Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
ورجاله ثقات غير شهر بن حوشب؛ فقد تكلم فيه ابن حبان وابن عدي. وقال ابن معين: ثبت. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق كثير الإرسال والأوهام".
إلَّا أنه لم ينفرد به، بل توبع؛ فقد رواه أبو داود الطيالسي (١٢٣١) واللّفظ له، وأحمد (٥/ ٢٥٤) والطبراني في الكبير (٨٠٧١) كلهم من طريق أبي غالب، عن أبي أُمامة قال: "إذا توضأ المسلم فأحسن الوضوء خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه؛ فإنْ قعد قعد مغفورًا له، وإن صلَّى كانت له فضيلة"، فقيل له: أو نافلة؟ فقال: "إنما كانت النافلة للنبي ﷺ ". اختلف في رفعه ووقفه، والصواب رفعه.
وأبو غالب صدوق.
ورواه مسدد ومحمد بن يحيى بن أبي عمر من طريق شمر بن عطية، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه؛ فإنْ قعد قعد مغفورًا له".
ويبدو أنه سقط بعد شمر بن عطية (شهر بن حوشب)؛ فإنَّ شمر بن عطية لم يلق أبا أُمامة.
ورواه أحمد بن منيع من طريق أبي مسلم قال: دخلت على أبي أُمامة وهو يتفلَّى في المسجد ويَدْفُن القمل في الحصا، فقلت: يا أبا أُمامة! إن رجلًا حدثني عنك أنك قلت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ فأسبغ الوضوء؛ غسل يديه ووجهه، ومسح رأسه وأذنيه، ثم قام إلى صلاة مفروضة، غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجليه، وقبضت عليه يديه، وسمعت إليه أذنيه، ونظرت إليه عينيه، وحدثت به نفسه من سوء" فقال: والله لقد سمعته من نبي الله ﷺ ما لا أحصيه.
هكذا رجليه ويديه وأذنيه وعينيه، والصواب أن تكون هذه الكلمات مرفوعة.
وللحديث طرق أُخرى أوردها البوصيري في "إتحاف الخيرة" (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧). وأبو عبيد في الطهور (٢٠ - ٢٣).
• عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يُعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَد، فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلتْ عقدةٌ، فإذا وضَّأ وجْهَه انحلتْ عقدةٌ، وإذا مسح برأسه انحلتْ عقدةٌ، وإذا وضَّأ رجليه انحلتْ عقدةٌ؛ فيقول الله للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يُعالج نَفْسَه يسألني، ما سألني عبدي فهو له".
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٩١) والطبراني في الكبير (١٧/ رقم ٣٠١) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عُشَّانة حدثه، أنه سمع عقبة بن عامر، فذكر الحديث. واللفظ لأحمد.
стр. 1017
وإسناده صحيح رجاله ثقات. وأبو عُشَّانة هو حيُّ بن يؤمِن المصري، مشهور بكنيته، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وقد صحّحه ابن حبان (٢٥٥٥)، ورواه من هذا الوجه.
والحديث رواه أيضًا الإمام أحمد في مواضع أُخرى، ولكن فيه ابن لهيعة. انظر: (١٧٤٥٨)، ولكن في بعض طرقه روى عنه عبد الله بن المبارك، وهو ممن سمع منه قديمًا، وروايته عنه صحيحة. وفي الباب أحاديث أُخرى. انظر: صلاة الليل.
وأما ما رُوِي عن عبد الله الصُنابحي مرفوعًا بلفظ: "إذا توضأ العبدُ المؤمن فتمضمض، خرجتِ الخطايا من فيه، وإذا استشر خرجتي الخطايا من أنفه. فإذا غسل وجهَه خرجتِ الخطايا من وجهه، حتَّى تخرجَ من تحت أشْفار عينيه. فإذا غسل يديه خرجتِ الخطايا من يديه حتَّى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجتي الخطايا من رأسه حتَّى تخرجَ من أُذنيه. فإذا غسل رجليه خرجتِ الخطايا من رجليه حتَّى تخرج من تحت أظفار رجليه قال: "ثم كان مشيُه إلى المسجد وصلاته نافلة له".
رواه مالك في الطهارة (٣٠) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصُنابحي فذكر مثله.
ورواه النسائي (١٠٣) من طريق مالك به، وابن ماجه (٢٨٢) من وجه آخر عن زيد بن أسلم به مثله.
والصواب أن الحديث مرسل، فإنَّ عبد الله الصُنابحي من التابعين.
قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ١٩٠): "قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي فذكر الحديث. فقال لي: وهم مالك في قوله: عبد الله الصُنابحي، وإنما هو أبو عبد الله، واسمه: عبد الرحمن بن عُسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ . والحديث مرسل".
قال ابن عبد البر: "هو كما قال البخاري". ونقل في "التمهيد" (٤/ ٣ - ٤) عن ابن معين: أن أحاديثه مرسلة ليست له صحبة. ثم قال: "صدق يحيى بن معين، ليس في الصحابة أحد يقال له عبد الله الصُنابحي" وإنما في الصحابة الصنابح الأحمسي، وهو الصُنابح بن الأعسر كوفي، روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث، منها حديثه في الحوض، ولا في التابعين أيضًا أحد يقال له: عبد الله الصُنابحي، فهذا أصح قول من قال إنه: أبو عبد الله، لأن أبا عبد الله الصُنابحي مشهور في التابعين، كبير من كبرائهم، واسمه: عبد الرحمن بن عُسيلة، وهو جليل، كان عبادة بن الصامت كثير الثناء عليه" انتهى.
فهؤلاء ثلاثة وهم يحيى بن معين والبخاري وابن عبد البر من أساطين هذا الفن شهدوا على أن عبد الله الصُنابحي هو: أبو عبد الله الصُنابحي من التابعين وحديثه مرسل. وإن مالكًا وهم فجعله صحابيًّا.
стр. 1018
٥ - باب ما جاء في فضل الوضوء والصلاة عقبه
• عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال! حدِّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام، فاني سمعتُ دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة" قال: ما عملت عملًا أرجى عندي، أنِّي لم أتطهر طُهورًا في ساعة ليل أو نهارٍ إلَّا صلَّيتُ بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أصَلِي.
متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٤٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٨) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن أبي حيَّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة فذكر مثله واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: "يا بلال! حدِّثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعةً، فإني سمعتُ الليلة خَشْفَ نعليك بين يدي في الجنة".
• عن حُمْران مولى عثمان بن عفان، أن عثمان بن عفان جلس على المقاعد، فجاء المؤذن فآذنه بصلاة العصر، فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله! لأحدِّثنكم حديثًا لولا أنه في كتاب الله ما حدَّثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي الصلاة إلَّا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأُخرى حتَّى يُصليها".
قال يحيى: قال مالك: أُراه يريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [سورة هود: ١١٤].
متَّفقٌ عليه: رواه مالك في الطهارة (٢٩) واللفظ له، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حُمْران به. ورواه البخاري في الوضوء (١٦٠) من وجه آخر عن ابن شهاب، ومسلم في الطهارة (٢٢٧) من وجه آخر عن هشام، كلاهما عن عروة، عن حُمْران به، وفيهما: قال عروة: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [سورة البقرة ١٥٩]، ولم تقع في رواية مالك تعيين الآية، فقال من قبل نفسه. وسيأتي تفصيل الوضوء في صفة وضوء النبي ﷺ .
• عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك، يُبقي من دَرَنه؟ " قالوا: لا يُبقي من دَرَنه شيئًا، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بِهِنَّ الخطايا".
مَّتفقٌ عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٢٨) واللفظ له ومسلم في المساجد (٦٦٧) كلاهما من طريق يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وفي رواية: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس
стр. 1019
مرات، فماذا يبقين من دَرَنه؟ ". رواه أحمد (٩٦٩٢) من وجه آخر صحيح عن أبي هريرة.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهرٍ جارٍ غَمْرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٨)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر .. فذكره.
• عن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أرأيت لو كان بفِناء أحدِكم نهرٌ يجري يغتسل منه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقى من دَرَنه؟ " قال: لا شيء، قال: "فإنَّ الصلاة تُذهب الذنوب كما يُذهب الماءُ الدرنَ".
حسن: رواه ابن ماجه (١٣٩٧) قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني ابنُ أخي ابن شهاب، عن عمه، حدثني صالح بن عبد الله بن أبي فروة، أن عامر بن سعد أخبره قال: سمعتُ أبان بن عثمان يقول: قال عثمان، فذكر الحديث.
رجاله ثقات إلَّا صالح بن عبد الله بن أبي فروة؛ فقال عباس الدوري عن ابن معين: صالح بن عبد الله بن أبي فروة وإخوته ثقات إلَّا إسحاق. وقال أبو جعفر الطبري في التهذيب: ليس بمعروف في أهل النقل عندهم. وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٦٢) وقال: يروي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، وعنه الزهري، مات سنة (١٢٠).
قلت: ومثله يكون "صدوقًا".
وابن أخي ابن شهاب هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، وعمه هو محمد بن مسلم بن شهاب الإمام.
• عن سعد وناس من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كان رجلان أخوان في عهد رسول الله ﷺ ، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عُمِّر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي، فذُكِر لرسول الله ﷺ فضل الأوَّل على الآخر، فقال: "ألم يكن يُصلي؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله! فكان لا بأس به، فقال: "ما يدريكم ماذا بلغت به صلاتُه"، ثم قال عند ذلك: "إنما مثل الصلاة كمثل نَهرِ جارٍ بباب رجل، غَمْرٍ عَذْب، يقتحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فماذا ترون يُبقي ذلك من دَرَنه".
حسن: رواه أحمد (١٥٣٤) قال: حدَّثنا هارون بن معروف - قال عبد الله: وسمعته أنا من هارون - حدَّثنا عبد الله بن وهب، حدثني مخرمة، عن أبيه، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت سعدًا، فذكر الحديث.
стр. 1020
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٣١٠) والحاكم (١/ ٢٠٠) وروياه من طريق عبد الله بن وهب. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فإنهما لم يخرجا لمخرمة بن بكير، والعلة فيه أن طائفة من أهل مصر ذكروا أنه لم يسمع من أبيه لصغر سنه، وأثبت بعضهم سماعه منه" انتهى.
وإسناده حسن من أجل مخرمة فإنه مختلف فيه، فوثَّقه أحمد وابن سعد، وضعَّفه ابن معين. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
والحديث في موطأ مالك في كتاب قصر الصلاة (٩١) إلَّا أنه رواه بلاغًا عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وفيه: "ألم يكن الآخر مسلمًا؟ " بدلًا من "ألم يكن يصلي؟ "، كما أنه كرر فيه آخر الحديث: "لا تدرون ما بلغت به صلاته".
و"النهر الغمر": الكثير الماء.
وحديث سعد بن وقاص هو الأصح.
وقد رُوِي عن طلحة بن عبيد الله قال: إن رجلين من بَلِيِّ قدما على رسول الله ﷺ وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشدَّ اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشْهِد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفي.
قال طلحةُ: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة، فأذِن للذي توفي الآخر منهما، ثم خرج، فأذن للذي استشهد، ثم رجع إليَّ فقال: ارجع فإنك لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحةُ يحدث به الناسَ، فعجبوا لذلك. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وحدَّثوه الحديثَ فقال: "من أي ذلك تعجبون؟ " فقالوا: يا رسول الله! هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهادًا، ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنةَ قبله. فقال رسول الله ﷺ "أليس قد مكث هذا بعده سنةً؟ " قالوا: بلى، قال: "وأدرك رمضان فصام، وصلَّى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ " قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : "فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض".
رواه ابن ماجه (٣٩٢٥) وابن حبان (٢٩٥٢) وأحمد (١٤٠٣) والبيهقي (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢) كلهم من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن طلحة بن عبيد الله فذكر مثله، وفيه انقطاع، فإنَّ أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من طلحة بن عبيد الله شيئًا، كما قال علي بن المدني وابن معين وغيرهما.
ولكن رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة فأدخل بينهما أبا هريرة. هكذا رواه الإمام أحمد (٨٣٩٩) عن محمد بن بشر، حدَّثنا محمد بن عمرو، حدَّثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رجلَان من بَليٍّ - حَيٍّ من قُضاعة - أسلما مع رسول الله ﷺ ، واستُشهد أحدُهما، وأخِّر الآخر سنة. قال طلحة بن عبيد الله: فأريتُ الجنة. فرأيتُ المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك، فأصبحتُ فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ ، أو ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أليس
стр. 1021
قد صام بعده رمضان، وصلَّى ستة آلاف ركعة - أو كذا وكذا ركعة - صلاة السنة؟ " ثم رواه الإمام أحمد أيضًا (٨٤٠٠) عن يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن طلحة بن عبيد الله فذكر الحديث. فاضطرب فيه محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو وإن كان من رجال الجماعة ولكن سئل عنه ابن معين فقال: ما زال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أُخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال الجوزجاني: ليس بقويِّ الحديث، ويُشتَهى حديثه.
قلت: هو حسن الحديث إذا لم يخالف عليه.
