ولا بد من قطع ثلاثة منها أيها كانت.
منحة السلوك
لقوله ﷺ : "افر الأوداج بما شئت" (١)، وهي عروق الحلق في المذبح. والمريء: مجرى الطعام والشراب (٢). والحلقوم: مجرى النفس (٣)(٤).
قوله: ولا بد من قطع ثلاثة منها.
أي: من العروق الأربعة أيها كانت أي: أي ثلاثة كانت. وهذا قول:
стр. 1227
ويجوز الذبح بكل محدد أنهر الدم،
منحة السلوك
أبي حنيفة، وأبي يوسف أولًا (١).
وعن أبي يوسف: أنه يشترط قطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين (٢).
وعن محمد: لا بد من قطع أكثر كل واحدٍ من هذه الأربعة (٣).
وقال الشافعي: يكتفى بقطع الحلقوم والمريء (٤).
وقال مالك: لا بد من قطع الأربع (٥).
[آلة الذبح]
قوله: ويجوز الذبح بكل محددٍ أنهر الدم.
مثل السكين، والسيف، والليطة، والمروة، ونحوها (٦)؛ لقوله ﷺ :
стр. 1228
إلا السن المتصل، والظفر، والقرن، فإن المذبوح بها مَيتةٌ.
منحة السلوك
" افر الأوداج بما شئت واذكر الله" رواه مسلم (١). وافر أمر، من قولك: فريت الشيء أفريه فريًا: إذا قطعته لإصلاحه (٢). والليطة -بكسر اللام-: قشر القصب (٣).
قوله: إلا السن المتصل، والظفر، والقرن (٤)، فإن المذبوح بها ميتة (٥).
لقوله ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ما لم يكن سنًا، أو ظفرًا، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" رواه البخاري، ومسلم (٦). وتأويله: إذا كان قائمًا (٧).
стр. 1229
والذبح بالمنفصل منها مكروه، وكذا بالعظم، وبكل ما فيه إبطاء الإماتة.
منحة السلوك
قوله: والذبح بالمنفصل منها.
أي: من السن، والظفر، والقرن، مكروه؛ لأنها آلة جارحة، فيحصل بها ما هو المقصود، وهو إخراج الدم ولكن يكره؛ لأن فيه زيادة الألم (١).
وقال الشافعي: المذبوح بهذه الأشياء ميتة (٢).
قوله: وكذا بالعظم.
أي: وكذا يكره الذبح بالعظم؛ لما قلنا (٣).
قوله: وبكل ما فيه. أي: وكذا يكره الذبح بكل شيء فيه إبطاء الإماتة؛ لأن فيه زيادة الألم للحيوان (٤)،
стр. 1230
ويستحب إحداد السكين قبل الإضجاع،
منحة السلوك
وقد نهينا عنه (١).
[ما يستحب ويكره في الذبح]
قوله: ويستحب إحداد السكين قبل الإضجاع (٢).
لقوله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته (٣)، وليرح ذبيحته" رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما (٤).
стр. 1231
ويكره بعده. ومن بلغ بالسكين النخاع،
منحة السلوك
قوله: ويكره بعده.
أي: يكره إحداد السكين (١) بعد الإضجاع (٢)؛ لما روي أنه ﷺ رأى رجلًا أضجع شاةً وهو يحد شفرته فقال: "لقد أردت أن تميتها موتاتٍ، هلَّا حددتها قبل أن تضجعها" (٣).
قوله: ومن بلغ بالسكين النخاع، وهو خيط أبيض في جوف عظم الرقبة (٤)،
стр. 1232
أو قطع الرأس، حلَّ وكُرِه.
وكل زيادة تعذيب لا يحتاج إليها مكروه، كجر المذبوح برجله إلى المذبح، وسلخِه قبل أن يتم
منحة السلوك
أو قطع الرأس، حلَّ وكُرِه (١)؛ "لنهيه ﷺ عن نخع الشاة" (٢). وفي قطع رأسه زيادة تعذيب بلا فائدة (٣).
والنخع: -بفتح النون وسكون الخاء- أي: يجوز الذبح إلى النخاع.
