إلا على الزوجين، فإنه لا يرد عليهما، بل يوضع الباقي في بيت المال.
منحة السلوك
وطريق القسمة: أن تضرب سهام من لا يرد عليه، في عدد رؤوس من يرد عليه، أو في وفقها. ورؤوس من يرد عليه فيما بقي من فرض من لا يرد عليه، أو في وفقه، ثم تصحح المسألة على أصولهم في مسائل التصحيح (١).
[القسم الرابع]
والرابع: أن يجتمع من يُردُّ عليه مع من لا يُرد عليه، فيما إذا كان ممن يُردُّ عليه من جنسين، أو من ثلاثة أجناس. فالحكم فيه: أن تجعل مسألة من لا يرد، من أقل مخرج فرضه. ومسألة من يُرد عليه من سهامهم، ثم تجمع مسألتهم إلى سهامهم، فتطرح الباقي، ثم تُعطى فرض من لا يُردُّ عليه، فتنظر بين ما بقي من فرض من لا يرد عليه، وبين سهام من يُرد عليه، فإن استقام فبها، وإن لم يستقم: فاضرب سهام من يُردُّ عليه، في مخرج فرض من لا يُرد عليه، فما بلغ، يخرج منه حق كل واحد من غير كسر. كأربع زوجات، وتسع بنات، وست جدات (٢).
[استثناء الزوجين من الرد]
قوله: إلا على الزوجين، فإنه لا يرد عليهما، بل يوضع الباقي في بيت المال (٣).
وذكر في "فتاوى القنية" (٤): إنَّ في زماننا هذا، يُرد على الزوجين؛
стр. 1402
إن لم يكن للميت أحد من ذوي الأرحام، فإن كان الوارث واحدًا من أصحاب الفروض، أخذ كل المال.
منحة السلوك
لفساد بيت المال.
وإنما قدم الرد على ذوي الأرحام: لأن أصحاب الفروض بعد إحراز الفريضة صاروا من ذوي الأرحام، وفي ذوي الأرحام، بعضهم أولى ببعض.
ومن جملة أصحاب الفروض الذين يجوز عليهم الرد البنت، والبنت أقربُ إلى الميت من جميع ذوي الأرحام، فيجب الرد عليها لقربها (١).
قوله: إن لم يكن للميت أحد من ذوي الأرحام. قيَّد به: لأنه إذا كان للميِّت أحد من ذوي الأرحام، يكون المال له بالترتيب الذي ذكرناه (٢). والله أعلم بالصواب.
стр. 1403
كتاب الكسب والأدب
طلب الكسب لازم،
منحة السلوك
كتاب الكسب والأدب
أقول: هذا عاشر الأبواب العشرة التي رتبها المصنف، الذي يختم به الكتاب.
والكسب: مصدرٌ من كسب يكسب، وهو: اسم لعمل يجر العامل إلى نفسه به نفعًا، أو يدفع عن نفسه ضرًا عاجلًا، أم آجلًا. وإن عمل الآخرة يسمى كسبًا؛ لما فيه من جلب منفعة، أو دفع مضرة، آجلًا.
والسنة إنما تسمى كسبًا؛ لأن فاعلها يجر إلى نفسه منفعةً عاجلة، أو يدفع عن نفسه مضرة حالَّة (١).
والأدب: التخلق بالأخلاق الحميدة، والخصال المرضية (٢).
[حكم طلب الكسب]
قوله: طلب الكسب لازم.
أمَّا شرعية الكسب: فبقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني: بالتجارة، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي:
стр. 1404
كطلب العلم.
منحة السلوك
بالزراعة. وقوله ﷺ : "الحرفة أمانٌ من الفقر" (١)؛ ولأن في ترك الكسب تعطلًا وتبطلًا وأنه مذموم شرعًا؛ لقوله ﷺ : "إنَّ الله يبغض الصحيح الفارغ" (٢).
وأمَّا لزومه: فلأنه سببٌ إلى إقامة ما هو فرضٌ، وهو قوته وقوت عائلته، وقضاء دينه لما يجيء الآن.
قوله: كطلب العلم. أي: كما أنَّ طلب العلم لازم؛ لقوله ﷺ : "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم" رواه ابن ماجه (٣).