• عن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يُذنب ذنبًا فيتوضأ، فيُحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، ويستغفر الله إلَّا غفر الله له".
حسن: رواه أبو داود (١٥٢١) والترمذي في تفسير سورة آل عمران، وحسّنه، وابن ماجه (١٣٩٥) كلهم من طرق عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة الوالبيّ، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدّثني - وصدق أبو بكر - أنه سمع النبي ﷺ قال، فذكر الحديث.
وإسناده حسن؛ لأجل أسماء بن الحكم؛ فإنه صدوق.
إلَّا أنَّه أُعِلَّ الحديثُ به، فإنَّ أسماء بن الحكم الفزاري مختلف فيه؛ فقال البزار (رقم ١١): إنه مجهول. وقال البخاري بعد أن ذكر الحديث في التاريخ الكبير (٢/ ٥٤): "لم يُرو عنه إلَّا هذا الحديث، وحديث آخر لم يتابع عليه، وقد روى أصحاب النبي ﷺ بعضهم عن بعضٍ ولم يحلف بعضهم بعضا".
قلت: أسماء بن الحكم الفزاري قال فيه موسى بن هارون: ليس بمجهول. ووثّقه العجلي وابن حبان، وأخرج هذا الحديث في صحيحه، وحسنه الترمذي. وروى عنه علي بن ربيعة والركين بن الربيع، وجوَّد الحافظ ابن حجر إسناد هذا الحديث، وقال في التقريب: "صدوق".
وأما قول البخاري: "لم يتابع عليه" فقال المزي في ترجمة أسماء بنت الحكم من تهذيب الكمال: "ما ذكره البخاري ﵀ لا يقدحُ في صحَّة هذا الحديث، ولا يوجب ضَعفه، وأمَّا كونه لم يُتابع عليه؛ فليس شرطًا في صحَّة كلِّ حديثٍ صحيح أن يكون لراويه مُتابعٌ عليه، وفي الصحيح عدَّة أحاديثَ لا تُعرف إلَّا من وجهٍ واحدٍ".
ثمَّ قال: "وأمَّا ما أنكره من الاستحلافِ؛ فليس فيه أنَّ كلَّ واحدٍ من الصحابةِ كان يستحلف من حدَّثه عن النبيِّ ﷺ ، بل فيه أنَّ عليًّا ﵁ كان يفعل ذلك، وليس ذلك بمنكرٍ، أن يحتاط في حديث النبيِّ ﷺ ، كما فعل عمر في سؤاله البيِّنة مِن بعض مَن كان يروي له شيئًا عن النبيِّ
стр. 1022
- ﷺ ، كما هو مشهورٌ عنه، والاستحلافُ أيسر من سؤال البيِّنة".
قلت: وبخاصة في أواخر عهد علي ﵁ عند وقوع الفتن.
والجزء المرفوع من الحديث لا بأس به في الشواهِدِ؛ لأنَّه لم يوجد فيه من اتُّهِم.
• عن زيد بن خالد الجُهَني أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم صلَّى ركعتين لا يسهو فيهما، غُفِر له ما تقدم من ذنبه".
صحيح: رواه أبو داود (٩٠٥) حدَّثنا أحمد بن محمد بن حنبل، حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا هشام - يعني ابن سعد - عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجُهَني، فذكر الحديث. والحديث في مسند الإمام أحمد (١٧٠٥٤).
وإسناده صحيح، صحّحه الحاكم (١/ ١٣١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولا أحفظ له علة توهنها.
قلت: هشام بن سعد أقام هذا الإسناد. وكذلك الليث بن سعد، عن زيد بن أسلم به مثله رواه أبو عبيد في "الطهور" (١٠) من طريق حسَّان بن عبد الله، عن الليث بن سعد به، ورواه غيرهما عن زيد بن أسلم، عن زيد بن خالد، وهو منقطع. هكذا رواه الإمام أحمد (٢١٦٩١) عن سريج، ثنا عبد العزيز - يعني الدراوردي - عن زيد بن أسلم، عن زيد بن خالد، فذكر الحديث.
وما رُوِي عن أنس بن مالك - ولفظه: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائر"، وقال: "من الجمعة لَساعة لا يوافقها مسلم ولا مسلمة يسأل الله فيها خيرًا إلَّا أعطاه"، وقال ﷺ : "مثل الصلوات الخمس كنهر غَمْر بباب أحدكم يغتسل كل يوم فيه خمس مرات، فما يبقين من دَرَنه؟ " - فهو ضعيف.
رواه البزار (كشف الأستار ١/ ١٧٥ رقم ٣٤٧) قال: حدَّثنا أحمد بن مالك القشيري، ثنا زائدة بن أبي الرُّقّاد، عن زياد النميري، عن أنس، فذكر الحديث. وقال: زائدة بن أبي الرُّقّاد ضعيف، وزياد النميري ليس به بأس؛ حدّث عنه جماعة بصريون، ولو عرفنا هذا عند غيره لحدَّثنا به عنه. انتهي.
وهو كما قال، فزائدة ضعيف، وزياد النميري ضعَّفه الأكثرون.
ورواه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٤٩ - ٢٥٠) عن عبد الحكيم عن أنس بن مالك، فذكره، وفيه: "وزيادة ثلاثةِ أيَّامٍ". وعبد الحكيم هو ابن عبد الله القسملي ضعيف كما قال الحافظ في التقريب.
٦ - باب ما جاء في المحافظة على الوضوء
• عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "سدِّدوا وقارِبوا واعملوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن".
حسن: رواه أحمد (٢٢٤٣٣) والطبراني في الكبير (١٤٤٤) وأبو يعلى كما في "إتحاف الخيرة" (١/ ٤١٤ رقم ٩٧٢) كلهم من طريق الوليد بن مسلم، حدَّثنا ابن ثوبان، حدثني حسَّان بن
стр. 1023
عطية، أن أبا كبشة السلوليَّ حدّثه، أنه سمع ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول، فذكر الحديث.
قلت: رجاله ثقات غير ابن ثوبان، وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العني - بالنون الدمشقي الزاهد، قال النسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ثقة. وليّنه ابن معين والعجلي.
وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة": رواه ابن ماجه في (سننه) من طريق سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان دون قوله: "وسددوا وقاربوا".
قلت: رواه ابن ماجه (٢٧٧) قال: حدَّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن".
قال الحاكم (١/ ١٣٠): "صحيح على شرط الشيخين، ولست أعرف له علة يعلل بمثلها".
قلت: ظاهره السلامة، وفيه علة خفية، وهي أن سالم بن أبي الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي وإن كان وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، إلَّا أنه لم يسمع من ثوبان ولم يلقه؛ بينهما معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصِحاحٍ، كذا روى الذُّهْلي عن الإمام أحمد.
ولذا قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: رجال إسناده ثقات أثبات، إلَّا أن فيه انقطاعًا بين سالم وثوبان، وقال: ولكن أخرجه الدارمي وابن حبان في صحيحه من طريق ثوبان متَّصلًا. انتهي.
قلت: وهو كما قال، فقد أخرج الدارمي في الوضوء (٦٦٠) وابن حبان (٣/ ٣١١ رقم ١٠٣٧) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم به مثله، كما رواه الإمام أحمد وغيره، وليس كما رواه ابن ماجه، وتحرف في الدارمي ابن ثوبان إلى "أبو ثوبان". ولحديث ثوبان طرق أُخرى هذا أجودها. وقد رواه أيضًا ابن ماجه وغيره من حديث عبد الله بن عمرو، وأبي أُمامة، وجابر، وربيعة الحَرَشِي، ولكن كلها ضعيفة ولا يصحّ منها شيء.
٧ - باب الغُرِّ المحجّلين من آثار الوضوء
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي يدعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غُرّته فليفعل".
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٣٦) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٤٦) كلاهما من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر قال: رقيتُ مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضأ فقال: إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر الحديث. وفي رواية مسلم من طريق عُمارة بن غَزِيَّة الأنصاري، عن نعيم بن عبد الله المُجْمِر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتَّى أشرع في العَضُد، ثم يده اليسرى حتَّى أشرع في العَضُد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رِجله اليُمنى حتَّى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليُسرى حتَّى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم قال، فذكره.
стр. 1024
وفي رواية سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن عبد الله: فغسل وجهه ويديه حتَّى كاد يبلُغ المنكبين.
ولكن أبدى نُعيم بن عبد الله الشك في قوله: "من استطاع أن يُطيل غرته فليفعل" من قول رسول الله ﷺ أو من قول أبي هريرة.
رواه الإمام أحمد (٨٤١٣ و ١٠٧٧٨) من طريق فُلَيح بن سليمان، عنه.
وقال الحافظ في الفتح (١/ ٢٣٦): "ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم هذه".
وقال الحافظ المنذريّ في الترغيب والترهيب (٢٨٦): "وقد قيل: إنّ قوله: "من استطاع ... إلخ" إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه، ذكره غير واحد من الحفّاظ، والله أعلم".
وذكر نحوه الحافظ ابن القيم في حادي الأرواح (١/ ٣١٦)، ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يقول: "هذه اللّفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله ﷺ ، فإنّ الغرّة لا تكون في اليد، لا تكون إلّا في الوجه، وإطالتُه غير ممكنة، إذ تدخل في الرأس فلا تسمّى تلك غرّة" اهـ.
ولكن اختيار الشيخين رواية سعيد بن أبي هلال، عن نُعيم بن عبد الله دليل على صحة هذه الزيادة عندهما، وتابعه على ذلك عُمارة بن غَزِيَّة الأنصاري عند مسلم، ورواه الإمام أحمد (٢/ ٣٦٢) من طريق ليث بن أبي سُليم، عن كعب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم الغر المحجَّلُون يوم القيامة من آثار الوضوء والطهور، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّتَه فليفعل" إلَّا أن ليث بن أبي سليم ضعيف وكعب هو: أبو عامر المديني فإنه لم يوثقه إلَّا ابن حبان ورواه الطبراني في "الأوسط" من طريق ابن الحُوَيْرِث، عن نعيم بدون شك.
ونُعيم نفسه تردد فروى مرة باليقين، وأُخرى بالشك، فيؤخذ بقول مَن روى عنه باليقين وهم سعيد بن أبي هلال، وعُمارة بن غَزِيَّة، وليث بن سليم، وابن الحُوَيْرِث.
وعليه فإن صحّت هذه الزّيادة، فالغرّة يحتاج إلى تأويل فراجع في ذلك ما ذكره الحافظ في الفتح.
وقوله في الحديث (غُرًّا مُحَجَّلين) الغُرّة والتحجيل: بياض في وجه الفرس وقوائمه، وذلك مما يحسنه ويزيّنه، فاستعاره للإنسان، وجعل أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين، كالبياض الذي هو للفرس، ولذلك قال بإسباغ الوضوء؛ فإنه يزيد التحجيل ويطيله.
وتطويل الغرة والتحجيل المقصود منه القدر الزائد على الجزء الذي يجب غسله.
قال ابن القيم في زاد المعاد ١/ ١٩٦: "وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبيّ ﷺ أنه غسل يديه حتى أشرع في السّاقين، فهو إنّما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة".
• عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمدّ يده حتَّى تبلغ إبْطَه، فقلت له: ما هذا يا أبا هريرة؟ فقال: يا بَني فَرُّوخَ! أنتم ههنا؟ لو
стр. 1025
علمتُ أنكم ههنا ما توضأتُ هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغُ الحِليةُ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٠) عن قُتيبة بن سعيد، حدَّثنا خَلف، عن أبي مالكٍ الأشجعي، عن أبي حازمٍ. . فذكره.
• وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دارَ قومِ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحِقون، وددتُ أنِّي قد رأيتُ إخواننا"، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا بإخوانك؟ قال: "بل أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعدُ، وأنا فرَطُهم على الحوض"، فقالوا: يا رسول الله! كيف تعرف مَن يأتي بعدك من أمتك؟ قال: "أرأيتَ لو كان لرَجلٍ خَيلٌ غُرٌّ محَجَّلةٌ في خيلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، ألَّا يعرف خيلَه؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من الوضوء، وأنا فرطُهم على الحوض، فَلَيُذادَنَّ رِجال عن حَوضي، كما يُذادُ البعيرُ الضالُّ، أُنادِيهم: أَلا هَلُمَّ! أَلا هَلُمَّ! أَلا هَلُمَّ! فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدَك، فأقول: فسُحْقًا فسُحْقًا فسُحْقًا".
صحيح: رواه مالك في الطهارة (٢٨) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٤٩) من طريق مالك وغيره، عن العلاء بن عبد الرحمن به مثله.
• عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن حوضي لأبعدُ من أيلة من عَدَن. والذي نفسي بيده! إنِّي لأذود عنه الرجال كما يذود الرجلُ الإبلَ الغريبة من حوضه" قالوا: يا رسول الله! وتعرفنا؟ قال: "نعم تَرِدون عَلَّي غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء. ليست لأحدٍ غيركم".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٤٨) عن عثمان بن أبي شيبة: ثنا علي بن مُسهر، عن سعد بن طارق، عن رِبعي بن خِراش، عن حذيفة فذكره.
