والمحدثون لسلامة قلوبهم ما عرفوها، بل قبلوها (!!!).
وأي منكرٍ فوق وصف الله تعالى بما يقدح في الإلهية، ويبطل الربوبية (١)؟.
فوجب القطع في أمثال هذه الأخبار بأنها موضوعة.
وأما البخاري والقشيري (مسلم) فهما ما كانا عالمين بالغيوب (؟!)، بل اجتهدا واحتاطا بمقدار طاقتهما، فأما اعتقاد أنهما علما جميع الأصول الواقعة في زمان الرسول ﷺ إلى زماننا (؟!) فذلك لا يقوله عاقل.
غاية ما في الباب: أنا نحسن الظن بهما وبالذين رويا عنهم، إلا أنا إذا شاهدنا خبرًا مشتملًا على منكر لا يمكن إسناده إلى الرسول ﷺ ، قطعنا بأنه من أوضاع الملاحدة، ومن ترويجاتهم على أولئك المحدثين (!!!!).
الرابع: أن هؤلاء المحدثين يجرحون الروايات بأقل العلل (٢): (أنه كان مائلًا إلى حب عليّ فكان رافضيًّا فلا تقبل روايته)، و (كان معبد الجهني يقول بالقدر فلا تقبل روايته)، فما كان فيهم عاقل يقول: إنه وصف الله تعالى بما يبطل إلهيته وربوبيته فلا تقبل روايته (؟!!!) (٣)، إن هذا من العجائب.
стр. 107
الخامس: أن الرواة الذين سمعوا هذه الأخبار من الرسول ﷺ ما كتبوها عن لفظ الرسول، بل سمعوا شيئًا في مجلس، ثم إنهم رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو أكثر، ومن سمع شيئًا في مجلس مرةً واحدةً، ثم رواه بعد العشرين والثلاثين لا يمكنه رواية تلك الألفاظ بأعبائها (١)، وهذا كالمعلوم بالضرورة، وإذا كان الأمر كذلك كان القطع حاصلًا بأن شيئًا من هذه الألفاظ ليس من ألفاظ الرسول ﵇، بل ليس ذلك إلا من ألفاظ الراوي (!!!!).
وكيف يقطع أن هذا الراوي سمع ما جرى في ذلك المجلس؟ فإن من سمع كلامًا في مجلس واحد، ثم إنه ما كتبه وما كرر عليه كل يوم، بل ذكره بعد عشرين سنة أو ثلاثين، فالظاهر أنه في منه شيئًا كثيرًا، أو تشوش عليه نظم الكلام وترتيبه وتركيبه، ومع هذا الاحتمال فكيف يمكن التمسك به في معرفة ذات الله تعالى وصفاته؟.
واعلم أن هذا الباب كثير الكلام، وأن القدر الذي أوردناه كافٍ في بيان أنه لا يجوز التمسك في أصل الدين بخبر الآحاد. والله أعلم» (٢).
стр. 108
_________
= في مذكرة أصول الفقه.
وبخصوص كلام الرازي هذا نقول بإيجاز شديد: إنه احتوى على مغالطات واضحة لا تخفى على من درس مبادئ علم المصطلح، وعرف طرفًا من فنون الرواية، وكلامه هذا أشبه بهذيان الرافضة والمستشرقين، على أننا ننبه إلى بعض أخطائه؛ فمنها:
(١) - أخطاء اصطلاحية. فهو لم يدرك مفهوم كلمتي (الظن) و (الكذب) في الاصطلاح ويفرق بينهما وبين استعمالهما اللغوي ...
(٢) - لم يدرك الفرق بين عصمة الأمة في مجموعها أن تكذب على نبيها، وكون لا أحد بمفرده معصوم.
(٣) - لم يفرق بين تخطئة إنسان أو نقده على فعل عمله وبين نسبته إلى الكذب، بل هذا تدليس منه، فإن ما ذكره من طعن بعض الصحابة في بعض إن صح ليس هو في مقام التصديق والتكذيب في الرواية!!.
(٤) - لم يفرق بين زيادة التثبت من خبر الصادق وبين تكذيبه.
(٥) - أنه لو أخطأ أحدٌ في تكذيب أحد لا يلزم تكذيب المخطئ، وإلا سقط كلام رجال الجرح والتعديل جميعهم.
(٦) - أنه لم يفرق بين المتواتر والآحاد، فمع أن كلامه عن الأخير فقد نسب الصحابة كلهم إلى الضعف وعدم اليقين، وهذا ينطبق على نقلهم للمتواتر من القرآن.
(٧) - سؤال نوجهه للرازي ولسائر الأشاعرة: كيف وصلكم كلام أرسطو القطعي الدلالة والثبوت عندكم، وهو المنقول من وراء القرون المتطاولة والترجمات المتعاورة؟ وكيف وصلكم البيت الذي بنى الرازي عليه أساس تقديسه:
قد استوى بشر على العراق؟.
الحق أنه بعد هذا الكلام لم يعد غريبًا أن يعظم الفخر عند نصير الكفر الطوسي وسائر الروافض وعند التتار، فإن مثل هذا الكلام أحلى عند جنكيز خان =
стр. 109
ولقائلٍ أن يقول: حسبك! فليس بعد هذا الكلام من مقال، وماذا عسى أن يأتي أحدٌ في الإسلام بأشنع منه، وهو من المنتسبين له.
ونقول: كلا، فالرازي - مع جرأته الفظة على الصحابة - من المعتدلين في المسألة، ولهذا تجد أكثر الأشاعرة المعاصرين يقولون بنحو كلامه لما فيه من الاعتدال، (حرصًا منهم على جمع الصف ووحدة الكلمة!). وإلا فلديهم من هو أصرح منه في بيان حقيقة منهج المذهب، وموقفه من النصوص.
لقد جاء بعده من نص بصراحة على أنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية في العقليات جميعها؛ كأبواب الصفات، والقدر، والحسن والقبح ... الخ، ولا يجوز التمسك بها في السمعيات؛ كالحوض، والجنة والنار إلا بشرط عدم معارضتها للعقل، سواءً أكانت متواترةً أم آحادًا.
فالمسألة هنا لها منطلق واعتبار آخر.
وعلى هذا نص أصحاب الحواشي على (العضدية) و (المواقف) و (المقاصد) (١)، وهو الذي عليه ظاهر صنيع العضد الإيجي في (المواقف)، وقد نقلناه من قبل.
стр. 110
ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جاء إمامهم في القرن التاسع وما يليه السنوسي، فقال: في (شرح أم البراهين): «أصول الكفر ستة:
(١) - الإيجاب الذاتي.
(٢) - والتحسين العقلي.
(٣) - والتقليد الرديء.
٤ - والربط المعادي.
