وآخره طلوع الفجر الصادق. و وقت الوتر: وقت العشاء،
منحة السلوك
أي: غروب الشفق (١)، على الاختلاف أول وقت العشاء، وآخره طلوع الفجر الصادق (٢).
[وقت الوتر]
قوله: ووقت الوتر: وقت العشاء (٣).
وذكر في "المختصر" (٤): وأول وقت الوتر بعد العشاء. قلت: المذكور فيه قولهما (٥).
стр. 352
ويجب تأخيره عنها.
ويستحب الإسفار بالفجر،
منحة السلوك
وأما عند أبي حنيفة: وقته إذا غاب الشفق، إلا أنه مأمور بتقديم العشاء عليه؛ للترتيب كصلاة الوقت، والفائتة (١).
وهذا الاختلاف فرع اختلافهم في صفة الوتر.
قوله: ويجب تأخيره عنها.
أي: تأخير الوتر عن العشاء لما قلنا (٢).
[الإسفار في الفجر]
قوله: ويستحب الإسفار بالفجر (٣).
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
لقوله ﷺ : "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١).
والمراد من الإسفار التنوير (٢)، لا الاصفرار، حتى إن التأخير إنما يستحب بحيث أن يقدر على صلاة بقراءة مسنونة، وترسيلها وإعادتها، وإعادة الوضوء قبل طلوع الشمس، لو ظهر سهو (٣)(٤).
стр. 354
إلا للحاج بمزدلفة، فالتغليس أفضل.
و الإبراد بالظهر في الصيف،
منحة السلوك
قوله: إلا للحاج بمزدلفة، فالتغليس أفضل؛ ليتدارك الوقوف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس (١).
وأصل الغَلَس: ظلام آخر الليل (٢). ولكن المراد به طلوع الفجر الثاني، من غير تأخير قبل أن يزول الظلام وينتشر الضياء. كذا في الطلبة (٣).
[الإبراد بالظهر]
قوله: والإبراد.
أي: يستحب الإبراد بالظهر في الصيف (٤)؛ لحديث أنس ﵁: أنه ﷺ "إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل بالصلاة" رواه النسائي (٥)،
стр. 355
وتعجيلها في الشتاء، وتأخير العصر ما لم يتغير قرص الشمس في الصيف، والشتاء.
منحة السلوك
والبخاري بمعناه (١)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه الترمذي (٢).
قوله: وتأخير العصر.
أي: يستحب تأخير صلاة العصر، ما لم يتغير قرص الشمس في الصيف، والشتاء (٣)؛ لأنه ﷺ كان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية، رواه أبو داود. وروى الدارقطني عن رافع بن خديج (٤)
و تعجيل المغرب دائمًا.
منحة السلوك
الشهيد (١)(٢)؛ لأن ذا يحصل بعد الزوال، فمتى صار القرص بحيث لا تحار فيه العين، فقد تغير وإلا فلا (٣).
[تعجيل المغرب]
قوله: وتعجيل المغرب.
أي: يستحب تعجيل صلاة المغرب دائمًا. يعني: في الصيف، والشتاء، والسفر، والحضر جميعًا (٤)؛ لقوله ﷺ : "لا تزال أمتي بخير، ما لم
стр. 358
وتأخير العشاء إلى ثلث الليل في الشتاء، وتعجيلها في الصيف.
منحة السلوك
يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك (١) النجوم" رواه أحمد وأبو داود (٢).
فإن قلت: كيف وجه التمسك به؟
قلت: لما كان التأخير سببًا لزوال الخير، كان التعجيل سببًا لاستجلابه (٣).
[تأخير العشاء وتعجيلها]
قوله: وتأخير العشاء.
أي: يستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل (٤).
стр. 359
وفي يوم الغيم، تعجيل العصر، والعشاء، ويؤخر الباقي.