قوله: وكل زيادة تعذيب لا يحتاج إليها مكروه؛ لأنه تعذيب الحيوان بلا فائدة (٤)، وذلك كجر المذبوح برجله إلى المذبح، وسلخه قبل أن يتم
стр. 1233
موته، وكذا لو مات ولم يبرد أيضًا عند البعض.
ولو ذُبحَ من القفا وبقي حيًا حتى قَطَعَ العروق الثلاثة حَلَّ وكره،
منحة السلوك
موته (١)، وكذا لو مات ولم يبرد أيضًا عند البعض (٢). وعند البعض: إذا سلخ بعد موته لا يكره، ولو لم يبرد. ويؤكل في جميع ذلك (٣).
قوله: ولو ذبح من القفا (٤)، وبقي حيًا حتى قطع العروق الثلاثة، حل، وكره (٥).
стр. 1234
وإلا فلا.
وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح، وما توحش من النعم بصيال،
منحة السلوك
أما الحل: فلتحقق الموت بما هو ذكاة. وأما الكراهة: فلزيادة الألم (١).
قوله: وإلا فلا.
يعني: وإن لم يبق حيًا إلى أن تقطع العروق الثلاثة، لم يحل لوجود الموت بما ليس بذكاة (٢).
[الأصل في الذكاة]
قوله: وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح.
لأن ذكاة الاضطرار لا يصار إليها، إلا عند العجز عن ذكاة الاختيار، ولم يتحقق العجز فيما استأنس من الصيد (٣).
قوله: وما توحش من النعم بصيالٍ (٤)،
стр. 1235
أو ند، فذكاته الجرح، بشرط قصد الذكاة، لا دفع الصيال فقط. وكذا البعير الواقع (١) إذا لم يمكن ذبحه، ولم يتوهَّم موته بعد الجرح بالماء. والشاةُ إن ندت في الصحراء فهي وحشية،
منحة السلوك
أو جملة (٢)، أو ند (٣)، فذكاته الجرح؛ لتحقق العجز، بشرط قصد الذكاة، لا دفع الصيال فقط، فإنه إذا قصد دفع الصيال فقط، وقتله، لم يحل (٤).
قوله: وكذا البعير. يعني: البعير إذا وقع في النهر، ووقع العجز عن ذكاته يحل بالجرح، بشرط أن لا يتوهم بعد الجرح موته بالماء، حتى إذا علم أنه مات من الماء لا يؤكل. وإن أشكل ذلك أكل؛ لأن الظاهر أن الموت من الجرح (٥).
قوله: والشاة إذا ندّت في الصحراء فهي وحشية حتى تحل بالعقر (٦)؛
стр. 1236
وإن ندَّت في المصر فلا. بِخلافِ البعير، والبقر.
منحة السلوك
لتحقق العجز عن ذكاة الاختيار (١).
قوله: وإن ندت في المصر فلا.
أي: فلا تكون وحشية، حتى لا تحل بالعقر؛ لأنها لا تدفع عن نفسها، فيمكن أخذها (٢).
قوله: بخلاف البعير والبقر.
يعني: البعير والبقر إذا ندت، صارت وحشية، سواء ندت في الصحراء، أو ندت في المصر، حتى تحل بالعقر؛ لتحقق العجز في ذلك (٣).
стр. 1237
والمستحبُّ في الإبل: النحر، ويكره الذبح. وفي البقر، والغنم الذبح، ويكره النحر.
منحة السلوك
[النحر والذبح في الأنعام]
قوله: والمستحب في الإبل: النحر.
لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. أي: انحر الجزور (١)، ولأنه أيسر في الإبل، حتى يكره الذبح (٢).
قوله: وفي البقر.
أي: يستحب في البقر، والغنم: الذبح (٣)؛ لأن السنة المتواترة هكذا (٤). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، ولأنه أيسر فيهما حتى يكره النحر فيهما (٥).
стр. 1238
والجنين الميت في الذبيحة حرامٌ، وإن تم خَلْقُه.
منحة السلوك
[ما يحرم أكله]
قوله: والجنين الميت في الذبيحة حرام وإن تم خلقه. وهذا عند أبي حنيفة، وزفر، والحسن (١).
