ويستحب يوم الفطر أن يطعم الإنسان قبل الصلاة، وفي الأضحى بعدها،
منحة السلوك
ويشترط لها ما يشترط للجمعة، إلا الخطبة؛ فإنها ليست من شرائط العيد (١).
[ما يستحب في العيدين]
قوله: ويستحب يوم الفطر أن يطعم الإنسان قبل الصلاة (٢).
لما روي عن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا" أخرجه البخاري (٣).
قوله: وفي الأضحى بعدها.
أي: يستحب أن يطعم في الأضحى بعد الصلاة (٤)؛ لتكون البداية من
стр. 565
ويغتسل فيهما، ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه. ويتوجه إلى المصلى وهو غير مُكبِّر جهرًا،
منحة السلوك
لحوم القرابين (١)، التي هي ضيافة الله تعالى لعباده في هذا اليوم (٢).
قوله: ويغتسل فيهما.
أي: في العيدين (٣) وهذا مكرر؛ لأنه ذكر مرة في باب الغسل (٤).
قوله: ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه.
لأنه يوم ازدحامٍ، حتى لا يتأذى البعض برائحة البعض (٥).
قوله: ويتوجه إلى المصلى وهو غير مُكبِّر جهرًا.
стр. 566
بخلاف الأضحى، فإنه يكبر فيه جهرًا طول الطريق. وصلاة الأضحى كالفطر،
منحة السلوك
هذا عند أبي حنيفة؛ لأن الأصل في الدعاء الإخفاء (١).
وعندهما: يجهر اعتبارًا بالأضحى (٢).
قوله: بخلاف الأضحى، فإنه يكبر فيه جهرًا. بالاتفاق (٣)؛ لأنه يوم تكبيرٍ فاختص به (٤).
[صفة صلاة العيدين]
قوله: وصلاة الأضحى كالفطر.
يعني: كلاهما على صورة واحدة، وهي: أن يصلي الإمام بالناس ركعتين، يكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح، ثم يكبر ثلاثًا، ثم يقرأ، ثم إذا فرغ
стр. 567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
من القراءة من الركعة الثانية يكبر ثلاثًا، ثم يكبر للركوع، فتكون التكبيرات الزائدة ستًا (١). وهذا قول ابن مسعود (٢).
وعند الشافعي: يكبر سبعًا في الركعة الأولى بعد تكبيرة الافتتاح بالذكر بينهن، وخمسًا في الثانية قبل القراءة (٣)، فتكون الزوائد عنده اثني عشر. وهذا قول ابن عباس، صححه البخاري، وغيره (٤).
وعند مالك (٥)، وأحمد بن حنبلٍ (٦): ست في الأولى، وخمس في الثانية، ويرفع يديه في الزوائد إلا في تكبيرتي الركوع (٧). وعن أبي يوسف:
стр. 568
ويستحب تعجيلها.
والوقوف يوم عرفة في موضع آخر، تشبهًا بأهل عرفة بدعة.
منحة السلوك
أنه لا يرفع في شيء منها؛ اعتبارًا بتكبيرتي الركوع (١).
قوله: ويستحب تعجيلها.
أي: تعجيل صلاة الأضحى؛ لأجل ذبح القرابين، ليكون بداية الفطر من لحومها (٢).
[التعريف يوم عرفة]
قوله: والوقوف يوم عرفة في موضع آخر، مثل ما يقف أهل القدس تشبهًا بأهل عرفة بدعة (٣).
وقيل: يستحب ذلك؛ لأنه تشبه بأهل الطاعة، فيكون لهم ثوابهم (٤). وعن ابن عباس أنه فعل ذلك بالبصرة (٥).
стр. 569
وتكبير التشريق: أوله بعد الفجر من يوم عرفة، وآخره: بعد عصر يوم النحر.
منحة السلوك
قلنا: هذه عبادة مخصوصة بمكان، فلا تصير عبادةً في غيره، فإن من طاف حول مسجدٍ سوى الكعبة يخشى عليه الكفر، وما نقل عن ابن عباس، فذا في الوعظ (١).
[زمن التكبير]
قوله: وتكبير التشريق (٢): أوله بعد الفجر من يوم عرفة، وآخره: بعد عصر يوم النحر، فيكون: ثمان صلوات، وهذا قول: أبي حنيفة، والمأثور عن المشايخ الكبار من الصحابة، كأبي بكر، وعمر، وابن مسعود ﵃ (٣).
