وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّها ... حَقًّا كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ
هذا ما لزم تقريره في هذا المقام باختصارٍ، والله الموفق (١).
قوله: (وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ) يعني الواردة في نصوص الوحيين.
قوله: (أُمِرُّها حَقًّا) يعني على حقيقتها التي وردت فلا أصرف شيئًا من نصوص الصفات عن ظاهره بغير دليل؛ لأن التأويل ليس من مذهب أهل السنة والجماعة وإنما يتقيدون بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
قوله: (كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ) أي الرعيل الأول من سلف الأمة ابتداءً من الصحابة فمن دونهم من أئمة الدين والعلم، وأراد الناظم ﵀ أن يبين في هذا البيت: أنه يقول في هذا الباب بما جاء في القرآن، وما قال به النبي الكريم الذي وصف ربه بجملة من الصفات من ذلك قوله ﷺ : «يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ» (٢) , وأيضا وصف ربه بالضحك فقال ﷺ كما في «الصحيحين»: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ, ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» (٣) , كما وصف ربه بالعَجَبِ فقال ﷺ : «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي
стр. 72
السَّلاسِلِ» (١)، وغير ذلك من الأوصاف التي جاءت عن النبي ﷺ وسيمر بنا التفصيل في ذلك في شرح الواسطية إن شاء الله تعالى.
والخلاصة: أن أهل السُّنة والجماعة لا يتكلفون في صرف النصوص عن ظاهرها بغير دليل بل يَسَعُهم ما وَسِعَ الصحابة ومن بعدهم من أئمة الدين الأثبات.
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن المراد بإمرار الصفات الأخذ بمعانيها دون تكييفها، فأهل السنة والجماعة يثبتون معاني الصفات على ما يليق بجلال الله لكنهم لا يكيفونها، فيثبتون معاني للصفات ويفوضون كيفيتها، قال سفيان بن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (٢).
• وهنا قد يرد سؤال وهو: هل معنى ذلك أنه ليس لصفات الله كيفية؟ أو نقول: لها كيفية لكن نجهلها؟
o الجواب: أن لها كيفيةً ولكن نجهلها؛ ولهذا لا يجوز أن نكيف هذه الصفات؛ لأن النصوص لم تكيفها، وكان العديد من السلف يعبر بقوله: «أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف» أي: بلا كيف معلوم لنا؛ فهو نفي للعلم بالكيفية، وليس نفيًا للكيفية؛ لأن ما لا كيفية له لا وجود له، تعالى الله عن
стр. 73
ذلك علوًّا كبيرًا.
إذًا نقول: إن صفات الله لها كيفية لا نعلمها، ولذلك قال الإمام مالك: «والكيف مجهول» ولم يقل: الكيف معدوم.
وهذه الجملة «أمروها كما جاءت بلا كيف» تحتها العديد من المعاني كالرد على المبتدعة من المعطلة والمشبهة وغيرهم.
فالمعطلة أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، فالعبارة فيها ردٌّ عليهم حيث إنهم عطلوا الصفات خوفًا من أن يشبهوها بالمخلوق، وكذلك فيها ردٌّ على المشبهة الذين شبهوا أوصاف الله بأوصاف خلقه.
قال شيخ الإسلام في «الحموية»: «فقولهم أمروها كما جاءت رد على المعطلة، وقولهم بلا كيف رد على المشبهة» (١).
وأهل السُّنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فأثبتوا الصفات وفق ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، ولم يقعوا في التشبيه.
وبهذا يتبين لنا أن طريقة أهل السُّنة والجماعة في صفات الله هي الإثبات بلا تشبيه والتنزيه بلا تعطيل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 74
• وهنا مسألة وهي ما الفرق بين المشبهة والمعطلة؟
o الجواب: المشبهة هم الذين شبهوا الله بخلقه، والمعطلة هم الذين عطلوا الصفات ونفوها.
والتشبيه نوعان:
الأول: تشبيه الخالق بالمخلوق: وهو أن يثبت لله تعالى في ذاته أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق، كقول القائل: إن يدي الله كأيدي المخلوقين، أو نزوله كنزوله، ونحو ذلك.
الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق: فهو أن يثبت شيئًا للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال والحقوق والصفات، كفعل من أشرك في الربوبية أو كمن أشرك في الألوهية وكفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ (١).
والمعطلة ينقسمون إلى قسمين:
١ - المؤوِّلة: وهم الذين صرفوا معاني صفات الله تعالى عن ظاهرها المتبادر إلى معنى آخر غير متبادر لا دليل عليه ولا مرجح له.
٢ - المفوضة: وهم الذين يفوضون معاني الأسماء والصفات لله تعالى ولا يثبتون منها شيئًا.
стр. 75
وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا ... وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ
وقد اتفق المؤولة والمفوِّضة على صرف نصوص الصفات عن ظاهرها المتبادر المعتبر، ونفوا الصفات المأخوذة منها، ولكن المؤوِّلة أولوها بمعانٍ أخرى بعقولهم، بينما فوَّض المفوِّضة معانيها، ولم يفسروها.
وهناك فرق بين أهل السُّنة والمفوضة: يتبيَّن بالمثال التالي: وهو أنَّ من أسماء الله تعالى (الرحمن) فأهل السُّنة يثبتون هذا الاسم، ويأخذون منه صفة الرحمة، أما المفوضة فهم يثبتون الأسماء ولكن يفوضون معانيها إلى الله، وهم بذلك يثبتون أن القرآن ليس له معانٍ مفهومة.
ولهذا قال أهل السُّنة: المفوضة شر الطوائف؛ لأن ظاهرها التورع والاحتياط، وباطنها تكذيب القرآن، وأنه لا معنى ولا حقيقة له.
