← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

باستعارة أسلوب الترجمة الأنجيلية، ثالثًا، بإفراغ اللغة من مدلولاتها القديمة وشحنها بمدلولات إنجيلية، رابعًا، بانهام كل ما يخالف هذه الحركة بالتقعر والحذلقة. مرت التجربة الأنجيلية للتوصيل قبل تبني يوسف الخال لها، بجسر العلمنة وذلك عبر تجديد دم المعاجم، بعد استغلاق مدلولات المعاجم القديمة، وتعذر مراجعتها، ولقد خطأ معجم المنجد مسافة طويلة في هذا الحقل، مما أضاف على حركةة الأداء طغيانًا خارجيًا آخر) (١). وأضاف المؤلف نفسه في الهامش: (للتيسير حذف المنجد في طبعته الأولى الشواهد الشعرية المعقدة، وللعلمنة حذف الشواهد القرآنية والحديثية، وبقيت مدلولات الألفاظ في معظم مواد المعجم بطبعته الأولى، محافظة على ذاكرتها الدلالية، مع شيء من التيسير والإضافات، ثم جاءت طبعات المنجد المتوالية، فهدت جسر العلمنة، وفتحت لمواد المعجم العربي، تلك الدلالات الإنجيلية الصرفة) (٢). ويشير إلى دور مجلة شعر ودور يوسف الخال في نقل التجارب النصرانية إلى الشعر العربي، فيقول: (طرحت ولادة مجلة شعر على التوصيل أسئلة ذات خطورة تاريخية وفنية، لم يكتف يوسف الخال بنقل صيغة تجربة أليوت المسيحية إلى الشعر العربي، بل إنه أراد أن ينقل صيغة أليوت المسيحية للتصويل، وكان قمة هذه التجربة الإنجيلية تاريخيًا بالنسبة لحركة الحداثة التي حددت بداياتها بولادة مجلة شعر) (٣). وأضاف قائلًا: (وكانت التجربة المسيحية بالنسبة ليوسف الخال خالقة ومدمرة في آن، فبقدر ما حققت الحركة صيرورتها ضمن الديمومة الإبداعية للتصور المسيحي الشرقي، وأكدت اتزانها في تجسيد ذاتها ضمن مجال

стр. 842

عدواني) (١). ويذكر مؤلف أسئلة الشعر معطيات مقابلة أجراها مع الخال فيقول: (. . . لكن يوسف الخال، أسلوبًا ولغة وتجربة، كما يجب أن يحدد، كان أهم بكثير مما قاله عن نفسه في هذه المقابلة، فهو إبداعيًا، أول من اقترب بأسلوبه من أسلوب الترجمة الإنجيلية بشكل حميم ومؤثر في الآخرين، وأول من وضع تلك المفردات ذات المدلولات الإنجيلية الصرف في الشعر العربي الحديث، وأول من دخل إلى الإنجيل من الشعراء المحدثين ولم يخرج منه) (٢). وهذا الذي وصّفه مؤلف أسئلة الشعر يدل على استقرار جيد، وذكاء وحذق، وإن كانت نظرته إلى هذه الإنجيلية عند يوسف الخال، نظرة حيادية من ناحية الغيرة الإسلامية والولاء والبراء، ولكن في أقواله وأسئلته للخال ما يدل على استشعاره القوي بقوة الاتجاه النصراني، وما يتضمنه ذلك من مخاطر ثقافية -هكذا في حسابه- وفي شهادته على هذا الاتجاه -وهو حداثي محب للحداثة- ما يجعل القول في هذه القضية من الأمور المؤكدة الثابتة التي لا مراء فيها ولا امتراء. وفي مقابلة أخرى أجراها جهاد فاضل مع يوسف الخال، يؤكد الخال أن توفيق صايغ ثم خليل حاوي ثم بدر ثم صلاح عبد الصبور يحتلون أهمية كبرى، ثم يبين سبب هذه الأهمية التي وشحهم إياها فيقول: (إن أهمية الأربعة أنهم "دقوا" بهذه المواضيع الكبرى هذه: الوجودية، وما وراء الطبيعية والوجود والإنسان، واللَّه والخلق والصلب والقيامة، خذ الحلاج عند عبد الصبور، لقد أراد أن يخلق "مسيحًا" في التراث الإسلامي، على الطريقة التي لدينا نحن المسيحيين كان الحلاج عنده "مسيح" الإسلام في الأخير الأخير) (٣).

стр. 843

ثم يتحدث عن الرمز الوثني الفينيقي "تموز" ويرى أن استخدام هذه الأسطورة هو من أجل معاني إنجيلية نصرانية فيقول: (. . . وتجسد هذه الأسطورة السامية عملية الصلب والقيامة عند المسيح) (١). وهكذا يتضح تداخل المقاصد والرموز الوثنية والنصرانية، في محاولة محو هوية هذه الأمة النبيلة. بل لقد أباح الخال بمكنون سر حركة شعر حين قال: (. . . إن عملية مجلة شعر كانت عملية تبشيرية رسولية أكثر من أي شيء آخر) (٢). وقد خصص باروت في قضايا وشهادات جزءًا من مقال طويل عن تجربة شعر بعنوان (محاولة يوسف الخال في صياغة "نظرية الحداثة") يذكر فيه أن سبب جمود العرب أنهم لم يأخذوا التراث الإغريقي والروماني والنصراني، وأنه بسبب تركهم لهذا التراث الذي يقدسه الخال راح العرب في سبات مظلم عميق استمر ألفًا من السنين، ويرى أن العقل العربي في جوهره عقل إغريقي غربي مثله في ذلك مثل طه حسين (٣). ويرى ناقد حداثي آخر أن المستوى الفكري الذي استوت في قراره مجلة شعر ويوسف الخال وأنسي الحاج هو الاتجاه اليميني، وهو تعبير سياسي يقصد به المتدين بدين ما، وبالطبع فقد كان الحاج والخال نصرانيان، والاتجاه الثاني هو اتجاه التغرب والدعوة إلى الغرب (٤). وفي موضع آخر يرى بصراحة أن (التراث الذي يؤمن به شعراء تجمع شعر فهو تراث المراحل الوثنية والمسيحية التي مرت على المشرق العربي بل الهلال الخصيب على وجه التحديد، وهم يفصلون هذا التراث عن التراث العربي فصلًا تعسفيًا مقصودًا فكأنه ليس منه، وهذا هو الآخر واضح في

стр. 844

أشعارهم كما هو واضح في كتاباتهم النثرية) (١). وقد فطن هذا الناقد الحداثي إلى دعوة الخال ومجموعة "شعر" إلى التراث الإنساني، وبين -مثلما ذكرنا آنفًا- أن مرادهم به التراث الأوروبي أو التراث الغربي بوجه عام. ثم قال: (وعلى الرغم مما يبدوا على هذا المفهوم من "إنسانية" أو "شمولية" فإنه ينطلق أصلًا من نزعة ضيقة تعتمد الوثنية والمسيحية ثراثًا لها وتهمل ما عداهما، بل هي نزعة تقوم أساسًا على توثين المسيحية، أو التوحيد بينها وبين الوثنية، وأبرز من يؤمن بهذا المفهوم يوسف الخال، وقد حاول أدونيس الدفاع عن هذه النزعة وتبريرها في مقدمة المختارات التي أعدها من شعر يوسف الخال فما أفلح) (٢). وهذه المختارات التي ذكر أن أدونيس ألفها عن الخال كان عنوانها "فاتحة التجربة المسيحية في الشعر العربي" (٣)، ولم أجدها ولم أطلع عليها رغم الحاجة إليها في هذا المبحث. وفي المقابلة التي أجراها معه الكاتبان الغربيان مؤلفًا كتاب رأيهم في الإسلام وصفاه بقولهم: (ويشارك هذا الكاتب البروتستنتي بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة منذ خمسة عشر عامًا. . .) (٤). ويتحدث الخال عن رأيه في الدين ويرى أن (الثقافة العربية وليدة تفاعل دائم بين مختلف الأديان، ولا يصح وصفها بالإسلامية، أم (٥) بالمسيحية أم (٦) بالملحدة، فهي كما كانت دومًا حصيلة جهود أديان شتى، إذ عمد الأدباء في زمن غابر، إلى كتمان انتمائهم لدين أو لآخر، هذا ولم تفصح عنه أعمالهم، خصوصًا تلك التي تقتدي بروائع القدامى كالجاحظ

