← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٤٠) عن سالم بن عبد الله مولى شدَّاد قال: دخلت على عائشة زوج النبي ﷺ يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكرت الحديث. وفي رواية عند ابن ماجه (٤٥٢) وأحمد (٢٤١٢٣) كلاهما من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، قال: رأتْ عائشةُ عبدَ الرحمن وهو يتوضأ فقالت: أسبغ الوضوء؛ فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للعراقيب من النار". وابن عجلان صدوق. (والعراقيب) جمع عرقوب، والعرقوب من الإنسان هو: وتر غليظ فوق عقبه، ومن الدابة: ما يكون في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. "المعجم الوسيط". • عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف النبي ﷺ عنا في سفرةٍ سافرناها، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويلٌ للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثًا. متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٦٣) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٤١) كلاهما عن أبي عوانة، عن أبي بشْر، عن يوسف بن ماهَك، عن عبد الله بن عمرو به. وعند مسلم: وقد حضرت صلاةُ العصر. وفي رواية قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتَّى إذا كنا بماء بالطريق تعجّل قوم عند العصر، فتوضّأوا وهم عِجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسَّها الماءُ، فقال رسول الله ﷺ : "ويلٌ للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء". وتم تخريجه في "المنة الكبرى" (١/ ١٥٤). • عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب وبُطونِ الأَقدامِ من النار". حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٧١٠) قال: حدَّثنا حسن (وهو ابن موسى) قال: حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا حيوة بن شُريح، عن عُقبة بن مسلم قال: سمعتُ عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي فذكر الحديث. وإسناده ضعيف لأجل ابن لهيعة، ولكنه توبع، فقد رواه ابن خزيمة (١٦٣) والدارقطني (١/ ٩٥) والحاكم (١/ ١٦٢) والبيهقي (١/ ٧٠) كلهم من طريق الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح به مثله. قال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجا ذكر بطون الأَقدام. ولعل الحافظ الهيثمي لم يقف على هذا المرفوع، وإنما وقف على الموقوف الذي أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٠٦) عن هارون، حدَّثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني حيوةُ، عن عقبة بن مسلم التجيبي، قال: سمعتُ عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي من أصحاب النبي ﷺ يقول: ويلٌ للأعقاب وبطون الأَقدام من النار يوم القيامة.

стр. 1052

فقال في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٤٠) رواه أحمد هكذا، وقال الطبراني في الكبير عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب وبطون الأَقدام من النار" وقال: رجال أحمد والطبراني ثقات. قلت: وهو كذلك إلَّا أنه رُوِي مرفوعًا من طريق ابن لهيعة كما مضى. وتم تخريجه في "المنة الكبرى" (١/ ١٥٥)، وقال ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٤٨٤): لا نعلم بطون الأَقدام إلَّا في هذا الحديث وحده. وهذا يوجب غسل الرجلين، ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ سُمع منه غيره". انتهى. • عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للعراقيب من النار". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرْب، عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير أبي إسحاق فإنه مُدلِّس وقد عنعن كما أنه اختلط، إلَّا أن أبا الأحوص سمع منه قبل الاختلاط اعتمد عليه الشيخان في صحيحيهما، وأما عنعنته فقد صرح بالسماع في رواية الإمام أحمد (١٤٩٦٥) عن محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي إسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرِب، أو شُعيب بن أبي كرِب، قال: سمعت جابر بن عبد الله وهو على جمل فذكر الحديث. • عن عبد الله بن عباس قال: والله! ما خصَّنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس، إلَّا ثلاثة أشياء؛ فإنه أمرنا أن نُسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا نُنْزي الحمرَ على الخيل. حسن: رواه أبو داود (٨٠٨) في الصلاة في حديث طويل، وسوف يعاد في باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر. والنسائي (١٤١) والترمذي (١٧١٠) واللفظ لهما، وابن ماجه (٤٢٦) كلهم من حديث أبي جَهْضَم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن عباس. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: إسناده حسن لأجل أبي جَهْضم موسى بن سالم مولى آل عباس؛ فإنه صدوق، قال موسى بن سالم: فلقيت عبد الله بن حسن، فقلت: إن عبد الله بن عبيد الله حدثني بكذا وكذا، فقال: إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة، فأحبّ أن يكثر فيهم. رواه ابن خزيمة (١/ ٨٩ رقم ١٧٥). • عن أنس أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع، فأحسن وضوءَك". صحيح: أخرجه أبو داود (١٧٣) وابن ماجه (٦٦٥) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دعامة، حدَّثنا أنس فذكره. قال أبو داود: هذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلَّا ابن وهب وحده. قلتُ: هذا إعلالٌ من أبي داود لحديث ابن وهبٍ، عن جرير، عن قتادةَ .. فيقال: إنَّه روى عن

