وفي الصحو لا بد من أهل محلة، أو خمسين رجلًا. وفي هلال شوال في الغيم لا بد من رجلين حرين، أو رجل وامرأتين كالأضحى.
منحة السلوك
الهلال حيث يفطرون بلا خلافٍ (١).
قوله: وفي الصحو. يعني: وفيما إذا لم يكن بالسماء علة، من سحاب، أو دخان، لا بد من أهل محلة؛ لأن التفرد في مثل هذه الحالة يوهم الغلط، فوجب التوقف في خبره، حتى يكون جمعًا كثيرًا يقع بهم العلم، أو خمسين رجلًا، مثل القسامة (٢).
قوله: وفي هلال شوال في الغيم لا بد من رجلين.
أي: لا بد أن يشهد رجلان، أو رجل وامرأتان، عدولًا أحرارًا غير محدودين، كما في سائر الأحكام؛ لأن فيه منفعة العباد، وهي الإفطار، فأشبهت الشهادة على حقوق الناس (٣).
قوله: كالأضحى.
يعني: كما أن هلال الأضحى لا بد له من شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين؛ لأن فيه منفعة العباد أيضًا، من نحو التوسع بلحوم الأضاحي،
стр. 807
ولا يلزم أحد المصرين برؤية المصر الآخر، إلا إذا اتحدت المطالع.
منحة السلوك
والإحلال في الحج، [فهلال شوال في الغيم كذلك] (١)(٢).
وعن أبي حنيفة: أن هلال الأضحى، كهلال رمضان. ذكره في "الخلاصة" (٣) عن "النوادر".
[تعدد المطالع]
قوله: ولا يلزم أحد المصرين برؤية المصر الآخر.
أي: لا يلزم الصوم ولا الإفطار أحد المصرين برؤية أهل المصر الآخر؛ لأن كل قومٍ مخاطبون بما عندهم، إلا إذا اتحدت المطالع، فحينئذٍ يلزم أحد المصرين برؤية الآخر، حتى إذا صام أهل أحدهما ثلاثين يومًا، وأهل الآخر تسعة وعشرين يومًا، يجب عليهم قضاء يومٍ (٤).
стр. 808
ولو أكملوا شعبان ثم صاموا رمضان فكان ثمانية وعشرين، فإن كانوا عدوا شعبان عن رؤية هلاله قضوا يومًا، وإلا قضوا يومين. ولو رئي الهلال قبل الزوال فهو لِليلة الماضية، وإن رئي بعده فهو للَّيلة المستقبلة.
منحة السلوك
[نقصان رمضان عن تسعة وعشرين يومًا]
قوله: ولو أكملوا شعبان، ثم صاموا رمضان فكان ثمانية وعشرين، فإن كانوا عدوا شعبان عن رؤية هلاله، قضوا يومًا؛ لأنهم لما عدوا أيام شعبان من رؤية الهلال وظهر رمضان ثمانيةً وعشرين يومًا، علم أنهم أكلوا يومًا من رمضان فيقضون يومًا (١).
وأما إذا لم يعدوا أيام شعبان من رؤية الهلال، قضوا يومين؛ لاحتمال أن يكون رمضان كاملًا، فيكون أكلهم يومين فيقضون يومين (٢).
[رؤية الهلال قبل الزوال وبعده]
قوله: ولو رئي الهلال قبل الزوال، فهو من الليلة الماضية.
يعني: إذا رأوا الهلال يوم الشك، فإن كانوا رأوه قبل الزوال يكون من الليلة الماضية، ويكون ذلك اليوم من شهر رمضان، وإن كانوا رأوه بعد الزوال، فهو لليلة المستقبلة. وهذا التفصيل رواية عن أبي يوسف (٣)، وفي ظاهر الرواية هو لليلة المستقبلة، سواء كان قبل الزوال أو بعده، حتى لا
стр. 809
و وقت الصوم: من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
منحة السلوك
يكون ذلك اليوم من شهر رمضان (١).
