معاني الرموز الوثنية عند شعراء الحداثة ومغازي كلامهم وإشاراتهم والأسماء الوثنية التي استعملوها في ثنايا نصوصهم (١).
وإذا انتقلنا من جانب الدراسات النقدية والتنظيرية لكتاب ونقاد الحداثة، إلى جانب الشواهد والأمثلة المنتشرة في ما يسمونه الأعمال الإبداعية، فإننا سوف نجد بحرًا من الرموز والأساطير والوثنيات الجاهلية من شتى العصور ومن مختلف الأمم، ويكفي في رواج هذه الظاهرة أن تلامذة وأتباع الخال قد قرأوا واتبعوا ما قرره في موازين التقدم والتخلف حيث كان (. . . يرى أن اختناق العقل العربي قد ترافق مع سيطرة التراث الهندي ومنه
стр. 776
الفارسي، بدل التراث الإغريقي - الروماني - المسيحي على الحياة العربية، فإذا بالعرب يروحون في سبات مظلم عميق يستمر ألفًا من السنين) وبمعنى آخر يرى الخال أن العقل العربي في جوهره عقل "إغريقي - غربي" وهو يذكرنا هنا بطه حسين إذ أنه عقل متوسطي تكونت روابطه الأولى مع العالم الإغريقي - الغربي منذ مراجعه في فينيقيا وما بين النهرين "الهلال الخصيب"، ويعني ذلك في المحصلة أن الاندماج بـ "العالم الحديث" الذي هو نتاج العقلية الإغريقية - الأوربية ليس سوى عودة إلى جذور العقل العربي المتوسطي وينابيعه الأولى المرتبطة بهذه العقلية، وبذلك يبدو الاندماج بـ "الغرب" وكأنه استكشاف لـ "الهوية القومية - الحضارية" نفسها، فالعقل العربي في اندماجه بالغرب يستعيد منه ما كان قد أعطاه له، ويعود ذلك بالنسبة للخال إلى أن هذا العقل متوسطي أي إغريقي المعرفة، وتبدو طريقة تفكير الخال هنا قريبة جدًا من طريقة تفكير طه حسين في "مستقبل الثقافة") (١).
من هذا التنظر وذاك وأشباههما تهاوى مبدعو الحداثة نحو الغرب في ضمأ لاهث وتلهف قاتل فأخذوا وقموا كل ما عندهم في محاكاة عمياء واستيراد أخرق، واستعارة جوفاء، ونسخ بليد لكل ما هنالك من أفكار وعقائد ورموز وجاهليات.
وقد عمل أحد الكتاب البنيويين دراسة إحصائية لديوان أنشودة المطر للسياب، الذي فاز بجائزة مجلة شعر عام ١٣٧٩ هـ/ ١٩٦٠ م، فوجد أنه قد استعمل رمز تموز سبع عشرة مرة، ورمز المسيح عشرين مرة، ورمز عشتار سبع عشرة مرة، والصليب إحدى وثلاثين مرة، وأدونيس ثلاث مرات، وآتيس مرتين (٢).
стр. 777
وليست القضية مجرد ذكر وإحصاء أسماء الرموز وأسماء الأوثان، بل القضية أنه يضمن هذه الرموز من المعاني والدلالات الشيء الهائل الكبير، وفق ما سبق نقله من مراداتهم في استخدام هذه الرموز.
يقول السياب عن عشتار:
(عشتار، أم الخصب، والحب والإحسان، تلك الربة الوالهة) (١).
وينادي تموز بوصف الربوبية قائلًا:
(يارب، تمثالك
فلتسق كل العراق
فلتسق فلاحيك، عمالك) (٢).
فلم يبق تموز مجرد رمز وثني قديم بل هو عند السياب رب يدعوه في تأله وتضرع بأن يسقي العراق وفلاحيه وعماله، ثم يناديه مرة أخرى بوصف الربوبية أن يسمع دعاء الرفاق وأن يرعى الفلاحين والعمال والأطفال:
(يارب تمثالك
فاسمع صلاة الرفاق
ولترع فلاحيك، عمالك
تمثالك البعل
تمثالك الطفل
تمثالك العذراء) (٣).
وفي موضع آخر يصف تموز بالألوهية قائلًا:
стр. 778
(ليعو سر بروس في الدروب
وينبش التراب عن إلهنا الدفين
تموزنا الطعين. . .
إلهنا الفتي، لو يبرعم الحقول
لو ينثر البيادر النضار في السهول
لو ينتضي الحسام، لو يفجر الرعود والبروق والمطر
ويطلق السيول من يديه، آه لو يؤوب!) (١).
وفي المقطع نفسه، يصف عشتار بأنها ربة تتصرف وتفعل ما تريد:
(عشتار ربة الشمال والجنوب
تسير في السهول والوهاد
تسير في الدروب
تلتقط منها لحم تموز إذا انتثر
تلمه في سلة كأنه الثمر) (٢).
وبنظرة سريعة في ديوان السياب يُمكن أن يتوصل القارئ إلى أن السياب كان يكتب بأحرف وكلمات عربية أفكارًا وعقائد يونانية وفينيقية وأساطير ووثنيات من الإغريق حتى الصين (٣)، وقد حشر الأسماء الوثنية في
стр. 779
سياق قصائده حشرًا يدل على مقدار ما بلغ به محاولة إثبات العالمية والتواصل مع الغرب، وتأكيد العصرية، لنيل مراتب المديح والشرف من الغربيين وعملائهم في المنطقة.
وقد تحدث إحسان عباس عن استعمال السياب للرموز الوثنية من تموز وغيره، وتبريرات السياب لذلك، وخاصة فيما يتعلق بالهوية التي يحتويها إطلاق هذه الرموز والتحدث بها، في مقابل الرموز الإسلامية، أو حتى العربية الجاهلية، ولذلك حاول أن يسمى الأوثان البابلية والفينيقية تسمية عربية، ليسترضي القوميين، ويبرأ من تهمة اقتلاع العرب وربطهم بغيرهم، فقال -في معرض دفاعه- بأن عتشار هي العزى، واللاتو هي اللات وتموز هو ود، إلى آخر ما هناك من اعتذارية باهتة.
ثم ذكر المؤلف الحوافز التي جعلته يتعلق بهذه الأسماء والرموز، ومنها ميله إلى المراضاة والتلون الحربائي في الفكر والعقيدة حسب الجو الذي يعيش فيه، فهو لما انفصل عن الشيوعيين والتحق بالقومية فكرًا، ثم التصق بمجموعة شعر ذات الفكر الفينيقي النصراني، تلون معهم باللون نفسه وانغمس في الرموز الوثنية، إلى حد أنه يأتي بأسطر مفتعلة ليس فيها إلا مقارنات ذهنية ومبالغات ممجوجة وتعبيرات نابية (١).
وكتب أحد الحداثيين مقدمة طويلة لديوان السياب ذكر فيها استخدام الرموز الوثنية، وأسباب ذلك، مع شرح مسهب وتبريرات مطولة لتسويغ استخدام الأساطير والوثنيات في صيغة جاهلية يتظاهر صاحبها بالعلم والمعرفة، ولكن الأوثان وسدنتها وأتباعها في تباب وضلال وسخف في العقول وتردٍ في المفاهيم (٢).
стр. 780
أما نازك الملائكة فقد فعلت فعل السياب ولكن من غير إغراق ولا مبالغة، بيد أن المضامين الاعتقادية للرموز الوثنية واضحة في شعرها، ومن ذلك قصيدتها بعنوان "صلاة إلى بلاوتس إله الذهب" (١) وقصيدتها الأخرى بعنوان "صلاة الأشباح" (٢) تتحدث فيه عن بوذا والمعبد البوذي والبراهمة، وتخاطب بوذا، وتصفه بإجلال واحترام (٣).