стр. 1053

قتادةَ، عن أنسٍ بما لا يُتابعُ عليه. وعبد الله بن وهب، هو القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ، فلا يضرُّ تفرُّده. وأمَّا جرير بن حازم، وهو الأزدي، فهو أحد الثقات، من رجال الكتب الستَّة، إلَّا أنَّه اختُلِف في حديثه عن قتادة؛ قال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى بن معين، عن جرير بن حازم، فقال: ليس به بأس. فقلت له: إنَّه حدَّث عن قتادة عن أنسٍ أحاديث مناكير. فقال: "ليس بشيءٍ، وهو عن قتادة ضعيف". وأورد ابن عديّ الحديث المذكور في الكامل: (٢/ ٥٥٠)، وقال: ولجرير غير ما ذكرت غرائب. وقال الذهبي في "الميزان": وفي الجملة: لجريرٍ عن قتادة أحاديث منكرة. وقال أيضًا: هو أحد الأئمَّة الكبار، ولولا ذكر ابن عديٍّ له لما أوردته. وهذا يدلُّ على أنَّ الذهبي - وهو صاحب الاستقراء التامِّ - لم يرض بإدخال جرير بن حازم في الضعفاء، وإن كان وافق على أنَّ له عن قتادة أحاديث منكرة، ولكن ليس عندنا ما يدلُّ على أنَّ جرير بن حازم قد وهِم في رواية الحديث المذكور، بل فيه ما يدلُّ على أنَّه سمع هذا الحديث من قتادة، كما أنَّ أحاديث الباب تشهد له بأنَّه حفظه، وضبطه، وقد صحّحه ابن خزيمة (١٦٤)، وأخرجه من طريق ابن وهب، عنه. وقال الدارقطني: (١/ ١٨٠): تفرَّد به جرير بن حازم، وهو ثقة. أي: ما دام هو ثقة فلا يضرُّ تفرُّده. والله تعالى أعلم بالصواب. ثم قال أبو داود: وقد روي عن معقل بن عبد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر، عن النبي ﷺ نحوه قال: "ارجع فأحسن وضوءك". قلت: حديث معقل بن عبد الله وصله مسلم في صحيحه فرواه عن سلمة بن شبيب عنه كما مر ذكره، وهو الحديث الثاني في هذا الباب. فلعلَّ أبا داود جعله شاهدًا لحديث أنسٍ. • عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماءُ، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة. حسن: رواه أبو داود (١٧٥) قال: حدَّثنا حيوة بن شريح، حدَّثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ . فذكره. وأخرجه البيهقي (١/ ٨٣) من طريق أبي داود. ورجاله ثقات غير بقية، وهو ابن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي الحمصي المحدث المشهور المكثر، له في مسلم حديث واحد، وكان كثير التدليس عن الضعفاء والمجهولين، ولذا إذا عنعن فلا يقبل. وأما إذا قال: حدَّثنا أو أخبرنا فهو ثقة كما قال النسائي.