وعندهما: أوله هكذا، ولكن يختم في عصر آخر أيام التشريق، فتكون ثلاثًا وعشرين صلاة، وهو قول: شبان الصحابة كعلي، وابن عباس، وزيد ابن ثابت، والفتوى عليه (٤).
стр. 570
و صفته: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، مرة واحدة
منحة السلوك
وعند الشافعي (١): مبدؤه من ظهر يوم النحر، ويختم في فجر آخر أيام التشريق.
[صفته]
قوله: وصفته. أي: صفة التكبير.
قوله: مرةً واحدةً.
أي: يقوله: "مرة واحدة" على سبيل الوجوب، وما زاد فمستحب (٢).
стр. 571
بعد الفرض.
وإنما يجب على كل مسلم، مقيم، مصلي، وصلى في جماعة مستحبة لا غير،
منحة السلوك
قوله: بعد الفرض.
أي: بعد صلاة الفرض حتى لا يكبر عقيب الوتر، والسنن، والنوافل (١).
قوله: وإنما يجب، أي: التكبير على كل مقيم، احترز به عن المسافر.
مصلي في جماعة: احترز به عن المنفرد.
مستحبةٍ: احترز به عن جماعة النساء فإنها مكروهة وهذا عنده (٢).
وعندهما: التكبير تبع للفرض، فمن عليه الفرض فعليه التكبير (٣)، وبه قال: الشافعي (٤).
стр. 572
ولا يكبر بعد الوتر، ولا صلاة العيد، ويكبر بعد الجمعة، فإن ترك الإمام التكبير كبر المأموم، ويستحب اختلاف الطريق في صلاة العيد.
منحة السلوك
قوله: ولا يكبر بعد الوتر، لأنه ليس بفرض، وكذا لا يكبر بعد صلاة العيد، ويكبر بعد الجمعة؛ لأنها فرض خلف عن الظهر (١).
قوله: فإن ترك الإمام التكبير -سواء كان على طريق النسيان، أو غيره- كبر المأموم؛ لأنه لا يسقط عنه بترك إمامه (٢).
قوله: ويستحب اختلاف الطريق في صلاة العيد (٣).
لما روي عن ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق آخر" رواه أبو داود، وابن ماجه (٤). والله أعلم.
فصل في صلاة المسافر
المسافر السفر المرخص للمطيع والعاصي، مقدر بثلاثة أيام
منحة السلوك
فصل في صلاة المسافر
وجه المناسبة بين الفصلين: من حيث أن صلاة العيد ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان أيضًا، سوى المغرب.
[الرخصة في السفر]
قوله: السفر المرخص للمطيع والعاصي.
أي: السفر المرخص لقَصْر الصلاة، وترك الصوم، ونحوهما، مقدر بثلاثة أيام، ولياليها (١)، سواء كان المسافر مطيعًا، أو عاصيًا، مثل قاطع الطريق، والعبد الآبق.
وعند الشافعي: لا يرخص للعاصي (٢).
стр. 575
بسير الإبل، ومشي الأقدام.
منحة السلوك
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
وأما تقدير المدة بالثلاثة: فلقوله ﷺ : "يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها" (١).
ووجه الاستدلال: أن المسافر ذُكر محلى بالألف واللام، فاستغرق الجنس؛ لعدم المعهود، واقتضى تمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام ولياليهن، ولا يتصور أن يمسح كل مسافر ثلاثة أيام، إلا وأن يكون أقل مدة السفر ثلاثة أيام؛ إذ لو كان أقل من ذلك لخرج بعض المسافرين عن استيفاء هذه الرخصة، والزيادة عليها منتفية إجماعًا، فكان الاحتياج إلى إثبات أن الثلاثة أقل مدة السفر (٢).
قوله: بسير الإبل، ومشي الأقدام (٣).
وذلك لأن أعجل السير سير البريد (٤)، وأبطؤه سير العجلة، وخير الأمور أوسطها.