• عن عبد الله بن بُسر، عن النبيّ ﷺ قال: "أُمّتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود، محجّلون من الوضوء".
صحيح: رواه الترمذي (٦٠٧) عن أبي الوليد أحمد بن بكار الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم قال: قال صفوان بن عمرو، أخبرني يزيد بن خُمير، عن عبد الله بن بُسر فذكر مثله.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن بسر".
стр. 1026
ورواه الإمام أحمد (١٧٦٩٣) والطبراني في "مسند الشاميين" (٩٩٥) أتمّ من هذا عن أبي المغيرة قال: حدَّثنا صفوان قال: حدّثني يزيد بن خُمير الرحبي، عن عبد الله بن بسر المازني، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "ما من أمّتي من أحد إلَّا أنا أعرفه يوم القيامة" قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: "أرأيت لو دخلت صُبْرةً فيها خيل دُهم بُهم، وفيها فرس أَغَرُّ محجَّل، أما كنت تعرفه منها؟ " قال: بلى. قال: "فإنَّ أُمّتي يومئذٍ غرٌّ من السجود محجَّلون من الوضوء". وهذا إسناد صحيح.
أبو المغيرة هو: عبد القدوس بن حجّاج الخولاني.
قوله: "بهم" - بضمّ الباء وسكون الهاء - خالصة المواد.
• عن ابن مسعود قال: قيل يا رسول الله! كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: "غرٌّ محجَّلون بُلْقٌ من آثار الوضوء".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٨٤) حدَّثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدَّثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، قال: حدَّثنا حماد، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيش، أن عبد الله بن مسعود قال: فذكره.
وإسناده حسن للكلام في عاصم وهو: ابن أبي النجود. وكذا حسنه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه.
وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١٠٤٧) من طريق حماد - وهو ابن سلمة به مثله.
وفي الباب عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أمّتي أحد إلَّا وأنا أعرفه يوم القيامة" قالوا: يا رسول الله! من رأيت ومن لم تر؟ قال: "من رأيتُ ومن لم أر، غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الطهور". رواه الإمام أحمد (٢٢٢٥٧) والطبراني في الكبير (٧٥٠٩) كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أبي عتبة الكندي، عن أبي أُمامة فذكر مثله.
وأبو عتبة الكندي لم يرو عنه إلَّا معاوية بن صالح، ولم يوثقه أحد، وإنّما ذكره ابن حبّان في "الثقات" (٥/ ٥٧٠).
وعن جابر قال: قيل: يا رسول الله! كيف تعرف من لم تر من أمّتك؟ قال: "غُرًّا - أحسبه قال -: محجَّلون من آثار الوضوء".
رواه البزّار - كشف الأستار - (٢٥٤) وفيه يحيى بن يمان العجلي الكوفي ضعّفه يحيى بن معين والنسائيّ.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظة، وهو في نفسه لا يتعمَّد الكذب إلَّا أنّه يخطئ ويشبَّه عليه. "الكامل" (٧/ ٢٦٩١) ولم يذكره ابن حبان في ثقاته مع تساهله، ومع ذلك قال الحافظ الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٢٥): إسناده حسن. فلعلّه قال ذلك لكثرة شواهده.
وقوله في الحديث: "بُلْقٌ": مِن بَلِقَ الفرَس بَلَقًا، وبُلْقةً: إذا كان فيه سواد وبياض.
стр. 1027
٨ - باب التيمُّن في الطُّهور وغيره
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجّله وطهوره، وفي شأنه كله.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٦٨) ومسلم في الطهارة (٢٦٨) كلاهما من طريق شعبة، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، فذكر الحديث، ورواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن أشعث به، وفيه: "إن كان رسول الله ﷺ ليحبّ التيمنَ في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجّله إذا ترجَّل، وفي انتعاله إذا انتعل" انتهى. قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسط يقول: يحب التيامن في شأنه كله. قال: ثم سمعته بالكوفة يقول: يحب التيامن ما استطاع.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لبستم، وإذا توضأتم فابدأوا بأيامنكم".
صحيح: رواه أبو داود (٤١٤١) وابن ماجه (٤٠٢) من طريق أبي جعفر النُّفَيْلي، ثنا زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه الترمذي (١٧٦٦) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا شعبة، عن الأعمش به، إلَّا أنه اقتصر على "كان رسول الله ﷺ إذا لبس قميصا بدأ بميامنه". وقال: روي غير واحد هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد عن أبي هريرة موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة. انتهى.
قلت: رجال أبي داود وابن ماجه ثقات وإسناده صحيح، وأبو جعفر النُّفَيْلي هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نُفيل الحراني، ثقة حافظ من رجال البخاري. وأما قول الترمذي إن غير عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة لم يرفعه، فلا يقدح في صحته، فلعل شعبة كان يروي على وجهين، لشك طرأ عليه، ولم يتردد الأعمش في رفعه، واليقين لا يزول بالشك، وقد خرّجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٩١ رقم ١٧٨)، وابن حبان - "الموارد" (١٤٥٢)، وصحّحه أيضًا ابن القطان.
٩ - باب ما جاء في صفة وضوء النبي ﷺ -
• عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جَدّ عمرو بن يحيى المازني، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ -: هل تستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ؟ فقال عبد الله بن زيد بن عاصم: نعم، فدعا بوَضُوء، فأفرغ على يده، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه؛ فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمُقدَّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم
стр. 1028
ردّهما حتَّى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (١) وعنه البخاري في الوضوء (١٨٥) ومسلم في الطهارة (٢٣٥).
ورواه مسلم أيضًا من طريق غير مالك. وفيه: "ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح رأسه" أي: بماء جديد لا ببقية ماء يديه، رواه عن طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، إلَّا أن البخاري لم يذكر هذه الزيادة في روايته عن خالد بن عبد الله، وذكرها في روايته عن وُهَيْب، عن عمرو بن يحيى، وفي روايته عن سليمان بن بلال، عن عمرو.
قال النووي ﵀ في شرحه لمسلم (٣/ ١٢٥): "ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به؛ لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه".
وفي رواية: "فغسل يديه ثلاثًا". وفي رواية بزيادة: "استنشق" بين "مضمض" و "استنثر". وفي رواية: "ثم غسل رجليه إلى الكعبين". وفي رواية قال: "هكذا وضوء رسول الله ﷺ ".
وأما مسح الرأس ففي أكثر الروايات لم يُذكر العددُ، إلَّا في رواية وُهَيْب بن خالد الباهلي مولاهم، فإنه صرَّح بأنه مسح مرة.
ووقع في رواية للنسائي (٩٩) بإسناد جيّد أنه "مسح برأسه مرّتين" فالظّاهر أنه تفسير لقوله: "فأقبل بهما وأدبر".
وقال مسلم: حدثني إسحاق بن موسى، ثنا معن، ثنا مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد وقال: مضمض واستنثر ثلاثًا، ولم يقل "من كف واحدة".
وكأنه يشير إلى حديث خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: "رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كفٍّ واحد، فعل ذلك ثلاثًا"، رواه الترمذي (٢٨) وقال: حسن غريب.
وحديث خالد بن عبد الله رواه كل من البخاري ومسلم وقالا: "من كَفٍّ واحدة" بالتأنيث، وهي زيادة صحيحة، والغرابة لا تنافي الصحة؛ فإنَّ خالد بن عبد الله ثقة.
• عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، وأخذ غَرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غَرفة من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأُخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غَرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غَرفة من ماء فغسل بها يده اليُسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غَرفة من ماء، فرشّ على رِجله اليُمنى حتَّى غسلها، ثم أخذ غَرفة أُخرى فغسل بها رجله، يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.
стр. 1029
صحيح: رواه البخاري في الوضوء (١٤٠) من حديث ابن بلال - يعني سليمان - عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس فذكر الحديث. وأجمله أُخرى فقال: توضأ النبي ﷺ مرة مرة. رواه أيضًا البخاري (١٥٧) من حديث سفيان، عن زيد بن أسلم به.
ويبدو أن ابن عباس مرة كان يروي هكذا كما رواه البخاري، وأخرى رواه فجعل يصف وضوء النبي ﷺ قائلًا: "توضأ رسول الله ﷺ فغرف غرفة، فمضمض واستنشق، ثم غَرف غَرفةً فغسل وجهه، ثم غَرَف غَرفةً فغسل يده اليمنى، ثم غَرَف غَرفةً فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه؛ باطنهما بالسبّابتين وظاهرهما بإبهاميه، ثم غَرَف غَرفةً فغسل رجله اليمنى، ثم غَرَف غَرفةً فغسل رجله اليسرى".
رواه النسائي (١٠٢) واللفظ له، والترمذي (٣٦) وابن ماجه (٤٣٩) كلهم من حديث عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. ولفظ الترمذي: "مسح رسول الله ﷺ برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما". ولفظ ابن ماجه: "أن رسول الله ﷺ مسح أذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما".
قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: رجاله ثقات غير محمد بن عجلان، فهو صدوق.
ورواه أبو داود (١٣٨٧) من طريق سفيان، عن زيد بن أسلم به، وفيه: قال ابن عباس: "ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ ، فتوضأ مرة مرة" فظن بعض الناس أنه حديثان، والصواب أنه حديث واحد، رواه مرة مجملا وأخرى مُفصَّلًا.
وأما ما رواه أبو عبيد في "الطهور" (٨٣) في قصة مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة وقال فيه: فقام رسول الله ﷺ من الليل إلى قربة على شجب فيها ماء، فقلت: وما الشجبُ؟ - قال الشيباني: فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهَه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه مرة، ثم غسل قدميه. قال يزيد: حسبته قال: ثلاثًا.
رواه عن يزيد بن هارون، عن عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
ورواه أبو داود (١٣٣) عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون به مُختصرًا. فإسناده ضعيف فإنَّ عباد بن منصور ضعيف جدًّا، كما هو مخالف لما رواه ابن عباس من فعل النبي ﷺ مرة بالتفصيل، وأخرى بالإجمال بأنه توضأ مرة مرة، ورواه البخاري في كتاب اللباس (٥٩١٩) من غير طريق عباد بن منصور، عن سعيد بن جبير بدون التفصيل الذي ذكره أبو عبيد.
ورواه الدارمي (٧١٥) عن قبيصة، أنبأ سفيان به وزاد: "ونضح فرْجَه" وأخرجه البيهقي (١/ ١٦٢) من طريق العباس الدوري، ثنا قبيصة به وقال: "قوله: (ونضح) تفرد به قبيصة عن سفيان،
стр. 1030
ورواه جماعة عن سفيان دون هذه الزيادة" والنضح: هو رشّ الماء على الفرج بعد الوضوء ليرفع بذلك وسوسة الشيطان.
والأحاديث الواردة في النضح، ليس منها شيء على شرطي، ولذا أعرضتُ عنها وإن كان بعض أهل العلم ذهبوا إلى استحبابه لكثرة شواهده منها: حديث سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، رواه أبو داود (١٦٦) وفيه اضطراب شديد، ومنها: حديث زيد بن حارثة عن النبي ﷺ أن جبريل ﵇ أتاه في أول ما أوحي إليه، فعلّمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفةً من ماء، فنضح بها فرجه، رواه ابن ماجه (٤٦٢) وأحمد (١٧٤٨٠)، واللفظ له، وفي إسناده ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث كذب باطل" العلل (١٠٤)، ومنها: حديث أبي هريرة مرفوعا: إذا توضأتَ فانتضحْ، رواه ابن ماجه (٤٦٣)، واللفظ له، والترمذي (٥٠)، وفيه الحسن بن علي الهاشمي ضعيف جدًّا، ومنها: حديث جابر قال: توضأ رسول الله ﷺ فنضح فرْجَه. رواه ابن ماجه (٤٦٤) من طريق قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. قال البوصيري: ضعيف لضعف قيس وشيخه، والخلاصة فيه: أنه لا يصح شيء في هذا الباب، وإنما الصحيح أن النضح لمن يخرج له المذي بعد الوضوء كما سيأتي في باب الوضوء من المذي، والنضح بعده.
• عن حُمْران مولي عثمان أنه أخبر أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مِرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مِرار إلى الكعبين. ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يحدّثُ فيهما نفسَه، غُفِر له ما تقدم من ذنبه".
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٥٩) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٢٦) كلاهما من طريق الزهري، عن عطاء بن يزيد، أخبره أن حُمران مولى عثمان أخبره.
وفي مسلم، والبخاري أيضًا (١٦٤): "ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال ... "، قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحدٌ للصلاة. وفي رواية عند مسلم قال: "ألا أُريكم وضوء رسول الله ﷺ ، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وعنده رجال من أصحاب النبي ﷺ ".
قال أبو داود: "أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة؛ فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا وقالوا فيها: ومسح رأسه. ولم يذكروا في غيره".