стр. 1054

وقد صرَّح بالتحديث عند الحاكم، فقال: حدَّثني بَحير. كذا قال ابن التركماني، ولم أجده في المستدرك. ثمَّ قال ابن التركماني: فكان الوجه أن يُخرجه البيهقي من طريق الحاكم ليسلم الحديث من تُهمة بقية. وقال الحافظ في تلخيصه (١/ ٩٦): "قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ ، قال: نعم، فقلت: إذا قال رجل من التابعين؛ حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ لم يسمه، فالحديث صحيح؟ قال: نعم. وأعله المنذري بأن فيه بقية قال: عن بحير، وهو مُدلِّس، لكن في المسند (١٥٤٩٥) والمستدرك تصريح بقية بالتحديث، وفيه عن بعض أزواج النبي ﷺ ". وقال ابن المديني: بقية صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما عن أهل الحجاز والعراق فضعيف جدًّا. قلت: بَحير شامي. قال الإمام أحمد: "ليس بالشام أثبت من حريز إلَّا أن يكون بَحيرًا". وأما قول خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ فقد قال فيه الحاكم (٢/ ٦٠٠): خالد بن معدان من خيار التابعين صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديثًا إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد وإن لم يخرجاه. انتهى. فيه رد على قول البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٣) بعد أن أخرج الحديث من طريق أبي داود: وقال: وهو مرسل، وروي في حديث موصول. قال ابن التركماني: تسمية هذا مُرسَلًا ليس بجيد؛ لأن خالدًا هذا أدرك جماعة من الصحابة، وهم عدول؛ فلا يضرهم الجهالة. انتهى. • عن ابن مسعود قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء. حسن: رواه ابن خزيمة (١/ ٩٠ رقم ١٧٦) من طريق سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله - وهو ابن مسعود - عن أبيه، فذكر الحديث. وإسناده حسن؛ فإنَّ سماكامختلف فيه ولكن رواية سفيان عنه صحيحة كما قال يعقوب بن شيبة: "روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم". ورواه أيضًا البزار كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٨٤). ثم اعلم رحمك الله أن حديث ابن مسعود بهذا الإسناد رُوِي جزء منه مرفوعًا منه: إسباغ الوضوء، وجزء منه موقوفًا مثل: لا تصلح سفْقتان في سفْقةٍ. وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب البيوع. وأحاديث الباب تدل على وجوب الموالاة في الوضوء، وإليه ذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه، والقول الثاني عنده أن الموالاة مستحبة. انظر: ما كتبته مُفصَّلًا في "المنة الكبرى" (١/ ١٦٦, ١٦٧).

стр. 1055

١٧ - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة، فذلكم الرباط". وفي رواية: "فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٥٥) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه مسلم في الطهارة (٢٥١) من أوجه أُخر عن العلاء بن عبد الرحمن، واللفظ له، وفي لفظ مالك كرّر "ذلكم الرباط" ثلاث مرات. وقوله: "المكاره" جمع مكره، وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكره - بالضم والفتح - المشقة، والمعنى أن يتوضأ مع البرد الشديد، والعلل التي يتأذى معها بمس الماء. وقوله: "ذلكم الرباط" أي: الرباط المرغب فيه. وأصل الرباط الحبس على الشيء، كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة. • عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأَقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تغسل الخطايا". حسن: رواه إسحاق واللفظ له، وعبد بن حميد (٩١) وأبو يعلى كلهم من طريق صفوان بن عيسى، أنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب، فذكر الحديث. "المطالب العالية" (١/ ٧٩). ورجاله ثقات غير الحارث بن عبد الرحمن؛ فقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال ابن معين: مشهور. وقال أبو حاتم: يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، ليس بالقوي. قلت: هذا الحديث ليس من رواية الدراوردي عنه. وصحَّح البوصيري إسناده. "إتحاف المهرة" (١٤٣٨). • عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ألا أدلّكم على ما يكفّر الله به الخطايا، ويزيد به في الحسنات؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة". وفي رواية بزيادة: "ما منكم من رجل يخرج من بيته مُتطهِّرًا، فيصلي مع المسلمين الصلاة، ثم يجلس في المجلس ينتظر الصلاة الأُخرى، إن الملائكة