стр. 845

والمتنبي وأبي تمام، وقد اعتمدوا فيها أسلوبًا وصفيًا خارجيًا دون الإيماء إلى دين انتمائهم، لم يكن ذلك بالمسلك السليم، فالحقيقة تقضي بإفصاح الكاتب أو الشاعر في العمل الإبداعي عن رؤيته للعالم والوجود من خلال إيمانه، ولا يجوز أن يخشى الادعاءات والاتهامات الكاذبة: بالفئوية ومحاربة الإسلام، الموجهة ضد المسيحيين أو غير المسلمين، إذا ما هم أعلنوا للملأ اعتناقهم دين (١) ما تعرضنا لهذه الاتهامات يوم أسسنا حركتنا الشعرية فنعتنا بالفئويين لأننا استعنا برموز وأساطير سابقة للإسلام، فصرنا على ألسن أصحاب النميمة، أعداء (٢) للتراث الإسلام، فمحاولة حجب صورة التعددية الدينية والمذهبية عن أنظار العالم والتاريخ، وحرمانها من وسائل التعبير وطمس معالمها، تجعل الأدب العربي على جانب من السطحية. . .) (٣). هنا يعترف بتأثير الدين، ولكنه يدخل سراديب المغالطات والأكاذيب حين يزعم أن الثقافة العربية وليدة أديان مختلفة منها النصرانية وهي المقصد من كلامه، ثم يكذب حين يدعي -لتبرير زعمه ومغالطته- أن الأدباء العرب القدامى كانوا على غير ملة الإسلام، ولكنهم تخفوا بذلك، وأنه لا يوجد في كلامهم الإيماء إلى الدين الذي ينتمون إليه، وهذه كذبة من أكبر الأكاذيب، ويُمكن طالب علم صغير أن يدلل على هذا الكذب من كتب الجاحظ ومن شعر المتنبي وأبي تمام، ولكن ليس بعد الكفر ذنب، وهكذا تحمل الأحقاد الدينية صاحبها على التجانف للكذب والظلم والعدوان، وهذا دليل ضعف الباطل وهشاشة حجته، وسقوط أدلته. ثم يعود ليدندن على قضية التعددية وقد بينا سابقًا كيف حصر الثقافة الإنسانية والحضارة الإنسانية في النتاج الأوربي الذي ينبثق -عنده- من النصرانية، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت. وفي سياق كلامه يذكر أن ازدهار العرب الفاتحين لا قطار الهلال

стр. 846

الخصيب كان بسبب تأثرهم بحضارات تلك البلاد (١). ثم ينتصب مفتخرًا بملته وأهل ملته قائلًا: (. . . وكانت أولى اليقظات في مصر، مع توافد المبشرين الكاثوليك والبروتستنت وإنشائهم المطابع والمدارس) (٢). وباختصار نلمس التعصب النصراني في أقوال يوسف الخال تعصبًا جعله، يغالط الحقائق، وينسب الفضل إلى غير أهله، وينزع الفضل والمجد عن أهله وذويه. عصبية نصرانية تتخذ من الأدب الحديث رداءً لها، ومن التجديد الفكري والثقافي جنة لتبث عقائد المغضوب عليهم والضالين، ونسعى في تخريب عقائد أبناء المسلمين، وسحبهم من النور إلى غياهب الظلمات. وإذا ذهبنا إلى ديوان الخال لتتبع ما فيه من رموز وأسماء صليبية لوجدنا الكثير الذي يطول الكلام بذكره، فقد غص ديوانه بالمضامين النصرانية، وفاض بعبارات الخلاص والخطيئة والتثليث والتكفير والصلب والصليب وبأسماء نصرانية مأخوذة من الإنجيل المحرف (٣). وقد درس النصراني القبطي غالي شكري بعض شعر الخال وخاصة البئر الأولى وفي آخر دراسته قال: (هذا شاعر مسيحي استطاع أن يجعل من إيديولوجيته شعرًا) (٤). ٢ - توفيق صايغ: نصراني فلسطيني، تنقل بين أمريكا وبيروت واتخذ الحداثة سلمًا لعقائده وأفكاره.

стр. 847

ولد وتربى في أسرة نصرانية متدينة (١) لها علاقة وطيدة بالأمريكان من وقت قديم، ولها صلة بالمبشرين الأمريكان (٢). وأمه تربت على يد المنصرة الأمريكية "س فورد" (٣). درس في الكلية العربية في القدس عام ١٣٥٥ هـ/ ١٩٣٧ م، وتخرج فيها، وهي الكلية التي أنشأها الانتداب البريطاني، ومن تلامذتها نقولا زيادة ومعروف الرصافي وإحسان عباس وجبرا إبراهيم جبرا (٤). ثم درس توفيق الصايغ عام ١٣٦٠ - ١٣٦٢ هـ/ ١٩٤٢ - ١٩٤٣ في الكلية الأسقفية (٥)، ثم عاد إلى القدس يدرس الأدب العربي (٦). يرتبط توفيق صايغ بالغرب قلبًا وقالبًا، ويدافع عن الاستعمار، ويتهم الأدب الفلسطيني بالتخلف لعدم انفتاحه على الأدب العالمي، ومراده -مثل الخال- الأدب الأوروبي، ولا يرى في الأدب والثقافة المنبثقة من الإسلام أي شيء يستحق الذكر، ثم يرد سبب وقوع فلسطين في هذا التخلف إلى (الاستعمار الثقافي الذي فرضته علينا مصر فأعمت بصائرنا) (٧). فهو يدافع عن الاستعمار البريطاني، ويصف الحكم الإسلامي الذي كان يمتد من مصر إلى فلسطين وغيرها يصفه بالاستعمار، وهذا من أثر نصرانيته المكشوفة، إذ يعتبر أبناء ملته من نصارى الغرب أهل نهضة وسبب نهضة وتقدم، ويعتبر حكم المسلمين تخلفًا واستعمارًا. كيف لا وقد تربى منذ نعومة أظفاره على الإنجيل، وكتب عن ذلك مقالًا وهو في الثامنة والعشرين من عمره بعنوان "الشاعر الأول" و (تكمن

стр. 848

أهمية المقال في رؤية صاحبه الآخذة من الأناجيل، الشاعر الأول في نظره هو رجل الدين الأول. . .) (١). ومن أقواله في هذا المقال: (عودوا إلى ما في التوراة من قصص أفعمت روعة فنية خالدة. . . أو اقرأوا الأناجيل وما فيها من قصص حلوة وسرد للوقائع موفق، وترجمة لحياة امتازت من التراجم كافة، عودوا لما فيها من أمثال قصصية وتعاليم مصورة ملونة، أضحت المثال الأول لهذا الضرب من الأدب في كل العصور) (٢). وقد تأثر نتاجه الأدبي والفكري بعقيدته حتى وهو في أحط درجات ماديته، ففي حديثه عن عشيقته (كاي) يصفها بأنها: (تجعل اصطياد الرجال أكثر من هواية لها. . . أليست تُرى بتكريسها ذاتها هذه أنها إنَّما تأتمر بأمر المسيح الذي حرض تلاميذه على اصطياد الرجال؟ أليست تُرى أنها أيضًا وفوق هذا إنَّما تقتدي بالمسيحي اقتداءً أمثل، فتفعل ما فعل هو، وتحاكيه في تنقله من موضع لموضع، من بحيرة لجبل، ومن مزود لخشبة، ومن عشارين وزناة لرجال هيكل وقضاة، كيما يصطاد رجاله؟. - لو عرفتَك يا يسوع، أما كانت تبعتك حيث ذهبت، أما كنت جلست على قدميك، أما بوستهما، أما تمسمرت بك كما لم تتمسمر بصليب لأنك حلو ولأنك ممتنع؟) (٣). صلى اللَّه وسلم على نبيه عيسى بن مريم، ولعن اللَّه الذين كفروا، الذين يزعمون أنه صلب، وما صلب، والذين يشبهون خديناتهم العاهرات بالنبي الكريم ﵊. وفي آخرته بعد فضيحة حوار، وانكشاف عمالته للمخابرات الأمريكية، يدافع عن نفسه في مجلة الأسبوع العربي، ثم يختم دفاعه بجملة نصرانية تافهة تدل على مدى تأصل النصرانية في دمه حتى وهو يدعي التخطي والتجاوز، والبعد عن التقليدية، يقول: (أؤمن بقول المسيح: "ليس من

стр. 849

قال: يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات") (١). سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، واللَّه ما قال هذا عيسى ابن مريم ﵊، وهو الموحد القائل: ﴿. . . إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ (٢). أما زعم النصارى الضالين أن اللَّه أبًا في السماء فهذا من الكفر الذي لا يعتقده موحد ولا يقوله مؤمن، وكان عيسى ﵊ سيد الموحدين وأعظم المؤمنين في زمنه، وإذا ذهبنا إلى ديوان الصائغ لنرى ما فيه من رموز، نجد أنه قد حشده بكم هائل من الرموز والأسماء والعقائد الإنجيلية النصرانية مثل الثالوث (٣)، وقوله: (حب يسوع يلفظ البركة) (٤)، وتكرار لفظ: الصلب، والصليب (٥)، والنواقيس (٦)، والكنيسة (٧)، وقوله عن اللَّه مثلما تقوله النصارى: (وامسح بالدخان أنفاس رب أب) (٨)، وألفاظ البراءة والمعمودية (٩)، والخلاص (١٠) وتابوت العهد ومريم (١١) والدير (١٢) والقديس (١٣).