(٥) - والجهل المركب.
(٦) - والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية».
ثم قال في الشرح: «والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب وسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة، عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: (٥)]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: (١٦)]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: (٧٥)]، ونحو ذلك» (١).
وتبعه الصاوي في تعليقه على الجلالين فقال: «... الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر» (٢).
стр. 111
ويقول السنوسي في شرح الكبرى: «وأما من زعم أن الطريق بدءًا إلى معرفة الحق الكتاب والسنة، ويحرم ما سواهما. فالرد عليه أن حجتيهما لا تعرف إلا بالنظر العقلي، وأيضًا فقد وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها كفر عند جماعة وابتدع».
وقال شارحها: «قوله: (ظواهر) أي: قضايا دالة بحسب الظاهر على عقائد فاسدة، نحو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ...» (١).
هذا الكلام نسوقه لطائفتين:
الأولى: الذين يقولون من أهل السنة: إن الأشاعرة هم من أهل السنة والجماعة (٢).
الثانية: الأشاعرة الذين يقولون: إن أتباع منهج السلف يكفرونهم، ولم يأتوا بنصٍّ واحد عمن يعتبر قوله قديمًا أو حديثًا.
وربما كان مصدر هذه التهمة إحساس الأشاعرة في أنفسهم بخطورة ما يقولون واستلزامه للكفر إذا قيس بمنهج الوحي، وبما يكفرون هم به مخالفيهم، فسارعوا إلى الاتهام الموهوم، وألصقوه بمن يمثل منهج السلف، ثم دافعوا في الخيال.
أما نحن فنقول: هذه نصوصكم بين أيديكم .. وليتكم اكتفيتم
стр. 112
بتكفير أشخاص أهل السنة، ولكنكم عمدتم إلى الأصل نفسه، فقلتم: «إن الأخذ من الكتاب والسنة أصل الكفر وسببه». وهذا أعظم وأطم.
وهنا لا بد لنا من وقفة حول تكفير الأشاعرة لأهل السنة والجماعة في عقائدهم، على ألَّا يبعدنا ذلك عن أصل موضوعنا، وهو إسقاط قيمة النصوص عندهم، فإن الترابط بينهما واضحٌ؛ لأنهم لم يكفروا أحدًا بسبب التزامه بنص إلا وقد أهدروا قيمة النص، بل جعلوه علة الكفر!.
إنه بمراجعة أصول الكفر الستة التي ذكرها السنوسي آنفًا لا يكون أهل السنة والجماعة كفارًا بالأخير منها - وهو التمسك بظواهر النصوص - فحسب، بل بمعظمها:
فأهل السنة والجماعة يقولون بالتحسين العقلي (مع مخالفتهم للمعتزلة في أن العقل يوجب شيئًا أو يحرمه) وهم يقولون بما هو أظهر وأعظم لكل ذي عقل وهو الربط العادي، وموقف الأشاعرة في هذه القضية عجيب حقًّا، ولكن أعجب منه أن يكفروا من خالفهم فيه.
فها هو ذا السنوسي ينقل عن ابن دهان في (شرح الإرشاد) ما يلي: «النوع الثاني من أنواع الشرك: ما أضيف من أفعال بعض إلى بعض، من أن النار تحرق، والطعام يشبع، والثوب يستر ... إلى غير ذلك من ربط المعتادات حتى ظنوها واجبة، وتلك ضلالة تبع الفيلسوفي فيها كثير من عامة المسلمين.
قلتُ (أي السنوسي): بل وكثير من المتفقهين المشتغلين بما لا يعنيهم من العلوم، وعن مراشدهم عمين.
стр. 113
قال: وهم فيها على اعتقادات؛ فمن قال: بطبعها تفعل. فلا خلاف في كفره، ومن قال: بقوة جعلها الله فيها كان مبتدعًا، وقد اختلف الناس في كفره» (١).
وقال عن ذلك في (شرح أم البراهين): إنه «بدعةٌ شنيعةٌ في أصول الدين، وشركٌ عظيمٌ) (٢).
وقال صاحب منظومة (الخريدة البهية):
ومن يقل بالطبع أوبالعلةِ فذاك كفر عند أهل الملةِ
ومن يقل بالقوة المودعةِ فذاك بدعي فلا تلتفتِ (٣)
فإذا كان الأشاعرة يطلقون الشرك أو البدعة على من قال: (إن النار تحرق، والطعام يشبع، والثوب يستر) مع قوله: إن الله أودع فيها، أو جعلها علةً لذلك، أو خلقها كذلك، وهو خالق الأسباب والمسببات.
فلماذا يغضبون إذا قيل: إن عبادة القبور والتوسل بالأموات شركٌ. ويقولون: هذا من غلو الوهابية، ويلصقون بهم تهمة تكفير المسلمين.
وأما التقليد الرديء الذي هو أصل من أصول الكفر عندهم، فإنهم يعممون مدلوله حتى يشمل كل من لم يؤمن بالله على الطريقة التي رتبوها وقرروها، فيعدّونه مقلدًا. وقد سبق بحثه (٤). فعوام أهل السنة،
стр. 114
بل وعلماؤهم داخلون فيه (١).
والحق أن مسألة التكفير عند الأشاعرة من المسائل المهمة والمحيرة معًا، وليست هذه الأصول الستة هي وحدها مصادر الحكم على المرء بالكفر عندهم، لكن ليس هذا هو العجيب وحده، إنما العجب الذي لا ينقضي: هو تساهلهم الشديد جدًّا فى قضيتي الإيمان والتوحيد، وغلوهم المفرط في التكفير بهذه القضايا!!.
ونحن نختار - للتمثيل - صفةً واحدةً من الصفات، ونرى بِمَ حكم الأشاعرة على مثبتيها:
وقد آثرت اختيار صفة (العلو)؛ لأنها من أعظم وأشهر الصفات التي يؤمن بها بنو آدم أجمعون - إلا من شذ - من المِلِّيِّين والوثنِّيين، حتى أعند الطواغيت مثل فرعون (٢)، وستالين (٣)، وفطرت عليها جميع النفوس حتى نفوس البهائم.
أما النصوص من الوحي فهي - كما نقل ابن القيم - تقارب الألوف، وما هو ببعيد.
فما حكم من يقول بإثباتها عند الأشاعرة؟
стр. 115
يقول إمامهم أبو بكر الباقلاني ضمن ما قال عنها: «قال أبو عثمان (المغربي): كنت أعتقد شيئًا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد وزال ذلك عن قلبي (١)، فكتبت إلى أصحابنا: إني قد أسلمت جديدًا.