стр. 576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
وعن أبي حنيفة: أنه اعتبر ثلاث مراحل، وهو قريب من ثلاثة أيام؛ لأن العادة من السير في كل يوم مرحلة خصوصًا في أقصر أيام السنة (١)، ولا معتبر بالفراسخ؛ لأن ذا يختلف باختلاف الطرق في السهول، والجبال، والبحار (٢).
وقيل: يعتبر بالفراسخ واحد وعشرون، أو ثمانية عشر، أو خمسة عشر (٣).
ولا يعتبر السير في الماء بالسير في البر، والمعتبر في البحر (٤) ما يليق بحاله كما في الجبل.
والفتوى: على أن ينظر أن السفينة كم تسير في ثلاثة أيام، ولياليها، عند استواء الريح، بحيث لم تكن عاصفة شديدة، ولا هادئة، فيجعل ذلك أصلًا (٥).
стр. 577
وفرض المسافر في كل رباعية ركعتان. فلو صلى أربعًا، وقرأ في الأوليين، وقعد في الثانية، قدر التشهد، وقعت الأوليان فرضًا، وما بعدهما نفلًا، وإن لم يقعد بطلت.
منحة السلوك
[القصر في الرباعية]
قوله: وفرض المسافر في كل رباعية.
مثل الظهر، والعصر، والعشاء، ركعتان، ولا يقصر المغرب، ولا الوتر، وإن كان أبو حنيفة يقول بفرضيته (١).
وفائدة هذه المسألة: تظهر في التي تليها وهي:
قوله: فلو صلى أربعًا.
أي: فلو صلى المسافر الرباعية أربعًا على حالها ولم يقصر، ينظر: إن كان قرأ في الأوليين، وقعد في الركعة الثانية قدر التشهد صحت صلاته، وتصير الأوليان فرضًا، والأخريان نفلًا، وإن لم يقعد في الثانية قدر التشهد، بطلت صلاته؛ لأن القعدة في الثانية فرض في حقه وقد تركه (٢).
والشافعي يخالفنا في ذلك (٣).
والأصل فيه: أن القصر هل هو رخصة، أو عزيمة؟
فعندنا عزيمة، وعنده رخصة (٤). يظهر بالتأمل.
стр. 578
وي ترخص المسافر بمفارقة بيوت المصر حتى يرجع إليها، أو ينوي الإقامة في بلد، أو في قرية خمسة عشر يومًا،
منحة السلوك
[ترخص المسافر]
قوله: ويترخص المسافر بمفارقة بيوت المصر.
حتى لو كان أمامه دار، أو داران، لا يقصر (١)؛ لما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين" رواه أبو داود، ومسلم (٢).
قوله: حتى يرجع إليها.
أي: إلى بيوت مصره، فإذا رجع إليها، ودخل فيها أتمَّ، وإن لم ينو الإقامة (٣).
قوله: أو ينوي الإقامة في بلد، أو في قرية خمسة عشر يومًا (٤).
стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
أما النية: فلأن السفر لا ينقطع إلا بالإقامة الصحيحة، وذلك بالنية (١).
وأما تقديرها بخمسة عشر يومًا: فلما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا، أتم الصلاة" (٢) وروي مثله عن سعيد ابن جبير (٣)،
стр. 580
لا في مفازة
منحة السلوك
وسعيد بن المسيب (١). كذا ذكره محمد بن الحسن في "موطئه" (٢).
قوله: لا في مفازة (٣).
أي: لا تصح نية إقامته بخمسة عشر يومًا، أو أكثر، في مفازةٍ؛ لأنها ليست بمحل للإقامة، فلم تصادف النية محلها، فلغت (٤).
стр. 581
فيتم.
ولو دخل مصرًا، ولم ينو الإقامة فيه، وتمادت حاجته أشهرًا ترخص،
منحة السلوك
قوله: فيتم.
أي: حين رجع إلى مصره ودخلها، وحين نوى الإقامة في بلدٍ، أو قرية بخمسة عشر يومًا، يتم الصلاة (١).
قوله: ولو دخل مصرًا، ولم ينو الإقامة فيه، وتمادت.
أي: تطاولت حاجته شهرًا، وذكر الشهر تمثيل لا تقييد، حتى لو لم ينو الإقامة، وبقي على ذلك سنين يترخص برخص المسافرين (٢)؛ لما روي عن
стр. 582
ولا تصح نية إقامة العسكر المحارب للكفار، أو البغاة،
منحة السلوك
جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا، يقصر الصلاة" رواه أبو داود (١).