وقالا: إذا تم خلقه حل أكله بذكاتها (٢)؛ لقوله ﷺ : "ذكاة الجنين، ذكاة أمه" (٣).
стр. 1239
والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحةُ،
منحة السلوك
وله: أن الله حرم الميتة وهو اسم لحيوان مات من غير ذكاةٍ، ألا ترى أن الله شرط التذكية بقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وحرم المنخنقة؛ والجنين مات خنقًا فيحرم بالكتاب. وما روي لا يعارض الدليل القطعي (١).
قوله: والمنخنقة: وهي التي خنقوها، أو انخنقت بسبب (٢).
والموقودة: وهي التي أثخنوها ضربًا بعصًا، أو حجرٍ (٣).
والمتردية: وهي التي تردت من جبل، أو في بئر (٤).
والنطيحة: هي التي نطحتها أخرى (٥).
стр. 1240
وفريسة السَّبع، والذئب، إذا ذبحت وفيها حياة مثل حياة المذبوح حلت.
منحة السلوك
وفريسة السبع: هي التي خرقها مثل الأسد، والنمر، والضبع، والذئب ونحوها.
فإذا ذبحت هذه المذكورات والحال أن فيها حياة، مثل حياة المذبوح حلت في ظاهر المذهب (١)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
وعن أبي حنيفة: أنها إنما تحل إذا كانت بحالٍ تعيش يومًا لولا الذكاة؛ لأنها إذا كانت بحالٍ تموت سريعًا لا يدرى أنها ماتت بذبحه، أو بما أصابها، فدخل الشك (٢).
وعن أبي يوسف: أنها إذا كانت تعيش أكثر اليوم لولا الذكاة تؤكل، وإلا فلا، إقامة للأكثر مقام الكل (٣).
وعن محمدٍ: أنها إذا بقي من حياتها أكثر من حياة المقطوع أوداجه،
стр. 1241
ويكره ذبح الحامل المقرب.
ولو رمى حمامة له في الهواء، إن كانت ضالَّة عن منزله يحل، وإن كانت تهتدي إليه لم يحل، إلا إذا أصاب مذبحها. وكذا الظبي المستأنس، لو خرج إلى الصحراء فرماه رجل، إن أصاب مذبحه حل، وإلا فلا.
منحة السلوك
يحل، وإلا فلا. وهذا أيسر (١).
قوله: ويكره ذبح الحامل المقرب.
أي: التي قربت ولادتها؛ لأن في ذلك ترك الترحم (٢).
[صيد المستأنس]
قوله: ولو رمى حمامةً له.
أي: لنفسه في الهواء، إن كانت ضالة عن منزله يحل؛ لأنه حينئذٍ صيد فتصير ذكاته اضطراريةً، فيحل بالجرح أين اتفق.
قوله: وإن كانت.
أي: الحمامة تهتدي إلى منزله لم يحل؛ لعدم الاضطرار إلا إذا أصاب مذبحها وهو ما بين الحلق واللبة، فينوب عن الذبح.
قوله: وكذا الظبي (٣). أي: وكذا حكم الظبي المستأنس إذا خرج إلى الصحراء، فرماه رجل، إن أصاب مذبحه حل، وإلا فلا؛ لعدم تحقق العجز عن الذكاة الاختيارية (٤).
стр. 1242
كتاب الكراهية
كل مكروه في كتاب الكراهية، فهو حرام عند محمد ﵀. وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله- هو إلى الحرام أقرب.
منحة السلوك
كتاب الكراهية (١)
الكراهية: -بتخفيف الياء- مصدر كالطواعية، وهي ضد الإرادة، والرضا (٢).
[إطلاق الكراهية]
قوله: كل مكروه في كتاب الكراهية، فهو حرام عند محمد ﵀.
نص محمد ﵀ أن كل مكروه حرام (٣)، وإنما لم يطلق لفظ الحرام؛ لأنه لم يجد فيه نصًا قاطعًا (٤).
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- هو إلى الحرام أقرب (٥).
стр. 1243
فلهذا عبَّرنا عن أكثر المكروهات بالحرام.