قلت: ولكن ذكر يحيى بن آدم قال: حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن حمزة، عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت
стр. 1031
رسول الله ﷺ فعل ذلك. قال أبو داود: رواه وكيع، عن إسرائيل قال: توضأ ثلاثًا فقط. أي: لم يذكر المسح ثلاثًا.
• عن عبد خير قال: أتانا علي ﵁ وقد صلَّى، فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلَّى؟ ما يريد إلَّا ليعلمنا، فأُتي بإناءٍ فيه ماءٌ وطستٍ، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله الشمال ثلاثًا. ثم قال: من سرّه أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا.
حسن: رواه أبو داود (١١١) واللفظ له، والنسائي (٩٢) كلاهما من حديث خالد بن علقمة، عن عبد خير.
ورواه الترمذي (٤٩) من حديث أبي إسحاق، عن عبد خير، قال: مثل حديث أبي حية، إلَّا أن عبد خير قال: كان إذا فرغ من طهوره أخذ من فضل طهوره بكفه فشربه".
وقال: وقد رواه زائدة بن قدامة وغير واحد، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن عليٍّ، حديثَ الوضوء بطوله.
وقال: حسن صحيح. وروى شعبة هذا الحديث عن خالد بن علقمة فأخطأ في اسمه واسم أبيه فقال: (مالك بن عُرْفُطة)، عن عبد خير، عن علي. قال: وروي عن أبي عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي. وروى عنه عن مالك بن عُرْفُطة مثل رواية شعبة، والصحيح: خالد بن علقمة. انتهى.
قلت: رواية شعبة هذه رواها النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن مالك بن عُرْفُطة. ومن حديث يزيد بن زريع، عن شعبة، عن مالك بن عُرْفُطَة. قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: خالد بن علقمة ليس مالك بن عُرفُطة. انتهى
وكذلك رواه أيضًا أبو داود من حديث محمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سمعت مالك بن عُرْفُطَة. فذكر الحديث.
والصواب أنه خالد بن علقمة، كما رواه أبو عوانة وزائدة كلاهما عن خالد بن علقمة عند أبي داود والنسائي.
وأما حديث أبي حية فرواه عنه أبو إسحاق، وعنه رواه أبو الأحوص، رواه أبو داود (١١٦) من ثلاث طرق، والترمذي (٤٨) من طريقين، والنسائي (٩٦) وابن ماجه (٤٥٦) من طريق واحدٍ كلهم عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق لفظ الترمذي والنسائي أشمل وفيه: توضأ فغسل كفيه حتَّى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح
стр. 1032
برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طَهوره، فشرب وهو قائم، ثم قال: أحببتُ أن أريكم كيف طُهور النبي ﷺ ثم رواه النسائي (١٣٦) من وجه آخر عن شعبة، عن أبي إسحاق به مُختصرًا، وأبو إسحاق مُدلِّس، ولكن شعبة كفانا تدليسه.
وأبو حية بن قيس قال فيه الذهبي في "الميزان": لا يعرف. وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول"، وهو كما قال فإنه قد توبع.
ولحديث عليّ طرقٌ أُخرى غير طريق عبد خيرٍ:
منها: زِرِّ بن حُبَيش أنه سمع عليًّا وسئل عن وضوء رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث.
ومنها: عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: رأيت عليًّا ﵁ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ . رواهما أبو داود.
ومنها: الحسين بن علي قال: دعاني أبي عليٌّ بوضوء، فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يُدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليُسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائمًا فقال: ناولني، فناولته الإناء الذي فيه فضلُ وَضوئه، فشرب من فضل وَضوئه قائمًا، فعجبتُ، فلما رآني قال: لا تعجب؛ فإني رأيت أباك النبي ﷺ يصنع مثل ما رأيتَني صنعتُ؛ يقول لوُضوئه هذا: وشرب فضلَ وَضوئه قائمًا. رواه النسائي.
ومنها: عبد الله بن عباس قال: دخل عليَّ عليٌّ - يعني ابن أبي طالب - وقد أهراق الماء، فدعا بوَضوء، فأتيناه بِتَوْرٍ فيه ماء حتَّى وضعناه بين يديه فقال: يا ابن عباسٍ! ألا أُريك كيف كان يتوضأ رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: فأصغى الإناء على يديه فغسلهما، ثم أدخل يديه اليمنى فأفرغ بها على الأُخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنةً من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألْقَم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبَّها على ناصيته، فتركها تستنُّ على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا فأخذ حفْنة من ماء، فضرب بها على رجله، وفيها النعلُ ففتلَها بها، ثم الأُخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين. رواه أبو داود (١١٧) من حديث محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس.
قال الحافظ: رواه أبو داود مُطوَّلًا، والبزار وقال: لا نعلم أحدًا روي هذا هكذا إلَّا من حديث عبيد الله الخولاني، ولا نعلم أحدًا روى عنه إلَّا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، وقد صرّح ابن
стр. 1033
إسحاق بالسماع فيه، وأخرجه ابن حبان من طريقه مُختصرًا، وضعَّفه البخاري فيما حكاه الترمذي. "التلخيص" (١/ ٨٠).
وعبيد الله الخولاني هو: عبيد الله بن الأسود، ويقال ابن أسد الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ ، وهو ثقة.
والبخاري رحمه الله تعالى اطلع على عِلَّة خفيَّةٍ فضعّف هذا الحديث مع أن رجاله ثقات، فلعله لمخالفته للروايات الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ ، مثل روايات حُمْران بن أبان عن عثمان وغيرها.
قوله: "فأخذ بهما حَفْنةً من ماء فضرب على وجهه": هو صكّ الوجه بالماء للمتوضئ عند إرادته غسل وجهه.
وقوله: "ثم ألقم إبهاميه" أي: جعل الإبهامين في الأذنين كاللقمة.
وقوله: "فصبَّها على ناصيته" أي: أسال الماء على جبهته بعد غسل الوجه للتحقق من كمال غسل الوجه.
وقوله: "تستن" أي: تسيل وتنصب، يقال: سننت الماء إذا جعلته صبًّا سهلًا.
وقوله: "ففتلها به" - وفي رواية: "فغسلها بها" وهي تفسر معنى "فتلها" - أي: صَبَّها.
وقوله: "وفي النعلين" أي: أدخل الماء في النعلين ليغسلهما، وفيه رد على من قال بجواز المسح على الرجلين.
وقوله في أول الحديث: ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه" قال أبو عبيد: في "الطُّهور"
(ص ٣٦٢): قد بيَّن في هذه الأحاديث أن الواجب في مسح الرأس تجديد الماء. وهذا الأمر الذي عليه الناس من أهل الحجاز والعراق، ومن يقول بالأثر وأصحاب الرأي كلهم به، لا يجزئ في المسح إلَّا ماءً جديدًا، ولا يكون ببلل اليد في الابتداء أبدًا".
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف الطُّهور؟ فدعا بماءٍ في إناءٍ، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه؛ فأدخل إصبَعَيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم"، أو "ظلم وأساء".
حسن: رواه أبو داود (١٣٥) واللفظ له، والنسائي (١٤٠) وابن ماجه (٤٢٢) كلاهما مُختصرًا بلفظ: فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم".
كلهم من طريق موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب به.
стр. 1034
وإسناده حسن؛ لأجل عمرو؛ فإنه صدوق.
قوله: "فمن زاد على هذا ... " أي: العدد، كذا بوّب ابن خزيمة (١٧٤) قائلًا: باب التغليظ في غسل أعضاء الوضوء أكثر من ثلاث، والدليل على أن فاعله مسيء ظالم، أو متعدٍ ظالم. ثم ذكر الحديث.
وإلَّا فقد ثبت من حديث أبي هريرة الغسل إلى المنكبين والساقين في حديث الغر المحجلين.
وأما ما ورد في رواية أبي داود: (أو نقص) - وقد تفرد بهذه الزيادة - فهو منكر؛ لجواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين.
• عن الرُّبَيِّع بنت معوّذ بن عفراء قالت: رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضّأ قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل وما أدبر، وصُدغيه، وأذنيه مرّة واحدة.
حسن: رواه أبو داود (١٢٩)، والترمذي (٣٤) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا بكر - يعني ابن مضر -، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنّ ربيع بنت معوذ بن عفراء، أخبرته، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل ابن عجلان وشيخه فهما مختلف فيهما غير أنهما حسنا الحديث.
ورواه بشر بن المفضّل، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذِ بن عفراء، قالت: كان رسول الله ﷺ يأتينا، فحدثتنا أنه قال: "اسكُبي لي وَضوءًا". فذكرتْ وُضوء رسول الله ﷺ قالت فيه: فغسل كفيه ثلاثًا، ووضّأ وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة، ووضّأ يديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه مرتين؛ يبدأ بمُؤخَّر رأسه ثم بمُقدَّمه، وبأذنيه كلتيهما؛ ظهورهما وبطونهما، ووضّأ رجليه ثلاثًا ثلاثًا.
رواه أبو داود (١٢٦) واللفظ له، والترمذي (٣٣) واختصره، مقتصرًا على ذكر المسح بالرأس مرتين: بدأ بمُؤخَّر رأسه، ثم بمُقدَّمه - ثم ذكر مثله.
وقال الترمذي: "حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادًا".
قلت: يقصد به حديث مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. بدأ بمُقدَّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتَّى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
رواه في سننه (٣٢) عن إسحاق بن موسى الأنصاري، حدَّثنا معن بن عيسى القزَّار، حدَّثنا مالك بن أنس فذكره. والحديث في الموطأ من رواية يحيى، سبق تخريجه في أول هذا الباب وفي هذا الحديث الإقبال ثم الإدبار مرة واحدة.
قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٩٣): "وكان يمسح رأسه كلّه، وتارة يقبل بيديه ويدبر"، وعليه يحمل حديث من قال: "مسح برأسه مرتين" والصّحيح أنه لم يكرّر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء، أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصح عنه ﷺ خلافه
стр. 1035
البتة، بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح، كقول الصحابي: "توضأ ثلاثًا ثلاثًا"، وكقوله: "مسح برأسه مرتين، وإما صريح غير صحيح، كحديث ابن البيلماني عن أبيه عن عمر، أنّ النبيّ ﷺ قال: "من توضّأ فغسل كفيه ثلاثًا" ثم قال: "ومسح برأسه ثلاثًا" وهذا لا يحتجّ به، وابن البيلماني وأبوه مضعّفان، وإن كان الأب أحسن حالًا، وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود أنه ﷺ : "مسح رأسه ثلاثًا" وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلّها تدل على أنّ مسح الرّأس مرّة".
قلت: وحديث أبي داود الذي أشار إليه ابن القيم هو ما رواه في سننه (١١٠) عن هارون بن عبد الله، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جمرة، عن شقيق بن سلمة، قال: "رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ فعل هذا".
قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: "توضأ ثلاثًا فقط".
فالظّاهر من قوله أنّ المسح لا يدخل في قوله: "ثلاثًا".
قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (١/ ٢٠١): "قلت: وقد رواه ابن مهدي، وعبد الرزاق، وأبو أحمد الزبيري وغيرهم عن إسرائيل، ولم يذكروا التّكرار في مسح الرّأس وهو الصّواب".
• عن عائشة، قالت: إنَّ رسول الله ﷺ توضأ عندها فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية المنصب الشَّعر، لا يحرك الشَّعر عن هيئته.
حسن: رواه أبو داود (١٢٨) عن قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني، قالا: حدَّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عنها.
وإسناده حسن؛ فإنَّ محمد بن عجلان حسن الحديث، وكذا عبد الله بن محمد بن عقيل، والليث هو ابن سعد المصري.
وقولها: "فمسح الرّأس كلَّه" فيه دليل على تعميم مسح الرأس كلّه.
قال أبو عبيد في "الطهور" (ص ٣٥٧) "وهو قول أهل الأثر والاتباع".
واختلف أهل الرأي فقال بعضُهم: يجزئه أن يمسح الربع منه فصاعدًا، وبعضهم يستحسن النصف. قال: إن الذي عندنا في ذلك الأخذ بالآثار التي روينا في صدر هذا الكتاب من مسح الرأس كله. يتوخى الرجل أن لا يبقى منه شيء كما يفعله في مسح الوجه للتيمم، لأنهما في التنزيل بلفظ واحد، ثم فسَّرته السنة بالأخبار التي ذكرنا عن النبي ﷺ ، فأما توقيت النصف والربع فإنه لا يجوز لأحدٍ إلَّا أن يوجد علمه في كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ". انتهى.
• عن عائشة: أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده.
حسن: رواه أبو داود (١٣٠) عن مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن سفيان بن سعيد، عن ابن عقيل، عنها. وإسناده حسن أيضًا.
стр. 1036
ثم رواه أبو داود أيضًا (١٣١) هو وابن ماجه (٤٤١) كلاهما عن وكيع، ثنا الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عنها: أن النبي ﷺ توضأ فأدخل إصبَعَيه في حُجري أذنيه. وهو حسن أيضًا.