أمّا الشيوعي العراقي وأحد ناقلي ومروجي الحداثة في بلاد العرب "عبد الوهاب البياتي" فإنه مثل السياب في إغراقه ومبالغته وإكثاره من ذكر الآلهة الوثنية مع الإيمان بها وإجلالها ونسبة الإحياء والعبث والنهضة والتقدم إليها، مع نسبة كثير من الأعمال الإرادية إليها، فهي عنده تقول وتسير وتبكي وتندم وتضحك، وغير ذلك من الأوصاف التي التقطها مع ما التقط من انحرافات وضلالات الغرب.
وسوف أوردها هنا نَماذج من أقوال الوثنية، يقول تحت عنوان العودة من بابل:
(بابل تحت قدم الزمان
تنتظر البعث، فيا عشتار
قومي، املئ الجرار. . .) (٤).
وفي مقطع بعنوان "قصائد حب إلى عشتار" خطاب وثني وتمنيات وثنية وتمجيد وتقديس لعشتار إله الخصب عند الفينيقيين، وجعل الأنثى
стр. 781
"عشتار" ملاكًا، وأضفى عليها صفات الإنبات والإحياء، وجعلها رمزًا للتقدم والتطلع والانبعاث الجديد، وكأني بأي أديب أو ناقد غربي يقرأ هذه المقطوعة وأشباهها يقول هذه بضاعتنا ردت إلينا.
يقول البياتي:
(. . . بين نهديها الصغيرين، وفي أحشائها رعشة بركان يثور
حيث تنشق البذور
ترضع الدفء من الأعماق تمتد جذور
لتعيد الدم للنبع وماء النهر للبحر الكبير
والفراشات إلى حقل الورود
فمتى عشتار مع العصفور والنور تعود؟) (١).
ثم يصف تجوله وبحثه عن عشتار أو عن الحقيقة، في عصور القتل والإرهاب والسحر، وهي العصور الأولى ومنها عصر الإسلام بل حتى عصر النبوات الأولى، ثم عصر موت الآلهة، وهو نموذج من خلفياته الوثنية اليونانية والفينيقية القائمة على أن الآلهة تأكل وتنام وتزني وتموت، وغير ذلك.
ثم يشير إلى الإسلام بصراحة في عبارة "قبلت قبور الأولياء"، ثم يتجه نحو السماء وهي رمز للربوبية والألوهية، فيذكر أنه سأل ودعا، ولكن السماء -ويريد بها اللَّه تعالى وتقدس- أمطرته بعد ألف دعاء وصلاة جمودًا يتمثل في الثلج، ودمارًا يتمثل في الدماء، وجهلًا وتخلفًا يتمثل في النبوات والملائكة المرموز لها بقوله: "ودمى عمياء من طين، وأشباح نساء" ثم يسأل "متى تنهل كالنجمة عشتار؟ " متى تأتي لتنقذه من الدين ومن السماء ومن النبوات؛ لأن عشتار عنده بمثابة ملَكُ الحب وفي يدها الإنقاذ والرحمة والحياة الهانئة!!، وهذا بعض ما كان يعتقده الكفار الأوائل في آلهتهم،
стр. 782
فإنهم قالوا عن عبادتهم للأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١)، أمّا البياتي فإنه يدعو عشتار لتنقيذه من السماء وتخلصه من الدين وتبعده عن كل ما له علاقة به يقول البياتي مخاطبًا عشتار:
(وتمزقت وناديتك باسم الكلملة
باحثًا عن وجهك الحلو الصغير
في عصور القتل والإرهاب وموت الآلهة
وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء
وتراب العاشق الأعظم في أعياد موت الفقراء
ضارعًا اسأل، لكن السماء
مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء
ودمى عمياء من طين وأشباح نساء
لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء
فمتى تنهل كالنجمة عشتار وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء
ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة
ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة) (٢).
ولو بحث أحد عن نموذج للعبادة الوثنية والارتماء الوثني لما ظفر بأكثر من هذا القول الدال دلالة واضحة على أن استخدامهم للأوثان ليس مجرد رموز لها دلالات نهضة وإحياء -على ما في هذا المعنى من انحراف- بل هي طقوس عبادة، ومراسيم ولاء كامل، في مقابل عقيدة التوحيد بصورة مباشرة وعبارة واضحة.
стр. 783
ثم ينتقل البياتي ليصف مقدار الوجد الوثني الذي وصل إليه عندما آمن بعشتار، في عبارات صوفية وثنية، يذكر أن روحه ذاقت حلو النبيذ، واستطعمت الروابي الخضراء والمطاط والزنجبيل، واستروحت رائحة الورد، بل يؤكد أنه رأى اللَّه بعينيه -تعالى اللَّه وتقدس- حينما تعرف على عشتار، وهذا يتضمن إحدى معاني: إما أنه يريد أنه أيقن إثر إيمانه بعشتار أن اللَّه غير موجود فعبر عن ذلك بأنه رأى اللَّه ولم يملك على الرؤيا دليل، وهذا يتضمن الجحد والإنكار.
وإما أنه يريد أن عشتار تحولت عنده وصارت هي اللَّه، تعالى ربنا وتقدس، وهي معاني متقاربة في اللفظ والهذر الوثني، وثمار مرة تتساقط من أشجار أرتوت بمشتقات الوثنية، ونمت على ظفاف المقاهي والبارات والملاهي، ثم جيء بها لتتكاثر وتشيع في حياتنا بأساليب غريبة وطرائق عجيبة، في زي أستاذ أو مفكر أو أديب أو شاعر أو أديب أو كاتب أو فنان أو ناقد أو إعلامي إلى غير ذلك مما يرى ويسمع في منتديات ومجامع ذات فحيح وجعجعة:
(دعهم، فكم قُطعت رقابهم … جدعًا، ولم يشعروا ولا أبهوا
قد مزجوا بالنفاق فامتزجُوا … والتبسوا في العيان واشتبهوا
وما لأقوالهم إذا كشفت … حقائق بل جميعها شبه) (١)
يقول البياتي في وصف غرامه الصوفي الوثني بعشتار:
(من ترى ذاق فجاعت روحه حلو النبيذ
وروابي القارة الخضراء والمطاط والعاج وطعم الزنجبيل
وعبير الورد في نار الأصيل
ورأى اللَّه بعينيه، ولم يملك على الرؤيا دليل
стр. 784
فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك
ذقت لما هبطت عشتار في الأرض ملاك) (١).
ثم يسترسل البياتي في الدعوة إلى الوثن عشتار فيضفي عليها صفات تحريك الزمان وتجديد الأوان وبعث الحياة:
(فلماذا عقرب الساعة دار
عندما ألقت على الجائع عشتار الثمار) (٢).
ثم يواصل ولوغه في آنية الوثنية قائلًا:
(لون عينيك وميض البرق في أسوار بابل
ومرايا ومشاعل
وشعوب وقبائل
غزت العالم لما كشفت بابل أسرار النجوم
عالم السطوة والإرهاب باسم الكلمة
وغزت أرض الأساطير وشطآن العصور المظلمة) (٣).
وفي دروب الأوهام والخرافة وشعاب الجهل والردة يخاطب البياتي معبودته، المقدسة عنده، بخطاب تمجيد وتقديس، ويهرف بما يخطر على عقله الصنمي، وفؤاده الجاهلي واصفًا إياها بالطفلة، تحببًا ورمزًا للحياة الفتية، وصدق اللَّه العظيم: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ. . .﴾ (٤).
