لجنة التخطيط القومي في الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر أيام الوحدة بينهما) وجمعية المهندسين المصرية، ومعهد الإدارة العامة بالقاهرة وجامعة الخرطوم (١)، ثم أصدرت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بيانًا قالت فيه: (ونحن فخورون بأننا قد ساعدنا على إعانة عدد لا يحصى من الأساتذة والكتاب والصحفيين ومن بينهم بدر السياب وتوفيق صايغ، سواء كانوا ليبراليين أم محافظين أم اشتراكيين، في كفاحهم من أجل حرية التعبير الثقافي في أية بقعة من بقاع الأرض) (٢).
وأضافت: (وقد صرح السيد (٣) صايغ بأن حوار مجلة أدبية ثقافية بصفة أساسية توزع في ١٢ دولة إسلامية في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط، وقرر أن كل ما يكتب فيها من موضوعات سياسية "قومي عربي ليبرالي يساري" في نبرته) (٤).
وفي هذا ملمح مهم يدل على أن وكالة المخابرات الأمريكية تشجع كل الاتجاهات المتناقضة، ولا ترى بأسًا في دعمها ونشر فكرها، شريطة ألا تكون من الإسلام أو تدافع عن قضايا الأمة من منطلقات وتوجيهات إسلامية.
وفي الدفاع الذي قام به النصراني الآخر لويس عوض عن ابن ملته وشريك عمالته توفيق صايغ، بين لويس عوض أنه دافع عن صايغ ولقي في ذلك العنت، وأنه قد عرف توفيق صايغ في فترة ما بين ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م و ١٣٧٢ هـ/ ١٩٥٣ م في جامعة برنستون، ووجد فيه مثقفًا فلسطينيًا، أهلًا لكل احترام متحرر الفكر في هدوء، ثم ذكر أن الحملة التي وجهت إليه كانت من دأب الشيوعية والإخوان المسلمين، ثم بين أن اعتراضه الوحيد في موضوع
стр. 807
المنظمة وحوار أنهما قائمتان بتمويل من مؤسسات ثقافية أجنبية، وأنهما تعترفان بهذا بصراحة، وتعلنانه في كل مناسبة، ثم قال: (وهذا أشرف ألف مرة من أولئك السادة الذين يقبضون من الأجانب في الظلام، ويمشون بين الوطنيين كالشرفاء، ولكن نشاط المؤسسات الثقافية الأجنبية في بلادنا أمر مشروع ومنظم بموجب معاهدات التبادل الثقافي، ففرانكلين الأمريكية والشرق الروسية كلاهما يمارس نشاطه بموجب معاهدات التبادل الثقافي.
فلماذا يختصون منظمة حرية الثقافة وحوار بالتشهير والمقاطعة؟، أن فرانكلين بالذات قد اشترت أقلام المئات والمئات من أساتذة الجامعات ورجال التربية والتعليم والمسؤولين عن توجيهنا الثقافي) (١).
وفي هذا الدفاع عن صايغ اعتراف صريح بالعمالة للأمريكان سرًا وجهرًا، واعتبار ذلك من الأمور الطبيعية.
بل فيه دفاع عن عمالة لويس عوض نفسه الذي دافع عن مجلة صدرت في مصر بأموال يهودية للسيطرة على ثقافة الناس وتوجيهها، ولتكون أداة توجيه لأغراض ومقاصد اليهود، وهي مجلة "الكاتب المصري" ويسميها لويس عوض المجلة الزهراء (٢)، وله في العمالة قدم راسخ، وفي تنفيذ مآرب أسياده اليد الطولى (٣).
وقد بين أحد الكتاب أن دفاع لويس عوض عن حوار والمنظمة ومجلة انكاونتر الإنجليزية التابعة لمنظمة حرية الثقافة، سببه أن لويس عوض قد انغمس معهم وشاركهم بالمقالات والشعر وفصول من رواية "العنقاء" (٤)، وفي ١٧ أيار مايو ١٩٦٧ م الموافق ٨/ ٢/ ١٣٨٧ هـ أوقف الصايغ مجلة حوار (٥).
стр. 808
هذا ملخص سريع لعمالة توفيق صايغ التي انكشفت آنذاك، ولا ريب أن أمثال هذه العمالة اليوم كثير جدًّا، ولو انكشف أو كتب عنه في هذه الأيام لما وجد منكرًا إلا من أهل الولاء للإسلام، أما بقية الكتاب العلمانيين والحداثيين فقد انقشعت سحب التخفي والخشية من هذه العلاقة، ومن يدري فلربّما رأينا في الأيام القادمة مع تسارع عملية التطبيع مع اليهود من يكشف لنا سيرة عمالته لهم أو لأم اليهود الحانية "أمريكا" كشفًا يفاخر به ويتطاول، فإن مسار الأحداث والتغيرات السريعة تشير إلى ذلك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. إن عمالة توفيق صايغ لا تحتاج إلى كل هذا الكشف والإثبات، فإن المتتبع لسيريته وكتاباته وما تحتويه من رموز وثنية ونصرانية ويهودية، يستطيع أن يكتشف ببساطة أن هذا الرجل بذرة لشجرة غريبة خبيثة، أريد لها أن تنبت في أرض المسلمين، وتثمر الشوك والشقاق والبلاء والفتنة، مثله في ذلك مثل أشباهه من الحداثيين والعلمانيين.
وإذا ذهبنا إلى تتبع الرموز اليهودية التي اشتمل عليها كلامه فإننا نجد الكثير، ومن ذلك إقراره في إيحائية يهودية بالهيكل الذي يدّعي اليهود وجوده في القدس في دلالة واضحة على تناغمه مع هذه الدعوى، يقول:
(وأنا هيكل غاب عنه القدس
فكنتِ القدسَ:
قدسًا واشتهيك) (١).
وغير غريب على توفيق صايغ الذي كان أول نشاط أدبي له هو دراسة عن التوراة وهو في العشرينات من عمره، أي أنه من يفاعته ارتبط بالعقائد
стр. 809
اليهودية، وامتدح ما في التوراة من أدبيات جميلة راقية، قال أحد المؤلفين عن سيرته: (خلال الفترة الممتدة من حزيران/ يونيو ١٩٤٤ م إلى آذار/ مارس ١٩٤٥ م وقبل حصوله على شهادة البكاليوريوس في الأدب، كتب توفيق ثماني حلقات في "النشرة" تحت عنوان "التوراة كأدب" تشير الحاشية في الحلقة الأولى إلى أن هذه السلسلة من المقالات هي ملحق للأطروحة التي قدمها الكاتب لدائرة الدراسات السامية في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلّا أننا لم نعثر على الأطروحة المذكورة، ولربّما كان صايغ يقصد بحثًا طويلًا قدمه لتلك الدائرة، الحلقة الأولى ظهرت في عدد حزيران يونيو ١٩٤٤ م من النشرة وهي تمهيد، يوضح فيها توفيق أن "الغاية من نشر هذه الأبحاث هي محاولة التبيين على أن التوراة فضلًا عن كونها كتاب دين روحيًا ساميًا، سفر أدبي جليل، لا تقل بعض أشعاره وأقسامه، روعة عن الكتب الأدبية الخالدة، وأنا حين أكتب في موضوع "التوراة كأدب" إنَّما أعني قيمتها الأدبية وتأثيرها الثقافي من وجهة اللغة التي كتبت بها أصلًا. . .، ثم بين أن ما يميز الأدب العبري هو هذا الخيال الشرقي الأصيل، الذي يوصف بأنه ثاقب، ومبدع ومزوق، فالخيال اليهودي لم يعبأ بالطبيعة بل باللَّه مصدر الجميع. . .) (١).
ثم يورد الصايغ جملًا عديدة من كلام اليهود في التوراة، ويعقب على ذلك بأن في هذه الجمل كلها جمالًا أدبيًا وخيالًا فنيًا رائعين (٢).
ثم يشير إلى أن التوراة هي من أهم أقسام الأدب العبراني؛ لأنها تحوي بين دفاتها عدة عواطف رقيقة، ولا تقتصر على ما تملأ به كتب التاريخ الجامدة من ذكر الحوادث وأسماء الأشخاص والأماكن والسنين، بل تقرأ فيها قصصًا طريفة كتبت بأسلوب جميل (٣).
(وفي مقال مهم كتبه توفيق وهو في الثامنة والعشرين، نشره في
стр. 810
بيروت في مطلع العام ١٩٥١ م في "النشرة" تحت عنوان "الشاعر الأول" تكمن أهمية المقال في رؤية صاحبه الآخذة من الأناجيل. الشاعر الأول في نظره هو رجل الدين الأول، ديوانه الأول الطبيعة، وديوانه الثاني الحياة، والثالث المرأة، والرابع الكتاب المقدس، وهنا يسهب توفيق في تمجيد "أروع الشعر" "فسفر أيوب من الطرف الشعرية الكبرى، ولعله أعظم قصيدة فكرية معروفة، وسفر "المراثي" يضم بعضًا من خيرة المراثي الوطنية العالمية، وفي "المزامير "قصائد غنائية شجية، لا تجاريها إلَّا بعض القصائد المتفرقة في بطون الأشعار الأخرى، وفي "نشيد الإنشاد" نقرأ أعذب أنشودة للجمال والربيع، وأبدع قصيدة حب عرفتها الأزمان، كما وصفها توفيق الحكيم، أو عودوا إلى ما في التوراة من قصص أفعمت روعة فنية خالدة، ما زالت إلى اليوم تعجب وتلذ حين تقرأ كما كانت تعجب وتلذ قبل مئات السنين؛ ذلك لأن فيها عنصري الجمال والبساطة اللذين لا يتغيران مع الأزمنة، أو إلى ما فيها من تاريخ أدبي، أو حكمة وأمثال وفلسفة، أو نبوءات شعرية جليلة، هل هذه، وهي قطرة من محيط تجعل للتوراة مركزًا أدبيًا لا يضاهى) (١).
إن هذا النص بما يحتويه من تفاخر نصراني وإعجاب توراتي يؤكد لنا أن الصائغ راهب كنيسة وحبر معبد قبل أن يكون شاعر تحديث وتجديد، وفي هذا ما يكفي المنصف لمعرفة ما خلف كواليس الحداثة، وستائر مسرحياتها.
وفي دراسته للتوراة والأدب العبراني يكتشف الصائغ اكتشافًا ساقطًا لا حقيقة له يقول فيه: (ومما يلاحظ أن كل أنبياء إسرائيل كانوا شعراء) (٢).