قوله: (وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا) المراد بالذي تُرَدُّ العهدة فيه إلى النُقَّال هو باب الصفات فلا يُتَكَلَّم في شيء من هذا الباب إلا بوحي، والمراد بالنُقَّال هم أهل العلم الذين نَقَلُوا هذه الأحاديث من لدن الصحابة ﵃ ثم التابعين ومن جاء بعدهم.
قوله: (وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ) أي: يصون ما جاء في هذا الباب عن التأويل والتحريف والتعطيل والتكييف، ويصون الصفات أيضًا عن التخيل فإن الله أجل وأعظم من أن تتخيل صفاته. وأما الخواطر التي تَرِدُ على النفس، فلا يسلم منها أحد، بل لم يسلم منها الصحابة ﵃ حتى قالوا:
стр. 76
قُبْحًا لِمَنْ ................... ... ..................................
«إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ - والمقصود بها الخواطر التي لا يسلم منها أحد - قَالَ ﷺ : «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (١).
وجاء في غير «مسلم» قال: «الْحَمْدُ لله الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (٢)، قال الإمام أحمد: «كل ما أخبر الله به في كتابه من صفاته فهو كما أخبر لا كما يخطر للبشر».
ولهذا كانت قاعدة هذا الباب: «التسليم المطلق» كما ذكر أهل العلم وكما جاء عن الله وعن الرسول ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
فهو تسليم مطلق لما جاء عن الله ورسوله، قال الطحاوي: «لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام».
(قُبْحًا لِمَنْ ... ) استهل الناظم ﵀ هذا البيت بالدعاء على من أعرض عن القرآن، فهو يدعو عليه بالتقبيح حيث كان محلًّا لكل قبيح، لأنه أعرض
стр. 77
قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ
عن القرآن، وكلما بَعُدَ المرء عن القرآن جمع القبائح، وكلما اقترب منه سلَّمه الله من القبائح.
قوله: (قُبْحًا) القبيح: ضد الحسن. (لِمَنْ نَبَذَ) طرح. (القران) (١) الكريم.
(وراءَهُ) فلم يلتفت إليه بل أعرض عنه ورغب عن هديه.
قوله: (وإذا اسْتَدَلََّ) في مسائل العقائد (يقولُ قالَ الأخطَلُ) ويعني بذلك الشاعر النصراني المعروف (٢)، والخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام (٣).
ويشير الناظم ﵀ هنا إلى شناعة ما قام به بعض المبتدعة الذين نفوا صفة الكلام عن الله بحجة ضعيفة باهتة وهي بيت قاله الأخطل وهو:
إِنَّ الكلامَ لفي الفُؤادِ وإِنَّمَا ... جُعِلَ اللسانُ عَلَى الفُؤادِ دَلِيلَا
فاستدلوا بهذا البيت وقالوا: إن كلام الله هو الكلام النفسي، وإن الكلام في الحقيقة هو ما يقوم بالنفس.
стр. 78
ومقتضى قولهم هذا إنكار صفة الكلام لله سبحانه؛ لأنهم قالوا: إن كلام الله هو المعاني دون اللفظ، ويُرَدُّ عليهم بقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء:١٦٤]، قال النحاس: «أجمع النحويون على أن الفعل إذا أُكِّدَ بالمصدر لم يكن مجازًا» (١)، والفعل (كَلَّمَ) هنا أُكِّدَ بالمصدر الحقيقي (تَكْلِيمًا) فوجب أن يكون كلامًا على الحقيقة.
وقد أجمع السلف والخلف من أهل السُّنة وغيرهم على أنَّ الفعل (كلَّم) هنا المراد به الكلام المنطوق بحروف (٢).
وأيضًا يقال: إن العرب لا تنسب للساكت كلامًا ولو كان يحدث نفسه فضلًا عن غيره، وإنما يسمى الكلام كلامًا عندما يُنطق به، وأما قبل النطق به فلا يسمى كلامًا، ويدل لذلك قول النبي ﷺ : «إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ» (٣).
والمقصود أن السلف يستدلون بـ: قال الله، قال رسوله، وهؤلاء يستدلون بهذا البيت، ولا شك أن هذا ضَلالٌ مُبِينٌ، وزيغ واضحٌ عن الصراط المستقيم.
стр. 79
قال شيخ الإسلام: «وقد قالت طائفة إن هذا ليس من شعره» (١)، أي ليس من شعر الأخطل؛ لذلك لم يجزم ابن القيم في «نونيته» بنسبته إلى الأخطل حيث قال:
ودليلُهم في ذاك بيتٌ قاله ... فما يُقال الأخطلُ النصراني
قال العلامة ابن جبرين ﵀: «ثم لو قدَّرنا أنه صحيح وأنه من قول الأخطل لم نقبله وذلك لأن الأخطل نصراني، مشهور بتمسكه بالنصرانية، ويفتخر بها، وقد اشتهر من شعره قوله:
ولستُ بقائمٍ كالعَيْر يدعو ... قبيل الصبح حيَّ على الفلاح
ولستُ بقائدٍ عِسًا بكورًا ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولستُ بصائم رمضان طوعا ... ولستُ بآكل لحم الأضاحي
لا شك أن هذا يدل على كفر صريح، وإذا كان يفتخر بأنه نصراني فكيف يستشهد بكلامه في أمر يتعلق بالعقيدة؟! ثم أيضًا هو يسمى الأخطل، والخطل هو عيب في الكلام، وأيضًا هو نصراني والنصارى قد ضلوا في مسمى (الكلام) حيث جعلوا (عيسى) نفسه (الكلمة) فإذا كان
стр. 80
والمؤمنونَ يَرَوْنَ حقًّا ربَّهُمْ ... ..................................
