← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

هذا الحائط المرصوص هأنذا أراه في الغيب وفي بوابة المستقبل البعيد يحمل سيفًا بيد وغصن زيتون بأخرى باسطًا صليبه فوق خطام العالم القديم) (١). وهنا أود أن أؤكد للقارئ بأن الذي يقول هذا القول هو عبد الوهاب البياتي العراقي وليس قسًا من قساوسة الكنائس. ويقول: (. . . ابحث في الجحيم عنها وعن عدالة الثورة والمسيح عن قدر الإغريق) (٢). ويقول: (ونهض الموتى من القبور يبتهلون لمسيح العالم الجديد) (٣). أمّا ألفاظ الصلب والصليب والصلبان فما أكثرها في ديوانه، ابتداءا من الإهداء الذي يقول فيه: (إلى زوجتي التي حملت معي صليب الألم. . .) (٤). ويقول: (أنا هنا وحدي على الصليب) (٥).

стр. 877

ويرسم صورة وادعة كأحد المنصرين فيقول: (ويداك، حبًا، ترسمان حمامة بيضاء تحتضن الصليب) (١). ويتحدث عن العرب اللاجئين قائلًا: (يا من رأى أحفاد عدنان على خشب الصليب مسمرين) (٢). وكل أقواله المتضمنة لفظ الصليب والصلب لا تخرج من المضمون النصراني، ولا تحيد عنه. ومن المصطلحات النصرانية التي ترددت في كلامه "دم المسيح" (٣) وإطلاقات لفظ "الصلاة" بمعناها عند النصارى (٤). وبعد هذه الإشارات ينبغي القول بأنني أثناء اطلاعي على دواوين وكتابات الحداثيين لم أجد -من غير النصارى- إغراقًا في المفاهيم والألفاظ والعقائد والمصطلحات النصرانية مثل الذي وجدته عند البياتي، فهل كان ذلك لمجرد الموافقة؟ فبئس بها من موافقة!! أم أنه الاعتقاد الصميم، انغرس في قلبه من كثرة مخالطته لكتب وأشخاص النصارى من العرب إلى الروس ثم إلى الأسبان أخيرًا؟. وهذه أقواله وهو يحارب الأديان ويرى أنها أفيون الشعوب، حسب عقيدته الشيوعية، فما الحال لو كان يعتقد غير ذلك؟. علمًا بأن من كانت هذه أقواله، فلا يبعد أن يكون قد تحول إلى النصرانية بوجه من الوجوه، مع بقائه على شيوعيته في أوجه أخرى، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.

стр. 878

وإذ جئنا إلى المعلم الأول الذي شق لمن بعده طرق الاقتداء بالإنجليز وغيرهم، وسن سنن المحاكاة لهم، إلى أول من ابتدع بدعة التقليد الشعري للغرب إلى بدر شاكر السياب رائد الحداثة الأول الذي تشير إحصائية سريعة أنه في قصيدة واحدة هي أنشودة المطر، استعمل رمز تموز ١٧ مرة ورمز المسيح ٢٠ مرة، ورمز عشتار ١٧ مرة، والصلب ٣١ مرة، وأدونيس ٣ مرات، وآتيس مرتين، (وكلها -كما يقول باروت- رموز انبعاثية ذات دلالة مركزية واحدة. . .، هكذا يضيء الرمز التموزي مرجعه ويضاء به، فتتداخل الرموز مع الواقع، وتبرز النبوة (١) كتوجس لزمن جديد يتمخض، ويغدو الشاعر نبي (٢) الجماعة، يغور فيها ويكشف أحلامها، فتتداعى صورته في الماضي "الوثني، المسيحي، الإسلامي". . . هكذا يرى السياب الشاعر كالقديس يوحنا ومن هنا يتحول الشعر إلى رؤيا رفض واحتجاج، يتثبت بتعويذة "الأمل في الخلاص" يكتب لغة زمانية ويتوجس آفاقه) (٣). كلام إشادة وشرح وتوضيح لمعاني الرموز عند السياب، وهو مترع بالمآخذ، والذي يهمنا منه أنه أشار إلى المنحى النصراني بالإحصائية أولًا، ثم بدلالات هذه الرموز المحصاة، والتي أدخل من ضمن دلالاتها المعنى الإسلامي تجاوزًا ومغالطة، إذ لم يرد في الرموز ما يشير إلى أي معنى إسلامي، وإنّما هي الرموز الوثنية والنصرانية. وفي إشارة مشابهة، وأكثر تفصيلًا وعمقًا، يذكر إحسان عباس في كتابه بدر شاكر السياب تحت فصل "تموز - المسيح" وكيف تقلب السياب بين الرموز الوثنية والرموز النصرانية، وأنه يتكئ على المنطق الشعري وحده لا على المنطق العقلي، وأن السياب كان يرى أنه ليس من الضروري أنه نقتصر على أساطير تربطنا بها رابطة من البيئة أو التاريخ أو الدين، بل يُمكن

стр. 879

الاستعانة بأية أسطورة غريبة عنا ما دامت تخدم غاية شعرية (١). ويعقب إحسان عباس على هذه القضية قائلًا: (ولست أجد حرجًا في الإجابة عن سؤال يخطر للقارئ في هذا الموقف، وهو: كيف يستطيع شاعر مسلم أن يتخذ من "الفداء" -وهو أحد المعالم البارزة التي تفصل فصلًا تامًا بين الإسلام والمسيحية- رمزًا في شعره؟. والجواب على هذا السؤال لا ينفك عن أحد الفروض الآتية: إمّا أن ذلك الشاعر لم يفهم فكرة "الفداء" في المسيحية، وإمّا أن فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني الذي نشأ عليه منها، وإمّا أنه -في سياق الشعر- يعد الفداء أسطورة من الأساطير، فهو لا يراها حقيقة تاريخية، وفي هذا الموقف الأخير يضع الحد بين الظاهر والحقيقة أمام عيني قرائه؛ لأن الحقيقة حينئذٍ تتصل بضميره الفردي) (٢). أمّا أن الشاعر المحاكي للنصارى في ألفاظهم لم يفهم فكرة الفداء في النصرانية، فذلك لايعذره ولا يعفيه، وإلّا لذهبت أمور الناس فوضى حتى في الحقوق الخاصة بدعوى عدم الفهم لمقصد العبارة!!، وإمّا أنه فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني والعقيدة القابعة في ثنايا اللفظ والمصطلح فذلك أمر لا يُمكن تصوره، إلّا على مناهج الحداثيين الذين يلغون دلالات الألفاظ، فهؤلاء يُمكن أن يقال للواحد منهم: "أيها الخنزير القذر" ثم يقال له إذ غضب: ليس لهذا اللفظ دلالة حسب مذهبك، إذن فلا يُمكن استخدام اللفظ الدال على عقيدة معينة دون أن يعبأ صاحبها بالموقف الديني الذي نشأ عليه، وإلّا فلماذا لايستخدم لفظًا آخر يدل على المعنى نفسه، فبدل الفداء التضحية مثلًا، ولولا أن اللفظ بإشاعاعاته الاعتقادية قد تمكن من نفس المستعمل له لما تلفظ على وجه الخصوص به دون غيره. وإذا قبلنا مثل هذه الحجة التي يعتذر بها إحسان عباس عن الحداثيين