ويحرم الأكل، والشرب، والادِّهان، والتطيب، من آنية الذهب، والفضة،
منحة السلوك
قوله: فلهذا. أي: فلكون كل مكروه حرامًا عند محمد، عبرنا عن أكثر المكروهات بالحرام.
[استعمال الذهب والفضة]
قوله: ويحرم الأكل، والشرب، والادهان، والتطيب من آنية الذهب، والفضة (١).
لقوله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب، والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" رواه البخاري، ومسلم، وأحمد (٢). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في الذي يشرب في إناء فضةٍ: "كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم" رواه أحمد، وابن ماجه (٣).
стр. 1244
للرجال والنساء. وكذا كل استعمالٍ كالأكل (١) بملعقة الفضة (٢) والاكتحال
منحة السلوك
فإذا ثبت في الشرب، والأكل، ثبت في التطيب ونحوه؛ لأنه مثله في الاستعمال (٣).
ومعنى يجرجر: يردد، من جرجر العجل إذا ردد صوته في حنجرته (٤).
قوله: للرجال والنساء؛ لإطلاق ما روينا (٥).
قوله: وكذا يحرم كل استعمال، كالأكل بملعقة الفضة، والاكتحال
стр. 1245
بميلها، واتخاذُ المكحلة، والمرآةِ، والدواةِ من الفضةِ، ويحل آنيةُ الزجاج، والبلّور، والعقيق، والنحاس، والرصاص، ونحوها.
منحة السلوك
بميلها. أي: بميل الفضة، واتخاذ المكحلة، والمرآة، والدواة (١) من الفضة، وما أشبه ذلك من الاستعمال (٢).
قوله: ويحل آنية الزجاج، والبلّور (٣)، والعقيق (٤)، والنحاس، والرصاص، ونحوها، مثل الصفر، وغيره (٥).
وقال الشافعي: يكره جميع ذلك (٦)؛ لوقوع التفاخر بها.
стр. 1246
ويحل الشرب في الإناء المفضضِ، والمضبب بالفضة، والجلوس على السرير، والكرسي، والسرج المفضض،
منحة السلوك
قلنا: لا نسلم. ولئن سلمنا، فهي ليست في معنى الذهب والفضة، فلا تلحق بهما (١).
[حكم المفضض]
قوله: ويحل الشرب في الإناء المفضض (٢). -بالضاد المعجمتين- (٣)، والمضبب: بالضاد المعجمة، والباءين المنقوطتين من تحت بنقطة واحدةٍ، بمعنى: المشعب بالفضة (٤). والجلوس على السرير، والكرسي، والسرج المفضض.
стр. 1247
بشرط اتقاء موضع الفضة في الكل. وكذا اللجام، والركاب، والثفر،
منحة السلوك
قوله: بشرط اتقاء موضع الفضة في الكل، بأن يتقي موضعها بالفم في الإناء. وقيل: بالفم، واليد في الأخذ، وفي غير الإناء يتقي موضع الجلوس (١).
قوله: وكذا اللِّجام.
يعني: وكذا يحل اللجام المفضض، والركاب المفضض، والثفر (٢) المفضض، بشرط أن يتقي موضع الفضة عند الإمساك، ووضع الرجل، وكذا في نصل السيف (٣)، أو السكين، أو قبضتهما، بشرط أن لا يضع يده على موضعها، وكذا حلقة المرآة، وكذا الثوب إذا كان فيه كتابة بذهب، أو فضة (٤). وهذا كله عند أبي حنيفة (٥).
стр. 1248
وهذا فيما يخلصُ منه شيء. فأما التمويه الذي لا يخلص منه شيء، فمباح مطلقًا، كالعَلم في الثوب، ومسمار الذهب في الفص، ويحل تذهيب السقف،
منحة السلوك
وقال أبو يوسف: يكره ذلك كله (١). ومحمد: مضطرب (٢).
قوله: وهذا. أي: هذا الحكم مع التفصيل، والخلاف فيما يخلص منه شيء عند الإذابة.
