ولكن الأتباع عميٌ عن الحقائق لا يعقلون ولا يريدون أن يعقلوا!!.
ولربّما قرأ بعضهم هذا الكلام فنفر منه لغلبة الجهل أو الهوى، وربّما لغلبتهما معًا!!، وكيف لا، وقد أسقط أدونيس وعصابته وأتباعه موازين الكفر والإيمان، والحلال والحرام والولاء والبراء من حساباتهم.
وفي موضع آخر من كتاب يستخرج من تراث آبائه وأشباهه الباطنيين قضية لغوية طالما دندن حولها، وهي إسقاط دلالات اللغة، من خلال الدعوى الكاذبة بأن العبارة لا تساوي المعبر عنه ولا تدل عليه، وأن العلاقة بينهما علاقة إشارة ورمز، وعلاقة احتمال فحسب، وليس بينهما علاقة حقيقية ولا يقينية.
وبهذا المعنى الباطني الذي هو من أسس الفكر والعقيدة الباطنية، يصل أدونيس إلى مراده في إسقاط اللغة العربية، والتلاعب بالحياة كلها، والعبث بالعقول من خلال العبث باللغة، فإن إسقاط دلالات الألفاظ لا يساوي غير الجنون والدمار.
وعلى هذا المعنى الذي يقرره أدونيس والمشوهون بفكره، لو قلنا لأحدهم بعينه: فلان الحداثي خنزير نجس أو عذرة وبول، فلا حق له في الغضب والدفاع عن نفسه؛ لأن اللفظ هنا مجرد إشارة ورمز وليست علاقته بالمدلول علاقة حقيقية ولا يقينية، وقد يكون الرمز الذي يدل عليه هذا اللفظ هو المدح بدلًا من الذم، والتكريم بدلًا من الإهانة، وهذه العقيدة في الألفاظ التي أخذها أدونيس من أهل ملته، هي التي بموجبها حرفوا نصوص القرآن، وعبثوا بالشريعة والعقيدة، تحت طائلة التأويل الباطني، الذي سلكوا من خلاله شتى المسالك لإبطال الدين وتخريب الإسلام.
يقول أدونيس: (كانت التجربة الباطنية - الصوفية تعني، على صعيد الأدب واللغة، الفصل بين الاسم والمسمى، والتوكيد على أن العبارة "الاسم" لا تساوي المعبر عنه "المسمى" فالعلاقة بينهما علاقة إشارة ورمز، لا علاقة مطابقة وهوية، أو هي بتعبير آخر، علاقة احتمال لا علاقة يقين، وقد أدى القول بالعلاقة اليقينية إلى الأخذ بحرفية الكلمات، ومحاكمة الشعر
стр. 947
منطقيًا وأخلاقيًا، بل إن هذا كان من أهم الأسس النقدية التقليدية) (١).
هنا يظهر أحد مقاصد أدونيس في إسقاط دلالات الألفاظ، وهذا المقصد طالما تذرع به الحداثيون وتعلقوا به.
وفي ذلك يقول أدونيس في زمن الشعر: (إن للكلمة عادة معنى مباشرًا، ولكنها في الشعر تتجاوز إلى معنى أوسع وأعمق، لابد للكلمة في الشعر من أن تعلو على ذاتها، وأن تزخر بأكثر مما تعد به، وأن تشير إلى كثير مما تقول فليست الكلمة في الشعر تقديمًا دقيقًا أو عرضًا محكمًا لفكرة أو موضوع ما، ولكنها رحم خصب جديد، ثم إن اللغة ليست كيانًا مطلقًا بل عليها أن تخضع لحقيقة الإنسان التي يجهد للتعبير عنها تعبيرًا كليًا، فهي إذن ليست جاهزة بحد ذاتها، بل تشرق وتصير علينا في الشعر أن نخرج الكلمات من ليلها العتيق، أن نضيئها، فنغيّر علائقها ونعلو بأبعادها.
إذا كان الشعر الجديد تجاوزًا للظواهر ومواجهة للحقيقة الباطنية في شيء ما أو في العالم كله، فإن على اللغة أن تحيد عن معناها العادي. . .) (٢).
وبهذه التعميمات استطاع أن يخدع البسطاء الذين رتعوا في حقله وشربوا من مستنقعه، تجد أحدهم يهاجم الإسلام وقضاياه، والأخلاق وأسسها، ويدعو إلى الرذيلة، ويعترف بالكفر والزنى، فإذا قيل له في ذلك شيء تذرع بأن الأخذ بحرفية الكلمات نظرة تقليدية رجعية متخلفة!!.
وتبين لنا من هذا النص أن أساس هذه المعايير الحداثية، العقيدة الباطنية التي فرع أدونيس وأضل شؤونها على ضوء عقيدة النصيرية، ووجد من تنطلي عليه هذه الألاعيب اللفظية، المنطوية على سموم فكرية تقتل دين متعاطيها وأخلاقه
وبعد هذه السفسطات الأدونيسية يصل إلى نتيجة مؤداها الثناء على
стр. 948
الإلحاد والباطنية حيث يقول: (هكذا، بين الثورة الاجتماعية، والثورة الفكرية، بين عقلانية المجتمع المقرونة بعقلانية الدين، وإبطال النقل، وباطنية الدين وإبطال الظاهر، والمنهج الشكي الاختباري التجريبي وإبطال النبوة، كانت تنمو حركة التحول والإبداع في المجتمع العربي) (١).
وهكذا يصور أدونيس أن التطور والإبداع جاء على أيدي هؤلاء الشذاذ، ومتى كانوا كذلك؟ وفي أي زمن؟ بل كانوا في غاية الجهل والتردي، وها هم بنو ملته من النصيريين لم يبارحوا جبالهم حتى جاء الفرنسيون فأنزلوهم ليخالطوا الناس، ويروا الحضارة، ثم مكنوا لهم في الجيش والإدارة والإعلام، حتى استولوا أخيرًا على رقاب المسلمين، كشف اللَّه عنهم الغمة.
وكذلك كان الدروز والإسماعيليون، ولا تجد أحدًا من هؤلاء كان له في إفادة المسلمين أو رفع شأنهم أي أثر، بل تجد إبداعهم ونشاطهم إنّما كان في حرب المسلمين والإضرار بهم، وتفتيت قوتهم، والعمالة لعدوهم، والمحاربة لدينهم والسعي الحثيث لإبطاله وتخريبه.
وهذا الثناء من أدونيس على شواذ الفكر والسلوك من الباطنيين والشكيين والملاحدة الذين كانوا قلة لا قيمة لها أمام بحر الإسلام الخضم الهائل، وكانوا خفافيش ظلام أمام نور الإسلام العظيم الذي عم البشرية جمعاء.
هذا الثناء نجد مثله عند الخال حيث جعل الحركات التجديدية والإبداعية في التاريخ العربي جرت على أيدي الشعوبيين والخارجيين على التراث والسلفية، ويؤكد أن (الحركة الشعرية الحديثية ما هي إلّا حصيلة جهد بعض الذين وقفوا في الخارج، خارج السلفية والاتباع والتقليد) (٢).
ومن خلال تكرار أدونيس أن المقصود هو باطن اللفظ، وأنه هو
стр. 949
الحقيقة، وما عداه السطح استطاع أن يخلب عقول سفهاء الأحلام من أبناء المسلمين، الذي ربّما لم يسمعوا عن الباطنية وأساليبها وطرائقها في إبطال الأديان وخاصة الدين الإسلامي، فيقرأون وهم خليون من علم ينفع وإيمان يدفع، مع مخالطة الأهواء لقلوبهم، فيقعون فريسة لهذا النصيري وأشباهه.