وإذا رأوا هلال الفطر قبل الزوال، قال أبو يوسف: أفطروا، وإن رأواه بعده لم يفطروا (٢).
وقال قاضي خان: إن أفطروا لا كفارة عليهم؛ لأنهم أفطروا بتأويل (٣)، وقال ﷺ : "أفطروا لرؤيته" (٤).
وعندهما: لا تعتبر رؤيته بالنهار (٥)، ووقته العشية، ولا يعتبر قبله ولا بعده (٦).
[وقت الصوم]
قوله: ووقت الصوم: من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس (٧)؛
стр. 810
والصوم: هو الكف عن الأكل والشرب والجماع، نهارًا مع النية.
منحة السلوك
لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قوله: والصوم: هو الكف عن الأكل، والشرب، والجماع، نهارًا مع النية.
هذا حد الصوم شرعًا (١).
قلت: هذا الحد غير مانعٍ؛ لأنه لا يخرج الحائض، والنفساء، والكافر، ولو قال: مع النية من أهله لخرج هؤلاء (٢). قيد به الشيخ حافظ الدين النسفي في "مختصره" (٣).
стр. 811
فصل
ومن أكل، أو شرب، أو جامع ناسيًا لم يفطر،
منحة السلوك
فصل
هذا الفصل في بيان ما يفسد الصوم، وما لا يفسده، وما يوجب القضاء، وما لا يوجبه.
[أثر النسيان في الصوم]
قوله: ومن أكل، أو شرب، أو جامع ناسيًا لم يفطر (١)؛ لقوله ﷺ : "إذا نسي فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" رواه البخاري (٢).
فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بالحديث الإمساك تشبهًا، كالحائض إذا طهرت؟.
قلتُ: أمره بإتمام صومه، وبالإمساك تشبهًا لا يتم صومه، والمأمور به هو الإتمام للصوم، والذي يؤيد هذا المعنى، ما روي أنه ﷺ قال: "إذا أكل الصائم ناسيًا، أو شرب ناسيًا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، فلا قضاء عليه"
стр. 812
بخلاف المكره، والمخطيء.
منحة السلوك
رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح (١).
وإذا ثبت في الأكل والشرب، ثبت أيضًا في الجماع دلالة؛ لأنه في معناه (٢).
قوله: بخلاف المكره، والمخطيء.
يعني: إذا أكل، أو شرب، أو جامع مكرهًا، أو مخطئًا، أفطر (٣). خلافًا للشافعي (٤)؛ لأن المفطر وصل إلى جوفه، فيفسد صومه، وهو القياس في الناسي، إلا أنا تركناه بما رويناه (٥).
والفرق بين صورة الخطأ والنسيان: أن الخاطيء ذاكر للصوم، لكنه غير
стр. 813
ولو أنزل باحتلام، أو فكر، أو نظر، أو أصبح جنبًا من جماع، أو ادهن، أو قبَّل، لم يفطر.
منحة السلوك
قاصد للشرب، والناسي قاصد للشرب، لكنه ليس بذاكر للصوم وهما على طرفي نقيض (١).
قوله: ولو أنزل باحتلام، أو فكر، أو نظر، أو أصبح جنبًا من جماع، أو ادهن، أو قبَّل، لم يفطر (٢). أما الإنزال بالاحتلام فلا يفطر؛ لقوله ﷺ : "لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم" رواه أبو داود (٣)، وأما
стр. 814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
الإنزال بالفكر، أو بالنظر فكذلك لا يفطر لعدم المباشرة (١) وأما إذا أصبح جنبًا من جماع فلأن الطهارة من الجنابة، ليست بشرط لصحة الصوم (٢).
وأما الادهان: فلأنه غير منافٍ والداخل من المسام لا من المسالك لا ينافيه، كما لو اغتسل بالماء البارد ووجد برده في كبده (٣).