وتحدث عن الحكم والأمثال في التوراة، ثم يصل في بحثه "التوراة كأدب" إلى عظمة الشعر العبري لكونه لا يحتوي على قافية، يقول: (وللشعر
стр. 811
العبري مميزات خاصة، فهو وإن يكن في أبياته إيقاع إلَّا أنه لا يخلو من الوزن ويندر أن نجد فيه قافية، ومما يلاحظ أن أعظم القصائد العالمية كتبت بدون قوافي: في الآداب العبرية والإغريقية واللاتينية كلها غير مقفاه، وطُرَف الأدب الأوروبي الكبرى كلها نظمت بالشعر المرسل،. . .) (١).
ففي هذا القول يُمكن الالتفات إلى أن جذور الدعوة إلى هدم القافية والوزن في الشعر العربي انطلقت من هذه المنطلقات الوثنية والعبرية، ويكفيك من شرّ سماعه!!.
وفي إشادة وامتداح نادرين يربط الصايغ بين التوراة والشعر العبري والأدب العالمي، ثم يصف تأثير التوراة في الأدب الإنكليزي (٢).
ثم ينتقل إلى الجزء الذي يهمنا هنا وهو أثر التوراة في الأدب العربي، فبعد أن ذكر ترجمات التوراة العديدة إلى اللغة العربية، أشار إلى أثر التوراة في الأدب العربي القديم والمعاصر، وأتى بقول إجمالي يصح الاكتفاء به في الدلالة على هذه القضية التي نحن بصددها، فقال: (أمّا أثر التوراة في الأدب العربي فلم يكن قديمًا ذا شأن للمحيط الإسلامي الذي نشأ فيه الأدب العربي، لكن في العهد الحاضر وبعد الاختلاط بأوروبا والأدب الغربي، وانتشار الثقافة العالمية المعتمدة إلى حد كبير على المسيحية، أخذ الأدب المسيحي يقوى، وفي أواخر القرن الماضي ظهر في الشعر نزاع طائفي بين المسيحيين والمسلمين، أما في العصر هذا فصرنا نرى كثيرًا من القصائد تدور حول مواضيع من التوراة، أو تحوي استشهادات منها، أو متأثرة بأسلوبها بها [كذا] من أمثلة هذه نذكر باختصار في خاتمة هذا الفصل كتابات جبران خليل جبران المختلفة، ومسرحية "بنت يفتاح" لسعيد عقل، وقصائد "شمشون" و"لوط" لإلياس أبو شبكة الذي نشر أبحاثًا في أثر التوراة في الأدب العالمي، وغير هذه) (٣).
стр. 812
ولم تقتصر اهتمامات صايغ بالتوراة والدين اليهودي على هذا البحث، بل شارك في تحرير مجلة الجامعة الأمريكية المسماة "الكلية" الصادرة باللغة الإنجليزية، ثم كان المحرر المساعد لها لموادها العربية، وقد كتب مقالًا بالإنجليزية في كانون الثاني يناير ١٩٤٤ م الموافق محرم ١٣٦٣ هـ بعنوان "الخادع الأكبر" يعرض فيه ثلاثة مواقف من المرأة كما وردت في سفر التكوين والأدب اليوناني، وفي مجلة الكيلة يكتب مقالًا عن المعري، يربط فيه إبداع المعري وتفوقه -حسب رأيه- بالكهنة النصارى وأسفار التوراة (١)، وليس بالأدب العربي ولا بالثقافة العربية ولا بالإسلام ولا بشيء من ذلك، وفي ذلك دعاية واضحة إلى الأخذ من هذا المعين الذي يراه سببًا في تميز المعري الذي قال عنه: (لم يهتم أبو العلاء بما كان يهتم به الشعر العربي من مواضيع لا تبتعد إلا بالنادر عن الحواس، ولم يتأثر بالمميزات العربية في الأدب، أو بما كان ذلك الأدب يستلهمه، بل استلهم بيئته وحدها، وحوى برأسه الثقافة المنغمسة بالغرب، والتي وصلت إليه عن طريق معلمي اللاذقية وكهنتها. . .، وأثرت فيه بعض كتابات أسفار التوراة، هذه كلها لم يستمدها إلا من حضارة بلاده، ولم تكن لتوجد إلَّا في بلاده، فنظم ونثر وحلق في تفكيره وتخيله واهتم بالمجردات، ورحل إلى العلاء، وحرر الشعر من النزعة الهيمية، وبحث في المجتمع فانتقده، وبكل المثل البائدة فندد بها، وبالمرأة فقذفها بأبياته الساخطة، وقاتل في سبيل حرية الفكر فخرج شاعرًا وشاعرًا فريدًا، يستمد تفكيره ومزاياه وشخصيته من بلادنا، وتتمثل امتنا فيه) (٢).
وعلى ما في هذا الكلام من مغالطات وأكاذيب وافتراء على الحقيقة والتاريخ (٣) إلا أنه يحتوي من عبارات الدعاية للانغماس في الغرب -حسب تعبيره- والأخذ عن كهنة النصارى وأسفار التوراة ليكون الشاعر مبدعًا
стр. 813
وعالميًا ومتطورًا، وهذا نموذج من نماذج التدليس الحداثي الذي استخدمه نصارى العرب في الدعاية للانحرافات الاعتقادية واتباع الملل الأخرى، تحت شعارات الإبداع والتجديد والانفتاح على الفكر العالمي، فأتبعهم في ذلك من اتبعهم من أبناء المسلمين وانسلخوا عن دينهم، وصاروا يقومون بالدور نفسه، في أجواء من فتن الشبهات وسقم الأفكار والعقائد والضلالات.
وفي وسط غبار التشويش النصراني الحداثي يصف أحد الكتاب النصارى الحداثيين العرب معالم الأدب العربي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، ويتعرض للبعد الديني ذاكرًا النصرانية ثم اليهودية التي ختم بالكلام عنها قائلًا: (وسواء أكانت اليهودية ديانة فراتية أم صحراوية أم مصرية، فإنها تظل من جملة ديانات الشرق الأوسط، أو الشمال الأفريقي، فإنها على كل حال لم تحارب كديانة غريبة عن المنطقة، وإنَّما استخدمت من أجل مآرب قومية وإنشائية) (١).
فلماذا كل هذا التسويق والتهوين وفرض منطق الأمر الواقع؟ أنها المآرب القديمة الجديدة كما أخبر اللَّه تعالى عنها وعن أصحابها: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ (٢).
ولسائل أن يسأل: هل امتد تأثير العقائد اليهودية والرموز التوراتية؟.
والجواب عليه بما سبق، وبما سوف نذكره لاحقًا من شواهد وبينات في هذا الصدد، فها هو أدونيس يؤكد أنه في قصيدة "أرواد يا أميرة الوهم" اعتمد فيها (على الأسلوب الشعري القديم في فينيقيا وما بين النهرين، وهو الأسلوب الذي ورثته التوراة في أروع أشكاله وتأثر به كثير من شعراء أوروبا وطوروه وآمل في استخدام هذا الأسلوب من التعبير الشعري، أن أضع مع
стр. 814
زملائي الشعراء حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم) (١).
وفي تطبيق عملي يستعير أدونيس العبارات والمصطلحات اليهودية، ويستخدمها في إجلال مثلًا "مزامير الإله الضائع" (٢)، وفي مقطوعة "إرم ذات العماد" يسمي المقطع الأول "مزمور" (٣)، ونحوه في مقطوعة "الزمان الصغير" (٤).
وفي بعض كلامه يعبر عن إعلانه الحداثي التدميري بقوله:
(أعلن طوفان الرفض
أعلن سفر تكوينه) (٥).
ويستخدم أسماء يهودية وردت في التوراة، مثل قوله في امتداحه لنفسه، وادعائه القدرة على البعث والإحياء والإبداع الدائم: (قادر أن أصير وجهي بحيرة للبجع، وأجعل أهدابي غابات وأصابعي ربيعًا وأعراسًا، قادر أن أبعث أليعازر في كل خطوة أخطوها") (٦).
و (يعتقد أدونيس أن هناك عوامل كثيرة مهدت لقصيدة النثر منها "التوراة، والتراث الأدبي القديم في مصر وبلدان الهلال الخصيب على الأخص") (٧).
стр. 815
وها هي نازك الملائكة تكشف عن تأثرها العميق باليهود وكتابهم التوراة، في صيغة إطراء وإعجاب، ففي ديوانها قصيدة بعنوان التماثيل كتبت مقدمة نثرية لها فقالت: (هدية إلى قائمة الأسماء الغامضة المنطفئة التي جاءت في سفر التكوين من كتاب العهد القديم) (١).
وها هو البياتي يستخدم "سفر الخروج ويبحث فيه عن المعنى" (٢) عن المخرج والطريق والدرب!!.
ويقول:
(لسيدي أكتب ما أراه في خارطة التكوين
وكتب المستقبل الساكن في الماضي، وسفر العودة - الخروج) (٣).
ويصف جهاد فاضل المرجعية الفكرية والثقافية لصلاح عبد الصبور فيقول: (واستخدم صلاح التراث القديم وتراث الشعر الشعبي المصري، واستخدم حتى تراث الصوفيين وتراث الكتب المقدسة، وبالتحديد لغة التوراة والإنجيل إلى جانب استفادته من ثقافته الإنجليزية) (٤).
ومن أشهر مشاهير الحداثة، وله شعبية كبيرة عند أدباء الحداثة العرب "ناظم حكمت" الشيوعي التركي، وهو في الحقيقة يهودي من بولونيا، أتى إلى مدينة سراي بوسنه التركية وادعى الإسلام وتزوج إحدى نساء المدينة، وفعل كما فعل أسلافه من يهود الدونمة أو يهود سالونيك (٥).
وقد أوضح غالي شكري أن ناظم حكمت أحد أهم المرجعيات للحداثة العربية في الرؤية والفكر (٦).
стр. 816
وها هو سميح القاسم يصف نفسه بأنه مكره:
(أن أصبح ايليا في القرن العشرين) (١).
ويكتب في الهامش عن إيليا بأنه نبي يهودي حارب الأوثان، وينسب إليه أنه قتل كهنة بعل. ويستخدم مثل سابقيه مصلطح سفر التكوين، فيقول:
(هنا سفر تكوينهم ينتهي
هنا سفر تكويننا في ابتداء) (٢).