ها هو يعلمهم بأستاذية واستعلاء -وهذا معروف في كلامه وشعره- فيقول: (. . . يجب أن تميز في التراث بين مستويين الغور والسطح، السطح هنا يمثل الأفكار والمواقف والأشكال، أمّا الغور فيمثل التفجر والتطلع، التغير، الثورة، لذلك ليست مسألة الغور أن نتجاوزه بل أن ننصهر فيه، لكن، لانكون أحياء ما لم نتجاوز السطح، ذلك أن السطح متصل بالوقائع والفترة الزمنية، أي بتجربة تاريخية معينة، بينما يتصل الغور بالإنسان كإنسان، الغور مطلق، أمّا السطح فتاريخي) (١).
وبمثل هذه الألفاظ يجذب إلى ناره فراش وجنادب الحداثة، المولعين بالاشتهار والمغامرة، وأهل الدين والعلم والإيمان يأخذون بحُجُزهم لئلا يقعوا في نار المجوس والباطنية، وهم يتفلتون ويتقحمون، وقد أغرتهم الدعاية الأدونيسية بالغور وهو لفظ ماكر بديل عن الباطنية، وبالتفجر بديلًا عن الرفض والكفر، والتغير بديلًا عن الردة، والثورة بديلًا عن التخريب.
بيد أن كبار نقاد الحداثة قد فطنوا للبعد الباطني عند أدونيس والدعوة إلى الباطنية كما سبق أن نقلنا، ولكنهم تعاملوا مع هذه القضية -بحكم حداثتهم المذيبة لمبدأ الولاء والبراء- تعاملًا هامدًا باردًا وكان شيئًا لم يكن.
فها هو إحسان عباس يدرس بعضًا من شعر أدونيس الدال على شيعته وباطنيته: رأس الحسين ومسجد الحسين والعداء لبني أمية، والشهداء زيد والحسين، ويستحيل عنده معاوية ﵁ إلى شعره، والأشجار في مقتل الحسين تمشي حدباء في سكر وفي أناة كي تشهد الصلاة، ومع كل ذلك لا يشير إلى النزعة الباطنية الشيعية في هذا الكلام، بل يعده مجرد أمثلة
стр. 950
على قضية "المرايا "التي يتخذها الشاعر الحديث (١).
أمّا الاسم الذي اتخذه أدونيس إطارًا له يعبر من خلاله عن ذاته فهو مهيار الدمشقي، وقد بين معنى هذا الاتخاذ عدة نقاد (٢)، ولكن أجرأهم هو جهاد فاضل الذي بين المقصد الشعوبي الباطني المستتر خلف هذا الاسم (٣)، وقد أجاد في ذلك، وسبق أن نقلنا نصه عدة مرات، ولا يتوارى أدونيس ولا يجحد مطلقًا أن الباطنية هي أساسه وجذره، كما يتوارى بعض أبناء المسلمين من الذين تلوثوا بنجاسات العلمنة والحداثة.
يسأله منير العكش قائلًا: (في فعلك الشعري ظواهر تسيطر عليها علاقات باطنية، هل تدخل الباطنية في مصادرك، وتعتبر جذرًا في حلمك؟.
أدونيس: طبعًا، يجب أن تميز بين الباطنية كحركة تاريخية والباطنية كموقف من العالم، بالمعنى الأول لا علاقة لي بها إطلاقًا، بالمعنى الثاني، الباطنية تهتم بما تسميه "الحقيقة" مقابل ما نسميه "الشريعة" أي بلغة شعرية، تهتم بما يتجاوز العادي وبهذا المعنى أنا متأثر بالباطنية.
والباطنية هنا تلتقي مع الصوفية، وتلتقي كذلك مع السوريالية. . .، والباطنية بهذا المعنى أيضًا بحث لا ينتهي عن حقيقة متحركة لا تنتهي لذا فهي شعرية خالصة. . . كشعر، تعتقد الباطنية أن العالم معنى وصورة، وأن غاية الإنسان ليس الوقوف عند حدود الصورة، أي: عند حدود الخارج بل تجاوز الصورة إلى المعنى، فإذا كانت تعامل اللَّه بهذا الشكل فكيف بالوجود؟ الوجود بالنسبة إليها هو هذا المعنى المستثمر الخفي، هو هذا المجهول. . .) (٤).
ونفيه أن تكون له علاقة بالحركة الباطنية كحركة تاريخية ينتفي تمامًا
стр. 951
بتقريره واعتقاده لأصول عقائد الباطنية، وبدعوته الظاهرة والخفية إلى هذه الأصول الضلالية التي ذكر طرفًا منها هنا، وأطرافًا في مواضع أخر، وخاصة في كتابه "الثابت والمتحول" الذي وصفه البياتي -في معرض الخصام الذي حصل بينهم والتنافر- تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى - وقد سأله جهاد فاضل: (هل قرأت كتاب الثابت والمتحول الذي قدمه أدونيس في الأساس كأطروحة لنحل الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت؟.
البياتي: يحاول أدونيس في الثابت والمتحول بعد مئات الصفحات أن يثبت أن الشعوبية في الفكر العربي والثقافة هي التيار الأصيل الوحيد الذي كان، ويتأسف ويأسى لأن هذا التيار قد قمع. . .) (١).
ويصفه البياتي بأنه شاعر مزروع في الأمة ثم قال: (ويخيل لي أن رفض تراث الشعر العربي قديمه وحديثه تكمن وراءه دعوى شعوبية يتبناها أدونيس في السر والعلن. . . ويُمكن تفسير سلوك أدونيس هذا بالباطنية الشعوبية. . .) (٢).
وهذه شهادة من أحد أعمدة الحداثة، وننقلها هنا من باب: وشهد شاهد من أهلها، وإن كان البياتي -نفسه- في مخاضة الانحراف إلى ذقنه.
وهناك شهادة أخرى من حداثي آخر، تتبع انتحالات أدونيس وسرقاته، ومضامينه وأفكاره ثم أثبت بأن لدى أدونيس: (أواصر قربى طائفية وقروية، ليس ثمة في خطاب أدونيس ولا سلوكه ما يُمكّن قط من الاعتقاد بأنه تجاوزها) (٣).
ومما يدل على الانتماء العضوي والنفسي والفكري والاعتقادي بأصله النصيري الطائفي ما في ديوانه من إشارات وعبارات باطنية (٤).
стр. 952
وكذلك ما حشى به كتابه الباطني الذي سماه "الصوفية والسوريالية" والأولى أن يسمى "الباطنية والسوريالية".
ومن انتحالاته ما ذكره مؤلف كتاب "أدونيس منتحلًا" تحت عنوان: (شاهد ثالث: في هذا الأنموذج تجد عملًا للتضليل، بل لك أن تسميه الخديعة، بالغ الغرابة ومحزنًا في الأوان ذاته، ينطق في النص باسم الكاتب الذي يقدم أفكاره، هو الشلغماني أحد كتاب الشيعة النصيرية، كما لو كان، أي أدونيس، ينقل أفكاره عن الذاكرة) (١).
ثم يسوق المؤلف الكلام المنتحل وهو من مفرد بصيغة الجمع من الأعمال الكاملة، ثم عقب على ذلك قائلًا: (هناك الكثير من النصوص العَلَوية، من أدبية وفقهية، وسواها، تدخل في مجال الأدعية والسحر الخ. . . مما بقي مخطوطًا، بل سرّي التداول أحيانًا، غير معروف إلّا في حلقات مغلقة، وبحسب أصول توارث خاص بأهل الطائفة، وإن الكثير من الأدباء الذين ولدوا في البيئة العلوية يدعون أن أدونيس كثيرًا ما أخذ عن هذه النصوص. . .، المهم أن أفكار الشلغماني مقدمة هنا كما لو عن الذاكرة. . .) (٢).