[أحكام المموه]
فأما التمويه الذي لا يخلص منه شيء، فمباح مطلقًا، يعني: سواء اتقى موضع الفضة، أو لا؛ لأنه مستهلك، فلا عبرة ببقائه لونًا (٣).
قوله: كالعَلَم في الثوب، فإنه مباح مطلقًا بالإجماع (٤)، وكذلك مسمار الذهب في فص الخاتم، وكذا العمامة المعلمة بالذهب (٥).
قوله: ويحل تذهيب السقف؛ لأنه ليس باستعمالٍ، ولكنه إسراف وتزيين، فتركه أولى (٦).
стр. 1249
والسيف.
ومن دُعيَ إلى ضيافة (١)، فوجد ثمَّ لعبًا، أو غناءً يقعد
منحة السلوك
قوله: والسيف. أي: يحل تذهيب السيف أيضًا، وهذا عند أبي حنيفة (٢). وكرهه أبو يوسف (٣)؛ لما فيه من زي العجم، والتشبه بهم حرام.
[المنكرات في الحفلات]
قوله: ومن دعي إلى ضيافة، فوجد ثم لعبًا، يعني: بعد حضوره وجد لعبًا، أو غناءً يقعد ويأكل (٤)، ولا يترك، ولا يخرج؛ لأن إجابة الدعوة سنة (٥) قال ﷺ : "من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم" (٦). فلا
стр. 1250
إن كان غير قدوةٍ، ويمنعُ إن قدر. وإن كان قدوةً كالقاضي، والمفتي، ونحوهما، يمنعُ ويقعدُ، فإن عَجَزَ يخرج. وإن كان ذلك على المائدة، أو كانوا يشربون الخمر، خرج وإن لم يكن قُدوةً. وإن عَلِم قبل الحضور
منحة السلوك
يتركها لما اقترنت البدعة في غيره، كصلاة الجنازة لا يتركها لأجل النائحة (١).
قوله: ويمنع إن قدر؛ لأجل إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن لم يقدر يصبر (٢).
قوله: وإن كان قدوة أي: وإن كان المجيب ممن يقتدى به كالقاضي، والمفتي، ونحوهما، يمنع؛ لأنه يقدر على المنع، ويقعد. فإن عجز عن المنع يخرج، ولا يقعد، لأن في ذلك شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين (٣).
قوله: وإن كان ذلك على المائدة. أي: وإن كان اللعب، والغناء على المائدة، أو كانوا يشربون الخمر، خرج وإن لم يكن قدوة (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
قوله: وإن علم قبل الحضور، يعني: وإن علم قبل أن يحضر أن هناك
стр. 1251
لا يحضر في الوجوه كلها.
منحة السلوك
غناء، أو لعبًا، أو شرب خمر، لا يحضر في الوجوه كلها يعني: سواء قدر على المنع، أو لم يقدر، وسواء كان قدوةً، أو غير قدوةٍ؛ لأنه حينئذٍ لا تلزمه إجابة الدعوة. وقال علي ﵁: "صنعت طعامًا، فدعوت رسول الله ﷺ فجاء، فرأى في البيت تصاوير فرجع" رواه ابن ماجه (١).
ودلت المسألة، على أن الملاهي كلها حرام (٢).
واختلفوا في التغني المجرد:
قيل: حرام مطلقًا، والاستماع إليه معصية. ولو سمع بغتة فلا إثم عليه (٣).
وقيل: لا بأس بأن يغني؛ ليستفيد به فهم القوافي، والفصاحة (٤).
وقيل: يجوز، لدفع الوحشة إذا كان وحده، ولا يكون على سبيل
стр. 1252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
اللهو (١). وإليه مال السرخسي (٢).
ولو كان في الشعر حكم، أو عبر، أو فقه، لا يكره (٣). ولو كان فيه ذكر امرأةٍ غير معينة. وكذا لو كانت معينة وهي ميتة، وإن كانت حية يكره (٤). فافهم.
стр. 1253
ويحرم شرب لبن الأتن وأبوال الإبل: للتداوي وأكل لحم الإبل، والبقر الجلَّالة،
منحة السلوك
[الجلالة وألبان وأبوال الحيوانات]
قوله: ويحرم شرب لبن الأتن.