وفي مقطع له بعنوان "يهوشع مات" (٣) وهي تسمية يهودية لنبي اللَّه يوشع بن نون ﵊، يورد شرحًا عن مراده بيهوشع، ونصًا طويلًا من التوراة "العهد القديم -يشوع- الأصحاح الأول (٤) ثم يظهر التحدي في هذه المقطوعة، من خلال استخفافه بهذا النبي الكريم ﵊، وهذا وجه آخر من أوجه التأثر باليهود الذين عرف عنهم الاستخفاف والسخرية بالأنبياء، بل والقتل لهم.
وفي مقطع آخر بعنوان "طفل يعقوب" (٥) يورد نصًا من التوراة في مقدمة هذا المقطع، ويخاطب اليهود بخطاب فيه شيء من الاستخفاف بيعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام (٦).
وقد بلغ به الاستعارة من اليهود أن ضمن بعض كلماتهم في ثنايا كلامه في حوار أجراه يقول فيه:
(وإليكم نشرتنا الأولى:
стр. 817
صرّح ليفي إشكول:
"شرع درك هرشتفلس كرشت
الملك يقول:
"برش تفتر حشتر لشند بثل
أمريكا فقدت إحدى قطع الأسطول
هدد مكنا مارا. .
- ابن الـ. . . مسطول!!
اليوم أحرر هذا الخبرا:
أرنستوتشي غيفارا
ببني قمرا
في أفق ما!!) (١).
ولا يدري القارئ أي شعر في هذه السخافات؟ وأي فائدة معرفية أو فكرية يُمكن أن يصل إليها من يقرأ هذ العبث؟.
وبعد هذا التضمين السقيم للكلام العبراني يختم بذكر الماركسي غيفارا (٢) ممتدحًا منهجه ومتفائلًا بالمجد الذي يبنيه غيفارا!! في تقلب مشين
стр. 818
من العبرانية إلى البساط المادي الذي نسجته أيدي اليهود إلى الماركسية، والحمد للَّه الذي أراه قبل أن يَموت الخزي والدمار والشتات الذي نزل بالشيوعية.
وفي مقطوعة له بعنوان "مزامير" (١) تحتشد العبارات والمصطلحات والرموز الصهيونية بشكل إقحامي فج، مما جعله يقدم بمقدمة اعتذارية شارحة، يصدق عليها المثل "عذر أقبح من فعل"، قال في المقدمة: (. . . أدخل الشاعر في جزء كبير من القصيدة، تعابير وصورًا توراتية من المزامير، ومن سفر أشعياء بالذات) (٢).
أما عبد العزيز المقالح فإنه لا ينسى أن يضيف إلى أمجاده الحداثية إضافة الأسماء والرموز اليهودية، ليثبت قدرته الفنية وثقافته العالمية!!، فيقول:
(و"سالومي" تفني في ملاهي القدس
تنشر لحمها في المسجد الأقصى
وتطلب كل رأس راكع فيه
لترفع عاليًا من حائط المبكى) (٣).
وله مقطوعة بعنوان "يهوذا" (٤) مقدَمة بسطر لأرسطو يقول فيه: (يا أصدقائي ليس هناك أصدقاء) (٥).
أمَّا محمد الفيتوري الساخط على لونه الأسود والغاضب بسببه على كل أبيض، في عقد متراكمة ينفس عنها بالافتخار بالزنجية وبغض الأبيض، وفي مقدمة ديوانه يشرح المقدم هذه العقدة عند الفيتوري، ويذكر أنه بذلك
стр. 819
يناقض قول حبيبة النبي سليمان إذ تصف نفسها بالجمال وهي سوداء مثله، ثم يورد نصًا من التوراة تقول فيه: (أنا سوداء ولكني جميلة يا بنات أورشليم كأخبية قيدار وكسرادق سليمان. . .) (١).
وفي المقدمة نفسها يشرح صحابها المكونات الثقافية للفيتوري فيذكر أنه (قد حفظ القرآن، وقرأ سفر أرميا، ونشيد الأناشيد. . .) (٢) إلخ.
وهكذا تصبح التوراة جزءًا من المعلومات العلمية التي يفاخر بها أبناء المسلمين!!، فإذا تتبعنا عند الحداثيين مقدار الألفاظ والمصطلحات الإسلامية في كلامهم فإننا نجد نسبة قليلة جدًّا إزاء المصطلحات والرموز الوثنية واليهودية والنصرانية مما يؤكد شهادة أحد الغربيين الذين نظروا إلى ظاهرة الحداثة وما بعد الحداثة عند الحداثيين فأكد أنهم مصابون بانفصام الشخصية، عدميون صنميون (٣).
ولا ريب أن الحداثيين العرب الذين شربوا من كل مورد، عدا الإسلام وعرفوا كل الثقافات، وقرأوا كل الكتب إلا القرآن، وهو ما ذكره أحد النقاد الحداثيين قائلًا: (. . . اعترف أحدهم، ولا أريد أن أسميه الآن، بأنه لم يقرأ القرآن أساسًا. . في اعتقادي أن شاعرًا عربيًا يكتب بلغة عربية ويدعي الحداثة والتميز لم يقرأ القرآن، ولم يقرأ أي شيء من أصول النقد العربي أو الشعر العربي القديم، كيف يُمكنه أن يكون شاعرًا وحتى حداثيًا) (٤).
فإذا انتقلنا من مجال التأثر باليهودية في النتاج الفكري والأدبي، إلى مجال التأثر العملي المباشر بهم، غير ما أسلفنا ذكره في مقدمة هذا الملمح، فإننا نجد أن طائفة من حداثيي فلسطين ممن يطلق عليهم "شعراء الأرض المحتلة" كانوا أعضاء في حزب "راكاح" الشيوعي الإسرائيلي!!،
стр. 820
وبعضهم أعضاء في الكنيست الإسرائيلي، وعمل في الصحف والمجلات اليهودية.
هذا محمود درويش، شاعر الأرض المحتلة كما يطلق عليه الحداثيون، عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"، وشارك في تحرير جريدة الاتحاد ومجلة الجديد وهما من صحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي (١).
ومثله سميح القاسم، وتوفيق زياد، وأميل حبيبي عضو الكنيست اليهودي المفتخر ببقائه في فلسطين كمواطن يحمل الجنسية الإسرائيلية (٢).
أمَّا صلاح عبد الصبور فقد كان مطية للسادات في تطبيع العلاقات مع اليهود، فلما جاء اليهود إلى القاهرة للمشاركة في المعرض الدولي وكان المشرف عليه صلاح عبد الصبور سمح بالمشاركة، وبعد فترة ناقشه أمل دنقل وحجازي وغيرهم في موقفه المتسامح مع اليهود، وفي جعله نفسه مطية لسياسة التطبيع مع اليهود التي قادها السادات، فمات.
ويروي أحمد المعطي حجازي وقائع تلك الليلة التي مات فيها صلاح عبد الصبور في حفلة عيد ميلاد ابنه، وكانت ليلة احتفال وغناء ورقص، ثم حدثت المناقشة عن علاقة صلاح باليهود وتعاملهم معهم، وخاصة في معرض الكتاب، فلم يحتمل صلاح النقد -على حد تعبير حجازي- فهلك من ليلته (٣).
يقول غالي شكري في كتابه "ذكريات الجيل الضائع" عن محمود درويش، والدراسة التي أعدها رجاء النقاش عن شعره: (. . . ومن الناحية الفكرية يتخوف تخوفًا لا مبرر له من أن يكون انتساب محمود درويش وزملائه من السفراء إلى الحزب الشيوعي العربي الإسرائيلي "راكاح" جدارًا
стр. 821
بين الشاعر ومتلقيه فقد كرر قوله أن هذا الانتساب "اضطراري"، وبذلك يلتقي مع يوسف الخطيب حين أباح لنفسه أن يرفع من بعض القصائد التي ضمها "ديوان الوطن المحتل" أبياتًا تصرح بإيمان صاحبها كماركسي عربي، هذا على الرغم من الأحاديث المتعددة التي يعترف فيها أولئك الشعراء بماهيتهم الايديولوجية فخورين بتفجر شعرهم من نبع هذا الانتماء الأعمق إلى آلام الشعب الفلسطيني والعربي عمومًا) (١).
وقالت مجلة اليمامة عن محمود درويش: (شاعر القصيدة المطولة بلا منازع، وهو الذي يجعل القصيدة عالمًا من الصور والأحلام والكوابيس التي تتداخل وتتعاقب في خط فني. . .) (٢) إلى آخر المدائح المجانية.
• • •
ثالثًا: التصورات المتأثرة بالنصرانية:
يتشكل أدب "الحداثة" في أظهر صوره وأشكاله من ثلاثة ملامح أساسية: الوثنية، والمادية الإلحادية، والنصرانية.
وقد تشكلت هذه الصورة القاتمة كما ذكرنا في أول هذا الفصل على يد نصارى العرب من المهجريين ثم من الإعلاميين ثم من الحداثيين (٣).
وكانت اللبنات الأولى تضعها الأيدي النصرانية العربية المرتبطة اعتقاديًا وسياسًا وحضاريًا بالغرب أبناء ملتهم وإخوانهم في الدين.
ثم تلفق هذه الأفكار من ضل من أبناء المسلمين، ورتعوا فيها وشربوا منها شرب الهيم، فكانوا أشباهًا لأساتذتهم وفي أحيان أخرى - كانوا أكثر حماسة وأشد تعصبًا.
وعلى آية حال فقد فرض النصارى ألفاظهم ورموزهم ومصطلحات
стр. 822
دينهم، ومضامين عقيدتهم ومحتويات فكرهم، على ساحة الأدب الحديث، بصورة قوية وواضحة.
وكيف لا يكون ذلك كذلك، ورواد الحداثة من النصارى في الشام ومصر يرون أنفسهم جزءًا من الغرب النصراني، وينادون بالارتباط الحضاري بالغرب، والاقتلاع عن المجتمع المسلم والعربي؛ لأنهم يرون أن العروبة مرتبطة بالإسلام، فنادوا بالتميز من الحضارة العربية الإسلامية ودعوا إلى العلمانية والثقافة الفرنسية، وأظهروا النفور الشديد من الإسلام والعرب (١).
ولا نود إعادة ما سبق نقله من نصوص وأقوال نصارى العرب في دعوتهم إلى الانفصال عن الأمة العربية والإسلامية، بل وعن الشرق، والالتحاق بالغرب، تحت فكرة المتوسطية أو سورية الكبرى أو الفينيقية الإغريقية، والتي تدل كلها على أن القوم توجهوا إلى بني ملتهم بشعور ديني غامر وانتماء اعتقادي غالب.