وأما التقبيل: فلما روى أبو سعيد الخدري ﵁ "أنه ﷺ رخص في القبلة للصائم، والحجامة" رواه الدارقطني (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك
стр. 815
ولو أنزل بقُبلة، أو لمس، لزمه القضاء لا غير. وتباح القبلة للصائم إن أَمِنَ على نفسه.
منحة السلوك
لإربه" (١) رواه البخاري، وأبو داود (٢).
[ما يفطر وما لا يفطر]
قوله: ولو أنزل بقبلةٍ، أو لمس، لزمه القضاء، لا غير.
يعني: لا الكفارة، لقصور الجنابة (٣).
قوله: وتباح القبلة للصائم، إن أَمِنَ على نفسه.
أي: إن أمن من الإنزال، والجماع؛ لما روينا، ويكره إن لم يأمن (٤).
والشافعي أباحها في الحالتين (٥)، والمس والمباشرة،
стр. 816
ولو دخل حلقه ذباب، أو غبار، أو دخان، وهو ذاكر لصومه لم يفطر،
منحة السلوك
كالقبلة (١)؛ لما روى أبو هريرة ﵁: "أنه ﷺ سأله رجل عن المباشرة للصائم، فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب" رواه أبو داود بإسناد جيد (٢).
قوله: ولو دخل حلقه ذباب، أو غبار، أو دخان، وهو ذاكر لصومه لم يفطر؛ لأنه لا يستطيع الامتناع عنه (٣).
стр. 817
بخلاف المطر والثلج.
ولو تنخع وابتلع ما تنخع، أو ابتلع ريقه المغلوب بالدم، لم يفطر.
وإن ابتلع ما بين أسنانه من عَشائه دون حمصة، لم يفطر،
منحة السلوك
قوله: بخلاف المطر، والثلج.
يعني: إذا دخل حلقه مطر، أو ثلج يفطر؛ لإمكان الامتناع عنه بأن آواه خيمة، أو سقف (١).
قوله: ولو تنخع وابتلع ما تنخع، وهو النخامة، وهي: ما ينزل من الخيشوم (٢)، أو ابتلع ريقه المغلوب بالدم، لم يفطر؛ لتعذر الاحتراز عنه (٣). وقيل: في الثانية يفطر (٤).
قوله: وإن ابتلع ما بين أسنانه من عشائه دون حمصةٍ، لم يفطر.
стр. 818
إلا إذا أخرجه ثم رده، وبقدر الحمصة يفطر ولا كفارة عليه. ولو ابتلع سمسمة لزمته الكفارة،
منحة السلوك
لعدم إمكان الاحتراز عنه (١). والعشاء: بفتح العين العشوة (٢).
قوله: إلا إذا أخرجه ثم رده يعني: إذا أخرجه بيده، ثم أكله يفطر؛ لإمكان الاحتراز عنه (٣).
قوله: وبقدر الحمصة يفطر.
يعني: إذا ابتلع ما بين أسنانه من عشائه بقدر الحمصة يفطر، ولا كفارة عليه (٤). وعند زفر: يفطر في قدر الحمصة وما دونها، وعليه الكفارة أيضًا في قدر الحمصة (٥).
قوله: وإن ابتلع سمسمة لزمته الكفارة (٦).
стр. 819
وإن مضغها لم يفطر إلا أن يجد طعمها في حلقه. ولو أكل عجينًا، أو دقيقًا، أو ابتلع حصاة، أو نحوها، لزمه القضاء لا غير.
منحة السلوك
وقيل: لا تجب الكفارة؛ لأنه ناقص [الجناية] (١)(٢)، وعليه: فخر الإسلام البزدوي.
وقال الصدر الشهيد: المختار أنه تجب الكفارة؛ لأنها من جنس ما يتغذى بها (٣).
قوله: وإن مضغها. أي: وإن مضغ السمسمة لم يفطر؛ لأنها تتلاشى بالمضغ، إلا إذا وجد طعمها في حلقه، فحينئذ يفطر (٤).