стр. 880

فإنه لا يبقى أي مجال للنظر في المعاني التي تدل عليها الرموز والأسماء والرسوم والمصطلحات، وهذا كذب مبين وافتراء لا يُمكن أن تصدقه العقول!!، والخرس والصمم خير من هذا الكلام ومن سماعه. أمّا أنه يعد الفداء أسطورة ثم يقول "في سياق الشعر" -وهي عبارة اعتذارية تحتوي على مجاملة بغيضة للنصارى- فلم إذن يوظفها في السياق توظيفًا معنويًا يدل على الأصل الديني لها؟. ومثل هذا الكلام مثل الذي يقول: ندخل الكنيسة يوم الأحد لأداء القداس كما تقول النصارى ثم يقول: أنا لا أعتقد أن ذلك صحيحًا بل اعتقده أسطورة!!. وقد ذكر إحسان عباس ثلاثة أوجه لاحتمالات تصور استخدام الأسطورة، ونسي أو تناسى أن يذكر أهم وأبرز وأعمق احتمال، وهو: أن يكون الكاتب أو الشاعر قد تأثر اعتقاديًا -ولو في الجملة- بهذه العقيدة، فاستخدم رموزها وألفاظها ومصطلحاتها. وذلك أن استعمال الرمز على نحوٍ ما لابد أن تكون وراءه دوافع جعلت المتكلم به يختار هذا اللفظ دون سواه، فإذا كان هذا اللفظ ابتكر أو استخدم من أجل الدلالة على شيء معين، من عقيدة أو سلوك أو غير ذلك، كان هذا دليلًا على أن استعمال هذا اللفظ دون غيره آت من التأثر بهذه العقيدة أو الفكرة. ولو أساقطنا مثل هذه المعايير لذهبت دلالات الألفاظ ولضربت الفوضى بأطنابها في الحياة العامة والخاصة. والذي يريد فصل لفظ "الفداء" و"الصلب" و"الخطيئة" و"التكفير" عن أصولها الاعتقادية -زعمًا أنه لا يريد ذلك ولا يقصده- يكون بمثابة من يفصل لفظ "الزنى" -مثلًا- عن مدلوله ومعناه. فلو قال قائل لآخر "يا زاني" لكان المتبادر إلى الذهن أنه يرميه بفعل

стр. 881

الفاحشة سفاحًا، ولا يصح له أن يحتج بأنني لم أرد المدلول المعروف لهذا اللفظ؛ لأن هذه سفسطة تمجها كل العقول. وعودة إلى السياب واستعمال الرموز النصرانية، يقرر إحسان عباس أن هناك دوافع عديدة حفزته لهذا الاتجاه، منها انفصاله عن الحزب الشيوعي، فكان في حاجة إلى تبني مشاعر جديدة تعوض اهتزاز المقاييس المادية، فتعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية. ولكن ماديته القديمة كانت تجعله جريئًا في التعبير عن بعض المقدسات باستخفاف، وأحس بالحاجة إلى الإسعاف في الهرب من التكفير المادي، (ووقع في تلك الأثناء بشدة تحت تأثير "اديث سيتول" (١) وتكرارها الممل للصور المسيحية، ولكنه بدلًا من أن يشعر بالملل من ذلك التكرار شعر بيسر الاستعارة لتلك الصور، وبسهولة جريانها على سن قلمه، فاحتذاها دون تفكير عميق فيما قد تعنيه من الزاوية الدينية، ثم تم في سياق تلك الحال النفسية اتصاله بمجلة "شعر" البيروتية، وقد كان بدر يحس عندما اقترب من تلك المجلة أنه يدخل حومة "شعائر" جديدة -إن صح التعبير-، وأن عملية "الارتسام" هذه تتطلب قسطًا من المشاركة في اللون والسمة والفكرة، وقد عرفنا فيه من قبل نماذج من هذا التكيف الذي يشير إلى أن "النواة الصلبة" في شخصيته كانت مفقودة، وسمينا هذه النزعة ميله إلى المراضاة، والميل إلى المراضاة حين يصيب الأعماق لا يغدو وحسب "حربائية" بغيضة، بل يتجاوز التلون الظاهري إلى أمور في صميم الفكر والعقيدة، وحينئذٍ يمس فيما يمسه حقيقة إيمانه الفني، وذلك هو ما يهمنا في هذا المقام دوان سواه. وحين تم ارتسام السياب في أسرة "شعر" كانت لديه بوادر الإحساس

стр. 882

بأسطورة تموز، وهذه سهلت عليه الانتقال إلى رمز المسيح، إذ كان ذلك نقلة من فكرة فداء إلى فكرة فداء) (١). فالسياب لما ترك الشيوعية المادية، مال إلى الأخذ بالدين، أي دين، أما الإسلام فحسب ما وصف إحسان عباس فقد تعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية، أي أنه لم يتعلق حقيقة بالإسلام، بل بصورة مشوهة عنه، وحتى في هذا، فإنه كما وصف عباس اجترأ على المقدسات الإسلامية واستخف بها، أمّا الدين النصراني فقد تابع "أديث سيتول" وأخذ عنها وقلدها وكرر مثلما كررت، وأطنب مثلما أطنبت، ثم دخل مع عصابة "شعر" وتلون بلونهم، وقد مر معنا أنهم كانوا يتبنون النصرانية والفينيقية ويعادون الإسلام والمسلمين والعرب واللغة العربية، وينادون بالمتوسطية إبحارًا نحو الغرب. أمّا قول إحسان عباس بأن الصور النصرانية جرت على قلمه دون تفكير عميق فيما تعنيه من الزاوية الدينية، فهذا غير صحيح على الإطلاق، وسوف يأتي من شواهد شعر السياب ما يؤكد أنه كان يورد الأسماء والرموز بمضامينها الاعتقادية والفكرية النصرانية، وعلى الرغم من التفات إحسان عباس إلى هذه النواحي الدينية في هذه الدراسة، إلّا أنه فاه بأمر عظيم حين قدم مسألة الإيمان الفني على ما سواه، أي: أن يهتم بالقضية الفنية وما عليه من القضايا الاعتقادية والفكرية، وهذا زلل كبير وخطل، وتقديم الذي هو أدنى على الذي هو خير. ثم يورد إحسان عباس نموذجًا للتكيف الطوعي الذي أبداه السياب للالتقاء مع مجلة شعر ونصارى حركتها المريبة، وهي المحاضرة التي ألقاها في أمسية دعته المجلة إليها في بيروت حيث طغى النغم الديني على تلك الكلمة، ذلك النغم الديني الذي تحدث به السياب عن تصوره للشاعر من خلال رؤيا القديس يوحنا، وغير بعيد عن هذا الجو نفسه أن تكون القصيدة