وهو أنواع أربعة: فرض: وهو كسب أقل الكفاية لنفسه، وعياله، وقضاء دينه.
منحة السلوك
[أنواع طلب الكسب]
قوله: وهو. أي: طلب الكسب أنواع أربعة (١).
قوله: فرضٌ.
[فرض]
أي: أحدها فرضٌ: وهو كسب أقل الكفاية لنفسه، وعياله، وقضاء دينه (٢)؛ لأنه سبب يتوصل به إلى إقامة الفروض، فيكون فرضًا. ألا ترى إلى ما جاء وعيدٌ شديدٌ في الدين وهو قوله ﷺ : "إنَّ أعظم الذنوب عند الله، أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها، أن يموت رجلٌ وعليه دينٌ لا يدعُ له قضاء" رواه أبو داود (٣).
وإن أطيب ما أكل الرجل من كسبه لقوله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" رواه الترمذي، والنسائي (٤).
стр. 1407
و مستحب: وهو الكسب الزائد على أقل الكفاية؛ ليواسي به فقيرًا، أو يصل به قريبًا،
منحة السلوك
[مستحب]
قوله: ومستحب.
أي: الثاني: مستحبٌّ. وهو: الكسب الزائد على أقل الكفاية؛ ليواسي به فقيرًا، أو يصل به قريبًا (١)؛ لأنه سبب يتوصل به إلى إقامة ما هو مستحب، فيكون مستحبًا؛ لقوله ﷺ : "الساعي على الأرملة، والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يقوم الليل، ويصوم النهار" (٢)، وقوله ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي
стр. 1408
وهو أفضل من نفل العبادة
منحة السلوك
القرابة اثنتان: صلة، وصدقةٌ" رواهما ابن ماجه (١).
قوله: وهو. أي: الكسب المستحب، أفضل من نفل العبادة.
لأن منفعة العبادة تخصُّه، ومنفعة الكسب تتعدى إلى غيره (٢)، وقد قال ﷺ : "خير الناس من ينفع الناس" (٣). وقال ﷺ : "تباهت العبادات،
стр. 1409
و مباح: وهو كسب الزائد على ذلك؛ للتنعم، والتجمل.
منحة السلوك
فقالت الصدقة: أنا أفضلها" (١).
[مباح]
قوله: ومباح، أي: القسم الثالث: مباح، وهو كسب الزائد على ذلك، أي: على ما يواسي به الفقير، ويصل به القريب؛ للتنعم، والتجمل، والترفه، حتى يبني البنيان، وينقش الحيطان، ويشتري السرائر (٢)، والغلمان؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقوله ﷺ : "نعم المال الصالح، للرجل الصالح" (٣).
стр. 1410
وحرام: وهو كسب ما أمكن، للتفاخر، والتكاثر، وإن كان من حل.
وأفضل الكسب: الجهاد، ثم التجارة، ثم الزراعة، ثم الصناعة.
منحة السلوك
وقيل هذا مكروه؛ لأنه ربما يكون سببًا للطغيان، والعصيان، والتكاثر، والتفاخر. وذلك حرام شرعًا (١).
[محرم]
قوله: وحرام. أي: القِسم الرابع: حرام، وهو كسب ما أمكن؛ للتفاخر، والتكاثر، والأشر، والبطر، وإن كان من حل؛ لأنه سببٌ يتوصل به إلى إقامة ما هو مكروه، فيكون مكروهًا (٢).
[أفضل المكاسب]
قوله: وأفضل الكسب: الجهاد؛ لأن منفعته عامة، لما فيه من الاستغنام من حل، ودفع شر الكفرة، وإطفاء نارهم من المسلمين (٣).
ثم التجارة؛ لأن منفعة التاجر تحدث كل ساعة، وتتكرر كل وقت، فيحصل بها كفايته الوقتية، فكانت أعم نفعًا، فتكون أفضل من الزراعة؛ لأنَّ منفعة الزراعة تكون في الأحيان مرةً (٤).
ثم الزراعة؛ لأنها سعيٌ لقوام الأبدان المحترمة، فإن قوامها بالمطعوم، والملبوس، وذا إنما يحصل بالزراعة؛ لأنها سببٌ أيضًا من الأسباب (٥).
