ويقول عن نفسه:
(أنا لست أملك غير قيثارى وصلبان القصائد) (١).
ويقول:
(وجراحكِ، ودماؤك قبض الريح
وصليبك لن يولد منه مسيح) (٢).
وفي الجملة ديوانه مليء بالرموز النصرانية ومحشوة بألفاظ الصليب والصلب والمصلوب والصلبان (٣) وكذلك بلفظ الأجراس (٤).
ويبرز من أرض اليمن عبد العزيز المقالح ليخوض في مستنقعات الصليبية، كما خاض في مستنقعات أخرى، وليجمع مع شروره شرًا لاحقًا يتمثل في استعمال الرموز الصليبية والأسماء والعقائد والمضامين، ومن ذلك قوله في مقطوعة بعنوان "عصر يهوذا":
(وكان يهوذا هناك
يقبل رأس المسيح
ويشرب نخب الإله
وفي كل رشفة كأس يصلي
يناجي. . . يصيح
يعيش الإله
يعيش الرسول، وشعب الرسول الذبيح
ويقرأ مستغرقًا في خشوع
стр. 912
حكايات من صُلبوا في الطريق. . .
وعند الصباح يموت النهار
ويرقد فوق الصليب الرسول
وخلف السجون يعاني، يموت الإله) (١).
ولا يخفى على القارئ ما في هذا المقطع من العقائد النصرانية ومنها الإلماح إلى صلب المسيح ﵊، ولكنه يصرح بعقيدة الصلب النصرانية في موضع آخر في قوله في مدح محمود درويش:
(لو لم يمت على صليبه المسيح
لو لم تزين هامة البطل
ايقونة العُليق
ما عرفت روما قداسة الحريق
ولا مشينا خلفه حين رحل) (٢).
وفي مقطع آخر يخاطب سميح القاسم، ويناجيه بالرموز النصرانية التي تواطأوا على اعتبارها واحترامها وتمجيدها، فيقول:
(مكانك
قف صامدًا يا سميح
ولو حملوك الصليب
ولو طلبوا منك تمشي على الشوك
أن تصعد الجلجلة
وفيك أعادوا عذاب المسيح
стр. 913
وكل مخازيهم المخجلة
فإنك أقوى
وأنك أبقى) (١).
وفي رثاء للمجاهد محمد محمود الزبيري يقول:
(ليضحك الكهف من الأعماق
لتقرع الكنائس البعيدة الأجراس) (٢).
ولا يُدرى لماذا اختار الكنائس في رثاء هذا الشيخ المجاهد؟ أمن أجل إعزازه، إذا كان يرى قرع أجراس الكنائس عزًا؟ أم من أجل إذلاله؛ لأن الشيخ كانت جهادًا ضد الوثنية والظلم؟.
ويصف نفسه قائلًا:
(حملت الصليب على كاهل مثقل بالندم) (٣).
ولا يكتفي بوصف عيسى ﵇ بأنه مصلوب، بل يجعل أيوب السلام كذلك، وهو يرمز به لشخص صابر في هذا العصر، فيقول:
(أيوب، على طريقكم مصلوب
أمال راسه
ألقى به على صدر مهشم منخوب. . .
فالصبر بئرنا الغريب
ايقونة الجبان والصليب
ثار، بكى
стр. 914
مشى على طريق النائحين والحواه
مزق ثوب الصبر قال: آه) (١).
وفي امتداح أحد رفاقه المناضلين!! يقول:
(لن يتوقف زحف الرفاق إلى مدن الحلم، كل
فتى سوف يحمل إنجيله -داميًا- وصليبه) (٢).
ويجعل قرينه في انتظار المسيح لينقذها (٣) علمًا بأنه لا يوجد في اليمن نصراني واحد من أهلها.
وللفيتوري مشاركاته فى هذه الاستعارات النصرانية، فمن ذلك قوله تحت عنوان "الناقوس":
(برج كنيسة قديمة، وراهب قلق
وغيمة تحك فخذيها، وتعبر الأفق. . .
وصوت ناقوس يدق
يرسم نصف دورة على الفضاء
ويدق) (٤).
ويقول:
(ما أجمل المساء في عينيك يا مدينتي
منسكبًا على حوائط البيوت
على كنائس النصارى الطيبين
стр. 915
على مآذن المساجد القديمة) (١).
وهو أيضًا ممن يعتقد صلب المسيح اقتداءً بالنصارى، فيقول:
(ومضيت
مضى الإنسان الآخر، فوق الريح
يحمل صلبان الموت على كتفيه مثل مسيح) (٢).
ويتحدث عن فلسطين باعتبارها ملكًا للنصارى والمسلمين في تدليس جلي ومغالطة مكشوفة ثم يجعل الرموز النصرانية أكثر وأظهر فيقول:
(دوَّى نفير الثأر
يا جراح عشرين سنه
نجمة إسرائيل فوق المئذنه
فمن إذن يا وطني!
ينهض للصلاه
بينما حوافر اليهود
تدوس سقف المسجد الأقصى
وخوذات الجنود
تظلل المطران والمعابد والشمَّاس
وتسجن اسم اللَّه.
وتركل القداس
ومن إذن يا وطني
стр. 916
يغمض عينيه على تدفق الأجراس) (١).
فقد رمز للمسلمين بثلاثة رموز: المئذنة والصلاة والمسجد الأقصى في سياق هامشي، ورمز للنصارى بخمسة رموز: المطران والمعابد والشماس والقداس والأجراس، علمًا بأن فلسطين إسلامية وليست نصرانية ولا يهودية، ولكن طلب رضى النصارى والحصول على ثنائهم مطلب حداثي كبير.
وعند الفيتوري من الرموز النصرانية: صلبان ومصلوب (٢)، وخطيئة (٣)، وكنائس (٤)، وتسمية عيسى ﵇ بالتسمية النصرانية يسوع (٥).
ومحمد الماغوط ربيب عصابة شعر خاض فيما خاضوا فيه، بل وتعمق في مودة النصارى والالتصاق بهم إلى حد أنه تمنى قائلًا:
(أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة
أو صليبًا من الذهب على صدر عذراء) (٦).
وفي امتداح غريب من نوعه يقول:
(هذه السحابة المقبلة كعينين مسيحيتين) (٧).
ولا نعلم أعيون النصارى غير عيون الناس؟ أم أنه بسبب شغفه وولعه بالنصارى يرى عيونهم كذلك؟.
ويقول:
стр. 917
(والأحلام كنيستي وشارعي) (١).
ويصف دعاءه الصاعد للسماء بأنه قرب كلمات المسيح فيقول:
(أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟
آه يا حبيبتي
لابد أن يكون
كل الآهات والصلوات. . .
متعجمة في مكان ما من السماء. . . كالغيوم
ولربما كانت كلماتي الآن
قرب كلمات المسيح
فلننتظر بكاء السماء
يا حبيبتي) (٢).
ولممدوح عدوان اقتباساته الخاصة كقوله:
(أتذكر يوم صغت صليبك القدسي من غصني) (٣).
ويقول تحت عنوان "سفر الدم والميلاد":
(على خشب الصليب قضيت محنيا
وصوتك عبأ الساحة) (٤).
ويواصل فيها إلى أن يقول:
(بكفك رحت تمسح من وجوه النادبين الدمع والأحزان
стр. 918
وأنت تخوض في المحنة
قفزت عن الصليب
قلعت في كفيك مسمارين من خشبه) (١).
وفي تلاقح مع العقيدة النصرانية الضالة يقول:
(. . . قف أيا شارب الخمر لا تقترب من دماء المسيح
دمه ساخن، مذ لمسناه دون وضوء يصيح) (٢).
ويقول:
(الدموع سلالمك المشرعات
إلى اللَّه أو للخلاص. . .
ثم ارتجفت أمام فحيح الخيانة
بالفخر واجهت طعنة غدر
كما يرتقي في الصباح
المسيح إلى الجلجلة) (٣).
أمّا أحمد دحبور فقد حكى عن نفسه بأنه تربى في أحضان أستاذ نصراني اسمه "موريس قبق" منذ أن كان في الرابعة عشر من عمره، وهو الذي دله على الشعر الحديث قائلًا: (. . . أخبرني أن الشعر الحديث هو الشعر، أمّا هذا الكلاسيكي السلفي فقد انتهى أمره. . .، ويضحك موريس قبق:
أراهنك أنك بعد سنة واحدة لن تكتب إلّا الشعر الحديث، ويوم أتيته سعيدًا بخسارة الرهان قال لي: هذا لا يكفي، الشعر الحديث يعني أن تكون
стр. 919
حديثًا في روحك ولغتك، وليس في الوزن فقط، الحداثة تعني التغيير والتجديد باستمرار. . .) (١).
فلا غرو أن يكون الوفاء لهذا المعلم النصراني بترديد عقائد ملته ورموزها، وقد فعل ذلك دحبور، فمن ذلك قوله:
(والفادي الذي رُفِضَت كفالته على خشب الصليب) (٢).
فهو يقرر عقيدة الصلب المفتراة فى النص السابق، وفى نص آخر أيضًا حيث يقول:
(صلبت الناصري
كلنا خشبنا الأثم) (٣).
ويقول: (على جبل من العذاب أمامهم، ولأجلهم، حُمّلت آلافًا من الصلبان ولن يجدوا لهم عذرًا فما شُبهت حين صُلبت) (٤).
وتحت عنوان "أجراس الميلاد ١٩٧١" (٥) يقول:
(تخبرني الأجراس هذا الليل
عن مقاتل يعرفه الصغار
في يديه مسماران
تكبر الحقول حوله
ووجهه منارة:
تضيء مرة
стр. 920
ومرة تقول لا. . .
