حجج القائلين بأنَّ المأموم لا يقرأ فيما يجهر فيه إمامه
قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
قالوا: اتفق السلف على أنَّ هذه الآية نزلت في القراءة في الصلاة. ولما كان الاستماع والإنصات إنما يكون لما يسمع، علمنا أنها خاصة بما جهر فيه الإمام.
وقد أخرج مسلم (١) حديث قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى مرفوعًا: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم؛ فإذا كبر فكبروا" الحديث، عن جماعة.
ثم رواه (٢) من طريق جرير عن سليمان التيمي عن قتادة، ثم قال: "وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ... ".
وفي بعض النسخ (٣) زيادة أدرجها أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان راوي "الصحيح" عن مسلم؛ لفظها: "قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث، فقال مسلم: تريد أحفظَ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح؛ يعني: "وإذا قرأ فأنصتوا". فقال: هو عندي صحيح. فقال: لِمَ لمْ تضعه ههنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا؛ إنما وضعتُ ههنا ما أجمعوا عليه".
стр. 72
قالوا: وقد تُوبع سليمان؛ فرواه الدارقطني (١) من طريق سالم بن نوح ثنا عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة فذكره، ومتنه: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
فروى أبو داود (٢) الحديث من طريق مصعب بن محمد عن أبي صالح بدون هذه الزيادة، ثم قال (٣): "حدثنا محمد بن آدم المصيصي ثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به" بهذا الخبر، زاد: "وإذا قرأ فأنصتوا".
قال أبو داود: وهذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد".
قالوا: قد تُوبِع أبو خالد؛ فرواه النسائي (٤) عن محمد بن عبد الله المخرَّمي عن محمد بن سعد ــ هو الأنصاري الأشهلي ــ[ص ٤٧] عن ابن عجلان به، والأشهلي ثقة.
стр. 73
وذكروا متابعات أخرى ساقطة لا نعرِّج عليها (١).
قالوا: وقد روى مالك (٢) عن ابن شهاب عن ابن أُكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﵌ انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة؛ فقال: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ " فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول مالي أُنازَع القرآن". قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﵌ فيما جهر فيه النبي ﵌ بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله ﵌.
ورواه أبو داود (٣) عن جماعة منهم ابن السرح، قالوا: ثنا سفيان عن الزهري قال: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيِّب قال: سمعت أبا هريرة يقول: "صلَّى بنا رسول الله ﵌ صلاةً نظنُّ أنها الصبح ــ بمعناه إلى قوله ــ: مالي أنازع القرآن".
قال أبو داود: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: "فانتهى الناس ... "، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: "فانتهى الناس ... ".
стр. 74
قالوا: وقد قال يحيى بن معين ــ وهو هو ــ: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيِّب. وقال الدوري عن يحيى: عمارة بن أكيمة ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مقبول، وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة (١).
وقد عمل الراوي عنه ــ وهو الإمام الزهري ــ بحديثه؛ فإنَّ مذهب الزهري أن لا يقرأ المأموم فيما جهر به إمامه؛ سواءٌ أسمع القراءة أم لم يسمع. وهذا يدلُّ أنَّ ابن أكيمة عنده ثقة.
قالوا: وقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه (٢) وغيرهما بأسانيد صحيحة من طريق أبي إسحاق السَّبيعي عن الأرقم بن شُرحبيل عن ابن عباسٍ ﵄ قال: "لمَّا مرض رسول الله ﵌ مرضَه الذي مات فيه"، فذكر الحديث إلى أن قال: "فخرج أبو بكر فصلَّى بالناس، ووجد النبي ﵌ من نفسه خِفَّةً؛ فخرج يُهادَى بين رجلين، ورِجْلاه تَخُطَّان في الأرض؛ فلمَّا رآه الناس سبَّحوا أبا بكر؛ فذهب يتأخَّر، فأومأ إليه أيْ مكانَك؛ فجاء النبي ﵌ حتى جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر يأتمُّ بالنبي ﵌، والناسُ يأتمُّون بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ النبي ﵌ من القراءة من حيث بلغ أبو بكر ... الحديث.
قالوا: فهذا ظاهر أنَّ الصلاة كانت جهرية، وأنَّ النبي ﵌ بنى على قراءة أبي بكر، ولابد أن يكون أبو بكر قد قرأ الفاتحة أو بعضها. ففيه دلالة
стр. 75
واضحةٌ أنَّ قراءة الإمام في الجهرية كافية لمن يستخلفه؛ فأن تكفي قراءتُه المأمومين من باب أولى.
قالوا: فهذه الأدلة تخصِّص أدلَّتكم العامة، وتعارض الخاصة، وعند المعارضة يترجَّح ما عليه جمهور الأمة.
وقد قال الإمام أحمد (١): ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه. وقال: هذا النبي، وأصحابه، والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر ما قالوا لرجلٍ صلَّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة.
[ص ٤٨] ولنشرع في الجواب، وتقدَّم الكلام على آية الإنصات، ونسأل الله تعالى التوفيق (٢).
[ص ٤٩] فصل
قال الله : ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ
стр. 76
يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣ ــ ٢٠٦].
قال الشارح: (قال ابن قدامة في "المغني" (١): قال أحمد: فالناس على أنَّ هذا في الصلاة. وعن سعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم ومحمد بن كعب والترمذي: أنها نزلت في شأن الصلاة. وقال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرؤون خلف الإمام فنزلت ... وقال أحمد في رواية أبي داود: أجمع الناس على أنَّ هذه الآية نزلت في الصلاة).
أقول: روى ابن جرير في "تفسيره" (٢) عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ هذا في المكتوبة، وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك فإنما هي نافلة. إنَّ نبي الله ﵌ قرأ في صلاة مكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه فخلطوا عليه. قال: فنزل القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فهذا في المكتوبة.
وفي سنده ابن لهيعة معنعنًا.
وأخرج (٣) من طريق أشعث ــ هو ابن سوَّار ــ عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتًى من الأنصار، كان رسول الله ﵌ كلما قرأ شيئًا قرأه، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
أشعث بن سوَّار ضعيف.
стр. 77
ولكن في "سنن البيهقي" (١) بسند جيِّد عن مجاهد قال: كان رسول الله ﵌ يقرأ في الصلاة؛ فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وفي "أسباب النزول" (٢) للسيوطي: "وقال سعيد بن منصور في "سننه": ثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: كانوا يتلقَّفون من رسول الله ﵌؛ إذا قرأ شيئًا قرؤوا معه حتى نزلت هذه الآية التي في الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
أقول: أبو معشر ضعيف؛ إلَاّ أنه فيما يرويه عن محمد بن كعب من التفسير أحسن حالًا منه في غير ذلك.