стр. 1411
والعلم أيضًا أنواع أربعة: فرض: وهو تعلم ما يحتاج إليه لأداء الفرائض، ومعرفة الحلال والحرام في أحوال نفسه.
ومستحب: وهو تعلم الزائد على ما يحتاج إليه؛ ليعلمه من يحتاج إليه، وهو أفضل من نفل العبادة.
منحة السلوك
[أنواع طلب العلم]
قوله: والعلم أيضًا أنواع أربعة: فرضٌ. أي: النوع الأول: فرضٌ: وهو تعلم ما يحتاج إليه لأداء الفرائض، فإنه لا يتهيَّأ إقامة الفرائض إلا بعد العلم بصحتها وفسادها، فيكون فرضًا كالطهارة، والسعي إلى الجمعة،
[الفرض]
ولمعرفة الحلال والحرام في أحوال نفسه، فإنه إذا لم يميز الحلال من الحرام، ربما يقع في الحرام.
[المستحب]
قوله: ومستحب. أي: الثاني: مستحب، وهو تعلم الزائد على ما يحتاج إليه؛ ليعلِّمه من يحتاج إليه؛ لقوله ﷺ : "أفضل الصدقة، أن يتعلم المرء المسلم علمًا، ثم يعلمه أخاه المسلم" رواه ابن ماجه (١). ولذلك صار هذا القسم، أفضل من نفل العبادة (٢).
стр. 1412
ومباح: وهو تعلم الزائد على ذلك؛ للزينة، والكمال.
وحرام: وهو التعلم؛ ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء.
منحة السلوك
[المباح]
قوله: ومباحٌ. أي: الثالث: مباح: وهو تعلم الزائد على ذلك للزينة، والكمال؛ لأن بذلك تحصل الكمالات الإنسانية، وشدة المعرفة بكلام الله، وكلام رسوله الدالين على ذاته، وصفاته.
[المحرم]
قوله: وحرام. أي: الرابع: حرامٌ: وهو أن يتعلم؛ ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء؛ لقوله ﷺ : "من طلب العلمَ ليماري به السُّفهاء، أو يباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار" رواه ابن ماجه (١)، وقال ﷺ : "من تعلَّم علمًا مما يُبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيبه عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة -يعني ريحها-" رواه أبو داود (٢).
стр. 1413
ويجب على العالم تعليم غيره إذا طلب منه إلى أن يبلغ.
منحة السلوك
[واجبات العالم]
قوله: ويجب على العالم تعليم غيره إذا طلب منه؛ لقوله ﷺ : "ما من رجل يحفظ علمًا فيكتمه، إلا أتى يوم القيامة مُلجمًا بلجامٍ من نارٍ" رواه ابن ماجه (١)، وفي رواية أبي داود: "من سُئِل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" (٢).
قوله: إلى أن يبلغ.
стр. 1414
إلى المرتبة الأولى. ولا يجب على العالم أن يجيب عن كل ما يسأل عنه، إلا إذا علم أن ما يسأل عنه لا يعلمه غيره.
ولو طلب كافر من مسلم أن يعلمه القرآن، أو الفقه، فلا بأس به؛ رجاء أن يطَّلع على محاسنه فيسلم.
منحة السلوك
أي: المتعلم إلى المرتبة الأولى (١)، وهو التعلم بقدر ما يحتاج إليه، لأداء الفرائض، ومعرفة الحلال والحرام، ولا يجب عليه أكثر من ذلك.
قوله: ولا يجب على العالم أن يجيب عن كل ما يسأل عنه؛ لأن الفتوى والتعليم فرض كفاية، فإذا قام به البعض، يسقط عن الباقين، حتى إذا علم أنَّ ما يُسأل عنه لا يعلمه غيره، يجب عليه الجواب؛ لأنه حينئذ يكون فرض عين؛ لتعينه لذلك.
[تعليم القرآن للكافر]
قوله: ولو طلب كافرٌ من مسلم أن يعلمه القرآن، أو الفقه، فلا بأس به. أي: بالتعليم رجاء أن يطلع على محاسنه فيُسْلِم؛ لأن النبي ﷺ : "كان يقرأ القرآن على المشركين، رجاء أن يقفوا على كونه معجزًا فيؤمنوا". هذه المسألة ذكرها محمدٌ في "السير الكبير" (٢).