. . . ساعتها، تخبرني الأجراس أن ساعتي حانت
وأن سيدًا يغادر الصليب
يحتفي ببعثه الرجال والطريق
تبكي فرحًا مدينةٌ. . .) (١).
وله مقطوعة أخرى بعنوان "أجراس الميلاد ١٩٧٤" (٢) يقول فيها:
(واجتمع الفقراء على فصح مذهول) (٣).
وأخرى بعنوان "أجراس الميلاد ١٩٧٧" (٤).
ويقول في موضع آخر:
(في كنيسة، قديسة المستحيلات اشعلت لي شمعتين) (٥).
وفي مقطوعة له بعنوان "نقطة سوداء" (٦) مهداة إلى محمود درويش، يقول.
(قديسة المستحيلات بينت لي الأمر. . .
لا ربح ولا خسارة
بل ورقة أخذتها من دفتر الاماتة) (٧).
ثم يضع هامشًا يشرح فيه المقصود بدفتر الاماتة قال: (هو دفتر يعطى لبعض الرهبان ليسجلوا فيه الحالات التي تمكنوا فيها من إماتة رغباتهم
стр. 921
الدنيوية ليكونوا جديرين ببركة السيد المسيح) (١).
وفي مقطع آخر عنوانه "٣٣" يقول:
(٣٣
اكتمال حب المسبحة
نقص واحدةٍ من سنوات المسيح بين المذود والخشبة) (٢).
وهذا إقرار منه بعقيدة صلب المسيح ﵇ المفتراة، ولديه من هذا القبيل أشياء عديدة (٣).
أمّا نوال السعداوي فقد حشت روايتها "سقوط الإمام" بالعقائد النصرانية حشوًا كريهًا، ومن ذلك قولها: (أذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد وأدعو المسيح لينقذني من الفقر، عشرون عامًا ولم ينقذني الأب أو الابن أو الروح القدس. . .) (٤). فقد جعلت شخصية روايتها تذهب إلى الكنيسة تدعو غير اللَّه ثم لم تجد ملبيًا بعد دعاء عشرين سنة، ولم ينقذها الثالوث النصراني وهي في كل ذلك تسوق هذه العقائد في سياق نصراني يدل على ذلك أنها تصف الشخصية الأساسية في روايتها بأنها حملت وقالت (. . . كنت أصلي ويتجسد إله في أحلامي على شكل رجل، يمر بيد الحانية على صدري ويرتفع بطني بالمسيح) (٥).
وهي عقيدة النصارى ذاتها تكررها بأسلوب قصصي هابط المعنى والمبنى.
وتقرر في موضع آخر أن عيسى ابن اللَّه (٦) -تعالى اللَّه عما تقول- ثم
стр. 922
تقول: (ووجدتني أسير نحو الكنيسة وأنا أرسم فوق صدري الصليب، الأب والابن والروح القدس) (١).
وتنسب إلى اللَّه تعالى الأبناء، وتسمي المولودة "بنت اللَّه" تعالى اللَّه وتقدّس عن هذا علوًا كبيرًا، ثم تقول: (وقال حارس القبة أن اللَّه هو الأب والابن والروح القدس. . .) (٢).
إلى غير ذلك من عقائد الضلال، والنصرانية القاحلة التي تطبع هذه الرواية من أولها إلى آخرها.
ومن التأثر بالنصارى تسمية عبد اللَّه الغذامي كتابه الذي نال به درجة الدكتوراه من الغرب "الخطيئة والتكفير".
هذه نَماذج مختلفة لأشخاص مختلفين من بلاد عربية مختلفة، اجتمعوا في مذهب الحداثة مقلدين للأوروبيين وسائرين على خطاهم، في المادية مرة وفي النصرانية أخرى غير آبهين بما يقتضيه هذا وذاك من تناقض وتباين، فقد قنعوا بالمحاكاة التي يأملون أن يجنوا من خلفها احترام وتقدير أساتذتهم وتلامذة أساتذتهم.
وكيف لا يكون هؤلاء هكذا وأستاذهم الكبير الذي اقتفوا أثره "أليوت" الاستعماري النصراني حنى العظم، وهو أمريكي بروتستانتي، تخلص من جنسيته الأمريكية ونظرية الجمهورية السياسية، ومن ديانته، وذهب إلى بريطانيا ليعيش كاثوليكيا ملكيًا يؤمن بأن الدولة المثالية هي الدولة الكنيسية التي تشرف على التعليم فيها منظمات رهبانية، وأمن بالطبقية الملكية في بريطانيا، وأيدهم؛ لأن فيهم "دم الملوك" و"الصفوة المختارة" وأيد الاستعمار وعصبية العرق وقد صرح بأنه: كلاسيكي في الأدب، كاثوليكي انجليكاني في المذهب، ملكي في السياسة (٣).
стр. 923
ولأليوت كلمات قوية في تأييد الاستعمار والنصرانية، يقول فيها: (والأشارة إلى الضرر الذي أصاب الثقافات الوطنية في أثناء التوسع الاستعماري ليس إدانة للاستعمار نفسه بحال، كما يحب دعاة تفكك الاستعمار أن يستنتجوا، بل إن أعداء الاستعمار هؤلاء أنفسهم هم في معظم الأحيان أكثر المؤمنين بتفوق المدنية الغربية اطمئنانًا في إيمانهم، بوصفهم أحرارًا، وهم يجمعون في وقت واحد بين العمى عن فوائد الحكم الاستعماري، وعن ضرر تحطيم الثقافة الوطنية، وحري بنا حسبما يرى هؤلاء المتحمسون أن نقحم أنفسنا على مدنية أخرى ونجهز أفرادها بمبتكراتنا الميكانيكية ونظمنا في الحكم والتعليم والقانون والطب والمالية، ونوحي إليهم احتقار عاداتهم، واتخاذ موقف مستنير من الخرافات الدينية، ثم نتركهم لينضجوا في الخليط الذي أغليناه لهم) (١).
ويرى أليوت أن الثقافة والنظم والقوانين والفنون الموجودة في أوروبا كلها انبثقت من النصرانية، يقول: (في المسيحية نمت فنوننا، وفي المسيحية تأصلت -إلى عهد قريب- قوانين أوروبا.
وليس لتفكيرنا كله معنى أو دلالة خارج الإطار المسيحي.
وقد لا يؤمن فرد أوربي بأن الإيمان المسيحي حق، ولكن ما يقوله ويصنعه ويأتيه كله من تراثه في الثقافة المسيحية، ويعتمد في معناه على تلك الثقافة، وما كان يمكن أن تخرج فولتير أو نيتشه إلّا ثقافة مسيحية، وما أظن أن ثقافة أوروبا يُمكن أن تبقى حية إذا اختفى الإيمان المسيحي اختفاءًا تامًا. ولا يرجع اقتناعي بذلك إلى كوني مسيحيًا فحسب، بل أني مقتنع به أيضًا بوصفي دارسًا لعلم الأحياء الاجتماعي، إذا ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا) (٢).
ويضرب أليوت أمثلة بالمذاهب الأدبية التي نشأت في أوروبا حيث
стр. 924
قرر أن الكلاسيكية مرتبطة بالكاثوليكية التي تؤمن بسلطة روحية خارج الفرد، وأن الرومانسية مرتبطة بالبروتستانتية التي تعتقد بالصوت الباطني (١).
وإذا كانت قصيدة أليوت "الأرض اليباب" التي نالت من الشهرة والمكانة عند الحداثيين المنزلة الكبرى، وأصبح الاحتذاء بها والسير على منهجها وتقليد أساطيرها ورموزها النصرانية صرعة الحداثيين، وميدان تنافسهم في المحاكاة الشكلية والموضوعية.
قصيدة الأرض اليباب أو الأرض الخراب هي عبارة عن تصوير لخواء الحياة في الغرب، لتركهم الحياة النصرانية (وقد كان أليوت يؤمن أن الحضارة الغربية حضارة مسيحية، إذ أن الأرض الخراب هي نفسها أسطورة الأرض التي حلت بها اللعنة، وبات ملكها عاجزًا جنسيًا أمام شهوة زوجته، وكان على أحد المنقذين أن يعود إلى الكنيسة، ليصل إلى الكأس المقدسة، كأس الإخصاب الطبيعي والحضاري والروحي، فيرفع اللعنة عن الملك العقيم وزوجته الأرض المجدبة، إلّا أن "تيرزياس" بطل قصيدة "أليوت" لا يصل إلى هذه الكأس؛ لأنه افتقد الإيمان بالكنيسة والمسيح، فلا يبقى هنالك إلّا لعنة "الأرض الخراب") (٢).
هذا ملخص لفكرة ومضمون قصيدة أليوت التي ذاب الحداثيون فيها تقليدًا واستعارة وتقمصًا.
ولا ريب أن أليوت وقصيدته كانت نموذجًا نصرانيًا كما قال روزنتال عن أليوت، وعن قصيدته (إن صوفيته الفكرية، وإيمانه بالعدل المطلق للعناية الإلهية واهتمامه باللاهوت بوجه عام، واتجاهاته الفلسفية قد برزت بروزًا هائلًا بسبب ما أضفى عليها من اهتمام زائد، فقصيدة "الأرض اليباب" يُمكن، بل يجب، أن تقرأ على أنها موعظة مسيحية مستترة و"القصائد الأربع" على أنها تأملات دينية صريحة) (٣).