وهذا الباحث إن كان نظر إلى هذه القضية من زاوية الانتحال فإن الأهم من الانتحال أن أدونيس لم يفارق طائفته النصيرية، ولم يخرج عن مدارها وعقائدها، وإذا عدنا إلى النص المذكور في ديوانه نجد أنه يغص بالإلحاد والإباحية المعروفة عن الفرق الباطنية: (اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات، لا تتناكحوا بعقد، أبيحوا الفروج للإنسان أن يجامع من يشاء، اقرأوا كتابي الحاسة السادسة في إبطال الشرائع، الجنة أن تعرفوني، النار أن تجهلوني. . .) (٣).
ومن دلائل ارتباطه العضوي بالشيعية الباطنية النصيرية أنه لما عاد إلى
стр. 953
قريته "قصابين" عام ١٩٧٥ م بعد غياب يزيد على خمس عشرة سنة، ووجد أن أحد علماء النصيرية قد هلك، ويسمى "علي حيدر" أنشأ أدونيس في رثائه قصيدة قال فيها:
(شمسان شمسك لم تغرب وشمس أبي
هما فضائي فضاء السبق والغلب
حملتُ سر (١) كما نمشي معًا وعلى
آثارنا مثل نور الآية العجب
تغيب كالشمس غابت كي تعود غدًا
وتلتقي كلقاء الهدب بالهدب) (٢)
وفي البيت الأخير يتجلى اعتقاده بتناسخ الأرواح كما هي عقائد الباطنية، وعند قيام الثورة الرافضية الشيعية الإيرانية، وانتصارها على الشاه كتب أدونيس:
(أفق ثورة، والطغاة شتات
كيف أروي لإيران حبي
والذي في زفيري
والذي في شهيقي تعجز عن قوله الكلمات؟
سأغني لقمٍّ لكي تتحول في صبواتي
ثار عصفٍ، تطوف حول الخليج
وأقول المدى والنشيج
أرضي العربية ها رعدها يتعالى
стр. 954
صاعدًا خالقًا
وحريقًا
يرسم المشرق الجديد، ويستشرف الطريقا
شعب إيران، يكتب للشرق فاتحة الممكنات
شعب إيران يكتب للغرب وجهك يا غرب مات
شعب إيران شرق تأصل في أرضنا ونبي
إنه رفضنا المؤسس، ميثاقنا العربي) (١).
وعندما سأله مؤلف كتاب أسئلة الشعر قائلًا: (أريد أن تحدثني عن علاقتك بالخصيبي والمنتجب العاني وحسن بن مكزون وغيرهم من شعراء النصيرية.
أدونيس: الخصيبي، كشاعر، لا أهمية له، المنتجب كذلك شاعر ثانوي، المكزون شاعر بمعنى أنه أول شاعر عربي حاول أن يعبر عن الايديولوجية التي يؤمن بها شعريًا، لقد وضع ايديولوجيته شعرًا، وهذه مهمة جدًا في تاريخ الشعر العربي.
قال السائل: بهذا أجد ابن الفارض أكثر أهمية؟.
أدونيس: ايديولوجية ابن الفارض عامة، وغير محدودة، بمعنى أن ابن الفارض، كشاعر هو شاعر عائم ضمن التراث الإسلام، لكن المكزون شاعر عضوي) (٢).
هذه باطنية أدونيس جلية غير متوارية، ظاهرة غير خافية، في تنظيره ونقده وشعره، وانتمائه العضوي.
أمّا غير أدونيس فقد امتد إليهم التأثر بالباطنية ووجد في شعرهم على
стр. 955
هيئة رموز وأسماء، وبعض الأفكار، وخاصة امتداح ثورة الزنج والقرامطة والتباكي على الحسين، وذكر كربلاء والنيل من معاوية وبني أمية.
فإذا نظرنا إلى بعض مفردات ثلاثة من المنتمين إلى الشيعة، وجدنا عندهم هذه الرموز والأسماء بصورة أكثف ودلالة أعمق، تدل على المنشاء والمسلك والاتجاه المشيعي الذي يمد شعرهم، وهم البياتي ومظفر النواب ومحمد علي شمس الدين.
فمن الرموز التي عند البياتي: الحسين (١)، وكربلاء (٢)، وقلعة ألموت، وابن الصباح (٣)، وقائد الزنج (٤).
أمّا النواب فإن شيعيته ظاهرة فجة قبيحة، فهو جريء في وقاحة مكشوفة، ورافضية واضحة وباطنية جلية (٥).
وأمّا محمد علي شمس الدين: فإنه يمتدح بابك (٦)، وله مقطع بعنوان "من مراثي فاطمة" (٧) مليء بالمضامين الشيعية، وآخر بعنوان قمر بني هاشم (٨)، مع حشد من العبارات الشيعية العاشورية (٩).
أمّا الذين ليسوا من أصول شيعية أو باطنية فإنهم قد تأثروا بهذا التيار، فمنهم سعدي يوسف الذي يمتدح في ديوانه حركة الزنج (١٠).
стр. 956
ومنهم: نزار قباني الذي امتدح الزنج والقرامطة (١)، وأتى بالرموز الشيعية (٢)، وكذلك محمود درويش (٣)، ومعين بسيسو (٤)، وعبد العزيز المقالح (٥)، والفيتوري (٦)، وممدوح عدوان (٧) الذي أكثر من استعمال هذه الرموز بشكل ملفت، وأحمد دحبور (٨)، وسميح القاسم في ديوانه لا أستأذن أحدًا، امتدح القرمطي وأثنى عليه (٩).
• • •
٢ - الصوفية:
اهتم منظرو الحداثة بالصوفية الفلسفية، وبما تتضمنه من عقائد ضالة، وخاصة وحدة الوجود والاتحاد، والكشف، وأبرز من اهتم بالصوفية وضلالاتها الباطني أدونيس وقد ركز على الجانب الباطني عند الصوفية، واتخذ منه -مثلما اتخذ من الباطنية- منطلقات لأفكاره وعقائد الباطنية الحداثية، وسلك معه آخرون في هذا المسلك.
وبما أن الكلام عن الصوفية عند الحداثيين -وخاصة أدونيس- يتركز على الجانب الباطني في الفلسفة الصوفية، فإنا لا نطيل الكلام هنا لكفاية ما سبق.
وقد مرّ معنا ثناء أدونيس على الخوارج والزنج والمعتزلة وما أطلق
стр. 957
عليه العقلانية الإلحادية، ثم الصوفية الاتحادية (١).
وقد اعتبر أن الكناية الحداثية بدأت بالنفري وابن عربي والسهروردي (٢)، وتحدث عن الرؤيا الباطنية -التي سبق الحديث عنها- ولكن في موضع آخر عن الصوفية وابن عربي وجعلها من باب الكشف عن الغيب والتشبه بالأنبياء، وشبه الحداثيين في استبطانهم بالأنبياء، ثم تحدث عن الرؤيا عند ابن عربي، وتحدث عن الرؤيا الإشراقية، والكشف الصوفي الفلسفي وما يتضمنه من عموض وتجاوز لمنطق العقل، وجعل ذلك أساسًا فلسفيًا للغموض الحداثي، إذ اعتبر أن الرؤيا استمرار وصيرورة دائمة، وإبداع، وجعلها من خصائص المبدع، وصرح بأن الإبداع كشف، ثم وصل إلى أن التغير المستمر ومناقضة الثبات هي مقياس الكشف الباطني الصوفي، ومقياس الإبداع (٣).
ثم تحدث بإعزاز عن التصوف قائلًا: (المثل العربي البارز على رفض الشريعة من أجل الحقيقة أي من أجل ما يتجاوز الشريعة، هو التصوف - على صعيد التجربة الفكرية، وهو الصعلكة على صعيد التجربة الحياتية) (٤).
وقرن بين الصوفية والسوريالية، وجعلها مرادفة للباطنية (٥) التي هي -عنده- أساس كل إبداع.