وقال جعفر بن محمد الصادق ﵇: من زعم أن الله تعالى في شيءٍ، أو من شيءٍ، أو على شيءٍ، فقد أشرك؛ لأنه لو كان على شيءٍ لكان محمولًا، ولو كان في شيءٍ لكان محصورًا، ولو كان شيئًا لكان محدثًا، والله تعالى عن جميع ذلك» (٢).
ويقول الجويني ضمن كلام له طويل في نفي العلو: «ومن ينتمي إلى الحق من الأئمة ومخلصي الأمة يعترف بتقديس الرب عن الجهات والمقابلات، وليس هذا مما يسع جهله؛ إذ الترخيص في جهل ذلك يتداعى إلى جملة العقائد، ومن أبدى في ذلك ريبًا فليس منا ولسنا منهم ..
والآيات المشتملة على إنزال القرآن تجري هذا المجرى (أي مجرى تأويل حديث النزول)، وليس المراد بإنزاله نقله من موضع إلى موضع، هذا ما صار إليه أهل التحصيل، ولا اكتراث بقول الجهلة الحشوية في اعتقادهم أن الكلام ينتقل من جهة إلى جهة ...
стр. 116
وأقرب الناس إلى التزام الكفر الصراح من جوَّز على الرب الانتقال» (١).
أي من تمسك بظاهر حديث النزول (٢).
ويقول الرازي: «الفصل الثالث: في أن من يثبت كونه تعالى جسمًا (٣) متحيزًا مختصًّا بجهة معينة، هل يحكم بكفره، أم لا؟ للعلماء فيه قولان:
أحدهما: أنه كافر، وهو الأظهر، وهذا لأن من مذهبنا أن كل شيء يكون مختصًّا بجهة حيز فإنه مخلوقٌ محدَثٌ، وله إلهٌ أحدَثه وخَلَقه.
وأما القائلون بالجسمية والجهة الذين أنكروا وجود موجود آخر سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها، فهم منكرون لذات الموجود الذي يعتقد أنه هو الإله، فإذا كانوا منكرين لذاته كانوا كفارًا لا محالة.
وهذا بخلاف المعتزلة فإنهم يثبتون موجودًا وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحسِّ، إلا أنهم يخالفوننا في صفات ذلك الوجود، والمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ووجوده، فكان هذا
стр. 117
الخلاف أعظم، فيلزمهم الكفر لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده، والمعتزلة في صفته لا في ذاته (١).
والقول الثاني: أنا لا نكفّرهم؛ لأن معرفة التنزيه لو كانت شرطًا لصحة الإيمان لوجب على الرسول ﷺ أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يتفحص أن ذلك الإنسان هل عرف الله بصفة التنزيه أو لا، وحيث حكم بإيمان الخلق من غير هذا التفحص (٢)، علمنا أن ذلك ليس شرطًا للإيمان» (٣).
وقال شارح (الجوهرة): «واعلم أن معتقد الجهة لا يكفر، كما قاله العز بن عبد السلام، وقيده النووي بكونه من العامة، وابن أبي جمرة بعسر فهم نفيها، وفصَّل بعضهم فقال: إن اعتقد جهة العلو لم يكفر؛ لأن جهة العلو فيها شرفٌ ورفعةٌ في الجملة (٤)،
وإن اعتقد جهة السفل كفر» (٥).
стр. 118
وأما الخمراوي فرجح قولًا واحدًا اختاره فقال: «واعتقاد الفوقية فسقٌ، وغيرها كفر» (١).
فانظر إلى هذا الأخير الذي هو أخف أقوالهم في المسألة، وطبِّقه على الصحابة ﵃ الذين كانوا يعتقدون - قطعًا - أن الله في السماء، كما في حديث الجارية وغيره!!.
فما بالك بكلام الباقلاني والرازي الذي لو طبَّقه أحدٌ عليهم لكانوا - عياذًا بالله - كفارًا مشركين، ودعك من مسألة اللوازم هذه، ومسألة الجرأة على التكفير، وانظر إلى أصل القضية كلها، وهو أن الالتزام بالنصوص أصلٌ للكفر، مستوجبٌ له، مفضٍ إليه، وتلك هي الطامة.
وأخيرًا؛ قد يقال: إن هذا كلام الأشاعرة السالفين، أما في هذا العصر وقد تنورت العقول، وتلاقحت الأفكار، واحتاجت الأمة إلى وحدة الصف وجمع الشمل، فلا يظن بالأشاعرة - لا سيما المنتسبين منهم للعمل الإسلامي - أن يقولوا شيئًا من هذا!.
وحتى لا نطيل بكلام المعاصرين ننقل نصًّا واحدًا عن أحد
стр. 119
شخصيات الدعوة، وهو بدوره ينقل عن أستاذين عصريين قال: «وما أحسن قول الشيخ الأستاذ محمد أديب الكيلاني (وزميله) حول المتشابه من الصفات، والخلاصة: أن من لم يصرف اللفظ المتشابه آيةً كان أو حديثًا عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال، فقد ضلَّ، ومن فسره تفسيرًا بعيدًا عن الحجة والبرهان قائمًا على الزيغ والبهتان فقد ضل كالباطنية، وكل هؤلاء يقال فيهم: إنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة» (١).
فهؤلاء ثلاثة: المؤلفان والناقل المادح يصنفون أتباع السلف مع أهل الضلال، واتباع المتشابه، وابتغاء الفتنة!!.
стр. 120
الكشف والذوق والإلهام
لم يكتف الأشاعرة بتحكيم العقل في النص، بل حكَّموا معيارًا آخر، كان لتحكيمه أسبابٌ خاصة، وهو معيار الكشف والذوق والإلهام والفيض.
ذلك أن دعاة البدعة والضلال لما أعرضوا عن التمسك بالوحي، وجعلوا نصوصه غرضًا لسهامهم، وتناولوها على مشرحة النقد والأخذ والرد، كان لا بد أن يتلقوا عن غير الله ورسوله من مصادر التلقي الأخرى، فظهر تباين نزعاتهم بحسب تباين مشاربهم الفكرية، فالذين أخذوا عن اليونان والصابئة - وهم الأكثرون - حكموا العقل، وإن أردت الصحة فقل: حكموا التخرصات والظنون والآراء.
والذين نقلوا عن البراهمة والمجوس والنصارى حكموا الكشف والذوق، وإن شئت فقل: أضغاث الأحلام، وهوس المخبولين (١).
لقد كانت مصيبة كبرى تلك التي جاء بها المتصوفة حينما فتحوا مصدرا جديدًا للتلقي بقاعدة (حدثني قلبي عن ربي)، وهاجموا أشد ما هاجموا أهل الحديث والأثر - رمز التمسك بالوحي - قائلين: أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي. وأنتم تقولون: حدثني فلان (وأين هو؟
стр. 121
قالوا: مات) عن فلان (وأين هو؟ قالوا: مات) (١).