стр. 925
ولا يجحد الحداليون العرب تاثرهم بأليوت وقصيدته الأرض اليباب، بل يتبنون ذلك.
يقول باروت: (لقد أثرت "الأرض الخراب" عميقًا في تحولات الشعر العربي الحديث، وهضمتها شعريًا نخبة، وترى نموذجها الشعري في الغرب) (١).
ويقول ناقد حداثي آخر: (. . . أليوت الذي أصبحت قصيدته "الأرض الخراب" معينًا لا ينضب للشعراء الذين أتوا من بعده) (٢).
وبئس به من معين، بل من مستنقع آسن ردي!!.
ويتحدث الناقد نفسه عن أثر "أليوت" وينقل عن غيره من النقاد (٣)، ثم يتكلم عن تأثير أليوت القوي على السياب وينقل عن غيره أن السياب (علاوة على اهتمامه بقصيدة أليوت "الأرض الخراب" ومحاولته الواعية أو غير الواعية تقليد ما جاء في تلك القصيدة الكبرى من إشارات مفرطة إلى الأساطير وإلى الآداب الأجنبية) (٤).
ثم يضيف (أن الشعر العربي الحر يعي أليوت وعيًا شاملًا إلى درجة إدخال مقتطفات من قصائد أليوت بلغتها الإنكليزية في تضاعيف القصيدة العربية) (٥).
ثم ذكر اعتراف السياب في مؤتمر روما يتأثر أليوت على الشعر العربي الحديث، الشيوعي منه وغير الشيوعي والردئ منه والجيد على السواء) (٦).
стр. 926
ويشير ناقد آخر إلى عمق تأثير أليوت في الشعر الحديث، وينقل عن غيره من النقاد الحداثيين ما يؤكد أن (. . . مدرسة الشعر الحر. . . كان أليوت أكبر مؤثر في اتجاهاتها. . . إن قصيدة "الأرض الخراب" لأليوت كانت إنجيل شعراء مدرسة الشعر الحر في العالم العربي، وأعظم مثل فني اقتفوا أثره) (١).
هذا هو السند المظلم الذي اتصل به الحداثيون، وحاولوا غرسه في بلاد العرب المسلمة، في سعي متواصل لاجتثاث شجرة الإسلام، ويأبى اللَّه إلّا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
• • •
رابعًا: التصورات المتأثرة بالفرق المنتسبة إلى الإسلام:
لقد تجول الحداثيون في شعاب كثيرة من الأفكار والمعتقدات والمفاهيم الباطلة الضالة، من الإلحاد المحض، إلى المذاهب الشكية الكفرية، إلى الوثنيات الجاهلية، إلى اليهودية والنصرانية، ثم اتجهوا نحو الإسلام ليأخذوا من تراثه، ولكنهم لسوء طوية وخبث مقصد لم يتوجهوا إلى الإسلام الصافي النقي الذي جاء به رسول الهداية محمد ﷺ ، وإنّما توجهوا إلى المنحرفين من المنتسبين إلى الإسلام، بل إنهم واجهوا الإسلام الصحيح بالنقض والرفض والاعتراض والمخالفة والهدم.
ذهبوا يفتشون عن أشباههم من المنحرفين والزنادقة والشاكين والمبتدعين، وتركوا أهل العلم والإيمان بل سخروا منهم.
وأظهر الاتجاهات الاعتقادية الضالة التي أخذوا عنها أو أشادوا بها وامتدحوها، هي:
١ - الباطنية.
стр. 927
٢ - الصوفية الفلسفية.
٣ - الخوراج والمعتزلة.
٤ - الفلاسفة.
٥ - الشعوبية.
٦ - الزنادقة.
وسوف أذكر شواهد على احتفائهم بهذه الاتجاهات المنحرفة وهو امتداد لما سبق الكلام عنه في أول هذا الفصل.
١ - الباطنية:
ترسخت المفاهيم الباطنية في الشعر العربي الحديث من خلال الأشخاص الذين ينتمون إلى هذا الاتجاه، وأشهرهم الباطني أدونيس وزوجته خالدة سعيد، اللذين كان لهما الأثر الكبير في نشر الحداثة والدعاية لها، وهما من الطائفة النصيرية (١)، وسميح القاسم وهو من الطائفة الدرزية.
وإذا اعتبرنا الشيعة الرافضة أصل المنبت الذي نبتت فيه الباطنية، وبينهما من وشائج الصلة الاعتقادية ما يُمكن اعتبارهم من خلال هذه الوشائج في سلك الباطنية فإنا نعد من رؤوس الحداثة والعلمنة من الرافضة: عبد الوهاب البياتي، ومظفر النواب، ومهدي عامل، وحسين مروة، ومحمد علي شمس الدين، وشوقي بزيع، وحنان الشيخ (٢).
ومن الطائفة الدرزية: توفيق زياد وسميح القاسم (٣).
стр. 928
وقد سبق في مقدمة هذا الفصل الحديث عن الباطنية والشيعة ونشأتها وأظهر فرقها، ونتناول الآن طرفًا من شواهد التواصل بين هذه الفرق والحداثة المعاصرة.
وإذا كان أدونيس أستاذ الجيل الحداثي الراهن يرفع لواء التجاوز والتخطي، وترك التقليد وترك الإحيائية؛ لأنها ضد النهضة فإنه في الوقت ذاته يرفع لواء باطنيته، ويسعى في أحيائها، أليس هو القائل:
(قال لي تاريخي الغارس في الرفض جذوره
كلما غبت عن العالم أدركت حضوره) (١)
وقبل التوغل مع أدونيس وباطنيته، أود أن أقدم بذكر أثر الاتجاه الباطني -عمومًا- على الشعر العربي الحديث، يقول الدكتور عبد الحميد جيدة: (ونرى هذا الاتجاه. . . يمتد حتى يصل إلى شعرنا المعاصر عن طريق الشعراء الباطنين الإسماعيليين من الشيعة، سواء من جنوب العراق، أم من جنوب لبنان أم من جبل العلويين في سوريا، وكانت باطنيتهم سببًا من أسباب الغموض في شعرنا العربي المعاصر؛ لأنهم الآن يمثلون الطليعة بين شعراء العربية المعاصرين المجددين) (٢).
ويشرح أثر التصوف الباطني في الشعر العربي الحديث، والترابط بين المفاهيم الصوفية والباطنية والاتجاهات الحديثة (٣).
ويتحدث إحسان عباس في معرض كلامه عن استخدام الأسطورة وذكر استخدام بعض شعراء الحداثة لثورة الزنج وثورة الخرمية في رموزهم المستمدة من التاريخ الإسلامي، ثم كتب في الهامش: (لا ريب أن عددًا من الشعراء المحدثين ينتمون إلى الأقليات العرقية والدينية والمذهبية في العالم العربي، وهذه الأقليات تتميز -عادة- بالقلق والدينامية ومحاولة تخطي
стр. 929
الحواجز المعوقة والالتقاء على أصعدة ايديولوجية جديدة، وفي هذه المحاولة يصبح التاريخ عبئًا والتخلص منه ضروريًا، أو يتم اختيار "الأسطورة الثانية"؛ لأنها تعين على الانتصاف من ذلك التاريخ بإبراز دور تاريخي مناهض) (١).
وهكذا في تحليل حداثي يتكلم إحسان عباس وكأن شيئًا لم يكن!، ومثل هذا التحليل دراسة باروت التي نشرها في مجلة الناقد تحت عنوان "أوهام الحداثة"، ويهمنا منه هنا إثبات أثر الحركات الباطنية والتصوف الباطني في الشعر الحديث، يقول باروت: (وتفسر "عرفانية" التجربة العربية للحداثة، اهتمامها العميق بنبش إرثها "الغنوصي" "الصوفي" "الباطني" ودعوتها لإعادة التواصل معه واكتشافه من جديد. . .، ولعل أدونيس من رواد الحداثة النادرين الذين اكتشفوا ميراثها "العرفاني" الشرقي ودعوا للتواصل معه، بل إنه قدم العرفان دائمًا كحامل للتحول والإبداع في التراث العربي، حيث تقع الصوفية والباطنية والرؤيا والحداثة أيضًا لديه داخل خطاب "العرفان" الشرقي العربي) (٢).
ومن هذا الوصف الذرائعي التبريري الجامد، نستطيع أن نفهم أن الاتجاه الباطني ساد لدى الحداثيين وعرفوه واطلعوا عليه، بل واتجهوا نحوه في محبة وشوق ورغبة جامحة.
ولا أدل على ذلك من أقوال أدونيس التنظيرية التي وجّه بها عقول الذين لا يفقهون إلى سراديب الظلام الباطني، تحت حجج العرفانية والأحلام والسوريالية والإيحاء والعقل الباطن والعمق والتداعي، وغير ذلك من ألفاظ التدليس والمخادعة.
ففي تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" يركز أدونيس على أهمية الباطنية، مرة بالتعريض، ومرة بالقصد والعبارة المباشرة، في دعوة صريحة
стр. 930
أو مغلفة إلى دين النصيريين وعقائدهم، وقد تدرج في محاولاته هذه، فبعد أن جعل الحداثة هي غاية الغايات، انتقل إلى البحث لها عن جذور في التراث الإسلامي، وخلال ذلك كان يدس سمومه التي تظهر في تلقائية بريئة يتلقفها خالي الذهن والقلب، وفي تقريرية قاطعة وكأنها الحق الصراح، فها هو يقول: (ومبدأ الحداثة. . . هو الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام، وقد تأسس هذا الصراع أثناء العهدين الأموي والعباسي حيث ترى تيارين للحداثة: الأول سياسي فكري، ويتمثل من جهة، في الحركات الثورية ضد النظام القائم، بدءًا من الخوارج وانتهاءً بثورة الزنج مرورًا بالقرامطة، والحركات الثورية المتطرفة، ويتمثل من جهة ثانية في الاعتزال والعقلانية الإلحادية وفي الصوفية على الأخص. . .) (١).