وفي جزء آخر من أجزاء كتابه الثابت والمتحول، أسهب في شرح فلسفة الذوق الصوفي (٦)، متخذًا منه ركيزة انطلاق حداثية ثم عن الفناء الصوفي والمحبة الصوفية، وكيف أنها أبطلت العلاقة التقليدية -حسب رأيه- بين اللَّه والإنسان (٧)، وهي العلاقة الشرعية القائمة على الحد بين مقام
стр. 958
الألوهية ودرجة العبودية، وذكر أوجه التقاء الصوفية مع الباطنية الإمامية (١).
ثم استرسل في وصف ما أسماه الحقيقة الصوفية الإلهامية الذوقية، التي يمتدح تجاوزها للعقل والشرع لقيامها على المعرفة الإلهامية، التي تكون فيها الحقيقة غير متناهية، في حين أن العقل والشرع حواجز للحقيقة وكذلك اللغة (٢).
ثم يصل إلى الشطح الصوفي وما يتضمنه من ادعاء للألوهية، معجبًا بكون الصوفي أصبح يصرح بأنه مثيلًا للَّه (٣) تعالى وتقدس، وأن غاية التجربة الصوفية الوصول إلى معرفة اللَّه تحولت حتى أصبح الصوفي هو اللَّه (٤) تعالى اللَّه.
ثم ينتقل من وصف المثلية بين الصوفي وبين اللَّه تعالى، إلى أن الصوفي تجاوز ذلك وأصبح يأخذ مكان اللَّه ودوره (٥).
ثم خلص إلى القول بأن: (الصوفي جوهر مبثوث في الوجود كله لذلك لا تحده الجهات، بل الجهات تصدر عنه، ولا يحيط به المكان، بل هو الذي يحيط بالمكان) (٦).
وبعد ذلك تحدث عن الفناء الصوفي ومزاعمهم في رؤية اللَّه تعالى ووحدة الوجود، الذي يصل به الصوفي إلى أن يصرح فيه بأنه أعظم من النبي (٧).
ثم يختم بالقول: (لقد نقلت الصوفية تجربة الوجود والمعرفة من إطار العقل والنقل إلى إطار القلب، فلم يعد الموجود مفهومات ومقولات
стр. 959
مجردة، وبطلت المعرفة أن تكون شرحًا لمعطي قبلي، أو تسلمًا بقول موحى) (١).
وهو في كل هذا العرض يربط بين الصوفية وعقيدة الباطنية، بل ما درس الصوفية إلّا من جهتها الباطنية الفلسفية الإلحادية، ثم يربط بين المفهومات الضالة وما يسميه الإبداع والتطوير والحداثة.
وفي كتابه زمن الشعر يكرر هذه المقولات ويشيد بالشخصيات الصوفية الإلحادية ويستند إلى كلامها ومواقفها (٢).
ويشير إلى أسماء مجموعة من الذين يرى أنهم قدوته ويسير على طريقهم هو وأتباعه وأغلبها أسماء مشبوهة من القديم والحديث وذكر منها الحلاج وابن الراوندي، ثم قال عنها بأنها هي (التي غيرت ورفضت وتمردت على الأليف والموروث والعادي والتقليدي، والتي خلقت وجددت وأضافت، ولسوف نكمل ما بدأه هؤلاء، فنشك ونرفض ونغير إذا استطعنا إيقاعات الخليل، ونثور ونهدم ونعلن الفوضى) (٣).
ويتحدث عن دلالات الحركات الثورية والحركات الفوضوية، ويثني عليها، ثم يقول: (ومن هذا المنظور أيضًا تتجلى إيجابية الحركة الصوفية. . . لا تعود الأنا تكتفي بسيادتها على الشيء، وإنّما تطمح إلى أن تصبح الكون كله "ما في الجبة غير اللَّه" كان الحلاج يقول) (٤).
وفي قضايا وشهادات يصف أحد الكتاب العلاقة بين الصوفية والسوريالية في ثناء ومدح، خلص منه إلى أن المتأثر بهذا هو شعر اليقظة (٥).
стр. 960
وقد خصص عبد الحميد جيدة مبحثًا خاصًا عن التصوف والباطنية باعتبارها رافدًا من روافد الأدب الحديث، وساق جملة من أقوال الصوفية التي يهيم بها الحداثيون، وذكر العلاقة بين الغموض والإيهام والإلهام والكشف والحدس، والباطنية الصوفية، وخرق الواقع والجمع بين الصور المتناقضة، ثم ذكر كلامًا للحلاج والسهروردي وابن عربي والنفري وجلال الدين الرومي، وتأثر الأدب المعاصر بهم ونماذج لذلك (١).
وفي مجلة الناقد مقال مطول عن ابن عربي وحاجة النقد العربي المعاصر إليه، مع مديح مطنب للصوفية والتراث الصوفي، وخاصة وحدة الوجود والكشف، وقدرة الصوفية على الهروب من الحصر والحد حسب زعم الكاتب، مع اتكاء على كتاب الفتوحات المكية، وأثره، وما يستنبط منه للحداثة المعاصرة مثل: أن الخيال أصل الوجود وعين الحقيقة، والتبدل والتغير الدائم وعدم الثبات، والرمزيات الصوفية، والتأويل الصوفي الباطني، ثم يذكر أوجه التطابق بين الصوفية والحداثة، ويطرح مقترحات لكيفية الاستفادة الأكثر من الصوفية (٢).
ويذكر الناقد محمد جمال باروت اهتمام مجلة شعر بالباطنية والصوفية التي أطلق عليها اسم "العرفانية" وأوجه التطابق بين كل من هذه الاتجاهات (٣).
أمّا مؤلف أفق الحداثة فإنه يصف كيف تفشى في أوساط الشبيبة الناشئة معاداة التراث والاستخفاف به وتفشى هجاء "الكتب الصفراء" والسخرية منها، في حين اتجهوا إلى كتب المسحر والتصوف، وظهور من يستمرئ الأغاليط اللغوية، ومن يعتبر الاستثناء قاعدة، وركة الأسلوب تجديدًا، وكل ذلك حصل بتأثير أدونيس وأنسي الحاج وغيرهم (٤).
стр. 961
أما كتاب "الصوفية والسوريالية" فقد امتلأ جانباه بالحديث عن الصوفية الباطنية وأوجه التلاقي بينها وبين السوريالية، وأن إلحادية السوريالية مثل الاتحادية ووحدة الوجود عند الصوفية (١)، وأن الصوفية جاءت ضد العقل والشرع (٢)، وخرجت عن كل إطار وضابط مثل السوريالية (٣)، وتحدث عن علاقة الصوفية بقصيدة النثر (٤)، وعن الرمزية الصوفية ومناقضتها للدين واللغة وأخذ الحداثيين لهذا المعنى (٥)، ثم يذكر الأهمية القصوى للصوفية حسب معتقده (٦)، وبالجملة الكتاب كله مترع بباطنية سوداء وإلحاديات جوفاء.
أمَّا البياتي فيذكر في كتابه "تجربتي الشعرية" تأثير الصوفية وأفكارها ورموزها على شعره (٧).
وخصص في ديوانه مقطعًا للحلاج سماه "عذاب الحلاج" (٨)، واستشهد بكلامه في موضع آخر (٩)، وذكره في عدة مواضع (١٠)، وقال عنه:
(لم تشهدي الحلاج بعد الصلب وهو في قميص الدم
متوجًا بالشمس
ووهج القمة في الأصوات) (١١).
وله مقطع طويل بعنوان "عين الشمس أو تحولات محي الدين بن
стр. 962
عربي في ترجمان الأشواق" (١) قال فيه:
(توحد الواحد في الكل
والظل في الظل) (١).
ثم ترجم لابن عربي ترجمة مولع محب معجب (٢).