وقال السيوطي (٣) عقب هذا الحديث: "قلت: ظاهر هذا أنَّ الآية مدنية".
أقول: والمعروف بين علماء القرآن أنّها مكية. وقد ذكر في النوع الأول من "الإتقان" (٤) نصوصَهم على أنَّ سورة الأعراف مكية، واستثنى بعضهم منها آياتٍ ليس هذه منها.
[ص ٥٠] وقد قال ابن جرير (٥): حدثنا أبوكريب قال ثنا أبو بكر بن عيَّاش
стр. 78
عن عاصم عن المسيّب بن رافع قال: كان عبد الله يقول: كنا يُسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة، سلامٌ على فلان، وسلامٌ على فلان، قال: فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾.
أقول: أبو بكر بن عيَّاش ثقة يغلط إذا حدَّث من حفظه؛ ولكن هذا من روايته عن عاصم بن بهدلة، شيخه في القراءة، وهذا مما يتعلَّق بها؛ فالظاهر أنَّه أتقنه، إلَاّ أنه منقطعٌ، المسيّب بن رافع لم يسمع من ابن مسعود، قاله أبو حاتم وغيره (١). ولكن ثبوت هذا الأثر عن المسيّب عمن أخبره عن عبد الله كافٍ في معارضة الآثار المتقدِّمة.
وقد أخرج أحمد وأبوداود والنسائي وصحَّحه وابن حبان (٢) وغيرهم من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كنَّا نُسلِّم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا؛ فقدِمتُ على رسول الله ﵌ وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه فلم يردَّ عليَّ السلام، فأخذَني ما قَدُمَ وما حَدُثَ، فلما قضى صلاته قال: "إنَّ الله يُحدِث مِن أمره ما شاء، وإنَّ الله قد أحدث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة".
وفي روايةٍ (٣): "كنا نتكلَّم في الصلاة، ويُسلِّم بعضنا على بعض، ويُومئ أحدنا بالحاجة" الحديث.
стр. 79
وأصل الحديث في "الصحيحين" (١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفيه دلالة على صحة حديث المسيّب بن رافع، والله أعلم.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (٢): حدثنا محمد بن مقاتل قال حدثنا النضر قال أنبأنا يونس عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال النبي ﵌ لقوم كانوا يقرؤون القرآن فيجهرون: "خلَّطتم عليَّ القرآن". وكنا نسلِّم في الصلاة؛ فقيل لنا: "إنَّ في الصلاة لشُغلًا".
وروى ابن جرير (٣) أيضًا بسند صحيح إلى عبد الله بن عامر قال: ثني زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﵌ في الصلاة.
أقول: عبد الله بن عامر أظنه الأسلمي، ضعيف.
وأخرج ابن جرير (٤) وغيره عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلَّمون في الصلاة؛ فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾، والآية الأخرى
стр. 80
أُمِروا بالإنصات.
وإبراهيم الهَجَري ضعيف.
وأخرج ابن أبي حاتم (١) عن عبد الله بن مغفَّل نحوه. ذكره السيوطي في "أسباب النزول" (٢).
وأخرج ابن جرير (٣) بسند صحيح عن قتادة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم: كم صلَّيتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وأخرج (٤) بسند رجاله ثقات عن قتادة أيضًا: قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: كانوا يتكلَّمون في صلاتهم بحوائجهم أولَ ما فُرضت عليهم؛ فأنزل الله ما تسمعون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وأخرج البيهقي في "السنن" (٥) عن عون بن موسى قال: سمعت معاوية بن قرَّة قال: أنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: كان الناس يتكلمون في الصلاة.
стр. 81
قال البيهقي: ورواه سعيد بن منصور عن عون، وزاد فيه: "فأنزلها القصَّاص في القصص".
أقول: وعون بن موسى ذكره ابن حبان في "الثقات" (١).
[ص ٥١] ومجموع هذه الآثار أثبت من مجموع ما تقدَّم.
بقي أن يقال: دلَّت هذه الآثار على أنَّ هذه الآية نزلت عند تحريم الكلام في الصلاة. وقد ثبت في "الصحيحين" (٢) عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلَّم في الصلاة؛ يكلِّم أحدُنا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة؛ حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام. هذا لفظ مسلم.
لا مانع أن تنزل آيتان من سورتين في وقت واحد متفقتان في الدلالة على حكم، ولكن آية الإنصات مكية باتفاق، وآية القنوت مدنية باتفاق؛ فكيف تنزل آية الإنصات بالمنع من الكلام، ويبقى حلالًا بعد ذلك حتى تنزل آية القنوت؟
والجواب: أنَّ جماعة من أهل العلم تأولوا حديث زيد بن أرقم كما في "فتح الباري" (٣)، ورجَّحوا أن تحريم الكلام كان بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين قبل نزول آية القنوت بزمان؛ لأنها مدنية.
стр. 82
وحجَّتهم حديث ابن مسعود في "الصحيحين" (١) وغيرهما قال: كنَّا نسلِّم على النبي ﵌ فيردُّ علينا؛ فلمَّا رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه فلم يردَّ علينا؛ فقلنا: يا رسول الله كنا نسلِّم عليك في الصلاة فتردَّ علينا؛ فقال: "إنَّ في الصلاة شغلًا".
وقد تقدَّم في رواية النسائي (٢) وغيره: "فلما قضى صلاته قال: إنَّ الله يُحدِث من أمره ما شاء، وإنَّ الله قد أحدث ألَاّ تكلَّموا في الصلاة".
فعلى هذا لا إشكال.
ولكن جمع ابنُ حجر بين الحديثين بأنَّ ابن مسعود توجَّه إلى الحبشة مرتين؛ رجع من الأولى قبل الهجرة، ثم توجَّه إلى الحبشة أيضًا، ثم رجع منها بعد الهجرة قبل بدر، فالرجوع الذي ذكره في حديثه هو هذا الثاني. وحديث زيد بن أرقم على ظاهره؛ فعلى هذا يبقى الإشكال بحاله.
والجواب ما في "حواشي الشيخ زاده على البيضاوي" (٣)، قال: "قال الإمام الواحدي في "الوسيط" (٤): ولا تدلُّ الآية على ترك القراءة خلف الإمام؛ لأنَّ هذا الإنصات المأمور به نهي عن الكلام في الصلاة، لا عن القراءة أو عن ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام. كما روي عن ابن عباس (٥) أنه قال: قرأ رسول الله ﵌ في الصلاة المكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه رافعي
стр. 83
أصواتهم؛ فنزلت هذه الآية. وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. والعرب تسمِّي تارك الجهر "منصتًا"، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يُسمِع أحدًا". (ملحق الجلد الأول ص ٢٩٣).