ومن الذي يستطيع أن ينكر هذا الدور الذي قامت به الروابط الأدبية، والأحزاب القومية، والتجمعات الثقافية والإعلامية التي قام على أمرها نصارى العرب.
وبمراجعة سريعة لمضامين الفكر في الرابطة القلمية أو الحزب القومي الاجتماعي أو في حركة مجلة شعر يكتشف الباحث المضامين النصرانية الواضحة، حتى ليخال أن هذه مؤسسات تبشير بالدين النصراني ليس إلّا.
ولو تأملنا أسماء أعضاء حزب القوميين الاجتماعيين الذي أسسه أنطون سعادة، أو أسماء أعضاء حركة شعر لاتضح بجلاء سيطرة النصارى والطائفيين (٢).
стр. 823
وليست السيطرة بوجود الأسماء فحسب بل وبالطرح الفكري القائم على محاربة الدين الإسلامي، والتشجيع عليه، فمثلًا النصراني المتعصب شارل مارك كان ينشر في "شعر" آراءه السوداء ضد الإسلام والعرب، والنصراني الآخر أنس الحاج أنتهك في كلامه ومنشوراته الهوية الإسلامية والعربية بشكل فاضح وعاصف، وهذا ليس من قول رجل يتبنى الإسلام، بل هو معنى قول حداثي يدافع عن الحداثة (١).
لقد وصف الباطني أدونيس ما يوجد لدى مجلة شعر من اتجاه غيبي يسميه الحساسية الميتافيزيقية، فجعل هذا الاتجاه موصولًا بين اليونان الذين مثل لهم بسيزيف، والنصارى الذين مثل لهم بالمسيح ﵇ فأكد أن (الحساسية الميتافيزيقية هي الخاصية الرئيسية في نتاجها الشعري الحديث، فالكائن العربي المعاصر هو في شعرنا كائن ميتافيزيقي، يغوص إلى عمق الأعماق ويتضامن مع الآخر، ويحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل سيزيف والمسيح بين اليأس ويقين الأمل) (٢).
وفي وصف لاتجاهات حركة مجلة شعر يقول باروت: (وإذا كانت نخبة "شعر" قد تعرفت على الأطروحة "المتوسطية" التي بررت باسمها الالتحاق بالغرب، من خلال تنظيرات "سعادة" بالدرجة الأولى كما نرجح، فيمكن القول أن اثنين من أبرز المساهمين في حركتها الثقافية الشعرية، وهما الدكتور رينه حبشي (٣)، والدكتور هنري القيم (٤)، قد طرحا الأطروحة "المتوسطية" من منظور تأثيري آخر، يرجع إلى تأثير هذه الأطروحة في وعي المثقفين الليبراليين الأقباط المصريين، والذين كانت القبطية لديهم انتماء قوميًا في الآن ذاته، ولقد كان كل من رينه حبشي وهنري القيم وجوديًا
стр. 824
لبراليًا بالمعنى الدقيق للكلمة، ورغم أننا لسنا في صدد بث تأثير الأطروحة "المتوسطية" في وعي المثقفين الليبراليين الأقباط المصريين، إلا أن يُمكن القول: إن مؤسسات ثقافية إحيائية قبطية قد تبنت هذه الأطروحة وخصوصًا "جمعية الآثار القبطية" التي تأسست بالقاهرة عام ١٩٣٤ م هدفها تشجيع دراسة الحضارة المصرية في العصر المسيحي القبطي، ولها مكتبة وتصدر مجلة سنوية، وكتبًا في الآثار والفنون القبطية، مثلما أن الدكتور رينه حبشى، المثقف القبطي اللبرالي الوجودي المصري، كان ملتفًا حول كل الندوات والجمعيات التي تدعو لثقافة البحر الأبيض المتوسط وخصوصًا "الندوة اللبنانية" التي كان يديرها ميشال أسمر أحد الدعاة لهذه الثقافة، إضافة إلى التفافه -أي: الحبشي- حول حركة مجلة شعر) (١).
وفي دراسة موجزة لبعض شعر يوسف الخال وما فيه من رموز وثنية وذكر للآلهة الكنعانية وأزمنة البعل وأدونيس وعشتروت، والتواصل معها، يؤكد باروت أن الخال لا يبحث في تيهه عن الفينيقية فحسب، بل يمتد في تلمس حضاري -هكذا حسب رأيه- إلى مستويات أخرى فيقول: (هذا المستوى الحضاري الذي يبحث في الشعر عن تجربة حضارية، يضمر مسيحية عميقة لها مستوياتها الميتافيزيقية الصرفة. . . لا يرى لسكان "المفازة" سوى صليب الفادي، طريقًا واحدًا للخلاص. . .، يظهر الفادي في قصيدة "البئر المهجورة" كبئر يفيض ماؤها بالخير. . .، يندمج في كل مضمر تموز بالمسيح، الفضاء الوثني بالفضاء المسيحي. . .) (٢).
ثم يدرس مقطعًا آخر بعنوان "صلاة في الهيكل" (٣) يقول فيه الخال: (الحجر ينطق، الحجر خبزًا، يصير نبيذًا) (٤).
يقول باروت: (فالحجر إذ يثير في سياق النص مناخًا وثنيًا، فإن
стр. 825
انزياحه الشعري إلى خبز ونبيد يوحي بمناخ مسيحي تميز به يوسف الخال، فتعدد للحجر معان دلالية متعددة) (١).
أتيت بهذه التحليلات والدراسات التي كتبها حداثي لا شك في انتمائه للحداثة ومدافعته عنها ومحبته لرموزها، لتكون شهادة شاهد من أهلها، ولئلا يقال بأن في استنتاجنا تعسف لا يحتمله النص المدروس، ولو ذهبت أتتبع كل ما كتب عن الخال وجبرا والصايغ والحاج وغيرهم من النصارى من المعاني النصرانية التي ضمنوها نتاجهم لطال الحديث.
بيد أنه ينبغي في هذا المقام الإشارة إلى أمرين مهمين:
الأول: أن الحداثيين النصارى، لم يتخلوا عن نصرانيتهم، بل اتخذوا الحداثة وبأوجهها العديدة وسيلة لنشر النصرانية عقيدة وسلوكًا ومنهجًا.
الثاني: أن الحداثيين غير النصارى، تقبلوا هذه المضامين والرموز ونقلوها وروجوها.
وقد مر في ثنايا هذا الفصل بعض أسماء النصارى الذين شاركوا في الصراع الثقافي، وكانوا طلائع الغزو الاعتقادي والهجوم الفكري (٢).
غير أنهم لم يكونوا مجرد أسماء، بل كانوا عاملين فعالين في الميدان الصحفي أولًا، ثم في الميدان الأدبي والفكري.
لقد التفتوا إلى أمور مهمة في بث الأفكار والعقائد والقيم في الوقت الذي كان فيه المسلمون يعيشون غفلة شبه كاملة عن هذه الوسائل المهمة.
اهتم نصارى العرب بالصحافة في أول نشأتها في بلاد العرب، وجاءهم الدعم من بني ملتهم، فأمسكوا بزمام الصحافة العربية وتحكموا في شؤونها، وبثوا من خلالها ما يريدون في تدرج أن احتاج الأمر إلى تدرج، وفي مواجهة ووقاحة إذا ناسبتهم الأحوال والظروف، فكانت الصحافة لسانهم الناطق عن عقائدهم التصرانية القديمة، وعن عقائدهم الحديثة النابتة في أرض النصرانية المحرفة مثل العلمانية وغيرها.
стр. 826
كانوا أقلية ضعيفة فاستمدوا القوة من نشاطهم الدائب في الصحافة وغيرها، ومن أهل دينهم في الغرب، فأصبحوا قوة يخشى منها ويحسب حسابها، ويرجى رضاها.
الجانب الثاني الذي اهتموا به واستفادوا منه غاية الاستفادة جانب اللغة والأدب.
ففي اللغة أصدروا القواميس والمعاجم، وشكلوا المجامع اللغوية، وشاركوا فيها بفعالية، ويكفي أن نعلم أن نصارى لبنان على وجه الخصوص استطاعوا بهذه الهيمنة اللغوية أن يمرروا على المسلمين مضامين الكفر والشرك في لبوس من عبارات خادعة.
مثل لفظ "العلمانية"، والتي هي في الانجليزية (SECULRISM) والترجمة الحقيقة لهذه الكلمة هي "اللادينية"، ولا صلة لهذه الكلمة بالعلم ولا بالمذهب العلمي مطلقًا، وإنَّما صبغ نصارى العرب هذه العقيدة بهذا الاسم لإيهام الناس زورًا أنها لا تعارض الإسلام، لئلا تنفر نفوس المسلمين من الترجمة الصحيحة التي هي اللادينية، وبذلك استطاعوا أن يمرروا هذا المذهب بكل ما يحويه من كفر باللَّه ورسوله باسم العلم (١).
ومنذ أن أشيعت هذه العبارة تحت غبار التدليس والكذب الفكري أصبحت سمة تميز فكر الذين يناهضون الدين، ويرون عزله عن الحياة، وأضحت تمثل ذلك الاتجاه المبتعد عن الدين في نظم الحياة التربوية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. . . إلخ، وفي اللغة تبنوا دعوات تدميرية للغة العربية (٢).
أمّا الأدب فقد فطن النصارى إلى أهميته في إيصال مضامينهم وعقائدهم ورموزهم، لما في الأدب من جاذبية وطلاوة محببة للنفوس، وخاصة نفوس الناشئة الذين تستهويهم أمور الجماليات الفنية والترفيهية أكثر
стр. 827
من أمور العلوم الجادة، لما في الأدب من فسحة في تصريف الأقوال وتركيبها، ولما وُهب له من أحقية مزيفة على مدار التاريخ في تجاوز الحدود والضوابط الشرعية.
فطن هؤلاء لهذه الخاصيات فامتطوا صهوة الأدب ليعبروا من خلاله إلى مراداتهم، بل لقد جعلوا الأدب محضنًا للعقيدة والفكر، واستنبتوا فيه رموزهم ومضامين عقيدتهم، ووجهوه إلى المولعين بالعشق الفني، الذي يصعب على أكثرهم أن يفصل بين عشق النموذج الفني، وما يحتويه من مضامين فكرية، بل إن هذا الفصل لا يتأتى للمولعين؛ لما في الولع من عمى عن رؤية العيوب، ولما في أصحابه من جهل بالقواعد الاعتقادية والأصول الشرعية التي يجب الاحتكام إليها.