ثم يتحدث عن التيار الفني، ويجعل تميزه وحداثيته في ممارسته لعدة قضايا منها إنه: (لم تعد للظاهر أهمية إلّا بمقدار ما يقود إلى الباطن) (٢).
وهكذا يلف مقصده ومذهبه الباطني في لفافة من الفن والشعر، ليؤسس العقيدة الأساسية للباطنية، حيث لا قيمة للظاهر، بل للباطن، أو كما يقول: (فالباطن إذن، لا ينفي الظاهر وإنّما يعطيه معناه الحقيقي، وهو يثبته فيما يعطيه هذا المعنى، الباطن هو النور الذي يكشف ويضيء، وهو المعنى الذي يعطى للوجود صورته أي قيمته ودلالته) (٣).
إنه قول الباطنية بعينه!، ولكنه يتخذ الرؤيا التي هي مطمح الحداثيين ذريعة لترسيخه، ولِجعل "الرؤيا" وسيلة لكشف الباطن واستشراف الغيب، وتكون الرؤيا عنده في النوم أو في اليقظة ويتحدث عن ابن عربي (٤) وفكرة
стр. 931
الرؤيا بمعناها الباطني فيقول: (. . . الرؤيا، في دلالتها الأصلية، وسيلة الكشف عن الغيب، أو هي العلم بالغيب. . .، وتتفاوت الرؤيا، عمقًا وشُمولًا، بتفاوت الرائين، فمنهم، ممن يكون في الدرجة العالية من السمو، من يرى الشيء على حقيقته، ومنهم من يراه ملتبسًا، وذلك يحسب استعداده وأحيانًا يرى الرائي في حلمه وأحيانًا يرى في قلبه. . .، ويشبه ابن عربي الرؤيا بالرحم، فكما أن الجنين يتكون في الرحم، كذلك يتكون المعنى في الرؤيا، فالرؤيا إذن نوع من الاتحاد بالغيب، يخلق صورة جديدة للعالم، أو يخلق العالم من جديد، كما يتجدد العالم بالولادة.
والرؤيا إذن تعني ببكارة العالم، ويعني الرائي بأن يظل العالم له جديدًا كأنه يخلق ابتداء، باستمرار. . . من هنا كذلك يرفض الرائي عالم المنطق والعقل، فالرؤيا لا تجئ وفقًا لمقولة السبب والنتيجة، وإنّما تجيء بلا سبب، في شكل خاطف مفاجيء أو تجيء إشراقًا.
والرؤيا إذن كشف، إنها ضربة تزيح كل حاجز، أو هي نظرة تخترق الواقع إلى ما وراءه. . .، وهكذا يُمكن وصف الرؤيا بأنها المعتمرار للقدرة الإلهيه، كما يعبر ابن عربي. . . .
والرؤيا إذن إبداع، ويُمكن تعريف المبدع، على صعيد الرؤيا، بأن من يبدع في نفسه صورة خيالية أو مثالًا، ويبرزه إلى الوجود الخارجي، وكل شخص لا ينطلق من هذا الإبداع في نفسه لا يسمى مبدعًا، فالإبداع الحقيقي هو إبداع المثال، أي مثال الشيء الذي سيتحقق في الخارج) (١).
هنا يقدم أدونيس عقيدته الباطنية ولكن بأسلوب التلبيس الباطني المعروف، ويحاول إغراء من يبحث عن الابداع، وإقناعه بعالم الباطن الذي هو أساس عقيدة الفرق الباطنية.
وقد يقال بأن أدونيس هنا يجر أتباعه الحداثيين إلى الإيمان بالغيب بدلًا من المادية التي تعلقوا بأهدابها لما قلدوا حداثة الغرب.
стр. 932
والجواب: نعم أدونيس يحاول أن ينقلهم إلى عالم الغيب هنا، وفي كتابه الصوفية والسوريالية، ولكنه عالم الغيب الباطني المستقل بذاته والقائم بنفسه، كما هو في عقيدة الباطنيين أو أكثرهم، وكما هو عند أدونيس على وجه الخصوص الذين يجحد وجود اللَّه تعالى، وينكر ألوهيته وربوبيته.
فالرؤيا والغيب وعالم الباطن كلها عند أدونيس، قائمة بذاتها لا مؤثر عليها من الخارج مطلقًا.
وفي النص السابق يربط أدونيس الباطن بالإبداع الذي يتنافس الحداثيون في تقديسه والحصول على طرف منه بأي شكل من الأشكال ولو بالجنون والتخبط والضلال.
وبعد سياق طويل من التقديم للباطنية بأسلوب تدليسي خادع، ومن خلال الأدب والفكر والفن، ينتقل إلى المقصد من كل ذلك فيقرر بأنه (دائمًا كان في المجتمع العربي صراع بين ثقافة السطح وثقافة العمق، ثقافة الاستهلاك وثقافة الإبداع، ثقافة المتاجرة وثقافة المغامرة، الأولى تجمع وتكدس، وتعتبر الأشياء لذاتها وبذاتها، والثانية تفجر وتغير وتتخطى، وتعتبر الأشياء لما هو أعمق وأسمى، الأولى ثقافة اتجار، والثانية ثقافة استبصار. . . كان شعراء الرفض، مثلًا بدءًا من الصعاليك يحاولون تحطيم القشرة السائدة. . .، كذلك كانت الحركات الجذرية الأخرى، العقلانية فكرًا وفلسفة وعلمًا والاستبطانية فنًا وتصوفًا) (١).
في هذا النص مربط الحداثيين، الذين يريد سوقهم إلى المذود الباطني ليجمعهم فيه ومن حوله.
وفيه تتضح بجلاء دعوته ودعايته للباطنية "مذهبه الأساسي" لكن من خلال الثقافة العامة والإبداع، فقد خص ما يتعلق بالباطنية بأفخم الألفاظ، وجعل لما سوى ذلك أبشع الهجاء، وعندما يقرأ الحداثي الغرِّ مثل هذه الأقوال وهو يجهل ما خلف الكواليس، ويجهل طرائق الباطنية وأساليبها
стр. 933
ومقاصدها، ينخدع وينجذب إلى مثل هذه الأقوال والعقائد، فتصبح عنده الشريعة بظاهرها الساطع النقي ثقافة سطحية، والحداثة بأخلاطها وأوشابها ثقافة عميقة، وينتقل من هذه إلى اعتبار أن ما يتحدث عن الباطن من أديان ومذاهب قديمة أو حديثة هو أيضًا من ثقافة العمق والإبداع والمغامرة والتفجير والتخطي والاستبصار، وما كان يتحدث بصورة ظاهرة أو يعالج الأمور من ظاهرها فإنه يصبح عنده -بعد هذا التلقين الباطني- ثقافة سطح واستهلاك ومتاجرة وتجميع وتكديس، واتجار وسلطة، إلى غير ذلك من الأوصاف التي خلب بها عقول الأغرار وخدع بها هؤلاء الأتباع الجهلة فأضحوا أبواقًا لفكرته من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
ثم يشير أدونيس في كلامه بما يسميه حركات الرفض والحركات الثورية ويجعلهم مثلًا للثقافة الباطنية التي امتدحها من قبل، وهذه دعاية فجة مكشوفة للباطنية، وتمجيد لتاريخها المظلم، وطبيعي أن يدعو أدونيس إلى مذهبه وأن يمتدح تاريخه؛ لأنه الجذر الأساسي الذي منه انطلق؛ وأدونيس هو الفرع المعاصر لتلك الشجرة الخبيثة التي طالما فعلت في الأمة الأفاعيل، فمثلًا، عندما كان المسلمون يقاتلون النصارى في فلسطين كان الباطنيون أهل الرفض والحركات الثورية يقاتلون مع النصارى ضد المسلمين، ولم يكن في تاريخهم الأسود نقطة مضيئة لا في العلم ولا في العمل.
وعندما يقول أدونيس أن هذه الحركات الثورية لم تهدأ طوال القرون الهجرية الثلاثة الأولى، يحاول أن يصور من خلال هذا الكذب أن أجداد الباطنيين كانوا يضربون بجذورهم في تاريخ عميق منذ بداية الإسلام، وهذا ما يسعى إلى إثباته أصحاب الفرق الضالة، وخاصة الرافضة والباطنيين، ومن المعلوم أن هذه الفرق لم تنشأ إلّا بعد حقبة من الزمن فلم تكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وإن تكن بدأت نواة التشيع في أواخر عهد علي ﵁، فإنها تكونت وتبلورت فيما بعد، ومن المعلوم أيضًا أنها -وخاصة الباطنية منها- غرست في بلاد المسلمين بيد اليهود، وقد سبق ذكر ذلك في أول هذا الفصل، فلا غرو أن تجد أحفاد هؤلاء اليوم ينادون بالالتصاق بالغرب
стр. 934
النصراني الذي تديره اليد اليهودية، ويكون منهم قادة الجيش والشرطة في دويلة اليهود في فلسطين.