ثم يصفها بأنها ولدت من نار الشموس الخالدة، وكفاه غيًا أن تكون معبودته أنثى مولودة! لكن هواه الوثني يأبى عليه أن يتوقف عند كونها
стр. 785
مولودة فيصفها بالخلود حتى لو ماتت فإنها تبعث من جديد وتعود للظهور، ولا يدري العاقل كيف يفكر هؤلاء؟ لكنها العقلية الجاهلية منذ القدم، عقلية بليدة راكدة، وقد كان كفار الجاهلية العرب يصنع أحدهم إلهًا له من التمر فإذا جاع أكله، وها هم أولاء يعودون من جديد بالعقلية نفسها وبالجهل الضارب نفسه، قال اللَّه تعالى واصفًا هؤلاء قديمهم وحديثهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ (١).
وها نحن نرى من يبجل الوثن، ويطلق زمزماته التقديسية، لكن تحت شعارات التفلسف والتأدب، حيث لا فلسفة ولا عقل ولا أدب وإنَّما جاهلية عارية صلعاء، يقول البياتي عن معبودته عشتار:
(طفلة أنت وأنثى واعدة
ولد من زبد البحر ومن نار الشموس الخالدة
كلما ماتت بعصر بعثت
قامت من الموت وعادت للظهور
أنت عنقاء الحضارات
وأنثى سارق النيران في كل العصور) (٢).
إن البياتي الرائد الحداثي والقدوة، والمعلم للأجيال الحداثية اللاحقة، ينحني بخضوع وذلة أمام الرموز الوثنية، ويتقلب في عرصاتها ذات اليمين وذات الشمال، وما من وثن يبرز في كلام أساتذته الغربيين أو الشرقيين إلّا جرى لاهثًا خلفه يؤدي مراسيم العبادة أمام ما يسميه كعبة الشعر في قوله: (إذا كان البعض يحج إلى كعبته كل عام فأنا أحج إلى كعبتي في كل كلمة أكتبها) (٣).
стр. 786
وتتبع الأوثان والأصنام التي فتن بها البياتي أمر يطول، غير أنه يُمكن تسمية أظهرها عنده، ولا شك أن عشتار قد أخذت النصب الأوفر من عقيدته في الأوثان ونافست غيرها (١)، ثم يأتي تموز (٢)، وقد مر معنا قول باروت أن البياتي ورث الشعراء التموزيين بعد انهيار حركة شعر.
ومن الأسماء الوثنية والرموز والأماكن المرتبطة بالوثنيين عنده: سبارتاكوس (٣) ومامون (٤) وبوذا وهوميروس وأفيوس ونينوى وطيبه وبابل (٥) وأوليس وممفيس (٦) وأوفيليا (٧) والأولمب وآمون (٨) وإرم العماد (٩)، وأرفيوس وآشور (١٠)، وحتى نار المجوس امتدحها باعتبارها رمز الحقيقة المستمرة (١١)، ويتحدث عن زرادشت بانبهار، ويرمز به إلى الرفض والتمرد والإصرار، وكأنه يريد بذلك وصف نفسه (١٢)، ويمتدح رفاقه الشيوعيين بأنهم مجوس هذا العصر (١٣)، وله مقطع بعنوان "مرثية إلى أخناتون (١٤) "، وله اهتمام بآشور (١٥)، وفينوس وأرواد، وبانيبال، وأركاديا (١٦)، ولارا التي
стр. 787
ردد ذكرها مرات (١)، ومثلها الأقمار السبعة أو الكواكب السبعة التي تقول الأساطير الوثنية بأنها تؤثر في عالمنا الأرضي (٢)، ولم ينس المعبد الإغريقي دلفي (٣) ولا الفرعوني خوفو (٤)، وأمَّا الخرافة اليونانية سارق النار برمثيوس، فقد هام به هيام الجاهلي بصنمه، إلى حد جعله يصف نفسه بسارق النار في قصيدته سيرة ذاتية لسارق النار (٥).
غير أن البياتي أراد أن يخترع له رمزًا خاصًا وصنمًا باسم عربي يضم معاني أحب الأصنام والأوثان إليه، فعمد في تخابث مقصود إلى اسم عائشة وجعل من هذا الاسم رمزًا للأوثان السابقة ولدلالالتها عنده وعند أشباهه من الحداثيين، وهذا الرمز "عائشة" رمز أوجده أدونيس ثم تخلى عنه، فأخذه البياتي (٦)، وجعله اسمًا بديلًا للوثن عشتار الذي هام به، فأخذ ما تلقاه من كتب الأساطير عن عشتار وغيرها فوظفه باسم عائشة جاعلًا التجدد من خلال الموت أهم الخصائص، وفق عقيدته التي تلقاها عن الوثن أدونيس أو تموز.
يقول البياتي: (أمّا المرأة فهي رمز زمني وأبدي وأبوي، "عائشة" رمز زمني لأنها اسم امرأة من لحم ودم، ثم تطور هذا الرمز لهذه المرأة فأصبح أبديًا يمتد من عشتار سومر إلى عشتروت الفينيقية التي تحول اسمها إلى عائشة فيما بعده) (٧).
(وأن عائشة في "الذي يأتي ولا يأتي" و"الموت في الحياة" هي الرمر الذاتي والجماعي للحب الذي اتحد كل منهما بالآخر وحلا في نهاية الأمر
стр. 788
في روح الوجود المتجدد وإنها -أي: عائشة- التي ظل يطاردها لورفيوس وديك الجن وأبو فراس، كما يطارد الأطفال فراشة. . . عائشة هذه ما هي إلا روح العالم المتجدد من خلال الموت: من أجل الثورة والحب. . .) (١).
بيد أن أفصح وصف عن الاتجاه الوثني عند البياتي قوله عن نفسه: (يا أيها الوثني يا قلبي الحزين) (٢).
أما مجموعة شعر وخاصة أدونيس والخال فإن الوثنية عندهم أساس وتنظير، وقد انطوت نفوسهم المريضة على عشق الأوثان وتغلفت قلوبهم الغُلْف على الهيام بالأصنام، وقد سبق أن نقلنا من كلامهم ومما قيل عنهم ما يثبت ذلك.
بيد أنه لابد من الالتفات إلى شيء مهم يدلنا على فجاجة الحيلة الحداثية، وهشاشة التخفي خلف الرموز والغموض والتحديث والتحديد!!.
يقرر الباطني النصيري أدونيس في صدمة الحداثة أن النهضة لا تتم إلا بالقطيعة التامة مع السابق فكرًا وثقافة وحياة ومواقف وأدبًا ومعايير، وأن أي إشارة إلى التقليد أو الإحياء يعد تراجعًا، فيقوله: (إن مفهوم النهضة يرتبط، إذن ارتباطًا جذريًا بمفهوم التغير فحين نقول نهضة تعني بالضرورة انتقالًا من وضع سابق أو ماض، إلى وضع حاضر، مغاير، ونعني بالضرورة أن الوضع الجديد متقدم نوعيًا في حركته العامة على الوضع الماضي، لذلك لا يصح أن يكون في مفهوم النهضة مايُمكن أن يشير إلى "التقليد" أو "الإحياء"؛ لأن فيهما تراجعا أي تبنيًا لأشكال حياتية - ثقافية، نشأت في عصر مضى. . .) (٣).