منحة السلوك
لحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أخَّر العشاء، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فقال عمر: يا رسول الله نام النساء، والولدان، فخرج فقال: "لولا أن أشقَّ على أمتي، لأمرتهم أن يصلوا العشاء في هذه الساعة رواه البخاري ومسلم (١).
[تعجيل الصلوات وتأخيرها]
قوله: وفي يوم الغيم، تعجيل العصر، والعشاء.
أما العصر: فلئلا يقع في حال تغير الشمس، وأما العشاء: فلئلا يؤدي إلى تقليل الجماعة، على اعتبار المطر، والطين (٢).
قوله: ويؤخر الباقي، وهي الفجر والظهر والمغرب (٣).
أما الفجر: فلأنه إذا عجل لأدى إلى تقليل الجماعة، بسبب الظلمة؛
стр. 360
ولا يجمع بين صلاتين في وقت واحد، إلا بعرفة،
منحة السلوك
ولأنه لم يؤمن أن يقع قبل الصبح.
وأما الظهر: فلئلا يقع قبل الزوال. وأما المغرب: فلئلا يقع قبل الغروب (١).
[الجمع بين الصلاتين]
قوله: ولا يجمع بين صلاتين في وقت واحد.
مثل ما يجمع الشافعية (٢) بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء؛ لعذر السفر والمطر، ولو في الحضر ولا جمع عندنا إلا في موضعين:
الأول: في عرفة. يصلي الإمام بالناس الظهر، والعصر، في وقت الظهر، بأذان، وإقامتين، حتى لا يجوز للمنفرد ذلك، عند أبي حنيفة (٣)، خلافًا لهما (٤).
стр. 361
ومزدلفة.
ويستحب الوتر في آخر الليل، إن وثق بالانتباه
منحة السلوك
والثاني: في مزدلفة، يصلي الإمام بهم المغرب، والعشاء في وقت العشاء، وبأذان وإقامة واحدة (١).
وعند الشافعي: بأذان، وإقامتين (٢).
والدليل لنا في هذا الباب: ما قال ابن مسعود ﵁: "والذي لا إله غيره، ما صلى رسول الله ﷺ صلاة قط، إلا لوقتها، إلا صلاتين جمع بين الظهر، والعصر، بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع" رواه البخاري ومسلم (٣).
[الأفضل في الوتر]
قوله: ويستحب الوتر في آخر الليل، إن وثق بالانتباه (٤).
стр. 362
وإلا فأوله
منحة السلوك
لقوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما (١).
وإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم (٢)؛ لحديث جابر ﵁: أنه ﷺ قال: "أيكم خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر، ثم ليرقد" رواه مسلم، وغيره (٣).
стр. 363
ووقت الجمعة وقت الظهر. ووقت صلاة العيدين من ارتفاع الشمس إلى زوالها.
منحة السلوك
[وقت الجمعة والعيد]
قوله: وقت الجمعة وقت الظهر.
حتى يخرج وقتها بخروج وقت الظهر (١).
وعند مالك: لا يخرج إلى المغرب (٢).
وعند الحنابلة: يجوز قبل الزوال (٣).
قوله: ووقت صلاة العيدين من ارتفاع الشمس إلى زوالها (٤).
стр. 364
و أوقات الكراهية ، ثمانية:
منحة السلوك
لأنه ﷺ كان يصلي العيد والشمس على قيد رمح، أو رمحين (١).
[أوقات الكراهية]
قوله (٢): وأوقات الكراهية ثمانية (٣).
لما فرغ من بيان الأوقات المستحبة، شرع في بيان الأوقات المكروهة، وهي ثمانية على ما يفصل (٤).
стр. 365
ثلاثة يكره فيها كل صلاة، وسجدة التلاوة، والسهو، عند طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها،
منحة السلوك
قوله: ثلاثة.
أي: ثلاثة أوقات يكره فيها كل صلاة، وسجدة التلاوة، والسهو، وهي عند طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها (١)؛ لقول عقبة بن عامر ﵁ (٢): "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا، عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وحين تضيف للغروب حتى تغرب" رواه مسلم، وغيره (٣).