وعليه فآية الإنصات إنما منعت من رفع الصوت؛ سواء أكان بقراءة، أم بذكر، أم بدعاء، أم بكلام الناس بعضهم بعضًا. وآية القنوت منعت من كلام الناس بعضهم بعضًا مطلقًا ولم تتعرض للقراءة والذكر والدعاء.
فالمراد بالإنصات في الآية الإسرار؛ بدليل قوله بعدُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ الآية.
قال ابن جرير (١): "يقول تعالى ذكره: واذكرْ أيها المستمع المنصت للقرآن ــ إذا قريء في صلاة أو خطبة ــ ربَّك في نفسك ... ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يقول: ودعاء باللسان لله في خفاء لا جهار، يقول: ليكنْ ذكر الله عند استماعك القرآن في دعاء إن دعوت غير جهار؛ ولكن في خفاء من القول".
وفي "روح المعاني" (٢): "ويُشعر كلام ابن زيد أنَّ المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات؛ أي: اذكر ربك أيها المنصت في نفسك، ولا تجهر بالذكر".
أقول: وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﵌
стр. 84
إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنَيَّةً قبل أن يقرأ؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي"؛ فذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.
فأطلق على تلك الحال سكوتًا؛ مع العلم بأنه ﵌ كان يتكلَّم فيها ولكن سرًّا.
[ص ٥٢]، وإنما قال في الآية: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ ليدلَّ ــ والله أعلم ــ على أنه ينبغي المبالغة في الإسرار. وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ فأفرد بعد أن كان الكلام على الجمع ليدلَّ ــ والله أعلم ــ على أنه ينبغي المبالغة بالإسرار حتى يُسمِع الإنسان نفسه فحسب. ولو قال: "واذكروا ربكم في أنفسكم" لتوهَّم أنه لا بأ س بأن يرفع صوته قليلًا بحيث يُسمِع أصحابَه.
وإنما جاز لهم بعد هذا أن يكلِّم أحدهم صاحبه إلى جنبه لأنَّ المقصود من كلام بعضهم بعضًا لا يحصل إلَاّ بهذا؛ بخلاف القراءة والذكر والدعاء.
ومما يشهد لهذا المعنى أثر ابن عباس المتقدِّم (١): أنه كان يقول في هذه ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ ... إلخ.
وهذا هو السرُّ في ذكره الآية الثانية. فقوله فيه: "وقرأ أصحابه وراءه فخلَّطوا عليه" أراد قرؤوا رافعين أصواتهم؛ فتدبَّر!
ومثله قول محمد بن كعب (٢): "كانوا يتلقَّفون من رسول الله ﵌؛ إذا
стр. 85
قرأ شيئًا قرؤوا معه".
وعليه يحمل ما قاله ابن قدامة في "المغني" (١)؛ حيث قال: "وقال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرؤون خلف الإمام فنزلت". هذا إن صحَّ عنهما. وكذا ما تقدَّم عن ابن مسعود (٢): "كنَّا يسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة" إلخ.
فأما ما تقدَّم عن أبي هريرة (٣) قال: "نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله ﵌ في الصلاة"؛ فظاهر.
وأما ما مرَّ عنه من قوله (٤): كانوا يتكلَّمون في الصلاة؛ فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾، والآية الأخرى أُمِروا بالإنصات؛ فمراده بالإنصات هو ما حملناه عليه في الآية. ويدلُّ على هذا قوله: "والآية الأخرى"، وقد علمت أنَّ الآية الأخرى قرينة ظاهرة على ذلك.
ونحوه قول ابن مغفَّل (٥).
فأما قول قتادة (٦): "كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم: كم
стр. 86
صليتم؟ كم بقي" إلخ. وقوله (١): "كانوا يتكلَّمون في صلاتهم بحوائجهم أولَ ما فُرِضت عليهم". وقول معاوية بن قرَّة (٢): "كان الناس يتكلَّمون في الصلاة"= فالمراد بذلك كلِّه السؤال والكلام جهرًا، وهو الذي منعتهم منه هذه الآية، وبقي الكلام مسارَّةً مباحًا لهم حتى نزلت آية القنوت.
ولذلك قال زيد (٣): "فيكلِّم أحدُنا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة"؛ وهذا ظاهر في المسارَّة.
فأما ما مرَّ عن مجاهد (٤): كان رسول الله ﵌ يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: وذكر الآية= فإن صحَّ فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه [ص ٥٣] وآله وسلَّم لما سمع ذلك الفتى يرفع صوته تلا الآية بعد السلام؛ تنبيهًا لذلك الفتى بأنَّ الآية منعت المأموم عن رفع الصوت؛ فسمعه بعض صغار الصحابة، فظنَّ أنَّ الآية إنما نزلت حينئذٍ.
ولهذا نظائر في أسباب النزول. ومن يجيز تعدد نزول الآية الواحدة يجيء احتماله هنا، والله أعلم.
وهكذا ما تقدَّم عن الزهري (٥)؛ إن صحَّ.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (٦): "وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف
стр. 87
الإمام أعاد الصلاة".
وأخرج ابن جرير (١) عن يُسَير بن جابر قال: صلَّى ابن مسعود فسمع ناسًا يقرؤون مع الإمام؛ فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله.
يحتمل أنه إنما أنكر عليهم رفع أصواتهم حتى سمعهم، والرفع مخالف للآية كما علمت.
وأخرج (٢) أيضًا من طرقٍ عن مجاهد وغيره في هذه الآية قالوا: في الصلاة.
وهذا مجملٌ، ليس فيه مخالفة لما اخترناه، والله أعلم. على أنَّ مذهب مجاهد أنَّ من لم يقرأ خلف الإمام يعيد الصلاة؛ ذكره البخاري في "جزء القراءة" (٣)؛ كما مرَّ.
وأخرج (٤) عن الزهري أنَّ المأمومين يقرؤون فيما أسرَّ به الإمام، ولا يقرؤون فيما جهر به سرًّا ولا علانيةً، وتلا الآية.
وهذا مذهب الزهري، معروفٌ عنه، وقد وهم في حمل الآية عليه، والله المستعان.