стр. 850

وله مقطع مليء بالمضامين والأفكار والعقائد النصرانية بعنوان "أربع أغنيات لا حب" يقول فيه: (مسيحي الدفين، انهضن مزق الأكفان لون الوجنتين واتركن ديار الصقيع. . . وحنقًا مسيحي عليك لماذا هرعت للغناء وكنت تخطو نحو محبيك وئيدًا وعانقت الصليب. . . عراة من غيرك معدمين رفعنا رايتك وختمتنا بشارتك. . . مسيحي الدفين، انهضن مسيحي الشريد، عد ناديتني قدمًا، فجئتك بلا تردد) (١). ثم يختم المقطع بخطاب للَّه تعالى يصفه بأنه استراح يوم السبت كما تقول الخرافة اليهودية، تعالى اللَّه عما يقولون. وفي مقطع آخر يقول:

стр. 851

(وكنت استفيق ارتمي على قدمي المسيح اسقيهما بدموعي امسحهما بشعر رأسي أحاول أن أخضع ثورتي أفلت زمامها من يدي بالصلاة بصوم أسبوع بكامله) (١). هذه بعض نصرانيات توفيق صائغ الذي تميز على كثير من الحداثيين بركاكة أسلوبه، وتفاهة شعره -حسب تسميتهم- والتفكك الظاهر فيه، والعجمة والجهل الضارب بأطنابه في أقواله. ٣ - جبرا إبراهيم جبرا: نصراني من فلسطين. تربى في الكنيسة منذ صغره (٢)، ودرس في مدرسة الروم الأرثوذوكسيين (٣)، ثم في مدرسة السريان الكاثوليك (٤)، وعاش أجواء الكنيسة وألحانها وتراتيلها السريانية وغيرها، وتقلب بين أيدي الكهنة والشمامسة (٥)، ودرج على ذكر الصليب وأحزانه المريرة، ورؤية تمثال المسيح ﵊ وهو مصلوب والدم ينزف من كفيه وخاصرته وقدميه (٦)، ومارس طقوس الكنيسة من صيام ودعاء، وأدى مع أهلها طقوس

стр. 852

العبادات المختلفة واحتفل معهم بعيد الفصح وعيد القيامة (١)، وفي بيت لحم تقلب بين الأديرة العديدة، التي كانت تذكرة بالصراع بين المسلمين وقومه النصارى من زمان فتح القسطنطينية إلى الحروب الصليبية إلى عهد الانتدابين البريطاني والفرنسي (٢). استمع وصايا الرهبان وتعلم على أيديهم الكثير حتى قال: (صعبة كانت وصايا أبي -يقصد الراهب- ولكنني لم أنسها قط) (٣). ولم ينس جبرا وصايا الرهبان حتى وقد تقلب كثيرًا في مراتع متغايرة، ثم استقر في مدارس الغرب المادية الخشيبة، ليعود إلى بلاد العرب بلاد المسلمين يبشر بالأفكار والمذاهب والمناهج الحديثة التي تلقاها، ولكنه لم يتخلى عن وصايا أبيه الراهب. يقول تحت عنوان "ما رجيروم في بيت لحم": (في القبو الفاغر شدقيه على خد السماء جلستَ مليئًا بالأيام والأسفار عبر أروقة روما وبيزنطية وقد هجعت بين جنبيك أخيرًا رياح فسلفات أثينا وانطاكيا وبيروت وأنت في القبو على مدى خطوتين من مذودٍ ولد فيه للدنيا عصر جديد

стр. 853

سنة إثر سنة في قبوك بين الكتب وعلى قدميك تراب قدسه دم المصلوب وبعض شذى من زهور سُقيت في الليل أغاني الملائكة. . . كسرة خبز من بلدة الخبز تكفيك وكوز ماءٍ من عين، لعل الناصري غسل وجهه ذات يوم قائظ بدمعها يومًا بعد يوم سمعتَ التراتيل في الوادي الخصيب، وها هي ذي لما تنزل تملأ القبور المغارة قرنًا بعد قرن. . . انطلاقة الهنيهة إلى الأزل ذلك صوتك الدافق في القبو العتيق غضوبًا عارمًا بحبه، مرددًا قصة فداء إله للبشر) (١). هذه مقطوعة كنسية صارخة يتحدث فيها صاحبها عن "الممدوح النصراني" ويصفه بالعلم والحكمة والعمق؛ لأنه في بيت لحم قد تلقى النور في ذلك القبو القريب من المذود الذي ولدت مريم فيه عيسى عليهما الصلاة والسلام -حسب ما جاء في قصص الإنجيل- ولأنَّه يسير على تراب قدّسه دم عيسى ﵊، الذي ينعته بالمصلوب، وفق الخرافة النصرانية، ويشرب من عين ماء لعل عيسى الناصري ﵊ غسل وجهه فيها، ثم يقرر أن هذا كله من أجل لحظة زمن تنطلق نحو

стр. 854

الأزل، وحقيقة ثابتة تستمر ولا تنقطع؛ لأنه يردد قصة فداء الإله للبشر، ويقصد به عيسى ﵊ كما هو التعبير الشركي النصراني. من هذا المقطع ترى عمق الاتجاه النصراني وقوته عند جبرا بل واعتزازه وافتخاره به، الأمر الذي جعله يصف المقصود بالمدح بهذه الأوصاف الكنسية، التي لا تخطر إلّا على قلب قسيس عميق الإيمان بدينه. وحين يريد جبرا أن يصور مذبحة حصلت في دير ياسين حين ألقى العدو جثث الذبيحات في بئر القرية، لا ينسى أن يلحق بالأوصاف الحداثية عقيدة نصرانية، يلقيها بطريقة تلقائية تظهره في ثوب البراءة، ليلتقط ذلك من يلتقطه من أبناء المسلمين فيعبر بالتعبير نفسه أو بما يقاربه، وسوف نذكر نماذج لذلك. يقول جبرا: (أجفت العناقيد من حولها واحترق القمح واندلقت قراب الزيت على بديد الحجارة؟ وعليها صلب عيسى من جديد؟) (١). وعباراته ومضامينه من هذا الجنس عديدة: صلب وصليب (٢)، وكنائس شواهق (٣)، ومسيح (٤)، وغير ذلك. وفي الجملة فإن ديوانه الذي لا يتجاوز ٢٦٠ صفحة ينضح بالعقيدة النصرانية والرموز النصرانية وهو القائل يصف نفسه ومبادئه: (عشتُ مع المسيح

стр. 855

ومت معه وبعثتُ) (١). (إن الحب وردة انتضت سيفًا مسيحٌ على الجبل من غير موعظة) (٢). ولا ينسى أن يؤنس نفسه وأهل ملته بالبشارة، ويدفع فيهم محبة العمل للتنصير والدعوة إليه فيقول: (ألهذا رأينا الرؤى ورضينا بشفائها، إيمانًا بها؟ ألهذا حملنا الصليب من أفق إلى أفق مؤمنين بأن بعد الصلب، القيامة؟) (٣). والمراد بالقيامة في المصطلح النصراني قيام المسيح وعودته وهي بشرى يتداولها النصارى، في سياق تبشيرهم بانتصار دينهم المحرف، ولا يعلم الضالون أن عودة المسيح بن مريم ﵊ ستكون حكمًا بالإسلام ودعوة إليه، وجهادًا على طريق التوحيد، وكسرًا للصليب، وقتلًا للخنزير، وسيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون. ولم يتجاوز جبرا حد عقيدته النصرانية المحرفة قيد أنملة حين وصف خليل حاوي النصراني الآخر بقوله: (كان خليل ينتمي إلى الفترة التموزية التي كان في أساسها غضب وتمرد، ولكن في الوقت نفسه الأمل في أنك إذا ضحيت بنفسك، وجدت نفسك، فالفداء لا شك يؤدي إلى حياة جديدة،

стр. 856

أن الموت هو كموت المسيح، يؤدي إلى حياة خالدة للجميع. . .) (١). هذه ثلاثة نَماذج من أسماء النصارى العرب الحداثيين الذين طالت جعجعاتهم حول نبذ القديم وتجاوز المألوف، ولكنهم ما أرادوا بذلك إلّا الإسلام، أمّا دينهم فلم يبارحوه، بل خدموه ونصروه وآزروه. وهناك آخرون مئل أنسي الحاج الذي (وقع. . . كما وقعت جماعة شعر، من خلال التجربة الإنجيلية للتوصيل، فيما يسمى بتناقض العواطف تجاه الذاكرة الشعرية، فلقد أعطى بعضهم للحركة معنى دينيًا، وزيف بذلك كثيرًا من القيم الإبداعية التي تفرضها الحركة. . .، لقد دفعها موقفها هذا إلى تلفيق مفهومات متناقضة تجاه الذاكرة الشعرية، فبينما كانت نظريًا تحنق على هذه الذاكرة بوجهها العربي القديم؛ لأنها تشكل طغيانًا على الحركة، وعقبة أمام التجربة الجديدة واللغة الجديدة والأسلوب الجديد، كانت عمليًا تغور في أبعد عمق لهذه الذاكرة عن طريق التجربة الإنجيلية. . .، راح التيار النقلي الجديد يحاول اقتناص حركة التوصيل من الداخل، لتقريبها من أسلوب الترجمة الإنجيلية) (٢). وعلى الرغم مما في هذا الكلام من تجني على التراث واللغة العربية واعتبارها عائقًا من عوائق التجديد والتحديث، حسب مزاعم الحداثيين عمومًا، إلّا أن فيه الحقيقة الناصعة حول محاولات تنصير الأدب العربي الحديث من قبل نصارى الحداثة. لقد حمل أنسي الحاج الدعوة إلى النصرانية والتغريب وتشبث بأطراف التحرر الفكري والإنسانية الثقافية (٣).