стр. 1056

تقول: اللَّهم! اغفر له، اللهم! ارحمه، فإذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم، وأقيموها، وسُدّوا الفُرَج؛ فإني أراكم من وراءِ ظهري، فإذا قال إمامكم: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حَمِده، فقولوا: اللهم ربنا! لك الحمدُ، وإن خير الصفوف صفوف الرجال المقدَّم، وشرها المؤخَّر، وخير صفوف النساء المؤخَّر وشرها المقدَّم، يا معشر النساء! إذا سجد الرجال فاغْضُضْنَ أبصاركُنَّ؛ لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزُر". حسن: رواه ابن ماجه (٤٢٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة وهو في "المصنف" (١/ ٧)، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري. فذكره. والرواية الثانية عند الإمام أحمد (١٠٩٩٤) رواه عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا زهير بن محمد به. ويرى ابن خزيمة (١٧٧) أن هذا المتن مشهورٌ بهذا الإسناد. ورجاله ثقات خلا عبد الله بن محمد بن عقيل، إلَّا أنه صدوق، في حديثه ليّن، ولا بأس به في الشواهد، وروى الحديث مُطوَّلًا ومختصرًا. وسيأتي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصف الأوَّل. ١٨ - باب ما جاء في الوضوء لكل صلاة • عن أنس قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة. قال عمرو بن عامر: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدَنا الوضوء ما لم يُحدثْ. صحيح: رواه البخاري في الوضوء (٢١٤)، عن محمد بن يوسف، قال: حدَّثنا سفيان، عن عَمرو بن عامر، قال: سمعت أنسًا .. فذكر الحديث. وعند الترمذي (٥٨) من طريق حميد، عن أنس: "طاهرًا أو غير طاهر". وفي باب السواك حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة؛ طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلَّا من حدث. ولعل ذلك كان تمسكا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... ﴾ [سورة المائدة: ٦]، ثم خفف فجعل الوضوء للمحْدِث. قال أبو عبيد في "الطهور" (ص ١٣٨): "لا وضوء إلَّا من حدث وهو الأمر المعمول عندنا، وعليه أهل الحجاز والعراق - لأنه الآخر من فعل النبي ﷺ الذي ذكرناه عنه يوم الفتح - (وهو حديث سليمان بن بُرَيدة الآتي) وعليه المسلمون، وإنما تجديد الوضوء موضع فضيلة، كالذي رويناه عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في أول الباب، فأما على وجوب فلا".

стр. 1057

١٩ - باب جواز الصلوات بوضوء واحد • عن سُوَيد بن النعمان قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتَّى إذا كنّا بالصهباء صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ العصر، فلما صلَّى دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلَّا بالسويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام النبي ﷺ إلى المغرب، فمضمض، ثم صلَّى المغرب ولم يتوضأ. صحيح: رواه البخاري في الوضوء (٢١٥)، من حديث يحيى بن سعيد، قال: أخبرني بُشَير بن يسار، قال: حدَّثني سُوَيد بن النعمان ... فذكر الحديث، ويذكر الحديث في باب ترك الوضوء مما مست النار. • عن بُرَيدة أن النبي ﷺ صلَّى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه! قال: "عمدًا صنعتُه يا عمر! ". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٧)، من حديث يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدَّثني علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه .. فذكره. وعند الترمذي (٦١): كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلَّى الصلوات كلها بوضوء واحد. وفي الباب ترك الوضوء مما مسته النار: حديث جابر، أن النبي ﷺ ذُبح له شاة فأكل، ثم قام إلى صلاة الظهر، ثم أُتِي ببقية الشاة، وحضرت الصلاة فقام وصلى ولم يَمَسّ ماءً. فجمع بين الصلاتين بوضوءٍ واحدٍ كلٌّ منهما في وقتها. ٢٠ - باب ما يقول الرجل إذا توضّأ • عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءتْ نوبتي، فروَّحتُها بعشِيٍّ، فأدركتُ رسولَ الله ﷺ قائمًا يحدِّث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلَّا وجبتْ له الجنة". قال: فقلت: ما أجودَ هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجودُ، فنظرتُ فإذا عمر؟ قال: إنِّي قد رأيتك جئت آنفا، قال: "ما من أحد يتوضأ فيُبْلِغ "أو فيُسْبِغ" الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلَّا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء". وفي رواية قال: "أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".