стр. 883

الثانية التي نشرها في مجلة شعر بعنوان "المسيح بعد الصلب" (١). وقد أشار كاتب مقدمة ديوان السياب، إلى الاتجاه الأسطوري والنصراني وقضية التحول من الشيوعية إليها، وقصة الفداء التموزي والمسيحي (٢). وتحدث عن موارد ثقافة السياب والتي هي خليط عجيب غير متجانس، ومنها الإنجيل والتوراة والفكر الماركسي (٣). فإذا ذهبنا إلى الديوان لنرى بعض الأمثلة على تأثر السياب بالنصارى فإننا نجد الشواهد العديدة ومنها، قوله: (على قلبك انهدُّ تحت الصليب المعلق في صخرة الكبرياء) (٤). ولا يكتفي بهذا الاستعمال الذي قد يبدو بريئًا في أعين المستغربين، ولكنه يصف نفسه بأنه المسيح، وأنه يعيش في حياة النفي، ويحمل صليبه معه، وفي هذا إقرار واضح بأنه يعتقد في المسيح ﵊ ما يعتقد النصارى من فرية الصلب، يقول السياب: (غنيت تربتك الحبيبة وحملتها، فأنا المسيح يجز في المنفى صليبه) (٥). وهذا تكذيب مشكوف للقرآن العظيم، واعتقاد جلي بعقائد النصارى المحرفة. وقال: (وعر هو المرقى إلى الجلجلة) (٦).

стр. 884

ثم شرح في الهامش قائلًا: (الجلجلة الجبل الذي حمل المسيح صليبه إلى قمته) (١). وهذا تبني واضح لعقيدة النصارى في الصلب. ونحو هذا قوله: (من الذي يحمل عبء الصليب. . . من ينزل المصلوب عن لوحِهِ؟ من يطرد العقبان عن جرحه؟ من يرفع الظلماء عن صبحه؟ ويبدل الأشواك بالغار؟) (٢). ثم كتب في الهامش: (وألبسوا المسيح تاجاَ من الشوك سخرية به) (٣). وفي مكان آخر يقول: (هذا حصاد السنين: الماء خمر والخوابي غذاء) (٤). ثم شرح في الهامش قائلًا: (وأحال المسيح الماء إلى خمر فشرب الحاضرون) (٥). وفي موضع آخر يمزج بين الرموز الوثنية والنصرانية قائلًا: (صالبًا عينيّ - تموزًا، مسيحًا

стр. 885

أيها الصقر الإلهي ترفق) (١). ويقول: (كان، في كل مرمى، صليب وأم حزينة قُدس الربُ هذا مخاض المدينة) (٢). وله أشياء أخر من هذا القبيل (٣). ولم يجد أحد الدارسين لأعمال السياب إلّا أن يقرر بأنه يختلط فيه: (المتنبي بأليوت، وايديت ستويل بأراغون، شيوعي ولبرالي وقومي عربي وثوري وملحد ومؤمن، رجل يجمع كل المتناقضات في شخصه وثقافته وانتماءاته، أحدث ثورة في الشعر العربي. . .) (٤). نعم السياب خليط متناقضات، بيد أنه لا يُمكن أن يجتمع في شخص واحد إيمان وإلحاد؛ لأن أحدهما بالضرورة ينفي الآخر. وكما تأثر السياب بالإنجليزية ايديت ستويل فقد تأثر بأعظم ما يكون التأثير بأليوت (٥)، وسيأتي بيان نصرانية أليوت وتأثيره في الحداثيين العرب، ولعظم ما ملأ السياب شعره بالمضامين النصرانية ابتهج بذلك أحد رهبان النصارى، وتمنى أن يكون قد تبحر في معنى الصليب، ليهون عليه ما يبدو من عذاب في شعره، ثم قال: أليس هو الذي يقول: (أنا المسيح يجر في المنفى صليبه) (٦).

стр. 886

ولأدباء مصر من الحداثيين مشاركة فعالة في الأخذ من سراديب الكنائس. ومنهم صلاح عبد الصبور، الذي وصفه عبد المعطي حجازي قائلًا: (استخدم صلاح التراث القديم وتراث الشعر الشعبي المصري، واستخدم كذلك حتى تراث الصوفيين، وتراث الكتب المقدسة وبالتحديد لغة التوراة والإنجيل، إلى جانب استفادته من ثقافته الإنجليزية) (١). ولم يذكر القرآن ولا الكتب العربية كما نص على ذكر التوراة والإنجيل، وهذا قدر مشترك بين الاثنين في الإعجاب بالكتب المحرفة والتمدح بالاطلاع عليه، بل وبتأثره بلغة هذه الكتب. فما ظنك بقوم هذه ثقافتهم التي يفتخرون بها، وهذه مرجعيتهم التي يؤول إليها فكرهم وشعرهم؟. وهذه نماذج من أقوال المتتلمذ على تراث الكتب المقدسة، يقول في مقطوعة بعنوان "القديس" مصورًا نفسه في هيئة قديس، أو واصفًا أحوال وأعمال القديس: (إليّ إليّ يا غرباء يا فقراء يا مرضى كسيري القلب والأعضاء قد أنزلت مائدتي. . .) (٢). ثم يصف جلوسه مع الكتب ويقول بأنها قالت له أقوالًا منها: (وأن اللَّه قد خلق الأنام ونام وأن اللَّه في مفتاح باب البيت) (٣). تعالى اللَّه عما يقول علوًا كبيرًا. ثم يقول بأنه (ذات صباح