قوله: ولا تصح نية إقامة العسكر المحارب للكفار، أو البغاة (٢).
لأن حالهم يبطل عزيمتهم؛ لأنهم إما أن هزموهم، أو انهزموا بإزعاجهم (٣).
وعند زفر، وهو رواية عن أبي يوسف: أنه تصح نيتهم الإقامة (٤).
стр. 583
بخلاف أهل الكلأ.
منحة السلوك
قوله: بخلاف أهل الكلأ (١).
أي: تصح نية إقامتهم، وهم أهل الأخبية (٢)، والخيام (٣) كالأعراب (٤)، والأتراك، والأكراد؛ لأن الإقامة للمرء أصل، والسفر عارض، فلا يبطل بالانتقال من مرعى إلى مرعى (٥).
стр. 584
ويتم المسافر المقتدي بالمقيم، وإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم، وقال: أتموا صلاتكم فإنا قوم
منحة السلوك
وعن أبي يوسف: أن الرعاة إذا كانوا في تطوافٍ وترحال، من المفاوز، والمهامة، من مساقط الغيث، إلى مساقط الغيث، ومعهم رحالهم، وأثقالهم، كانوا مسافرين حيث نزلوا، إلا إذا نزلوا مرعى كثير الكلأ والماء، واتخذوا المخابز، والمعالف، والأواري (١)، وضربوا الخيام، وعزموا على الإقامة مدة خمسة عشر يومًا، والكلأ والماء يكفيهم، فإني أستحسن أن أجعلهم مقيمين (٢).
[إمامة المسافر بالمقيم]
قوله: ويتم المسافر المقتدي بالمقيم.
لأن التبعية معتبرة، كنية الإقامة (٣).
قوله: وإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم.
أي: على رأس الركعتين، وقال للجماعة: أتموا صلاتكم، فإنا قوم
стр. 585
سفر، فيتمون صلاتهم بغير قراءة، ومن توطن في غير وطنه،
منحة السلوك
سفر (١)، بذلك فعل رسول الله ﷺ حين صلى بأهل مكة في سفره (٢). وهذا إعلام من الإمام للقوم، وهو مستحب. والسفر بسكون الفاء: جمع سافر، كركب: جمع راكب.
قوله: ومن توطن في غير وطنه (٣)،
стр. 586
ثم دخل وطنه الأول قصر.
وفائتة الحضر تقضى في السفر أربعًا (١)،
منحة السلوك
ثم دخل وطنه الأول قصر (٢).
صورته: شامي انتقل من الشام بأهله، وعياله، وتوطن مصر، ثم سافر فدخل الشام، يقصر الصلاة؛ لأنه لم يبق وطنًا له؛ لإبطاله الوطن الأول بتوطنه في غيره، كمكة للنبي ﷺ (٣).
[قضاء فائتة الحضر في السفر والعكس]
قوله: وفائتة الحضر تقضى في السفر أربعًا.
لأن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، فيحكيه (٤)، وعلى هذا
стр. 587
وفائتة السفر تقضى في الحضر ركعتين، والمعتبر في ذلك آخر الوقت.
منحة السلوك
الأصل تقضى فائتة السفر في الحضر ركعتين (١)، إلا عند الشافعي تقضى أربعًا (٢).
قوله: والمعتبر في ذلك.
أي: في وجوب القضاء أربعًا، وركعتين آخر الوقت عندنا، وذلك بقدر التحريمة (٣).
وعند زفر: يعتبر قدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه، حتى أن المسافر لو أقام في آخر الوقت، وبقي منه قدر ما يتمكن من أن يصلي فيه ركعتين قصر عنده، وإن بقي أقل منه أتم، والحيض، والطهر على هذا (٤)، وقد مر في أول كتاب الصلاة (٥).
стр. 588
ويصير المسافر مقيمًا بمجرد النية، ولا يصير المقيم مسافرًا إلا بالنية مع الخروج.
ويباح السفر يوم الجمعة ، قبل الزوال وبعده.
منحة السلوك
[أثر النية في السفر والإقامة]
قوله: ويصير المسافر مقيمًا بمجرد النية (١).