كذلك فكيف يُسْتَشهدُ بكلامه على أمر من أمور العقيدة؟!» (١).
وقد تولى شيخ الإسلام ﵀ الرد على من قال بالكلام النفسي وأبطله من نحو تسعين وجهًا وذلك في رسالته المسماة بـ «التسعينية»، وقد أشار ابن القيم ﵀، إلى ذلك بقوله (٢):
وكذاك تسعينيةٌ فيها له ... ردٌّ على من قال بالنفساني
تسعون وجها بينت بطلانه ... أعني كلام النفس ذا الوَحْداني
قوله: (والمؤمنونَ) أي: بربهم وبما جاء في وحيه إيمانًا لا يعتريه شك ولا تردد.
قوله: (يَرَوْنَ حقًّا ربَّهُمْ) عيانًا بأبصارهم حقيقة لا مجازًا, وقد أشار الناظم ﵀ في هذا الكلام إلى مسألة مهمة من مسائل العقيدة وهي مسألة الرؤية.
• وأهل العلم الذين تكلموا في باب العقائد ذكروا أن الرؤية على نوعين:
- النوع الأول: رؤية النبي ﷺ لربه حينما عُرج به إلى السماء، هل رأى
стр. 81
ربه أو لم يره؟ والراجح والصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وعليه أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة أنه ﷺ لم يَرَ ربه.
هذه المسألة من مسائل العقيدة، لكن ليست مما يُضَلَّلُ فيها المخالف، لأن الصحابة ﵃ اختلفوا فيها، وقد حصل بين ابن عباس وعائشة خلاف فيها، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يوجد هناك خلاف حقيقي بين عائشة وابن عباس ب (١)، وليس هذا محل بحث هذه المسألة، والمقصود أن هذه المسألة فيها سعة.
- النوع الثاني: رؤية المؤمنين لربِّهم يوم القيامة فهذه المسألة أثبتها أهل السُّنة وعدوها من مسائل العقيدة الكبرى التي يضلل فيها المخالف، لأن هذه الرؤية ثابتة في القرآن والسُّنة، ومن الأدلة التي وردت في ذلك ما يلي:
أولًا: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢،٢٣]، فأثبت رؤية المؤمنين لربهم عياناً بأبصارهم، وذلك لأن النظر إذا عُدِّي بـ (إلى) يكون المقصود به المعاينة بالأَبصار كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى
стр. 82
الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧].
ثانيًا: قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس:٢٦].
فقد فسر النبي ﷺ الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله ، فلما عطف الزيادة على الحسنى التي هي الجنة دل على أنها أَمرٌ آخر وراء الجنة وقدرٌ زائدٌ عليها، وذلك لأن العطف يقتضي المغايرة، وهي الرؤية للمؤمنين وتكون بعد دخولهم الجنة كما جاء ذلك في «صحيح مسلم» من حديث صهيب ﵁ (١).
وقد صرح جمع من الصحابة ﵃ بأن المراد بالزيادة الرؤية، جاء ذلك عن أبي بكر وابن عباس وحذيفة وأبي موسى ﵃.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلمَّا حَجَبَ الكفار عن الرؤية لسخطه عليهم دل على أن المؤمنين يرونه لرضاه عنهم.
والمقصود أن الرؤية ثابتة في القرآن، وثابتة في السُّنة في أحاديث عديدة أوصلها أهل العلم إلى ثلاثين حديثًا من أشهرها:
حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً
стр. 83
يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (١).
وحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ » قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهَارِ؟» قَالُوا: لا، قَالَ: فَتُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي ذَلِكَ» (٢).
• ومن المسائل التي يحسن ذكرها في هذا المقام ما يلي:
- المسألة الأولى: ما الطوائف التي أنكرت الرؤية؟
o الجواب: هم الجهمية والمعتزلة، وتبعهم على ذلك الخوارج والرافضة، وقد استدلوا على ذلك بأدلة مثل قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، قالوا: إن لن للتأبيد، وهذا غير صحيح، لعدة أوجهٍ:
أحدها: أن نفي الرؤية الوارد في الآية إنما هو في الدنيا؛ لأن موسى طلب رؤية ربه في الحياة الدنيا.
الثاني: أن قولهم: إن (لن) هنا للنفي المؤبد ليس إلا مجرد دعوى فقد قال تعالى حكاية عن الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، وهذا في الدنيا فلو كانت (لن) للتأبيد المطلق والنفي المؤبد لما تمنى الكفار الموت في الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزُّخرُف:٧٧].
стр. 84
وقال ابن مالك في (الكافية):
ومن رأى النَّفي بلن مؤَبَّدَا ... فَقوْلَه ارْدُدْ وَسواه فَاعْضُدا
- المسألة الثانية: ما الطوائف المعاصرة التي أنكرت الرؤية ؟
o الجواب: هم الرافضة والإباضية وهي من طوائف الخوارج، وأكثرهم في سلطنة عُمَان حاليًّا.
قال شيخ الإسلام ﵀ في «الواسطية»: «إن المؤمنين يرونه يوم القيامة عِيانًا بأبصارهم كما يرون الشمس صَحْوًا ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يُضَامُونَ في رؤيته» (١).
وقال في «بيان تلبيس الجهمية»: «إنه قد ثبت بالسنة المتواترة وباتفاق سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام، أن الله يُرَى في الدار الآخرة بالأبصار عيانًا» (٢).