فإن قيل: إن موقف الصوفية من هذه القضية معروفٌ، ولكن ما علاقة ذلك بالأشاعرة؟.
فالجواب: أن ارتباط الأشاعرة بالتصوف، وامتزاج كل من المنهجين بالآخر أمرٌ يشهد له واقع نشأة كلا المذهبين وأعلام رجاله، ولسنا في مقام الإفاضة هنا، ولكننا نشير إشارات سريعة فنقول:
(١) - شيخ المذهب أبو الحسن الأشعري في مرحلة ما قبل توبته ورجوعه إلى مذهب السلف - وهي المرحلة التي لا يعترف الأشاعرة بسواها، ولا يقتدون به في غيرها - كان مريدًا للصوفية، متتلمذًا على الجنيد (توفي ٢٩٧هـ، والأشعري توفي ٣٢٤هـ على الراجح) وها هي ذي نونية الأشعري المتعصب ابن السبكي صاحب الطبقات، نسوق شواهد منها مع الاعتذار عن الإثقال بها:
وأتى أبو الحسن الإمام الأشعري ... مبينًا للحق أي بيان
ومناضلًا عمَّا عليه أولئك الـ ... أسلاف بالتحرير والإتقان
يقفو طرائقهم ويتبع حارثًا ... أعني محاسب نفسه بوزان (٢)
стр. 122
فلقد تلقى حسن منهجه عن الـ ... أشياخ أهل الدين والعرفان
فلذاك تلقاه لأهل الله ينـ ... صر قولهم بمهندٍ وسنان
مثل ابن أدهم والفضيل وهكذا ... معروفٌ المعروف في الإخوان
ذو النون أيضًا والسري وبشرٌ ... بن الحارث الحافي بلا فقدان
وكذلك الطائي ثم شقيق الـ ... بلخي وطيفورٌ كذا الداراني
والتستري وحاتم وأبو ترا ... ب عسكر فاعدد بغير تواني
وكذاك منصور بن عمار كذا ... يحيى سليل معاذ الرباني
فلديهم حسن اعتقاد مثل ما ... لهمُ به التأييد يوم رهان
لم لا يتابع هؤلاء وشيخه الـ ... شيخ الجنيد السيد الصمداني
عنه التصوف قد تلقى فاغتذى ... وله به وبعلمه نوران
ويسرد آخرين ثم يقول:
وكذاك أصحاب الطريقة بعده ... ضبطوا عقائده بكل عنان
وتتلمذ الشبلي بين يديه وابـ ... ـن خفيف والثقفي والكتاني
وخلائق كثروا فلا أحصيهم ... وربوا على الياقوت والمرجان
الكل معتقدون أن إلهنا ... متوحد فرد قديم داني
حيٌ عليمٌ قادرٌ متكلمٌ ... عالٍ ولا نعني علو مكان (؟!)
ثم استمر في سرد عقيدة الأشاعرة على أساس أنها اعتقاد هؤلاء جميعا (١).
стр. 123
ونحن نعلم أن الأشاعرة كثيرًا ما يدَّعون لمذهبهم من الأعلام من ليس عليه، كما هو الشأن في هؤلاء الذين نفى عنهم شيخ الإسلام في (الاستقامة) ما نُحِلَ لهم، مستشهدًا بكلام قدماء الصوفية أنفسهم، كالكلاباذي والسلمي.
ولكن شاهدنا هنا هو ارتباط الأشعرية بالتصوف في الجملة، وتلمذة أبي الحسن عليهم، وتلمذتهم عليه.
٢ - تلميذه الأكبر: أبو الحسن الباهلي - الذي كان له ولزميله: أبو عبد الله بن مجاهد اليد الطولى في نشر المذهب - كانت له من أحوال الصوفية غرائب، ننقل منها ما ذكره ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري على الإمام الأشعري)، وتبعه ابن السبكي أيضًا: وهي أنه كان يتحجب عن الرجال، وحتى عن نساء بيته، وتظهر عليه خبالات الصوفية، يقول عنه تلميذه القاضي أبو بكر الباقلاني - كما نقلا -: «كنت أنا وأبو إسحاق الإسفرائيني وابن فورك معًا في درس الشيخ الباهلي، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرةً واحدةً، وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه كي لا نراه، وكان من شدة اشتغاله بالله مثل والهٍ أو مجنون (!!)، لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك».
وقال أبو الفضل محمد بن علي الصعلكي: «كان الباهلي يُسأل عن سبب النقاب، إرساله الحجاب بينه وبين هؤلاء الثلاثة، كاحتجابه عن الكل، فإنه كان يحتجب عن كل واحد؟. فأجاب: إنهم يرون السوقة وهم أهل الغفلة، فيروني بالعين التي يرون أولئك بها (!!)».
قال: «وكانت له أيضًا جارية تخدمه، فكان حالها أيضًا معه كحال
стр. 124
غيرها؛ من الحجاب، إرخاء الستر بينه وبينها» (١).
فهذا شيخ المذهب الثاني، وهؤلاء التلاميذ أساطين المذهب الذين نشروه وفلسفوه، وهذا حالهم!!.
(٣) - كان ممن أخذ عن الباهلي وابن مجاهد وطبقتهم المتصوف أبو علي الدقاق، وله تتلمذ الصوفي المشهور أبو القاسم القشيري صاحب المصنفات الصوفية المشهورة، وتلميذ أبي عبد الرحمن السلمي، الذي نقض شيخ الإسلام كتابه (الرسالة) بكتاب (الاستقامة). وبين فيه أنه مخالفٌ لطريقة أئمة السلوك من الصوفية، فضلًا عن أئمة السلف، والقشيري هذا لا يقل افتخار الأشاعرة وتعظيمهم له عن افتخار الصوفية وتعظيمهم، فهو من علماء المذهب المشار إليهم بالبنان، وهو صاحبٌ حميمٌ لأبي المعالي الجويني في السراء والضراء، وحينما تعرض الأشاعرة للعن من فوق المنابر أيام حكم السلاجقة أسوةً بسائر المبتدعة (٢) كتب القشيري رسالة (شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من
стр. 125
المحنة). وهي رسالة لها قدرها عند الأشاعرة الغابرين والمعاصرين (١)، وابنه أبو نصر ابن القشيري هو زعيم الأشاعرة في عصره، وصاحب الفتنة التاريخية المشهورة بفتنة ابن القشيري بين الأشاعرة وأهل السنة (٢).