وله مقطع بعنوان "مقاطع من عذابات فريد الدين العطار" (٣)، وآخر بعنوان "صورة للسهروردي في شبابه" (٤)، وآخر بعنوان "قراءة فى ديوان شمس تبريز لجلال الدين الرومي" (٥)، ويذكر الصوفية الاتحادية (٦)، وسنائي والعطار (٧).
أمّا صلاح عبد الصبور فقد أصبحت مسرحيته التي سماها "الحلاج" من أكبر دلالات التأثر بالصوفية والدفاع عنها وعن مذاهبها المنحرفة.
ومما جاء فيها تمجيده لأفكار الحلاج وامتداحه للصوفية وطريقتهم، والنور الباطن عندهم، وأن الشر هو فقر الفقراء وجوع الجوعى، مصورًا أن الحلاج يقف مواقف نضالية في صف الكادحين تعرضه للقتل، ثم يدافع عن الحلاج، وأنه ظلم وقتل جورًا، ويذكر عقيدته في الحلول والاتحاد وفي نهاية المسرحية يترجم للحلاج ترجمة تبجيلية، له ولكتبه، ويذكر أن الذي لفت نظره إلى الحلاج ومأساته هو "ماسنيون" وأنه اكتشف بعد لفت النظر هذا أن الحلاج كان صاحب فكر اجتماعي، وصاحب عقيدة متحررة (٨).
стр. 963
وله مقاطع أخرى منها عن مجذوب صوفي في حارته يدَّعي أنه يعاين الإله ويجتلي سناه (١)، ومنها حوار مع ابن عربي (٢).
ولسعدي يوسف رغم شيوعيته عناية بالصوفية الفلسفية، والذي جمع بينهم الاستخفاف بالدين والإلحاد برب العالمين فهو يذكر السهروردي (٣) والحلاج (٤)، ويثني عليهما وعلى عقائدهما.
أمّا نزار قباني فإنه يضع دراويش الصوفية ومجاذيبهم رمزًا للدين ويستعمل خرافاتهم سلمًا للسخرية منه (٥)، وله قصيدة بعنوان "تجليات صوفية" (٦)، ويقول:
(إلى متى أظل اخترعك
كما يخترع الصوفي ربه) (٧).
ويسرد في أحد المقاطع أسماء مجموعة من المتصوفة: ابن الفارض وجلال الدين الرومي ومحي الدين ابن عربي (٨).
ويقول في مدح جمال عبد الناصر:
(ملأنا لك الأقداح يا من بحبه سكرنا كما الصوفي يسكر باللَّه) (٩).
أمّا الفيتوري فقد تربى في بيت صوفي وعاش تجربة صوفية موصوفة في مقدمة ديوانه (١٠)، ويقال الآن بعد رحلة طويلة في ظلمات الحداثة، أنه عاد إلى التصوف من جديد.
стр. 964
ويقول أحد الحداثيين في مقابلة أجريت معه: (إنني أدين بدين ابن عربي) (١).
أمّا العلماني حسن حنفي فقد كال مدحًا هائلًا لابن عربي وكتابه فصوص الحكم (٢)، وأثنى على الصوفية لتعاملهم مع اللَّه تعالى تعاملًا جنسيًا (٣) تعالى اللَّه وتقدّس.
وخلاصة القول: لقد كان للصوفية تأثير واضح في أدب الحداثة، وخاصة التصوف الفلسفي المنحرف، وما فيه من عقائد وحدة الوجود والاتحاد وغيرها من الانحرافات الصوفية، ونجد أن أسماء ورموز هذا الاتجاه تنال الحظوة الكبرى عند الحداثيين، وخاصة ابن عربي وابن الفارض والحلاج والسهروردي والنفري، وغيرهم ممن عرف عنه الشذوذ والانحراف الاعتقادي.
• • •
٣ - الخوارج والمعتزلة:
وكما هي عادة الحداثيين المستديمة في تعاملهم مع التراث الإسلامي، يتركون الصفاء والنقاء والحق الصراح، ويعمدون إلى الشاذين مثلهم من الفرق الضالة فيجعلونهم نماذج للتحرر والإبداع والتفوق والتحديث، ويجعلون الذين قاوموا انحرافاتهم وهم أهل السنة والجماعة، نماذج للتخلف والتقليد والبلادة وعدم العقلانية والتلقينية، إلى آخر قوائم الهجاء الحداثي.
وقد مرّ معنا عدة مرات كيف عدّ أدونيس الخوارج والمعتزلة مع الباطنيين والملاحدة والصوفية الاتحادية، من الأصول الفكرية للحداثة (٤).
стр. 965
وسبب إشادتهم بهؤلاء وخاصة المعتزلة مع أنهم من أهل الملة ويؤمنون باللَّه ورسوله والمعاد والنبوة إلّا أنهم من أجل أصلهم الفاسد في تقديم العقل على النقل أُعجب بهم هؤلاء، ولاشتراكهم معهم في التهوين من الوحي، بتعظيم العقل، إلى حد جعل أدونيس يثني على الاتجاه الاعتزالي؛ لأنه هاجم منهج السلف، وناقض قضية اتباع الدليل، وقاوم ما يسميه "الاتباعية النقلية"؛ ولأنه قدم العقل على الشرع وجعل العقل أصل المعرفة.
ويرى أدونيس أن المعتزلة وصلوا إلى القول بأنه "لا يؤخذ بأي شيء سواء كان تقليدًا أو خبرًا متواترًا أو إجماعًا إلّا إذا كان مطابقًا للعقل، وكل ما يتناقض مع العقل لا يعد علمًا"، وأن العقل هو مقياس التمييز بين الخير والشر ومقياس الأخلاق.
ويرى أن أهم ما أدى إليه تقديم العقل على الشرع هو التوكيد المطلق على حرية الإنسان وإبداعه، وإلى القول بأن القرآن مخلوق محدث، ثم يثني بعد ذلك على هذا الاتجاه ويمدحه (١).
ومن المعلوم أن أدونيس لا يثني على المعتزلة إلّا من الوجه الذي يناسبه، وهو مخالفة الشرع وتقديس العقل، أمّا الوجه الآخر للمعتزلة وهو كونهم أهل ملة ودين فذلك لم يذكره، ولم يتعرض له، لأنه مما يبغضه ويبعث الحقد في قلبه.
وقد اهتم حسن حنفي وعصبته العلمانيون اللادينيون في مصر بالتراث الاعتزالي، وجعلوه منطلقًا لهم لهدم الاتجاه السلفي الذي نشأ وترعرع في العصر الحاضر بعد قيام الدعوات والحركات الإسلامية المنادية بمبدأ "الإسلام دين ودولة".
ويذكر حسن حنفي أنه يهتم بالمعتزلة وأصحاب الطبائع من أجل وعي حضاري حديث، ومن أجل الخروج من الإيمان السلفي (٢)، وله ثناءات
стр. 966
كثيرة على المعتزلة ومدائح وإشادة في كتبه (١)، ويتخذ منهم وسيله لترسيخ العلمانية والدعاية لها.
وأردى منه نصر أبو زيد الذي اتخذ من موقف المعتزلة في خلق القرآن ذريعة ليقول بأن القرآن ليس من عند اللَّه، وإنّما هو نص إنساني مخلوق مثل المسيح، وأن نصوص القرآن لغوية بشرية كغيرها من النصوص، وقد امتدح المعتزلة واعتبرهم مبدعين (٢).
ويثني الطيب صالح على المأمون؛ لأنه كان يؤمن بأقوال المعتزلة القائلة بأن القرآن غير سرمدي (٣).
وكلامهم في امتداح المعتزلة والخوارج يطول، وليس من طائل في تتبع شواهده العديدة.
• • •
٤ - الفلاسفة:
أخذ الحداثيون من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، وأشادوا كثيرًا بابن رشد (٤) الذي يرى أدونيس أنه هو الذي أسس العقل وقلص الدين، ويرى أنه أحد جذور الحداثة في التراث العربي (٥).