стр. 366
إلا عصر يومه، ووقتان يكره فيهما التطوع، والمنذورة، وركعتا الطواف، وقضاء تطوع إذا أفسده، ولا يكره غير ذلك، وهما: ما بين طلوع الفجر، إلى طلوع الشمس، وما بعد العصر إلى الغروب.
منحة السلوك
قوله: إلا عصر يومه.
لأنه أداه كما وجب، حتى لا يجوز عصر أمسه (١).
قوله: ووقتان.
أي: وقتان من هذه الأوقات الثمانية، يكره فيهما التطوع، والصلاة المنذورة، وركعتا الطواف، وقضاء تطوع إذا أفسده -يعني- بعد الشروع (٢).
ولا يكره غير ذلك، مثل قضاء الفرائض الفائتة، والوتر الفائت، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وهما: ما بين طلوع الفجر، إلى طلوع الشمس، وما بعد العصر إلى الغروب (٣)، لقوله ﷺ : "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب
стр. 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس" رواه البخاري، ومسلم (١).
والنهي لمعنى في غير الوقت، وهو: جعل الوقت كالمشغول فيه، بفرض الوقت حكمًا، وهو أفضل من النفل الحقيقى، فلا يظهر فى حق فرض آخر مثله (٢).
فإن قلتَ: فعلى هذا ينبغي أن لا تكره المنذورة؛ لأنها صارت فرضًا بالنذر، كما هو مذهب أبي يوسف؟ (٣) قلتُ: إن ما التزمه بالنذر نفل؛ لأن النذر سبب موضوع لالتزام النفل.
стр. 368
وثلاثة أوقات يكره فيها التطوع فقط، وذلك بعد الغروب قبل المغرب، ووقت خطبة الجمعة،
منحة السلوك
[وقت كراهية التطوع]
قوله: وثلاثة أوقات.
أي: من الأوقات الثمانية يكره فيها التطوع فقط، لا غير (١).
الأول: بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب؛ لأن فيه تأخير المغرب، وهو مكروه (٢).
والثاني: وقت خطبة الجمعة (٣)؛ لقوله ﷺ : "إذا قلت: لصاحبك أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت" رواه البخاري ومسلم (٤). فإذا كان الأمر
стр. 369
وقبل صلاة العيد.
الثاني: الطهارة: طهارة المصلي (١)، ولباسه، ومكانه شرط.
منحة السلوك
بالمعروف مع كونه فرضًا حرامًا في هذه الحالة، فما ظنك بالنفل (٢).
والثالث: قبل صلاة العيد (٣) لأنها لم تنقل.
[الشرط الثانى: الطهارة]
قوله: الثاني. أي: الشرط الثاني: الطهارة.
قوله: طهارة المصلي، ولباسه، ومكانه شرط (٤).
أما طهارة المصلي، فهي طهارة بدنه من الحدث، والخبث (٥). أما من الحدث؛ فلقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦].
стр. 370
والنجاسة مخففة، وهي: بول الفرس، وما يؤكل لحمه، وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور،
منحة السلوك
وأما من الخبث؛ فلأن الصلاة مناجاة العبد مع ربه، فيجب أن يكون على أحسن الأحوال (١)، وذا في طهارته، وطهارة ما يتصل به (٢).
وأما طهارة لباسه؛ فلقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
وأما طهارة مكانه، فبالاقتضاء؛ لأنه إذا وجب في الثوب، وجب في المكان بطريق الاقتضاء؛ لأنه أَلْزَم للمصلي من الثوب، إذ لا وجود للمصلي بدونه (٣).
[أنواع النجاسة]
قوله: والنجاسة.