ثم يقول: (. . . إن جوهر الإبداع هو في التباين لا في التماثل) (٤).
стр. 789
وفي الكتاب نفسه ينادي بتقليد الغرب ويستنكر على الذين يأخذون التقنية ويرفضون الأفكار والفلسفات والإبداعات (١)، فإذا كان عنده لا يصح أن يكون في مفهوم النهضة ما يُمكن أن يشير إلى التقليد فلم ينادي بتقليد الغرب؟!.
إن الحقيقة خلف هذه المناداة أنه يريد فصل الأمة عن أصولها، عن الوحي وعن التراث وعن التاريخ باسم أن التقليد لا يوافق النهضة.
وهذا ما انشق به فؤاده وقذف به قلمه وفي الكتاب ذاته قرر أنه لا حرية للإنسان إلا بهدم الشريعة والغيبيات وما هو أعظم منها حيث قال متسترًا خلف صنوه وأستاذه جبران: (لا يستطيع الإنسان، كما يرى جبران في "المجنون" وفي نتاجه كله أن يصبح نفسه إلا إذا هدم كل ما يعادي حريته الكاملة وتفتحه المليء، وما يقف حاجزًا، دون طاقته الخلافة، وتتجسد هذه القوة المعادية، كما يرى جبران، فيما يسميه "الشريعة" بتنوعاتها وأشكالها السلطوية، الماورائية والاجتماعية "اللَّه" بالمفهوم التقليدي، الكاهن، الطاغية، الإقطاعي، الشرطي) (٢).
وفي موضع آخر لم يتستر خلف جبران ولا غيره ففاضت أفكاره الردية بهذا القول: (ولا حرية للعربي في هذا الضياع العام إلا حرية الخضوع للسلطة السائدة وايديولوجيتها: "نعم" لكل شيء تقوله أو تفعله السلطة، هي المعادل المدني الأرضي لـ "آمين" كلمة الخضوع لكل ما يأمر به اللَّه، ولا يفيد هنا تحرر العربي على الصعيد العام أو السياسي وحده، مع أنه لم يتحرر بعد، وإنَّما يجب أن تتحرر على الصعيد الخاص من القمع الخاص، فكل تحرير لايتناول العام والخاص معًا، في حياة الفرد العربي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاغتراب، إن التحرر السياسي بتعبير آخر إذا لم يرافقه تحرر من الايديولوجية (٣) التقليدية، ليس تحررًا) (٤).
стр. 790
هنا يتضح تمامًا أن المراد بكل هذه الزركشات اللفظية محاربة دين اللَّه، ونقض عرى الإسلام، وإبعاد الناس عنه تحت شعارات النهضة وعدم التقليد، والتحرر وغير ذلك، وفي النص الأول الذي نحن بصدده يذكر التقليد والإحياء باعتبارها عوائق للنهضة، غير أنه يسعى بكل جهده إلى إحياء الوثنيات اليونانية والفينيقية ويتهالك في هذا تهالكًا منقطع النظير، هذا مما يخص هذا المقام، وهناك الأحياء الباطني الذي امتلأت كتبه به وسوف يأتي ذكره لاحقًا إن شاء اللَّه.
ولقد فطن بعض كتاب الحداثة إلى هذه القضية الخطيرة في فكر وطروحات أدونيس، فقال: (قسم أدونيس التراث العربي إلى ثابت ومتحول، ونسب الثبات والاتباع إلى كل من كان عربي الأرومة، ونسب التحول والإبداع إلى كل من هو من أصول غير عربية، أو من أقلية دينية، أو طائفية، وهذه النتيجة التي يخرج بها المرء من قراءة كتابه الثابت والمتحول بأجزائه الثلاثة. . .) (١).
إن أبرز عملية تقليد وإحياء عاشها ويعيشها الباطني على أحمد سعيد أسبر، هو التسمي بأدونيس والانتاج المتواصل تحت مظلة هذا الوثن خاصة، وغيره من الأوثان على وجه العموم.
إذا كانت النهضة لا تكون بالتقليد والإحياء، فما باله يحيى الأوثان الجاهلية ويعتنق مضامينها الفلسفية والاعتقادية ويذيعها وينشرها ويدعو إليها؟!!.
إن وراء هذه الدعاوى ما وراءها، وإلَّا فلماذا هذا التناقض العريان؟.
يقول في زمن الشعر: (ينبغي على الشاعر المعاصر، لكي يكون جديدًا حقًّا، أن يتخلص من كل شيء مسبق، ومن الآراء المشتركة جميعًا) (٢).
стр. 791
والمخاطب هنا الشاعر العربي والمراد -بطبيعة الحال وظاهر المقال- التخلص من الإسلام؛ لأنه دعا في صدمة الحداثة إلى أخذ حضارة اليونان ومنطقهم وأكد أن لديهم معرفة حقيقية ليست في الوحي، وتطورًا في آلة التعبير ومضامينه ليست عند العرب، وأن العرب قد قصروا حين أخذوا بعض ما عند اليونان من علوم الآلة وتركوا المضمون (١).
وقد استجاب أدونيس لدعوة أستاذه أنطون سعادة إلى الحج إلى مقام الآلهة السورية حين أكد أن على: (الأدباء الواعين أن يحجوا ويسيحوا إلى مقام الآلهة السورية، فيعودوا من سياحتهم حاملين إلينا أدبًا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور) (٢).
وانطلق أدونيس ابتداءً من تسمية نفسه بأدونيس إلى ما ملأ به كلامه من وثنيات وأساطير، ليكسب شرف وصف أستاذه سعادة ويكون من الأدباء الواعين، ولست هنا بصدد إحصاء كل ما ارتد إليه أدونيس من وثنيات وأساطير، ولكن أذكر ما علق به على مقطعين من ديوانه "وحدة اليأس" و"أرواد يا أميرة الوهم" قال: (اعتمد في أسلوب القصيدة، كما اعتمدت في قصيدة "وحدة اليأس" على الأسلوب الشعري القديم في قينيقيا وما بين النهرين. . . آمل في استخدام هذا الأسلوب من التعبير الشعري، أن أضع مع زملائي الشعراء الآخرين حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم) (٣).
وهكذا يكون الإحياء والتقليد الذين جعلهما أدونيس من نواقض النهضة.
стр. 792
بل كانت النهضة عنده ما قاله باروت عنه: (. . . يستعيد أدونيس نهضويًا، داخل النص نفسه قتال البعل للتنين والذي عده سعادة رمز النهضة القومية الاجتماعية، مثلما يستعيد ملحمة "البعل ومناة" التي أوردها أنطون سعادة في كتابه الصراع الفكري في الأدب السوري، ويستعيدها أدونيس بشكل إحيائي، ومقارب إلى حد بعيد لما أورده سعادة. . .
ويربط أدونيس إحياءه للذات الحضارية القومية بانبعاث "فينيق" من جديد، وعودة تاريخه ليدب في الحضور المعاصر) (١).
هذه إحيائية أدونيس فإذا أضيف إليها إحياء العقائد الباطلة واعتناق للمباديء المادية الإلحادية، والدعوة الصريحة للكفر باللَّه في ربوبيته وألوهيته، وإنكار النبوات والرسل؛ جاء الخبر اليقين بأن أدونيس يدعو إلى ملة أخرى، ما هي هذه الملة؟، لا يعنينا الآن تشخيصها لكثرة ما لديه من أخلاط عقائد، وتراكيب أهواء.
بل الذي يعنينا أنه عدو للإسلام محارب له داع إلى هدمه ونقضه، ساع إلى التخريب الاعتقادي والثقافي والسلوكي بأي شكل من الإشكال.