أما فلاسفة الباطنية والصوفية فقد سبق الحديث عنهم، وكذلك أخذهم عن المعتزلة (٦).
стр. 967
وللفلاسفة أقوال في الوحي والمعجزات والنبوات والمعاد والغيبيات تتسم بالشك في الحق حينًا، وبالقطع بالباطل حينًا، وهذا اتجاه يعجب أهل الأدب والفكر الحديث، ومهمتهم الأساسية تتركز في اقتناص كل ما يعتبرونه سببًا في إضعاف الدين الإسلامي وتخريبه والتشكيك فيه وهدمه.
أمّا ابن رشد فإنه وإن استفادوا من بعض مقولاته فإن السبب الأساسي لاهتمامهم به هو أن أساتذتهم الغربيين اهتموا به، ودرسوه، ودرسوا تأثيره على الحياة في أوروبا، فأخذ أتباعهم هذا الاهتمام وولعوا بابن رشد، لكنهم لا يتبعونه في كونه صاحب قبلة واحترام للدين وإيمان به وبالرسالة والوحي والغيب، فهم من أبعد الناس عن هذا، فقد ارتضعوا الإلحاد من مناهل عديدة.
ومن الشخصيات الفلسفية التي دندنوا حولها مسكويه (١) والتوحيدي (٢) وخاصة محمد أركون الذي ركز اهتمامه على مجموعة من الفلاسفة هذان أهمهما (٣).
٥ - الشعوبية:
وقد سبق الحديث عنهم مفصلًا في أول هذا الفصل (٤)
стр. 968
٦ - الزنادقة:
وهؤلاء محل اعتناء شديد من قبل أهل الأدب العربي المعاصر.
وكل ما ذكرناه عند الباطنية وفلاسفة الصوفية فهو يصح أن يقال هنا، باعتبار أن أولئك من رؤوس الزنادقة.
ومن الشخصيات التي اهتم أدونيس بها وبكلامها: أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الملحد، فقد شرح إلحادياته وكفره باللَّه وجحده للنبوات والقرآن والمعاد، وامتدح هذا الاتجاه عنده، وأشاد به باعتباره أساسًا للحرية الفكرية، ومنبعًا للحداثة في التراث، وأصلًا للخروج على الأقواس والأطر، وابتداءً لمخالفة التقليدية والاتباعية والسلفية، ونموذجًا للحرية الفكرية، إلى آخر مدائحه لهذا الملحد الزنديق الذي كان فى الوقت نفسه شيعيًا باطنيًا شأنه في ذلك شأن أدونيس (١).
ومن الشخصيات التي أثنى عليها واعتبرها أصلًا في الثقافة والإبداع الزنديق ابن الراوندي (٢).
وقد أشاد بالتيارات الإلحادية وسماها بهذه التسمية وجعلها أصلًا للوعي والمعرفة في التراث وفيما يؤخذ منه فيما بعد (٣).
واهتموا كذلك بأبي العلاء المعرّي (٤)، وبعض شعره الشكي، وبعض أقاويله، واهتموا برسالة الغفران على وجه الخصوص، علمًا بأن
стр. 969
حوله كلام طويل بين من يقدحه ومن يبرئه ويمدحه.
فها هو النصراني الفلسطيني والشيوعي الموظف لدى حكومة اليهود أميل حبيبي يقول: (في تاريخنا القديم لم يتوان المعارضون برهة عن المجاهرة بمناوأتهم للحكم حتى للدين بأساليب مختلفة وتعابير مزدوجة المعاني، وتبقى رسالة الغفران لأبي علاء -كذا- المعري مثالًا صارخًا على هذا الصعيد) (١).
ويقول أدونيس: (يقال إن العرب يتكلمون كثيرًا، على العكس، إن ما يحتاج إليه العرب هو الكلام، منذ أبي العلاء المعري لم نتكلم، رددنا كررنا حفظنا لكننا لم نتكلم، والذين تكلموا قلائل جدًا) (٢).
وقد جعل لويس عوض من المعري سلمًا لبث شكوكه ونصرانيته، فتصدى له الشيخ محمود شاكر في كتابه "أباطيل وأسمار" ودافع عن أبي العلاء، ولم يعتبر ما نقل عنه من شعر أو مؤلفات يطعن في عقيدته ودينه.
ومن الشخصيات التي اهتموا بها وحولها كلام طويل بين قادح ومادح عمر الخيام (٣).
وممن امتدحه وأشاد به البياتي، حيث جعل فكره حياة نيسابور، بل إنه جعل اسم نيسابور من الأسماء الرمزية التي يكررها في شعره كثيرًا، مثل اسم عائشة التي صرح بأنها رمز لفكرة الخيام الدائمة ضد الإسلام الذي يراه مجرد ظلام وموت، ويرى الحياة والنور في فلسفة الخيام وفكره (٤)، ومن أقواله:
стр. 970
(فانا غاليلوا -سقراط- الحلاج
وأنا الحسن الصبّاح الخيام) (١).
وهو القائل:
(بتراث معري النعمان
والمتنبي وعلي وأبي حيان
وتراث الثورات
أتحصن ضد اللاجدوى، وردئ الزمن المرفوض بكل
الأزمان) (٢).
ويمتدح سعدي يوسف المعري ويضع لسماع كلامه اعتبارًا ومكانة، ولمخالفته خطورة (٣).
ومن الشخصيات التي يذكرونها بإشادة ومدح عبد اللَّه بن المقفع (٤)، ويندبون مقتله ويعتبرون ذلك جريمة في حق الفكر والحرية.
وممن امتدحه ودافع عنه واعتبر أن قاتليه رموزًا للتخلف والرجعية، معين بسيسو (٥).
ومن الشخصيات المعروفة بالزندقة ميمون القداح أحد مؤسسي الفرقة
стр. 971
الإسماعيلية، وقد وضع في مدحه شاب يمني حداثي يدعى إسماعيل الوريث كلامًا بعنوان "من هموم ميمون القداح" قال فيه:
(يا ريحًا صارخة في أكواخ القش
مضى زمن مغلقة فيه المدن العباسية
هذا زمن الدعوة تحتضن البسطاء
نزلت الليلة في قلب مدينة من أهواه
أنصت إلى الهمسات المسموعة
عانقني شوق ناري في أعماق المقهورين
تحدر من عيني الدمع
الألق الموحي بالفجر) (١).
وقد كتب عبد اللَّه الزيد وهو حداثي من تلاميذ صغار الحداثيين مدحًا لصاحبه اليماني فقال: (من هذه الدوائر الشاعر الشاب إسماعيل الوريث، يحاول من خلال الشخصيات التاريخية -ميمون القداح- أن يكتب ظلالًا من المواقف الشجاعة، تتزامن مع الكلمة والمعنى الذي تؤديه وحدات القصيدة من هموم ميمون القداح) (٢).
هذا هو أخذهم من التراث، وهذه هي استفادتهم منه، يتقلبون بين الباطنية والصوفية الاتحادية والزنادقة والفلاسفة والفرق الضالة من الشيعة والخوارج والمعتزلة.
وهذا مما يؤكد أن الحداثة تستهدف بصورة مقصودة حرب هذا الدين القويم، وهدم أسسه ومبانيه، وجحد فضائله ومحاسنه، وإشاعة ما ظنه المارقون والشاكون عيوبًا ومثالب.
стр. 972
إنهم يتلموس في ردهات الإسلام الطاهر النقي أي شيء ليعيبوه به، ويبحثون في تاريخه وحضارته عن كل همل ساقط، وكل ردئ خبيث الطوية والمعتقد، فيستخرجونه من غبار الإهمال الذي ران عليه طوال قرون، ويجعلون منه السيد العاقل البصير.