يريد أن يبين النجاسة المائعة، من المخففة، والمغلظة. ويريد أن يبين المخففة ما هي؟ والمغلظة ما هي؟ فتقدير كلامه: النجاسة على نوعين: أحدهما: مخففة، وهي: كبول الفرس، وبول ما يؤكل لحمه (٤)، وعند محمد طاهر (٥).
ومن المخفف: خرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور، عند أبي حنيفة (٦).
стр. 371
ويمنع منها قدر ربع العضو أو ربع طرف الإصابة، كالذيل، والدخريص (١)، والكم، ونحوها لا ما دونه.
ومغلَّظة، وهي: بقية النجاسة. ووزن المثقال: عفو في ذات الجرم
منحة السلوك
وعندهما مغلظة (٢). وقد مر بيانه في أول الكتاب (٣).
قوله: ويمنع منها. أي: من المخففة قدر ربع العضو (٤). وقد بيناه.
قوله: لا ما دونه. أي: لا يمنع ما دون الربع (٥).
[النجاسة المغلظة]
قوله: ومغلظة.
أي: النوع الثاني من النجاسة: نجاسة مغلظة، وهي: بقية النجاسات كالعذرة، والأرواث، والأخثاء، وبول ما لا يؤكل لحمه (٦).
قوله: ووزن المثقال وهو الدرهم المثقالي (٧) عفو في ذات الجرم، وهو
стр. 372
مع الكراهة. وقدر عرض الكف في المائعة، وما زاد مانع.
منحة السلوك
النجس المستجسد مع الكراهة (١)(٢).
[القدر المانع من النجاسة]
قوله: وقدر عرض الكف (٣) في المائعة.
أي: في النجاسة المائعة. كالبول، والخمر عفو (٤).
قوله: وما زاد مانع.
أي: ما زاد على قدر المثقال في ذات الجرم، وقدر عرض الكف في المائعة، وما فوقه، مانع من جواز الصلاة (٥).
وقال الشافعي: قليلها وكثيرها مانع من الصلاة، مخففة كانت، أو مغلظة، لإطلاق النص الموجب للتطهير (٦).
стр. 373
ومحل الاستنجاء: خارج عن العفو، ورشاش البول، كرؤوس الإبر عفو.
منحة السلوك
قلنا: التحرز عن القليل لا يمكن، فيجعل عفوًا (١).
وأما التعيين بعرض الكف في المائعة: فلقول عمر ﵁: "مثل ظفري هذا، لا يمنع، حتى يكون أكثر منه" (٢). وظفره كان قريبًا من كفنا (٣).
وأما التقدير بالربع في الخفيفة: فلأن للربع حكم الكل (٤).
[العفو عن النجاسة]
قوله: ومحل الاستنجاء: خارج عن العفو.
لأن محل الاستنجاء ساقط العبرة، فبقي الاعتبار في المنع، والعفو بما وراءها (٥).
قوله: ورشاش البول.
أي: انتضاحه (٦) مثل رؤوس الإبر عفو لا يجب غسله؛ لأنه لا يمكن
стр. 374
ولو صلى على بساط صغير في طرفه نجاسة، لا يصح.
منحة السلوك
الاحتراز عنه، خصوصًا في مهب الرياح (١).
قيل: قوله: "رؤوس الإبر"، يدل على أن الجانب الآخر من الإبر معتبر. وليس كذلك، بل لا يعتبر الجانبان (٢).
وعن أبي يوسف: إذا انتضح من البول شيء يرى أثره، لا بد من غسله إن كان أكثر من قدر الدرهم (٣).
[الصلاة على البساط النجس]
قوله: ولو صلى على بساط صغير في طرفه نجاسة، لا يصح، ولو كان كبيرًا صح. هذا إذا لم تكن النجاسة في موضع قيامه، وكذا إذا لم تكن في موضع سجوده على الصحيح، وإن كانت في غير تلك المواضع تجوز، صغيرًا كان البساط، أو كبيرًا. وهو المختار (٤).