стр. 1058

صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٣٤)، عن محمد بن حاتم بن ميمون، ثنا ابن مهدي، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر .. فذكره. وزاد التّرمذيّ: "اللهمّ اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهّرين" رواه من وجه آخر عن زيد بن حباب بإسناده وقرن أبا عثمان بأبي إدريس الخولاني كلاهما عن عمر بن الخطاب. وقال: حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث قال: وروى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر، وعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عثمان. وقال: هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النّبيّ ﷺ في هذا الباب كبير شيء. وقال: قال محمد (يعني البخاري): "وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا" انتهى. قلت: وليس الأمر كما قال الترمذيّ؛ فإنّ إسناده مستقيم، والاضطراب فيما ذكره الترمذيّ، ومن المعلوم أنّ الصّحيح لا يُعلّ بالضّعيف المضطرب. وقول البخاريّ بأنّ أبا إدريس الخولاني لم يسمع من عمر فهو راجع إلى مذهبه في ثبوت اللّقاء، وإلّا فالجمهور على أن ثبوت المعاصرة يكفي في ثبوت الاتصال، وأبو إدريس لقي معاذ بن جبل وسمع منه وهو توفي عام (١٨ هـ)، وعمر مات سنة (٢٣ هـ). ثم تابعه أبو عثمان، ولكن اختلف أهل العلم فيه من هو هذا؟ فقال أبو بكر بن منجويه: "يشبه أن يكون سعيد بن هانئ الخولانيّ المصريّ" وكذلك قال أبو علي الغسّاني، وقال ابن حبان: "يشبه أن يكون حريز بن عثمان الرّحبي". وأيّا كان فإنه تردّد بين ثقتين لا أثر له في صحة الإسناد. وفي الباب ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا ولفظه: "منْ توضّأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرّات: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسولُه، فتح له ثمانية أبواب الجنة، من أيِّها شاء دخل" فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (٤٦٩) عن موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا الحسين بن علي، وزيد بن الحباب، وحدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا أبو نعيم، قالوا: حدّثنا عمرو بن عبد الله بن وهب أبو سليمان النخعيّ، قال: حدثني زيد العميّ، عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل زيد العمّي وهو زيد بن الحواري أبو الحواري. ومن هذا الطّريق رواه أيضًا الإمام أحمد (١٣٧٩٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٤)، وابن السّني في عمل اليوم واللّيلة (٣٣)، وتصحّف في المطالب العالية (١١٩) أبو الحواري إلى أبي الجوزاء. وفي الباب ما رُوي عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ ﷺ قال: "من توضّأ فقال: سبحانك اللَّهم! وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلّا أنت أستغفرُك وأتوبُ إليك، كُتب في رَقٍّ، ثم طُبع بطابع فلم يُكسر إلى يوم القيامة".