فالمقصود أن النصوص الواردة في إثبات الرؤية قطعية الثبوت والدلالة لأنها في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﷺ المتواترة، وقد أنشدوا في هذا المعنى:
стр. 85
...................... ... وإلى السَّماءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ
مِمَّا تَواتَرَ حَديثُ مَنْ كَذَبْ ... وَمَنْ بَنَى لله بيتًا واحْتَسَبْ
ورُؤْيَةٌ شفاعَةٌ والحَوْضُ ... ومَسْحُ خُفَّيْنِ وهذي بَعْضُ (١)
- المسألة الثالثة: هل يرى المؤمنون ربهم في الحياة الدنيا ؟
o الجواب: قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة، مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهم أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه, بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية، وإما تقييدها بالفؤاد، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه» (٢).
قوله: (وإلى السَّماءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ) أشار شيخ الإسلام ﵀ في هذا الشطر من البيت إلى مسألة النزول، وأن الله متَّصف بذلك على ما يليق بجلاله، وهنا مسائل متعلقة بالنزول:
стр. 86
- المسألة الأولى: تواتر أحاديث النزول:
أحاديث النزول متواترة كما نقل ذلك الإمام الذهبي في كتابه: «العلو للعلي الغفار» وذكر أن أحاديث النزول متواترة وتفيد القطع؛ فلا مجال للشك في ذلك، وأشهر حديث هو حديث أبي هريرة ﵁: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ» (١).
- المسألة الثانية: أوقات النزول الإلهي التي جاءت بها السُّنة كما يلي:
الوقت الأول: حين يبقى ثلث الليل الآخِر، وقد جاء في بعض الروايات أنه ينزل إذا مضى ثلث الليل الأول، وجاء في بعضها أنه ينزل إذا انتصف الليل، لكن أكثر الأحاديث التي جاءت في «الصحيحين» وفي غير «الصحيحين» أن نزوله في الليل يكون حين يبقى ثلثه الآخِر.
الوقت الثاني: نُزُولُه جلَّ في علاه عَشِيَّة عرفة كما جاء هذا في أحاديث كثيرة منها حديث عائشة ب في «صحيح مسلم»: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ» (٢)، وقد عبر عن النزول في هذا الحديث بالدنو.
لكن لفظ النزول في يوم عرفة جاء عند «ابن حبان» من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «مَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلَ عِنْدَ الله مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللهُ ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، والمقصود أن هذا الحديث فيه تصريح بالنزول، والحديث
стр. 87
وأُقِرُّ بالميزانِ والحَوضِ الذي ... ...................................
صححه ابن حبان وغيره (١).
- المسألة الثالثة: يجب أن يُعلم أن المنهج الحق في صفة النزول هو ما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، وهو إثبات نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا على ما يليق بجلاله وعظمته، كما ورد ذلك في النصوص الصحيحة.
لكن كما سبق يضيفون عبارة: «على ما يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل» , فهذا مذهب أهل السُّنة والجماعة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
ويُقال في هذه المسألة كما يقال في مسألة الاستواء، فالمنهج فيهما واحد، على حد قول الإمام مالك في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».
وقد جاء هذا الأثر مرفوعًا عن النبي ﷺ ولا يصح، وجاء أيضا عن أم سلمة وربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك، ولكن لا يصح من ذلك شيء إلا ما جاء عن الإمام مالك ﵀، فسنده إليه صحيح مشهور.
قوله: (وأُقِرُّ): الإقرار هو الاعتقاد بالقلب مع الاعتراف باللسان.
قوله: (بالميزانِ): الذي يوزن به العباد والأعمال يوم القيامة.
قوله: (والحَوضِ): أي أقر أيضًا بحوض النبي ﷺ ، والحوض لغة:
стр. 88
..................... ... أَرجُو بأنِّي مِنْهُ رِيًّا أَنْهَلُ
مجتمع الماء، وفي الاصطلاح: مورد عظيم ترده أمة محمد ﷺ ممن اتبع هديه ولم يبدل أو يغير. قوله:) أَرجُو (: الرجاء نقيض اليأس، وهو الأمل المتوقع.
قوله: (بأنِّي مِنْهُ): أي من الحوض.
قوله: (رِيًّا): بكسر الراء أو فتحها بمعنى أرتوي بالشرب منه ريًّا.
قوله: (أَنْهَلُ): يعني أشرب فيكون المعنى أشرب حتى أروى.
وهذه المسائل التي ذكرها الناظم في هذا البيت ليست من عالم الشهادة، بل هي من عالم الغيب، فلذلك أكد الناظم أنه يُقر ويعترف بها، ليس لأنه شاهَدَها وإنما لأجل التصديق بما جاء في النصوص من إثباتها ووجوب الإيمان بها وهي ما يلي:
أولًا: الميزان: وهو ثابت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، وثابت بالإجماع، فأما الكتاب فالآيات كثيرة من أشهرها:
قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
وقوله : ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧].
стр. 89
• وهناك بعض المسائل المتعلقة بالميزان:
- المسألة الأولى: هل الميزان يوم القيامة ميزان واحد لكل الأمم، أو لكل أمة ميزان ؟
تكلم أهل العلم في هذه المسألة واختلفوا في ذلك، لكن هذه المسألة لم يأت فيها نص، والقاعدة في هذا أنه لا يُجزمُ فيها بشيء، فلا يجزم بأن لكل أمة ميزانًا، ولا بأنه ميزان واحد لكل الأمم.
- المسألة الثانية: في الموزون هل هو العامل أو العمل أو هما معًا؟
اخْتُلِفَ في ذلك فمن أهل العلم من قال: إن الميزان للعمل، ودليل ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ» (١).