قوله: ولو أكل عجينًا، أو دقيقًا، أو ابتلع حصاةً، أو نحوها، مثل النواة، والحديد، والرصاص، وغير ذلك، لزمه القضاء؛ لوجود صورة الفطر، ولا كفارة عليه، لقصور الجناية (٥)، إلا عند محمد تجب الكفارة في الدقيق، والعجين (٦).
стр. 820
ولو أكل مسكًا، أو كافورًا، أو زعفرانًا، أو ترابًا مشوبًا، أو
منحة السلوك
وعلى هذا الخلاف: الأرز (١).
ولو أكل ملحًا لا كفارة عليه (٢). وقيل: تجب إذا اعتاد أكل ذلك وحده (٣).
ولو ابتلع جوزةً (٤) رطبةً، أو لوزةً (٥) رطبةً، أو بطيخةً صغيرةً، فعليه القضاء، لا الكفارة (٦).
قوله: ولو أكل مسكًا، أو كافورًا، أو زعفرانًا (٧)، أو ترابًا مشوبًا، أو
стр. 821
ورق شجر يُعتاد أكلُها لزمته الكفارة.
منحة السلوك
ورق شجر يُعتاد أكلُها، لزمته الكفارة (١).
أما المسك، والكافور، والزعفران: فلأنها مما يؤكل عادةً، ويتداوى بهما، فكملت الجناية، فتجب الكفارة (٢).
وأما التراب: فإنما يوجب الكفارة إذا كان مشوبًا، أي: مختلطًا بشيء (٣)، حتى إذا أكل ترابًا خالصًا لا تجب عليه الكفارة؛ لأنه مما لا يتغذى به، ولا يتداوى به عادةً (٤)، وكذلك لا تجب الكفارة في الطين، إلا في الطين الأرمني (٥)؛ لأنه يتداوى به (٦).
وأما ورق الشجر: فكذلك إنما يوجب الكفارة إذا كان مما يعتاد أكله (٧)؛ لكمال الجناية (٨)،
стр. 822
ولو مضغ لقمة ناسيًا فذكر فابتلعها وجبت الكفارة، ولو أخرجها ثم ابتلعها لم تجب.
منحة السلوك
وأما إذا كان مما لا يعتاد أكله (١)، لا تجب الكفارة (٢).
وعلى هذا التفصيل: النباتات كلها (٣).
[أثر النسيان والتعمد]
قوله: ولو مضغ لقمة ناسيًا فذكر فابتلعها، وجبت الكفارة (٤).
وقيل: يجب القضاء، دون الكفارة (٥). والأول: أظهر.
قوله: ولو أخرجها. أي: ولو أخرج تلك اللقمة الممضوغة من فيه، ثم ابتلعها لم تجب الكفارة. وقيل: تجب الكفارة.
والأول: أصح. قاله: أبو الليث؛ لأن بعد إخراجها تعافها النفس، وما دامت في فيه يتلذذ بها (٦).
стр. 823
ولو أفطر عمدًا، ثم مرض، أو حاضت لم تجب الكفارة. ولو سافر طائعًا وجبت.
منحة السلوك
وقيل: إن كانت سخنة بعد، فعليه الكفارة (١).
قوله: ولو أفطر عمدًا، ثم مرض، أو حاضت. أي: المرأة، أفطرت عمدًا، ثم حاضت، لم تجب الكفارة عليهما؛ لأنه ظهر بالمرض والحيض أن الفطر في ذلك اليوم مباح لهما، فلا تجب الكفارة (٢).
قوله: ولو سافر طائعًا وجبت.
يعني: إذا أفطر عمدًا، ثم سافر طائعًا، يعني: باختياره، وجبت الكفارة؛ لأنه بإفطاره عمدًا وجبت عليه الكفارة، ثم لم يظهر ما يرفعها، بخلاف الصورة الأولى (٣).
أما لو سافر مكرهًا: فقد ذكر في "خلاصة الفتاوى" أنه لا تسقط عنه الكفارة في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن، عن أبي حنيفة: تسقط. وعندهما: لا تسقط (٤).