стр. 88
ويحتجُّ من يرى أنَّ الإنصات في الآية السكوت للاستماع بأنه الحقيقة، وبحديث: "إنما جُعِلَ الإمام ليؤتمَّ به"، وفيه: "وإذا قرأ فأنصتوا". يقول: لا يحتمل تأويل قوله: "فأنصِتوا" بأنَّ المراد فأَسِرُّوا؛ لأنَّ حكم المأموم الإسرار مطلقًا؛ فكيف يقيِّده بقوله: "وإذا قرأ"؟ وإذا ثبت أنَّ المراد في الحديث حقيقة الإنصات دلَّ هذا على أنَّ الإنصات في الآية على حقيقته؛ لأنَّ الظاهر أنه ﵌ إنما قال ذلك إشارة إلى الآية.
والجواب عن الأول: أننا قد قدَّمنا بيان القرائن والأدلة الصارفة عن الحقيقة.
وعن الثاني: بأنَّ الحديث مختلف في صحَّته؛ كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وعلى القول بصحَّته فإن قلنا: إنه إشارة إلى الآية فذلك قرينة على أنَّ المراد بالإنصات: الإسرار، وإنما قال ﵌: "وإذا قرأ" [ص ٥٤] لأنه موضع الحاجة؛ لأنه لما قال لهم: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا" احتمل أن يفهموا من ذلك: "وإذا جهر بالقراءة فاجهروا"؛ فاحتيج إلى إزالة هذا الوهم.
فإن قيل: فإنَّ الإمام يجهر بالتكبيرات، فإذا أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالقراءة أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالتكبيرات.
قلت: لكن احتمال الوهم في التكبيرات دون احتماله في القراءة؛ لأنه لا يخفى أن جهْرَ الإمام بالتكبيرات إنما هو للإعلام بالانتقالات؛ ولهذا يجهر الإمام بها دائمًا، والمأموم لا يحتاج إلى أن يُعلِم غيره.
стр. 89
فأما القراءة فليس المقصود بالجهر بها الإعلام، واحتمال أن يكون المقصود بالجهر بها إسماعَ المقتدين يدفعه أنَّ المنفرد يجهر أيضًا، وأنهم قد علموا أنَّ المؤتمَّ يقرأ أيضًا.
ولا يدفع هذا الوهم أن الآية قد سبق نزولها بالأمر بالإنصات؛ لاحتمال أن يتوهَّموا أنَّ قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به" تخصيص للآية بالنسبة إلى القراءة.
مع أنَّ مثل هذا وارد على المخالف؛ إذ يقال له: إذا كان الإنصات في الآية ينافي القراءة سرًّا فلماذا قال النبي ﵌: "وإذا قرأ فأنصتوا"؟ وهلَاّ اكتفى بالآية؟ وجوابه: بأنه زاده تنبيهًا على الدليل، وتأكيدًا له. وهكذا نقول مع زيادة دفع الإيهام.
وكأني بك لا يطمئنُّ قلبك إلى هذا التأويل؛ ولكنك إذا تأملت ما تقدَّم، وعلمت أنَّ الآية مكية اتفاقًا، وأنَّ تحريم الكلام في الصلاة إنما كان بالمدينة علمت الاحتياج إلى التأويل.
وقد فُتِحَ عليَّ بمعنًى آخر لعلَّه أقرب من الأول؛ وهو أن يقال: الإنصات على ظاهره، والآية إنما منعت من الكلام حال قراءة الإمام جهرًا، وبقي الكلام مباحًا في غير ذلك من الحالات، كحال قراءته سرًّا، وحال الركوع والسجود وغير ذلك؛ حتى حرم ذلك بالمدينة.
وعلى هذا فيقال: الأمر بالإنصات يعمُّ الإنصات عن كلام الناس، وعن القراءة، وعن الذكر.
ولكن دلَّ قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ إلخ على اختصاص النهي بكلام الناس، وأما ذكر الله تعالى بقرآن أو غيره فلم ينه عنه، ولكن أمر
стр. 90
بالإسرار به.
فإن قلت: هذا أقرب لإبقائه اللفظ على حقيقته؛ ولكن بقي فيه شيءٌ من حيث المعنى، وهو أنَّ الاستماع والإنصات إنما فائدته تفهُّم ما يقرأه الإمام وتدبُّره، وهذه الفائدة تزول بالاشتغال بالذكر ولو سرًّا.
قلت: أما زوالها ففيه نظر؛ فقد يقرأ الإنسان سرًّا وهو مع ذلك يفهم قراءة غيره في الجملة. نعم إذا لم يشتغل بالقراءة كان فهمه لكلام غيره أتمَّ.
ولكن قد يقال: دلَّ قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ أنَّ تفهُّم قراءة الإمام إنما أمر به من يريد الاشتغال عنه بكلام الناس. فأما من يريد الاشتغال عنه بقراءة أو ذكر فلا؛ لأنه قد حصل له ما هو أتمُّ من الاستماع.
ويؤكِّد هذا أن تفهُّم قراءة الإمام لم يقل أحدٌ بوجوبه، حتى لو اشتغل المأموم بالتفكر في شيء من أمر معاشه لم يقل أحدٌ بأنه آثم. ومع هذا فنحن نَقْصُر الذكر المأمور به على الذكر الواجب، وهو قراءة الفاتحة، وأنت خبير أن تحصيل الواجب أولى من تحصيل المستحب.
هذا مع أن أدلة وجوب الفاتحة تساعد على التخصيص الذي ذكرنا، بل تعيِّنه. وسيأتي تقرير هذا إن شاء الله تعالى.
هذا تحقيق الكلام في معنى الآية؛ مع التقيُّد بما نُقل عن السلف. فأما إذا صرفنا النظر عما نقل عنهم فسقوط الاحتجاج بها أوضح، ودونك البيان:
قال في "الكشَّاف" (١): "وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند
стр. 91
نزوله فاستمعوا له".
وكذا قال أبو السعود، ثم قال: "والآية إما من تمام القول المأمور به أو استئناف من جهته تعالى؛ فقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ على الأول عطف على ﴿قل﴾ ". (ج ١ ص ٥٤٦) (١).
[ص ٥٥] وحاصل ذلك أنَّ الآية من جملة ما أمر النبي ﵌ أن يقوله للكفار الذين يطلبون، الذين تقدَّم أنه إذا لم يأتهم النبي ﵌ بآية قالوا: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. فالخطاب بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ للكفَّار.