стр. 1415
فصل
والأكل على ثلاث مراتب: فرض: وهو قدر ما يندفع به الهلاك، ويمكن معه الصلاة قائمًا.
ومباح: وهو أدنى الشبع، بنية أن يتقوى به على العبادة، ويحاسب فيه حسابًا يسيرًا، إن كان من حل.
وحرام: وهو ما زاد على ذلك،
منحة السلوك
فصل
هذا الفصل في بيان أنواع الأكل، وآدابه، ونحوها.
[مراتب الأكل:]
قوله: والأكل على ثلاث مراتب (١): فرض. أي: المرتبة الأولى:
[الفرض]
فرض: وهو أن يأكل بقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه، ويمكن معه الصلاة قائمًا؛ لأنه سبب يتوصل به البدن إلى إقامة الفرائض، فيكون فرضًا، حتى أنه لا يحاسب على هذا المقدار؛ لأن ما هو سبب للثواب، لا يكون سببًا للحساب، وهو مأجور فيه (٢).
[المباح]
قوله: ومباحٌ. أي: المرتبة الثانية: مباح: وهو أدنى الشبع، بنية أن يتقوى به على العبادة (٣). وهذا القسم لا أجر فيه ولا وِزْر، ولكن يحاسب فيه حسابًا يسيرًا، إن كان من حل؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
[المحرم]
قوله: وحرام. أي: المرتبة الثالثة: حرام: وهو أكل ما زاد على ذلك،
стр. 1416
إلا للصوم في غد، أو لموافقة الضيف.
منحة السلوك
أي: على أدنى الشبع (١)؛ لقوله ﷺ : "إنَّ أكثر الناس شبعًا في الدنيا، أطولهم جوعًا يوم القيامة" رواه ابن ماجه (٢).
قوله: إلا للصوم في غد، أو لموافقة الضيف (٣).
يعني: الأكل فوق الشبع يُباح في هذين الموضعين.
أما في الأول: فلأن نيته بذلك، التقوي على تحصيل العبادة.
وأما في الثاني: فلئِلا يُمسك الضيف عن الطعام؛ حياءً، وخجلًا، ويكون هذا بإمساكه ممَّن أساء القِرى (٤)، وإساءة القِرى مذمومة (٥).
стр. 1417
ولا تحل الرياضة بتقليل الأكل، إلى أن يضعف عن أداء العبادات، ولو واصل أربعين يومًا فمات، مات عاصيًا.
ولو مرض، وترك المعالجة، توكلًا على الله فمات لم يمت عاصيًا.
منحة السلوك
[تقليل الطعام]
قوله: ولا تحل الرياضة بتقليل الأكل، إلى أن يضعف عن أداء العبادات (١).
لقوله ﷺ : "إن نفسك مطيتك، فارفق بها" (٢). ومن الرفق أن لا تجيعها. وقال ﷺ : "المؤمن القوي، خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" (٣).
وقيل: لا بأس إذا خاف من فرط الشهوة، أن يقع في الفاحشة.
والأول: أصح؛ لأن هذا الخوف يندفع بالنكاح.
قوله: ولو واصل أربعين يومًا. أي: ولو راض (٤) بالجوع حتى وصل أربعين يومًا، فمات، مات عاصيًا؛ لما فيه من إهلاك نفسه باختياره.
[ترك الدواء توكلًا]
قوله: ولو مرض وترك المعالجة؛ توكلًا على الله فمات لم يمت عاصيًا.
стр. 1418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
لأنه ليس في ترك المعالجة إهلاك النفس (١)؛ لأنه ربما يصح من غير معالجة، وربما لا تنفعه المعالجة. ثم التداوي جائزٌ لقوله ﷺ : "تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء، غير داء واحد، الهرم" رواه أبو داود (٢)، وقال ﷺ : "ما أنزل الله داء، إلا أنزل له شفاء" رواه ابن ماجه (٣).
стр. 1419
والتنعُّم بأنواع الفاكهة، مباح، وتركه أفضل.
والجمع بين أنواع الأطعمة حرام.