стр. 857

وهو القائل في تعريف الشاعر: (إن الشاعر الحر هو النبي والعراف والإله) (١)، وهذا يوافق الاعتقاد النصراني القائل باختلاط اللاهوت بالناسوت في شخص عيسى ﵇ (٢)، ومنهم أميل حبيبي النصراني الفلسطيني الشيوعي المؤسس مع مجموعة من اليهود الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح" والمتفاخر بحصوله على الجنسية الإسرائيلية، والعضو في الكنيست الإسرائيلي (٣). يقول عنه مؤلفا كتاب رأيهم في الإسلام -في معرض الامتداح له-: (يتوجه هذا الكاتب المسيحي إلى الفلسطينيين وهم عائلته الكبرى، بتعابير دينية كالخطيئة، أو ليس الرحيل خطيئة، كما أن البقاء خطيئة "في ازدواجية التفاؤل والتشاؤم" فهل من غنى عن خطيئة قد تأتي بالحلول) (٤). وفي المقدمة التي كتبها والمقابلة التي أجريت معه في هذا الكتاب تجد أن ينكر وأد البنات في الجاهلية وينكر شرب الخمر وأكل الخنزير، لينقض من طرف خفي آيات القرآن الناهية عن ذلك، ثم يسخر بالحجاب للنساء (٥). ويعبر في افتخار واعتزاز قائلًا: (أدهشني إعجاب القراء العرب واليهود بنتاجي) (٦). ثم يتهجم على الإسلام وأحكامه من منطلق نصراني حاقد قائلًا: (لو كان في الشريعة الإسلامية أحكام كفيلة بإنشاء دولة وإدارة دولة عصرية لتحقق الحلم، وفي الواقع لم يتحقق. . . .

стр. 858

بالنسبة إليَّ الدين شأن شخصي، وعند تخطيه هذا الحد يصبح شعارًا. . .، نحن العرب في الأرض المحتلة نرفض النضال باسم الدين) (١). ومنهم رشيد الضعيف النصراني اللبناني الذي يردد (لا ثقة لدي ولا يقين) ويرفض الدين ويستشهد على قيمة الشهادة بنص من أقوال المسيح المنسوبة إليه في الإنجيل (٢). ومنهم النصراني القبطي المتعصب أدوار الخراط الذي اهتم بشكل قوي ومركز بالوصف المستفيض الذي قل مثيله لطباع وعادات الأقباط وتاريخهم (٣). وقال عن نفسه: (ولجت في بداية الأربعينات ميدانًا جديدًا في الأدب الاجتماعي المصري، إلّا وهو الوسط القبطي، فاخترقته أو حاولت إظهار ميزاته وعاداته وتقاليده، وإن لم أكن الوحيد فإني ولا ريب صاحب المبادرة، وهو ميدان أعرض عنه الأدباء، أمّا عن قصد، وإن [كذا] بطبيعة الحال لقلة المسيحيين بينهم في مصر. . . . إن وصف المجتمعات القبطية ليس بالعمل السهل إنّما مغامرة تستوجب جهودًا جبارة يقول البعض، ومسعى مشكور "كذا" ومحاولة جريئة برأي البعض الآخر) (٤). ثم يصف رواد النهضة الذين تبنوا اللبرالية الغربية ويذكر منهم سلامة موسى ويخصه بأنه قبطي (٥). ثم يهاجم ما يسميه التوجيهات الدينية التقليدية المتمثلة في الإخوان المسلمين (٦)، ويهاجم التيار الأصولي -حسب تعبيره- ثم يقول: (بديهي أن

стр. 859

يرفض الأقباط في مصر، التيار الإسلامي الأصولي، فمقررات المجتمع الكنسي المقدس في كانون الثاني/ يناير ١٩٧٧ استنكرت وأدانت عقوبة الردة، التي تقضي بأعدام المرتد عن الإسلام، وهذه المسألة تندرج في جملة الضغوطات التي تعاني منها الكنيسة في مصر، مما حدا بها إلى رفض أسلمة المجتمع المصري، وقد دعا البطريرك حينها للصيام ثلاثة أيام احتجاجًا. يتمسك الأقباط بمبدأ الدين للَّه والوطن للجميع دون استثناء، وتدين به الفلسفة القومية المصرية، وقد شهد تطبيقًا عمليًا في العشرينات والثلاثينات والأربعينات فتشبث به الأقباط، وقاوموا كل محاولة لنقده. . . . من البديهي تخوف الأقباط من الإسلام الأصولي الداعي، فيما يدعو إليه، إلى الممارسات القديمة كفرض الجزية على غير المسلمين، الخ، فالبعض يخشى أن تعظم الحركات الأصولية نفوذًا وسطوة كما في إيران، أمّا برأيي فهي مؤقتة. . .) (١). ويُمكن توجيه سؤال إلى أتباع الحداثة من أبناء المسلمين: أما زلتم في دوامة التضليل التي تنزعكم عن دينكم باسم الحرية الثقافية وعدم الفئوية والطائفية؟ وأنتم ترون هذا الكلام وأشباهه عند أساتذتكم الحداثيين النصارى الذين طالما أشدتم بهم ومدحتموهم؟!. أليس فيكم غيرة على دينكم -على الأقل- كغيرتهم هم على دينهم؟. لقد استوعب المخططُ النصراني التذويبي مجموعةً كبيرةً من أبناء المسلمين فأصبحوا يتعاملون مع الدين وكأنه عرض رخيص لا قيمة له عندهم، ولا وزن له في اعتبارهم. هذا أدوار الخراط النصراني المتعصب الذي يحمل لواء المدافعة عن بني ملته، ضد الإسلام والمسلمين، نجده عند الصحافيين والمتعالمين من

стр. 860

أبناء المسلمين في مكانة مرموقة، ومحل عال، والإشادة والمديح تترى عليه من كل جانب. وهو الموقف ذاته من النصارى الأقباط الآخرين مثل سلامة موسى ولويس عوض وغالي شكري. أمّا خليل حاوي فبالرغم من وجوديته إلّا أنه كان نصرانيًا حقيقيًا وصوفيًا إنجيليًا كما وصفوه (١). هذه بعض مواقف التنصير وعباراته وشواهده عند الحداثيين النصارى العرب، وهي مواقف تؤكد أنهم ما انفكوا عن دينهم وملتهم وإن ادعوا التحرر والانفتاح، بل سخروا أعمالهم التأليفية والعملية في سبيل نصرة المشاريع النصرانية في بلاد المسلمين، ولا يلامون في كل ذلك، فإن من مقتضيات أي عقيدة أن ينتصر لها صاحبها وينشرها ويدعو إليها ويدافع عنها، ويناقض ويعادي من يعاديها، وهذا بعينه ما فعله نصارى الحداثة، وهي مأساة عظيمة، وأمر جلل، غير أن أعظم من ذلك أن المستطرقين من أبناء المسلمين استجابوا لذلك، ليوصفوا بالتحديث، والعصرانية وينالوا رضى الذين لن يرضوا إلّا إذا تخلى المسلمون عن دينهم. والحداثيون من أبناء المسلمين وصلوا إلى درجة من الاستجابة لدعوات التنصير والتكفير والإلحاد أن أصبحوا معها دعاة لمذاهب أولئك وأدوات في أيديهم يصرفونهم ويحركونهم. وإلّا فكيف نفسر أن واحدًا من أبناء المسلمين الذين تقوم عقيدتهم على توحيد اللَّه تعالى ونفي صلب عيسى ﵇، وتجعل الذنب والتوبة عنه من مسؤولية صاحبه، ولا تقول مطلقًا يتوارث الذنب ثم يأتي بعد ذلك من يقول بالتثليث، وصلب المسيح ﵇ والخطيئة المتوارثة والتكفير بالنيابة؟!.