ولو ذهبنا إلى تتبع بعض ما لديه في ديوانه من وثنيات، لوجدنا الكثير الكثير، وأول رمز وثني يحتل عنده المكانة العالية والمقام الكبير هو "فينيق" الذي غرق في تمجيده وإطرائه، ومن ذلك المقطع الذي سماه "ترتيلة البعث" وهي تسمية توحي بأن المستقبل الذي ينتظره ويسعى له سيكون على ضفاف هذه الربة الوثن التي قال فيها:
(فينيق يا فينيق
يا طائر الحنين والحريق
يا ريشة
سحابة وراءها الظلام والبريق
стр. 793
مسافر خطاك عمر زهرة
لفتتك انخطافة وناظراك منجم
مسافر زمانك الغد الذي خلقته
زمانك الغد الحضور السرمدي في الغد
لموعد
به نصير خالقًا به تصير طينةً. . .
فينيق ولتبدأ بك الحرائق
لتبدأ الشقائق
لتبدأ الحياة
فينيق يا رماد يا صلاة. . .
فينيق أنت من يرى ظلامنا
يحس كيف نمحّي
فينيق مت فدًى لنا
فينيق ولتبدأ بك الحرائق
لتبدأ الشقائق
لتبدأ الحياة
يا أنت، يا رماد يا صلاة. . .
فينيق خل بصري عليك، خل بصري
ألمح خلال نارك الغيب الذي يختبيء، الذي
يلف جرحنا
وألمح الركام والرمال والدجى
стр. 794
واللَّه في قماطه، اللَّه الذي تلبسه أيامنا
حرائقًا وغصصًا وجدرا
تلبسه ولا ترى. . .
فينيق سر مهجتي
وُحِّدي بي، وباسمه عرفت شكل حاضري
وباسمه أعيش نار حاضري. . .
وخلني لمرة أخيره
أحلم أن رئتي جمرة
يأخذني بخورها يطير بي
وخلني لمرة أخيرة
هاركبتي حنيتها
وها جلست خاشعًا
فخلني لمرة أخيرة أحلم يا فينيق
احتضن الحريق
أغيب في الحريق
فينيق يا فينيق) (١).
في هذه الكلمات المليئة بالعبادة لهذا الوثن، يتضح مدى إحياء أدونيس وأتباعه للأوثان، وعبادتهم لها وانحناء الركب أمامها خشعًا، مع هجوم صريح وفاضح على دين الإسلام وعلى اللَّه العظيم -جلَّ وعلا-، في إلحاد مكشوف وسخرية صارخة باللَّه تعالى.
стр. 795
كلمات فيها التخلي الكامل عن هذه الأمة وتراثها وأصالتها، مع انتماء كامل وارتماء تام في أحضان الفينيقية الوثنية.
وهذا الذي نقلناه هو بعض ما قاله عن فينيق (١) من ثناء وتبجيل وتقديس، أما أقواله الأخرى عن الأوثان والرموز الوثنية فمنها عشتار (٢)، وأرفيوس مع الوثن أدونيس (٣)، وتموز عنده كالإله (٤) وأوديس (٥) وسيزيف (٦) وإيكار (٧)، وبابل ووأثانها التي يعتبرها دربًا وإلهامًا وبداية تقدم، وينادي بإحيائها (٨).
وله مع العرافات والكاهنات صلة (٩)، لكن المجوس ونارهم قد أخذت من اعتباره واحترامه وآماله وعباداته شيئًا كثيرًا، حيث جعل نار المجوس رمزًا للأبدية والاستمرار، ووصف نفسه بها بأنه ممتليء بالنار وأنه شاعر يعبد ناره، ويثني على المجوس وبيت نارهم، ويشير إلى قداسة هذه النار وغير ذلك من الأقوال التي تدل على مذهبه الخبيث، وعقائده الملونة من كل ملة وفرقة (١٠).
أما الخال فله في هذا الباب أوسع المجال، وكلامه في التنظير للاتجاه الوثني والأسطوري سبق نقل جمل منه، أما في تطبيقه الشعري فإن ديوانه مترع بالرموز والأساطير والوثنيات، وهذه بعض أمثلة على ذلك، أول مقدمة
стр. 796
لديوانه جعلها من كلام هومر في الأوديسة (١)، وذكر الأولمب على أنها الحرية والعدل والخير (٢) وتموز هو البعث، النجاة من القحط (٣)، ثم الامتداح لعشتروت وأدونيس وبعل (٤)، وينادي بعودة أوديس (٥)، وآشور بابل (٦)، وكما فعل البياتي وأدونيس في ثنائهم على المجوس فعل الخال فعلهم (٧)، ومن المدن المرتبطة عنده بالأساطير والوثنيات: نينوى (٨) وأثينا هي فتح الفكر (٩)، وبابل أرض الحضارات (١٠).
أمّا جبرا المنظر والزعيم للشعراء التموزيين فإنه يحشد الأسماء والرموز والأوثان في سياق كلامه المسمى شعرًا، حشدًا مملًا غير متجانس، وله مقطوعة بعنوان "إكارُس (١١) " تصور مدى الارتماء الماحق في الأسطورة يقول:
(إكارُس يا
عانس الشمس، يا
قتيل النور، يا
رافع الأرض إلى السما
стр. 797
يا رافعًا على الصخر
في البحر اللعين وقد
فديت تجربة الإنسان. . .
من متاهة السراديب
والجدران السامقة
حيث الظلام ونفي الحياة
ونفي اليد العابثة
من السراديب صعديا
إكارس، مثلنا
بنافل الريش مزودًا
في انطلاقه المتمرد نحو حتف. . .
فهومنا:
في شعره أحلامنا وفي
عينيه قد جمدت رؤًى
من عشقنا، وفي
شفتيه صرخة الوادي
للحجارة والشجر
في شعره وعينيه وفمه
قبلاتنا، قبلات الصبايا
الطويلات أصابعهن
المشدودات نهودهن
وبينه وبيننا صلات
стр. 798
من الموت، من الموت في الشمس
في بؤرة النور في
بؤرة الظلام. . .
فلنملأ الوادي صراخًا
ولنملأ البحر ولنملأ الأرض والسماء
صراخًا من القرى الطاوية،
والشوراع الشوهاء
متلوية الحشا. . .) (١).
أما الرموز والأوثان الأخرى المذكورة في ديوانه فكثيرة منها: تموز (٢)، وأور (٣)، ونينوى (٤)، وبابل (٥)، وببلوس (٦)، وندياس وبركستليس، والإغريق، وسومر، وبيورديس (٧)، وبرمثيوس (٨)، وعشتار (٩).
وممن كثر عنده استخدام الرموز والأوثان محمود درويش مثل تموز (١٠)، وبابل (١١)، وطرواده وأرميا (١٢)، وجلجامش (١٣)، وهومير (١٤)، وغيرهم.
стр. 799
وأكثر منه المقالح فعنده مثلًا: بروتس (١)، وأبو الهول (٢)، ونينوى (٣)، وأولمب (٤)، وفينوس (٥)، وسيزيف (٦)، وعوليس (٧)، وبروميثيوس (٨)، وأخيل (٩)، وخرافات عن سيف بن ذي يزن وتمجيد غالى فيه غاية المغالاة (١٠)، وميدوزا (١١)، وكيوتوبيا (١٢)، وباخوس (١٣)، وغيرهم.
ولم يقتصر هذا الوباء على المذكورين، بل للآخرين أيضًا استعاراتهم الوثنية، واستعمالاتهم الأسطورية وتشبعهم بمضامين هذه الوثنيات.