стр. 824
وللمريض الفطر يوم نوبة حُمّاه، وللمرأة أيضًا يوم عادة حيضها بناء على العادة، فإن أفطر ولم يأت الحمى والحيض، وجبت الكفارة.
فإن غلبه القيء لم يفطر مطلقًا،
منحة السلوك
[الفطر للمريض والمسافر]
قوله: وللمريض الفطر يوم نوبة حماه (١)(٢)، وللمرأة أيضًا يوم عادة حيضها، بناء على العادة، لأن الظاهر أن الحمى تأتيه يوم النوبة، والحيض يأتيها يوم العادة (٣).
قوله: فإن أفطر. أي: إن أفطر المريض يوم نوبة حُمّاه، أو أفطرت المرأة، يوم عادة حيضها؛ اعتمادًا على مجيء الحمى، والحيض ولم يأت الحمى، ولا الحيض، وجبت عليهما الكفارة؛ لكمال الجناية، وعدم ظهور ما يبيح الإفطار (٤).
[أثر القيء في الصوم]
قوله: فإن غلبه القيء (٥) لم يفطر مطلقًا.
وإن تعمد ملء فيه أفطر ولا كفارة.
منحة السلوك
الدارقطني (١): رواته كلهم ثقات.
قوله: وإن تعمد. أي: وإن تعمد القيء ملء فيه، أفطر، وعليه القضاء، لا الكفارة (٢)؛ لما روينا هذا في الطعام، والماء، والمرة (٣).
وأما إذا قاء بلغمًا فهو لا يفطر عندهما، خلافًا لأبي يوسف (٤).
وإن قاء مرارًا في مجلس واحد ملء فيه، لزمه القضاء، وإن كان في مجالس، أو غدوة، ثم نصف النهار، ثم عشية لا يلزمه القضاء. ذكره في "خزانة الأكمل" (٥).
стр. 827
ومن أكل غذاء، أو شرب دواء، أو جامع عامدًا في أحد السبيلين، لزمته الكفارة.
منحة السلوك
[ارتكاب المفطرات عمدًا]
قوله: ومن أكل غذاء، أو شرب دواء، أو جامع عامدًا في أحد السبيلين، لزمته الكفارة (١).
وعند الشافعي: لا تجب الكفارة إلا بالجماع، وتجب على الزوج دون المرأة (٢).
ولنا: قوله ﷺ : "من أفطر في رمضان، فعليه ما على المظاهر" رواه الدارقطني بمعناه (٣).
стр. 828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
وما روي عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره ﷺ أن يعتق رقبة" رواه مسلم، وأبو داود (١). ولفظ "أفطر" فيهما يتناول المأكول وغيره، وكلمة "مَن" تطلق على الذكر والأنثى (٢)، والإنزال في الجماع ليس بشرط؛ لأنه شبع والتقاء الختانين كافٍ (٣).
стр. 829
ولا كفارة بالجماع فيما دون الفرج ولو أنزل. ولا كفارة على المرأة لو كانت نائمة، أو مجنونة، أو مكرهة.
منحة السلوك
وعن أبي حنيفة: أن الجماع في الدبر لا يوجب الكفارة (١).
والأصح: أنها تجب كما في القبل (٢).
[أحوال سقوط الكفارة]
قوله: ولا كفارة بالجماع فيما دون الفرج، كالتبطين، والتفخيذ، ولو أنزل؛ لعدم الجماع صورةً، وعليه القضاء؛ لوجوده معنى (٣).
قوله: ولا كفارة على المرأة لو كانت نائمة، أو مجنونةً.
يعني: إذا جومعت المرأة، وهي نائمة، أو مجنونة، أو مكرهة، فعليها القضاء لا الكفارة؛ لعدم الجناية، لأنها تكون بالقصد، ولا قصد (٤).
стр. 830
ولا كفارة في إفساد صوم غير رمضان أداء.