стр. 861

وقد يقول قائل من هؤلاء المرتمين على عتبات الكنائس: وما الذي في استخدام ألفاظ من ألفاظ اللغة العربية كالخطيئة والتكفير والصلب والصليب والخلاص والفداء؟. وهو اعتراض لا قيمة له في ميزان الاعتبار الصحيح، وقد ناقش هذه الأغاليط الشيخ محمود شاكر (١) في معرض رده على محمد مندور الذي تصدى يدافع عن لويس عوض ويستجلب رضى نصارى مصر بدعوى الوحدة الوطنية. وفي رد الشيخ محمود شاكر تأسيس قوي وواضح في هذه المسألة، وننقل منه هنا ما يوفي بغرض هذا المبحث، قال: (وندع هذا الخلط في كلام الدكتور مندور، إلى دلالة الألفاظ التي سبق أن ذكرت في مقالتي الخامسة أن لويس عوض. . . لا يكاد يرى في سماديره إلّا "الصليب" و"الخلاص" و"الفداء" و"الخطيئة" ولا يكاد يرى ما يكتبه الكتاب والشعراء، كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وصلاح عبد الصبور، وغيرهم، إلّا مقرونًا بهذه العقائد، وهذه الألفاظ هي نفس الألفاظ التي جاء في مقال الدكتور مندور وأفتى فيها بما أفتى!!. وهذه الألفاظ الأربعة ينبغي أن تدرس بلا غموض ولا إبهام، كما يحاول ذلك من يحاوله من صبيان المبشرين، وبلا استهانة بدلالاتها كما يحلو ذلك للدكتور مندور وغيره ممن يعدها رموزًا لتراث روحي، ولا بأس على المسلم في استعمالها. كما إن على المسلم كل الباس؛ لأنه طريق محفوف بالمخاطر، لمن صدق نفسه، وعرف حرمة الكلمة كيف تقال، وكيف تفسر، وكيف توضع في موضعها.

стр. 862

وترتيب هذه الكلمات الأربعة في دلالاتها عند القوم يأتي هكذا: الخطيئة، ثم الفداء، ثم الصلب، ثم الخلاص. وتلخيص معنى هذه الألفاظ الأربعة في العقيدة المسيحية أن اللَّه تعالى لما خلق آدم من تراب وقال له: ﴿. . . يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) فأزلهما الشيطان عنها، بهذه المعصية كما نقول نحن، وهي الخطيئة عند النصارى، أصبحا هما وذريتهما تحت سلطان هذه الخطيئة لا ينفكون عنها، واستحق البشر جميعًا، بخطيئة والديهم، عقاب الآخرة وهلاك الأبد، وهذا هو ناموس العدل الذي لا يتغير، يستحقه من عصى اللَّه سبحانه عندهم، ومن ورث خطيئة آدم وزوجه، فإن عاقب اللَّه آدم وذريته على خطيئتهم بهلاك الأبد، فذلك ما يوجبه ناموس عدله في حكمه، ولكن ناموس رحمته مستوجب العفو عنهم، فناقض ناموس العدل، ناموس الرحمة، فتطلب الأمر شيئًا يجمع بين الرحمة والعدل، فكانت الفدية التي يتم بها ناموس العدل، ويتحقق بها ناموس الرحمة، ولكن ينبغي أن تكون الفدية طاهرة غير مدنسة، وليس في الكون ما هو طاهر بلا دنس إلّا اللَّه ، ولكن تعالى اللَّه أن يكون فدية، فأوجبت المشيئة أن يتخذ جسدًا يتحد في اللاهوت والناسوت، فاتحدا في بطن امرأة من ذرية آدم هي مريم، فيكون ولدها إنسانًا كاملًا من حيث هو ولدها، وكان اللَّه -تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا- في الجسد إلهًا كاملًا فكان المسيح الذي أتى ليكون فدية لخلقه، وهذا هو "الفداء". ثم احتمل هذا الإنسان الكامل والإله الكامل، أن يقدَّم ذبيحة، ليكون ذبحه تمزيقًا لصك الدينونة المصلت على رأس بني آدم، فمات المسيح على الصليب، فاستوفى ناموس العدل بذلك حقه، واستوفى ناموس الرحمة بذلك حقه، وهذا هو "الصلب".

стр. 863

وكان احتمال ذلك كله كفارة لخطايا العالمين تخلصهم من ناموس هلاك الأبد، وهذا هو "الخلاص". . . وهذه الألفاظ الأربعة، لا تعامل معاملة أشباهها، من جهة دلالتها على عقيدة متكاملة، فالخطيئة في لغة العرب الجاهليين، ثم في لغة المسلمين، لا تحمل شيئًا من معانيها ولوازمها في لغة النصارى، وإن كان اللفظ واحدًا، ومعصية آدم عندنا معصية كسائر المعاصي تمحوها التوبة، وخطيئة كسائر خطايا الناس، تغسلها المغفرة ممن يملك المغفرة، وهو اللَّه سبحانه، وقد بين اللَّه ذلك في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (١) فكانت توبة آدم ماحية لمعصيته في الدنيا والآخرة، لا تستتبع عقوبة باقية، وأن اللَّه سبحانه كتب في صحف إبراهيم وموسى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ (٢) فلا يرث مولود خطيئة والد ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ (٣)، فهذا ينقض على المسلم استعماله لفظ "الخطيئة" بمدلولها في الديانة المسيحية؛ لأن هذا الضرب من "الخطيئة" لا أصل له في عقيدته، بل هو منهي أن يعتقد توارث الخطيئة؛ لأنه إذا اعتقد ذلك كذب خبر اللَّه في كتابه، بأن لا تزر وازرة وزر أخرى، وتكذيب خبر اللَّه واعتقاد خلافه كفر مجرد، لا يختلف في ذلك أحد من المسلمين ولا العقلاء عامة مسلمين أو غير مسلمين. وإذا بطل أن يكون للفظ "الخطيئة" عند المسلمين معنى يحمله، كالذي هو عند النصارى، بطل أن تحتاج معصية آدم إلى فدية تتطلّبها ضرورة الجمع بين الرحمة والعدل. و"الفداء" بالمعنى الذي تدل عليه عقيدة النصارى، غير مفهوم عند أحد من المسلمين، ولا يرى ما يستوجبه، إذ لم تكن الخطيئة عندهم متوارثة

стр. 864

في الذرية، وأمّا ما استوجب معنى الفداء من ألوهية المسيح وبنوته للَّه -تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا- فإن الطفل الصغير يقرأ في أول ما يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (١)، ثم يتعالى حتى يقرأ بعد ذلك ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، إلى آيات كثيرة بهذا المعنى، فاستحال أن يكون ذلك من عقيدة أحد من المسلمين وإذا استحال هذا، استحال ما يوجب معنى "الفداء" ولا يبقى لهذا اللفظ سوى المعنى اللغوي العربي المشهور. وإذا بطل هذان المعنيان لهذين اللفظين "الخطيئة" و"الفداء" على الوجه الذي هو من عقيدة النصارى وديانتهم، واستحال أن يقولها المسلم وهو يعتقد فيهما ما يعتقده النصارى، لم يكن للفظ "الصلب" بعد ذلك أي معنى، سوى المعنى اللغوي المشهور. . .، وإذا استحال أن يكون لهذه الألفاظ الثلاثة معنى عند مسلم يعتقد صدق ما أنزل على رسول اللَّه ﷺ ربُّهُ من القرآن، استحال أن يكون للفظ "الخلاص" معنى مفهوم عنده، على الوجه الذي يعتقده من يدين بالنصرانية وعقائدها) (٣). ثم يلتفت إلى أثر ألفاظ العقيدة وتأثيرها فقال: (. . . وتأتي على النفوس أزمان وأحوال، تكون بعض ألفاظ العقيدة كأنها جو شامل محيط بالنفس الإنسانية، عميق الوخز فيها، شديد التفجير لها من نواحيها، فتجرى الألفاظ عندئذٍ في مد النفس، تلوح معبرة عن معانٍ مختزنة من تجارب القرون التي عاشت بهذه العقيدة) (٤). ثم ينتقل إلى استعمال رواد الأدب المعاصر من أبناء المسلمين لهذه