وكذا وضع الخبز على المائدة، أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون،
منحة السلوك
[الانبساط بأنواع الفواكه]
قوله: والتنعُّم بأنواع الفاكهة مباح (١)؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
قوله: وتركه أفضل.
لئلا ينقص في الآخرة من درجاته؛ لأنه متى أذهب طيباته في حياته، واستمتع بها، نقص من درجاته في الآخرة (٢).
[الإسراف في الطعام]
قوله: والجمع بين أنواع الأطعمة حرام.
لأن ذلك إسرافٌ، وهو حرام (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
قوله: وكذا وضع الخبز على المائدة أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون؛ لأنه إسراف فيكون حرامًا.
стр. 1420
وكذا رفع الخبز على الخوان،
منحة السلوك
[من آداب الطعام]
قوله: وكذا رفع الخبز على الخوان. أي: وكذا رفع الخبز على الخوان حرام (١)، لما روي عن قتادة (٢)، عن أنس ﵁ قال: "ما علمت النبي ﷺ أكل على سكرجة (٣) قط، ولا خبز له مرقَّق، ولا أكل على خوان، قيل لقتادة: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر" رواه البخاري (٤).
الخوان -بكسر الخاء، وفتح الواو الخفيفة-: طبق كبير من نحاس، تحته كرسي ملزوق به. وأصله اسم أعجمي. قال في "المُجمل": سمي به؛
стр. 1421
ووضعه تحت القصعة، لتعتدل. ومسح الأصابع والسكين بالخبز (١) ووضع المملحة عليه، وأكل
منحة السلوك
لأنه يتخون ما عليه. أي: ينتقص (٢).
قوله: ووضعه تحت القصعة (٣) لتعتدل.
أي: وكذا وضع الخبز تحت القصعة، والزبدية (٤)، ونحوهما؛ لتستقيم، حرام؛ لأن في ذلك استخفافًا به، وقد أمرنا بتكريمه؛ لقوله ﷺ : "أكرموا الخبز، فإن الله أخرجه فيما بين بركات السماء والأرض" (٥).
وكذا مسح الأصابع، والسكين بالخبز، ووضع المملحة عليه، وأكل
стр. 1422
وجهه خاصة، ومن سنن الأكل: غسل اليدين قبله، وبعده،
منحة السلوك
وجهه خاصة كل ذلك مكروه (١)؛ لما قُلنا.
قوله: ومن سنن الأكل: غسل اليدين قبله، وبعده (٢)؛ لقوله ﷺ : "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي الهم" (٣).
والأدب في غسل الأيدي قبل الطعام: أن يبدأ بالشباب، ثم بالشيوخ، وبعده بالشيوخ، ثم بالشباب. ولا يمسح يده قبل الطعام بالمنديل، لكن يترك ليجف؛ ليكون أثر الغسل باقيًا وقت الطعام. وبعده يمسح؛ ليكون أثر الطعام زائلًا بالكلية.
ويلعق (٤) أصابعه قبل المسح (٥)؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا
стр. 1423
والتسمية قبله،
منحة السلوك
أكل أحدكم، فلا يمسح يده حتى يلعقها" رواه البخاري (١).
قوله: والتسمية قبله.
أي: من سنن الطعام: أن يسمي الله تعالى قبل الطعام (٢)؛ لقوله ﷺ : "إذا أكل أحدكم فليقل: بسم الله، فإن نسي أن يقول: بسم الله في أوله، فليقل: بسم الله في آخره" رواه ابن ماجه (٣).
стр. 1424
والشكر بعده.
ومن اشتد جوعه، وعجز عن كسب قوته، يجب على كل من علم بحاله إطعامه،
منحة السلوك
قوله: والشكر بعده.
أي: من سنن الطعام: الشكر بعده، وهو أن يشكر الله، ويحمده، ويدعو؛ لما روي أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا" رواه البخاري (١).
وروي عن أبي سعيد ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أكل طعامًا قال: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين" رواه ابن ماجه (٢).
[المضطر للطعام]
قوله: ومن اشتد جوعه، وعجز عن كسب قوته، يجب على كل من علم بحاله إطعامه.