ومن احتقن، أو استعط، أو أقطر في أذنه دواء، أو دهنًا، أو
منحة السلوك
وقال زفر (١)، والشافعي (٢): لا يجب القضاء، ولا الكفارة.
وعلى هذا الخلاف: إذا صُبَّ الماء في حلق النائم، وتأويل المجنونة أن تفيق فلا يستوعب جنونها الشهر، فصار كالنوم، والإغماء (٣).
قوله: ولا كفارة في إفساد صوم غير رمضان أداءً.
لأنها وردت في هتك حرمة رمضان، إذ لا يجوز إخلاؤه عن الصوم، بخلاف غيره من الزمان، قيد بقوله: أداء؛ لأنه إذا لم تجب الكفارة في إفساد صوم غير رمضان من حيث الأداء، فبالأولى: أن لا تجب في الإفساد، من حيث القضاء (٤).
[ما يفطر من العلاج وما لا يفطر]
قوله: ومن احتقن، أو استعط، أو أقطر في أذنه دواء، أو دهنًا، أو
стр. 831
داوى جائفة، أو آمة بدواء رطب، لزمه القضاء، لا غير.
منحة السلوك
داوى جائفة، أو آمة بدواء رطب، لزمه القضاء؛ لأن الفطر مما دخل وقد وجد لا غير، يعني: لا تجب الكفارة؛ لعدم صورة الفطر، وهو الأكل والشرب من المنفذ المعهود، وهو الفم (١). الاحتقان: وضع الحقنة في الدبر (٢). والاستعاط: صب السعوط في الأنف (٣).
قال في "الأجناس" (٤): الحقنة توجب الفطر، ولا يقع به الرضاع.
стр. 832
وإن أقطر في أذنه ماء، أو في ذكره دهنًا، لم يفطر.
منحة السلوك
والجائفة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف (١).
والآمة: الشجة التي تبلغ أُمَّ الرأس (٢). قيد بقوله: رطبٍ؛ لأن المفطر هو الرطب عند أبي حنيفة، خلافًا لهما (٣).
واليابس ليس بمفطر اتفاقًا (٤)، ولكن أكثر المشايخ على أن العبرة للوصول، حتى إذا علم أن اليابس وصل إلى جوفه فسد الصوم، وإن علم أن الرطب لم يصل لا يفسد (٥).
قوله: وإن أقطر في أذنه ماء، أو في ذكره دهنًا، لم يفطر (٦).
أما إذا أقطر في أذنه ماء: فإنه لا يفطر؛ لعدم الوصول، بخلاف ما إذا
стр. 833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
أقطر دهنًا فإنه يصل بقوة التشرب (١). وأما إذا أقطر في ذكره دهنًا، فإنه لا يفطر أيضًا عند أبي حنيفة (٢).
وقال أبو يوسف: يفطر (٣). ومحمد: مضطرب (٤).
وهذا الاختلاف، مبني على أنه: هل بين المثانة، والجوف منفذ أم لا؟ (٥) واختلفوا في الإقطار في قُبُلِها (٦).
والصحيح الفطر (٧).
стр. 834
ومن ذاق شيئًا ومجّه لم يفطر.
ويكره للصائم الذوق، إلا حالة الشراء.
منحة السلوك
قوله: ومن ذاق شيئًا، ومجه (١) لم يفطر؛ لانعدام الفطر صورة ومعنى (٢).
[ما يكره للصائم وما لا يكره]
قوله: ويكره للصائم الذوق؛ لأنه تعريض لإفساد صومه (٣).
قوله: إلا حالة الشراء.
يعني: إذا ذاق الصائم الطعام حالة الشراء، لا يكره؛ للضرورة (٤).
وقيل: المرأة إذا كان زوجها سيء الخلق، لا بأس أن تذوق المرق بلسانها (٥).
стр. 835
ويكره للمرأة مضغ الطعام لولدها بغير ضرورة، ومضغ العلك مكروه للصائم، وقيل: يفسد إن كان مُتفتِّتًا أو أسود،
منحة السلوك
قوله: ويكره للمرأة مضغ الطعام لولدها بغير ضرورة.