وقد أوضح ذلك في "روح المعاني" (٢) قال: "وقال بعضهم: إنَّ الخطاب فيها للكفَّار؛ وذلك أنَّ كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلَاّ بشرط مخصوص وهو أن النبي ﵊ إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا؛ ليقفوا على معانيه ومزاياه، فيعترفوا بإعجازه، ويستغنوا بذلك عن طلب سائر المعجزات. وأيَّد هذا بقوله في آخر الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ بناء على أن ذلك للترجي، وهو إنما يناسب حال الكفار، لا حال المؤمنين؛ الذين حصل لهم الرحمة جزمًا في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وأجيب بأنَّ هذه الرحمة المرجُوَّة غير تلك الرحمة، ولئن سُلِّم كونها إياها فالإطماع من الكريم واجب، فلم يبق فرق".
стр. 92
وقال بعد ذلك بأسطر (١): "والجملة على ما يدل عليه كلامهم يحتمل أن تكون من القول المأمور به، ويحتمل أن تكون استئنافًا من جهته تعالى".
أقول: أما "لعلَّ" فقد قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] فقيل: إنها للترجية؛ أي: اذهبا على رجائكما. وقيل: للتعليل. فهكذا يقال في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي راجين أن تُرحَموا، أو لكي تُرحَموا.
فإن قيل: وهل تُرْجَى الرحمة للكفار بمجرَّد استماعهم وإنصاتهم؟
قلت: يُرجى من استماعهم وإنصاتهم أن يؤمنوا؛ فإذا آمنوا رُحِموا.
وفي الآية إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصِّلت: ٢٦].
ونظيرها في إحالتهم على القرآن إذا طلبوا آية معجزةً قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١].
وفي هذه الآية ذكر الرحمة، وقال أكثر المفسِّرين إنَّ المعنيَّ بقوله ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: لقومٍ مُوطِّنين أنفسَهم على الإيمان إذا تبيَّن لهم الحق؛ بخلاف المعاندين.
стр. 93
أقول: والظاهر أنَّ يقال في آية الأعراف مثل ذلك.
ومن نظائر الآية قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣].
[ص ٥٦] وقوله تبارك اسمه: ﴿ ... فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ... لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء ٥ ــ ١٠].
أقول: وتفسير الآية على هذا القول هكذا:
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ﴾ أي المشركين؛ وهذا متفق عليه، ﴿بِآيَةٍ﴾ بمعجزةٍ؛ كما رُوِيَ عن ابن عباس والجبَّائي وأبي مسلم؛ على ما في "روح المعاني" (١)، ويشهد له الآيات المتقدِّمة.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].
وقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].
وقوله : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧].
وقوله ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ
стр. 94
إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠].
﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ اصطفيتها واخترتها واقترحتها على ربِّك.
أخرج ابن جرير (١) عن ابن عباس: قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا تقبلتها من الله. وعن قتادة: لولا تلقَّيتها من ربِّك.
وقال آخرون: لولا اخترعتها؛ وأيَّدوه بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، وهو مناسبٌ للأول؛ أي: ليس لي أن أقترح على ربِّي، وإنما عليَّ أن أتَّبع ما يوحيه إليَّ (٢).
ثم علم أنهم سيقولون: فهلَّا أنزلها ربُّك بدون طلبك؟ كما تقدَّم نحو ذلك في الآيات التي تلوناها. فأجيبوا عن ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي القرآن، ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: كفى به آيةً لمن كان موطِّنًا نفسه على أن يتَّبع الحق إذا ظهر له.
ثم علِمَ الله تعالى أنهم سيقولون: فما بالنا لم يحصل لنا ذلك؟ ولا نسلِّم أننا معاندون؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: أنَّ السبب في كون ذلك لم يحصل لكم هو عنادكم؛ والدليل [ص ٥٧] على عنادكم قولكم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. فاستمعوا له وأنصتوا، فلا تَلْغَوا، ولا تأمروا باللغو؛ فإن فعلتم
стр. 95
ذلك رُجِيَ أن يحصل لكم البصائر والهدى والرحمة. واقتصر على الرحمة لدلالتها على الباقي، مع أنها المقصود الأعظم للإنسان.
ولا مانع من تسليم ما تقدَّم عن "روح المعاني"؛ من أنَّ الإطماع من الكريم واجبٌ؛ فإنَّ الإطماع في الآية مشروط بالاستماع والإنصات.
ولنا أنَّ نقول: لو استمعوا وأنصتوا لهداهم الله تعالى للإيمان؛ فتحصل لهم الرحمة قطعًا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨، ٦٩].
والكافر إذا استمع للقرآن وأنصت إليه، راغبًا في العلم به أهو حق أم لا، مصمِّمًا على أنه إذا عرف أنه الحق اتبعه، موطِّنًا نفسه على ذلك، منشرحًا صدره مطمئنًا قلبه، لا يجد في نفسه عداوةً لما يتبيَّن له أنه الحق= فهو مجاهدٌ في الله بلا ريب.
وبهذا تنحلُّ المعضلة المشهورة في الكافر إذا اجتهد في طلب الحق، وبذل وُسعَه في ذلك، راغبًا في معرفته، مُحِبًّا له، عازمًا على اتباعه إذا ظهر له، ولكنه لم يظهر له حقِّيَّة الإسلام= أيكون ناجيًا لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أم لا؟
حُكي الإجماع على أنه لا ينجو، وخالف فيه بعض أهل العلم. وآية المجاهدة تدلُّ أنَّ مثل هذا لا يوجد؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة هداه الله تعالى للإسلام، ولله الحمد.
ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قيدًا لما قبله، أي
стр. 96
استمعوا للقرآن وأنصتوا له، راجين أن يهديكم الله تعالى للحق فيرحمكم، أي أنه لا يكفيكم الاستماع والإنصات بدون توطين النفوس على الرضا بالحق إذا تبيَّن، والله أعلم.
ولما علم الله تعالى أن نبيَّه ﵌ قد يفهم مما تقدَّم، ومِن أمْرِ الله تعالى له في آيات كثيرة بالتبليغ أنَّ عليه أن يجهر بالقراءة دائمًا، ويؤكّد هذا عنده ﵌ شدَّةُ حرصه على إيمان قومه= لما علم الله تعالى ذلك [ص ٥٨] نبَّه رسوله على أنه لا يلزمه ذلك؛ فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾؛ أي: ولا يحمِلْك حرصُك على إيمان قومك واشتغالك بدعوتهم على أن تغفل عن مناجاة ربك وذكره، وتلاوة كتابه، وإن لم يكن هناك من يسمع. ولا يحزنْك إعراضُ الكفار وإصرارهم على كفرهم واستكبارهم عن عبادة ربهم؛ فإنهم لا يضرُّون الله تعالى شيئًا. وقد وكَّل بعبادته من لا يعلم عددَهم غيرُه من جنوده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
ولا يخفى أنه على هذا التفسير لا يكون في آية الإنصات ما يتعلَّق بقراءة المأموم في الصلاة، والله أعلم.