стр. 865

الألفاظ النصرانية، ويبين مقدار فضاعة الجرم في استعمالها وحجم الاستغفال الذي مارسه النصارى على هؤلاء الأدباء والاستخذاء الذي دانوا به في عقائدهم لصالح أولئك النصارى الضالين، فقال: (ولكن الشيء العجيب المجير، هو أن كثيرًا من رواد الشعر الحديث في السنوات الأخيرة، قد أوغلوا في استخدام هذه الألفاظ الأربعة، وقليل من أشباهها، في شعرهم، وهم جميعًا مسلمون!! فالأمر عندئذٍ يوجب إعادة النظر، أهؤلاء جميعًا قد تواطأوا على استعمال هذه الألفاظ الأربعة بدلالتها اللغوية المجردة، أم بدلالتها التي تتطلبها العقيدة المسيحية مترابطة متواصلة لا ينقطع حبل معانيها المتداعية من "الخطيئة" إلى "الفداء" إلى "الصلب" إلى "الخلاص" كما أسلفت بيانه؟. فإذا كانوا قد تواطأوا على استعمالها بدلالتها اللغوية المجردة فما الذي ألزمهم هذه الألفاظ الأربعة، ولم يضعوا مكان الخطيئة مثلًا "الإثم" أو "الذنب" أو "الحوب" أو "المعصية" أو "الزلة" أو ما شئت؟، وكيف تواطأوا على تباعد الديار والأوطان على هذه الكلمة، وأي سحر فيها؟، ولم قالوا: "الفداء" وأكثروا، ولم يقولوا قط "الكفارة"؟ ولم قالوا: "الصلب" و"الصليب" ولم يقولوا: "الشنق" و"المشنقة" وهي أشهر وأعرف وأكثر استعمالًا إلى اليوم؟، ولم قالوا: "الخلاص" ولم يقولوا "النجاة"؟ والجواب بلا شك أنهم لم يستعملوها بدلالتها اللغوية، ولا فكروا في ذلك. . . ومن المغالطة الفاضحة ما قرأته في صحيفة لويس عوض (المعروفة الآن بصحيفة الأهرام!!) حيث زعم الكاتب أن أكبر ما أضافته الحركة الشعرية الجديدة هو الاستعانة بالرمز، فالصلب عند كثير من الشعراء، رمز تضحية الإنسان في سبيل القيمة التي يؤمن بها، والإسلام يعرف كلمة الخطيئة كما قال القرآن الكريم "واغفر لي خطيئتي يوم الدين" (١)، وهذا نص كلامه. . . لماذا كان "الصلب" رمزًا للتضحية ولم يكن القتل ولا الشنق ولا المثلة، ولا الخازوق، ما دام الأمر يتعلق باللفظ دون دلالته المرتبطة

стр. 866

بمصلوب بعينه أو مقتول أو مشنوق أو ممثل به أو مخزوق!!، وأمّا الخطيئة فلم يقل لنا ما هو الرمز الذي اتخذت، له والإسلام كما يعرف "الخطيئة" وهي التي يحتقبها أبناء آدم، يعرف "المعصية" و"الذنب" وقال في ذكر أبينا آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١) ولم يسم معصية آدم "خطيئة" قط، فهذه مغالطات معيبة (وبالمرة يحسن أن يقال لهذا الكاتب ألا يتبع سبيل المستهينين بحقوق الألفاظ والنقول، فليس في القرآن آية كالتي ذكرها، بل الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ (٢) فلزم التنويه) يا للعجب لصحيفة الأهرام!! ما أشد عنايتها وحفاوتها بما ينشر فيها!!. وقد ذكرت هذه المغالطة؛ لأنها هي الطريقة المستعملة حديثًا!! في التفكير، ولأنها هي الستار التي يُلقى على الحقيقة المفزعة مضافًا إليه توابل من ذكر "التطور" وسائر الألفاظ التي تباع الآن في الصحف منظومة في الأعمدة. . . فهذه الكلمات الأربع، وهي أسُّ العقيدة المسيحية، لا يُمكن أن تقع اتفاقًا فيتواطأ عليها بعض الشعراء، لا عن عقيدة، بل عن رمز لشيء يجدونه في حياتهم، فلا يجدون إلّا هذه الأربعة بأعيانها، هذا باطل بالطبع. . .، ولكن هذا الضرب من الشعر، قد تولى منذ قديم صبيان المبشرين الترويج له، والإكثار من التلويح بأنه الجديد الذي لا جديد غيره، وأكثروا في ذلك الصخب واللجاجة في الصحف والمجلات، وقارَن ذلك تفشي شعر "إليوت" ومذهبه في تحديد الثقافة. . . وبمكر وخبث شديد مُزج بين "أليوت" ومذاهبه، وبين هذا الشعر الذي يحمل الألفاظ الأربعة في فئة غريبة الأطوار من دراويش جبل لبنان، وجلجل الدعاة بالمقالات الطنانة، واتخذت في كل بلد عربي ركائز لهذه الأبواق، تذيع ما يلقى إليها أو تُلقَّنه. . .

стр. 867

فمن هنا بدأت هذه الألفاظ الأربعة تأخذ طريقها إلى ألسنة هذه الطائفة من الشعراء المحدثين، مقرونة بالجملة المبدِّدة لموازنة الشعر القديم، فكان المسلمون من هؤلاء الشعراء، إنّما يستعملون هذه الألفاظ لظنهم أنها جزء متمم لجدة الشعر، والإحساس بواقع الحياة التي يعيشونها، بما فيها من آلام الحيرة والضياع والاستبداد والمخاوف، فكان لهذه الألفاظ الجديدة سحر في نفوسهم، فاتخذوها تقليدًا، بلا فهم لما تنطوي عليه من الدلالات، وكلما نشأ ناشيء منهم، قام له من يثني عليه ويتوجه ويذيع بشعره، حتى يجتذب إلى تقليده آخرين، وتفشت الكلمات وطال عليها بعض الأمد، فلما جاء الاعتراض عليها، التمسوا تفسيرًا لهذه الألفاظ المقلدة التي لا صدى لها في نفوسهم، فقالوا: هي "رمز" فإذا سألتهم: رمز لماذا؟، ولم كانت هذه الأربعة دون غيرها هي الرموز؟ لم يحيروا جوابًا إلّا كالجواب الذي أسلفنا ذكره، بما فيه من المغالطة، فالأمر كله مبني على تقليد مجرد، لا قيمة له. . .) (١). هذا النص الثمين نقلته مطولًا لما يحتويه من كلام سديد في وصف حالة الاستعارة النصرانية عند أبناء المسلمين من الحداثيين، ووصف حالة التقمص التي يعيشونها، وأسباب المحاكاة الآثمة التي تردوا في حضيضها. وهو قول جزل في مناقشة هذا النوع من الانحراف، ويُمكن أن يقاس عليه الأنواع الأخرى من الانحرافات المستعارة، وثنيةً قديمة أو مادية معاصرة. بيد أن الشيخ محمود حصر كلامه في أربع ألفاظ من ألفاظ النصرانية المتداولة في الأدب الحديث، وذلك لكونها الأشهر والأكثر في الاستعمال، ثم لكونها من أسس العقيدة النصرانية، والمتأمل في نتاج الحداثيين يجد أنهم أفرطوا في استعمال هذه الألفاظ وغيرها من الألفاظ والرموز والمعاني والأسماء والرسوم النصرانية.

стр. 868

ولنورد الآن شواهد من شعر الحداثيين العرب غير النصارى التي حاكوا فيها وقلدوا النصرانية المحرفة، ونبدأ بالطائفيين من النصيريين والدروز والشيعة، ثم نثني بأبناء المسلمين الذين ينتسبون إلى أسر سنية. وأول الطائفيين النصيري أدونيس الذي حمل لواء الحداثة، مع ارتكاس في الوثنية والباطنية، ففي أحد المقاطع يتحدث عن الصراع بين القديم والحديث، بين الإسلام وتراثه الذي رمز له بالرمل، والغرب وإفرازاته التي رمز لها بالبحر محاكيًا في هذه الرموز وغيرها أستاذه يوسف الخال، ثم يرمز للفكر الجديد بالمصباح ويجعله كنيسة، وراهبة، فيقول: (أسمر طالع من البحر، مليء بغبطة الفهد، يعلم الرفض يمنع أسماء جديدة وتحت جفونه يتحفز نسر المستقبل أسمر طالع من البحر لا تغويه أعياد الجثت، مليء بالعالم مليء برياح تكنس الوباء، والنسمة الخالقة في رياحه تقسر الحجر على الحب، على الرقص والحب آلهة الرمل تنطرح على جباهها، والنبع يدفق العوسجة ولا موت في البحر ونأتي إلى بلادنا الأسيرة، حيث المصباح كنيسة والنحلةُ راهبة) (١). هذه هي مضامين الدعوة التموزية الأدونيسية المتداخلة في عمق النصرانية والساعية إلى أهدافها الممتثلة في التغريب والتنصير، وسيصفق البلهاء من أبناء المسلمين، ويدافعون عن ذلك، تحت هشاشة الدعوة التحديثية والتطويرية والانفتاح، والثقافة الإنسانية!!!.