لأن اللبن يتولد من اللحم، فصار مثله (١).
قوله: وأبوال الإبل. أي: يحرم شرب أبوال الإبل؛ لأجل التداوي. وهذا عند أبي حنيفة (٢).
وعند أبي يوسف: يباح للتداوي (٣).
وعند محمد: يباح مطلقًا (٤). وقد مر في كتاب الطهارة (٥).
قوله: وأكل. أي: يحرم أكل لحم الإبل، والبقر الجلالة (٦)؛ لأنها تتغير (٧)،
وشرب لبنها. بخلاف الدَّجاجة المخلاةِ، فإن حبست وعلفت حلت،
منحة السلوك
وكذا يحرم شرب لبنها؛ لأن لبنها يتولد من لحمها (١).
وفي "المنتقى": الناقة، والبقرة، إنما تكون جلالة إذا تغيرت، ونتنت، فوجدت منها رائحة منتنة (٢).
قوله: بخلاف الدجاجة المخلاة (٣).
يعني: لا يحرم أكل الدجاجة المخلاة؛ لأنها لا تتغير (٤).
قوله: فإن حبست. أي: الإبل الجلالة، والبقر الجلالة، إن حبست في مكان طاهر، وعلفت حلت (٥). وكان أبو حنيفة، لا يوقت بحبسها ويقول: تحبس حتى تطيب، ويذهب نتنها. وهو قولهما. كذا في "التتمة".
стр. 1257
وهو مقدر في الإبل بأربعين يومًا، وفي البقر بعشرين يومًا، وفي الشاة بعشرة أيام، وفي الدجاجةِ بثلاثة أيام. ولو رضع جَديٌ لبن الخنزير فهو كالجلالة.
والحطب الموجود في الماء حلال، إن لم يكن له قيمة. والثمر الساقط تحت الشجر لا يحل في المصر.
منحة السلوك
وقيل: يقدر في الإبل بأربعين يومًا، وفي البقر بعشرين يومًا، وفي الشاة بعشرة أيامٍ، وفي الدجاجة بثلاثة أيامٍ (١).
قوله: ولو رضع جدْي لبن الخنزير (٢) فهو كالجلالة (٣)؛ لتغيره فيحرم، إلا إذا حبس وعلف عشرة أيام (٤).
[الشيء اليسير السائب]
قوله: والحطب الموجود في الماء حلال. أي: إن لم يكن له قيمة؛ لأن إلقاء مثل هذا يدل على إباحته، فيحل الانتفاع به، حتى إذا كانت له قيمة لا يحل (٥).
قوله: والثمر الساقط تحت الشجر لا يحل في المصر؛ لأنه لم يخرج
стр. 1258
وأما خارج المصر فإن كان مما يبقى كالجوز، واللوز، لا يحل، وإن كان مما لا يبقى حل، حتى ينهى عنه صاحبه، ويحل الثمر الموجود في الماء الجاري، وإن كثر. ولو وقع ما نثر من السُّكر، والدراهم، في حجر رجل، فأخذه غيره، حل، إلا أن يكون الأول تهيأ له، أو ضمَّه.
منحة السلوك
من ملك صاحبه، سواء كان مما يتسارع إليه الفساد، أو لا (١).
قوله: وأما خارج المصر. أي: وأما الثمر الساقط تحت الشجر في خارج المصر، فإن كان مما يبقى كالجوز واللوز ونحوهما لا يحل؛ لانعدام الإذن في أخذه، وإن كان مما لا يبقى كالمشمش، والخوخ، حل؛ لعدم النهي فيه عادةً، حتى إذا نهى عنه صاحبه لا يحل (٢).
قوله: ويحل الثمر الموجود في الماء الجاري وإن كثر؛ لأنه يعدم بجريان الماء، فأخذه أولى من تركه، بخلاف ما إذا كان في الماء الواقف (٣).
قوله: ولو وقع ما نثر من السكر، والدراهم، في حجر رجل، فأخذه غيره، حل؛ لأنه مباح، والمباح لمن سبق يده إليه، إلا أن يكون الأول قد تهيأ له، أو ضمه إلى نفسه؛ لأنه بذلك يملكه، فيحرم لغيره أن يأخذه (٤).