لأنه أشرف على الهلاك، فيجب على من يعلم به صونه عن الهلاك بإطعامه بنفسه، أو يدل آخر عليه، كمن لقي لقيطًا أشرف على الهلاك، أو أعمى كاد أن يتردى في البئر، يفترض عليه دفع الهلاك عنه، وإذا أطعمه واحدٌ سقط عن الباقين؛ لحصول المقصود (٣).
стр. 1425
وإن لم يعلم به أحد، يجب عليه أن يسأل، ويعلم بحاله، فإن لم يفعل حتى مات كان قاتل نفسه.
ومن له قوت يوم، لا يحل له السؤال،
منحة السلوك
قوله: وإن لم يعلم به أحد، يجب عليه أن يسأل، ويعلم بحاله.
لأنه وإن كان في السؤال ذُل، ولكنه أهون من الهلاك، فيلزمه أن يختار الأهون، كالإمام في الأسارى من النسوان، والذراري (١)، يلزمه الاسترقاق. وإن كان إهلاكًا كالقتل: لأنه أهونهما فكذا هذا (٢).
قوله: فإن لم يفعل، يعني: إن لم يسأل، ولم يعلم حاله للناس حتى مات، كان قاتل نفسه؛ لأنه يفترض على كل إنسان أن يدفع الهلاك عن نفسه ما أمكنه، وقد ترك، فصار قاتل نفسه (٣).
[ضابط جواز السؤال]
قوله: ومن له قوت يوم، لا يحل له السوال؛ لأنه يستذل نفسه بلا ضرورةٍ، وأنه حرام (٤)؛ لقوله ﷺ : "حرام على المؤمن أن يذل نفسه" (٥).
стр. 1426
ويباح له الأخذ.
والسائل في المسجد، قيل: يحرم إعطاؤه.
والمختار: أنه إن كان لا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل الناس إلحافًا، يباح إعطاؤه.
منحة السلوك
ولكنه يُباح له الأخذ من غير سؤال.
[السؤال في المسجد]
قوله: والسائل في المسجد، قيل: يحرم إعطاؤه (١)(٢)، وهو قول أبي مطيع البلخي؛ لأنه روي عن الحسن البصري (٣) أنه قال: "ينادي يوم القيامة مناد ليقم بغيض الله، فيقوم سؤال المسجد".
والمختار: أنه إن كان لا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل الناس إلحافًا، يباح إعطاؤه؛ لأن السؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد (٤).
стр. 1427
وإن كان يفعل واحدًا من هذه الثلاثة، يحرم إعطاؤه.
والمعطي للصدقة، أفضل من آخذها، ويده هي العليا.
منحة السلوك
قوله: وإن كان السائل يفعل واحدًا من هذه الثلاثة، وهو إما أن يتخطى رقاب الناس، أو يمر بين يدي المصلّي، أو يسأل الناس إلحافًا. أي: إلحاحًا (١)، حرم إعطاؤه؛ لأنه إعانةٌ على أذى الناس، ولهذا قال خلف بن أيوب: لو كنت قاضيًا لم أقبل شهادة من يتصدق عليه. وقال إسماعيل المستملي (٢): هذا فلس واحد، يحتاج إلى سبعين فلسًا للكفارة.
[فضل الصدقة]
قوله: والمعطي للصدقة أفضل من آخذها (٣).
لقوله ﷺ : "اليد العليا، خير من اليد السفلى" (٤) أي: اليد المعطية، خيرٌ من اليد الآخذة (٥). وإليه أشار المصنِّف بقوله: "ويدُهُ هي العليا" أي: يد المعطي هي اليد العليا، ولأنَّ نفع الإعطاء يتعدى إلى غيره، ونفع الأخذ يقتصر عليه.
стр. 1428
والفقير الصابر، أفضل من الغني الشاكر، وقيل: على العكس، والأول عندي: أصح.
منحة السلوك
[المفاضلة بين الفقير والغني]
قوله: والفقير الصابر، أفضل من الغني الشاكر (١).
لأنه ﷺ اختار الفقر فقال: "أحيني مسكينًا" (٢).
قوله: وقيل: على العكس.