من هنا دخل الداخل على المسلمين، وتسنم سنام الأدب الحديث الظلاميون الخارجون من أقبية الكنائس، وسراديب الباطنية، وأنفاق الثقافة الغربية المادية.
وانطلق كل حاقد وفاسد يسيح من خلال وسائل الترويج المسيطرة من صحافة ومؤسسات ومنتديات وندوات، ليبث حقده وفساده، ويقتنص هواة الأدب، الضعفاء في دينهم وفي عقولهم، يستهوي هؤلاء الأبرياء ويستقطب كل متعطش للشهرة أو مرتزق بالثقافة والفكر، ليصبحوا في ثُبةٍ واحدة يشتمون دينهم ويسخرون من أمتهم، وينالون من عقيدتهم، وينادون بالتثليث والصلب والخطيئة والتكفير والفداء، وألوان كثيرة من خرافات الوثنيات والجاهليات المنقرضة.
فإذا بالمسلمين بعد حقبة من الزمان يرون في كل قرية أكابر مجرميها من أبنائها، يسعون في الأرض فسادًا وتخريبًا وتدميرًا، ويدأبون في تنفيذ ما تلقوه عن أساتذتهم من إرادة تدمير لديننا وكياننا ولغتنا وأخلاقنا.
وفي الجملة لا يوجد أديب ولا مفكر نصراني إلّا وقد وظف عمله الصحفي أو الأدبي أو الفكري في سبيل إيذاء المسلمين في دينهم وعقيدتهم أولًا، ثم في أخلاقهم وسلوكهم، ثم فيما يتلو ذلك من أمور الوحدة والانتماء والكيان والأمة واللغة.
стр. 828
ولنأخذ على ذلك أمثلة من نصارى حركة شعر، ومن غيرها، وأقول من غيرها؛ لأن هناك من يحسن الظن بالحداثيين من غير حركة شعر، ويظن أن هذه الكوارث والبلايا الاعتقادية محصورة في تيار مجلة شعر؛ ولذلك يرى أنه (. . . أصبح من واجب النقد الخير أن يكون طرحه لشعر الحداثة على مستويين من التعامل:
أولهما: التعامل الفكري والعقائدي والعلمي والتاريخي مع تنظيرات نقاد شعر الحداثة.
وثانيهما: استئناف التنظير الفني لشعر الحداثة، وكأن مجلة شعر لم تكن) (١).
أمّا المستوى الأول فهو مقصد هذا البحث ومحط رجاله، أمّا الثاني فإن الكاتب يفرق فيه بين مجلة شعر وغيرها، ويحسن الظن بمجلة الآداب البيروتية (٢) وبحداثيين آخرين ويسمي نتاجهم (العطاء الإنساني الخير منذ السياب إلى عبد الصبور) (٣)، ويقول: (ووجد قلائل كالبياتي وعبد الصبور وحجازي انطلقوا في ريادتهم عن وعي لقيم الحداثة يجنح بهم ثقافة عالمية متنوعة عميقة، إضافة إلى الموهبة فكل واحد منهم شاعر في إهاب عالم مفكر.
ولم يعدموا الحس القومي والوطني الذي يحدد موقفهم من أيديولوجية شعر بألا ينخرطوا في سلكها، مع أنه لم يظهر منهم موقف عدائي لهذه الطائفة القذرة) (٤).
стр. 829
أما مجلة الآداب فقد كانت غائصة في الوحل المادي القذر، في الوجودية وكان رئيس تحريرها وجوديًا سارتريًا، بشهادة أحد منظري الحداثة، وهو محمد جمال باروت حيث يقول: (لقد تركزت المعركة حول الوجودية التي تبنتها "الآداب" بزخم منذ أعدادها الأولى، ففي أعوام ١٩٥٣ - ١٩٥٦ م كانت الآداب منهمكة في ترجمة الوجودية، والبحث فيها عن ايديولوجيا للنخبة القومية. . .، وكان الهدف من ترجمة "الأيدي القذرة" لسارتر واضحة جدًّا في إثارة السبيل "لقادة الأحزاب العربية وأعضائها على السواء". . .، لقد كانت بواعث الترجمة أهم من الترجمة نفسها؛ ولذا فإن حقل الصراع سيتوجه أساسًا نحوها، إذ تتساءل "الثقافة الوطنية" إذا كان السيدان إدريس (١) وشويري من أتباع سارتر، أي إذا كانا يتطوران معه ويجاريانه في انفعالاته الفكرية وبادراته الإنسانية، فلماذا لم يعمدا إلى ترجمة الأبحاث القيمة إلى نشرها في مطلع الصيف الماضي في مجلة "الأزمنة الحديثة". . . ستقف الآداب في معركة الوجودية التي ثارت في مصر عام ١٩٥٥ كممثلة للوجودية الحقيقة. . .) (٢).
بل كانت الآداب وشعر تقومان بأدوار متماثلة في ترسيخ التبعية الغربية، وإشعال الحرب ضد الإسلام وما يتعلق به، وهذا ما قرره باروت في قوله: (. . . أن مشروعي "شعر" و"الآداب" كانا متماثلين بنيويًا ومتداخلين، ومتكاملين في إطار وحدة صراعهما وتناقضهما، والذي عبر عن الصراع الداخلي في المشروع الثقافي للنخبة القومية الليبرالية الوجودية في الخمسينات والستينات) (٣).
أمّا السياب فقد كان من أعمدة مجلة شعر.
أمّا صلاح وحجازي والبياتي فإنهم وإن لم يكونوا من الكتاب في
стр. 830
مجلة شعر إلا أنهم لايختلفون -من حيث مجمل الاعتقاد- عن أصحاب مجلة شعر، وخاصة فيما يتعلق باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته والغيبيات، ولا يختلفون عنهم من حيث المبدأ في أخذ العقائد والرموز الوثنية، وإحياء مضامينها الجاهلية، إلى حد جعل أحد النقاد يعتبر "البياتي" المثل القوي لما أطلق عليه "تموزية" ما بعد "حركة مجلة شعر" وأثبت بالشواهد الكثيرة (١).
فضلًا عن الشواهد الكثيرة التي نقلناها في الفصول السابقة والتي تدل غاية الدلالة على مناقضة هؤلاء لعقيدة الأمة بل ومحاربتهم لها بشتى السبل، فما الفرق إذن بين هؤلاء الذين أثنى عليهم الظاهري، والطائفة القذرة التي وصف؟.
من هذا السرد نصل إلى نتيجة قاطعة هي: أن الحداثة مضمونًا وفكرًا واتجاهًا، تناقض الإيمان باللَّه والتوحيد والطاعة والخير والحق، وأشخاصها الذين يتبنونها ويشايعونها هم أشد على الرحمن عتيًا، سواء كانوا نصارى أو نُصيريين، أو من أبناء المسلمين الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب وأهل الأوثان.
ولنعد إلى المقصود، وهو إثبات أن أتباع الحداثة من النصارى العرب، غلب عليهم الإحساس الطاغي في الإبانة عن تراث دينهم وعقيدتهم وثقافتهم، فاستعملوا ذلك في نتاجهم، وقد يقال بأنهم لا يلامون إذا فعلوا ذلك؛ لأنهم يعبرون ويبيتون عن دينهم وعن دخائل أنفسهم، والعقيدة غلابة ومؤثرة في المواقف والألفاظ والأحوال، فإذا تحدث النصراني عن "خطيئة" أبيه آدم على أنها لا تمحى بالتوبة، وأنه قد ورّثها لأبنائه، حتى جاء "المسيح" فقتل وصلب -حسب زعمهم الكاذب- ففدى البشرية وخلصهم من النكال، والإثم الجاثم على أرواحهم، سواء أتى بهذا الألفاظ: الخطيئة والتكفير والخلاص والفداء والصلب، أو أتى بألفاظ أخرى تدل على المعنى نفسه، أو استخدم هذه الألفاظ في سياق دلالاي رمزي لمعاني مجازية
стр. 831
تقارب المعنى الأصيل في العقيدة النصرانية، إذا فعل ذلك نصراني ارتضع النصرانية منذ "نصره" أبواه أو معلموه فلا ريب أن ذلك يتناسب مع بعضه، ووجوده على ألسنتهم وفي أدمغتهم ومؤلفاتهم من الأمور الطبيعية العادية، مثلما أن وجود التوحيد والتنزيه للَّه والمحبة والإجلال للأنبياء جميعًا في كلام المسلم ونتاجه الثقافي وجودًا طبيعًا، غير أن الكارثة المميتة أن نجد ألفاظ ومصطلحات ومضامين العقيدة النصرانية في ألسنة وأعمال أبناء المسلمين، وكأنهم خدم صغار في أروقة الكنيسة.
يزعم الحداثيون بأن حداثتهم شمولية غير مقيدة بأديان معينة، وبعضهم يدعي وهو في منخفض هزيمته: أنهم يعتبرون جميع الديانات السماوية جزءًا من التراث الروحي للبشرية جمعاء (١).
هكذا في تملق ذليل للنصارى، ومغالطة واضحة، وانهزام اعتقادي جلي.
أما النصارى فإنهم أخذوا دور القوي في هيمنة فكرية بسطوا من خلالها احترامًا لدينهم ورموزهم ومضامين عقيدتهم المحرفة، ولم يتخلوا عن ملتهم، بل سخروا الأدب الحديث لغرس المفاهيم والألفاظ النصرانية، وتطبيع استعمالها، بدعوى أن هذا الأدب الجديد يستخدم ألفاظًا كثيرة الاستعمال في دين سماوي يعترف به الدين الإسلامي نفسه، وبدعوى عالمية الثقافة، ووحدة الوطن، ومراعاة مشاعر المواطنين، والبعد عن إثارة الفتن الطائفية، إلى غير ذلك من المبررات التي يعددها أقوام هانت عليهم عقيدتهم وضعفت ألبابهم.
ولنورد الآن من الشواهد ما يؤكد أن نصارى الحداثة لم يتخلوا عن نصرانيتهم بل قاموا بخدمتها من خلال الأدب الحديث:
стр. 832
١ - يوسف الخال:
الشاعر الحداثي الذي دعا إلى الانفتاح والثقافة العالمية والتواصل الثقافي وتجاوز السائد، والقفز على التراث، وترك التقليد وإغلاق صفحة الماضي.