فإذا أضفت إلى كل هذا أنهم ما تركوا عفنًا عقديًا إلّا ارتادوه وأقبلوا إليه يأخذون منه ويَرِدُونَ عليه ورود الهيم، تبين أن القوم في عماية الغواية، وأن الضلالة قد استبدت بهم وترسخت في أفئدتهم وغطت على عقولهم فإذا هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ (١).
• • •
стр. 973
الباب الثاني الانحرافات المتعلقة بالملائكة والكتب المنزلة والأنبياء
ويشمل الآتي:
توطئة.
الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة بالملائكة ﵈.
الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالكتب عامة والقرآن خاصة.
الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالرسل ﵈.
стр. 974
توطئة:
لقد كان الباب الأول بفصوله الأربعة أساسًا لمعرفة عقائد القوم وتشخيص أصول أمراضهم الاعتقادية.
وكان البسط فيه مما يقتضيه المقام بالنسبة لأهمية قضية الإيمان باللَّه تعالى ربًا وإلهًا متصفًا بصفات الحسن والكمال؛ إذ الإيمان بهذا المبدأ العظيم هو أساس كل إيمان، والانحراف فيه هو أساس كل انحراف.
وأصل التمايز بين الإيمان والكفر والتوحيد والوثنية يكون منطلقه من هذه القضية الكبيرة الخطيرة.
وقد رأينا فداحة الجرم الحداثي فيما يتعلق بأهم وأعظم ركن من أركان الإيمان، رأينا كيف أنهم يجحدون وجود اللَّه -جلَّ وعلا-، أو يشككون في وجوده، وهذه قاعدة الإلحاد، ورأينا أنهم ينكرون ربوبيته وخلقه وملكه وتدبيره، ثم رأينا كيف جرهم ذلك إلى جحد ألوهيته وحق عبادته وطاعته، وبعد ذلك كان لابد من إعادة هذه الضلالات إلى أصولها التي أخذوا منها، فوجدنا أنهم انحدروا إلى حضيض الوثنيات والأساطير والجاهليات القديمة، يؤمنون بها، ويأخذونها مأخذ العبادة والتقديس والإجلال والتعظيم، بل ويرون فيها الأمل المرتجى للمستقبل، والبعث لحياة قادمة مزدهرة!!.
ثم انحدروا إلى ظلمات الأديان المحرفة من نصرانية ويهودية وزنادقة وملاحدة وباطنية.
стр. 975
كل هذا أوجد عندهم قاعدة الانحراف التي ساروا ويسيرون عليها في كل قضايا الإيمان والعمل.
فالإيمان بالملائكة والكتب والرسل تبع للإيمان باللَّه تعالى، وما دام القوم في إلحاد مكشوف أو شك وريب، أو كفر وشرك، فلا غرو أن يكون إيمانهم بالأمور المترتبة على الأصل الأعظم والركن الأكبر فيه من الانحراف والضلال والاضطراب مثلما في الأصل أو أسواء.
إن ارتكاسهم في حضيضين آسنين، جعل على عقولهم وقلوبهم أكنة أن يفقهوا الحق أو يؤمنوا به أو يتبعوه، مهما كانت حججه واضحة وبراهينه ساطعة.
فأمّا الحضيض الأول: فهو ترديهم في المادية الفكرية القائمة على تقديس الحس ومعطياته والتجربة ونتائجها، بل وفي أحيان كثيرة على أوهام مادية، يظنون أنها ثابتة قطعًا لا ريب فيها، فها هي الوجودية التي يؤمن بها الكثير منهم، والتي انتشرت بينهم انتشار السل في العظام، ليست إلا امتدادًا لإيحاءات نظرية فرويد الجنسية، الداعية إلى تحطيم كل قيد قد يقف في سبيل تحقيق ذاتية الفردية الأنانية الكاملة، سواء كان هذا القيد من دواعي السماء أو الأرض، وأن عليه أن ينطلق بحيوانية شهوانية حيث شاء الانطلاق، وليذهب الآخرون إلى الجحيم: المجتمع، المثل، القيم، النظم، العقائد، ما دامت أو أي شيء منها يقف أمام أمزجة هذا الفرد أو ذاك.
وها هي الحياة الداعرة المنحطة التي يمارسها الشباب والشابات في أوروبا وأمريكا، والتي تدعوا إلى التحرر من كل القيود والضوابط مهما كانت؛ ليست هي أيضًا إلّا من نتائج فرويد.
والصحافة الداعرة والأفلام العارية، والقصص الجنسية، والممارسات الإباحية، كل ذلك وغيره من إيحاءات نظرية فرويد التي ركزت فيهم وهمًا بالجبرية النفسية، وأن الإنسان ليس حرًا في تصرفاته؛ لأن غريزته هي
стр. 976
السيطرة عليه، وهي التي توجه السلوك دون أن يكون للفرد فرصة للاختيار أو التصرف (١).
وهذا مثال من أمثلة الأوهام المادية التي نجد أن الحداثيين والعلمانيين ساروا في عماياتها خاضعين لخرافاتها.
وأمثلة أخرى كثيرة من أوهام المادية التي انحطموا في خداعها، قاطعين بأنها حقائق من معطيات النظر العقلي الراسخ والتأويل القوي، والدراسة العميقة، ومن هذه الأمثلة "الماركسية" المادية التي تابعها الببغاوات هنا في الشرق وصفقوا لها، ثم انهارت وتفتت فكرة وممارسة، وما نزال نسمع الببغاوات تردد أن الماركسية كنظرية تحتفظ بقوتها!!.
ومن الأمثلة الأخرى "الوجودية" والنظريات الاجتماعية المادية، ونظرية النشوء والارتقاء الداروينية وغيرها كثير.
وأمَّا الحضيض الثاني: فهو انغماسهم مع الغربيين في الإيمان بغيبيات خرافية، وتصديقها.
ومنها مثلًا -ما سبقت الإشارة إليه- من إيمانهم بأن السلوك الجنسي هو المتحكم في كل سلوك الإنسان، وقطعهم بالجبرية الفرويدية، وكذلك قطعهم بالجبرية الماركسية في قضية الصراع بين الطبقات فيما مضى وفيما سوف يأتي، وكذلك أخذهم بجنون السوريالية، وقولهم في مجال الحداثة أن الشاعر يوحى إليه، ويحصل له الكشف والرؤى تحت شعارات ما يسمى "ميتا حداثة" بدلًا من "ميتافيزيقيا"، ومهما قال لهم الغرب من أمور لا تعقل ولا تصدق وليس لها حظ من برهان أو دليل نرى أن الإمعات من أبناء المسلمين يسارعون فيهم، وعلى أثارهم يهرعون.
فسبحان اللَّه!! ما أشد كثافة الباطل الذي ألبسوه، وما أكثف الغشاوة علي قلوب وعقول هؤلاء، ولكنها دائمًا طرق الانحراف والزيغ تقود إلى ذلك: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ
стр. 977
قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ (١).
أمّا أتباعهم من أبناء المسلمين والعرب فإنهم لشدة سعيهم في إثر أولئك، غابت عقولهم، ورانت على قلوبهم مع طول الملاصقة أمراض الشبهات، حتى أصبح بعضهم يقوم بنشرها وتوزيعها على غيره، وسيطًا للأمراض الاعتقادية الخلقية، وشخصية بديلة عن أسياده وأساتذته.
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٢).
وهكذا كان رواد الأدب العربي الحديث، أولياء لكل أحد إلّا الإسلام وأهله.
انغمسوا في المادية الغربية، وفي الخرافات والأضاليل الغربية، فكذبوا بدين اللَّه، وجحدوا خبر اللَّه تعالى، وسخروا من أصول العقائد، فإذا جحد الغربي وجود الملائكة والرسل والكتب وجدنا من الإمعات من يعلن جحده أو يتوارى به خلف الرموز والغموض، وإذا جعل الغربي الملائكة إناثًا والرسل مجانين والوحي كلام إنسان نجد من الإمعات من يقول بذلك ويردده.