فهذا الحديث فيه دلالة على أن الأعمال هي التي توزن في الميزان يوم القيامة.
ويدل على ذلك أيضًا حديث مشهور وهو حديث البطاقة الذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص وهو مخرج عند «الترمذي» جاء في آخره:
«فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ, فَطَاشَت السِّجِلاتُ وَثَقُلَت
стр. 90
الْبِطَاقَةُ, فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ» (١).
والمقصود أنَّ شهادة أن لا اله إلا الله هي التي رجحت في الميزان، ولذلك طاشت السجلات وثَقُلَت البطاقة مما يدل على أن الموزون العمل، وحديث البطاقة حديث مشهور، وقد قال عنه الإمام الترمذي في «جامعه»: «حديث حسن غريب».
والغريب عند أهل الحديث من أقسام الضعيف، ولكن لا يلزم من الغرابة الضعف، كما في حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢) سنده غريب ومع ذلك اتفق أهل العلم على صحته، وحديث البطاقة استغربه الترمذي والبغوي.
الرأي الثاني: أن الوزن للعامل استدلالًا بأحاديث كثيرة من ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» (٣).
ومن ذلك أيضًا قول النبي ﷺ عن سَاقَي ابن مسعود ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (٤).
стр. 91
الرأي الثالث: أن الوزن للعامل والعمل، ومال إلى هذا ابن كثير ﵀ جمعًا بين النصوص الواردة في هذا الباب، ولعله هو الأقرب، والله أعلم.
- المسألة الثالثة: ما الحكمة من الوزن يوم القيامة؟ مع أن الله مطلع على كل ذلك، فهو عالم بأعمال العباد ومقدارها في الموازين؟
- الجواب: أن الحكمة من ذلك لأهل الإيمان: ليعلموا أن ما حازوه من خير وحصلوا عليه من فوز، إنما هو بمحض رحمة الله تعالى، لا بأعمالهم، والدليل على هذا قوله ﷺ : «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا» (١).
سؤال آخر: لو أن رجلًا أمضى كل عمره في الصلاة هل يستحق الجنة بمجرد هذا العمل؟
o الجواب: لا يمكن أن يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى، ومن رحمة الله أن وفقه للعمل الصالح الذي هو سبب من أسباب دخول الجنة، فهذا التوفيق للعمل الصالح هو نعمة من الله على عبده تستحق الشكر، وما أحسن قول القائل:
لك الحمد يا رَبي على كلِّ نعمةٍ ... ومن أعظمِ النعماءِ قولي لك الحمدُ
стр. 92
أما الكفار: فالحكمة من وزن أعمالهم الإحصاء عليهم، كي يُقِرُّوا بها، ويُوقَفُوا عليها ليعترفوا بعد ذلك بما كان منهم من سوء، كما قال الله تعالى ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١].
وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠].
وعلى هذا إذا دخل المؤمن الجنة علم أنه دخلها بفضل الله، والكافر إذا دخل النار علم أن هذا بعدل الله ، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الميزان هو ما يوزن به الأعمال, وهو غير العدل؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]» (١).
وقال ﵀: «إن الله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة لا يشغله
стр. 93
حساب هذا عن حساب هذا، وهذا الحساب يراد به الموازنة بين الحسنات والسيئات، وهذا يتضمن المناقشة، ويراد به عرض الأعمال على العامل وتعريفه بها» (١).
والخلاصة: أن أهل السُّنة والجماعة يؤمنون بالميزان ويقولون: إنه ميزان حقيقي بخلاف المعتزلة الذين قالوا: إنه غير حقيقي وإنما معناه إقامة العدل فهو ميزان معنوي معناه العدل بين العباد، وليس لهم حجة في ذلك إلا أنهم حكَّموا عقولهم في الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل وقدموا العقول على النقول, وأما أهل الحق فإنهم يؤمنون بالأمور الغيبية على حقيقتها ويردون كيفيتها إلى الله .
ثانيًا: من المغيَّبات التي يجب الإيمان بها الحوض:
وذِكْرُ الحوض للنبي ﷺ جاء متواترًا في أكثر من ثلاثين حديثًا، جاء في «الصحيحين» منها عشرون حديثًا، وساق البخاري ﵀ جملة منها تحت باب الحوض في كتاب الرقاق (٢).
وقال السخاوي: «وذكر شيخنا - يعني ابن حجر - من الأحاديث التي وصفت بالتواتر حديث الشفاعة والحوض فإن عدد رواتهما من الصحابة زاد على أربعين، وممن وصفهما بذلك عياض في الشفاء» (٣).
стр. 94
وقد أجمع أهل السُّنة والجماعة على إثبات الحوض للنبي ﷺ في الآخرة، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين لم يثبتوه.
• وهناك عدة مسائل تتعلق بالحوض نذكر منها ما يلي:
- أولًا: هل الحوض موجود الآن ؟
o الجواب: نعم بدليل ما رواه «البخاري» و «مسلم» من حديث عقبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي وَاللهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ» (١).
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (٢)، فيحتمل أن يكون الحوض في مكان المنبر، لكنه لا يُشاهَد لأنه غيبي، ويحتمل أن هذا يحصل يوم القيامة فيوضع المنبر على الحوض يوم القيامة.
- ثانيًا: بيان ما ورد في الأحاديث من أوصاف الحوض وهي سبعة:
الأول: أن ماءه أشد بياضًا من اللبن, وهذا يتعلق باللون.
الثاني: أنه أحلى من العسل, وهذا يتعلق بالطعم.
стр. 95
الثالث: أنه أطيب من ريح المسك, وهذا يتعلق بالرائحة.