لم يستطع أن يكون كذلك، فانفتاحه على الثقافة العالمية كان انفتاح النصراني على دين إخوانه النصارى في الغرب، وعلى مذاهبهم المستحدثة، والتواصل الثقافي كان عبر البحر الأبيض المتوسط جسر الحضارة الغربية، وقاعدة العودة إلى الأصل، وتجاوز السائد هو إلغاء هوية الأمة والإجهاز على دينها ولغتها، والقفز على تراثها في عبثية واستخفاف، وترك التقليد شعار استهوى به البسطاء البلهاء ليصرفهم عن قرون الهجرة النبوية الكريمة، غير أنه لم يخرج عن إطار نصرانيته ولم يتجاوز السائد في كواليس الكنائس ومؤامرات التنصير، ولم يقفز على تراثه بل استخدمه وخدمه، ولم يترك تقليد الإنجيل والتوراة التي أسهم في ترجمتها، بل قلدها ونقل مضامينها المنحرفة في أقواله وتنظيراته، وهو بكل ذلك لم يغلق صفحة الماضي الصليبي، بل جدد ذلك، وحمل ألوية حرب صليبية ثقافية.
وهو القائل صراحة وبدون أدنى مواربة: (. . . إنني شاعر مسيحي، المسيحية جزء من تراثي، إن لم تكن في جوهره وصميمه، والمسيحية مرتبطة ارتباطًا كيانًا عميقًا مع التراث الذي سبق التاريخ العربي في هذه البقعة من الأرض، حتى أن تموز وما يعنيه -وهذا موجود في شعري- هو أسطورة قريبة من المسيحية، وربّما كان المسيح صورة جديدة لها، فهناك شبه كبير بين المسيح وبين تموز من حيث موته وبعثه، وأنا أفتخر بهذا الواقع؛ لأنه دليل ساطع على أنني صادق في شعري، لا كالشعراء المسيحيين، منذ إبراهيم اليازجي إلى اليوم، الذين كانوا يكبتون مسيحيتهم، ويظهرون بمظهر الشاعر غير المسيحي، من قبل المسايرة والدعاية والممالأة، إنني أعتقد أن هذا محك صدق الشعراء الحديثين اليوم، إن الشاعر المسيحي الذي يرتبط بتراثه المسيح هو شاعر أصيل، وستذكر الأعوام القادمة أن توفيق
стр. 833
صايغ هو أحد هؤلاء، إلى حد ما جبرا إبراهيم جبرا، وكذلك خليل حاوي، وهذه القضية أدركها عدد كبير منهم جبرا إبراهيم جبرا، وأدونيس، وغالي شكري، حتى أن غالى شكري اضطهد في مصر من أجل ما كتبه عني في مقال نشره في مصر بعنوان "شاعر له قضية") (١).
هذا النص شهادة واضحة على اعتزاز الخال بنصرانيته وسعيه في نشرها، وتأكيد وجودها، ويرى أن الشعراء النصارى الذين لم يفصحوا عن نصرانيتهم قد ضعفوا وهانوا؛ لأنهم سايروا وجاملوا، في حين أنه لا يُمكن أن يفعل ذلك لأنه مبشر بالنصرانية من خلال شعره، مفتخر بها مبدأ وعقيدة، داعٍ إليها، مناضل في سبيلها، ثم بين أنه ليس وحده في هذه الحرب الصليبية التي يعتز بقيادتها ولكن معه من شعراء الحداثة توفيق صايغ وجبرا ومعه من كتابها القبطي المصري غالي شكري الذي وصف الخال بأنه شاعر له قضية، ولابد أن تكون هذه القضية هي النصرانية وعقيدتها وأخلاقياتها المبنية على دين محرف مكذوب.
وهكذا تتظافر جهود المنصرين الحداثيين لإزاغة المسلمين عن دينهم، وإبعادهم عن عقيدتهم.
وأعلم أن بعض المخدوعين من أبناء المسلمين لا يروق لهم هذا القول، ولا يعجبهم؛ لأنه قد انهدم في نفوسهم مبدأ الولاء والبراء، وانبنى مكانه الإعزاز والمحبة والتقدير لأعداء الأمة، وتأسست في نفوسهم شعارات التعمية والتضليل التي غرسها أولئك ورعوها حتى نمت وكبرت فآتت أكلها الخبيثة ضعفين، ضِعْف في موالاة الأعداء وملاينتهم، والبحث عن رضاهم وعدم جرح مشاعرهم، والبقاء في فلكهم ودائرتهم، وضِعْف في التهاون بالإسلام وأهله وشريعته وعقيدته، بل ربما تجاوزوا التهاون إلى البغض والمعاداة.
стр. 834
ولا يتوقف يوسف الخال في طموحه النصراني عند استلهام تراثه وترديده في مجال الأدب والتأليف، بل يتجاوز ذلك إلى واقع عملي، في دعوة صريحة إلى إقامة مجتمع وكيان نصراني، يقول: (. . . لا ألام إذا أنا سعيت إلى إيجاد مجتمع غير مسلم، أو بمعنى آخر: مجتمع مسيحي أعبر فيه عن نفسي، وأحقق فيه كياني، وهنا نضع يدنا على حقيقة الحركات التي قام بها غير المسلمين من العرب، لإقامة مجتمع أو وطن خاص بهم، لقد نجح المسيحيون العرب، أو بعض المسيحيين في إقامة الوطن اللبناني، وهم لا يلامون على ذلك إذا، ما داموا لا يعتبرون عربًا، لمجرد أنهم غير مسلمين) (١).
ترى ماذا سيقول الحداثيون من أبناء المسلمين الذين جروا خلف السراب الحداثي؟.
رجل يعلن نصرانيته، وينادي بفصل الأمة وتفكيك كيانها، وغرس كيانات نصرانية غير عربية!! ثم يتخذه الأغمار المغفلون قدوة وأسوة ونموذجًا!!.
إن المطلع على الطرح النصراني في شعر الخال يستطيع أن يصل إلى هذه النتيجة بكل بساطة، فكيف وقد أضاف إليها اعترافاته الصريحة بمضمون عمله الشعري والفكري، ومضمون إرادته السياسية.
إنها قصة التنصير الدامية من أيام صلاح الدين الأيوبي -رحمة اللَّه عليه- إلى عهد مجلس الأمن وحق الفيتو وحلف الأطلسي، ولكن المنطفئة عقولهم لا يعقلون، ولا يريدون أن يعقلوا.
ويفتخر الخال بقيام الكيان النصراني في لبنان ويعتبر وجوده في أرض العرب أعظم تجربة إبداعية في تاريخ العرب الحديث (٢).
وسبب إعجابه بذلك أن هذه التجربة الإبداعية -لاحظ التسمية-
стр. 835
والكيان القائم يديره نصارى لبنان، ويتحكمون في شأنه تحت مظلة التعايش بين المسلمين والنصارى، حيث لا تعايش بل سلطة نصرانية غاصبة جائرة غرسها الاستعمار ورعاها حتى استكلبت.
وفي هذه المقابلة التي نقلنا نصوصًا عديدة منها واجهه السائل بعد الكلام المشار إليه آنفًا باعتراض ثم بسؤال فقال: (إن تضايق غير المسيحيين من قيام دولة بمشيئة استعمارية أي أن تململهم ونقمتهم تنصب في الأول على الدور الذي أرادته تلك المشيئة للبنان أن يلعبه في المنطقة، أي ذلك الدور الذي يريد أن يحل المنطقة في مركزية الحضارة المسيحية الأوروبية، وهنا أحب أن أسألك سؤالًا خاصًا: كيف استطعت أن توفق بين ثورتك ومسيحيتك؟) (١).
فأجاب يوسف الخال قائلًا: (فكرة "الدين للَّه والوطن للجميع"، فكرة عقيمة لا معنى لها، فالدين ليس ممارسة ولا صلاة ولا طقوسًا، بإمكانك أن ترفض كل ذلك وتبقى مسلمًا أو مسيحيًا، ذلك أن الدين تفسير للوجود، أي لعلاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة وبما وراء الطبيعة، وعلى أساس هذه النظرة ينشأ تراث معين وطريقة حياة معينة، فالحضارة الغربية لا نستطيع أن نفصلها عن المسيحية لا من حيث الطقوس، وإنَّما من حيث هي نظرة معينة في الوجود، فعندما تتأثر بالحضارة الأوروبية، فأنت بحكم الضرورة تتأثر بخلفيتها ومن ضمنها المسيحية. . . الحضارة الإنسانية نشأت وترعرت في حوض البحر المتوسط، وفعلت فيها عبر التاريخ شعوب مختلفة، وعلى مراحل، كان عندك العبرانيون، فالآراميون فالكنعانيون، فاليونان، فالرومان، فبيزنطة، فالعرب، وأخيرًا الشعوب الأوروبية.
ومنذ أن حملت الشعوب الأوروبية لواء هذه الحضارة في أوائل القرون الوسطى تطورت هذه الحضارة وأصبحت على ما هي عليه اليوم، وذلك بفضل عبقرية الشعوب الأوروبية وجهدها العقلي والروحي، وهكذا نشأت
стр. 836
المركزية التي تحدثت عنها، والحضارة الأوروبية اليوم ليست بالمعنى الجغرافي، وإنَّما هي حضارة إنسانية مركزها أوروبا. . .، والعرب لا يكونون بالفعل ناهضين إلَّا حين يعتبرون شكسبير شاعرهم كما هو شاعر الإنجليز، ويفخرون به، وأظلم مصير ينتهي إليه العرب هو استمرارهم على الفصل بينهم وبين سواهم. . .
وإذا كان الإسلام حقيقة، فيجب أن يصمد أمام جميع التحديات ويتغلب عليها ويقوى بها، وأمَّا إذا لم يكن حقيقة، فعبثًا الانكماش والتخوف والقوقعة، فمثل هذا الموقف يدل على أن المتقوقعين لا يثقون بالإسلام. . .
أما كيف أكون ثائرًا ومسيحيًا في آن واحد، فأنا مسيحي بالمعنى الذي ذكرته لا بمعنى الممارسة، أنا مسيحي تراثيًا، أي: أنني أحمل نظرة في الوجود مستمد من المسيحية وتجدد مفاهيمها عبر التاريخ) (١).