стр. 1259
وكذا لو وضع طستًا على سطح، فاجتمع فيه ماء المطر، إن وضعه لذلك فهو له، وإن لم يضعه لذلك فهو لمن أخذه.
ويحرم أكل التراب ، والطين.
منحة السلوك
ثم النهبة هل هي جائزة؟
فعن محمدٍ: أنها جائزة إذا كان أذن فيها صاحبها. فقد صح أن النبي ﷺ "نحر يوم النحر خمسة أبعرةٍ، وقال: من شاء فليقطع" (١).
قوله: وكذا لو وضع طستًا (٢) على سطح، فاجتمع فيه ماء المطر، إن وضعه لذلك.
أي: لاجتماع ماء المطر فهو له، ولا يجوز لغيره أن يأخذه، وإن لم يضعه لذلك، فهو لمن أخذه؛ لأنه مباح.
[أكل التراب]
قوله: ويحرم أكل التراب، والطين؛ لورود النهي فيه (٣)، ولأنه يورث
стр. 1260
ويحل خضَاب اليد والرِّجل للنساء، ما لم يكن فيه تماثيل.
منحة السلوك
الاصفرار، ووجع (١) المثانة (٢). وقيل: لم يكن فرعون قط، إلا وهو أكل الطين.
ثم قيل: إنه يحرم مطلقًا (٣).
وقيل: إلا الطين الأرمني (٤)، والنيسابوري؛ لأنه يؤكل للدواء، ويميل إليه الطبع. وفيه نظر، لأن العلة إذا كان أكله للتداوي، فالجميع كذلك عند الحاجة، وإن كان ميلان الطبع إليه، فمن الطبائع طبيعة تميل إلى الجميع. فافهم.
[حكم الخضاب]
قوله: ويحل خضاب اليد والرِّجل للنساء، ما لم يكن فيه تماثيل. أي:
стр. 1261
ويحرم للرجال، والصبيان مطلقًا. ولا بأس بخضاب الرأس، واللحية، بالحناء، والوسمة للرجال والنساء.
منحة السلوك
صور؛ لأن ذلك لأجل الزينة، فيجوز لهن بشرط أن يمتنعن عن المحرم (١).
قوله: ويحرم للرجال.
أي: يحرم خضاب اليد والرجل، للرجال والصبيان مطلقًا، يعني: سواء كان فيه تماثيل، أو لم يكن؛ لأنهم ممنوعون عن مثل هذه الزينة، إلا لأجل التداوي (٢).
قوله: ولا بأس بخضاب الرأس، واللحية، بالحناء، والوسمة للرجال والنساء (٣)؛ لقوله ﷺ : "إن أحسن ما غيرتم به الشيب، الحنا، والكتم"
فصل
ويحل لبس الحرير والقز للنساء، لا للرجال،
منحة السلوك
فصل
هذا الفصل في بيان ما يحل من اللباس، وما لا يحل، ونحوها.
[لبس الحرير]
قوله: ويحل لبس الحرير، والقز (١) للنساء، لا للرجال (٢).
стр. 1264
ولو كانوا مقاتلين،
منحة السلوك
لما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنَّ النبي ﷺ : "أحل الذهب، والحرير للإناث من أمته، وحرم على ذكورها" رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وصححه (١).
قوله: ولو كانوا. أي: ولو كان الرجال مقاتلين، هذا عند أبي حنيفة؛ لإطلاق النص (٢).
وقالا: يجوز ما داموا مقاتلين؛ لأنه أهيب لعين العدو (٣).
стр. 1265
إلا العلم الحرير، أو المنسوج بالذهب، قدر أربعة أصابع عرضًا،
منحة السلوك
قوله: إلا العلم الحرير، أو المنسوج بالذهب، قدر أربعة أصابع عرضًا (١).
لما روي عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ السبابة والوسطى، وضمهما" رواه أحمد، ومسلم، والبخاري (٢)، وفي لفظٍ: "نهى عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين، أو ثلاثة، أو أربعة" رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، وجماعة أخر (٣).