(٤) - وفي الطبقة الثالثة للقشيري من الأشاعرة والصوفية يبرز أبو حامد الغزالي، الذي لا يشك في انتمائه أشعريٌّ ولا صوفيٌّ، وتأثر به من بعده، حتى أن تفسير الرازي ينضح بما في (الإحياء) من شطحات الصوفية، مع غلو الرازي في الكلام والعقليات، وعلى يد الغزالي «انتشر المذهب الأشعري انتشارًا كبيرًا» على حد قول الكوثري (٣). واستبطن الغزالي كتب من سبقه من الصوفية - لا سيما المحاسبي، وأبو طالب المكي، والسلمي، والقشيري، وغيرهم - ونثرها في (الإحياء)، ممزوجة بعلم الكلام، فأسس بذلك اتجاهًا بدعيًّا متميزًا فيه خليطٌ من التجهم والباطنية والتصوف والكلام، ولعل أبرز مثال له هو تلميذه ابن تومرت، مدعي المهدية، وناشر الأشعرية في المغرب. وفي الإحياء أيضًا كتب أبو حامد (قواعد العقائد) - على المنهج الأشعري طبعًا - ووقف عند قضية ما يؤوّل وما لا يؤوّل، وحقيقة ظواهر النصوص
стр. 126
وبواطنها، والمعيار الفاصل في هذه الأمور الشائكة، فحاص هنالك وحار، ثم رجح الكشف والنور الإلهي، وجعله هو المعيار.
يقول الغزالي: «وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسرافٌ واقتصاد، فمن مسرف في رفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر والبراهين أو أكثرها .. [ثم ذكر أن هؤلاء يجعلون كل ما ورد في المغيبات بلسان المقال إنما هو بلسان الحال، كما في سؤال منكر ونكير، ومناظرات أهل الجنة والنار .. الخ] وغلا آخرون في حسم الباب، منهم أحمد بن حنبل ﵁ .. [إلى أن يقول]: والظن بأحمد بن حنبل ﵁ أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار (!!)، والنزول ليس هو الانتقال (؟)، ولكنه منع من التأويل حسمًا للباب.
وذهبت طائفة إلى الاقتصاد، وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله سبحانه، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها، ومنعوا التأويل فيه، وهم الأشعرية (١). وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفاته تعالى الرؤية، و ... وجملةً من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر الأجساد، وبالجنة، واشتمالها على الملاذّ المحسوسة، وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق ...
ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة، فأوّلوا كل ما ورد في الآخرة، وردوه إلى آلام عقلية وروحانية ... وأنكروا حشر الأجساد».
ثم فصل بين هذه الأقوال جميعها بقوله: «وحدّ الاقتصاد بين هذا
стр. 127
الانحلال كله وبين جمود الحنابلة (!) دقيقٌ غامضٌ، لا يطلع عليه إلا الموفَّقُون، الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع [أي لا بالنصوص السمعية]، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أوَّلوه، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف، والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل ﵀» (١).
فالأخذ من النصوص عنده يؤدي إلى الاضطراب، وعدم الثبات على شيءٍ، والحل الصحيح، ومعيار ما يؤخذ من الوحي وما يرد هو الرجوع إلى الكشف والذوق والنور الإلهي، مع أن كل ذي عقل يدرك أن هناك إحالة على شيءٍ أكثر اضطرابًا، بل أبعد تصورًا من هذا.
وعلى هذا اعتبر كثيرٌ من متصوفي الأشاعرة القدامى والمعاصرين علماء السلف - كأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهما - علماء شريعة، أما المحاسبي والغزالي ومن نهج نهجهم علماء حقيقة (٢).
وعلم الحقيقة عندهم هو كاسمه علم الحقائق، لا الظواهر الزائفة التي يقف عندها علماء الشريعة من المحدثين والفقهاء، وهو المسمَّى (العلم اللدنّي)، الذي يتلقونه بزعمهم عن الحي الذي لا يموت (٣)، وإن
стр. 128
شئت معرفة هذا المصدر والمعيار فاقرأ ما قاله الغزالي في (الرسالة اللدنية): «اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين: أحدهما: التعلم الإنساني. والثاني: التعليم الرباني ...».
ثم قال: «الطريق الثاني - وهو التعليم الرباني - على وجهين:
الأول: إلقاء الوحي، وهو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة، ودرن الحرص والأمل، وينفصل نظرها عن شهوات الدنيا، وينقطع نسبها عن الأماني الفانية، وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها، وتتمسك بجود مبدعها، وتعتمد عزم إفادته، وفيض نوره.
والله تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالًا كليًّا، وينظر إليها نظرًا إلهيًّا، ويتخذ منها لوحًا، ومن النفس الكلي (؟) قلمًا، وينقش فيها جميع علومه، ويصير العقل الكلي (؟) كالمعلم، والنفس القدسية (؟) كالمتعلم، فيحصّل جميع العلوم لتلك النفس، وينقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر ...».
وبعد هذا التفسير القرمطي (١)
للوحي. ينتقل للوجه الثاني فيقول:
стр. 129
«الوجه الثاني: هو الإلهام، والإلهام: تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر صفائها وقبولها وقوة استعدادها.
والإلهام أثر الوحي، فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي، والإلهام هو تعريضه، والعلم الحاصل عن الوحي يسمَّى علمًا نبويًّا، والذي يحصل عن الإلهام يسمَّى علمًا لدنيًّا.
والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري (؟)، وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلبٍ صافٍ فارغ لطيف.
وذلك أن العلوم كلها حاصلة معلومة في جوهر النفس الكلية الأولى الذي هو في الجواهر المفارقة الأولية المحضة بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم ﵇، وقد بين أن العقل الكلي أشرف
стр. 130
وأكمل وأقوى وأقرب إلى الباري تعالى من النفس الكلية (؟) والنفس الكلية أعز وألطف وأشرف من سائر المخلوقات (؟)، فمن إفاضة العقل الكلي يتولد الإلهام، ومن إشراق النفس الكلية يتولد الإلهام.
فالوحي حلية الأنبياء، والإلهام زينة الأولياء.
فأما علم الوحي فكما أن النفس دون العقل فالولي دون النبي، فكذلك الإلهام دون الوحي فهو ضعيف بنسبة الوحي، قوي بإضافة الرؤيا.
والعلم علم الأنبياء والأولياء، فأما علم الوحي فخاصٌّ بالرسل، موقوف عليهم كما كان لآدم وموسى ﵉ وإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم وغيرهم من الرسل.
وفرق بش الرسالة والنبوة: فالنبوة قبول النفس القدسية حقائق المعلومات والمعقولات عن جوهر العقل الأول.
والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والقابلين (١).
وربا يأتي القبول لنفسٍ من النفوس، ولا يأتي لها التبليغ؛ لعذرٍ من الأعذار، وسببٍ من الأسباب (!!!!) (٢).