стр. 887

رأيت حقيقة الدنيا. . . رأيت اللَّه في قلبي) (١). وسواء أراد الرؤية القلبية أو الرؤية البصرية فإن ذلك مما لا يليق إطلاقه على اللَّه وخاصة من إنسان عرف من كلامه الاستهانة باللَّه تعالى، كما في قصيدته "الناس في بلادي"، وها هو في هذه المقطوعة بعد أن ذكر هذا القول يواصل في وصفه لحاله، بأنه قد امتلأ بالحكمة فيقول: (شعرت بأنني أصبحت قديسًا وأن رسالتي هي أن أقدسكم) (٢). وهكذا يصبح قديسًا، ولم يقل أصبح عابدًا أو عالمًا أو ناسكًا أو زاهدًا أو حكيمًا أو أي وصف من الأوصاف المعروفة في تراث المسلمين، بل اختار أن يكون قديسًا، الوصف الذي يتداوله النصارى ويعرّفون به عبادهم، فالرؤية التي ذكرها والقداسة التي ادعاها تتناسب مع الاعتقاد النصراني في أن القديس عندهم يصل إلى درجة الرؤية وبها يصبح قديسًا. وفي مقطوعة بعنوان "عيد الميلاد لسنة ١٩٥٤ م" -وهذا أيضًا من التأثر بالنصارى- يقول: (يا عيد يا نبعي الكئيب، يا ذكر إنسان غريب حمل الذنوب عن القطيع فمات من وقر الذنوب يا لاهثًا فوق الصليب، يكاد يسألك الصليب لم مت من دون الصليب) (٣). فها هو يقرر عقيدة النصارى بتفاصيل خرافاتها، الفداء، وحمل خطايا العالم، وصلب المسيح. وكلها مسائل اعتقادية خالط فيها النصارى ومازجهم وتحدث وكأنه أحد كهنتهم!!.

стр. 888

ثم يقولون بعد ذلك بأن الرموز والألفاظ لا أثر لها في اختلاف الاعتقاد، ما دامت تؤدي دورًا فنيًا بحتًا، وهذا كله كذب على الحقيقة وافتراء تأباه عقول أولي الألباب، ولكن الحداثيين لا يفقهون. وفي موضع آخر يستخدم الصلب والمصلوب في سياق الغزل ولكن بمضمون نصراني بحت، فيقول: (أنا مصلوب، والحب صليبي وحملت عن الناس الأحزان في حب إله مكذوب) (١). وله أقوال عديدة مشابهة، استخدم فيها الصلب والصليب والمصلوب والدير وغير ذلك (٢). أمّا بلديه وعصريه وزميل دربه أمل دنقل، فقد اغترف من برك المعمدانية النصرانية حتى تمثل، ومن فائض ثمالاته قوله: (ما أحلى أن يضطرب الموج فينسدل الجفنان وأنا أبحث عن مجداف عن إيمان في صمت "الكاتدرائيات" الوسنان صور للعذراء المسبلة الأجفان يا من أرضعت الحب صلاة الغفران وتمطى في عينيك المسبلتين شباب الحرمان

стр. 889

ردي جفنيك لأبصر في عينيك الألوان أهما خضراوان كعيون حبيبي؟) (١). أعز اللَّه مريم وقدسها عن هذا الهراء المقتبس من تخاريف النصارى وضلالاتهم. ويفتتح مجموعته الشعرية المسماة بالعهد الآتي بكلام "العهد القديم" وآخر من "العهد الجديد" وهو كلام خبيث ردئ كرداءة معتقداتهم. النص الأول: (وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا الخير والشر) (٢). والافتتاح بهذه النصوص تدل بجلاء على مدى قربه من النصارى، وتأثره بهم في أفكارهم وعقائدهم، ثم يورد في ثنايا هذه المجموعة مقطعًا بعنوان "سفر التكوين" (٣)، "الإصحاح الأول" (٤) و"الإصحاح الثاني" (٥) و"الإصحاح الثالث" (٦) و"الإصحاح الرابع" (٧) و"الإصحاح الخامس" (٨)، وفيه يقول:

стр. 890

(رأيتني الصليب والمصلوب) (١). ثم مقطعًا آخر بعنوان "سفر الخروج" (٢) وكل العناوين الجانبية بعنوان الأصحاح الأول. . . الثاني مثل المقطع السابق (٣). ثم مقطعًا آخر بعنوان "سفر ألف دال" أي أمل دنقل، وكل مقطع منه بعنوان الأصحاح (٤). ثم مقطعًا آخر ولكن هذه المرة باسم يهودي "مزامير" ويسرد فيه المزمور الأول. . . الثاني وهكذا إلى الثامن (٥). فهل أجدبت اللغة العربية والتراث الإسلامي وعدمت الألفاظ حتى لا يجد أمل دنقل سوى ألفاظ ومصطلحات اليهود والنصارى، ولم يكتف بمجرد إيراد الألفاظ -على ما في ذلك من انحراف- بل أخذ العقائد والأفكار ونقلها وأدخلها في شعره، وقد مز معنا كلامه عن صليب عيسى ﵇ وإيمانه بهذه الخرافة، وكلامه عن مريم ﵍، ومن هذا القبيل قوله: (ارتاح الرب الخالق في اليوم السابع لكن لم يسترح الإنسان) (٦). وهي عقيدة أهل الكتاب الضالة التي رددوها بافتراء وكذب على اللَّه وقلة توقير، وجهل بصفاته -جلَّ وعلا-، وقد رد اللَّه عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ (٧).