وهكذا تتضح عقيدة الخال التي كون عليها مع أضرابه -سعادة والصايغ وغيرهم- فكرة الحضارة المتوسطية التي تعني التموزية والنصرانية والالتصاق بالغرب، والبعد والنفور عن المسلمين وتاريخهم، ويربط الحضارة المادية في أوروبا بالنصرانية، ثم يجعل لزامًا الأخذ عنها والارتباط بها، ولا بديل لذلك عنده إلا التخلف.
وهذا النوع من الطرح التدليسي انطلى بالفعل على أكثر أبناء المسلمين المبهورين بالغرب، فربطوا بين التقدم التقني والأفكار والمعتقدات والأخلاق، ولما ذهبوا إلى هناك يدرسون ويتعلمون ويرزحون تحت وطأة التبعية والاندهاش جاؤوا إلى بلاد المسلمين بالشق الفاسد المنحرف من الحياة الغربية: العقائد والأخلاق، وتركوا الشق النافع وهو أمور الحياة المعيشية من تقنية ومخترعات وما شابه ذلك.
стр. 837
وها هو الخال رسول الغرب، وطليعة الغزو الفكري يجعل النهضة مرتبطة باعتبارنا شكسبير شاعرًا لنا كما اعتبره الغرب، بل وبوجوب الفخر به!!، وتلك لعمر اللَّه الأغاليط الحداثية العلمانية التي راجت وانتشرت بين أتباعها.
ثم يرسخ الخال مبدأ الفصل بين الدين والحياة وقف عقيدته النصرانية، التي يقول إنها تجددت مفاهيمها عبر التاريخ، نعم هذا شأن العقيدة المحرفة المكذوبة المختلفة، ويكفي أن نعلم هول التحريف الذي أصابها ما ينشر اليوم في أوروبا من طبعات جديدة من الإنجيل، وعليها عبارات مزيدة ومنقحة أو ما يشبهها!!.
ويفتخر الخال بنصرانيته ويؤكد أن خرافاتها حقيقة، وحين يتعرض للإسلام يضعه في دائرة الشك والريبة، بل ويخرجه من دائرة الحقيقة تمامًا في قوله: "إذا كان الإسلام حقيقة".
وهذا التشكيك في الإسلام ضرب من ضروب الممارسات النصرانية التي سلكها النصارى من خلال المستشرقين والمبشرين، ثم من خلال الحداثيين الذين يكملون الدور ويتممون العملية الهجومية على الإسلام، ليس من أجل إدخال أبناء المسلمين في النصرانية، ولكن من أجل تشكيكهم في دينهم، وإخراجهم من ملتهم، فإذا نجحوا في ذلك فقد أضحوا قطعانًا لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه.
وفي مقام آخر يقارن الخال بين الإسلام والنصرانية بخلفية استشراقية كنسية حاقدة، ويجعل من حسن حظ النصرانية أن جوهرها المسيح ﵊، ومن سوء حظ الإسلام أن جوهره القرآن فيقول: (. . . وبما أن المسيح لم يضع كتابًا، فإن جوهر المسيحية هو شخص المسيح لا ما روي عن لسانه وعن سيرة حياته، أما الإسلام فإن جوهره القرآن، ومن حسن حظ المسيحية أن الذين فسروا حياة المسيح وأقواله وشرحوها ولوهتوها هم من صميم الحضارة الإنسانية النامية في حوض البحر المتوسط، هذه الحضارة التي قلنا، فيما سبق، إنها مركزت الجهد الإنساني العقلي والروحي. . .
ومن سوء حظ الإسلام أن الذين فسروه واجتهدوا فيه، لم يكونوا من
стр. 838
صميم هذه الحضارة بل كانوا على هامشها، لذلك لم تدخل ضمن هذه الحضارة الإنسانية ولم تتفاعل معها، ولم تطبعها بطابعها، بل على العكس ظلت غريبة عنها، فناصبتها العداء حتيهذا التاريخ، ومشكلة المسلمين اليوم هي وقوفهم ضعفاء أمام ورثة الحضارة، الأقوياء في كل شيء، فما لم تنهض في الإسلام عقول متفتحة على الحضارة الإنسانية الواحدة فإني لا أرى للمسلمين ولا للعالم الإسلامي إلا ذلك المصير المظلم) (١).
وليس من مهام هذا المبحث التصدي لهذه الأغاليط والأكاذيب.
إلّا أن المهم هنا أن نرى حجم هذا الحقد الصليبي على الإسلام، ودفن كل معالم الحضارة الإنسانية القوية الفاعلة التي أثرت في حياة البشرية من زمن البعثة حتى اليوم. كيف كانت أوروبا في القرون الأولى للإسلام؟ كانت تغلط في ظلام دامس وبهيمية تائهة، بشهادة المؤرخين الأوروبيين أنفسهم، حتى إذا أطلت عليهم شمس الإسلام، ودرسوا في مدارس المسلمين، ونقلوا الكتب إلى بلدانهم من الأندلس وبغداد ودمشق وفلسطين ومصر، وبدأوا يفتحون عيونهم على أمور عقلية وتجريبية لم يكونوا يعرفونها ثم واصلوا وبنوا على ما أخذوا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم، من تقدم مادي، أما العقائد والأخلاق فإنهم في أسفل سافلين، وقول الخال بأنهم أقوياء في كل شيء يكذبه واقع حياتهم الاجتماعية والخلقية والاعتقادية، الذي يضج بانحرافات هائلة مفجعة، اشتكى منها كل ذي عقل منهم، وتذمر من بلائها المستطير كل من احتك بهم، ويكفي أنهم وردّوا إلى العالم أمراض الجنس المستعصية كالإيدز، وقننوا في بعض بلدانهم الشذوذ الجنسي، وأعطوا أهله المكانة والاحترام، وسوغوا الجريمة باسم مدارة النفس وعلاجها، وحطموا الإنسانية باسم الحرية المنفلتة من كل قيد، ومارسوا الظلم على الأمم والشعوب الأخرى باسم النظام العالمي، والإرادة الدولية وحق الفيتو.
стр. 839
لقد تعمد الخال أن يهبط إلى حضيض المغالطات والتجاهل المتعمد للحقائق الحضارية الثابتة في الإسلام، من واقع ضغينته النصرانية ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (١).
ثم ينادي بالعقول المتفتحة على الحضارة الإنسانية الواحدة، والتي تعني بالطبع حضارة أوروبا التي سبق أن وصفها بأنها قامت على النصرانية واستمرت عليها.
إذن التفتح على الحضارة الإنسانية الواحدة، هو أن يترك المسلمون دينهم وعقيدتهم ويلتحقوا بركب النصرانية، ليصبحوا نصارى جملة وتفصيلًا، أو ينقلبوا بلا دين، كما يفعل المنصرون الذين يعيثون في بلاد المسلمين فسادا.
إن الحداثيين والعلمانيين ينادون بالتعددية الفكرية ولكنها تعني عندهم التعددية ضمن إطار الحضارة الأوروبية المادية والفكر الأوروبي والعقيدة الغريبة.
إنه الاحتكار الظالم، والهيمنة المستبدة التي يحاولون غرسها بالقوة العسكرية، أو بهيبة ألفاظ ألبست الفخامة والضخامة، لتلعب بعقول البلهاء من أبناء المسلمين، فينحني أمام مثل هذه الألفاظ "الحضارة الإنسانية، العالمية الفكرية، الانفتاح الثقافي، التفتح العقلي على العصر" إلى غير ذلك من شراك الألفاظ التي لا توصل إلَّا إلى ظلام الانحراف وهوان التبعية.
فنحن أمة أعزنا اللَّه بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا اللَّه، وما نعيشه اليوم من ذلة وهوان سببه هذه الشكوك والريب، والضعف الإيماني والزعزعة الاعتقادية، والانجراف خلف الأبواق الكاذبة والشعارات الخادعة، فيا ليت قومي يعلمون!!.
وفي المقابلة نفسها يطرح السائل على يوسف الخال هذا السؤال: (قرأت منذ فترة كتابًا للأب ميشال حايك يتصور فيه أنه لا يُمكن حل القضية
стр. 840
الفلسطينية إلا بتنصير المسلمين، على اعتبار أنهم يؤمنون مع المسيحيين بنزول المسيح لتخليصهم، كيف تتصور أنت من وجهة نظر مسيحية شرقية مستقبل القضية الفلسطينية في الوقت الذي يعتبر فيه كثير من المسيحيين، أن قيام إسرائيل هو نبوة إنجيلية؟) (١).
فأجاب الخال: (ليس من الضروري أن يتنصر العالم الإسلامي وهذا غير وارد، ولا يستطيع البت فيه إلا اللَّه، وكل ما يُمكن قوله أن الإسلام يجب أن يعاد تفسيره في ضوء معطيات الحضارة الإنسانية الواحدة) (٢).
أمّا أن يتحول العالم الإسلامي إلى عالم نصراني فهذا أمر يعلم الخال أنه لا يُمكن أن يقع، لكن الذي يريده، ويُمكن أن يقع أن يتم تذويب الإسلام، وصهر الإسلام في المفاهيم الوثنية والنصرانية والمادية تحت شعارات تفسيره في ضوء معطيات الحضارة، ويجب أن يلاحظ أنه يكرر لفظ الحضارة الإنسانية الواحدة، والتي سبق أن بين أنها حضارة الغرب النصراني.
ولقد استجاب لهذه الدعوات التي إشاعتها النصارى والملاحدة جملة من أبناء المسلمين، وخالطت هذه الشبهات شغاف قلوبهم فصاروا من دعاتها، وما أنباء حسن حنفي ونصر أبو زيد بخافية ولا مستورة، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولقد فطن صاحب كتاب "أسئلة الشعر" الذي أجرى هذه المقابلة -وهو حداثي معروف- إلى ما فطن إليه باروت من احتواء الحركة اللغوية والأدبية التي قام بها نصارى لبنان على المضامين النصرانية والعقائد والرسوم والرموز الإنجيلية، في التفاف مقصود على عقائد المسلمين، وتأصيل مرسوم لعقائد النصارى، فقال: (. . . كان أدباء هذه الحركة ونقادها يرسخون حركة التوصيل الأنجيلية على أربع مراحل، أولًا، باستعارة الألفاظ الأنجلية، ثانيًا،
стр. 841
باستعارة أسلوب الترجمة الأنجيلية، ثالثًا، بإفراغ اللغة من مدلولاتها القديمة وشحنها بمدلولات إنجيلية، رابعًا، بانهام كل ما يخالف هذه الحركة بالتقعر والحذلقة.