стр. 1059

رواه النسائيّ في الكبرى (٩٨٢٩) عن يحيى بن محمد بن السّكن، حدّثنا يحيى بن كثير أبو غسّان، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبو هاشم، عن أبي مِجْلز، عن قيس بن عُباد، عن أبي سعيد، فذكره. ورجاله ثقات؛ يحيى بن محمّد وثقه النّسائي، وقال مرة: ليس به بأس، وأبو هاشم هو الرّمانيّ اسمه يحيى بن دينار، وقيل غير ذلك، وأبو مِجْلز اسمه لاحق بن حميد. لكن أعلّه أبو عبد الرحمن النسائيّ بالوقف، فقال عقب الحديث: "هذا خطأ، والصّواب موقوف، خالفه محمد بن جعفر فوقفه". ثم رواه من طريق محمد بن جعفر (هو غندر)، حدّثنا شعبة، به، عن أبي سعيد قوله. قال النسائي: وكذلك رواه سفيان الثوريّ. يعني متابعًا لشعبة. ثم رواه بإسناده إلى الثوري، عن أبي هاشم، به، عن أبي سعيد من قوله. وفي الباب أحاديث أخرى عن أبي موسى الأشعريّ وعثمان بن عفّان وثوبان وغيرهم، وفي كلها مقال؛ ولذا قال الحافظ ابن القيم في زاده (١/ ١٩٥): "حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله ﷺ شيئًا فيه، ولا علّمه لأمّته ولا يثبت عنه غير التّسمية في أوله، وقوله: "أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهّرين" في آخره" اهـ. ٢١ - باب استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم والأكل • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جُنبًا فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الغسل (٢٨٨) من طريق الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه، وتوضأ للصلاة. ورواه مسلم في الحيض (٣٠٥) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. وزاد شعبة في روايته عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "فإذا أراد أن يأكل أو ينام". وفي رواية لأبي داود (٢٢٣) والنسائي (٢٥٧) من طريق ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنها: "وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه" ولفظ النسائي: "إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم يأكل أو يشرب". قال أبو داود: ورواه ابن وهب عن يونس، فجعل قصة الأكل قول عائشة مقصورًا، ورواه

стр. 1060

صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري كما قال ابن المبارك إلَّا أنه قال: "عن عروة أو أبي سلمة" ورواه الأوزاعي عن يونس، عن الزهري، عن النبي ﷺ كما قال ابن المبارك. انتهى. غرض أبي داود بهذا الكلام أن يبين الفرق بين رواية ابن المبارك عن يونس، وبين رواية ابن وهب عن يونس بأن ابن المبارك جعل قصة الأكل في روايته مرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، وتابعه على ذلك صالح بن أبي الأخضر عن الزهري في الرفع إلَّا أنه شك في كونه عروة عن عائشة - أو أبي سلمة عن عائشة، بينما لم يشك ابن المبارك بأنه عن أبي سلمة وحده كما تابعه على رفعه الأوزاعي، عن يونس، وخالفهم ابن وهب عن يونس فجعل قصة الأكل موقوفًا على عائشة ولم يرفعها. • عن عمر بن الخطاب أنه قال لرسول الله ﷺ : إنه يصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله: توضأ واغسل ذكرك، ثُمَّ نَمْ". متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٧٦) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب، فذكر الحديث، وعنه البخاري في الغسل (٢٩٠) ومسلم في الحيض (٣٠٦). وفي رواية عندهما من غير طريق مالك: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ". • عن أبي سعيد أنه كان تصيبه الجنابة من الليل، فيريد أن ينام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ ثم ينام. صحيح: رواه ابن ماجه (٥٨٦) قال: حدَّثنا أبو مروان العثماني محمد بن عثمان، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن خَبّاب، عن أبي سعيد الخدري، فذكر الحديث. قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناده صحيح، رجاله ثقات". ٢٢ - باب جواز النوم للجنب بدون وضوء • عن أبي إسحاق قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثته عائشةُ عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: كان ينام أوَّل الليل ويُحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأوَّل قالت: وَثَب (ولا والله! ما قالت: قام) فأفاض عليه الماء، (ولا والله! ما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد)، وإن لم يكن جنبا توضّأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلَّى الركعتين. متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٤٦) من حديث شعبة، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٣٩) من حديث زهير أبي خيثمة كلاهما، عن أبي إسحاق واللفظ لمسلم. ورواه أحمد (٢٤٠٦) عن حسن بن موسى الأشيب، قال: حدَّثنا زهير به، وزاد في متن الحديث: "ثم نام قبل أن يمس ماءً".