стр. 891

ولا يكتفي بذلك بل يصف القرية في إجلال ومحبة بقوله: (وقريتنا وراء العين توراة من الصمت) (١). ويصف امرأة بأنها: (صلت إلى العذراء طوفت بكل صيدلية) (٢). وأقواله الأخرى في هذا الشأن عديدة (٣). ولم يستطع سعدي يوسف أن يخرج من دائرة التأثير النصراني على شعره رغم مزاعمه التقدمية!!، ففي مقطع بعنوان "بغداد الجديدة" يقول: (في الليل تطوف بين بيوت هاجرها الفقراء وبين كنائس يرهف فيها القداس وبين منازل تغشى فيها فتيات الفقراء) (٤). وفي تهكم بتاريخ المسلمين ورجالاتهم الأبطال يقول: (يمر على المعرة برق جنية وفي شفتي صلاح الدين أغنية صليبية) (٥). وتاللَّه لو كانت هذه الأغنية في فمه لما استطاع دحر الصليبيين، كما أننا لم نستطع دحر اليهود ولا رفع ظلم النصارى عنا لما أصبح المثقفون منا، يلهجون بترانيم الكنائس!!، وتعاليم التلمود!!. وفي تكرارية -باردة- لألفاظ السياب، يعيد تلك المقولة الكافرة:

стр. 892

(وهو المسيح يجر في المنفى صليبه) (١). ويقول أيضًا: (. . . هل رأي المسيح دق المسامير بعينيه؟) (٢). وهو إقرار ضمني بعقيدة النصارى الباطلة. ويقول: (شفتاي تنتظران غير صليبك الداجي نداء) (٣). ويعود إلى تقرير عقيدة الصلب الباطلة فيقول: (يا من هويت وأنت تحلم بالمواسم مثل المسيح حملت سعفه وبقيت طول الليل مصلوبًا تحشرج دون رفه إنا سواء أيها الرجل العظيم) (٤). ويقول أيضًا: (. . . احصي اللانهاية في النهاية كنبيك الممنوع -صلبًا- عن طواطمهم متألمًا حتى الشهادة) (٥).

стр. 893

وفي عبارة صريحة يقول بقول النصارى المفترى والمناقض لخبر اللَّه في القرآن، يقول بصلب عيسى ﵇: (هذا الصليب صلبوا عليه الناصري -ولم يتوبوا- من جديد) (١). وله أقاويل أخرى غير ما ذكرنا (٢). فواعجبًا كيف يكون الشيوعي الذي ينكر الأديان، مؤمنًا بمضمون دين محرف مكذوب!!. أليس في هذا أوضح دليل على أن المراد بكل هذه الهجمات المتلونة بالحداثة أو بالعلمانية أو بالشيوعية، تستهدف الإسلام والمسلمين؟. أمّا الإباحي الماجن نزار قباني، فقد جمع الشر من أقطاره، واحتوى على بلايا ورزايا اعتقادية وسلوكية، ومع ذلك يراد أن يكون قدوة واستنادًا لشباب وشابات المسلمين، وذلك لأن دوره في دغدغة الغرائز يُمكن النفاذ منه إلى زعزعة العقائد. ومن ألوان شروره: أنه قد انطوى على جملة من عقائد أسياده النصارى، وديوانه مترع بذلك. وعلى الرغم من أنه عير جهاد فاضل بأنه نصراني وأن اسمه جوزيف فاضل (٣)، حين كشف فاضل شعوبيته في كتابه فتافيت شاعر، إلّا أنه قد قال بقول النصارى، وأضحى مضاهيًا لهم في كفرهم وكذبهم على اللَّه تعالى وعلى رسله، وسوف نورد من أقواله ما يثبت ذلك. فهو يقول بقتل المسيح ﵇ وصلبه كما تقول النصارى، ففي مقطوعة بعنوان "القدس" يصور القدس وكأنها ملك النصارى، يقول:

стр. 894

(يا قدس يا مدينة تلتف بالسواد من يقرع الأجراس في كنيسة القيامة؟ صبيحة الآحاد. . . من ينقذ الإنجيل من ينقذ القرآن من ينقذ المسيح ممن قتلوا المسيح؟) (١). وفي مقطع بعنوان "إلى الجندي العربي المجهول" يخاطبه بأن العرب لو قتلوا مثلما قتل وفعلوا مثلما فعل. . .: (. . . واحترقوا في لهب المجد كما احترقت لم يسقط المسيح مذبوحًا على تراب الناصرة) (٢). ويلاحظ هنا إيمانه بالصلب أولًا، ثم ربطه قضية فلسطين بالنصارى ورموزهم، مع أنها قضية إسلامية صرفة، ومن يقرأ هذا الكلام وهو لا يعرف قباني يعتقد أن الرجل من سلالة نصرانية ويدافع عن ملته وقومه. ويمتدح حركة "فتح" التي ساهمت بنصيب كبير في إضاعة فلسطين اليوم، وسلمتها على موائد الاستسلام لليهود الغاصبين، يمتدح فتح هذه بأنها ورد ونبع ماء، وأنها لما جاءت: (وفجأة كالسيد المسيح بعد موتنا نهضنا) (٣).

стр. 895

ويستعير وصفًا لحبيبته من التراث النصراني فيقول: (أهواك منذ كنت صغرى كصفحة الإنجيل) (١) ويصف أخرى بوصف صليبي قائلًا: (يا صليب الأغراء من خصلتي زهر شفاهي لمسح هذا الصليب) (٢) ويخاطب عشيقة نصرانية رآها تلبس الصليب، فهام بها وبصليبها فعل كهنة الكنائس، ويقول تحت عنوان "الصليب الذهبي": (انقطة نور بين نهديك ترجف صليبك هذا زينة أم تصوف . . . امرتعش الأسلاك يا لون حيرتي سريرك مصقول وأرضك متحف . . . أجامحة السلسال إني شاعر حروفي لهيب اللَّه هل نتعرف؟ طلعت على عمري خيال نبية صليب وسلسال ثَمين ومعطف . . . على صدرك المعتز ينتحر الأسى وتبرا جراحات المسيح وتنشف) (٣) وأخرى من خديناته في مدريد يخاطبها على أنه سيذهب بها في عيد رأس السنة النصرانية إلى الكنيسة ويدعو المسيح، ويفعل كما يفعل النصارى وكأنه فرد منهم، يقول: (لو كنت في مدريد في رأس السنة كنا ذهبنا آخر الليل إلى الكنيسة كنا حملنا شمعنا وزيتنا لسيد السلام والمحبة كنا شكونا حزننا إليه

стр. 896

كنا أرحنا رأسنا لديه لعله في السنة الجديدة أيتها الحبيبة البعيدة يجمعني إليك بعد غربه في منزل جداره محبه وخبزه محبه) (١). ما رأيت في كلام النصارى السابق ذكرهم من قال هم مثل هذه الأقوال ولا وصل به الأمر إلى ما وصل إليه نزار قباني، في هذه المقطوعة النصرانية بكل المواصفات، عقيدة وسلوكًا وعبادة. وفي خطاب لإحدى عشيقاته -وما أكثرهن- يرجوها قائلًا: (أرجوك يا سيدتي باسم جميع الكتب المقدسة والشمع والبخور والصلبان . . أرجو بالأوثان يا سيدتي إن كنت تؤمنين في عبادة الأوثان) (٢). وهكذا تبدو عقائد نزار قباني في هذا الخليط البغيض من التوسلات الهابطة. ولكنه لا يكتفي بأن يكون نصرانيًا في أفكاره ومعتقداته ومحبته وعبادته، بل يتمنى قائلًا في دعارة وتنصر: (أود لو كان فمي كنيسة