قال الشارح: (ويشهد لهذا المعنى ــ يعني أنَّ الآية نزلت في الصلاة أو لعمومها شاملة للصلاة ــ ما رواه أحمد ومسلم (١) عن أبي موسى قال: علَّمنا رسول الله ﵌ قال: "إذا قمتم إلى الصلاة فلْيؤمَّكم أحدُكم، وإذا قرأ الإمام
стр. 97
فأنصتوا".
وما رواه الخمسة (١) سوى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا").
أقول: إذا حُمِلت الآية على المعنى الثاني فلا حاجة للجواب عن هذا؛ لأنها في وادٍ والحديث في وادٍ، والاتفاق في بعض اللفظ لا يستلزم الاتفاق في المعنى.
وإذا حملت على المعنى الأول تمسُّكًا بأقوال السلف، واعتصامًا بآثارهم فقد مرَّ الجواب.
ولنبحث عن صحَّة هذا الحديث، ونسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.
أما حديث أبي موسى فمداره على قتادة، ورواه عنه أبو عوانة وهشام ومعمر وهمَّام والحجَّاج بن الحجَّاج وغيرهم بدون تلك الزيادة، ورواه عنه سليمان التيمي بها (٢). فمال مسلمٌ (٣) إلى إثباتها؛ فإنه ذكرها وقال لمن كلَّمه فيها: "تريد أحفظ من سليمان! ".
وفي "الجوهر النقي" (٤) عن "علل الخلَاّل": أنَّ الإمام أحمد قال: "من قال أخطأ التيمي فقد بَهَتَ التيمي".
стр. 98
وقال أبو داود في "السنن" (١): وقوله: "فأنصتوا" ليس بمحفوظ؛ لم يجئ بها إلَاّ سليمان التيمي في هذا الحديث.
وقال الدارقطني (٢): هذه اللفظة [ص ٥٩] لم يتابَع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفَّاظ فلم يذكروها.
قال: وإجماعهم على مخالفته يدلُّ على وهمه.
وقال الحافظ أبوعلي النيسابوري (٣): خالف جرير عن التيمي أصحابَ قتادة كلَّهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائي وهمَّام ... ورواه سالم بن نوح عن ابن أبي عروبة، وعمر بن عامر عن قتادة؛ فأخطأ فيه.
ذكر هذا كلَّه البيهقي في "سننه" (٤)، ثم ذكر رواية سالم بن نوح من طريق الدارقطني، وذكر قول الدارقطني: سالم بن نوح ليس بالقوي.
اعترضه صاحب "الجوهر النقي" (٥) فقال: "سالم هذا وإن قال الدارقطني: ليس بالقوي، فقد أخرج له مسلمٌ وابن خزيمة وابن حبان ... ".
أقول: لم ينفرد الدراقطني بتوهين سالم؛ فقد قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيءٍ، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وقال النسائي:
стр. 99
ليس بالقوي، وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد، وأحاديثه محتملة متقاربة (١).
ومع هذا فسالمٌ يرويه عن ابن أبي عروبة وعمر بن عامر، فأما ابن أبي عروبة فإنه ثقة، ولكنه اختلط بأخرة، ولا يُدرى متى سمع منه سالم، إن كان سمع. ثم هو ــ أعني ابن أبي عروبة ــ مدلس، فلا يُؤمَن أن يكون سمع الحديث من قتادة بدون هذه الزيادة كما أخرجه مسلمٌ، ثم سمع التيمي يذكر الحديث بتلك الزيادة؛ فسمعه منه بها ودلَّسه. وعمر بن عامر مختلفٌ فيه؛ ضعَّفه النسائي وغيره، وقوَّاه آخرون (٢).
فانحصر الأمر في زيادة التيمي، وهي زيادة ثقة على جماعة، والمشهور قبولها. وخالف في ذلك قومٌ؛ منهم ابن خزيمة.
وقال السخاوي في "فتح المغيث" (٣) في فصل تعارض الوصل والإرسال: "فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدِّمي الفن ــ كابن مهديٍّ والقطَّان وأحمد والبخاري ــ عدمُ اطراد حكم كلِّي؛ بل ذلك دائرٌ مع الترجيح. فتارة يترجَّح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجَّح عدد الذوات على الصفات، وتارةً العكس. ومن تتبَّع أحكامهم الجزئية تبيَّن له ذلك ... مع أنَّ الشافعي يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ... هذا حاصل ما أفاده شيخنا مع زيادة.
стр. 100
وسبقَه لكون ذلك مقتضى كلام الأئمة: العلائيُّ، ومِن قبله ابن دقيق العيد وغيرهما".
أقول: ومثل ذلك يقال في الزيادة والنقصان؛ فإنَّ الوصل زيادة، والإرسال نقصان.
[ص ٦٠] وهذا هو الذي يظهر من صنيع المتقدِّمين؛ أنَّ العبرة عندهم بالترجيح؛ فتارةً تترجَّح الزيادة، وإن كان الذين لم يذكروها أكثر، وتارةً بالعكس. وذلك منوطٌ بنظر المجتهد الماهر في الفنِّ؛ فقد يقوم لديه من القرائن ما يجهله من ليس في درجته؛ بل ربَّما صعب على المجتهد التعبير عن تلك القرائن؛ كما ذكروه في المعلَّل.
إذا تقرَّر هذا فقد اختلف الحفَّاظ في هذه الزيادة؛ زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا". فالذي أختاره التوقُّف عن قبولها وردِّها، والله الموفق.
ثم رأيت في "جزء القراءة" (١) للبخاري، في الكلام على هذه الزيادة: "ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير". يعني: وسليمان وقتادة يدلِّسان.
أقول: ولكن سليمان صرَّح بالتحديث في رواية ابنه المعتمر عنه، عند أبي داود (٢).
فأما قتادة فلم أقف على تصريحه بالتحديث؛ فإن كان صرَّح في بعض الروايات الخالية عن هذه الزيادة لم يكف ذلك؛ لأنه يحتمل أن يسمع
стр. 101
الراوي الحديث من الشيخ ثم يسمعه من آخر عنه. فلعلَّ قتادة سمع الحديث من أبي غلاب بدون الزيادة، وسمعه من آخر عنه بالزيادة؛ فرواه مرَّةً بهذه الزيادة عن أبي غلاب؛ يريد: حدثني رجل عن أبي غلاب؛ كما عُرِفَ في التدليس.