стр. 978
وبعضهم يتعالى به الشر فيتخذ هذه الأقوال الضالة الجاحدة أو المرتابة أو الساخرة، يتخذها أصلًا، ثم ينطلق في شعاب الضلال يرتع وينادي كل ذي أمرٍ فرطٍ أن يرتع معه ويسيم في الزقوم والحنظل.
• • •
стр. 979
الفصل الأول الانحرافات المتعلقة بالملائكة ﵈
الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان الستة، قال اللَّه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ (١).
والمراد بالإيمان بالملالكة: الاعتقاد الجازم اليقيني بأن للَّه ملائكة مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون اللَّه ما أمرهم، وأنهم يقومون بوظائفهم التي أمرهم اللَّه بالقيام بها.
وقد ثبت وجودهم بالدليل القطعي، ومن أنكر وجودهم كفر وخرج من الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ (٢).
وهناك آيات وأحاديث كثيرة تحدثت عن الملائكة وأوصافهم وأحوالهم وأعمالهم، وكلها تفيد القطع بوجودهم وبما وصفوا به.
стр. 980
وقد أخبرنا الوحي بأن الملائكة خلقوا من نور، كما جاء في صحيح مسلم وغيره أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (١).
فالملائكة مخلوقات نورانية، وليسوا كالبشر ولا الجن، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناكحون في غاية الطهر والنقاء، فليس فيهم شهوات، ولا يأتون المعاصي، بل هم منزهون عن الآثام والخطايا، ولا يتصفون بشيء من الصفات المادية التي يتصف بها البشر، إلّا أن اللَّه أعطاهم القدرة على أن يتمثلوا في صور البشر كما في حديث جبريل الشهير، وأنه جاء على هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة حتى جلس إلى النبي ﷺ فسأل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. . . " (٢) الحديث.
وقد جاء في القرآن العظيم أن جبريل ﵇ تمثل لمريم ﵍ في صورة بشر سوي، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ (٣).
ومن صفاتهم الخلقية التي أخبرنا اللَّه تعالى بها أن لهم أجنحة، وأنهم يتفاوتون في أعدادها، كما قال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (٤).
стр. 981
وجاء في الصحيحين أن رسول اللَّه ﷺ رأى جبريل ﵇ وله ستمائة جناح (١).
وما أخبرنا اللَّه تعالى به من أخبار خلقة هؤلاء الأبرار نؤمن به كما جاء ولا نسأل عن كيفية ذلك، ولا نسأل عن غيره؛ لأنه لو كان في التفصيل نفع للعباد لأخبر به اللَّه -جلَّ وعلا-.
أمّا علاقتهم باللَّه تعالى فهم خلق من خلقه، وعباد من عباده، عملهم هو العبودية الخالصة والطاعة التامة والاستسلام المطلق للَّه -جلَّ وعلا-، ولا ينتسبون إلى اللَّه تعالى بغير كونهم خلقًا طائعين، ومن اعتقد غير ذلك فقد كفر؛ فهم ليسوا آلهة، ولا ذرية للَّه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وهم ليسوا بناتٍ، كما يدعي الكافرون.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ (٢). ومع ذلك فلا يجوز ووصفهم بالذكورة؛ لأنهم من عالم الغيب، ولم يرد في الأدلة ما يثبت ذلك فوجب التوقف، وإنّما الذي ورد أن اللَّه نفى عنهم صفة الأنوثة، ردًا على الكافرين كما قال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا
стр. 982
تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ (١).
وفال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ (٢).
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ (٣).
ومن صفاتهم أنهم لا يحتاجون إلى طعام البشر وشرابهم، فقد أخبرنا اللَّه تعالى أن الملائكة جاؤوا إلى إبراهيم في صورة بشر فقدم الطعام فلم تمتد أيديهم إليه فأوجس منهم خيفة فكشفوا له عن حقيقتهم فزال خوفه واستغرابه، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ (٥).
ومن صفاتهم أنهم يقومون بعبادة اللَّه وإنفاد أوامره بلا ملل ولا تعب، ولا يدركهم الكل كما يدرك البشر، قال تعالى في وصفهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (٦) أي: لا يضعفون، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٧) أي: لا يملون.
стр. 983
ومنازل الملإئكة ومساكنهم في السماء، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (١)، وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ (٢)، وينزلون إلى الأرض وغيرها لتنفيذ أمر اللَّه ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٣).
وعدد الملائكة كثير لا يحصيه إلّا اللَّه، وأخبرنا اللَّه بأسماء بعضهم وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ومنكر ونكير وهاروت وماروت.
والملائكة يموتون كما أخبر اللَّه العظيم بذلك في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ (٤)، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٥) هذا موتهم عند نفخة الصعق نفخة الصور الأول، أمّا أنهم يموتون قبل هذه النفخة؟ فهذا ما لا نعلمه ولا يصح الخوض فيه لعدم وجود نص يثبت ذلك أو ينفيه.
وبما أنهم عباد للَّه مخلوقون من العدم فإن من الشرك باللَّه أن يتوجه إليهم بأي نوع من أنواع العبادة من الدعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة، أو أن يعتقد أن لهم من أمر الكون والحياة ما لم يعطهم اللَّه ويأذن لهم به.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (٦).
стр. 984
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ (١).
وعبادة الملائكة للَّه تعالى لا تقتصر على تسبيحهم وسجودهم وتمجيدهم الدائم للَّه ، بل وتشتمل على تنفيذ أوامره في كل أمر يؤمرون به مما يتعلق بالكون والإنسان وسائر المخلوقات.
فإن أمور الكون والحياة والإنسان والسموات والأرض وما فيهن، وكل ما يحدث من حركات إرادية وغير إرادية وقوانين وسنن هم موكلون بها بأمر من اللَّه وإرادة منه -جلَّ وعلا- كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ (٣) والمراد بهم الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام.
وقال- عنهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٥)، وهم الملائكة ﵈.
وهناك أدلة عديدة على اختصاص بعض الملائكة ببعض المخلوقات فمنهم من وكل بالشمس والقمر، ومنهم من وكل بالجبال، وآخرون موكلون بالسحاب، وآخرون بالمطر، وآخرون بأمر النطفة حتى ينفخ فيها الروح، وآخرون بالموت، ولكل عبد من عباد اللَّه ملائكة -من أمر اللَّه- يحفظونه، ووكل بكل مخلوق وكل حادث ملائكة.
стр. 985
وما في الكون من نواميس وسنن وأسباب يرتبط بعضها ببعض هي مخلوقة للَّه تعالى مسخرة بأمره، والملائكة موكلة بها أيضًا، وبرعايتها مثلما ترعى المخلوقات الأخرى.
ومن الملائكة ﵈ من وكل بأمور الإنسان الإرادية، من هداية للبشر ودلالة على طريق الخير والسعادة، وإعانة على ذلك، وإبعاد عن طريق الشر والضلال، وأعظم هؤلاء جبريل ﵊ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ (٣).
وهؤلاء الموكلون بأمر الإنسان وأعماله الإرادية يصحبونه ويلازمونه لإسعاده وهدايته وإلهامه الحق والخير والدعاء له والاستغفار له، وحضور مجالس الذكر وتشجيع أهل العلم (٤).
ومن أعمالهم العظيمة تثبيت العبد على العمل الصالح وخاصة الجهاد في سبيل اللَّه كما أخبر تعالى في قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ (٥).
ومن أعمالهم الكبيرة التي لها أثر على الإنسان في الدنيا والآخرة ما وكل إليهم من كتابة أعمال الإنسان وإحصائها كما أخبر -جلَّ وعلا- في