стр. 897

وأحرفي أجراس) (١). ويرجو عشيقته قائلًا: (اصلبيني بين نهديك مسيحًا عمديني بمياه الورد والآس وعطر البيلسان عانقيني في الميادين وفوق الورق المكسور، ضميني على مرأى من الناس ارفضي عصر السلاطين، ارفضي فتوى المجاذيب) (٢). هنا يتضح مدى الارتماء النصراني والتوسل الصليبي، فهو يقرر خرافة صلب المسيح التي يكفر من يقول بها، ويطلب التعميد النصراني، ويطالب بالدعارة المفتوحة في مزيج غريب من العقائد والرغبات المنحطة، ثم يختم كل ذلك برفض الإسلام تاريخًا ودينًا وهو محط الرحل من كل مقدماته السابقة. وله من هذه الشاكلة ألوان وأصناف، حشد فيها كل ما خطر على ذهنه الكليل من أسماء ورموز نصرانية، فعنده ذكر كثير للصليب والصلبان (٣)، وعنده إعجاب شديد بالكنائس وزجاج الكنائس ونوافذ الكنائس وسقوف الكنائس وحتى شقوق الكنائس (٤)، وكأنه تربى في كنيسة وارتضع حبها، ولكن العقيدة إذا تأصلت في القلب فعلت أشد من فعل النشأة على الشيء، فمن شدة التصاقه بالكنيسة ومحبته لها جعل نواقيسها ترن يوم الجمعة (٥)، مع أنها ترن يوم الأحد.

стр. 898

واذا ذهبنا إلى شعراء فلسطين، الأرض التي ابتليت بجور النصارى المستعمرين بما لم يبتل بمثله بلد، فقد احتلوها عقب سقوط الخلافة العثمانية وفتحوا أبواب الهجرة لليهود، ثم لما أرادوا الخروج منها وهبوها لليهود وانسحبوا، فما هو موقف شعراء الحداثة من النصارى وعقائدهم؟ هذا ما سوف تجيب عليه الشواهد الآتية من كلام درويش وبسيسو وسميح. فأمّا محمود درويش (شاعر الأرض المحتلة)؟! فقد حشد من الرموز والمعاني والأفكار النصرانية الشيء الكثير، ومن أول أهداء في ديوانه، يقول: (من أي غاب جئتني يا كل صلبان الغضب) (١). ويقول: (وإلام نحمل شوكنا وصليبنا) (٢)، وكأنه نصراني يتحدث عن مأساته. ونحوه قوله: (وطني لم يعطني حبي لك غير أخشاب صليبي) (٣). ويمتدح الصليب وآلامه قائلًا: (المغني على صليب الألم جرحه ساطع كنجم قال للناس حوله كل شيء سوى الندم: هكذا مت واقفًا

стр. 899

واقفًا مت كالشجر! منبرًا أو عصا نغم ومساميره وتر هكذا ينزل المطر هكذا يكبر الشجر) (١). ويقول مستلهمًا خرافة صلب المسيح مستمدًا منها القوة: (ما كنت أول حامل أكليل شوك لأقول: أبكي! فعسى صليبي صهوة والشوك فوق جبيني المنقوش بالدم والندى إكليل غار) (٢). وله مقطوعة بعنوان (أغنية حب على الصليب) يقول فيها: (أحبك كوني صليبي وكوني، كما شئت برج حمام. . . . أحبك كوني صليبي وما شئت كوني) (٣). ويصف الصليب بأوصاف فاعلة هائلة، ويجعل له من النعوت النصرانية والآمال الصليبية ما لا يستطيع قوله إلّا راسخ في هذه الديانة، يقول:

стр. 900

(سأحمل كل ما في الأرض من حزن صليبًا يكبر الشهداء عليه وتصغر الدنيا ويسقي دمع عينيك رمال قصائد الأطفال والشعراء) (١). ويتوجه إلى الصليب في عبادة واحتراق ليصبح قديسًا: (فإذا احترقت على صليب عبادتي أصبحت قديسًا بزي مقاتل) (٢) وهل يقول النصراني أكثر من هذا؟. ويقول: (شكرًا - صليب مدينتي شكرًا لقد علمتنا لون القرنفل والبطولة يا جسرنا الممتد من فرح الطفولة يا صليب - إلى الكهولة) (٣). ويصور الفكر الجديد، الفكر الحداثي بوصف يليق به وبنشأته الموافقة لما صف، يقول: (ولكنني خارج من مسامير هذا الصليب لأبحث عن مصدر آخر للبروق) (٤).

стр. 901

ويقول واصفًا اعترافه بالصليب وأنه مصدر النور قائلًا: (كيف اعترفنا بالصليب الذي يحملنا في ساحة النور لم نتكلم نحن لم نعترف إلّا بألفاظ المسامير) (١). ويقرر عقيدة الصلب ويمتدح الصليب قائلًا: (ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب) (٢). ويصور شاعر الأرض المحتلة القدس صورة مزرية قائلًا: (نرسم القدس: إله يتعرى، فوق خط داكن الخضرة، أشباه عصافير تهاجر وصليب واقف في الشارع الخلفي، شيء يشبه البرقوق والدهشة من خلف القناطر وفضاء واسع يمتد من عورة جندي إلى تاريخ شاعر) (٣). ويقتبس عبارات الإنجيل الكفرية مخاطبًا بها اللَّه تعالى خطابًا نصرانيًا منحطًا، يقول: (لا تقولوا: أبانا الذي في السموات قولوا: أخانا الذي أخذ الأرض منا وعاد

стр. 902

هو الآن يعدم) (١). ويقول واصفًا الذي تعلمه وتلقنه: (أنا تعلمنا البكاء بلا دموع وقراءة الأسوار والأسلاك والقمر الحزين حرية وحماسة ورضا يسوع) (٢). ويقول: (لماذا شربتم زيوتًا مهربة من جراح المسيح) (٣). ويقول: (ويا أيها الكرمل الآن تقرع أجراس كل الكنائس وتعلن أن عاش المؤقت لا ينتهي دائمًا، أو ينتهي مرة. . . والآن بعثُ المسيح يؤجل ثانية) (٤). ويقول: (وأمضي نحو وقتي وصليب الآخرين) (٥). ويذكر العقيدة ويمزجها بخشب الصليب قائلًا: (فكسرت كرسيها، وصنعت من الخشب الجبلي صليبي