وأما ما رواه ابن ماجه (٤٥٨) من طريق رَوح بن القاسم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عنها قالت: أتاني ابن عباس فسألني عن هذا الحديث - تعني حديثها الذي ذكرت أن رسول الله ﷺ توضأ وغسل رجليه. فقال ابن عباس: إن الناس أبوا إلَّا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلَّا المسح.
قال البيهقي في "السنن" (١/ ٧٢): فهذا إن صح، فيحتمل أن ابن عباس كان يرى القراءة بالخفض، وأنها تقتضي المسح، ثم لما بلغه أن النبي ﷺ توعد على ترك غسلهما، أو ترك شيء منهما ذهب إلى وجوب غسلهما، وقرأها نصبًا. وقد روينا عنه أنه قرأها نصبًا. انتهى.
• عن المقدام بن مَعْد يكربَ الكِندي قال: أُتِي رسول الله ﷺ بوَضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهَه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما.
حسن: رواه أبو داود (١٢١) عن الإمام أحمد بن حنبل، وهو في "المسند" (١٧١٨٨) قال: حدَّثنا أبو المغيرة، قال: حدَّثنا حَرِيز، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، قال: سمعتُ المقدام بن معديكرب فذكر الحديث. وزاد الإمام في "المسند" "وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا"
قلت: رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن ميسرة، فجعله الحافظ في التقريب "مقبولًا"، والحق أنه حسن الحديث، فقد نقل في تهذيبه عن أبي داود أنه قال: شيوخ حريز كلهم ثقات، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، انتهي.
وقال الذهبي في الكاشف: ثقة.
قلت: وذكره ابن حبان أيضًا في الثقات وحسَّنَ إسنادَه النووي في "المجموع" (١/ ٤١١).
إلَّا أن النكارة في هذا الحديث أن المضمضة وقعت بعد غسل الذراعين، والمعروف في الأحاديث الصحيحة أنها بعد غسل الكفين.
وفي رواية: قال أبو داود (١٢٢): حدَّثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي - لفظه - قالا: حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن المقدام بن معديكرب قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مسْحَ رأسه وضع كفيه على مُقدَّم رأسه، فأمرَّهما حتَّى بلغ القفا، ثم ردَّهما إلى المكان الذي منه بدأ".
والوليد بن مسلم مُدلِّس ولكنه صرَّح بالتحديث كما ذكره أبو داود قائلًا: قال محمود (قال: ): أخبرني حريز، أي قال الوليد بن مسلم: أخبرني حريز.
стр. 1037
ثم قال أبو داود (١٢٣): حدَّثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد، المعنى، قالا: حدَّثنا الوليد بهذا الإسناد، قال: ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، زاد هشام: وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه. انتهى.
وتابعهما هشام بن عمار، قال: حدَّثنا الوليد، قال: حدَّثنا حريز بن عثمان عنه ولفظه: "توضأ فمسح برأسه وأذنيه، ظاهرهما وباطنهما".
رواه ابن ماجه (٤٤٢) عن عشام بن عمار به.
وأخرجه الطحاوي (١/ ١٩) عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا حريز بن عثمان به، وقيد المسح بقوله: مرة واحدة. ورجال الإسناد كلهم بين ثقة وصدوق.
• عن أبي الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن أبي مالك: أن معاوية توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرَف غَرفةً من ماء فتلقاها بشماله حتَّى وضعها على وسط رأسه، حتَّى قطر الماءُ، أو كان يقطر، ثم مسح من مُقدَّمه إلى مُؤخَّره، ومن مُؤخَّره إلى مُقدَّمه.
حسن: رواه أبو داود (١٢٤) عن مُؤَمَّل بن الفضل الحرَّاني، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله بن العلاء، ثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن أبي مالك فذكره.
وإسناده حسن فإنَّ مؤمَّل بن الفضل الجزري أبو سعيد صدوق. والوليد بن مسلم وإن كان مُدلِّسًا، إلَّا أنه صرَّح بالتحديث، كما صرَّح شيخه بالتحديث عن شيخه فزالت تهمة التدليس. وأما أبو الأزهر المغيرة بن فروة الثقفي فهو مقبول، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان إلَّا أنه توبع كما ترى من يزيد بن أبي مالك وهو: يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك - نسب إلى جده - قال الدارقطني: من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات.
• عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين.
حسن: رواه أبو داود (١٣٦) والترمذي (٤٣)، كلاهما من حديث زيد بن حُباب، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال: حدثني عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز وهو الأعرج، عن أبي هريرة.
رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان؛ فقد ضعّفه النسائي. ووثقه أبو حاتم. وقال ابن معين: ليّن.
ولذا حكم عليه الترمذي بحكمين فقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسنادٌ حسن صحيح".
قلت: فحَكَم أوَّلًا بغرابة الإسناد؛ لتفرد ابن ثوبان، ثم حكم بصحته بأنه لو انفرد فهو صحيح الإسناد. والصواب: أنه حسن الإسناد؛ لأجل ابن ثوبان.
стр. 1038
• عن البراء بن عازب، أنه قال لِبَنيه: اجتمعوا فَلِأُريكم كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ؟ وكيف كان يُصلّي؟ فاني لا أدري ما قَدْرُ صُحبتي إياكم. قال: فجمع بَنيه وأهلَه ودعا بوِضوءٍ فمضمض واستنثر، وغسل وجْهَه ثلاثًا، وغسل اليدَ اليُمنى ثلاثًا، وغسل يده هذه ثلاثًا - يعني اليسرى، ثم مسح رأسه وأُذنيه ظاهِرَهما وباطنَهما، وغسل هذه الرجلَ - يعني اليمني - ثلاثًا، وغسل هذه الرجلَ ثلاثًا - يعني اليسرى، قال: هكذا ما ألوتُ أن أريكم كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ، ثم دخل بيته، فصلى صلاةً لا ندري ما هي، ثم خرج، فأمر بالصلاة. فأقيمت، فصلَّي بنا الظهر، فأحسبُ أنِّي سمعتُ منه آيات من ﴿يس﴾ ثم صلَّى العصر، ثم صلَّى بنا المغرب، ثم صلَّى بنا العِشاءَ، وقال: ما ألوتُ أن أريكم كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ، وكيف كان يُصَلِّي.
حسن: أخرجه الإمام أحمد (١٨٥٣٧) قال: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا سعيد الجُرَيري، عن أبي عائذ سيفٍ السعدي - وأثنى عليه خيرًا - عن يزيد بن البراء بن عازب - وكان أميرًا بعُمان، وكان كخير الأُمراء -، قال: قال أبي: فذكر الحديث.
رجاله ثقات غير سيف أبي عائذ السعدي - قال البخاري: سماه ابن علية بعوانة، مشهور بكنيته، روى عن يزيد بن البراء بن عازب، عن أبيه في الوضوء، وعنه سعيد الجُريري، وأثنى عليه خيرًا. وذكره ابن حبان في الثقات. كذا في "التعجيل" (٢٤٤).
ويزيد بن البراء بن عازب وثَّقه العجلي، وأثنى عليه أبو عائذ قائلًا: "وكان كخير الأُمراء" وذكره ابن حبان في الثقات. وجعله الحافظ في درجة "صدوق، وهو من رجال أبي داود والنسائي.
وقال الهيثمي في المجمع (٢٦٨٤): "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
• عن المغيرة بن شعبة أنه سُئِل: هل أَمَّ النبيَّ ﷺ أحدٌ من هذه الأمة غيرُ أبي بكر ﵁؟ فقال: نعم كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفَر، فلما كان من السَّحَر، ضَرَبَ عُنقَ راحلتي، فظننتُ أن له حاجة، فعَدَلتُ معه، فانطلقنا حتَّى بَرَزْنا عن الناس، فنزل عن راحلته، ثم انطَلقَ فتغيَّب عني حتَّى ما أراه، فمكثَ طويلًا، ثم جاء فقال: "حاجَتَكَ يا مُغِيرَة؟ " قلت: ما لي حاجة. فقال: "هَلْ مَعكَ ماءٌ" فقلت: نعم، فقمتُ إلى قِرْبَةٍ أو إلى سَطِيحَةٍ معلّقةٍ في آخِرَةِ الرَّحْل، فأتيتُه بماء، فصببتُ عليه، فغسلَ يَدَيْه، فأحسن غَسْلَهما - قال: وأشكُّ أقالَ: دَلكهما بتراب أم لا - ثم غسل وجهه، ثم ذهب يحْسُرُ عن يديه وعليه جُبّةٌ شاميّة ضيقةُ الكُمَّين، فضاقت، فأخرج يَدَيْه من تحتها إخراجًا، فغسل وجهه ويديه - قال فيجيء في الحديث غسل
стр. 1039
الوجه مرتين؟ قال: لا أدري أهكذا كان أم لا - ثم مسحَ بناصيته، ومسح على العِمامة، ومسح على الخفين، وركبنا فأدركنا الناسَ وقد أُقيمتِ الصلاةُ، فتقدَّمهم عبد الرحمن بن عوف، وقد صلَّى بهم ركعةً، وهمَّ في الثانية، فذهبتُ أُوذِنُه، فنهاني، فصلَّينا الركعة التي أدركْنا، وقضينا الركعة التي سُبِقْنا.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٨١٣٤) قال: حدَّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن محمد، عن عمرو بن وهب الثقفي قال: كنَّا مع المغيرة بن شعبة فسئل فذكر الحديث.
وإسناده صحيح. إسماعيل هو: ابن علية. وأيوب هو: السختياني (أيوب بن أبي تميمة). ومحمد هو: ابن سيرين.
ورواه الطبراني في الكبير (٢٠ / برقم ١٠٣٩) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن رجل يكنى أبا عبد الله، عن عمرو بن وهب الثقفي فذكر الحديث. فجعل بين محمد بن سيرين وبين عمرو بن وهب رجلًا. وقد أكَّد ذلك أيضًا ابن معين كما ذكره الحافظ في "التهذيب" في ترجمة ابن سيرين.
ولكن أثبت البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٣٧٧) سماعه منه.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٨١٦٤) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين قال: دخلتُ مسجد الجامع، فإذا عمرو بن وهب الثقفي قد دخل من الناحية الأُخرى، فالتقينا قريبًا من وسط المسجد، فابتدأني بالحديث، وكان يُحبُّ ما ساق إليَّ من خير فذكر الحديث.
وأكَّد الدارقطني في علله (٧/ ١٠٩) أن القول هو قول من لم يذكر الرجلَ المبهم كأيوب وقتادة ومن تابعهما.
فلعلّ محمد بن سيرين سمع من وجهين، سمع أوَّلًا من رجل، عن عمرو بن وهب، ثم لقيه وسمع منه، فصحَّ الحديث من وجهين. انظر باقي الحديث في المسح على الخفين.
وفي الحديث جواز المسح على العمامة. انظر التفصيل في باب ما جاء في المسح على الخفين والعمامة والناصية.
• عن أبي مالك الأشعري أنه جمع أصحابه فقال: هَلُمَّ أصَلِّي صلاة نبيِّ الله ﷺ - قال: وكان رجلًا من الأشعريين - قال: فدعا بجفْنةٍ من ماء، فغسل يديه ثلاثًا، ومضمضَ واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسَل قدميه. قال: فصلَّى الظهر فقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وكبَّر ثنتين وعشرينِ تكبيرةً.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٨٩٣) والطبراني (٣٤١٢، ٣٤١٤) كلاهما من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك الأشعري فذكر الحديث.
стр. 1040
وإسناده حسن للكلام في شهر بن حوشب إلَّا أنه حسن الحديث ما لم يخالف، وقتادة مُدلِّس وقد عنعن، ولكن رواه ابن ماجه (٤١٧) من طريق ليث بن أبي سُليم، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ ثلاثًا، ثلاثًا.
وليث بن أبي سُليم تكلم فيه مِن قِبَل حِفظه، لأنه اختلط أخيرًا وكان عابدًا صالحًا، وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق" وهذا الحديث مما لم يختلط فيه لمتابعة قتادة له، كما أن لحديثه شواهد من الصحابة الآخرين.
• عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ توضأ، فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه، ووضَّأَ قدَميه.
حسن: رواه الإمام أحمد (٨٥٧٧) والطبراني في الأوسط - "مجمع البحرين" كلاهما عن همام، عن عامر - يعني الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٣٠): رواه الطبراني في الأوسط بإسناد، رجاله رجال الصحيح.
قلت: وهو كما قال غير عامر وهو: ابن عبد الواحد الأحول البصري وهو وإن كان من رجال مسلم إلَّا أنه اختلف فيه فقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وقال ابن عدي: لا أرى برواياته بأسًا، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الإمام أحمد: ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوى. والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق يخطئ".
فالظاهر فيه أنه لم يخطئ في رواية هذا الحديث لموافقة الثقات له ولتواتر الرواية بأن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا كما مضى، ورواه ابن ماجه (٤١٥) مجملًا بأن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. رواه عن أبي كُريب، قال: حدَّثنا خالد بن حيَّان، عن سالم أبي المهاجر، عن ميمون بن مهران، عن عائشة وأبي هريرة أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو يعلى في مسنده (٤٦٧٦ تحقيق الأثرى).