تجد ذلك عند النصراني توفيق صايغ (١٤)، وعند أمل دنقل (١٥)، وعند معين بسيسو (١٦)، وعند نزار قباني (١٧)، وعند الماركسي سميح
стр. 800
القاسم (١)، وعند زميله توفيق زياد (٢)، وعند الفيتوري (٣)، وعند أحمد دحبور (٤)، وعند غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين (٥)؟، وذكريات الجيل الضائع (٦).
وها هنا خاتمة لابد منها في قضية تأثر وانغماس الحداثيين في الوثنيات وفي الأساطير، وهي: أنه من آثار اعتناقهم للأسطورة وارتوائهم من آبارها، مع وجود أرضية شاكة في الدين أو جاحدة له، عمدوا إلى الحقائق الثابتة في الوحي المعصوم في القرآن وصحيح السنة، فجعلوها من الأساطير، أو من الفلكلور الشعبي، ثم أدخلوا هذه في نتائجهم ليثبتوا أنهم "محليون" وليسوا صناعة خارجية، جاؤوا بهذا التكذيب لحقائق القرآن والحديث الثابت، ليكون هذا التكذيب دليلًا آخر على تبعيتهم وانفصالهم عن الأمة عقيدة وانتماءً، بل ومعاداتهم للأمة في أعز وأغلى مقوماتها: في دينها وعقيدتها.
وقد مرّ معنا كيف عد إحسان عباس المسيح ويحيى والخضر -عليهم الصلاة والسلام- والإسراء والمعراج والمهدي من الأساطير (٧)، وكذلك عدّ يأجوج ومأجوج (٨)، وعز الدين إسماعيل ومحمود حمود عدا قصة تميم الداري (٩) مع
стр. 801
الجساسة والثابتة في صحيح مسلم (١) من الأساطير، وكذلك فعل نذير العظمة وحامد أبو أحمد حين عدوا قصة أهل الكهف الواردة في القرآن من الأساطير (٢).
بل جعل كاتب ياسين الإسلام كله أساطير في معرض شرحه لمقدار حقده على الإسلام والعرب (٣) وعزيز العظمة جعل الطير الأبابيل أساطير (٤).
والأغرب والأعجب في هذا الميدان أنهم عمدوا إلى الأكاذيب والخرافات فعدوها حقائق وبنوا عليها أحكامًا مثل قصة الغرانيق التي اتكأ عليها عزيز العظمة في هجومه على القرآن والإسلام (٥).
• • •
ثانيًا: التصورات المتأثرة باليهودية:
كان اليهود وما زالوا أساسًا في الفتن والبلاء وأصلًا في الانحرافات والضلالات وقد وصفهم اللَّه تعالى بأنهم يسعون في الأرض فسادًا، قال اللَّه : ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦).
وذكر طبائع اليهود وصفاتهم وآثارهم في الإفساد قديمًا وحديثًا مما يطول ولا يتسع له هذا المقام، وقد كتب في ذلك الكتب الكثيرة، ويكفي من أراد معرفتهم معرفة تفصيلية يقينية أن يطالع أوثق وأعظم وأدق كلام،
стр. 802
كلام اللَّه العظيم -جلَّ وعلا-، في كتابه الكريم المجيد.
وبعيدًا عن تأويل الأمور تأويلًا تآمريًا بعيدًا، نستطيع القول بأن اليهود قد أفسدوا دين النصارى، وسعوا في إفساد دين المسلمين وكانوا وراء التشيع والحركات الباطنية، وكانوا خلف انتشار الداروينية والماركسية والفرويدية والمذاهب المادية الإلحادية، وخلف كثير من التكتلات والخلافات والمؤامرات السياسية والاقتصادية.
ولكون اليهود يرون أنفسهم الشعب المختار، وأبناء اللَّه وأحباؤه، ويرون الأعراق والشعوب الأخرى "جويم" أو "أميين" ليس عليهم في اعتقادهم حرج أن يفعلوا بهم ما شاؤوا؛ لأنهم مجرد مخلوقات وجدت لتكون مسخرة للشعب اليهودي؛ ولذلك لا يدعون أحدًا إلى الدخول في دينهم، بل يتكتلون حول أعراقهم وسلالاتهم.
ولما كان هذا دأبهم استعاضوا عن إدخال الناس إلى دين اليهودية المحرف، بإبعاد الناس عن أديانهم، أو بتشويه الأديان من داخلها بالحركات والأفكار المدمرة؛ لأجل هذا ولأجل قضية الصراع بين المسلمين واليهود على أرض فلسطين، لم يتعمق التأثير اليهودي في ثقافة وآداب الشعوب العربية.
ومع ذلك فإن المتتبع لنتاج الأدب العربي الحديث يجد أنه لم يخل من التأثر بالديانة اليهودية المحرفة، ولعل الأيام الآتية بعد تطبيع العلاقات مع اليهود ستشهد من شعراء الحداثة ومفكري وكتاب العلمانية من يبتهج باليهود وعقائدهم، ويدخل رموزهم وأباطيلهم في ثنايا الثقافات المتنوعة الرسمية وغير الرسمية، وما يشاهد اليوم من محاولة تغيير المناهج الدراسية لئلا تشتمل على ذم اليهود، أو التذكير بعدواتهم هي مقدمة لما ذكرناه، إلا أن يشاء اللَّه، فهو المرتجى وحده أن يرد كيد الأعداء على نحورهم وأن يكشف أعمال المنافقين، وأن يعز دينه وأولياءه ويقوي العلماء والصحوة الإسلامية حتى تكون لها الصولة والجولة والدولة، فيُعز أهل التوحيد والطاعة، ويذل أهل الشرك والنفاق والمعصية، واللَّه على كل شيء قدير.
стр. 803
ومع وجود الدواعي السياسية للبعد عن اليهود في الفترة الماضية نجد أن أدباء الحداثة لم يسلموا من تأثير الرموز والمصطلحات اليهودية في نتاجهم.
أما المفاهيم والمذاهب والأفكار والفلسفات التي ابتدعها اليهود لتخريب البشرية، أو التي وجدوها صالحة لهذا المقصد فاستخدموها، فكثيرة عديدة، ولا يكاد يسلم من التأثر بها حداثي.
وإذا اعتبرنا أن الحداثة والعلمانية نتاج يهودي، أو نتاج غير يهودي استفاد منه اليهود وركبوا متنه للوصول إلى مآربهم، فإنه بلا ريب ما من حداثي أو علماني إلّا وهو متأثر باليهود، وهو في قيادهم من هذه الناحية.
فإذا أضفنا إلى ذلك العقائد التي مازجت الحداثة وهي من إنتاج اليهود صراحة مثل الوجودية والماركسية، أو التي شارك في نشأتها ونشرها يهود مثل البنيوية والسوريالية، فإنه يُمكن القول حينئذٍ بأنه لم يخل حداثي من الانغماس في هذا الخوض الآسن، ولم يسلم أحد منهم -وإن أعلن وادعى العداوة لليهود- من أن يكون عاكفًا على عِجْلهم أو لاعقًا من تراب العاكفين عليه.
فإذا كان هذا الذي قلناه على وجه العموم له ما يؤكده أو يؤكد بعضه على وجه الخصوص، فإن القضية تصبح أشبه بالمسلمات.