стр. 869

وسنجد في أقوال أدونيس أكداسًا من الألفاظ النصرانية منها على سبيل المثال: الصلبان (١)، والكنائس (٢)، والأجراس (٣)، والنواقيس (٤)، والكنيسة (٥)، والقداس (٦)، ويوحنا المعمدان (٧). وفي معرض امتداحه لجبران خليل جبران يشير إلى أن من أسباب تفوقه أنه تجاوز التراث العربي القديم إلى التراث اليوناني والنصراني (٨)، وفي الوقت الذي يحارب فيه أدونيس الغيبيات التي جاء بها الإسلام، يؤمن بخرافات جبران خليل جبران التي يزعم فيها أنه يرى المسيح ﵊ في النوم، ثم أخبر بأنه يراه عادة أربع مرات في السنة، وأحيانًا مرتين وأنه يراه منفوش الشعر (٩)، يرتدي ثوبًا رماديًا تهرأت حواشيه إلى آخر ما نقله أدونيس من سخافات جبران التي إن كان صادقًا في وصف أنه رأى شيئًا فلابد أنه شيطانه، كما أخبر تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (١٠). ثم يخلص أدونيس بعد ذكر هذه الأحلام الخرافية إلى القول بأن (الحلم هنا ليس حلمًا بالمعنى العادي، وإنّما هو رؤية حقيقية، وهذا ما كان

стр. 870

يؤكده جبران، ففي سنة ١٩١٩ م يخبر ماري هاسكل أنه رأى المسيح ولم يكن يحلم) (١). فتأملوا يا أصحاب العقول كيف يجحد هذا الباطني حقائق الدين الثابتة، وينكر وجود اللَّه وألوهيته، ويسخر ويستهزئ بدين الإسلام كلما حانت له الفرصة، ثم ينحني هنا مصدقًا لأقوال الكافر الكذوب جبران، بل يؤكد أن أحلامه ومناماته لم تكن مجرد أحلام بل كانت حقيقة!!، فهل بعد هذا من شك في أن الهدف من كل الحركة الحداثية هو تخريب وتدمير عقائد المسلمين؟. وفي رثائية حداثية يتوجه بها أدونيس لأستاذه النصراني ومعلمه التموزي أنطون سعادة بعد أن قتل، يحشد أدونيس المعاني والمضامين النصرانية، ويشرح ذلك محمد جمال باروت ويبين المرمى المعنوي من ذلك (٢). وكتاب أدونيس "الثابت والمتحول" يعد عند الحداثين مثلما يعد كتاب "رأس المال" عند الشيوعيين، بل هو تلمود الحداثة، وميثاق عملها، ودستور منهجها، سار عليه الكثيرون وتشبعوا بما فيه، ولم يخرجوا منه إلّا بالعداوة لدين الإسلام واللغة العربية وهذا هدف كاف عند واضع الكتاب، ومن وراءه، بل هو أكبر الأهداف. هذا الكتاب يصفه أحد النقاد الحداثيين وهو من أصل نصراني، بقوله: (وهذه الحملة في الواقع ليست على العربي كقارئ وناقد فقط، بل على العربي كعربي، ذلك أن العربي عند أدونيس كائن ماضوي لا يعيش في الحاضر، ولا يرى هذا الحاضر إلّا فيما بعد، بعد فترة طويلة من الزمن عندما يستعيده باسم الماضي، وهي حملة تضاف إلى حملته "الصليبية" على العرب في "الثابت والمتحول") (٣). وكيف لا يكون كذلك وهو من تلاميذ كتب هنري لامنس (٤) اليسوعي

стр. 871

المنصر البلجيكي الشهير بعداوته الشديدة وبغضه العنيف للإسلام والعرب، وكتبه تنضح بالحقد الهائل، وكانت قرابته الفكرية لهنري لامنس من الأمور الظاهرة (١). ومن الطائفيين أيضًا الدرزي الفلسطيني توفيق فلاد، وهو وإن كان مجنونًا بالشيوعية ورموزها، إلى حد الفجاجة والابتذال، إلّا أنه لم ينس أن يحشد مع ضلالته الكثيرة جملة من الرموز النصرانية لينال من خلالها أو سمة المدح والثناء والذكر، ومن أقواله في موسكو قوله: (أتيت من مدينة مشبوحة على صليب) (٢). وقوله: (على الصلبان منسية بلادي زهرة الدنيا وعود الند) (٣). وقوله: (أنا باق ولن تقوى عليّ جميع صلباني) (٤). وقوله: (تكسر السيف في كفي أنا نصفين لكنني فوق صلباني أقاتلهم) (٥).

стр. 872

وله غير ذلك في الصلب والمصلوب والأديرة والصلبان (١). ومنهم البياتي الذي هام بالشيوعية، وتغنى بالإلحاد، وذاب وجدًا في موسكو وناظم حكمت ونيرواد وهافانا وبرلين وغير ذلك من رموز الماركسية، ثم أخيرًا يقولون بأنه انصرف إلى التصوف، ولكنه بسبب انغماسه في الحداثة، ومخالطته لمعلميها لا يفهم التصوف إلّا بالمفهوم النصراني، فبعد إقراره بأنه توجه إلى ما أسماه التصوف الثوري يقول: (إن الصوفي اللاهوتي يريد أن يحقق عدالة المسيح في العالم الآخر، أما الصوفي الثوري فهو الذي يريد أن يحقق العدالة على الأرض وهذا هو الفرق بين صوفي السماء وصوفي الأرض) (٢). والشاهد هنا أنه لم يعرف الصوفية إلّا بمفهوم نصراني - مع أن التصوف اسم أطلق بعد مجيء الإسلام على من اتخذ طريقة في التعبد معينة. وليس المراد هنا تفنيد صحة هذا المنهج أو ذاك، وإنّما المراد بيان مقدار التأثر بالنصرانية إلى الحد الذي جعله ينسب هذا المسلك إلى النصرانية، وكان بإمكانه أن ينسبه إلى التراث الذي عُرف أن هذه التسمية نشأت فيه، ولكن هكذا تكون التبعية في أعمق صورها. وإذا ذهبنا إلى ديوانه لنرى مقدار التأثر بالنصرانية فإننا نجد عنده من الانحراف الاعتقادي والانغماس النصراني ما يجعل المطلع على أقواله يظن أنه من أصل نصراني عريق، فهو مثل أي نصراني كنسى يؤمن بالفرية القائلة بأن المسيح ﵇ قد صلب، وله أقوال عديدة في ذلك، منها قوله عن فلسطين وأهلها: (وكأنْ حلمت بأنني بالورد أفرش والدموع طريقكم

стр. 873

وكأن يسوع معكم يعود إلى الجليل بلا صليب) (١). فقد وظف الرموز النصرانية في قضية فلسطين المسلمة وكأن فلسطين للنصارى، ثم إنه يؤمن بخرافة صلب المسيح، ويقول: (يا فا يسوعك في القيود عار تمزقه الخناجر، محبر صلبان الحدود) (٢). ويقول: (نيرون، مثل الحب بأبي أن يبوح مثل المسيح على الصليب) (٣). ويقول: (واغرورقت عيناه بالدموع وقال لي: يسوع، بالأمس مر من هنا، يسوع صليبه غصنان أخضران) (٤). ويقول: (وأرضنا الخضراء في مخاضها مثخنة الجراح تحلم بالزنبق والصباح

стр. 874

تحلم في ألف يسوع سوف يحملون صليبهم في ظلمة السجون) (١). أيصدق أحد أن هذا القول يُمكن أن يصدر من غير راهب متعمق في النصرانية؟. يبشر البياتي أرضنا بالصلبان وأصحاب الصلبان، ويسمي عيسى يسوعًا مثل تسمية النصارى، ويؤكد أنه صلب مثلما تعتقد النصارى. ويقول مادحًا أحد رفاقه الشيوعيين تحت عنوان "إلى ذكرى ديمتروف": (مسيحنا كان بلا صليب كان بلا أكليل شوك كان في صراعه الرهيب يوقد ألف شمعة في ليلنا المعذب الكئيب ألف يهوذا حوله كانوا ولكن يد الشعوب أقوى من الموت ومن محاكم الفاشست والتعذيب كل مساء كان من جراحه ألف يهوذا يلعقون الدم، في صراعه الرهيب لكنه كان بلا صليب

стр. 875

يسخر من قضاته من صالبي المسيح، من مدبري الحروب) (١). وله مقطع بعنوان (المسيح الذي أعيد صلبه) (٢). ويقول: عانيت موت الروح في هذه الأرض التي يهدر في جبالها وعد عقيم وتجوع الريح ويصلب المسيح) (٣). ويقرر خرافة النصارى في أن عيسى ﵇ وضع على رأسه تاج الشوك عند صلبه، فيقول: (يسقط تحت قدم المسيح تاج الشوك) (٤). ويقرر فكرة الفداء والانبعاث النصراني، وذلك في قوله: (لو عاد للعالم أمواته، لاحتضنوا في أرضنا المزهرة، ألف يسوع في جراحاته، مات لتحيا فكرة نيرة) (٥). ومن أقواله الدالة على تمكن عقائد النصارى في قلبه واستيلائها على مشاعره قوله: (ثانية سيقبل المخلص المسيح لكنه في هذه المرة يأتي من بلاد الليل والثلج ومن وراء

стр. 876

هذا الحائط المرصوص هأنذا أراه في الغيب وفي بوابة المستقبل البعيد يحمل سيفًا بيد وغصن زيتون بأخرى باسطًا صليبه فوق خطام العالم القديم) (١). وهنا أود أن أؤكد للقارئ بأن الذي يقول هذا القول هو عبد الوهاب البياتي العراقي وليس قسًا من قساوسة الكنائس. ويقول: (. . . ابحث في الجحيم عنها وعن عدالة الثورة والمسيح عن قدر الإغريق) (٢). ويقول: (ونهض الموتى من القبور يبتهلون لمسيح العالم الجديد) (٣). أمّا ألفاظ الصلب والصليب والصلبان فما أكثرها في ديوانه، ابتداءا من الإهداء الذي يقول فيه: (إلى زوجتي التي حملت معي صليب الألم. . .) (٤). ويقول: (أنا هنا وحدي على الصليب) (٥).