فإن قيل: فإنَّ ذِكْر مسلم له في "صحيحه" (١)، وقد قالوا: إنَّ ما كان في "الصحيحين" من عنعة المدلِّسين محمول على السماع (٢).
قلت: قد ناقش في ذلك ابن دقيق العيد وغيره، ومن قال بذلك يخصُّه بغير المتابعات والشواهد.
وبعدُ، فلا حاجة لتفصيل ذلك، بعد أن طعن إمام الفن البخاري في هذه الزيادة بتهمة التدليس، والله أعلم.
وقد وقعت هذه الزيادة بعينها في حديث أبي هريرة كما ذكره الشارح؛ فرواه أبو داود (٣) من طريق أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة.
قال أبو داود: "زاد "وإذا قرأ فأنصتوا"، قال أبو داود: وهذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد".
أقول: أبو خالد قال فيه ابن معين: صدوق، وليس بحجَّة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وإنما أُتيَ من سوء حفظه؛ فيغلط ويخطئ، وهو
стр. 102
في الأصل كما قال ابن معين: صدوق وليس بحجَّة. وقال أبو بكر البزَّار في كتاب "السنن": ليس ممن يلزم بزيادته حجة؛ لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش وغيره لم يتابع عليها (١).
ولكن قد تابع أبا خالد محمدُ بن سعد الأنصاري الأشهلي عند النسائي (٢)، والأشهلي ثقة.
وتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان ــ هو الغنوي ــ عند البيهقي (٣). ولكن إسماعيل متفق على تركه؛ رماه ابن معين وابن حبان بوضع الحديث، وقال أحمد: روى أحاديث موضوعة، وقال أبو داود: كان كذَّابًا (٤).
وتابعه أبو سعد محمد بن ميسَّر الصاغاني عند الدارقطني (٥)، وقال: ضعيف.
فالعمدة على متابعة الأنصاري.
وقد روى البيهقي (٦) عن الحاكم عن الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث ابن عجلان "إذا قرأ فأنصتوا": ليس بشيءٍ.
وعن أحمد بن محمد بن الحارث عن أبي الشيخ عن ابن أبي حاتم
стр. 103
قال: سمعت أبي، وذكر هذا الحديث؛ فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة؛ هي من تخاليط ابن عجلان (١).
قلت: ابن عجلان ثقةٌ عندهم؛ ولكن حكى عنه القطَّان حكايةً (٢) تدلُّ على سوء حفظه في الجملة، وعلى تدليس.
وفي "الميزان" (٣): قال الحاكم: أخرج له مسلمٌ في كتابه ثلاثة عشر حديثًا كلها شواهد، وقد تكلَّم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه.
وقال الذهبي (٤): وقد روى عن أنس؛ فما أدري هل شافه أنسًا، أو دلَّس عنه.
[ص ٦١] وذكره الحافظ ابن حجر في "طبقات المدلِّسين" (٥) في الطبقة الثالثة في من أكثر من التدليس؛ فلم يحتجَّ الأئمة من أحاديثهم إلَاّ بما صرَّحوا فيه بالسماع. وقال: وصفه ابنُ حبان بالتدليس.
وذكر البيهقي (٦) أنَّ خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء الرازي تابعا ابن عجلان، وهذا لا يفيد؛ فإنهما هالكان. ولعلَّ ابن عجلان دلَّس الحديث عن أحدهما أو غيرهما.
стр. 104
فالراجح ردّ هذه الزيادة.
فأما مسلمٌ ــ ﵀ ــ فإنه وقع في بعض نُسَخ "صحيحه" زيادة زادها الراوي عنه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، بعد ذكر حديث التيمي (١).
وحاصلها: أنَّ أبا بكر بن [أخت] أبي النضر تكلَّم في زيادة التيمي؛ فقال له مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فسأله عن حديث أبي هريرة ــ يعني بزيادة ابن عجلان ــ فقال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لَمْ تضعه ههنا؟ يعني في "الصحيح"؛ فقال: ليس كل شيءٍ عندي صحيح وضعتُه ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.
أقول: فهذه مذاكرة، والعالم لا يحتاط في المذاكرة احتياطه في التصنيف ونحوه، ومع ذلك فقوله: "إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" مشكلٌ.
وقد ذكر النووي في مقدمة "شرح مسلم" (٢) أنَّ ابن الصلاح أجاب عنه بجوابين، ثم قال ابن الصلاح: "ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها ومتنها لصحتها عنده، وفي ذلك ذهولٌ منه عن هذا الشرط أو سبب آخر، وقد استُدرِكت وعُلِّلت".
أقول: وعبارة مسلم المذكورة تدلُّ أنَّ هذه الزيادة عنده أنزلُ درجةً من كل ما ذكره في "الصحيح"؛ حتى على سبيل المتابعة والشواهد، وهذا كما ترى.
стр. 105
وعلى كل حال فالراجح ردُّ هذه الزيادة، والله أعلم.
ثم اعلم أنَّ حديث أبي هريرة في "الصحيح" (١) من طرقٍ بدون هذه الزيادة، وفي "الصحيح" أيضًا من حديث عائشة (٢) وأنس (٣) وجابر (٤) نحو حديثه بدون هذه الزيادة، وفي حديث هؤلاء ما حاصله أنَّ النبي ﵌ اشتكى؛ فصلَّى جالسًا فصلُّوا خلفه، فأشار إليهم أن يقعدوا، فلمَّا سلَّم قال: فذكروا الحديث.
وبيَّن أنس سبب الشكوى، وهو أنه ﵌ سقط عن فرس؛ فجُحِشَ شِقُّه الأيمن.
قال في "الفتح" (٥): وأفاد ابن حبان أنَّ هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.
وإذا صحَّ هذا فأبو هريرة لم يشهد القصة؛ لأنه إنما أسلم سنة سبع، وإنما سمعها من غيره من الصحابة المتقدمين؛ كما يقع مثل ذلك كثيرًا. ولم يصرِّح أبو هريرة بالسماع من النبي ﵌.
إذا تقرَّر هذا فلو صحَّت تلك الزيادة وصحَّت دلالتها على نهي المأموم عن القراءة مطلقًا، أو في الجهرية فقط، لأمكن أن يقال: هي منسوخة
стр. 106
بأحاديث إيجاب الفاتحة [ص ٦٢]؛ فإنَّ منها ما يُعلم أنه متأخر عن هذا التأريخ؛ كما تقدَّم في المسألة الأولى.