стр. 1061

فأنكر الحفاظ على أبي إسحاق؛ لأنه مُدلِّس، فلعله دلَّسه؛ لأن غيره لم يذكر هذه اللفظة، قال أحمد: إنه ليس بصحيح. وقال أبو داود: (٢٢٨) بعد أن روى عن محمد بن كثير، نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماءً. حدَّثنا الحسن بن علي الواسطي، قال سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم، يعني حديث أبي إسحاق. وقال الترمذي (١١٨): روي غير واحد عن الأسود، عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ قبل أن ينام. وهذا أصح من حديث أبي إسحاق، عن الأسود. وقد رَوي عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبةُ وسفيانُ وغير واحد، ويَرون أن هذا غلط من أبي إسحاق. وقال ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (١/ ٣٦٢): هذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيل بن خالد وشعبة ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة ومسلم بن الحجاج وأبو بكر الأثرم والجوزجاني والترمذي والدارقطني وغيرهم ... وأما الفقهاء المتأخرون فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث". وأما مسلم فإنه وإن كان أخرج من طريقه إلَّا أنه لم يذكر هذه اللفظة؛ فقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٤٠، ١٤١): "كأنه حذفها عمدًا؛ لأنه عللها في كتاب التمييز". إلَّا أنه انتقد ابن مفوز عندما ادّعى إجماع المحدثين على أنه خطأ من أبي إسحاق قائلًا: "تساهل في نقل الإجماع؛ فقد صحّحه البيهقي، وقال: إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، وجمع بينهما ابن شريح على ما حكاه الحاكم عن أبي الوليد الفقيه عنه" انتهي. وصورة الجمع التي ذكرها البيهقي عن ابن شريح: قولها: "لا يمس ماءً" أي: الغسل، وحديث عمر مفسرًا ذكر فيه الوضوء. قلت: ويمكن الجمع بينهما أيضًا بيان جواز الأمرين؛ لأن كلا الخبرين صحيح، كما قال الدارقطني. فالوضوء صحيح وهو أفضل، وتركه أيضًا صحيح؛ وقد نقل الترمذي بأن هذا قول سعيد بن المسيب وغيره. والحق أنَّه لا تعارض بين الحديثين. فحديث أبي إسحاق قبل أن يمس ماءً" يحمل على الغسل، وإن حمل على ترك الوضوء فهو لبيان الجواز، والوضوء أفضل، وبهذا تبين أن الوضوء صحيح، وتركهـ صحيح، وأن الأمر على التخيير. ٢٣ - باب استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: "إذا أتى أحدكم أهلَه، ثم بدا له أن يُعاود فليتوضّأ بينهما وضوءًا". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٠٨) من طريق عاصم، عن أبي المُتوكِّل، عن أبي سعيد

стр. 1062

الخدري .. فذكر مثله. ٢٤ - باب نقض الوضوء من لحوم الإبل • عن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ". قال أتوضأ من لحم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل". قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا". صحيح: أخرجه مسلم في الحيض (٣٦٠)، عن أبي كامل الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة .. فذكر الحديث. • عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: "توضأوا منها". وسئل عن لحوم الغنم فقال: "لا توضأوا منها". وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: "صلوا فيها؛ فإنها بركة". حسن: رواه أبو داود (١٨٤) واللفظ له، والترمذي (٨١) وابن ماجه (٤٩٤) مُختصرًا، كلهم من حديث أبي معاوية، ثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير عبد الله بن عبد الله الرازي، إلَّا أن أحمد والعجلي وثَّقاه. وقال النسائي: لا بأس به. وجعله الحافظ في درجة: "صدوق". قال إسحاق: "صحّ في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ ، حديث البراء بن عازب، وحديث جابر بن سمرة". ذكره الترمذي. وحديث البراء هذا قد صحّحه أيضًا ابن خزيمة (٣٢)، وابن حبان (١١ ٢٨). ٢٥ - باب الوضوء مما مسته النار • عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الوضوء مما مَسَّتِ النار". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٥١)، عن عبد الملك بن شعيب، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّي، حدّثني عقيل بن خالد، قال قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنَّ خارجة بن زيد أخبره، أنَّ أباه زيد بن ثابت قال .. فذكر الحديث. • عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضّأ من أثوار أقطٍ أكلتها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "توضّئوا