стр. 903

أراك على بعد قلبين في جسد واحد وكنت أطل عليك خلال المسامير كنت العقيدة وكنت شهيد العقيدة) (١). ويمتدح شخصًا اسمه إبراهيم ويصف بساطته بأنها مثل بساطة الصلب في إيحاء باللطافة والتواضع واليسر وكأنه قس يجتذب الناس إلى حضيرته، فيقول: (كان إبراهيم رسامًا وأب كان حيا من دجاج وجنون وغضب وبسيطًا كالصليب) (٢). ويقول: (خذيني آية من سفر مأساتي) (٣). ولو ذهبت أتتبع الرموز والأقوال والمصطلحات والعقائد لطال الكلام، وكلها من جنس ما سبق ذكره (٤). أمّا زميله في النضال الشيوعي!! سميح القاسم، فلم تقصر قدماه في السير إلى الكنائس يتلقى عنها ويأخذ رموزها، وعقائدها، ليسجلها باعتزاز وافتخار في ديوانه، ديوان النضال!!، ومن أظهر علائم تنصره مقطوعته التي بعنوان "رسالة إلى اللَّه" يخاطب اللَّه -جلَّ وعلا- بالخطاب النصراني ذاته

стр. 904

ويجعله "أبا" كما تقول النصارى، ثم يلحد فيه ويجحده، يقول: (سيد الكون أبانا ألف آمنا وبعد من حقول البؤس هذي الكلمات. . . يا أبانا، يا أبًا أيتامه ملوا الصلاة يا أبانا، نحن ما زلنا نصلي من سنين يا أبانا، نحن ما زلنا بقايا لاجئين أرضنا من عسل -يُحكى- بها الأنهار -يُحكى- من حليب انجبت -يُحكى- كبار الأنبياء وعشقناها ولكنا انتهينا في هوانا أشقياء وحملنا كل آلام الصليب يا أبانا كيف ترضى لبنيك البسطاء دون ذنب كل آلام الصليب!! يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء لن نصلي لك كي تمطر قمحًا لن نداوي بالحجابات وبالرقية جرحًا نحن انجبنا على الحزن كبار الأنبياء وخلقنا من أمانينا التي تكبر. . . ربًا شق من مأساتنا للفجر دربًا) (١).

стр. 905

سبحان اللَّه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. وفي إيمان منه بصلب المسيح ﵇ يقول: (ونبسم لا بسمة الأغبياء ولكنها بسمةُ الأنبياء تحداهم صالب تافة) (١). وفي سياق انتمائه للشيوعية ورموزها يمتدح كوبا قائلًا: (حسنًا حسنًا حدث عن كوبا هل تعرف شيئًا عن شعب ما عاد مسيحًا مصلوبًا) (٢). وكرر المعنى نفسه في مقطع آخر يمتدح فيه رئيس كوبا (٣). ويجعل ليوم الأحد عيد النصارى الأسبوعي مكانة فيقول: (والتقينا صدفة قدّسية … جمعت قلبين يوم الأحد فغدا يوم المسيح المفتدى … بدء تاريخي وذكرى مولدي) (٤) ويجعل إيمانه تحت ظل الصليب وهو اعتراف بتنصره. . . فيقول: (وأنا وحدي للإيمان في ظل صليبي صامتًا هيأت جرحي للوضوء) (٥). وله مقطع بعنوان "وحيدًا في ليلة رأس السنة" (٦) ينعي حظه أنه بدون

стр. 906

موسيقى ولا صديقات ولا خمر، ويخاطب قومه الفلسطينيين اللاجئين قائلًا: (فتكاثروا وتكاثروا يا أمة الصلبان، يا سكان مملكة الخيام) (١). وفي ديوانه "لا أستاذن أحدًا" له كلمات تحت عنوان "ق - ت" يقول فيها: (قطرة من دم عيسى سقطت من جفن مريم يا دمي قم وتكلم غصت الأرض مجوسًا) (٢). وفي مقطع آخر بعنوان (ك - س - ر) يؤكد فيه إيمانه بخرافة صلب عيسى ﵇ فيقول: (آن للحنطة أن تنضج في مرج ابتهالاتي الفسيح آن أن ينزل عن صلبانهم حبي وشعبي والمسيح) (٣). ونحوه قوله: (أيها الواقدون من الخشب احترقوا

стр. 907

في صليب المسيح) (١). ويكرر ألفاظ النصارى الكفرية الموجودة في الإنجيل المحرف، فيقول: (يسقط الجسر على النهر تصيح امرأة حبلى "أبانا في السموات") (٢). وله عبارات كثيرة فيها الصلب والصليب والمصلوب ونحو ذلك (٣). وثالث أثافي النضال الشيوعي الفلسطيني، الهالك معين بسيسو، وله في ميدان التنصر جولة وصولة طويلة، وسأنقل بعض الشواهد وأحيل على الباقي. ففي مقطع له بعنوان "لصوص الصلبان" (٤) يجعل الصليب رمزًا للتصميم والقوة والإصرار والمجد والتضحية فيقول: (أحبابي، ألواح صليبي ليست أرجوحة جلادي فلتقرع أجراس الأصفاد لسنًا نخلًا من رمل تحنيه الريح. . . أحبابي أن نحمل هودج سلطان أن نصلب كي يتسلق

стр. 908

ألواح الصلبان لصوص الصلبانِ أن تصبح أعلامي أقنعة نوافذ سجاني لا، أحبابي) (١). ومن ولعه بالرموز الصليبية يكررها ويجعل منها علامات للفخر والاعتزاز، ففي مقطع بعنوان "جراح بلا أجراس" (٢) يقدم له بمقدمة إهدائية يقول فيها: (إلى الذين يقاتلون ولا يعلقون الأجراس في جراحهم) (٣). يقول في المقطع: (كفي على مرآتنا، نطرز الصليب كفى على دروبنا، نطرز العيون) (٤). وفي إقرار بعقيدة النصارى الكاذبة في صلب المسيح يقول: (كرهت هجرة الأجراس من كنيسة إلى كنيسة كرهت هجرة المسيح بين كأس الخل والصليب في طريق الجلجلة) (٥). ويأتي بعقائد أهل الكتاب في قضية خلق السموات والأرض ويسخر