لأن النية هي المعتبرة في تغيير حاله، فيؤثر فيما يصادف محلها حتى لا يصير المقيم مسافرًا إلا بالنية مع الخروج.
[السفر يوم الجمعة]
قوله: ويباح السفر يوم الجمعة، قبل الزوال وبعده (٢).
أما بعد الزوال فظاهر، وأما قبله فلما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة (٣) في سرية، فوافق ذلك يوم
стр. 589
ومن بدا له الرجوع من الطريق إلى مصره، وليس بينهما مدة سفر صار مقيمًا في الحال، وهو مسافر
منحة السلوك
الجمعة، فغدا أصحابه، وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله ﷺ ثم ألحقهم، فلما صلى مع رسول الله ﷺ رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم فقال: لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم" أخرجه الترمذي (١).
[أثر المسافة في السفر]
قوله: ومن بدا له -أي: ظهر (٢) له- أن يرجع من الطريق إلى مصره، وليس بينهما.
أي: بينه وبين مصره مدة سفرٍ، وهي ثلاثة أيام صار مقيمًا في الحال، فلا يقصر الصلاة؛ لعدم وجود مدة السفر (٣).
قوله: وإلا فهو مسافر.
стр. 590
حتى يصل إلى مصره. وكل تبع يصير مقيمًا بنية متبوعه، إذا علم بها.
منحة السلوك
أي: وإن كان بينه وبين مصره مدة سفرٍ فهو مسافر، حتى يدخل مصره؛ لوجود مدة السفر فلا يتم الصلاة (١).
[التابع تابع]
قوله: وكل تبع يصير مقيمًا بنية متبوعه إذا علم بها (٢).
أي: بنية متبوعه فالتبع كالجندي (٣)، والعبد، والمرأة، والأجير، والتلميذ (٤). والمتبوع كالأمير، والمولى، والزوج، والمستأجر، والأستاذ (٥).
стр. 591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
والمرأة إنما تكون تبعًا للزوج إذا أوفاها مهرها المعجل، وإلا فلا، قبل الدخول وبعده (١).
والجندي: إنما يكون تبعًا للأمير إذا كان يرتزق من الأمير (٢).
ولو كان العبد مشتركًا بين مسافر ومقيم قيل: يتم، وقيل: يقصر، وقيل: إن كان بينهما مهايأة (٣) في الخدمة يقصر في نوبة (٤) المسافر، ويتم في نوبة المقيم (٥).
стр. 592
فصل في صلاة المريض
من عجز عن القيام صلى قاعدًا يركع ويسجد،
منحة السلوك
فصل في صلاة المريض
وجه المناسبة بين الفصلين من حيث وجود المشقة في كل منهما.
[صفة صلاة المعذور]
قوله: من عجز عن القيام صلى قاعدًا يركع ويسجد (١).
стр. 593
فإن لم يطق الركوع والسجود أومأ
منحة السلوك
لما روي عن عمران بن الحصين ﵁ (١) قال: كان بي الناصور (٢)، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" رواه أبو داود، وابن ماجه، والبخاري (٣)، ولكن في البخاري "كانت بي بواسير" (٤).
قوله: فإن لم يطق. أي: إن لم يقدر على الركوع، والسجود، أومأ
стр. 594
قاعدًا، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، ولا يرفع إلى وجهه شيئًا يسجد عليه،
منحة السلوك
قاعدًا، وجعل سجوده أخفض من الركوع؛ ليتحقق الفرق بينهما (١)، ويقعد مثل القعود في الصلاة (٢)، وقيل: يتربع (٣)(٤). والفتوى على الأول (٥).
قوله: ولا يرفع إلى وجهه شيئًا ليسجد عليه (٦)؛ لما روي أن ابن مسعود ﵁ دخل على مريض يعوده، فرآه يسجد على عودٍ فانتزعه، وقال: "هذا مما عرض به لكم الشيطان" (٧).
стр. 595
فإن لم يطق القعود استلقى على ظهره، وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ بالركوع والسجود، أو اضطجع على جنبه متوجهًا إليها. والأول أولى،
منحة السلوك
قوله: فإن لم يطق القعود. أي: فإن لم يقدر على القعود أيضًا استلقى (١) على ظهره، وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ (٢) بالركوع والسجود (٣)، وينبغي أن يوضع تحت رأسه وسادة حتى يكون شبه القاعد؛ ليتمكن من الإيماء بالركوع والسجود؛ إذ حقيقة الاستلقاء يمنع الإيماء للصحيح فكيف للمريض (٤).