وقيل: إن كان صغيرًا لا يجوز، وإن كان كبيرًا بحيث لو رفع أحد طرفيه لا يتحرك الطرف الآخر جاز (٥).
стр. 375
ولو حمل المصلي نافجة مسك،
منحة السلوك
وذكر في "الواقعات" إذا كان البساط بحال يتحرك الطرف الذي عليه النجاسة بقيامه، أو قعوده، لا تجوز صلاته. وإن كان بخلافه يجوز (١).
ولو كان البساط مُبطَّنًا، فأصابت النجاسة البِطانة فصلى على طهارته، وهو قائم في ذلك الموضع يجوز، عند محمد (٢).
وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز.
وذكر في القدوري: رجل سجد على فراش، وجهه طاهر، وفي باطنه نجاسة، جاز. بخلاف حشو الجبة، حيث يمنع تنجسه الجواز.
[حمل نافجة المسك في الصلاة]
قوله: ولو حمل المصلي نافجة مسك.
النافجة: معربة من العجم. وأصلها نافة، وهي: السرة (٣).
стр. 376
إن كانت بحيث لو أصابها الماء لا يفسدها، تصح مطلقًا، وإن كان يفسدها الماء تصح، بشرط كونها من حيوان مذكى.
منحة السلوك
صورته: إذا صلى رجل وهو حامل نافجة مسك، فلا تخلو النافجة: إما أن تكون بحيث لو أصابها الماء لا يفسدها، أي: لا يغيرها إلى النتن، والفساد، صحت صلاته مطلقًا. يعني: سواء كانت النافجة من حيوان مذكى، أو غير مذكى؛ وإن كانت يفسدها الماء لا تصح صلاته، إلا إذا كانت من حيوان مذكى؛ لأن للتذكية أثرًا في الطهارة (١).
وذكر في "شرح الكنز" (٢) فخر الدين الزيلعي (٣) ﵀: الأصح أن النافجة، طاهرة بكل حال (٤).
стр. 377
ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة، وربع ثوبه طاهر، صلى فيه حتمًا، ولم يعد، وإن كان الطاهر أقل من الربع، يخير بين الصلاة، فيه
منحة السلوك
[جواز الصلاة في الثوب النجس]
قوله: ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة.
كلمة "ما" مقصورة غير ممدودة؛ ليتناول الماء، وجميع المائعات الطاهرة.
قوله: وربع ثوبه. أي: والحال أن ربع ثوبه طاهر، فقط.
قوله: صلى فيه. أي: في ذلك الثوب الذي ربعه طاهر.
قوله: حتمًا. أي: على وجه الحتم، أي: الوجوب.
قوله: ولم يعد. أي: ولا يعيد صلاته التي صلاها في ذلك الثوب بعد القدرة على الثوب الطاهر؛ لأنه أدى ما وجب عليه، فلا يطالب بالإعادة (١).
قوله: وإن كان الطاهر أقل من الربع.
أي: وإن كان الطاهر من الثوب أقل من الربع يخير بين الصلاة فيه
стр. 378
وبين الصلاة عاريًا والأول أفضل.
الثالث: ستر العورة، وعورة الرجل: ما بين سرته إلى ركبته،
منحة السلوك
قائمًا بركوع، وسجود، وبين الصلاة عاريًا قاعدًا بالإيماء؛ لأنه ابتلي ببليتين فيخير. وهذا عندهما (١).
وعند محمد وزفر: يلزمه أن يصلي فيه بركوع وسجود (٢).
قوله: والأول أفضل.
أي: الصلاة فيه قائمًا بركوع، وسجود، أفضل عندهما، كما هو الواجب عند محمد (٣).
[الشرط الثالث: ستر العورة]
قوله: الثالث.
أي: الشرط الثالث: ستر العورة. وقد مر الدليل فيه (٤).
قوله: وعورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته.
стр. 379
والركبة عورة، والسرة لا.