ولخشية أدونيس أن تنكشف عورات بني ملته عندما يفتش المسلم في التاريخ ويقرأ في التراث، ويطلع على العمالة والخبث والخيانة، والفساد والانحلال والإباحية، والضلال الاعتقادي، لخشيته من ذلك وضع قاعدة تحاول صرف الأنظار عن الربط بين أولئك وهؤلاء، بين أدونيس والباطنية والنصيرية والقرامطة، والزنج، وغيرهم من الذين تصدى لهم جهابذة الإسلام فكشفوا زيفهم وعوارهم.
هذه القاعدة يُمكن تسميتها قاعدة الاختزال والتفكيك للتراث، وإبعاد مفهوم الأصل والجوهر منه، سواء كان الأصل الاعتقادي أو الأصل العلمي المعرفي، أو الأصل التاريخي التسلسلي، ثم يجعل أنه لا يُمكن فهم التراث إلّا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية، ليدخل بني ملته في صلب النظرة إلى التراث فيقول: (أول ما يجب نقده هو مفهوم التراث نفسه، فهو عدا أنه غامض ترى الثقافة التقليدية السائدة أنه بمثابة جوهر أو أصل لكل نتاج لاحق، وفي تقديري: أنه لا يصح النظر إلى التراث إلّا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية التي شكلت التاريخ الإسلامي، وفي هذا المنظور لا يصح أن نقول: أن هناك تراثًا واحدًا وإنّما هناك نتاج ثقافي معين، يرتبط بنظام معين، في مرحلة تاريخية معينة، وعلى هذا فإن ما نسميه تراثًا ليس إلّا مجموعة من النتاجات الثقافية التاريخية التي تتباين حتى درجة التناقض.
لذلك لا يصح البحث في التراث كأصل أو جوهر أو كل، وإنّما ينبغي البحث في نتاج ثقافي محدد، في مرحلة تاريخية محددة، واستنادًا إلى هذا البحث يتحدد الموقف) (١).
فهو لا يكتفي بأن الباطنية وأشباهها شتت الأمة في ترابطها العضوي، بل يريد تفتيتها في مرجعيتها الثقافية الموحدة لها، ثم يريد أن يبعد هذه
стр. 935
الثقافة الموحدة -على الأخص- ثقافة أهل السنة وعقيدتهم، وصراعهم الفكري ضد المخالفين من المبتدعة والمرتدين، يريد أبعاد ذلك وتفتيت وحدته وأصله؛ لئلا يُربط بين فساده وانحرافه المعاصر، وفساد وانحراف أجداده من الباطنيين.
ثم تأمل كيف أدخلهم في داخل التراث على أساس أنهم أحد أعمدة الصراع الثقافي والاجتماعي ضد الإسلام وأهله، وبالتالي لا يُمكن فهم الثقافة إلّا في ضوء هذا الصراع، أي: أنه لم يكتف بإدخالهم في نسيج الأمة، بل جعلهم أساسًا لفهم قضية التراث، فيا للحيل الباطنية ما أبشعها وما أشد التواءها وغموضها!!.
وفي موضع من كتابه الرجس "الثابت والمتحول" يهاجم الفكر السلفي باعتباره فكرًا تلقينيًا تعليميًا، ثم يلتفت إلى الثورة المضادة لهذا الفكر السلفي والتي تقوم على أنه (لم يعد المطلق الإلهي وحده مركزًا بل صار الإنسان شريكًا له، ذلك هو الجانب الصوفي والعقلانى الإلحادي. . . هكذا تغيرت رؤيا العالم. . . ليس هناك ما يخلق ويصنع. . . لم يعد المطلق الإلهي وراء العالم أو قبله وحسب وإنّما أصبح أمامه أيضًا، لم يعد يجيء من الماضي وحده وإنّما أخذ ينبثق في الحاضر، ويجيء من المستقبل أيضًا، ولم يعد المطلق الإلهي -في هذا المنظور- جوابًا لا سؤال بعده، وإنّما أصبح سؤالًا، والعالم إذن لم يخلق كاملًا دفعة واحدة وإلى الأبد، وإنّما صار كل شيء فيه للخلق المستمر) (١).
وإذا راجعنا عقائد الباطنية في الخلق والإيجاد للعالم فإننا لا نجد أنها تخرج عن هذا الكلام الذي قاله هذا الباطني في النص السابق.
ولمزيد من الإمعان في إخراج المسلمين عن دينهم وإغرائهم بالكفر يربط بين هذا القول الإلحادي الواضح والإبداع، بل جعل ذلك أساسًا للإبداع فيقول: (وهكذا لا يعود علم الجمال بالنسبة إليه علم جمال النموذج
стр. 936
أو الأصل أو الثابت، بل علم جمال المتغير المتحول المتجدد، ويصبح الإبداع ممارسة الشاعر، الأولى، من أجل تأسيس وجوده في أفق البحث/ السؤال، لم يعد الشاعر، بتعبير آخر، يكتفي بمحاكاة العالم وإنّما أصبح يمارس هو نفسه خلق العالم) (١).
هذا إذن الأساس الفلسفي للأصل الحداثي المناهض للثابت والداعي إلى الصيرورة الدائمة، والذي يقول به جميع الحداثيين بلا استثناء، وهو أساس فلسفي إلحادي، يربطه أدونيس بالحركات الباطنية، ويتخذ الصوفية مثالًا، لها، والحركات العقلانية الإلحادية -حسب تعبيره- وكان الإلحاد لحظة من اللحظات عقلانيًا بل هو ضد العقل والمنطق على الإطلاق.
ويواصل أدونيس ربط الحداثة بالرفض والرافضين، ويستخدم أساليب الكذب والتدليس كعادته، فيقول: (هكذا نرى أن لهاجس الحداثة جذورًا في نتاج أبي نواس وأبي تمام وفي كثير من النتاج العربي، العلمي والفلسفي "الرازي (٢) وابن الراوندي وابن رشد" (٣) والصوفي، ذلك أن الخاصية الرئيسية التي تميز بها هذا النتاج هو إدانته التقليد والمحاكاة، ورفض النسج على منوال الأقدمين. . . من عناصر هذه النظرة، مثلًا، نشوء مفهوم للزمن عندهم يغاير المفهوم الديني. . . هكذا أدخلت نظرة أسلافنا أولئك إلى الحياة العربية بُعد العلم، أي أنها أحلت حركية النقد، محل سلفية الأصول. . .، من هنا تغير تبعًا لذلك موضوع النقد، لم يعد يستند إلى حقيقة ماضية ثابتة يعود إليها دائمًا، وإنّما أصبحت الحقيقة نفسها نقدًا وأصبحت مرادفة للتغير، وهذا ما نراه في
стр. 937
النقد الشعري. . .، ونراه في الحركة العقلية الفلسفية والعلمية عند ابن الراوندي والرازي، وجابر بن حيان (١)، ونراه في الحركة الصوفية، ونراه بشكل عام في التيارات الإلحادية، أو ما يسمى حركات الزندقة والشعوبية وفي طليعتها الحركة القرمطية، وكان من نتائج ذلك أن تزعزعت فكرة النموذج أو الأصل، أي: أن الكمال لم يعد موجودًا، كما يقول التقليد الديني) (٢).
وفي هذا النص عدة أمور:
الأول: أنه يحاول أن يجعل للحداثة أصلًا في تاريخ المسلمين، وهذا كذب وافتراء؛ لأن الحداثة تقوم على الإلحاد ومناقضة الإيمان، وتراث المسلمين يقوم على أصل من التوحيد والإيمان.
الثاني: أنه يجعل محاولات التجديد الفني عند أبي تمام أصلًا للحداثة، علمًا بأن تجديد أبي تمام تجديد في التراكيب والأشكال، أمّا المضامين الأساسية التي تستهدفها الحداثة وهي الإيمان والوحي والغيبيات، والثوابت، فلم يتعرض لها بسوء، بل كان مؤمنًا موقنًا بها.
الثالث: أن يخلط بين أبي تمام وأبي نواس، والفئة الشاذة المعروفة بانحرافها: الرازي الملحد وزميله ابن الراوندي ويدخل معهم ابن رشد، وهذا الخلط المتعمد يريد منه أن يقرن الملاحدة والمارقين بمن لم يعرف عنه إلحاد ولا كفر، بل عرف عنه الإسلام والتوحيد، وإن أخطأ فيما أخطأ فيه من أخلاقيات، أو بعض الانحرافات الفكرية التي لا تنافي أصل الإيمان، ومراده من ذلك تسويق الإلحاد باسم التحديث والحداثة التي يزعم أنها كانت في التواث، وتسويغ عقائد أمثاله من الملاحدة عند المقتدين به، وتهوين أمر الدين والتوحيد.
стр. 938
الرابع: جعل أسس هاجس الحداثة في التراث: إدانة التقليد والمحاكاة، ونشوء مفهوم للزمن يغاير المفهوم الديني، وإحلال حركية النقد محل سلفية الأصول، وجعل النقد موضوعًا لا يستند إلى حقيقة ماضية ثابتة، وكل جملة من هذه الجمل تحتاج إلى بسط في الرد، ولكن نقول في الجملة، لو صح أنهم نقدوا التقليد والمحاكاة، فإنّما نقدوها ضمن إطار الدين الإسلامي، الذي يحاول أدونيس والحركة الحداثية نفيه وإبادته باسم نقد التقليد والمحاكاة، مع أن أدونيس ذاته من أعظم المقلدين والمحاكين في هذا الزمان، فقد قلد الأوروبيين بل وسرق أفكارهم وكلماتهم وانتحلها لنفسه هكذا في وضح النهار، وقد كشفه صاحب كتاب "أدونيس منتحلًا" ومؤلف كتاب "أفق الحداثة وحداثة النمط" (١) وغيرهما، ومن أبرز وأظهر علائم التقليد والمحاكاة ما نحن بصدده الآن.