أو اضطجع على جنبه متوجهًا إليها: أي: إلى القبلة (٥)، وهذه رواية
стр. 596
فإن لم يطق الإيماء برأسه أخَّر الصلاة ولم تسقط ما دام مفيقًا،
منحة السلوك
الطحاوي عن أبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي أيضًا (١).
قوله: فإن لم يطق الإيماء. أي: إن لم يقدر على الإيماء برأسه أيضًا أخر الصلاة (٢)؛ لأن التكليف بقدر الوسع (٣).
قوله: ولم تسقط الصلاة ما دام مفيقًا.
لأنه يفهم مضمون الخطاب فلا يسقط، وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة (٤)، بخلاف المغمى عليه (٥).
وقيل: الأصح أن عجزه إن زاد على يوم وليلة لا يلزمه القضاء، وإن كان دون ذلك يلزمه كما في الإغماء؛ لأن مجرد العقل لم يكفِ لتوجه الخطاب (٦)، فقد ذكر محمد أن من قطعت يداه من المرفقين، وقدماه من
стр. 597
ولا يُومِيء بغير رأسه، وإن قدر على القيام لا على الركوع والسجود صلى قاعدًا يوميء بهما
منحة السلوك
الساقين، لا صلاة عليه (١).
قوله: ولا يوميء بغير رأسه.
يعني: العاجز عن الإيماء برأسه لا يوميء بعينيه، وحاجبيه، وقلبه (٢).
وقال زفر: يوميء بهذه الأعضاء عند العجز (٣).
قوله: وإن قدر على القيام لا على الركوع والسجود، صلى قاعدًا يوميء بهما.
أي: بالركوع والسجود؛ لأن فرضية القيام لأجل الركوع والسجود، ويسقط عند سقوط ما هو الأصل (٤).
стр. 598
أو قائمًا. والأول أولى.
ومن مرض في صلاته بنى على حسب ما يقدر، ومن صلى قاعدًا ثم صح بنى قائمًا.
منحة السلوك
قوله: أو قائمًا.
أي: أو صلى قائمًا مومئًا، ولكن الأول أولى؛ لأنه أشبه بالسجود (١).
[المرض في الصلاة]
قوله: ومن مرض في صلاته بنى على حسب ما يقدر (٢).
صورته: ابتدأ الصلاة قائمًا، ثم عرضه مرض، فعجز عن القيام أتمها قاعدًا، وإن عجز عن القعود مع الركوع والسجود أومأ قاعدًا، وإن عجز عن هذا استلقى وأومأ مستلقيًا؛ لأنه بناء الضعيف على القوي (٣).
قوله: ومن صلى قاعدًا، ثم صح. أي: مريض كان يصلي قاعدًا، ثم جاءته الصحة، بنى صلاته قائمًا، ولا يستأنف عندهما (٤)، وقال محمد:
стр. 599
ومن صلى مومئًا ثم صح فيها استقبل، ومن جُنَّ أو أغمي عليه يومًا وليلة قضى
منحة السلوك
يستأنف (١)، والأصل ما مر (٢) في جواز اقتداء القائم بالقاعد (٣).
[قضاء المعذور للصلاة]
قوله: ومن صلى مومئًا ثم صح فيها استقبل.
أي: الصلاة؛ لأن بناء القوي على الضعيف لا يجوز (٤)
قوله: ومن جُنَّ (٥)، أو أغمي عليه يومًا وليلةً، قضى.
أي: قضى صلوات ذلك اليوم والليلة بعد الإفاقة (٦).
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
وقال الشافعي: لا يقضي إذا أغمي عليه وقت صلاة كاملة لأنه عجز مانع عن فهم الخطاب فنافى الوجوب إذا استوعب وقت صلاة (١).
ولنا: ما روي أن عليًا ﵁ "أغمي عليه أربع صلوات فقضاهن" (٢)، وابن عمر ﵄ "أغمي عليه أكثر من يوم وليلة فلم يقض" (٣).