стр. 131
والعلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية، كما كان للخضر ﵇ حيث أخبر الله تعالى عنه فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: (٦٥)] (؟).
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (أدخلت لساني في فمي (؟؟)، فانفتح في قلبي ألف باب من العلم، مع كل باب ألف باب [فالمجموع مليون باب!!]. وقال: لو وُضعت في وسادة وجلست عليها لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل القرآن بقرآنهم» (١).
стр. 132
وهذه مرتبةٌ لا تنال بمجرد التعلم الإنساني، بل يتحلى المرء بهذه المرتبة بقوة العلم اللدني».
ثم ذكر حكاية أخرى موضوعة عن علي ﵁ وقال: «فإذا أراد الله تعالى بعبده خيرًا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هي اللوح، فيظهر فيها أسرار بعض المكنونات، وانتقش فيها معاني ذلك المكنونات، فتعبر عنها كما تشاء لمن يشاء من عباده ...».
ثم قال: «لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل وتعب التعليم، فيتعلمون قليلًا، ويعلمون كثيرًا، ويتعبون يسيرًا، ويسترحيون طويلًا» (١).
أما وسيلة الحصول على هذا العلم فهي الخلوة الطويلة، والاحتجاب عن الخلق، مع عدم مشاغلة النفس بأي شيءٍ حتى قراءة القرآن وكتابة الحديث، كما صرح الغزالي وغيره (٢)، وأرقى من ذلك عندهم أن يظل يكرر: (هو .. هو ..) وهو واقفٌ على رأسه أيامًا وليالي حتى يسمع أو يرى من يخاطبه، فيتلقى منه، وهذه طريقة الحلاج، وأبي
стр. 133
سعيد الفارسي (١)!!.
وأكثر الناس حبًّا للصوفية، ودفاعًا عنهم من القدامى والمعاصرين إنما يعتذر لهم عن هذا المسلك الوثني الشائن بأنهم سئموا تعقيدات علم الكلام وجفافه، فهربوا منه إلى نداوة الوجد والذوق والإلهام، فأما جفاف علم الكلام وتعقيده فلا نشك فيه، ولكن ما الذي ألجأهم للاصطلاء بناره أوَّلًا، ونور النبوة بأيديهم غضٌّ طريٌّ، ثم إذْ ذاقوا حرَّها لِمَ فروا إلى أشد منها، ولم يرجعوا إلى الوحي؟!.
فليس لهم عذر، لا أوَّلًا ولا آخرًا.
حقًّا: لقد نقد المتصوفة علماء الكلام، ولكن لماذا وبماذا؟.
استمع إلى قول عبد الرحمن الجامي من صوفية وأشعرية القرن التاسع (٢): «القول في وحدته: لما كان الواجب تعالى عند جمهور المتكلمين حقيقةً واحدةً موجودةً بوجودٍ خاص، وعند شيخهم [يعني: الأشعري] والحكماء [يعني الفلاسفة كما تكرر] وجودًا خاصًّا، احتاجوا في إثبات وحدانيته ونفي الشريك عنه إلى حجج وبراهين، كما أوردوها في كتبهم.
وأما الصوفية القائلون بوحدة الوجود، فلما ظهر عندهم أن حقيقة الواجب تعالى هو الوجود المطلق (؟!) لم يحتاجوا إلى إقامة الدليل على توحيده، ونفي الشريك عنه، فإنه لا يمكن أن يتوهم فيه إثنينية
стр. 134
وتعدد من غير أن يعتبر فيه تعين وتقيّد، فكل ما يشاهد أو يتخيل أو يتعقل من المقصود، فهو الموجود، أو الوجود الإضافي لا المطلق».
فانظر إلى هذا الكفر الصراح الناشئ عن منهجهم الذي قال عنه:
«ثم إن مستند الصوفية فيما ذهبوا إليه هو الكشف والعيان، لا النظر والبرهان» (١)؛ لتعلم أن المتكلمين أخف منهم شرًّا، وأن دفاع المدافعين عنهم أمرٌ له خبئٌ. والله المستعان.
ولقد استخدمت الصوفية الكشف والذوق لا مصدرًا للتلقي الروحاني - كما يسمونه - فحسب، بل معيارًا للحكم على نصوص الشرع، فيقبلون ما وافقه، ويؤولون ما خالفه - كما تقدم في كلام الغزالي - بل اتخدوه حَكَمًا للحكم بتصحيح الأحاديث أو تضعيفها، وهو منهج خطر ردوا به الصحاح وأثبتوا الموضوعات.
وإليك هذا المثال من كتب عقيدة الأشاعرة:
يغلو المتصوفة في حق النبي ﷺ ، ويرفعونه إلى درجة الألوهية، كما هو معلومٌ من كتبهم، مشهورٌ من أقوالهم، ومن ذلك زعمهم أنه كان نورًا قبل أن تخلق السماوات والأرض، في تسلسل نورًا في ظهور آبائه وأجداده حتى ولد ﷺ ، وقالوا: إن جميع آبائه وأمهاته إلى آدم مؤمنون من أهل الجنة قطعًا، فلما صدمهم أهل السنة بما صحَّ في الأحاديث
стр. 135
نحو: (إن أبي وأباك في النار) (١). اختلقوا حديثًا: (إن الله أحيا أبوي فآمنا). فلما بين أهل السنة درجة الحديث قالوا:
حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمانٍ به فضلًا منيفا
فصدّق فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا
فلما قيل له: إن هذا تناقضٌ! إذ كيف يصدق وهو ضعيف؟! قالوا: (إن هذا الحديث قد صح عند أهل الحقيقة بطريق الكشف). وأنشدوا:
أيقنت أن أبا النبي وأمه ... أحياهما الرب الكريم الباري
حتى له شهدا بصدق رسالة ... صدِّق فتلك كرامة المختار
هذا الحديث ومن يقول بضعفه ... فهو الضعيف عن الحقيقة عاري (٢)
فإذا كان الكشف والذوق يحكم بما يجب تأويله وما يجوز، وما يجب اعتقاده وما لا يصح، وما يثبت من الأحاديث وما يرد، فماذا بقي للكتاب والسنة، وفِيمَ عناء علماء الحديث قديمًا وحديثًا، ولِمَ إفناء الأعمار في طلب العلم وتأسيس الجامعات، والعلم اللدني ما يزال يفيض على قلوب العارفين؟!.
وهكذا يتردد المذهب الأشعري بين تحكيم العقل وتحكيم الذوق والكشف، واعتبارهما مصدر التلقي في أهم وأعظم القضايا، وهي قضايا العقيدة.
стр. 136
ومع وضوح ذلك بالأدلة - كما سبق - لا نستبعد أن يسأل سائل فيقول: ولكن الأشاعرة لم يكفروا بالنصوص، ولم ينكروها؟.