ورجاله ثقات غير خالد بن حيَّان وهو: الرقي فوثَّقه ابن معين. وقال أحمد: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. فهو لا ينزل عن مرتبة "صدوق" ولكن جعله الحافظ في مرتبة "صدوق يخطئ".
• عن عائشة أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا.
حسن: رواه ابن ماجه (٤١٥) مقرونًا بأبي هريرة كما سبق عن أبي كريب، قال: حدَّثنا خالد بن حيَّان، عن سالم أبي المهاجر، عن ميمون بن مهران، عن عائشة وأبي هريرة فذكر الحديث.
وسبق بيانه بأن رجاله ثقات غير خالد بن حيَّان وهو "صدوق" أيضًا. هكذا رواه ميمون بن مهران عن عائشة مجملًا. ورواه أبو عبد الله سالم سَبَلان مُفصَّلًا. رواه النسائي (١٠٠) عن الحسين بن حُرَيْث، قال: حدَّثنا الفضل بن موسى، عن جعيد بن عبد الرحمن، قال: أخبرني عبد الملك بن
стр. 1041
مروان بن الحارث بن أبي ذُباب قال: أخبرني أبو عبد الله سالم سَبَلان قال: وكانت عائشة تستعجبُ بأمانته وتستأجره، فأرتني كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ، فمضمضتْ واستنثرتْ ثلاثًا، وغسلتْ وجْهَها ثلاثًا، ثم غسلَتْ يدها اليمنى ثلاثًا، واليُسرى ثلاثًا، ووضعتْ يدها في مقَّدمة رأسها ثم مسحتْ رأسها مسحةٌ واحدةٌ إلى مؤخره، ثم أمرّتْ يديها بأذُيَها ثم أمرَّت على الخدين.
قال سالم: كنت آتيها مكاتبًا ما تختفي منِّي، فتجلسُ بين يديَّ وتتحدثُ معي، حتَّى جئتُها ذات يوم فقلت: ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين. قالت: وما ذاك؟ قلت: أعتقني اللهُ. قالت: بارك الله لك، وأرختِ الحجابَ دوني فلم أرها بعد ذلك اليوم.
ورجاله ثقات غير عبد الملك بن مروان بن الحارث فهو "مقبول" لأنه لم يوثقه غير ابن حبان. فهذا التفصيل لعله يعود إلى الإجمال الذي ذكره ميمون بن مهران عن عائشة.
وقوله: "مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخّره" هذه لفظة مجملة تطلق على من مسح من المقدّم إلى المؤخّر، ومن المؤخّر إلى المقدّم، ويطلق عليها أيضًا مرة واحدة - كما في الأحاديث السابقة -.
وقوله: "كنتُ آتيها مكاتبًا" هذا مبني على أن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم، ولعل ذلك من مذهبها. والله أعلم.
• عن أبي جبير الكندي أنه قدم على رسول الله ﷺ فأمر رسولُ الله ﷺ بَوضُوءٍ وقال: "توضأ يا أبا جبير! " فبدأ بفيه، فقال له رسولُ الله ﷺ : "لا تبدأ بفيك، فإنَّ الكافر يبدأ بفيه" ثم دعا رسولُ الله ﷺ بَوضوءٍ، فغسل يَديه حتَّى أنقاهُما، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجْهَه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل يده اليُسرى إلى المرفق ثلاثًا، ثم مسح برأسه وغسل رجليه.
حسن: رواه ابن حبان (١٠٨٩) قال: أخبرنا ابن قتيبة، قال: حدَّثنا حرملة بن يحيى، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن أبا جبير فذكر الحديث.
ورواه البيهقي (١/ ٤٦) من طريق الليث بن سعد، عن معاوية به صالح به مثله.
وإسناده حسن لأجل معاوية بن صالح وهو: ابن حُدير - بالمهلمة، مصغرًا - الحضرمي من رجال مسلم. إلّا أنه تُكلِّم فيه من ناحية حفظه غير أنه حسن الحديث.
وأما مسح الرقبة والعنق فلم يثبت فيه شيء، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "لم يصح عن النبي ﷺ أنه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا روي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبي ﷺ لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبه فاعتمد
стр. 1042
فيه على أثر يُروي عن أبي هريرة ﵁ أو حديث يضعف نقله: أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال، ومثل ذلك لا يصلح عمدة، ولا يعارض ما دلت عليه الأحاديث، ومن ترك مسح العنق فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء، والله أعلم" مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٧ - ١٢٨).
وحديث القذال هو ما رواه الإمام أحمد (١٥٩٥١) وأبو داود (١٣٢) والبيهقي (١/ ٦٠) كلهم عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله ﷺ مسح رأسه مرة واحدة، حتى بلغ القذال، وهو أول القفا.
قال أبو داود: قال مسدد: مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه، هذا لفظ أبي داود.
ولفظ أحمد: أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القذال، وما يليه من مقدم العنق يمرة، قال: القذال: السالفة العنق.
قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره، ويقول: إيش هذا؟ يعني: طلحة عن أبيه عن جده. انتهى.
وفيه ليث وهو ابن أبي سليم سيء الحفظ؛ لأنه اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه، فترك، ولذا ضعفه جمهور أهل العلم، فقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: لين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث. وفيه مصرف أبو طلحة اليامي، لم يرو عنه إلا ابنه، ولم يوثقه أحد فهو "مجهول". وأما جد طلحة فاختلف في صحبته.
قال علي بن عبد الله المديني: قلت لسفيان: إن ليثًا روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه، عن جده، أنه رأى النبي ﷺ توضأ؛ فأنكر ذلك سفيان يعني ابن عيينة، وعجب أن يكون جد طلحة لقي النبي ﷺ ، قال علي: وسألت عبد الرحمن يعني ابن مهدي عن نسب جد طلحة فقال: عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو وكانت له صحبة، وقال غيره: عمرو بن كعب لم يشك فيه.
عن عباس بن محمد الدوري قال: قلت ليحيى بن معين: طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، رأي جده النبي ﷺ فقال يحيى: المحدثون يقولون: قد رآه وأهل بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة.
ذكر هذا كله البيهقي في سننه (١/ ٥٠) وذهب غيرهم إلى أن عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو كانت له صحبة.
وبهذا يعرف أن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه النووي في المجموع (١/ ٣٦٠) وكذلك الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ٤٣٣) وغيرهم.
وقال النووي أيضا: (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥): "وأما الحديث المروي عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، ... فهو ضعيف بالاتفاق".
стр. 1043
وفي معناه حديث آخر وهو ما رواه البزار (٤٤٨٨) عن إبراهيم بن سعيد، قال: نا محمد بن حجر، عن أبيه، عن أمه، عن وائل بن حجر قال: شهدت النبي ﷺ ، وأتي بإناء فيه ماء، فأكفأ على يمينه ثلاثا ... فذكر الحديث بطوله، وجاء فيه: "ومسح ظاهر رقبته وباطن لحيته ثلاثا".
ومن هذا الطريق أيضا رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٩ - ٥٠) ولفظه: "ثم مسح رقبته وباطن لحيته من فضل ماء الوجه".
قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٣٢): "وفيه سعيد بن عبد الجبار، قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، ومحمد بن حجر وهو ضعيف".
وقال أيضا: (٢/ ١٣٤ - ١٣٥): "وفيه محمد بن حجر، قال البخاري: فيه بعض النظر، وقال الذهبي: له مناكير"، انتهى.
وقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٩): "فيه نظر".
وفي معناه حديث آخر ذكره الغزالي في الوسيط (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) مرفوعا: "مسح الرقبة أمان من الغل".
قال النووي في شرح المهذب (١/ ٤٦٥): "هذا موضوع، ليس من كلام النبي ﷺ ".
١٠ - باب صفة وضوء النبي ﷺ من غير حدث
• عن النزال بن سبرة قال: رأيتُ عليًا ﵁ صلَّى الظهر، ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرتِ العصرُ أُتي بِتَوْرٍ من ماء، فأخذ منه كفًا فمسح به وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله فشرب قائمًا، وقال: إن الناس يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله، وهذا وضوء من لم يُحدث.
صحيح: رواه النسائي (١٣٠) عن عمرو بن يزيد قال: حدَّثنا بهز بن أسد، قال: حدَّثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة فذكر مثله.
وبوَّب عليه النسائي بقوله: "صفة الوضوء من غير حدث" ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٦) من طريق محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة به مثله وبوَّب عليه بقوله: "صفة وضوء النبي ﷺ على طُهر من غير حدث كان مما لا يوجب الوضوء" وأصل الحديث في صحيح البخاري في الأشربة (٥٦١٦) عن آدم، عن شعبة به ولفظه: "أنه ﵁ صلَّى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتَّى حضرت صلاةُ العصر، ثم أُتي بماء فشرب، وغسل وجْهَه ويديه - وذكر رأسه ورجليه - ثم قام فشرب فضْلَه وهو قائم ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعتُ".
اختار البخاري رحمه الله تعالى رواية آدم علي بهز بن أسد، لأنه ذكر في حديثه غسل الوجه واليدين على المعروف - وأما قوله: وذكر رأسه ورجليه - فلعله يقصد به مسحهما لأن أكثر الرواة
стр. 1044
قالوا مثله، قال البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٧٥) بعد أن أخرج الحديث من طريق آدم: "وفي هذا الحديث الثابت دلالة على أن الحديث الذي روي عن النبي ﷺ في المسح على الرجلين إن صحَّ، فإنما عُني به، وهو طاهر غير مُحِدث، إلَّا أن بعض الرواة كأنه اختصر الحديث فلم ينقل قوله: هذا وضوء من لم يُحدِث".
١١ - باب ما روي عن النبي ﷺ : "الأذنان من الرأس "
روي ذلك عن أبي أمامة، وعبد الله بن زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري وغيرهم.
أما حديث أبي أمامة فرواه أبو داود (١٣٤) والترمذي (٣٧) وابن ماجه (٤٤٤) والدارقطني (١/ ١٠٤) من طرق عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة، فذكره مرفوعا.
قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم. انتهي.
وقال أبو داود: قال سليمان بن حرب، يقولها أبو أمامة، قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هو من قول النبي ﷺ أو من أبي أمامة - يعني: قصة الأذنين.
وقال الدارقطني: "قال سليمان بن حرب: "الأذنان من الرأس" إنما هو قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدل أو كلمة قالها سليمان، أي: أخطأ" اهـ. العلل (٢٦٩٥).
وللحديث طرق أخرى عن أبي أمامة، وهي معلولة أيضا. انظر: سنن الدارقطني.
وأما حديث عبد الله بن زيد فرواه ابن ماجه (٤٤٣) عن سُوَيد بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأذنان من الرأس".
وفصل ابن حجر القول في بيان علته، وحاصله أن سويد بن سعيد وهم في رفعه، وقد ذكر الترمذي في العلل الكبير أنه سأل البخاري عن هذا الحديث، فضَعَّفَ سويدا، وضَعَّفَه أيضا ابن معين وغيره، ثم بين ابن حجر أن الصواب أن "الأذنان من الرأس" من قول عبد الله بن زيد النكت (١/ ٤١١).
وأما حديث ابن عباس فرواه الدارقطني (١/ ٩٨, ٩٩) من طريق أبي كامل الجحدري، ثنا غندر بن جعفر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره مرفوعا.
ثم قال الدارقطني: "تفرد به أبو كامل عن غندر، ووهم عليه فيه، وتابعه الربيع بن بدر - وهو متروك - عن ابن جريج، والصواب عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن النبي ﷺ مُرسَلًا". انتهى.
وقد بين ابن حجر في نكته على ابن الصلاح (١/ ٤١٢، ٤١٣) بيانا شافيا، ورد على من مال إلى صحته.
وله عن ابن عباس طرق أخرى كلها معلولة.
стр. 1045
وأما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني (١/ ٩٧ - ٩٨) من طرق عن ابن عمر مرفوعا، وبين أن رفعه وهم، والصواب وقفه، وكذا رجح وقفه ابن حجر في نكته على ابن الصلاح (١/ ٤١٤).
وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه الدارقطني (١/ ١٠٢) من طريق علي بن جعفر بن زياد الأحمر، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، حدثنا أشعث، عن الحسن، عن أبي موسى، فذكره مرفوعا.
قال الدارقطني عقبه: "والصواب موقوف، والحسن لم يسمع من أبي موسى".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١٣٣): "قال أبي: ذاكرت أبا زرعة بهذا الحديث، فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى، عن عبد الرحيم، فقال: عن أبي موسى الأشعري موقوف" أهـ.
وروي أيضا عن صحابة آخرين، منهم أبو هريرة، وعائشة، وأنس، وأسماء بنت يزيد، ولا يصح منها شيء مرفوعا.
وقال حرب: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: الأذنان من الرأس؟ قال: نعم. قلت: صح فيه شيء عن النبي ﷺ ؟ قال: لا أعلم.
تنقيح التحقيق (١/ ٢٠٥).