وأما حديث أبي موسى فهو متأخر عن هذا التاريخ حتمًا؛ لأنه إنما قدم على النبي ﵌ أيام خيبر، وقد صرَّح في حديثه بقوله (١): "إنَّ رسول الله ﵌ خطبنا؛ فبيَّن لنا سنَّتنا، وعلَّمنا صلاتنا؛ فقال ... " الحديث.
فإن صحَّت تلك الزيادة فيه فالإنصات عند أهل اللغة قد يطلق على ترك الجهر؛ كما تقدَّم عن الواحدي مع شواهده.
نعم، الظاهر أنَّه بهذا الإطلاق مجاز ولكن قد قدمنا بيان القرينة الدالة عليه في الآية، فلنا: أن نقول بأنه في الحديث ــ إن صحَّ ــ مجاز، جمعًا بينه وبين أدلَّة وجوب الفاتحة. ومثل هذا الجمع أولى من النسخ.
ولنا أن نسلِّم أنه على حقيقته؛ وهي السكوت لأجل الاستماع، ثم نقول: السكوت الذي تضمنه الإنصات عبارة عن ترك الكلام. فقوله: "أنصتوا" في قوة قولنا: "اتركوا الكلام لكي تسمعوا". والكلام في هذا عام، قراءة الفاتحة فردٌ من أفراده، وحديث مكحول عن محمود ونافع عن عبادة عن النبي ﵌ خاص، وقد عضدَه عمومات كثيرة وما قدمناه عن الصحابة ﵃؛ فوجب العمل به.
على أنه لو لم يصحَّ حديث مكحول لوجب أيضًا تخصيص الكلام الذي نُهِي عنه في قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ بتلك العمومات الكثيرة؛ لأنَّ تخصيص عموم دليل أولى من تخصيص عموم دليلين، وتخصيص عموم
стр. 107
دليلين أولى من تخصيص عموم ثلاثة أدلة، وهكذا. ولأنَّ الأمر بالفاتحة مشدَّدٌ فيه بأنه لا صلاة إلَاّ بها، ونحو ذلك، والأمر بالإنصات غير مشدَّدٍ فيه للاتفاق أنه لو لم ينصت لم تبطل صلاته.
لا يقال: إنَّ لعموم الكلام المنهي عنه بالإنصات مرجحًا أيضًا؛ وهو أنه لم يخصَّص قبل هذا.
فإننا نقول: بل قد خُصِّص بحديث "الصحيحين" (١): "من نابَه شيءٌ في صلاته فليسبِّح"، وأحاديث الفتح على الإمام.
مع أنَّنا نختار ما اختاره البخاري وجماعة من الشافعية أنَّ المأموم إذا لم يقرأ الفاتحة لا يدرك الركعة وإن أدرك الإمام راكعًا (٢). وعلى هذا فتكون أحاديث إيجاب الفاتحة غير مخصَّصة إلَاّ بما هو في قوة الاستثناء المتصل كما قدَّمنا ذلك، وذلك لا يضر.
وهذا الكلام بعينه يجيء في تخصيص آية الإنصات؛ على تسليم أنَّ الإنصات فيها على حقيقته، وأنها في أمر المأمومين بالإنصات للإمام، والله أعلم.
[ص ٦٣] وأما حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﵌ انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقرآن؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله؛ فقال رسول الله ﵌: "إني
стр. 108
أقول مالي أُنازَع القرآن" (١).
وبُيِّن في روايةٍ (٢): أنَّ تلك الصلاة كانت الصبح.
وفي بعض الروايات (٣) زيادة: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﵌ ".
وقد أخرج [ص ٦٤] أبو داود (٤) هذا الحديث عن القعنبي عن مالك عن ابن شهاب قال في آخره: "فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﵌ فيما جهر فيه النبي ﵌ بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله ﵌ ".
ثم أخرجه (٥) عن مسدَّد، وأحمد بن محمد المروزي، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، وعبد الله بن محمد الزهري، وابن السرح عن سفيان عن الزهري؛ فذكره بدون هذه الزيادة. ثم قال: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: "فانتهى الناس ... "، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: "فانتهى الناس". وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان: "وتكلَّم الزهري بكلمة لم أسمعها"؛ فقال معمر: "إنه قال: فانتهى الناس".
стр. 109
قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: "مالي أُنازع القرآن". ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: "فاتعظ المسلمون بذلك؛ فلم يكونوا يقرؤون معه فيما يجهر به ﵌ ".
قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري.
وأخرجه البخاري في "جزء القراءة" (١) عن عبد الله بن محمد عن الليث عن يونس عن ابن شهاب، وفيه: "قال: فانتهى الناس ... ".
قال البخاري (٢): وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بيَّنه لي الحسن بن صبَّاح قال: حدثنا مبشِّر عن الأوزاعي قال الزهري: فاتعظ المسلمون ... وقال مالك: قال ربيعة للزهري: "إذا حدثتَ فبيِّنْ كلامك من كلام النبي ﵌ ".
ثم رواه (٣) عن [أبي] الوليد عن الليث عن الزهري؛ فذكره بدون تلك الزيادة.
أقول: يبقى النظر في ما قاله ابن السرح، والظاهر أنه سمع سفيان يقول ما ذكره عبد الله بن محمد الزهري. ففهم من ذلك أنَّ تلك الزيادة من تمام الحديث، وخشي إن قال كما قال مسدَّد، أن يكون ظاهر ذلك أنَّ هذه الزيادة
стр. 110
من قول معمر؛ فعبَّر عبارة صريحة بما فهمه، بناءً على جواز الرواية بالمعنى.
وفي صحَّة هذا الحديث كلام؛ قال البيهقي (١): "راويه ابن أُكيمة الليثي، وهو رجلٌ مجهولٌ لم يحدِّث إلَاّ بهذا الحديث وحده، ولم يحدِّث عنه غير الزهري، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أنْ رآه يحدِّث سعيد بن المسيِّب".
ثم أسند (٢) عن الحميدي شيخ البخاري [ص ٦٥] قال: "هذا حديث رواه رجل مجهول، ولم يرو عنه غيره قطُّ".
اعترضه صاحب "الجوهر" (٣)؛ فقال: "أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه" (٤)، وحسَّنه الترمذي (٥)، وقال: اسمه عُمارة، ويقال: عمرو. وأخرجه أيضًا أبو داود (٦)، ولم يتعرَّض له بشيءٍ، وذلك دليل على حسنه عنده؛ كما عُرِف.
وفي "الكمال" لعبد الغني: روى عن ابن أُكيمة مالك ومحمد بن عمرو، وقال ابن سعد (٧): توفي سنة إحدى ومئة، وهو ابن تسع وسبعين.