الرابع: أن آنيته عدد نجوم السماء، وهذا يتعلق بالعدد.
أخرج الشيخان وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ب، قال: قال رسول الله ﷺ : «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا» (١).
وجاء في «صحيح مسلم»: «عَدَد نُجُومِ السَّمَاءِ» (٢)، والأبلغ الرواية الأولى: «كنُجُومِ السَّمَاءِ»؛ لأنها تشمل العدد والشكل.
الخامس: أن من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
السادس: طوله شهر وعرضه شهر.
السابع: أنه يَصُبُّ فيه مِيزَابَان، كما في «صحيح مسلم» (٣)، وهذان الميزابان يأتيان من الكوثر الذي أعطاه الله النبيَّ ﷺ فعلى هذا:
للنبي ﷺ حوض وله نهر وهو الكوثر، ومن أهل العلم من يرى أن
стр. 96
وكذا الصِّراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهَنَّم ... فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ وآخَرُ مُهْمَلُ
الحوض هو النهر، والله تعالى أعلم.
- ثالثًا: هل للأنبياء الآخرين حوض؟
قال بذلك بعض أهل العلم استدلالًا بما رواه «الترمذي» مرفوعًا: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا» (١)، ولكن هذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث، وقد أعله الترمذي بالإرسال، ولم يثبت في ذلك شيء، والله أعلم.
قوله: «وكذا» أي: وأقر أيضًا بـ «الصِّراط» وهو لغة: الطريق الواضح. وشرعًا: الجسر المنصوب على متن جهنم بين الجنة والنار، يمر عليه جميع الخلائق، فأقر بأنه حق ثابت للنصوص الواردة فيه.
قوله: «يُمَدُّ» أي ينصب «فوقَ جَهَنَّم» يعني على ظهر جهنم نعوذ بالله تعالى منها.
قوله: (فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ): أي سالم من مزلته بفضل الله ورحمته (وآخَرُ مُهْمَلُ): بعدل الله وحكمته.
والمقصود أن الناظم يشير في هذا البيت إلى أن الصراط المنصوب على متن جهنم يوم القيامة حق ثابت يجب الإيمان به وفق ما جاء في نصوص الوحيين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١].
стр. 97
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فسره النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» عن جابر بأنه المرور على الصراط ... والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة، من كان صغيرا في الدنيا ومن لم يكن، وهذا عام لجميع الخلق» (١).
وروى الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عبد الله بن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ كُلُّهُم ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِم» (٢).
والمقصود بالورود على متن جهنم: المرور على الصراط المنصوب على متنها، يمر الخلائق يوم القيامة عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كراكب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من تَتَخَطَّفُه الكَلالِيبُ التي على متن جهنم فَيُكدَسُ فيها، نسأل الله السلامة والعافية.
ويدل لذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في حديث طويل جاء فيه: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ
стр. 98
الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ. فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (١).
وينبغي التنبيه هنا على أن الناس في سرعة المرور وبطئه على حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة التي قدموها في الدنيا، فبحسب استقامة الإنسان على دين الإسلام وثباته عليه يكون ثباته ومروره على الصراط، فمن ثبت على الصراط المعنوي وهو الإسلام ثبت على الصراط الحسي المنصوب على متن جهنم يوم القيامة.
وفي هذا الموقف العصيب الذي لا يعرف الناسُ فيه بعضُهم بعضا، ولا يتكلم فيه أحد إلا الأنبياء، ومن سواهم لا يتكلم، كما قال النبي ﷺ في «الصحيحين»: «وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (٢).
• وهناك بعض المسائل المتعلقة بالصراط:
- المسألة الأولى: ماذا بعد عبور الصراط ؟
جاء الجواب على لسان النبي ﷺ كما في «صحيح البخاري» من
стр. 99
حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ» (١).
ويستفاد من هذا الحديث أن أهل الإيمان بعد المرور على الصراط وسلامتهم من النار يوقفون على قنطرة لأجل التهذيب والتمحيص؛ لأن الجنة كما جاء عن النبي ﷺ في «الصحيحين»: «لا يَدْخُلُهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» (٢)، فلذلك يَقْتَصُّ بعضهم من بعض، حتى إذا هُذبوا ولم يبق على أحدٍ منهم شيء دخلوا الجنة.
والخلاصة: أن هذه القنطرة للتهذيب والتمحيص.
- المسألة الثانية: ما صفة الصراط ؟
جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» (٣)، هذا الأثر جاء بلاغًا وليس على شرط الحديث الصحيح، وقد جاء الحديث مرفوعًا من حديث أنس
стр. 100
عند البيهقي لكنه ضعيف، وصح عن ابن مسعود ﵁ موقوفا عليه عند «الحاكم» بلفظ: «الصراط كحد السيف مدحضة مزلة» (١).
وجاء عند «الحاكم» أيضًا عن سلمان ﵁ أنه قال: «يوضع الصراط مثل حد الموسى» (٢) أي: الموس بالعامية.
إذًا جاء في وصف الصراط ثلاثة آثار عن الصحابة ﵃ الأول: عن أبي سعيد، والثاني: عن ابن مسعود وسنده إلى ابن مسعود صحيح، والثالث: عن سلمان وسنده لا بأس به، فعلى هذا تكون الأوصاف الواردة في الصراط موقوفة وليست مرفوعة، ولهذا أنكر بعض الأئمة كالقرافي والعز بن عبدالسلام والبيهقي أن يكون الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف وحجة هؤلاء أنه لم يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء.