ونحن نقول: إن الكفر بالنصوص وإنكارها كفرٌ برأسه، دونما حاجة إلى لوازم وإلزامات، ونحن لا نكفّر الأشاعرة، ولا نقول: إن سبب الكفر الوحيد هو إنكار النصوص والتكذيب بها، ولكننا نسأل كل من يرد عليه السؤال: من خلال ما تقدم من كلام الأشاعرة، ماذا تتوقع أنهم تركوا للنصوص، وما هي منزلتها وقيمتها عندهم؟.
عندما قال ابن القيم ﵀: «إنهم أنزلوا النصوص منزلة الخليفة في هذا الزمان، له السكة والخطبة، وما له حكم نافذ، ولا سلطان» (١).
وعندما قال شيخ الإسلام ﵀: «إن هذا في الحقيقة عزلٌ للرسول، واستغناء عنه، وجعله بمنزلة شيخ من شيوخ المتكلمين، أو الصوفية.
فإن المتكلم مع المتكلم، والمتصوف مع المتصوف يوافقه فيما علم بنظره وكشفه. بل ما ذكروه فيه تنقيصٌ للرسول عن درجة المتكلم والمتصوف، فإن المتكلم إذا قال نظيره شيئًا، ولم يعلم ثبوته، ولا انتفاءه، لا يثبته ولا ينفيه، وهؤلاء ينفون معاني النصوص ويتأولوها، وإن لم يعلموا انتفاء مقتضاها» (٢).
стр. 137
ألم يكونا - رحمهما الله - صادقين منصفين، إن لم نقل متساهلين!.
بل نقول: إن من اقتصر على هذا القدر يكون متساهلًا في حق الأشاعرة المتأخرين الذين صرحوا بأن الأخذ من الكتاب والسنة أصلٌ من أصول الكفر، فهؤلاء أعظم مصيبةً وبلاءً ممَّن تحدث عنهم شيخا الإسلام.
الحقيقة أن موقف الأشاعرة - في جملتهم - من النصوص يذكرنا بموقف ابن عبد ياليل الثقفي من النبي ﷺ لما عرض عليه الدعوة فقال: (إن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، وف كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك) (١).
بل - لعمر الله - إن هؤلاء مع إيمانهم بالرسول أشد موقفًا منه من وجه، فإنهم قالوا: إن كان ما جئتنا به وصلنا متواترًا أوَّلناه حسب قواطعنا العقلية، وأذواقنا الكشفية، وإن وصلنا آحادًا رددناه بالجملة، فهو أهون من أن نتشاغل به (٢)!!.
وقد أحسن شيخ الإسلام ﵀، وشفى في الإلزام القاطع الذي ألزم به الأشاعرة في (الفتوى الحموية)، وتعرض بسبب ذلك للبلاء العظيم منهم على ما هو معروف في سيرته.
قال ﵀: «لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو
стр. 138
الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دلَّ عليه الكتاب والسنة نصًّا ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقرير!!. بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين!.
فإن حقيقة الأمر - على ما يقوله هؤلاء -: إنكم يا معشر العباد، لا تطلبوا معرفة الله ، وما يستحقه من الصفات نفيًا وإثباتًا، لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم، فما وجدتموه مستحقًّا له من الصفات فصفوه به، سواءً كان موجودًا في الكتاب والسنة، أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًّا له في عقولكم، فلا تصفوه به ...
وما نفاه قياس عقولكم فانفوه، وإليه عند التناع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به.
وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، ويثبت ما لم تدركه عقولكم، فاعلموا أني أمتحنكم، لا لتعلموا بتنزيله، ولا لتأخذوا الهدى منه، ولكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، أو (١)
أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات» (٢)!!.
стр. 139
وهنا - في ختام هذا الفصل - أجدني مضطرًّا للنقل عن الأشاعرة المعاصرين، وسوف أقتصر على مؤلف واحد، تبيّن لي أن معظم الأشاعرة في بلاده - مثل وهب غاوجي، وسعيد حوى، ومحمد علي الصابوني، وغيرهم - إنما اقتبسوا من كلامه، ألا وهو الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
يستفتح الدكتور البوطي بإهداء كتابه بما يشبه الشعر الحر قائلا:
«إلى كل حرٍّ يضع عقيدته من وراء عقله ..
ويطلق عقله من أسر إرادته ..
ويفكر ليختار الذي يريد ..
ولا يريد ليفرض على عقله كيف يفكر ..
أهدي هذا الكتاب ...».
ويقول في مقدمة الطبعة الثانية عن المنهج المنطقي الكلامي: «يتحدث البعض عن منهج القرآن، وضرورة الاستعاضة عن هذا كله بمنهج القرآن، ونحن نقول لهؤلاء الإخوة: لا تنافي بين المنهجين، ولا تعطيل لأحدهما على حساب الآخر» (١)!!.
ثم يمضي في تقرير ذلك بما لا نريد الإثقال به.
ويقول في مقدمة الطبعة الأولى: «الحمد لله فاطر السماوات والأرض .. خلق الإنسان وشرفه بحمل أمانة العقل ... أرسل الرسل والأنبياء يتوالون مع الزمن في كل أمة وبقعة ومحيط: أن ذكّروا الناس
стр. 140
بما أوليته من أمانة العقل، وما رفعته إليه من شرف السيادة والرياسة في الكون (١) ...
سبحانه جعل العلم بمكنونات خلقه هو السبيل إلى الإيمان بوجوده، وجعل مقاليد العلم بذلك كله إلى سلطان العقل وحده. .».
وتستمر المقدمة كلها في تمجيد العقل، والدفاع عن علم الكلام، وأنه قائمٌ على موازين الفكر العقلي المطلق، وموازين الفلسفة اليونانية، ويختمها بكلام قال فيه: «وإنه لجديرٌ بمن كانت حياته قطارًا يمر به دون هدوءٍ إلى الموت، أن يبحث في تلك النهاية الغامضة وما وراءها، وما يتعلق بها بحثًا متجردًا، لا يقوم إلا على هدى العقل وحده. . .» (٢).
وقال: «إنه بقدر ما تكون الغاية صافية سليمة لا حكم فيها إلا للعقل وحده، يكون المنهج إلهيًّا صافيًا سليمًا أيضًا، لا يخطه إلا العقل وحده» (٣).
ولست بصدد نقد الكتاب، ولا عرض منهجه، ولكن أكتفي بإيراد قضيةٍ واحدةٍ، وهي كافيةٌ لمن أراد الاستشهاد، ألا وهي قضية العمل بأحاديث الآحاد الصحيحة في العقيدة.