أي: قيل الغني الشاكر، أفضل من الفقير الصابر (٣)؛ لأن مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال إنما تؤخذ من الغني، لا من الفقير، بإيصال النفع، وبرِّه، وإحسانه.
قال المصنِّف: والأول عندي أصح (٤).
قلت: الثاني عندي أصح في هذا الزمان (٥).
стр. 1429
واختلفت الصحابة ﵃، في جواز قبول هدية الأمراء الظلمة، وأكل طعامهم. والمختار: أنه إن كان أكثر ماله حلالًا حل قبول هديته، وأكل طعامه، وإلا حرم.
وطعام الولادة، والعقيقة، والختان، وقدوم المسافر، والموت،
منحة السلوك
[هدايا الأمراء]
قوله: واختلفت الصحابة ﵃، في جواز قبول هدية الأمراء الظلمة، وأكل طعامهم.
فكان ابن عباس، وابن عمر، يقبلان هدية المختار.
وكان أبو ذر، وأبو الدرداء، لا يُجوِّزان ذلك. حتى رُوي أن أميرًا أهدَى إلى أبي ذر مائة دينار، فقال: هل أهدي إلى كلّ مسلم مثل هذا؟ فقيل: لا، فرَّدها، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦] (١).
والمختارُ: أنه إن كان أكثر ماله حلالًا، بأن كان صاحب تجارة، أو زرع، حلَّ قبول هديته، وأكل طعامه. ولا جرم أن أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام، وتخلو عن كثير، فكانت العبرة للغالب. والأحوط أن لا يقبل؛ لأن شبهة الحرام ربما توقعه في أخذ الحرام (٢).
[حكم الأطعمة في المناسبات]
قوله: وطعام الولادة، والعقيقة، والختان، وقدوم المسافر، والموت،
стр. 1430
ليس بسنة.
منحة السلوك
ليس بسنة (١).
العقيقة: طعام يتخذ عند حلق رأس المولود في اليوم السابع (٢).
وطعام المسافر يسمى نقيعة (٣).
стр. 1431
وطعام العرس سنة.
منحة السلوك
وطعام الموت يُسمى وضيحة (١).
وعند الشافعي: العقيقة سنة (٢).
وعندنا: السنة هي الوليمة فقط (٣)؛ لقوله ﷺ : "أوْلِم ولو بشاةٍ" رواه البخاري، وابن ماجه (٤).
والوليمة: هي أن يدعو الجيران، والأقرباء، والأصدقاء، ويصنع لهم طعامًا، ويذبح لهم (٥).
стр. 1432
وتكره الضيافة بعد الثلاث في الموت.
منحة السلوك
وينبغي للرجل أن يجيب، وإن لم يفعل فقد أثم (١)، لقوله ﷺ : "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" رواه ابن ماجه (٢).
ومحلُّها: أول اليوم؛ لقوله ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة" (٣).
[من أحكام الضيافة]
قوله: وتكره الضيافة بعد الثلاث في الموت.
стр. 1433
ويكره رفع الزلة، إلا بإذن المضيف.
ويحل للضيف في الأصح أن يطعم ضيفًا آخر،
منحة السلوك
لأن الضيافة تتخذ عند السرور والفرح، لا عند الحزن والترح (١).
قوله: ويكره رفع الزلة (٢).
أي: يَحرُم رفع الزلة، إلا بإذن المضيف؛ لأنه مأذونٌ بالأكل لا بالرفع.
قوله: ويحل للضيف في الأصح أن يطعم ضيفًا آخر (٣).
لأنه مأذونٌ فيه عادةً، لتعامل الناس في ذلك، قيد بقوله: "في الأصح"، تنبيهًا إلى رواية في ذلك، وهي رواية محمد؛ لأنه لا يحل، لأنه مأذون بالأكل لا بالطعام.
стр. 1434
وأن يطعم الخادم الواقف على المائدة، ولا يحل له أن يعطي سائلًا، أو داخلًا لحاجته، أو كلبًا، أو هرة للمضيف. فإن أطعم الكلب، أو الهرة، خبزًا محترقًا، أو فتات المائدة، حل ذلك.
منحة السلوك
قوله: وأن يُطعم. أي: يحل للضيف أيضًا أن يطعم الخادم الواقف على المائدة؛ لما ذكرنا.