ولكن هل يلزم من كون الشيء لم يثبت عن النبي ﷺ عدم الإثبات كما في هذه المسألة؟
o الجواب: ذهب أكثر أهل العلم إلى إثبات أن الصراط أدقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف؛ لهذه الآثار الثلاثة التي لها حكم المرفوع، والصحابة ﵁ لا يمكن أن يتكلموا بهذا إلا بعلم، فلعلهم أخذوه عن النبي ﷺ ، خاصة أن مثل هؤلاء لم يشتهر عنهم الرواية عن بني إسرائيل، كما اشتهر عن عبدالله بن
стр. 101
والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَةٍ ... وكذا التَّقِيُّ إلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ
عمرو ب، وينبغي أيضًا أن يعلم أنه لا ينكر على من خالف في هذه المسألة، ولذلك ذهب بعض أهل العلم كالعز بن عبد السلام وغيره إلى أن الصراط عريض وليس بدقيق، والمقصود أن المسألة فيها خلاف، لكن الصواب والأقرب، والله تعالى أعلم، ثبوت هذه الأوصاف التي سبقت.
قوله: (والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَةٍ ... ) أشار الناظم ﵀ في هذا البيت إلى إثبات الجنة والنار يوم القيامة، والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، متوافرة متضافرة متواترة على ذلك، ومن أنكر ذلك فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة؛ لأنه مكذب بنصوص الوحيين.
• ومن المسائل التي يحسن إيرادها في هذا المقام ما يلي:
- المسألة الأولى: هل الجنة والنار موجودتان الآن ؟
o الجواب: دلت النصوص على وجودهما الآن، من ذلك قوله تعالى عن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
وقول الله تعالى عن النار: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤].
وقول الله تعالى عن آل فرعون: ﴿نَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
والأدلة من السنة كثيرة، من ذلك قول النبي ﷺ كما في «الصحيحين» في
стр. 102
حديث الكسوف: «أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ» (١).
ثم قال بعد ذلك: «أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَت الدُّنْيَا».
ومن الأدلة أيضًا ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ» (٢).
- المسألة الثانية: هل الجنة والنار تفنيان ؟
o الجواب: هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان: وهذا قول أكثر السلف والخلف (٣) , وقد انتصر لهذا القول كثير من أهل العلم, حتى صنف بعضهم مصنفات في هذا الأمر, فألف العلَّامة الصنعاني كتابه «رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار» , والشيخ سليمان بن ناصر العلوان له كتابان في هذا الموضوع منها: «تنبيه المختار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار». والكتاب الثاني أكبر من الأول, وهو بعنوان: «الأدلة والبراهين لإيضاح المعتقد السليم والرد على المخالفين».
стр. 103
المذهب الثاني: أن الجنة باقية والنار تفنى: وهذا المذهب روي عن قليل من السلف والخلف (١) , ونقل عن عمر, وابن مسعود, وأبي هريرة, وأبي سعيد, وغيرهم , والصحيح أن ذلك لا يصح عن أحد من الصحابة (٢).
المذهب الثالث: التوقف في فناء النار: يلتمس ذلك في كلام ابن القيم في «حادي الأرواح» (٣) , وإن كان يبدو أنه يميل إلى القول بفناء النار. وجنح إلى هذا من المعاصرين الشيخ عبد الرزاق عفيفي (٤).
والصحيح الذي تدل عليه الأدلة المتواترة من الكتاب والسُّنة القول بخلود الجنة والنار وأبديتهما, منها قوله تعالى عن الجنة: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨].
وقوله سبحانه عن النار: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥].
والشاهد من الآيات ذكر الخلود المؤبد، حيث لم يكتف بذكر مجرد
стр. 104
ولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ في قَبرِهِ ... عَمَلٌ يُقارِنُهُ هناك وَيُسْأَلُ
الخلود، بل أخبر سبحانه أنه خلود أبدي. وقد سرد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي خمسين آية من كتاب الله تدل على خلود الكفار في النار (١).
قوله: (ولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ): أي مكلف (في قَبرِهِ ... ): الذي سينتهي إليه، ويجازى فيه بحسب عمله الذي سيُقارِنُهُ هناك.
قوله: (وَيُسْأَلُ) حينما يأتيه الملكان كما صحَّت بذلك الأحاديث.
وفي هذا البيت أثبت الناظم ﵀ عذاب القبر ونعيمه ، والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ متواترة في ذلك، كقول الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١].
وأما السُنَّة فهي متضافرة على إثبات هذا، ومن ذلك ما ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْعُو وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ... » (٢).
стр. 105
وجاء مثله من حديث ابن عباس المشهور في «الصحيحين»: «أَنَّ النبي ﷺ مَرَّ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» (١)، وغير ذلك من الأحاديث.
وقال شيخ الإسلام ﵀: «مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب» (٢).
وهناك بعض مسائل الإيمان المتعلقة بالقبر نذكر منها ما يلي:
- المسألة الأولى: سؤال الملكين وموقف أهل السنة منه:
أهل السنة والجماعة يثبتون سؤال الملكين في القبر، وقد أشار الشيخ إلى ذلك كما في قوله: (وَيُسْأَلُ).
قال شيخ الإسلام: «فتنة القبر هي الامتحان، والاختبار للميت حين يسأله الملكان»، ثم قال: «وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه
стр. 106
الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃، وهي عامة للمكلفين إلا النبيين فقد اختلف فيهم ... » (١).