إذا نظرنا إلى نصارى الحداثة من العرب وجدنا أنهم أقرب أهل الملة الحداثية، إلى الملة اليهودية، ولنأخذ على ذلك مثالين من شخصين لهما في ملة الحداثة القدم السائخ:
الأول: يوسف الخال الرائد الحداثي وقدوة الأجيال الحداثية من بعده، والذي تجد له في نفس كل معتقد للحداثة المقام الأسمى والمنزلة العظمى، ولو خالفه في المنهج التفريعي داخل سراديب الحداثة.
هذا النصراني الذي يحارب القديم ويجعل اتّباعه من نواقض النهضة والتقدم، وينادي بهدم وإلغاء كل سالف شأنه في ذلك شأن أدونيس، لكنه
стр. 804
إذا جاء إلى الملل الكفرية أحياها وبثها وأعلى شأنها، وعمل في نشرها ما يستطيع.
وقد مر معنا كيف كانت عنايته بالأساطير والوثنيات الجاهلية وسوف يأتي معنا كيف استخدم الحداثة سلمًا لتمرير عقائده النصرانية، وهو مع ذلك قد شارك في إحياء اليهودية حين اشترك مع بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة إلى العربية، وهو العمل الذي ذكره مؤلفا كتاب "رأيهم في الإسلام" -وهما غريبان- في معرض امتداحهم وإطرائهم ليوسف الخال فقال: (ويشارك هذا الكاتب البروتستنتي بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة منذ خمسة عشر عامًا، ولعل في ذلك عزاء له، فهذه الترجمة باللغة العربية الحديثة ستحل محل ترجمة أخرى وضعت في لبنان منذ أكثر من قرن، أوائل النهضة) (١).
فإذا ربطنا بين هذا العمل وبين حركة شعر وارتباطها بالمخابرات الأمريكية، تبين لنا أن هذه الترجمة في ضمن السياق الأمريكي الصهيوني لبسط سيطرتهم على المنطقة من خلال عملائهم.
الثاني: توفيق الصائغ، وهو -كما ثبت أيضًا- من عملاء المخابرات الأمريكية، ومجلته حوار التابعة لمنظمة حرية الثقافة كانت تمولها تلك المخابرات (٢)، حتى أن مجموعة من الكتاب والصحفيين في مصر ولبنان كتبوا عن هذه العلاقة المريبة، وكشفوا هذا الارتباط المشين بين الصائغ والمنظمة العالمية لحرية الثقافة التابعة لوكالة المخابرات الأمريكية، والتي كانت توجه وتمول مشروع مجلة حوار (٣).
стр. 805
ثم نشرت صحيفة نيويورك تايمز في ٢٧/ ٤/ ١٩٦٦ م الموافق ذي الحجة ١٣٨٥ هـ مقالة أكدت فيه هذه المنظمة العالمية لحرية الثقافة تابعة لوكالة المخابرات الأمريكية، وأن هذه المنظمة كانت تمول مجلات منها مجلة حوار العربية، فاعترف توفيق صايغ بتبعية مجلته لهذه المنظمة، ودافع من دخول مصر والعراق، وتصدى الكتاب والصحفيون لهذه المجلة والمنظمة وأتباعها، وقد كان الجو مناسبًا لهذه السوق ولهذه المزايدة؛ لأن القومية العربية كانت على أشدها والأوضاع مع اليهود والأمريكان على أشدها.
وقد دافع عن حوار والصائغ، الحداثي النصراني أنسي الحاج (١)، وحاول الصايغ مرات أن يدافع عن نفسه.
وفي ٢٤/ ٧/ ١٩٦٦ م الموافق ربيع أول ١٣٨٦ هـ نشرت النيويورك تايمز ثلاث مقالات تتصل بقضية حوار والمنظمة العالمية لحرية الثقافة، وصلتها بالمخابرات الأمريكية فقامت جريدة الأهرام بترجمة هذه المقالات ٥/ ٨/ ١٩٦٦ م الموافق ربيع ثاني ١٣٨٦ هـ مشفوعة برد لويس عوض عليها!!، وقد أصدر الصايغ بيانًا في فرنسا في ٢٣ تموز ١٩٦٦ م الموافق ذي القعدة ١٣٨٥ هـ يدافع عن موقفه وبين فيه أن هناك مؤسسات عربية أخرى اشتركت رسميًا، وبصفة علنية مع المنظمة العالمية لحرية الثقافة، في تبني حلقات دراسية دولية ذات أهمية لطبقة المثقفين العرب: "ومن بين هذه المؤسسات
стр. 806
لجنة التخطيط القومي في الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر أيام الوحدة بينهما) وجمعية المهندسين المصرية، ومعهد الإدارة العامة بالقاهرة وجامعة الخرطوم (١)، ثم أصدرت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بيانًا قالت فيه: (ونحن فخورون بأننا قد ساعدنا على إعانة عدد لا يحصى من الأساتذة والكتاب والصحفيين ومن بينهم بدر السياب وتوفيق صايغ، سواء كانوا ليبراليين أم محافظين أم اشتراكيين، في كفاحهم من أجل حرية التعبير الثقافي في أية بقعة من بقاع الأرض) (٢).
وأضافت: (وقد صرح السيد (٣) صايغ بأن حوار مجلة أدبية ثقافية بصفة أساسية توزع في ١٢ دولة إسلامية في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط، وقرر أن كل ما يكتب فيها من موضوعات سياسية "قومي عربي ليبرالي يساري" في نبرته) (٤).
وفي هذا ملمح مهم يدل على أن وكالة المخابرات الأمريكية تشجع كل الاتجاهات المتناقضة، ولا ترى بأسًا في دعمها ونشر فكرها، شريطة ألا تكون من الإسلام أو تدافع عن قضايا الأمة من منطلقات وتوجيهات إسلامية.
وفي الدفاع الذي قام به النصراني الآخر لويس عوض عن ابن ملته وشريك عمالته توفيق صايغ، بين لويس عوض أنه دافع عن صايغ ولقي في ذلك العنت، وأنه قد عرف توفيق صايغ في فترة ما بين ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م و ١٣٧٢ هـ/ ١٩٥٣ م في جامعة برنستون، ووجد فيه مثقفًا فلسطينيًا، أهلًا لكل احترام متحرر الفكر في هدوء، ثم ذكر أن الحملة التي وجهت إليه كانت من دأب الشيوعية والإخوان المسلمين، ثم بين أن اعتراضه الوحيد في موضوع
стр. 807
المنظمة وحوار أنهما قائمتان بتمويل من مؤسسات ثقافية أجنبية، وأنهما تعترفان بهذا بصراحة، وتعلنانه في كل مناسبة، ثم قال: (وهذا أشرف ألف مرة من أولئك السادة الذين يقبضون من الأجانب في الظلام، ويمشون بين الوطنيين كالشرفاء، ولكن نشاط المؤسسات الثقافية الأجنبية في بلادنا أمر مشروع ومنظم بموجب معاهدات التبادل الثقافي، ففرانكلين الأمريكية والشرق الروسية كلاهما يمارس نشاطه بموجب معاهدات التبادل الثقافي.
فلماذا يختصون منظمة حرية الثقافة وحوار بالتشهير والمقاطعة؟، أن فرانكلين بالذات قد اشترت أقلام المئات والمئات من أساتذة الجامعات ورجال التربية والتعليم والمسؤولين عن توجيهنا الثقافي) (١).
وفي هذا الدفاع عن صايغ اعتراف صريح بالعمالة للأمريكان سرًا وجهرًا، واعتبار ذلك من الأمور الطبيعية.