فهو يريد إثبات عقائد أجداده الباطنيين، ولكن عن طريق الحداثة الفنية والأدبية، وهذا عين المحاكاة، فضلًا عما ذكرناه في هذا الفصل من محاكاته للوثنيين والجاهليين وأصحاب الأساطير.
أمّا نشوء مفهوم للزمن يغاير المفهوم الديني فلم يبين ما الفرق بين الأمرين، وعلى كل حال فخالق الزمن هو منزل الدين والشرع، ولا يُمكن أن يتناقض هذا مع هذا، وإن تناقض في أفهام بعض الناس.
أمّا إحلال حركية التقدم محل سلفية الأصول، فهذه دعوى ذرائعية يريد الوصول من خلال هذه الألفاظ المفخمة إلى ترك الدين ومحاربة السنة وهجر ميراث السلف، وقد قدم دعوى باطلة وجعلها في ذات الوقت دليلًا، وهذا غاية في الاعتساف، أضف إلى ذلك أنه لم يتخل عن أصول أسلافه الباطنيين فأين هو من هذه الدعوى؟.
أمّا نقد الحقيقة الماضية الثابتة فهي مقدمته الدائمة والمكررة بألفاظ
стр. 939
عديدة، من أجل نقد الدين والشريعة والعقيدة والوحي والقرآن، تمهيدًا للتشكيك فيها ثم إبطالها، وهذه من خطوات الباطنية المشهورة والتي كشفها العلماء المسلمين من قديم، ومما يؤكد أنه جعل ذلك من أجل نقد الدين والتشكيك أنه أعقب ذلك بذكر الملاحدة ابن الراوندي والرازي الملحد.
الخامس: أنه ربط هذا الهاجس بالمرتكز الذي يحوم حوله وهو التيارات الإلحادية، وحركات الزندقة والشعوبية وطليعتها الحركة القرمطية، وهو ربط صحيح من جهة أنهم كانوا ضد هذه الملة، ساعين في هدمها وإبطالها وإبعاد الناس عنها، وباطل من وجه أنه جعل التجديد والإبداع مربوطًا بهم، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن ذلك، وحتى لو افترضنا أنهم كذلك فإن المراد الأساسي من كل ذلك الدعاية الملتفة لهذه الفرق والحركات الهدامة.
وقد أعقب ذلك النص بنص آخر يوضح أن مراده: ملته وعقيدته، وليس دعوى الإبداع والتجديد والتحديث إلّا ستارة يتحرك من خلفها، وهو دأب الباطنيين في كل تاريخهم.
يقول: (ويبدو لي أن الفكرة الأساس في نزعة الحداثة على الصعيد الشعري، في المجتمع العربي تكمن في إدراك التماثل بين اللغة والعالم، بوجهيه: الظاهر والباطن، الموضوعي والذاتي) (١).
إلى أن يقول -ممجدًا أي خروج عن الدين-: (لم يعودوا بدءًا من ذلك ينظرون إلى الكون من حيث هو مجموعة من الإشارات والرموز والصور، ولم يعد العالم مكتوبًا في نص أصلي أولي، بشكل نهائي، وإنّما أصبح كتابًا يكتب باستمرار، هكذا تراجعت المفهومية الكلية، وتراجع عالم الكل أمام الشيء المفرد، وأمام الجزئية وعالم الأجزاء، وأخذ الوعي بالموت يعصف بحياة الشعراء ويملؤها بشرارات العبث والغرابة، وصار اللهو والمجون والتشرد والصعلكة فضاء يتنشق فيه الشعراء هواءهم الطيب الأخير،
стр. 940
وفي هذا الفضاء أخذت تحدث التفجرات المختلفة حينًا والمؤتلفة حينًا: الثورة على العقل والدين معًا، والهيام بالجسد وأشياء العالم، ورفع راية الحلم والسحر والجنون.
وفي هذا ما خلق جوًا، فكريًا واجتماعيًا، أخذ يبدو للنظام وبناه، شيئًا فشيئًا، إنه يزداد خطورة، وأنه يصبح كثر فكثر عصيًا على الترويض، لم يكن بد إذن من إدانته، هكذا سمته السياسة في "مدينة اللَّه" عالم الزندقة والشعوبية، وهكذا اعتبرت أنه انحراف ومرض، وهكذا نفته تمامًا كما فعلت الكنيسة القروسطية بالهراطقة، في مختلف أنواعهم) (١).
إن أدونيس يحاول من خلال المغالطة أن يثبت أن الشعراء في التاريخ الإسلامي وصلوا إلى العبث والغرابة واللهو والمجون والصعلكة، وهو في الحقيقة يصف أجواء الحياة الباطنية وسراديب خفافيشها، وهم الذين ذكر أنهم وصفوا بالزندقة والشعوبية، وهكذا هي هذه الأمة تنفي خبثها وتخرج أقذارها، وتلقي بهم في سلة مهملات التاريخ، وهذا ما سوف يؤول إليه -بإذن اللَّه- أدونيس وأتباعه من الحداثيين.
وفي تلمود الحداثة الذي ألفه أدونيس لهدم الإسلام واللغة العربية، جعل فصلًا خاصًا في الجزء الثاني منه سماه "الحركات الثورية: ثورة الزنج والحركة القرمطية".
وبدأ بتفسير ماركسي للفتنة من أيام عثمان ﵁ في سياق مليء بألفاظ محدثة، مثل "إسلاموية، عروبوية" (٢).
ويجعل التفسير الماركسي أساسًا لتسويغ ثورات الخوارج والعلويين كما سماهم، ويقصد الشيعة أهله وأصحاب ملته، ثم يضيف بأن هذه الثورات تكشفت عن حركتين (الأولى: تكشف عن نوع من البعد الطبقي
стр. 941
هي ثورة الزنج، والثانية تكشف عن بعد كلي غيبي وأرضي وهي الحركة القرمطية) (١).
وهنا يظهر تمجيده لفرع من فروع ملته الباطنية، ولا غرو فالمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض.
ثم يطنب الحديث عن القرامطة، ويعتبر أن إطلاق هذا الاسم عليه هو من أعدائهم تحقيرًا لهم وتعبيرًا عن كراهيتهم (٢).
ثم يفسر خروجهم تفسيرًا ماركسيًا ويصورهم أهل عدل في مقابل ظلم المجتمع المسلم والدولة المسلمة (٣)، ويبرر خروجهم وثوراتهم بالنظرة الماركسية ذاتها، ويدافع عن مواقفهم وأعمالهم دفاع المحب المعجب (٤).
ثم يمتدح مؤسس هذه الفرقة ويصفه بالعدل والمساواة، ويصفهم بالاشتراكية والعدل والإحسان (٥) ثم يلتفت إلى نظرتهم نحو الدين ويذكر أن (أهمية الحركة القرمطية تتجلى في إعطاء الدين بعدًا ماديًا اقتصاديًا) (٦).
ثم يشير إلى ارتباط حركة الزنج بهذا المفهوم، ويثني على القرامطة لجعلهم الدين غير مطلق بل متغير نسبي مادي (٧)، وهو المفهوم الذي يناضل من أجل إثباته في الواقع، ولكن من خلال الحداثة.
يقول أدونيس: (لقد أصبح الدين نفسه، وبخاصة في الحركة القرمطية، شكلًا من أشكال الوعي الاجتماعي، مرتبطًا بتاريخ نشأتها وظروف
стр. 942
هذه النشأة والشروط الحياتية للبشر الذين ينتمون إليها، لقد أعطت للدين وتعاليمه مفهومًا ماديًا) (١).
ومن الملاحظ أن هذه النظرة إلى ربط الدين بالظروف الحياتية وتغييره وفقها، هي التي يقول بها أكثر العلمانيين العرب اليوم، وينادون به وعلى رأسهم حسن حنفي ونصر أبو زيد.
ثم يأتي أدونيس على المحور الذي يدور من أجل ترسيخه، وهو أن الحياة أولًا ثم الدين، وأن الحياة هي التي تحدد الوعي وتطوره وتجدده وليس الدين، وأن التاريخ هو تاريخ الحياة، وليس تاريخ الدين، وأنه بذلك تطور الوعي من أسفل إلى أعلى، وأن هذا الإنجاز الذي قامت به الحركة القومطية والحركة الثورية بعامة يمثل صراعًا بين الثابت والمتحول والقديم والجديد (٢)؟!.
وهو الأسلوب الدعائي الدعائي نفسه الذي دأب أدونيس على استعماله، فهو يقرر القضية كمسلمة، ثم يشرح حولها ويضيف، ويلبسها العبارات الفضفاضة، ثم يلقيها هكذا وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.
وعلى كل حال هو هنا يؤكد إعجابه بالباطنية، وسعيه لجعل الباطنية مرادفة للوعي والتطور والتجديد ومناقضة الثبات، الذي كان قد سعى وأشباهه إلى جعله مذمة، يبرأ منها البلهاء ظنًا منهم أن البراءة من الثبات يعني أنهم أصبحوا متحولين ومجددين وإبداعيين، في غبار من المفاهيم الضبابية الخادعة الملقاة على عيون عشيت عن الهدى، فانقادت لهذا الضلال والردى. وتقرأ له بعد هذه الأغاليط النتيجة المرادة من هذا السياق كله، حيث يقول: (وبفضل الحركة الثورية يُمكن القول إن وعي التاريخ العربي أصبح يقوم على اعتباره نموًا متدرجًا من وضع أدنى إلى وضع أعلى، وليس العكس، كما كان يتصور منظرو القديم. . .) (٣).