منحة السلوك
هذا لفظ الحديث (١)، ويروى "عورة الرجل ما دون سرته حتى يجاوز ركبته" (٢). فتبين أن السرة ليست بعورة؛ والركبة عورة (٣).
وقال الشافعي: الركبة ليست بعورة.
وأما السرة: فكذلك ليست بعورة عنده على الصحيح (٤).
стр. 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
وما ذكره صاحب "المنظومة" (١) من قوله: "ثم منها السرة" (٢) ليس بمعتمد مذهبه (٣).
стр. 381
والحرة (١): جميع بدنها، وشعرها عورة، إلا الوجه، والكفين، والقدمين.
منحة السلوك
[عورة الحرة]
قوله: والحرة: جميع بدنها، وشعرها عورة (٢).
لقوله ﷺ : "الحرة عورة مستورة" (٣)، أي: يجب سترها، وهي اسم للمجموع، فيتناول كلها.
فإن قلت: الحرة الصيغة صيغة الإخبار حقيقة، فكيف تأولها هكذا؟
قلت: نعم إخبار حقيقة، لكنها غير مرادة؛ لأنا نشاهدها غير مستورة، فلو حمل على حقيقته، للزم الخلف في كلام الشارع، فحملناه على وجوب
стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
الستر، إذ الوجوب ملازم للإخبار، والوجوب مفضٍ إليه.
فإن قلتَ: ما ذكرت من النص، فهو عام يتناول جميع بدنها على ما قلت: فبأي شيء خرج منه البعض، وهو وجهها، وكفاها، وقدماها؟ قلتُ: خرجت تلك الأشياء؛ للضرورة، فإن المرأة لا تجد بُدًّا من مناولة الأشياء بيدها، وتحتاج إلى كشف وجهها، خصوصًا في الشهادة، والمحاكمة، والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات، وظهور قدميها، لا سيما الفقيرات منهن، فلو جعلت هذه الأشياء عورة لحرجن. على أن هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أي: إلا ما جرت العادة، والجبلة على ظهوره.
ورأيت في بعض النسخ (١): "وعورة الحرة جميع بدنها، وشعرها عورة".
والأول: أصوب على ما لا يخفى على الفطن (٢).
وإنما أفرد الشعر بالذكر بقوله: "وشعرها" وإن كان داخلًا في قوله: "جميع بدنها" تنبيهًا على أن الأصح، أن شعرها عورة (٣). فافهم.
стр. 383
و عورة الأمة ، مثل عورة الرجل. مع زيادة بطنها وظهرها.
منحة السلوك
[عورة الأمة]
قوله: وعورة الأمة مثل عورة الرجل.
لأنها محل الشهوة، فما كان عورة في حقه، كان عورة في حقها بالطريق الأولى (١).
وبطنها، وظهرها، عورة أيضًا؛ لأن النظر إليها سبب للفتنة، وما سوى ذلك ليس بعورة (٢).
والمُكاتَبة (٣)، وأم الولد، والمُدبّرة (٤)، كالأمة (٥).
стр. 384
و العورة الغليظة، والخفيفة ، سواء.
منحة السلوك
[العورة الغليظة والخفيفة]
قوله: والعورة الغليظة، والخفيفة، سواء.
أي: في حكم الانكشاف المانع، وغير المانع (١).
والعورة الغليظة: هي القبل، والدبر (٢).
والخفيفة: غيرهما من موضع العورة (٣).
وفائدة كونهما على السواء: تظهر فيما إذا انكشف قدر ربع العضو، تمنع سواء كانت من الخفيفة، أو الغليظة، وما دونه لا يمنع فيهما. وهذا هو الصحيح (٤).
وذكر الكرخي: أنه يعتبر في الغليظة قدر الدرهم، وفي الخفيفة الربع، كما في نوعي النجاسة. وهذا ليس بقوي؛ لأنه قصد به التغليظ في العورة الغليظة، وهو في الحقيقة تخفيف؛ لأنه اعتبر في الدبر قدر الدرهم، والدبر لا يكون أكثر من قدر الدرهم. فهذا يقتضي جواز الصلاة، وإن كان كل الدبر مكشوفًا، وهو تناقض (٥).