стр. 909

من اللَّه، إذ يجعل العصفور رمزًا عنه، تعالى وتقدّس في علاه، يقول بسيسو: (لعب العصفور لعبته الكبرى خلق الوردة، صورها، "في ستة أيام" في اليوم "السابع نام" تعب العصفور من الخلق، من التصوير، فنام) (١). وله مقطع بعنوان "الأردن على الصليب" (٢) يقول فيه: (أنا مصلوب أغرد ولعمان ونابلس وأربد) (٣). وفي مقطع آخر يقول: (على صليب من ورق الزيتون تمدد المخلّص الكذاب كالغراب) (٤). ويجعل لقلبه صليبًا في سياق فرحته بالشيوعية فيقول: (ولتفرد أجنحة صليبك

стр. 910

يا قلبي طرْبي، طربي) (١). ويقول: (أدخلني في تجربة الصلبِ وجرعني كأس الصلب لن أهرب من دربي لن أهرب من كأس الخَلّ وإكليل الشوك وسأنحت من عظمي مسمار صليبي وسأمضي) (٢). ويلصق نفسه وقصائده بالصليب، ويجعله مزروعًا في الأرض وله جذور، في صليبية صلعاء لا مواربة فيها، يقول: (والذين يرجمون قصائدي وينكرون سيفها مسمرًا على الصليب. . . صليبي المزروع في أرضكم، يقودكم إليّ حيث صار للصليب يا أحبابنا جذور) (٣).

стр. 911

ويقول عن نفسه: (أنا لست أملك غير قيثارى وصلبان القصائد) (١). ويقول: (وجراحكِ، ودماؤك قبض الريح وصليبك لن يولد منه مسيح) (٢). وفي الجملة ديوانه مليء بالرموز النصرانية ومحشوة بألفاظ الصليب والصلب والمصلوب والصلبان (٣) وكذلك بلفظ الأجراس (٤). ويبرز من أرض اليمن عبد العزيز المقالح ليخوض في مستنقعات الصليبية، كما خاض في مستنقعات أخرى، وليجمع مع شروره شرًا لاحقًا يتمثل في استعمال الرموز الصليبية والأسماء والعقائد والمضامين، ومن ذلك قوله في مقطوعة بعنوان "عصر يهوذا": (وكان يهوذا هناك يقبل رأس المسيح ويشرب نخب الإله وفي كل رشفة كأس يصلي يناجي. . . يصيح يعيش الإله يعيش الرسول، وشعب الرسول الذبيح ويقرأ مستغرقًا في خشوع

стр. 912

حكايات من صُلبوا في الطريق. . . وعند الصباح يموت النهار ويرقد فوق الصليب الرسول وخلف السجون يعاني، يموت الإله) (١). ولا يخفى على القارئ ما في هذا المقطع من العقائد النصرانية ومنها الإلماح إلى صلب المسيح ﵊، ولكنه يصرح بعقيدة الصلب النصرانية في موضع آخر في قوله في مدح محمود درويش: (لو لم يمت على صليبه المسيح لو لم تزين هامة البطل ايقونة العُليق ما عرفت روما قداسة الحريق ولا مشينا خلفه حين رحل) (٢). وفي مقطع آخر يخاطب سميح القاسم، ويناجيه بالرموز النصرانية التي تواطأوا على اعتبارها واحترامها وتمجيدها، فيقول: (مكانك قف صامدًا يا سميح ولو حملوك الصليب ولو طلبوا منك تمشي على الشوك أن تصعد الجلجلة وفيك أعادوا عذاب المسيح

стр. 913

وكل مخازيهم المخجلة فإنك أقوى وأنك أبقى) (١). وفي رثاء للمجاهد محمد محمود الزبيري يقول: (ليضحك الكهف من الأعماق لتقرع الكنائس البعيدة الأجراس) (٢). ولا يُدرى لماذا اختار الكنائس في رثاء هذا الشيخ المجاهد؟ أمن أجل إعزازه، إذا كان يرى قرع أجراس الكنائس عزًا؟ أم من أجل إذلاله؛ لأن الشيخ كانت جهادًا ضد الوثنية والظلم؟. ويصف نفسه قائلًا: (حملت الصليب على كاهل مثقل بالندم) (٣). ولا يكتفي بوصف عيسى ﵇ بأنه مصلوب، بل يجعل أيوب السلام كذلك، وهو يرمز به لشخص صابر في هذا العصر، فيقول: (أيوب، على طريقكم مصلوب أمال راسه ألقى به على صدر مهشم منخوب. . . فالصبر بئرنا الغريب ايقونة الجبان والصليب ثار، بكى

стр. 914

مشى على طريق النائحين والحواه مزق ثوب الصبر قال: آه) (١). وفي امتداح أحد رفاقه المناضلين!! يقول: (لن يتوقف زحف الرفاق إلى مدن الحلم، كل فتى سوف يحمل إنجيله -داميًا- وصليبه) (٢). ويجعل قرينه في انتظار المسيح لينقذها (٣) علمًا بأنه لا يوجد في اليمن نصراني واحد من أهلها. وللفيتوري مشاركاته فى هذه الاستعارات النصرانية، فمن ذلك قوله تحت عنوان "الناقوس": (برج كنيسة قديمة، وراهب قلق وغيمة تحك فخذيها، وتعبر الأفق. . . وصوت ناقوس يدق يرسم نصف دورة على الفضاء ويدق) (٤). ويقول: (ما أجمل المساء في عينيك يا مدينتي منسكبًا على حوائط البيوت على كنائس النصارى الطيبين

стр. 915

على مآذن المساجد القديمة) (١). وهو أيضًا ممن يعتقد صلب المسيح اقتداءً بالنصارى، فيقول: (ومضيت مضى الإنسان الآخر، فوق الريح يحمل صلبان الموت على كتفيه مثل مسيح) (٢). ويتحدث عن فلسطين باعتبارها ملكًا للنصارى والمسلمين في تدليس جلي ومغالطة مكشوفة ثم يجعل الرموز النصرانية أكثر وأظهر فيقول: (دوَّى نفير الثأر يا جراح عشرين سنه نجمة إسرائيل فوق المئذنه فمن إذن يا وطني! ينهض للصلاه بينما حوافر اليهود تدوس سقف المسجد الأقصى وخوذات الجنود تظلل المطران والمعابد والشمَّاس وتسجن اسم اللَّه. وتركل القداس ومن إذن يا وطني
следующие страницы →