стр. 943
ثم يقول: (. . . أما القرمطية فكانت نواة لمجتمع مغاير، ومفهومات منايرة. . . كانت القرمطية محاولة أولى في المجتمع العربي للوحدة بين العقل والوجود، تبعًا للوحدة بين النظرية والممارسة أو محاولة أولى لإقامة الاشتراكية بديلًا عن الثيوقراطية. . . والقرمطية، على الصعيد الإنساني، شكل من عودة الإنسان إلى ذاته كإنسان اجتماعي مقابل الإنسان القبلي أو العنصري. . . .
والخلاصة أن الحركة الثورية، ممثلة على الأخص بثورة الزنج والثورة القرمطية كانت محاولة لإلغاء الضياع، من حيث أنها ألغت الملكية الخاصة، وتجاوز القبلية والعنصرية إلى الإنسان كإنسان، كوجود اجتماعي، أنها ليس محاولة لتجاوز الضياع على مستوى الوعي وحسب، وإتما هي أيضًا محاولة لتجاوز الضياع على مستوى الواقع) (١).
وهكذا يتبدى لنا أدونيس في مسوحه الحقيقي: باطني متعصب للباطنية تاريخًا وعقيدة وممارسة، خاصة إذا قارنا هذه الأقوال المدائحية الابتهاجية بهذه الحركات الباطنية، في مقابل ذمه وتشنيعه وهجائه للأمة المسلمة عقيدة وشريعة وتاريخًا وحضارة وممارسة، وإطلاق ألفاظ التنفير، من أمثال: نخل وبقل، تتلمذ كامل، معرفة جامدة، ثقافة سائدة، تراكم معرفي، خلط بين اللسان والكلام، اتجاه نحو الماضي في رفض للمستقبل، تمجيد الحياة والفكر إلى آخر القائمة الهجائية (٢).
وفي مقابل إشادته بالملاحدة والشكيين والباطنيين، نجد ذمه وتنقصه للمؤمنين الموحدين.
فهو يمتدح ابن الراوندي ويذكر أقواله المحاربة للقرآن والنبوة شارحًا لها (٣)، ثم ينتقل إلى جابر ابن حيان فيقول: (إن لشخصية جابر بن حيان
стр. 944
وجهين، قد يبدوان للوهلة الأولى متناقضين: الأول باطني - إلهامي، والثاني: علمي - تجريبي، فهو من الناحية الأولى، يتصل بالمنحى الإمامي في الثقافة العربية. . .) (١).
وسواء أكان جابر بن حيان كذلك أو لم يكن، أو كان شخصية حقيقة أو شخصية مختلقة، فالمراد عند أدونيس هنا التركيز على الجانب الباطني، وإشادته به وتعويله عليه؛ لأنه يشكل له رصيدًا تاريخيًا، ويقوي جانب عقائده الباطنية، ويؤسس امتدادات متماهية مع هذا الاتجاه.
بيد أن من أصرح نصوصه التي تؤكد عودته إلى منبعه الباطني ومحاولة مد فروع الباطنية الضالة إلى الحياة الثقافية من خلال الأدب الحديث وخاصة الشعر، قوله: (تتصل التجربة الصوفية، في شكلها الأعمق والأكمل، بالتجربة الباطنية الإمامية، فهذه التجربة الأخيرة تقوم على تجاوز التاريخ المكتوب، ذلك أنها تتجه إلى المستقبل وتنتظر المجيء، وعلى تجاوز الظاهر المنظم في تعاليم وعقائد، ذلك أنها تتجه إلى باطن العلم، وتعني بمعناه الخفي أو المستور، وعلى تجاوز المنطق وأحكامه، ذلك أنها تصدر عن النبوة ولدنية العلم.
ولئن كانت النبوة المحمدية خاتمة النبوات، فإنها خاتمة الظاهر، ذلك أن لها ما يتممها في الباطن وهو الإمامة أو الولاية، فالولاية بهذا المعنى، هي باطن النبوة، النبوة بتعبير آخر هي الشريعة، أمّا الولاية فهي الحقيقة، وهكذا يكون الإمام ينبوع المعرفة الكافية فيما وراء النص.
وهذا يعني أن إدراك الحقيقة لا يتم استنادًا إلى العقل أو إلى النقل، لأن الحقيقة ليست في ظاهر النص، وإنّما يتم عن طريق تأويل النص بإرجاعه إلى أصله، والكشف عن معناه الحقيقي، والتأويل مرتبط بعارف يدرك المعنى الباطن، وهذا العارف هو الإمام، فالإمامة هي الحضور الإلهي المستمر الذي يحول دون تشيؤ الحقيقة في مؤسسات وتقاليد وتشريعات، وتحولها بالتالي،
стр. 945
إلى حرف ميت، أن الوقوف عند ظاهر النص يؤدي إلى هذا التشيؤ، ويحول الدين إلى أشكال طقوسية من عبادات ومعاملات، كما هو الشأن في المنظور الفقهي، ومن هنا يعطي القول بالباطن للدين حركبة لا تتناهى، لأنه يصبح في المنظور الأمامي، تحركًا في اتجاه ما لا ينتهي، فالفرق بين الدين في المنظور الفقهي الظاهري، والدين في المنظور الباطني الإمامي، كالفرق بين الماء المتموج على سطح البحر، وحركة الماء المتفجر في أغواره، أو كالفرق بين الظل والأصل، الفرع والجذر، فالظاهر ليس إلّا صورة من صور الباطن، وبما أن الباطن لا نهاية له فلا يُمكن أن تحده صورة واحدة، بل لا يُمكن أن تحده الصور. . .
وهكذا تكون الإمامة بمثابة التقاء بين الزمني الذي هو الظاهر أو الشريعة، والأبدي الذي هو الباطن أو الحقيقة، بين المتغير والثابت، المنتهي واللامنتهي، الإمامة هي بمعنى آخر، تزامن الجوهر والمظهر، فالباطن إذن لا ينفي الظاهر، واتما يعطيه معناه الحقيقي، وهو يثبته فيما يعطيه هذا المعنى، الباطن هو النور الذي يكشف ويضيء وهو المعنى الذي يعطي للوجود صورته، أي: قيمته ودلالته) (١).
بهذا النص يتضح لكل صاحب عقل وبصيرة أن أدونيس باطني اعتقادي تجري الباطنية وأهواؤها في عروقه، وتمازج روحه، وتستولي على، فكره فيراها الحقيقة والتطور والحركية اللامتناهية، والإمامة فيها هي الحضور الإلهي والأصل والجذور والماء المتفجر في الأغوار، أمّا عقيدة المسلمين القائمة على الوحي وهدي النبي ﷺ فهي -عنده- ظاهر جامد وأشكال طقوسية وفرع وظل وسطحية. . . إلى آخر أوصافه.
ولو لم يقل أدونيس هذا القول لكان في أقواله الأخرى وما فيها من إشارات وإيماءات، دلالة على منزعه الباطني النصيري، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هذا النص الصريح؟.
стр. 946
ولكن الأتباع عميٌ عن الحقائق لا يعقلون ولا يريدون أن يعقلوا!!.
ولربّما قرأ بعضهم هذا الكلام فنفر منه لغلبة الجهل أو الهوى، وربّما لغلبتهما معًا!!، وكيف لا، وقد أسقط أدونيس وعصابته وأتباعه موازين الكفر والإيمان، والحلال والحرام والولاء والبراء من حساباتهم.
وفي موضع آخر من كتاب يستخرج من تراث آبائه وأشباهه الباطنيين قضية لغوية طالما دندن حولها، وهي إسقاط دلالات اللغة، من خلال الدعوى الكاذبة بأن العبارة لا تساوي المعبر عنه ولا تدل عليه، وأن العلاقة بينهما علاقة إشارة ورمز، وعلاقة احتمال فحسب، وليس بينهما علاقة حقيقية ولا يقينية.
وبهذا المعنى الباطني الذي هو من أسس الفكر والعقيدة الباطنية، يصل أدونيس إلى مراده في إسقاط اللغة العربية، والتلاعب بالحياة كلها، والعبث بالعقول من خلال العبث باللغة، فإن إسقاط دلالات الألفاظ لا يساوي غير الجنون والدمار.
وعلى هذا المعنى الذي يقرره أدونيس والمشوهون بفكره، لو قلنا لأحدهم بعينه: فلان الحداثي خنزير نجس أو عذرة وبول، فلا حق له في الغضب والدفاع عن نفسه؛ لأن اللفظ هنا مجرد إشارة ورمز وليست علاقته بالمدلول علاقة حقيقية ولا يقينية، وقد يكون الرمز الذي يدل عليه هذا اللفظ هو المدح بدلًا من الذم، والتكريم بدلًا من الإهانة، وهذه العقيدة في الألفاظ التي أخذها أدونيس من أهل ملته، هي التي بموجبها حرفوا نصوص القرآن، وعبثوا بالشريعة والعقيدة، تحت طائلة التأويل الباطني، الذي سلكوا من خلاله شتى المسالك لإبطال الدين وتخريب الإسلام.