стр. 385
وما دون ربع العضو، عفو. والربع مانع.
منحة السلوك
قوله: وما دون ربع العضو عفو.
[انكشاف العورة فى الصلاة]
يعني: إذا انكشف ما دون ربع العضو مما ذكرنا أنه عورة، لا يمنع جواز الصلاة، وإذا انكشف قدر الربع يمنع، وإذا انكشف ربع ساقها فكذلك يمنع (١).
وقال أبو يوسف: إن كان المكشوف أكثر من النصف يمنع، وإن كان أقل منه لا يمنع (٢).
وفي النصف: عنه روايتان (٣).
وأما الخصيتان: فقيل: إنهما تابعان للذكر، فيعتبر الكل عضوًا واحدًا (٤).
стр. 386
والساتر الرقيق، الذي لا يمنع رؤية العورة، لا يكفي.
منحة السلوك
والصحيح: أنه يعتبر كل واحد عضوًا على حدة، كما في الدية (١).
ومذهب الشافعي أن قليل الانكشاف، وكثيره مانع (٢).
[اللباس الشفاف]
قوله: والساتر الرقيق الذي لا يمنع رؤية العورة، لا يكفي (٣).
أي: لا يكفي لجواز الصلاة، لعدم الستر الواجب عليه، هذا إذا وجد غيره، أما إذا لم يجد غير ذلك فله أن يصلي فيه؛ لأنه لا تكون حاله أدنى من العاري، وصلاة العاري جائزة، فهذا أولى.
وإذا صلى في ثوب واحد، محلول الجيب: أشار في "نوادر ابن
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
شجاع" (١) إلى أنه يجوز، وسوَّى بين كث اللحية، وخفيفها. فإنه ذكر عن أبي حنيفة، وأبي يوسف: أنه لو نظر إلى عورته لا تفسد صلاته، وهو الصحيح. ذكره في "الغنية" (٢).
وقال القدوري (٣): ذكر ابن شجاع أنه إذا كان محلول الأزرار، وكان
стр. 388
ومن فقد الساتر، صلى عريانًا قاعدًا يوميء بالركوع، والسجود، أو قائمًا يركع، ويسجد. والأول أفضل.
منحة السلوك
إذا نظر رأى عورة نفسه من زيقه (١)، لم يجز (٢).
قال في "الواقعات": إنما لا تفسد صلاة المصلي إذا نظر إلى عورته؛ لأن العورة إنما تعتبر عورة في حق غيره دون نفسه.
[صلاة العاري]
قوله: ومن فقد الساتر.
أي: ومن لم يجد ما يستر به عورته، صلى عريانًا قاعدًا، يوميء بالركوع، والسجود، أو صلى قائمًا بركوع، وسجود.
والأول: أفضل؛ لأنه أستر (٣).
وقال الشافعي: يلزمه أداء الصلاة بإتمام أركانها، وبه قال زفر (٤).
стр. 389
الرابع: استقبال القبلة. وفرضه عين الكعبة للمكي، وجهتها لغيره.
منحة السلوك
[الشرط الرابع: استقبال القبلة]
قوله: الرابع.
أي: الشرط الرابع: استقبال القبلة، وقد مرَّ الدليل فيه (١).
[الفرض في الاستقبال]
قوله: وفرضه عين الكعبة للمكي.
هذا بالإجماع (٢)، حتى لو صلى المكي في بيته، ينبغي أن يصلي بحيث لو أُزيلت الجدران، يقع استقباله على شطر الكعبة، بخلاف الآفاقي (٣)(٤).
قوله: وجهتها.
أي: فرض جهة الكعبة لغير المكي؛ لأنه ليس في وسعه إلا هذا،