يقول في مقدمة الكتاب في بيان الأصول المنهجية التي التزم بها:
стр. 141
«ثالثًا: عدم الإطناب في ذكر الأمور التي لم يثبت فيها دليلٌ قطعيٌّ، وبرهانٌ يقينيٌّ، بل لعلي لن أتعرض لكثيرٍ منها، إذ المجال هنا مختصٌّ بتلك الأمور التي قامت على القطع واليقين، فكانت بذلك من مقومات العقيدة التي لا يسع المسلم إنكارها أو تجاهلها، ومن المعلوم أن لليقينيات منهجًا مختصًّا بها، لا ينبغي أن يستبدل به غيره في سبيل الوصول إليها».
وقد وفَّى الدكتور بما التزم، فلم يتعرض في كتابه إلا للصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة بمقتضى العقل (١)، أما الصفات الواردة في السنة فلم يتعرض لها إطلاقًا، بل أعلن منهجه في السنة قائلًا: «إذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومات الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر عنهم، فهو لا يعدو أن يكون خبرًا ظنيًّا في حكم العقل، وإذا كانت حلقات السلسلة مكونة من راويين أو ثلاثة رواة فهو لا يزال خبرًا ظنيًّا، ولكن ظنٌّ قويٌّ يداني اليقين.
أما إذا غدت كل حلقة من الحلقات من الكثرة جموعًا يطمئن العقل إلى أنها لا تتواطأ على الكذب، فإن الخبر المروي عندئذ يكتسب صفة اليقين، وهو ما يسمى بالخبر المتواتر».
ثم يأتي إلى بيت القصيد فيقول: «فأما الظني من الخبر الصحيح، فلا يعتدُّ به في الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن الكريم في مجال البحث عن العقيدة عن اتباع الظن
стр. 142
كما رأيت (١)، ولكن يعتدُّ به في نطاق الأحكام العملية ...
غير أن اليقين من الخبر الصحيح - وهو ما يسمى بالخبر المتواتر - هو وحده الذي يعتدُّ به في بناء العقيدة والمدركات اليقينية، بمعنى أن الإنسان لا يجبر على الاعتقاد بشيءٍ خبري إلا إذا كان قائمًا على برهان التواتر، فإن كان دليله خبر آحاد كان اليقين به عائدًا إلى القناعة الشخصية التي يراها من نفسه» (٢).
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لقد تعددت الظباء على خراش، فمن تحكيم العقل إلى تحكيم الذوق والكشف، إلى تحكيم القناعة الشخصية!!.
إن مقتضى كلام الدكتور أنه إذا أتينا لأحدٍ بحديث مروي بالسلسلة الذهبية في الصحيحين، فقال لنا: إن قناعتي الشخصية ترفض الإيمان به. فإن هذا الرجل مفكرٌ حرٌّ، يضع عقيدته من وراء عقله (٣)، ورجل
стр. 143
يقيني لا يتبع طريقة الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦].
والرثاء كل الرثاء للبخاري المسكين، فما كان أغناه أن يجهد نفسه فيختار صحيحه من مائة ألف حديث، ويغتسل ويصلي ركعتين، ويستخير عند كتابة كل حديث منه، وما هي إلا أحاديث آحاد، تردها القناعات الشخصية عند فحول المفكرين في القرن العشرين!!.
اللهم إنا نشهدك أننا نفع عقولنا وراء وحيك، ولا نقدم بن يديك ويدي رسولك، فأحينا على ذلك، وتوفنا عليه.
стр. 144
مصادر ومعايير أخرى
التلقي المباشر
قد لا يصعب على العقل أن يتصور فرقة إسلامية - كالأشاعرة - تتخذ من العقل أو الذوق مصدرًا للتلقي، ومعيارًا للحكم.
نعم إن الأمر جد صعب، ولكن ما العمل إذا كان هذا مبلغهم من العلم، وغاية وقارهم لله ورسوله!.
أما الذي يصعب على العقل تصوره أو تصديقه، فهو أن يتخذ أحد من الناس كلام اليهود والمشركين مصدرًا للتلقي، ومعيارًا للحكم، يتلقى منه أخطر قضايا العقيدة، ويحكّم كلامه في كلام الله ورسوله. ولا يفعل ذلك بطريق العقل الباطن، أو لمجرد توافق الأدلة، ولكن يستدل به موثقًا نسبته لقائله، واعيًا ما يصنع، عارفًا لما يقول (١).
والأشاعرة يأتون في هذا بما يعجب له المرء أيما عجب، ويثير تساؤلات شتى: أهذا انبهارٌ شديدٌ بما عند الكفار؟ أم أن القوم فيهم مغرضون منافقون أسسوا لهم ذلك، ثم تابعهم غيرهم بلا بصيرة؟ أم ماذا؟.
ليس في الإمكان هنا الإجابة على هذه الأسئلة، ولا تفسير هذه الظاهرة، وحسبنا عرضها للقارئ! ولقد حاولت في بداية كتابتي عن
стр. 145
الأشاعرة ومصدر التلقي عندهم أن أحصر المواضع التي يستمد الأشاعرة فيها من الفلاسفة ونحوهم استمدادًا نصيًّا صريحًا، وأخذت في تجميعها، وما كدت أمضي قليلًا حتى تبينت أن عملي هذا شبيهٌ بحصر موج البحر، أو ذرات الرمل، فإن هذا مما تتكرر في كل مبحث، وفي كل كتاب، وعلى لسان كل مؤلف.
ولهذا ضربت صفحًا عن الحصر والإحصاء، مكتفيًا بأمثلةٍ يسيرة، تاركًا لمن شاء الاستزادة أن يمد يده لأي مؤلَّفٍ أشعريٍّ في العقيدة، فيرى بأمِّ عينه النقول والاستمدادات عن مشركي اليونان، الذين أفسدوا أديان الأمم جميعها، وعن الصابئة عبدة الكواكب، بل عن اليهود، وما أدراك ما اليهود؟
على أنني أنبه من أراد ذلك إلى أنه لن يجدهم موصوفين بما ذكرت، بل بكونهم (الحكماء)، (الإلهيين)، (أساطين الفلسفة)، (الجهابذة)، (المعلم الأول). وأمثالها مما لا ذم فيه، بل فيه التقدير والتمجيد حتى في المواضع التي يخالفونهم فيها، بخلاف معاملتهم لعلماء أهل السنة، فإنهم غالبًا لا يذكرونهم بخير حتى في المواضع المتفق عليها بين الفريقين!!.
ولنبدأ بمسألة (التوحيد) لأهميتها:
يقول الآمدي: «فمما ذهب إليه (المعلم الأول)، ومن تابعه من الحكماء المتقدمين، وقفا آثره من فلاسفة الإسلاميين: أن الباري تعالى