قوله: ولا يحل له. أي: للضيف أن يُعطي سائلًا، أو رجُلًا داخلًا هناك لحاجته؛ لأنه لا إذن له في ذلك، وكذلك لا يحل له أن يُعطي كلبًا، أو هرة لصاحب الضيافة. فإن أطعم الكلب، أو الهرة، خبزًا محترقًا، أو فتات المائدة، حل ذلك؛ لأنه مأذونٌ فيه عادة.
стр. 1435
فصل
واللبس على ثلاث مراتب:
فرض: وهو قدر ما يستر بدنه، ويدفع عنه ضرر الحر، والبرد، من وسط ثياب القطن، أو الكتان.
منحة السلوك
فصل
هذا الفصل في بيان أنواع اللبس.
[مراتب اللبس: الفرض]
قوله: واللبس على ثلاث مراتب (١): فرضٌ. أي: المرتبة الأولى: فرضٌ: وهو قدر ما يستر بدنه، ويدفع عنه ضرر الحر والبرد (٢)؛ لما مر أن صون نفسه عن الهلاك فرضٌ.
قوله: من وسط ثياب القطن، أو الكتان (٣).
لأن الخير في الوسط؛ لأنه إذا لبس دنيًّا من كل وجه تحقره العيون، وإذا لبس نفيسًا من كل وجه يصير عَلَمًا بين الناس، فيُختار الوسط.
стр. 1436
والقطن عندي أفضل.
ومستحب: وهو لبس الثياب الجميلة، للتجمل، والتزين، وإظهار نعمة الله تعالى.
منحة السلوك
قال المصنف: والقطن عندي أفضل. أي: من الكتان؛ لأنه لباس الصالحين.
[المستحب]
قوله: ومستحب.
أي: المرتبة الثانية: مستحب: وهو لبس الثياب الجميلة للتجمل، والتزين، وإظهار نعمة الله تعالى (١)؛ لما روي: "أنه ﷺ كان له صوفٌ، وعلى كمّه علم حرير" (٢). ورُوي أن أبا حنيفة ارتدى برداء قيمته أربعمائة دينار. ورُوي أنه ﷺ قال: "إن الله يُحب أن يرى أثر نعمته على عبده" رواه الترمذي (٣).
стр. 1437
وحرام: وهو لبسها للتكبر، والخيلاء.
ولبس الثوب الأحمر، والمعصفر، حرام.
منحة السلوك
[المحرم]
قوله: وحرام. أي: المرتبة الثالثة: حرام: وهو لبس الثياب الجميلة؛ للتكبر والخيلاء (١)؛ لقوله ﷺ : "من لبس ثوبًا، كبرًا أعرض الله عنه حتى يضعه متى وضعه" (٢)، وقوله ﷺ : "إن الذي يجر ثوبه من الخيلاء، لا ينظر الله إليه يوم القيامة" رواهما ابن ماجه (٣).
قوله: ولبس الثوب الأحمر، والمعصفر (٤)، حرام (٥).
стр. 1438
و أفضل الثياب البيض.
منحة السلوك
لما روي: "أن رجلًا مرَّ وعليه ثوبان أحمران، فسلَّم على النبي ﷺ فلم يردَّ عليه" أخرجه الترمذي، وأبو داود (١)، وقال علي ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن لُبس القسيّ (٢)، والمعصفر" أخرجه الترمذي، وأبو داود (٣).
[أفضل الثياب]
قوله: وأفضل الثياب البيض (٤).
стр. 1439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
لقوله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيبُ، وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه الترمذي، والنسائي (١).
وأما لبس الأخضر: فقد قال أبو رمثة (٢): "رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان، أخضران" أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. وللنسائي: "وعليه بُردان أخضران" (٣).
стр. 1440
ويستحب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين، إلى وسط الظهر.
منحة السلوك
وأما لبسُ الأسود فقد قال سعد بن أبي وقاص (١): "رأيت رجلًا (٢) على بغلةٍ بيضاء، على رأسه عمامة خز سوداء، وقال: كسانيها رسول الله ﷺ " أخرجه أبو داود (٣).
[إرخاء طرف العمامة]
قوله: ويستحب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين، إلى وسط الظهر (٤).