مرت التجربة الأنجيلية للتوصيل قبل تبني يوسف الخال لها، بجسر العلمنة وذلك عبر تجديد دم المعاجم، بعد استغلاق مدلولات المعاجم القديمة، وتعذر مراجعتها، ولقد خطأ معجم المنجد مسافة طويلة في هذا الحقل، مما أضاف على حركةة الأداء طغيانًا خارجيًا آخر) (١).
وأضاف المؤلف نفسه في الهامش: (للتيسير حذف المنجد في طبعته الأولى الشواهد الشعرية المعقدة، وللعلمنة حذف الشواهد القرآنية والحديثية، وبقيت مدلولات الألفاظ في معظم مواد المعجم بطبعته الأولى، محافظة على ذاكرتها الدلالية، مع شيء من التيسير والإضافات، ثم جاءت طبعات المنجد المتوالية، فهدت جسر العلمنة، وفتحت لمواد المعجم العربي، تلك الدلالات الإنجيلية الصرفة) (٢).
ويشير إلى دور مجلة شعر ودور يوسف الخال في نقل التجارب النصرانية إلى الشعر العربي، فيقول: (طرحت ولادة مجلة شعر على التوصيل أسئلة ذات خطورة تاريخية وفنية، لم يكتف يوسف الخال بنقل صيغة تجربة أليوت المسيحية إلى الشعر العربي، بل إنه أراد أن ينقل صيغة أليوت المسيحية للتصويل، وكان قمة هذه التجربة الإنجيلية تاريخيًا بالنسبة لحركة الحداثة التي حددت بداياتها بولادة مجلة شعر) (٣).
وأضاف قائلًا: (وكانت التجربة المسيحية بالنسبة ليوسف الخال خالقة ومدمرة في آن، فبقدر ما حققت الحركة صيرورتها ضمن الديمومة الإبداعية للتصور المسيحي الشرقي، وأكدت اتزانها في تجسيد ذاتها ضمن مجال
стр. 842
عدواني) (١).
ويذكر مؤلف أسئلة الشعر معطيات مقابلة أجراها مع الخال فيقول: (. . . لكن يوسف الخال، أسلوبًا ولغة وتجربة، كما يجب أن يحدد، كان أهم بكثير مما قاله عن نفسه في هذه المقابلة، فهو إبداعيًا، أول من اقترب بأسلوبه من أسلوب الترجمة الإنجيلية بشكل حميم ومؤثر في الآخرين، وأول من وضع تلك المفردات ذات المدلولات الإنجيلية الصرف في الشعر العربي الحديث، وأول من دخل إلى الإنجيل من الشعراء المحدثين ولم يخرج منه) (٢).
وهذا الذي وصّفه مؤلف أسئلة الشعر يدل على استقرار جيد، وذكاء وحذق، وإن كانت نظرته إلى هذه الإنجيلية عند يوسف الخال، نظرة حيادية من ناحية الغيرة الإسلامية والولاء والبراء، ولكن في أقواله وأسئلته للخال ما يدل على استشعاره القوي بقوة الاتجاه النصراني، وما يتضمنه ذلك من مخاطر ثقافية -هكذا في حسابه- وفي شهادته على هذا الاتجاه -وهو حداثي محب للحداثة- ما يجعل القول في هذه القضية من الأمور المؤكدة الثابتة التي لا مراء فيها ولا امتراء.
وفي مقابلة أخرى أجراها جهاد فاضل مع يوسف الخال، يؤكد الخال أن توفيق صايغ ثم خليل حاوي ثم بدر ثم صلاح عبد الصبور يحتلون أهمية كبرى، ثم يبين سبب هذه الأهمية التي وشحهم إياها فيقول: (إن أهمية الأربعة أنهم "دقوا" بهذه المواضيع الكبرى هذه: الوجودية، وما وراء الطبيعية والوجود والإنسان، واللَّه والخلق والصلب والقيامة، خذ الحلاج عند عبد الصبور، لقد أراد أن يخلق "مسيحًا" في التراث الإسلامي، على الطريقة التي لدينا نحن المسيحيين كان الحلاج عنده "مسيح" الإسلام في الأخير الأخير) (٣).
стр. 843
ثم يتحدث عن الرمز الوثني الفينيقي "تموز" ويرى أن استخدام هذه الأسطورة هو من أجل معاني إنجيلية نصرانية فيقول: (. . . وتجسد هذه الأسطورة السامية عملية الصلب والقيامة عند المسيح) (١).
وهكذا يتضح تداخل المقاصد والرموز الوثنية والنصرانية، في محاولة محو هوية هذه الأمة النبيلة.
بل لقد أباح الخال بمكنون سر حركة شعر حين قال: (. . . إن عملية مجلة شعر كانت عملية تبشيرية رسولية أكثر من أي شيء آخر) (٢).
وقد خصص باروت في قضايا وشهادات جزءًا من مقال طويل عن تجربة شعر بعنوان (محاولة يوسف الخال في صياغة "نظرية الحداثة") يذكر فيه أن سبب جمود العرب أنهم لم يأخذوا التراث الإغريقي والروماني والنصراني، وأنه بسبب تركهم لهذا التراث الذي يقدسه الخال راح العرب في سبات مظلم عميق استمر ألفًا من السنين، ويرى أن العقل العربي في جوهره عقل إغريقي غربي مثله في ذلك مثل طه حسين (٣).
ويرى ناقد حداثي آخر أن المستوى الفكري الذي استوت في قراره مجلة شعر ويوسف الخال وأنسي الحاج هو الاتجاه اليميني، وهو تعبير سياسي يقصد به المتدين بدين ما، وبالطبع فقد كان الحاج والخال نصرانيان، والاتجاه الثاني هو اتجاه التغرب والدعوة إلى الغرب (٤).
وفي موضع آخر يرى بصراحة أن (التراث الذي يؤمن به شعراء تجمع شعر فهو تراث المراحل الوثنية والمسيحية التي مرت على المشرق العربي بل الهلال الخصيب على وجه التحديد، وهم يفصلون هذا التراث عن التراث العربي فصلًا تعسفيًا مقصودًا فكأنه ليس منه، وهذا هو الآخر واضح في
стр. 844
أشعارهم كما هو واضح في كتاباتهم النثرية) (١).
وقد فطن هذا الناقد الحداثي إلى دعوة الخال ومجموعة "شعر" إلى التراث الإنساني، وبين -مثلما ذكرنا آنفًا- أن مرادهم به التراث الأوروبي أو التراث الغربي بوجه عام.
ثم قال: (وعلى الرغم مما يبدوا على هذا المفهوم من "إنسانية" أو "شمولية" فإنه ينطلق أصلًا من نزعة ضيقة تعتمد الوثنية والمسيحية ثراثًا لها وتهمل ما عداهما، بل هي نزعة تقوم أساسًا على توثين المسيحية، أو التوحيد بينها وبين الوثنية، وأبرز من يؤمن بهذا المفهوم يوسف الخال، وقد حاول أدونيس الدفاع عن هذه النزعة وتبريرها في مقدمة المختارات التي أعدها من شعر يوسف الخال فما أفلح) (٢).
وهذه المختارات التي ذكر أن أدونيس ألفها عن الخال كان عنوانها "فاتحة التجربة المسيحية في الشعر العربي" (٣)، ولم أجدها ولم أطلع عليها رغم الحاجة إليها في هذا المبحث.
وفي المقابلة التي أجراها معه الكاتبان الغربيان مؤلفًا كتاب رأيهم في الإسلام وصفاه بقولهم: (ويشارك هذا الكاتب البروتستنتي بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة منذ خمسة عشر عامًا. . .) (٤).
ويتحدث الخال عن رأيه في الدين ويرى أن (الثقافة العربية وليدة تفاعل دائم بين مختلف الأديان، ولا يصح وصفها بالإسلامية، أم (٥) بالمسيحية أم (٦) بالملحدة، فهي كما كانت دومًا حصيلة جهود أديان شتى، إذ عمد الأدباء في زمن غابر، إلى كتمان انتمائهم لدين أو لآخر، هذا ولم تفصح عنه أعمالهم، خصوصًا تلك التي تقتدي بروائع القدامى كالجاحظ
стр. 845
والمتنبي وأبي تمام، وقد اعتمدوا فيها أسلوبًا وصفيًا خارجيًا دون الإيماء إلى دين انتمائهم، لم يكن ذلك بالمسلك السليم، فالحقيقة تقضي بإفصاح الكاتب أو الشاعر في العمل الإبداعي عن رؤيته للعالم والوجود من خلال إيمانه، ولا يجوز أن يخشى الادعاءات والاتهامات الكاذبة: بالفئوية ومحاربة الإسلام، الموجهة ضد المسيحيين أو غير المسلمين، إذا ما هم أعلنوا للملأ اعتناقهم دين (١) ما تعرضنا لهذه الاتهامات يوم أسسنا حركتنا الشعرية فنعتنا بالفئويين لأننا استعنا برموز وأساطير سابقة للإسلام، فصرنا على ألسن أصحاب النميمة، أعداء (٢) للتراث الإسلام، فمحاولة حجب صورة التعددية الدينية والمذهبية عن أنظار العالم والتاريخ، وحرمانها من وسائل التعبير وطمس معالمها، تجعل الأدب العربي على جانب من السطحية. . .) (٣).
هنا يعترف بتأثير الدين، ولكنه يدخل سراديب المغالطات والأكاذيب حين يزعم أن الثقافة العربية وليدة أديان مختلفة منها النصرانية وهي المقصد من كلامه، ثم يكذب حين يدعي -لتبرير زعمه ومغالطته- أن الأدباء العرب القدامى كانوا على غير ملة الإسلام، ولكنهم تخفوا بذلك، وأنه لا يوجد في كلامهم الإيماء إلى الدين الذي ينتمون إليه، وهذه كذبة من أكبر الأكاذيب، ويُمكن طالب علم صغير أن يدلل على هذا الكذب من كتب الجاحظ ومن شعر المتنبي وأبي تمام، ولكن ليس بعد الكفر ذنب، وهكذا تحمل الأحقاد الدينية صاحبها على التجانف للكذب والظلم والعدوان، وهذا دليل ضعف الباطل وهشاشة حجته، وسقوط أدلته.
ثم يعود ليدندن على قضية التعددية وقد بينا سابقًا كيف حصر الثقافة الإنسانية والحضارة الإنسانية في النتاج الأوربي الذي ينبثق -عنده- من النصرانية، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
وفي سياق كلامه يذكر أن ازدهار العرب الفاتحين لا قطار الهلال