يقول أدونيس: (كانت التجربة الباطنية - الصوفية تعني، على صعيد الأدب واللغة، الفصل بين الاسم والمسمى، والتوكيد على أن العبارة "الاسم" لا تساوي المعبر عنه "المسمى" فالعلاقة بينهما علاقة إشارة ورمز، لا علاقة مطابقة وهوية، أو هي بتعبير آخر، علاقة احتمال لا علاقة يقين، وقد أدى القول بالعلاقة اليقينية إلى الأخذ بحرفية الكلمات، ومحاكمة الشعر
стр. 947
منطقيًا وأخلاقيًا، بل إن هذا كان من أهم الأسس النقدية التقليدية) (١).
هنا يظهر أحد مقاصد أدونيس في إسقاط دلالات الألفاظ، وهذا المقصد طالما تذرع به الحداثيون وتعلقوا به.
وفي ذلك يقول أدونيس في زمن الشعر: (إن للكلمة عادة معنى مباشرًا، ولكنها في الشعر تتجاوز إلى معنى أوسع وأعمق، لابد للكلمة في الشعر من أن تعلو على ذاتها، وأن تزخر بأكثر مما تعد به، وأن تشير إلى كثير مما تقول فليست الكلمة في الشعر تقديمًا دقيقًا أو عرضًا محكمًا لفكرة أو موضوع ما، ولكنها رحم خصب جديد، ثم إن اللغة ليست كيانًا مطلقًا بل عليها أن تخضع لحقيقة الإنسان التي يجهد للتعبير عنها تعبيرًا كليًا، فهي إذن ليست جاهزة بحد ذاتها، بل تشرق وتصير علينا في الشعر أن نخرج الكلمات من ليلها العتيق، أن نضيئها، فنغيّر علائقها ونعلو بأبعادها.
إذا كان الشعر الجديد تجاوزًا للظواهر ومواجهة للحقيقة الباطنية في شيء ما أو في العالم كله، فإن على اللغة أن تحيد عن معناها العادي. . .) (٢).
وبهذه التعميمات استطاع أن يخدع البسطاء الذين رتعوا في حقله وشربوا من مستنقعه، تجد أحدهم يهاجم الإسلام وقضاياه، والأخلاق وأسسها، ويدعو إلى الرذيلة، ويعترف بالكفر والزنى، فإذا قيل له في ذلك شيء تذرع بأن الأخذ بحرفية الكلمات نظرة تقليدية رجعية متخلفة!!.
وتبين لنا من هذا النص أن أساس هذه المعايير الحداثية، العقيدة الباطنية التي فرع أدونيس وأضل شؤونها على ضوء عقيدة النصيرية، ووجد من تنطلي عليه هذه الألاعيب اللفظية، المنطوية على سموم فكرية تقتل دين متعاطيها وأخلاقه
وبعد هذه السفسطات الأدونيسية يصل إلى نتيجة مؤداها الثناء على
стр. 948
الإلحاد والباطنية حيث يقول: (هكذا، بين الثورة الاجتماعية، والثورة الفكرية، بين عقلانية المجتمع المقرونة بعقلانية الدين، وإبطال النقل، وباطنية الدين وإبطال الظاهر، والمنهج الشكي الاختباري التجريبي وإبطال النبوة، كانت تنمو حركة التحول والإبداع في المجتمع العربي) (١).
وهكذا يصور أدونيس أن التطور والإبداع جاء على أيدي هؤلاء الشذاذ، ومتى كانوا كذلك؟ وفي أي زمن؟ بل كانوا في غاية الجهل والتردي، وها هم بنو ملته من النصيريين لم يبارحوا جبالهم حتى جاء الفرنسيون فأنزلوهم ليخالطوا الناس، ويروا الحضارة، ثم مكنوا لهم في الجيش والإدارة والإعلام، حتى استولوا أخيرًا على رقاب المسلمين، كشف اللَّه عنهم الغمة.
وكذلك كان الدروز والإسماعيليون، ولا تجد أحدًا من هؤلاء كان له في إفادة المسلمين أو رفع شأنهم أي أثر، بل تجد إبداعهم ونشاطهم إنّما كان في حرب المسلمين والإضرار بهم، وتفتيت قوتهم، والعمالة لعدوهم، والمحاربة لدينهم والسعي الحثيث لإبطاله وتخريبه.
وهذا الثناء من أدونيس على شواذ الفكر والسلوك من الباطنيين والشكيين والملاحدة الذين كانوا قلة لا قيمة لها أمام بحر الإسلام الخضم الهائل، وكانوا خفافيش ظلام أمام نور الإسلام العظيم الذي عم البشرية جمعاء.
هذا الثناء نجد مثله عند الخال حيث جعل الحركات التجديدية والإبداعية في التاريخ العربي جرت على أيدي الشعوبيين والخارجيين على التراث والسلفية، ويؤكد أن (الحركة الشعرية الحديثية ما هي إلّا حصيلة جهد بعض الذين وقفوا في الخارج، خارج السلفية والاتباع والتقليد) (٢).
ومن خلال تكرار أدونيس أن المقصود هو باطن اللفظ، وأنه هو
стр. 949
الحقيقة، وما عداه السطح استطاع أن يخلب عقول سفهاء الأحلام من أبناء المسلمين، الذي ربّما لم يسمعوا عن الباطنية وأساليبها وطرائقها في إبطال الأديان وخاصة الدين الإسلامي، فيقرأون وهم خليون من علم ينفع وإيمان يدفع، مع مخالطة الأهواء لقلوبهم، فيقعون فريسة لهذا النصيري وأشباهه.
ها هو يعلمهم بأستاذية واستعلاء -وهذا معروف في كلامه وشعره- فيقول: (. . . يجب أن تميز في التراث بين مستويين الغور والسطح، السطح هنا يمثل الأفكار والمواقف والأشكال، أمّا الغور فيمثل التفجر والتطلع، التغير، الثورة، لذلك ليست مسألة الغور أن نتجاوزه بل أن ننصهر فيه، لكن، لانكون أحياء ما لم نتجاوز السطح، ذلك أن السطح متصل بالوقائع والفترة الزمنية، أي بتجربة تاريخية معينة، بينما يتصل الغور بالإنسان كإنسان، الغور مطلق، أمّا السطح فتاريخي) (١).
وبمثل هذه الألفاظ يجذب إلى ناره فراش وجنادب الحداثة، المولعين بالاشتهار والمغامرة، وأهل الدين والعلم والإيمان يأخذون بحُجُزهم لئلا يقعوا في نار المجوس والباطنية، وهم يتفلتون ويتقحمون، وقد أغرتهم الدعاية الأدونيسية بالغور وهو لفظ ماكر بديل عن الباطنية، وبالتفجر بديلًا عن الرفض والكفر، والتغير بديلًا عن الردة، والثورة بديلًا عن التخريب.
بيد أن كبار نقاد الحداثة قد فطنوا للبعد الباطني عند أدونيس والدعوة إلى الباطنية كما سبق أن نقلنا، ولكنهم تعاملوا مع هذه القضية -بحكم حداثتهم المذيبة لمبدأ الولاء والبراء- تعاملًا هامدًا باردًا وكان شيئًا لم يكن.
فها هو إحسان عباس يدرس بعضًا من شعر أدونيس الدال على شيعته وباطنيته: رأس الحسين ومسجد الحسين والعداء لبني أمية، والشهداء زيد والحسين، ويستحيل عنده معاوية ﵁ إلى شعره، والأشجار في مقتل الحسين تمشي حدباء في سكر وفي أناة كي تشهد الصلاة، ومع كل ذلك لا يشير إلى النزعة الباطنية الشيعية في هذا الكلام، بل يعده مجرد أمثلة
стр. 950
على قضية "المرايا "التي يتخذها الشاعر الحديث (١).
أمّا الاسم الذي اتخذه أدونيس إطارًا له يعبر من خلاله عن ذاته فهو مهيار الدمشقي، وقد بين معنى هذا الاتخاذ عدة نقاد (٢)، ولكن أجرأهم هو جهاد فاضل الذي بين المقصد الشعوبي الباطني المستتر خلف هذا الاسم (٣)، وقد أجاد في ذلك، وسبق أن نقلنا نصه عدة مرات، ولا يتوارى أدونيس ولا يجحد مطلقًا أن الباطنية هي أساسه وجذره، كما يتوارى بعض أبناء المسلمين من الذين تلوثوا بنجاسات العلمنة والحداثة.
يسأله منير العكش قائلًا: (في فعلك الشعري ظواهر تسيطر عليها علاقات باطنية، هل تدخل الباطنية في مصادرك، وتعتبر جذرًا في حلمك؟.
أدونيس: طبعًا، يجب أن تميز بين الباطنية كحركة تاريخية والباطنية كموقف من العالم، بالمعنى الأول لا علاقة لي بها إطلاقًا، بالمعنى الثاني، الباطنية تهتم بما تسميه "الحقيقة" مقابل ما نسميه "الشريعة" أي بلغة شعرية، تهتم بما يتجاوز العادي وبهذا المعنى أنا متأثر بالباطنية.
والباطنية هنا تلتقي مع الصوفية، وتلتقي كذلك مع السوريالية. . .، والباطنية بهذا المعنى أيضًا بحث لا ينتهي عن حقيقة متحركة لا تنتهي لذا فهي شعرية خالصة. . . كشعر، تعتقد الباطنية أن العالم معنى وصورة، وأن غاية الإنسان ليس الوقوف عند حدود الصورة، أي: عند حدود الخارج بل تجاوز الصورة إلى المعنى، فإذا كانت تعامل اللَّه بهذا الشكل فكيف بالوجود؟ الوجود بالنسبة إليها هو هذا المعنى المستثمر الخفي، هو هذا المجهول. . .) (٤).
ونفيه أن تكون له علاقة بالحركة الباطنية كحركة تاريخية ينتفي تمامًا