١٢ - باب استحباب تخليل اللحية في الوضوء
• عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ كان يُخلِّل لِحيتَه.
حسن: رواه الترمذي (٣١) وابن ماجه (٤٣٠) كلاهما من حديث عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان، فذكر مثله.
ورجاله ثقات غير عامر بن شقيق، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقال الحاكم (١/ ١٤٩) - بعد أن أخرجه من طريق الإمام أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق به مثله: "هذا إسناد صحيح، قد احتجا بجميع رواته غير عامر بن شقيق، ولا أعلم في عامر بن شقيق طعنًا بوجه من الوجوه"، وتعقبه الذهبي فقال: "ضعَّفه ابن معين، وله شاهد صحيح".
قلت: لا يبعد أن يكون مثله حسنَ الحديث، وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ونقل البيهقي في سننه (١/ ٥٤) عن البخاري أنه سئل عن هذا الحديث فقال: "هو حسن"، وقال: "أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان".
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٥١)، وابن حبَّان (١٠٨١).
ونقل الترمذيّ عن البخاريّ أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان.
• عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ خلَّل لحيته بالماء.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٥٩٧٠ و ٢٥٩٧١) من وجهين عن عمر بن أبي وهب، وإسحاق في
стр. 1046
مسنده (١٣٧١) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عمر بن أبي وهب، الخزاعي، ثنا موسى بن ثروان، عن طلحة بن عبد الله بن كَريز، عن عائشة، فذكرت الحديث.
ورجاله ثقات غير عمر بن أبي وهب، ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٤٠) ونُقل توثيقه عن ابن معين. وقال أحمد: ما أعلم به بأسًا. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وموسى بن ثروان - بالثاء المثلثة، ويقال بالفاء بدل المثلثة - العجْلي المُعلم البصري، ثقة من رجال مسلم.
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٣٥) وقال: رواه أحمد، ورجاله موثقون. وحسَّنَ إسنادَه الحافظ في التلخيص (١/ ٨٦).
وأما حديث حسَّان بن بِلال قال: رأيتُ عمَّار بن ياسر توضّأ فخلَّل لحيته، فقيل له، أو قال: فقلت له: أتُخلِّل لحيتك؟ قال: وما يمنعني؟ ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ يخلِّل لحيته.
فهو ضعيف: رواه الترمذي (٣٠) وابن ماجه (٤٢٩) قالا: حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسَّان فذكر الحديث.
ورجاله ثقات، إلَّا أن الحافظ أعلَّه بأنَّ ابن عينة لم يسمعه من سعيد، ولا قتادة من حسَّان. التلخيص (١/ ٨٦).
وأعله أيضًا أبو حاتم بالانقطاع. العلل (١/ ٣٢).
وللحديث إسناد آخر رواه الترمذي وابن ماجه فقالا: حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم بن أبي المُخارق أبي أمية، عن حسَّان بن بلال، فذكر الحديث.
وهذا الإسناد ضعيف؛ فإنَّ فيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف، وأخطأ من قال: إنه عبد الكريم بن مالك الجزري؛ لأنه في طبقته، إلَّا أنه ثقة، كما أن عبد الكريم بن أبي المخارق لم يسمع من حسَّان بن بلال حديث التخليل، نقله الترمذي عن ابن عيينة.
وفي تهذيب التهذيب في ترجمة حسَّان بن بلال: وأنكر البخاري وابن عيينة سماع عبد الكريم منه.
وكذلك حديث أنس الذي أخرجه أبو داود (١٤٥) أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حنكهـ فخلَّل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي " ففيه الوليد بن زوران، يروي عن أنس، وهو مجهول الحال. ورواه أيضًا ابن ماجه (٤٣١) بإسناد آخر، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلَّل لحيته وفرّج أصابعه مرتين.
ففيه يحيى بن كثير أبو النضر صاحب البصري، وشيخه يزيد الرقاشي ضعيفان.
وفي الباب أيضًا عن أم سلمة وأبي أُمامة وأبي الدرداء وابن عمر وعبد الله بن عكبرة وواثلة وعبد الله بن مسعود وغيرهم، أوردها الهيثمي في مجمع الزوائد، والحافظ في التلخيص (١/ ٨٥ - ٨٦)، ولكن كلها معلولة. وقد قال الإمام أحمد: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح. وقال ابن
стр. 1047
أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية شيء. انظر: التلخيص.
قلت: نفي الصحة لا يلزم نفي الحسن؛ ولذا ذهب الجمهور إلى استحباب تخليل اللحية، قال الترمذي: وقال بهذا أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم؛ رأَوا تخليل اللحية، وبه قال الشافعي. وقال أحمد: إن سها عن تخليل اللحية فهو جائز. وقال إسحاق: إن تركهـ ناسيًا أو متأوِّلًا أجزأه، وإن تركه عمدًا أعاد.
١٣ - باب ما جاء في تخليل الأصابع
• عن عاصم بن لَقيط بن صَبرة، عن أبيه قال: كنت وافد بني المُنْتَفِق، أو في وفد بني المنتَفِق إلى رسول الله ﷺ ، فذكر قصة نزوله على عائشة، وأنها أمرت لنا بصنع خزيرة إلى أن لقي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء، فقال رسول الله ﷺ : "أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٢) مُطوَّلًا واللفظ له، والترمذي (٣٨)، والنسائي (١١٤)، وابن ماجه (٤٠٧، ٤٤٨) مُختصرًا. كلهم من حديث إسماعيل بن كثير أبي هاشم المكي، عن عاصم بن لَقيط به.
وفي بعض الروايات: "إذا توضأت فمضمض".
ورجال الإسناد ثقات. قال الترمذي: "حسن صحيح". وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٥٠) وابن حبان - الموارد (١٥٩) - والحاكم (١/ ١٤٧ - ١٤٨) وقال: صحيح.
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أنه يخلِّل أصابع رجليه في الوضوء، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال إسحاق: يخلِّل أصابع يديه ورجليه في الوضوء.
والخزيرة: هي لحم يقطع صغارًا، ويُصَبُّ عليه ماء كثير، فإذا نضج درّ عليه الدقيق.
• عن المُستَوْرد بن شدَّاد قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره.
حسن: رواه أبو داود (١٤٨) والترمذي (٤٠) وابن ماجه (٤٤٦) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد، حدَّثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ، عن المُستَوْرد بن شدَّاد فذكر مثله.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريبٌ لا نعرفه إلَّا من حديث ابن لهيعة" انتهى.
كذا صرح الترمذي بانفراده به، لكن الأمر ليس كذلك بل تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث كما ذكره البيهقي (١/ ٧٦) ثم هو رواه أيضًا عن عبد الله بن وهب، كما رواه أيضًا الطبراني في الكبير من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، كلاهما عن ابن لهيعة. والجمهور على أن رواية ابن وهب وابن يزيد كان قبل احتراق كتب ابن لهيعة - أي قبل اختلاطه. ولذا صحّحه ابن القطان في
стр. 1048
كتابه: "الوهم والإيهام" (٥/ ٢٦٤) وكذا ذكره أيضًا الحافظ في التلخيص (١/ ٩٤).
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأت فخلِّل بين أصابع يديك ورجليك".
حسن: رواه الترمذي (٣٩) وابن ماجه (٤٤٧) كلاهما عن إبراهيم بن سعيد وهو الجوهري، ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس. واللفظ للترمذي، ولفظ ابن ماجه: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، واجعل الماء بين أصابع يديك ورجليك". قال الترمذي: حسن غريب
قلت: ورجاله ثقات سوى صالح مولى التوأمة؛ فإنه قد اختلط في آخر عمره، ولكن قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "صالح وإن اختلط بآخره فإنما روى عنه موسى بن عقبة قبل اختلاطه". ونقل الحافظ في التلخيص (١/ ٩٤) تحسينه عن البخاري.
وصالح هو: ابن نبْهان المدني، مولى التوأَمة - بفتح المثناة وسكون الواو وبعدها همزة مفتوحة - وثقه العجلي، وقال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج. قال الحافظ: "صدوق اختلط بآخره".
وأما عبد الرحمن بن أبي الزناد فهو مختلف فيه. فقال العجلي: ثقةٌ وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه. وتكلم فيه ابن معين وأحمد والنسائي.
والخلاصة فيه كما في التقريب: "صدوقٌ تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا، ولي خراج المدينة فحُمِدَ". وسيأتي رواية الإمام أحمد (٢٦٠٤) عن سليمان بن داود الهاشمي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وفيه زيادة: "إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك ... " في الصلاة باب وضع الأكُفِّ على الركبة.
وأما ما جاء في تحريك الخاتم في الأصبع عند غسل اليدين فهو ضعيف، رواه ابن ماجه (٤٤٩) قال: حدَّثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، ثنا أبي، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ حرَّك خاتَمه.
قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده ضعيف؛ لضعف معمر وأبيه محمد بن عبيد الله. انتهى.
قلت: وهو كما قال؛ فإنَّ معمر بن محمد ينفرد عن أبيه بنسخة أكثرها مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به كما قال ابن حبان. "كتاب المجروحين" (٣/ ٣٨). وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: لم يكن من أهل الحديث.
وأما أبوه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع فهو ضعيف؛ قال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جدًّا ذاهب. وقال الدارقطني: متروك له مُعضِلات.
وقال البيهقي بعد أن نقل عن البخاري في معمر: الاعتماد في هذا الباب على الأثر عن علي
стр. 1049
وغيره. ثم روى بإسناده عن مجمع بن عتاب بن شمير، عن أبيه قال: وضَّأت عليًّا فكان إذا توضأ حرّك خاتمه. قال ابن التركماني: فيه عبد الصمد الضبي، ضعَّفه ابن معين، وشيخه مجمع بن عتاب عن أبيه لم أعرف حالهما.
وروى أيضًا بإسناده عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر إذا توضَّأ حرّك خاتمه.
قال ابن التركماني: فيه يحيى بن عبد الحميد الحماني قال البخاري في "كتاب الضعفاء": يتكلمون فيه، روى عن شريك وغيره. وقال أحمد بن حنبل: كان يكذب جِهارًا، ما زلنا نعرفه يسرق الأحاديث. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كذاب. وقال الجوزجاني: تُرِك حديثه. انتهى.
١٤ - باب المضمضة والاستنشاق
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فلينتثر ثلاثًا، فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه".
متفق عليه: رواه البخاري (٣٢٩٥) ومسلم (٢٣٨)، كلاهما من طريق محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
• وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "استنثِروا مرتين بالِغَتين أو ثلاثًا".
حسن: رواه أبو داود (١٤١) وابن ماجه (٤٠٨) كلاهما من طريق وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن قارظ بن شيبة، عن أبي غَطَفان المُريّ، عن ابن عباس، فذكر الحديث.
وإسناده حسن ورجاله ثقات، غير قارظ بن شيبة؛ فإنه لا بأس به، قال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٢٧). فمثله يحسن حديثه.
وانظر بقية أحاديث المضمضة في باب صفة وضوء النبيِّ ﷺ .
١٥ - باب النهي عن الإسراف في الماء
• عن عبد الله بن مغفل، أنه سمع ابنه يقول: اللَّهم إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني! سل الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطُّهور والدعاء".
صحيح: رواه أبو داود (٩٦) وابن ماجه (٣٨٦٤)، كلاهما من طريق حماد بن سلمة، ثنا سعيد الجُريري، عن أبي نعامة، عن عبد الله بن مغفل، فذكر الحديث، إلَّا أنّ ابن ماجه لم يذكر "الطهور"؛ ولذا أكرر ذكر الحديث في الدعاء.
وإسناده صحيح. وصحّحه الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ١٤٤) وصحّحه أيضًا ابن حبان (١٧١٤) والحاكم (١/ ١٦٢، ٥٤٠) إلَّا أن الذهبي قال في التلخيص: فيه إرسال.
стр. 1050
قلت: لعله التبس عليه أبو نَعامة اسمه قيس بن عباية بأبي نعامة الآخر: واسمه عمرو بن عيسى بن سُوَيد الذي كان من أتباع التابعين، روى له مسلم وغيره، وأما قيس بن عَباية فهو من التابعين مات ما بين عشر إلى عشرين ومائه، روي عن عبد الله بن مغفل وابنه، وعنه سعيد الجُريري. قال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم، ووثقه أيضًا ابن معين.
وأما الحديث المشهور الذي كان يرويه سعد، أنه كان يتوضأ فقال له رسول الله ﷺ : "ما هذا السرف؟ "، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال النبي ﷺ : "نعم، وإن كنت على نهر جار". فهو حديث ضعيف، رواه ابن ماجه (٤٢٥) من طريق ابن لهيعة، عن حُييّ بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو، عن سعد.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف حيّى بن عبد الله وعبد الله بن لهيعة.
وكذلك الحديث المشهور الذي يرويه أُبَي بن كعب مرفوعًا: "إن للوضوء شيطانًا يقال له: وَلَهان، فاتقوا وسْواس الماء"، فهو ضعيف أيضًا.