стр. 877

ويرسم صورة وادعة كأحد المنصرين فيقول: (ويداك، حبًا، ترسمان حمامة بيضاء تحتضن الصليب) (١). ويتحدث عن العرب اللاجئين قائلًا: (يا من رأى أحفاد عدنان على خشب الصليب مسمرين) (٢). وكل أقواله المتضمنة لفظ الصليب والصلب لا تخرج من المضمون النصراني، ولا تحيد عنه. ومن المصطلحات النصرانية التي ترددت في كلامه "دم المسيح" (٣) وإطلاقات لفظ "الصلاة" بمعناها عند النصارى (٤). وبعد هذه الإشارات ينبغي القول بأنني أثناء اطلاعي على دواوين وكتابات الحداثيين لم أجد -من غير النصارى- إغراقًا في المفاهيم والألفاظ والعقائد والمصطلحات النصرانية مثل الذي وجدته عند البياتي، فهل كان ذلك لمجرد الموافقة؟ فبئس بها من موافقة!! أم أنه الاعتقاد الصميم، انغرس في قلبه من كثرة مخالطته لكتب وأشخاص النصارى من العرب إلى الروس ثم إلى الأسبان أخيرًا؟. وهذه أقواله وهو يحارب الأديان ويرى أنها أفيون الشعوب، حسب عقيدته الشيوعية، فما الحال لو كان يعتقد غير ذلك؟. علمًا بأن من كانت هذه أقواله، فلا يبعد أن يكون قد تحول إلى النصرانية بوجه من الوجوه، مع بقائه على شيوعيته في أوجه أخرى، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.

стр. 878

وإذ جئنا إلى المعلم الأول الذي شق لمن بعده طرق الاقتداء بالإنجليز وغيرهم، وسن سنن المحاكاة لهم، إلى أول من ابتدع بدعة التقليد الشعري للغرب إلى بدر شاكر السياب رائد الحداثة الأول الذي تشير إحصائية سريعة أنه في قصيدة واحدة هي أنشودة المطر، استعمل رمز تموز ١٧ مرة ورمز المسيح ٢٠ مرة، ورمز عشتار ١٧ مرة، والصلب ٣١ مرة، وأدونيس ٣ مرات، وآتيس مرتين، (وكلها -كما يقول باروت- رموز انبعاثية ذات دلالة مركزية واحدة. . .، هكذا يضيء الرمز التموزي مرجعه ويضاء به، فتتداخل الرموز مع الواقع، وتبرز النبوة (١) كتوجس لزمن جديد يتمخض، ويغدو الشاعر نبي (٢) الجماعة، يغور فيها ويكشف أحلامها، فتتداعى صورته في الماضي "الوثني، المسيحي، الإسلامي". . . هكذا يرى السياب الشاعر كالقديس يوحنا ومن هنا يتحول الشعر إلى رؤيا رفض واحتجاج، يتثبت بتعويذة "الأمل في الخلاص" يكتب لغة زمانية ويتوجس آفاقه) (٣). كلام إشادة وشرح وتوضيح لمعاني الرموز عند السياب، وهو مترع بالمآخذ، والذي يهمنا منه أنه أشار إلى المنحى النصراني بالإحصائية أولًا، ثم بدلالات هذه الرموز المحصاة، والتي أدخل من ضمن دلالاتها المعنى الإسلامي تجاوزًا ومغالطة، إذ لم يرد في الرموز ما يشير إلى أي معنى إسلامي، وإنّما هي الرموز الوثنية والنصرانية. وفي إشارة مشابهة، وأكثر تفصيلًا وعمقًا، يذكر إحسان عباس في كتابه بدر شاكر السياب تحت فصل "تموز - المسيح" وكيف تقلب السياب بين الرموز الوثنية والرموز النصرانية، وأنه يتكئ على المنطق الشعري وحده لا على المنطق العقلي، وأن السياب كان يرى أنه ليس من الضروري أنه نقتصر على أساطير تربطنا بها رابطة من البيئة أو التاريخ أو الدين، بل يُمكن

стр. 879

الاستعانة بأية أسطورة غريبة عنا ما دامت تخدم غاية شعرية (١). ويعقب إحسان عباس على هذه القضية قائلًا: (ولست أجد حرجًا في الإجابة عن سؤال يخطر للقارئ في هذا الموقف، وهو: كيف يستطيع شاعر مسلم أن يتخذ من "الفداء" -وهو أحد المعالم البارزة التي تفصل فصلًا تامًا بين الإسلام والمسيحية- رمزًا في شعره؟. والجواب على هذا السؤال لا ينفك عن أحد الفروض الآتية: إمّا أن ذلك الشاعر لم يفهم فكرة "الفداء" في المسيحية، وإمّا أن فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني الذي نشأ عليه منها، وإمّا أنه -في سياق الشعر- يعد الفداء أسطورة من الأساطير، فهو لا يراها حقيقة تاريخية، وفي هذا الموقف الأخير يضع الحد بين الظاهر والحقيقة أمام عيني قرائه؛ لأن الحقيقة حينئذٍ تتصل بضميره الفردي) (٢). أمّا أن الشاعر المحاكي للنصارى في ألفاظهم لم يفهم فكرة الفداء في النصرانية، فذلك لايعذره ولا يعفيه، وإلّا لذهبت أمور الناس فوضى حتى في الحقوق الخاصة بدعوى عدم الفهم لمقصد العبارة!!، وإمّا أنه فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني والعقيدة القابعة في ثنايا اللفظ والمصطلح فذلك أمر لا يُمكن تصوره، إلّا على مناهج الحداثيين الذين يلغون دلالات الألفاظ، فهؤلاء يُمكن أن يقال للواحد منهم: "أيها الخنزير القذر" ثم يقال له إذ غضب: ليس لهذا اللفظ دلالة حسب مذهبك، إذن فلا يُمكن استخدام اللفظ الدال على عقيدة معينة دون أن يعبأ صاحبها بالموقف الديني الذي نشأ عليه، وإلّا فلماذا لايستخدم لفظًا آخر يدل على المعنى نفسه، فبدل الفداء التضحية مثلًا، ولولا أن اللفظ بإشاعاعاته الاعتقادية قد تمكن من نفس المستعمل له لما تلفظ على وجه الخصوص به دون غيره. وإذا قبلنا مثل هذه الحجة التي يعتذر بها إحسان عباس عن الحداثيين

стр. 880

فإنه لا يبقى أي مجال للنظر في المعاني التي تدل عليها الرموز والأسماء والرسوم والمصطلحات، وهذا كذب مبين وافتراء لا يُمكن أن تصدقه العقول!!، والخرس والصمم خير من هذا الكلام ومن سماعه. أمّا أنه يعد الفداء أسطورة ثم يقول "في سياق الشعر" -وهي عبارة اعتذارية تحتوي على مجاملة بغيضة للنصارى- فلم إذن يوظفها في السياق توظيفًا معنويًا يدل على الأصل الديني لها؟. ومثل هذا الكلام مثل الذي يقول: ندخل الكنيسة يوم الأحد لأداء القداس كما تقول النصارى ثم يقول: أنا لا أعتقد أن ذلك صحيحًا بل اعتقده أسطورة!!. وقد ذكر إحسان عباس ثلاثة أوجه لاحتمالات تصور استخدام الأسطورة، ونسي أو تناسى أن يذكر أهم وأبرز وأعمق احتمال، وهو: أن يكون الكاتب أو الشاعر قد تأثر اعتقاديًا -ولو في الجملة- بهذه العقيدة، فاستخدم رموزها وألفاظها ومصطلحاتها. وذلك أن استعمال الرمز على نحوٍ ما لابد أن تكون وراءه دوافع جعلت المتكلم به يختار هذا اللفظ دون سواه، فإذا كان هذا اللفظ ابتكر أو استخدم من أجل الدلالة على شيء معين، من عقيدة أو سلوك أو غير ذلك، كان هذا دليلًا على أن استعمال هذا اللفظ دون غيره آت من التأثر بهذه العقيدة أو الفكرة. ولو أساقطنا مثل هذه المعايير لذهبت دلالات الألفاظ ولضربت الفوضى بأطنابها في الحياة العامة والخاصة. والذي يريد فصل لفظ "الفداء" و"الصلب" و"الخطيئة" و"التكفير" عن أصولها الاعتقادية -زعمًا أنه لا يريد ذلك ولا يقصده- يكون بمثابة من يفصل لفظ "الزنى" -مثلًا- عن مدلوله ومعناه. فلو قال قائل لآخر "يا زاني" لكان المتبادر إلى الذهن أنه يرميه بفعل
следующие страницы →