لما قلنا إنه تعريض لإفساد الصوم، بخلاف ما إذا كان ضرورة، بأن لم تجد المرأة من يمضغ لصبيها الطعام، من حائض، أو نفساء، أو غيرهما ممن لا يصوم، ولم تجد طبيخًا، ولا لبنًا حليبًا. ألا يرى أنه يجوز لها الإفطار إذا خافت على الولد؟ فالمضغ أولى (١).
قوله: ومضغ العلك مكروه للصائم.
لأنه يتهم به الإفطار؛ لأن من رآه من بعيد يظنه آكلًا (٢).
قوله: وقيل يفسد.
أي: مضغ العلك مفسد للصوم، إذا كان مُتفتِّتًا؛ لأنه إذا كان مُتفتِّتًا يصل منه شيء إلى جوفه. وكذلك إذا كان أسود، وإن كان ملتئمًا (٣).
стр. 836
ولا يكره للمرأة المفطرة، وفي الرجل خلاف.
ويباح للصائم الكحل،
منحة السلوك
قوله: ولا يكره.
أي: مضغ العلك للمرأة المفطرة لأنه يقوم مقام السواك في حقهن؛ لأن أسنانهن ضعيفة لا تحتمل السواك، وهي تنقي الأسنان، وتشد اللثة (١)، كالسواك (٢).
قوله: وفي الرجل خلاف.
أي: في مضغ العلك للرجل خلاف.
فقيل: يكره إذا لم يكن من علة؛ لما فيه من التشبه بالنساء، والعلة مثل ما إذا كان في فمه بخر.
وقيل: لا يكره (٣).
[الكحل للصائم]
قوله: ويباح للصائم الكحل (٤).
ولو وجد طعمه في حلقه، ودَهْن الشارب إذا قصد بهما غير زينة، وكذا للمفطر.
منحة السلوك
قوله: ولو وجد طعمه في حلقه. واصل بما قبله؛ لأنه وصل من المسام، فلا يعتد به (١). خلافًا لمالك (٢).
[استعمال الصائم للدهن]
قوله: ودهن الشارب.
أي: يباح، للصائم دهن الشارب أيضًا؛ لأنه ليس فيه شيء ينافي الصوم، بخلاف المحرم (٣).
والدهن: -بفتح الدال- مصدر، والمعنى هنا على هذا. وبالضم اسم (٤).
قوله: إذا قصد بهما.
أي: بالكحل، ودهن الشارب غير زينة، بأن كان قصده التداوي (٥).
قوله: وكذا للمفطر.
стр. 839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
أي: وكذا يباح الكحل، ودهن الشارب للمفطر أيضًا، إذا قصد بهما غير زينة.
وكذلك يباح له دهن شعر الوجه (١) وبذلك (٢) جاءت السنة عن رسول الله ﷺ (٣)؛ ولأنه يعمل عمل الخضاب (٤)(٥)، ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بالقدر المسنون وهي القبضة (٦).
والأصل فيه: ما روي "أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف" رواه أبو داود (٧).
стр. 840
ولا يكره السواك للصائم بمسواك رطب، أو يابس.
منحة السلوك
[استخدام الصائم للسواك]
قوله: ولا يكره للصائم سواك رطب، أو يابس (١).
لما روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (٢)، عن أبيه (٣) قال: "رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم، ما لا أعده، ولا أحصي" رواه الترمذي وأبو داود (٤). وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ "السواك مطهرة للفم،
стр. 841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
مرضاة للرب" رواه البخاري (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" رواه البخاري (٢).
فدل إطلاق الأحاديث على جواز الاستياك مطلقًا؛ لأنه لم يخص
стр. 842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
الصائم من غيره، ولا الغداة من العشي، ولا غير المبلول من المبلول (١).
وقال الشافعي: يكره آخر النهار (٢).
وقال أبو يوسف: يكره إذا كان مبلولًا (٣)(٤).