بل فيه دفاع عن عمالة لويس عوض نفسه الذي دافع عن مجلة صدرت في مصر بأموال يهودية للسيطرة على ثقافة الناس وتوجيهها، ولتكون أداة توجيه لأغراض ومقاصد اليهود، وهي مجلة "الكاتب المصري" ويسميها لويس عوض المجلة الزهراء (٢)، وله في العمالة قدم راسخ، وفي تنفيذ مآرب أسياده اليد الطولى (٣).
وقد بين أحد الكتاب أن دفاع لويس عوض عن حوار والمنظمة ومجلة انكاونتر الإنجليزية التابعة لمنظمة حرية الثقافة، سببه أن لويس عوض قد انغمس معهم وشاركهم بالمقالات والشعر وفصول من رواية "العنقاء" (٤)، وفي ١٧ أيار مايو ١٩٦٧ م الموافق ٨/ ٢/ ١٣٨٧ هـ أوقف الصايغ مجلة حوار (٥).
стр. 808
هذا ملخص سريع لعمالة توفيق صايغ التي انكشفت آنذاك، ولا ريب أن أمثال هذه العمالة اليوم كثير جدًّا، ولو انكشف أو كتب عنه في هذه الأيام لما وجد منكرًا إلا من أهل الولاء للإسلام، أما بقية الكتاب العلمانيين والحداثيين فقد انقشعت سحب التخفي والخشية من هذه العلاقة، ومن يدري فلربّما رأينا في الأيام القادمة مع تسارع عملية التطبيع مع اليهود من يكشف لنا سيرة عمالته لهم أو لأم اليهود الحانية "أمريكا" كشفًا يفاخر به ويتطاول، فإن مسار الأحداث والتغيرات السريعة تشير إلى ذلك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. إن عمالة توفيق صايغ لا تحتاج إلى كل هذا الكشف والإثبات، فإن المتتبع لسيريته وكتاباته وما تحتويه من رموز وثنية ونصرانية ويهودية، يستطيع أن يكتشف ببساطة أن هذا الرجل بذرة لشجرة غريبة خبيثة، أريد لها أن تنبت في أرض المسلمين، وتثمر الشوك والشقاق والبلاء والفتنة، مثله في ذلك مثل أشباهه من الحداثيين والعلمانيين.
وإذا ذهبنا إلى تتبع الرموز اليهودية التي اشتمل عليها كلامه فإننا نجد الكثير، ومن ذلك إقراره في إيحائية يهودية بالهيكل الذي يدّعي اليهود وجوده في القدس في دلالة واضحة على تناغمه مع هذه الدعوى، يقول:
(وأنا هيكل غاب عنه القدس
فكنتِ القدسَ:
قدسًا واشتهيك) (١).
وغير غريب على توفيق صايغ الذي كان أول نشاط أدبي له هو دراسة عن التوراة وهو في العشرينات من عمره، أي أنه من يفاعته ارتبط بالعقائد
стр. 809
اليهودية، وامتدح ما في التوراة من أدبيات جميلة راقية، قال أحد المؤلفين عن سيرته: (خلال الفترة الممتدة من حزيران/ يونيو ١٩٤٤ م إلى آذار/ مارس ١٩٤٥ م وقبل حصوله على شهادة البكاليوريوس في الأدب، كتب توفيق ثماني حلقات في "النشرة" تحت عنوان "التوراة كأدب" تشير الحاشية في الحلقة الأولى إلى أن هذه السلسلة من المقالات هي ملحق للأطروحة التي قدمها الكاتب لدائرة الدراسات السامية في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلّا أننا لم نعثر على الأطروحة المذكورة، ولربّما كان صايغ يقصد بحثًا طويلًا قدمه لتلك الدائرة، الحلقة الأولى ظهرت في عدد حزيران يونيو ١٩٤٤ م من النشرة وهي تمهيد، يوضح فيها توفيق أن "الغاية من نشر هذه الأبحاث هي محاولة التبيين على أن التوراة فضلًا عن كونها كتاب دين روحيًا ساميًا، سفر أدبي جليل، لا تقل بعض أشعاره وأقسامه، روعة عن الكتب الأدبية الخالدة، وأنا حين أكتب في موضوع "التوراة كأدب" إنَّما أعني قيمتها الأدبية وتأثيرها الثقافي من وجهة اللغة التي كتبت بها أصلًا. . .، ثم بين أن ما يميز الأدب العبري هو هذا الخيال الشرقي الأصيل، الذي يوصف بأنه ثاقب، ومبدع ومزوق، فالخيال اليهودي لم يعبأ بالطبيعة بل باللَّه مصدر الجميع. . .) (١).
ثم يورد الصايغ جملًا عديدة من كلام اليهود في التوراة، ويعقب على ذلك بأن في هذه الجمل كلها جمالًا أدبيًا وخيالًا فنيًا رائعين (٢).
ثم يشير إلى أن التوراة هي من أهم أقسام الأدب العبراني؛ لأنها تحوي بين دفاتها عدة عواطف رقيقة، ولا تقتصر على ما تملأ به كتب التاريخ الجامدة من ذكر الحوادث وأسماء الأشخاص والأماكن والسنين، بل تقرأ فيها قصصًا طريفة كتبت بأسلوب جميل (٣).
(وفي مقال مهم كتبه توفيق وهو في الثامنة والعشرين، نشره في
стр. 810
بيروت في مطلع العام ١٩٥١ م في "النشرة" تحت عنوان "الشاعر الأول" تكمن أهمية المقال في رؤية صاحبه الآخذة من الأناجيل. الشاعر الأول في نظره هو رجل الدين الأول، ديوانه الأول الطبيعة، وديوانه الثاني الحياة، والثالث المرأة، والرابع الكتاب المقدس، وهنا يسهب توفيق في تمجيد "أروع الشعر" "فسفر أيوب من الطرف الشعرية الكبرى، ولعله أعظم قصيدة فكرية معروفة، وسفر "المراثي" يضم بعضًا من خيرة المراثي الوطنية العالمية، وفي "المزامير "قصائد غنائية شجية، لا تجاريها إلَّا بعض القصائد المتفرقة في بطون الأشعار الأخرى، وفي "نشيد الإنشاد" نقرأ أعذب أنشودة للجمال والربيع، وأبدع قصيدة حب عرفتها الأزمان، كما وصفها توفيق الحكيم، أو عودوا إلى ما في التوراة من قصص أفعمت روعة فنية خالدة، ما زالت إلى اليوم تعجب وتلذ حين تقرأ كما كانت تعجب وتلذ قبل مئات السنين؛ ذلك لأن فيها عنصري الجمال والبساطة اللذين لا يتغيران مع الأزمنة، أو إلى ما فيها من تاريخ أدبي، أو حكمة وأمثال وفلسفة، أو نبوءات شعرية جليلة، هل هذه، وهي قطرة من محيط تجعل للتوراة مركزًا أدبيًا لا يضاهى) (١).
إن هذا النص بما يحتويه من تفاخر نصراني وإعجاب توراتي يؤكد لنا أن الصائغ راهب كنيسة وحبر معبد قبل أن يكون شاعر تحديث وتجديد، وفي هذا ما يكفي المنصف لمعرفة ما خلف كواليس الحداثة، وستائر مسرحياتها.
وفي دراسته للتوراة والأدب العبراني يكتشف الصائغ اكتشافًا ساقطًا لا حقيقة له يقول فيه: (ومما يلاحظ أن كل أنبياء إسرائيل كانوا شعراء) (٢).
وتحدث عن الحكم والأمثال في التوراة، ثم يصل في بحثه "التوراة كأدب" إلى عظمة الشعر العبري لكونه لا يحتوي على قافية، يقول: (وللشعر