- المسألة الثانية: هل يسمى الملكان بمنكر ونكير ؟
o الجواب: لم يأت في الأحاديث الواردة في «الصحيحين» تسمية الملكين بمنكر ونكير، ومما جاء في «الصحيحين» قول النبي ﷺ : «أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ» (٢)، لكن جاءت أحاديث أخرى بتسمية الملكين بمنكر ونكير كما عند أحمد والترمذي وابن حبان، وقد جَمَعْتُ الأحاديث التي جاء فيها تسمية منكر ونكير فبلغت سبعةً وأربعين حديثًا وأثرًا منها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف وهو الأكثر.
وقد سُئل الإمام أحمد ﵀ عن ذلك فقيل له: تقول منكر ونكير أو تقول ملكين؟ فقال: «منكر ونكير» فقال له السائل يقولون ليس في حديثٍ منكر ونكير قال: «هو هكذا» يعني إنهما منكر ونكير، وعلى هذه التسمية أكثر أهل العلم ممن ألف في هذا الموضوع، وقد جاء في بعض الأحاديث أنهم أربعة: (منكر ونكير، وناكور ورومان) لكن لا يثبت فيه شيء صحيح،
стр. 107
هذا اعتقادُ الشافِعيِّ ومالكٍ ... وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ يُنْقَلُ
وجاء في بعض الروايات: «مُبَشِّر وبَشِير» وهذا لا يثبت فيه شيء أيضًا.
- المسألة الثالثة: هل عذاب القبر خاص بهذه الأمة أو أنه لكل الأمم ؟
o الجواب: عذاب القبر عام لكل الأمم؛ لقول الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
- المسألة الرابعة: هل عذاب القبر ونعيمه على الجسد والروح أو هو على أحدهما دون الآخر ؟
o الجواب: عموم النصوص تدل على أنه للجسد والروح، قال شيخ الإسلام: «وأحاديث عذاب القبر كثيرة متواترة، والعذاب والنعيم الذي في القبر يكون على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذا الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن، وأما أن العذاب والنعيم على البدن دون الروح ففيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسُّنة وأهل الكلام» (١).
قوله: (هذا): إشارة إلى ما ذكر من مسائل الاعتقاد هو (اعتقادُ الشافِعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ).
قوله: (يُنْقَلُ): يعني هذه العقائد التي تُوجت بها هذه الأبيات منقولة
стр. 108
فإِنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُمْ فَمُوفَّقٌ ... وإنِ ابْتَدَعْتَ فَما عَلَيْكَ مُعَوَّلُ
مثبتة عنهم جميعًا.
قوله: (فإِنِ اتَّبَعْتَ سَبِيْلَهُمْ): أي: القويم ومنهجهم المستقيم.
قوله: (فَمُوفَّقٌ): في الدنيا والآخرة, وهنا مسألة وهي:
هل المقصود اتباع هؤلاء لذواتهم أو لأنهم أئمة اقتدوا بالنبي ﷺ -؟
الجواب: لا شك أن اتِّبَاعهُم ليس لذواتهم, وإنما لأنهم متَّبِعُون للنبي ﷺ , والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
ولهذا أصحاب الحق لا يتعصبون لهؤلاء الأئمة الأربعة, فالتعصب لهم مذموم, ويكون التعصب ممدوحًا إذا كان للحق ولما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تمت مراجعته في ١٣/ ١ /١٤٣٤ هـ.
عبدالرحمن بن عبدالعزيز العقل
стр. 109
أسئلة على الشرح
١) ما أنواع السؤال؟
٢) ما الأحوال التي يُنْهَى عن السؤال فيها؟
٣) ما المراد بالمذهب؟
٤) اذكر أقسام الناس في العلم؟
٥) ما حكم الدعاء للنفس وللغير؟
٦) اذكر أنواع السماع؟
٧) اذكر أنواع الكلام؟
٨) ما المراد بنفي الإيمان في قوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم»؟
٩) اذكر تعريف الصحابي؟
١٠) ما الأشياء التي تحبط جميع الأعمال؟
١١) هل يشترط في إثبات الصحبة الرؤية؟
١٢) من آمن بالنبي ﷺ ، ثم ارتد، ثم أسلم، هل يسمى صحابيًّا؟
١٣) من رأى النبي ﷺ بعد موته قبل الدفن هل يسمى صحابيًّا؟
١٤) من رأى النبي ﷺ قبل أن يعقل هل يسمى صحابيًّا؟
١٥) بم تثبت الصحبة؟
١٦) من أكثر الصحابة حديثًا؟
١٧) من أكثر الصحابة فتوى؟
١٨) من العبادلة من الصحابة؟
١٩) كم عدد الصحابة؟
стр. 110
٢٠) من آخر الصحابة موتًا؟
٢١) اذكر مراتب وطبقات الصحابة؟
٢٢) من أفضل الصحابة؟
٢٣) من أعلم الصحابة؟
٢٤) اذكر أقسام التوسل؟
٢٥) اذكر بعض فضائل الصحابة؟
٢٦) كيف نرد على من يتهم أبا هريرة في حفظه؟
٢٧) ما عقيدة الجعد بن درهم؟
٢٨) ما المذاهب في القرآن الكريم؟
٢٩) كيف كان نزول القرآن؟
٣٠) عرف التأويل؟
٣١) ما الفرق بين المشبهة والمعطلة والمفوضة وبين أهل السنة؟
٣٢) اذكر أنواع الرؤية؟
٣٣) ما أدلة الرؤية؟
٣٤) ما الطوائف التي أنكرت الرؤية قديمًا وحديثًا؟
٣٥) أحاديث النزول هل هي متواترة أو غير متواترة؟
٣٦) ما المنهج الحق في صفة النزول؟
٣٧) الميزان هل هو واحد أو متعدد؟
٣٨) هل الميزان للعامل أو للعمل أو لهما معًا؟
٣٩) ما الحكمة من الميزان؟