رواه الترمذي (٧٥) وابن ماجه (٤٢١)، وفيه خارجة بن مصعب ضعيف، قال الترمذي: حديث أُبَي بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة، وقد رُوِي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء، وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعَّفه ابن المبارك. انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في العلل (رقم ١٣٠): سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: رَفْعُه إلى النبي ﷺ مُنكر.
١٦ - باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة
• عن أبي هريرة قال: أسْبِغوا الوضوء؛ فإنَّ أبا القاسم قال: "ويلٌ للأعقاب من النار".
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٦٥) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٤٢) كلاهما من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة أنه رأى قومًا يتوضؤون من المِطْهَرة. وفي مسلم من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقِبيه فقال: "ويلٌ للأعقاب من النار".
• عن جابر بن عبد الله قال: أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضّأ فترك موضع ظُفْر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: "ارجع! فأحسن وضوءك". فرجع ثم صلَّى.
رواه مسلم في الطهارة (٢٤٣) عن سلمة بن شبيب، حدَّثنا الحسن بن محمد بن أعين، حدَّثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر فذكر الحديث.
• عن عائشة، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب من النار".
стр. 1051
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٤٠) عن سالم بن عبد الله مولى شدَّاد قال: دخلت على عائشة زوج النبي ﷺ يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكرت الحديث.
وفي رواية عند ابن ماجه (٤٥٢) وأحمد (٢٤١٢٣) كلاهما من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، قال: رأتْ عائشةُ عبدَ الرحمن وهو يتوضأ فقالت: أسبغ الوضوء؛ فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للعراقيب من النار". وابن عجلان صدوق.
(والعراقيب) جمع عرقوب، والعرقوب من الإنسان هو: وتر غليظ فوق عقبه، ومن الدابة: ما يكون في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. "المعجم الوسيط".
• عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف النبي ﷺ عنا في سفرةٍ سافرناها، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويلٌ للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثًا.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٦٣) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٤١) كلاهما عن أبي عوانة، عن أبي بشْر، عن يوسف بن ماهَك، عن عبد الله بن عمرو به. وعند مسلم: وقد حضرت صلاةُ العصر. وفي رواية قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتَّى إذا كنا بماء بالطريق تعجّل قوم عند العصر، فتوضّأوا وهم عِجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسَّها الماءُ، فقال رسول الله ﷺ : "ويلٌ للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء". وتم تخريجه في "المنة الكبرى" (١/ ١٥٤).
• عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب وبُطونِ الأَقدامِ من النار".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٧١٠) قال: حدَّثنا حسن (وهو ابن موسى) قال: حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا حيوة بن شُريح، عن عُقبة بن مسلم قال: سمعتُ عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي فذكر الحديث.
وإسناده ضعيف لأجل ابن لهيعة، ولكنه توبع، فقد رواه ابن خزيمة (١٦٣) والدارقطني (١/ ٩٥) والحاكم (١/ ١٦٢) والبيهقي (١/ ٧٠) كلهم من طريق الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح به مثله.
قال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجا ذكر بطون الأَقدام.
ولعل الحافظ الهيثمي لم يقف على هذا المرفوع، وإنما وقف على الموقوف الذي أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٠٦) عن هارون، حدَّثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني حيوةُ، عن عقبة بن مسلم التجيبي، قال: سمعتُ عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي من أصحاب النبي ﷺ يقول: ويلٌ للأعقاب وبطون الأَقدام من النار يوم القيامة.
стр. 1052
فقال في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٤٠) رواه أحمد هكذا، وقال الطبراني في الكبير عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب وبطون الأَقدام من النار" وقال: رجال أحمد والطبراني ثقات.
قلت: وهو كذلك إلَّا أنه رُوِي مرفوعًا من طريق ابن لهيعة كما مضى. وتم تخريجه في "المنة الكبرى" (١/ ١٥٥)، وقال ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٤٨٤): لا نعلم بطون الأَقدام إلَّا في هذا الحديث وحده. وهذا يوجب غسل الرجلين، ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ سُمع منه غيره". انتهى.
• عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للعراقيب من النار". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرْب، عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث.
ورجاله ثقات غير أبي إسحاق فإنه مُدلِّس وقد عنعن كما أنه اختلط، إلَّا أن أبا الأحوص سمع منه قبل الاختلاط اعتمد عليه الشيخان في صحيحيهما، وأما عنعنته فقد صرح بالسماع في رواية الإمام أحمد (١٤٩٦٥) عن محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي إسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرِب، أو شُعيب بن أبي كرِب، قال: سمعت جابر بن عبد الله وهو على جمل فذكر الحديث.
• عن عبد الله بن عباس قال: والله! ما خصَّنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس، إلَّا ثلاثة أشياء؛ فإنه أمرنا أن نُسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا نُنْزي الحمرَ على الخيل.
حسن: رواه أبو داود (٨٠٨) في الصلاة في حديث طويل، وسوف يعاد في باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر. والنسائي (١٤١) والترمذي (١٧١٠) واللفظ لهما، وابن ماجه (٤٢٦) كلهم من حديث أبي جَهْضَم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن عباس.
قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: إسناده حسن لأجل أبي جَهْضم موسى بن سالم مولى آل عباس؛ فإنه صدوق، قال موسى بن سالم: فلقيت عبد الله بن حسن، فقلت: إن عبد الله بن عبيد الله حدثني بكذا وكذا، فقال: إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة، فأحبّ أن يكثر فيهم. رواه ابن خزيمة (١/ ٨٩ رقم ١٧٥).
• عن أنس أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع، فأحسن وضوءَك".
صحيح: أخرجه أبو داود (١٧٣) وابن ماجه (٦٦٥) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دعامة، حدَّثنا أنس فذكره.
قال أبو داود: هذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلَّا ابن وهب وحده.
قلتُ: هذا إعلالٌ من أبي داود لحديث ابن وهبٍ، عن جرير، عن قتادةَ .. فيقال: إنَّه روى عن
стр. 1053
قتادةَ، عن أنسٍ بما لا يُتابعُ عليه.
وعبد الله بن وهب، هو القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ، فلا يضرُّ تفرُّده.
وأمَّا جرير بن حازم، وهو الأزدي، فهو أحد الثقات، من رجال الكتب الستَّة، إلَّا أنَّه اختُلِف في حديثه عن قتادة؛ قال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى بن معين، عن جرير بن حازم، فقال: ليس به بأس. فقلت له: إنَّه حدَّث عن قتادة عن أنسٍ أحاديث مناكير. فقال: "ليس بشيءٍ، وهو عن قتادة ضعيف".
وأورد ابن عديّ الحديث المذكور في الكامل: (٢/ ٥٥٠)، وقال: ولجرير غير ما ذكرت غرائب.
وقال الذهبي في "الميزان": وفي الجملة: لجريرٍ عن قتادة أحاديث منكرة.
وقال أيضًا: هو أحد الأئمَّة الكبار، ولولا ذكر ابن عديٍّ له لما أوردته.
وهذا يدلُّ على أنَّ الذهبي - وهو صاحب الاستقراء التامِّ - لم يرض بإدخال جرير بن حازم في الضعفاء، وإن كان وافق على أنَّ له عن قتادة أحاديث منكرة، ولكن ليس عندنا ما يدلُّ على أنَّ جرير بن حازم قد وهِم في رواية الحديث المذكور، بل فيه ما يدلُّ على أنَّه سمع هذا الحديث من قتادة، كما أنَّ أحاديث الباب تشهد له بأنَّه حفظه، وضبطه، وقد صحّحه ابن خزيمة (١٦٤)، وأخرجه من طريق ابن وهب، عنه. وقال الدارقطني: (١/ ١٨٠): تفرَّد به جرير بن حازم، وهو ثقة.
أي: ما دام هو ثقة فلا يضرُّ تفرُّده. والله تعالى أعلم بالصواب.
ثم قال أبو داود: وقد روي عن معقل بن عبد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر، عن النبي ﷺ نحوه قال: "ارجع فأحسن وضوءك".
قلت: حديث معقل بن عبد الله وصله مسلم في صحيحه فرواه عن سلمة بن شبيب عنه كما مر ذكره، وهو الحديث الثاني في هذا الباب. فلعلَّ أبا داود جعله شاهدًا لحديث أنسٍ.
• عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماءُ، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة.
حسن: رواه أبو داود (١٧٥) قال: حدَّثنا حيوة بن شريح، حدَّثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ . فذكره.
وأخرجه البيهقي (١/ ٨٣) من طريق أبي داود.
ورجاله ثقات غير بقية، وهو ابن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي الحمصي المحدث المشهور المكثر، له في مسلم حديث واحد، وكان كثير التدليس عن الضعفاء والمجهولين، ولذا إذا عنعن فلا يقبل.
وأما إذا قال: حدَّثنا أو أخبرنا فهو ثقة كما قال النسائي.
стр. 1054
وقد صرَّح بالتحديث عند الحاكم، فقال: حدَّثني بَحير. كذا قال ابن التركماني، ولم أجده في المستدرك.
ثمَّ قال ابن التركماني: فكان الوجه أن يُخرجه البيهقي من طريق الحاكم ليسلم الحديث من تُهمة بقية.
وقال الحافظ في تلخيصه (١/ ٩٦): "قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ ، قال: نعم، فقلت: إذا قال رجل من التابعين؛ حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ لم يسمه، فالحديث صحيح؟ قال: نعم.
وأعله المنذري بأن فيه بقية قال: عن بحير، وهو مُدلِّس، لكن في المسند (١٥٤٩٥) والمستدرك تصريح بقية بالتحديث، وفيه عن بعض أزواج النبي ﷺ ".
وقال ابن المديني: بقية صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما عن أهل الحجاز والعراق فضعيف جدًّا.
قلت: بَحير شامي. قال الإمام أحمد: "ليس بالشام أثبت من حريز إلَّا أن يكون بَحيرًا".
وأما قول خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ فقد قال فيه الحاكم (٢/ ٦٠٠): خالد بن معدان من خيار التابعين صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديثًا إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد وإن لم يخرجاه. انتهى.
فيه رد على قول البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٣) بعد أن أخرج الحديث من طريق أبي داود: وقال: وهو مرسل، وروي في حديث موصول. قال ابن التركماني: تسمية هذا مُرسَلًا ليس بجيد؛ لأن خالدًا هذا أدرك جماعة من الصحابة، وهم عدول؛ فلا يضرهم الجهالة. انتهى.
• عن ابن مسعود قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء.
حسن: رواه ابن خزيمة (١/ ٩٠ رقم ١٧٦) من طريق سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله - وهو ابن مسعود - عن أبيه، فذكر الحديث.
وإسناده حسن؛ فإنَّ سماكامختلف فيه ولكن رواية سفيان عنه صحيحة كما قال يعقوب بن شيبة: "روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم".
ورواه أيضًا البزار كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٨٤).
ثم اعلم رحمك الله أن حديث ابن مسعود بهذا الإسناد رُوِي جزء منه مرفوعًا منه: إسباغ الوضوء، وجزء منه موقوفًا مثل: لا تصلح سفْقتان في سفْقةٍ. وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب البيوع.
وأحاديث الباب تدل على وجوب الموالاة في الوضوء، وإليه ذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه، والقول الثاني عنده أن الموالاة مستحبة. انظر: ما كتبته مُفصَّلًا في "المنة الكبرى" (١/ ١٦٦, ١٦٧).
стр. 1055
١٧ - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة، فذلكم الرباط". وفي رواية: "فذلكم الرباط، فذلكم الرباط".
صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٥٥) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه مسلم في الطهارة (٢٥١) من أوجه أُخر عن العلاء بن عبد الرحمن، واللفظ له، وفي لفظ مالك كرّر "ذلكم الرباط" ثلاث مرات.
وقوله: "المكاره" جمع مكره، وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكره - بالضم والفتح - المشقة، والمعنى أن يتوضأ مع البرد الشديد، والعلل التي يتأذى معها بمس الماء.
وقوله: "ذلكم الرباط" أي: الرباط المرغب فيه. وأصل الرباط الحبس على الشيء، كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة.
• عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأَقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تغسل الخطايا".
حسن: رواه إسحاق واللفظ له، وعبد بن حميد (٩١) وأبو يعلى كلهم من طريق صفوان بن عيسى، أنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب، فذكر الحديث. "المطالب العالية" (١/ ٧٩).
ورجاله ثقات غير الحارث بن عبد الرحمن؛ فقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال ابن معين: مشهور. وقال أبو حاتم: يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، ليس بالقوي.
قلت: هذا الحديث ليس من رواية الدراوردي عنه. وصحَّح البوصيري إسناده. "إتحاف المهرة" (١٤٣٨).
• عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ألا أدلّكم على ما يكفّر الله به الخطايا، ويزيد به في الحسنات؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة".
وفي رواية بزيادة: "ما منكم من رجل يخرج من بيته مُتطهِّرًا، فيصلي مع المسلمين الصلاة، ثم يجلس في المجلس ينتظر الصلاة الأُخرى، إن الملائكة
следующие страницы →