стр. 1063

مما مسّت النار". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٥٢) من حديث ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، أنَّ عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره .. فذكر الحديث. و(أقط): هو لبن جامد مستحجر. أثوار: جمع ثور، وهو القطعة من الأقِط. كان أبو هريرة شديدًا في رواية هذا الحديث؛ في السنن: "الوضوء مما مست النار، ولو من ثَور أقِطٍ"، فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة! أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا سمعت حديثًا عن رسول الله ﷺ فلا تضربْ له مثلًا. هكذا رواه الترمذي (٧٩)، واختصره ابن ماجه (٤٨٥) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وإسناده صحيح. وفي سنن النسائي (١٧٤) لما قال ابن عباس: أتوضأ من طعام أجده حلالًا في كتاب الله؛ لأن النار مسته؟ ! فجمع أبو هريرة حصىً فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله ﷺ قال: "توضأوا مما مسّت النار". ورواه أبو داود (١٩٤) من وجه آخر عن الأغر، عن أبي هريرة بلفظ: "الوضوء مما أنضجتِ النار". وأمَّا ضرب هذه الأمثال من ابن عباس، فذلك لأنّه شهد النبيّ ﷺ أكل كتف شاة ولم يتوضّأ، فيكون هذا ناسخًا لقول النبيِّ ﷺ : "توضؤوا ممّا مسَّت النار" وما ذهب إليه ابن عباس ﵄ هو الصّواب. ولعلَّ أبا هريرة لم يتذكَّر ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ تذكَّر، وروى حديث: أنَّه رأى النبيَّ ﷺ يتوضَّأُ من أثوار أقطٍ، ثمَّ رآه أكل كَتِف شاةٍ ثمَّ صلَّى ولم يتوضَّأْ". وسيأتي تخريجه في الباب الذي يليه - إن شاء الله -. • عن عائشة، قال رسول الله ﷺ : "توضؤوا مما مستِ النار". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٥٣) من حديث ابن شهاب، أخبرني سعيد بن خالد، أنَّه سأل عروة بن الزبير، عن الوضوء ممَّا مَسَّت النار. قال عروة: سمعت عائشة .. فذكرت. • وعن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: "توضأوا مما أنضجت النار". صحيح: رواه النسائي (١٧٨) قال: أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثني حَرَمِي بن عُمارة، قال: حدَّثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن شهاب، عن ابن أبي طلحة، عن أبي طلحة، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. وفي الباب عن أبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وأبي أيوب، وأم حبيبة وغيرهم، وفي أسانيدهم مقال.

стр. 1064

٢٦ - باب ترك الوضوء مما مسته النار • عن سُوَيد بن النعمان، أنه أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتَّى إذا كانوا بالصهباء - وهي من أدنى خيبر - نزل رسول الله ﷺ فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يُؤتَ إلَّا بالسويق، فأمر به فثُرِّي، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلَّى ولم يتوضأ. صحيح: رواه مالك في الطهارة (٢٠) عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار مولى بني حارثة، عن سُوَيد بن النعمان، فذكر الحديث. ومن طريقه البخاري في الوضوء (٢٠٩). قوله (ثُرِّي) بضم المثلثة وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها، أي: بُلَّ بالماء لما لحقه من اليبس. • عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة، وصلَّى ولم يتوضأ. متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (١٩) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، فذكر الحديث. ومن طريقه البخاري في الوضوء (٢٠٧) ومسلم في الحيض (٢٤٥)، وفي رواية مسلم من غير حديث مالك: ولم يمسّ ماءً. وفي مسند أحمد (٣٤٦٤) عن سليمان بن يسار، أخبر أنه سمع ابن عباس - ورآى أبا هريرة يتوضأ - فقال: أتدري مِمَّ أتوضأ؟ قال: لا، قال: أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، قال ابن عباس: ما أبالي مما توضأت، أشهد لرأيتُ رسول الله ﷺ أكل كَتِف شاة، ثم قام إلى الصلاة وما توضأ. وكان سليمان حاضرًا ذلك منهما جميعًا. وإسناده صحيح أيضًا. • عن عمرو بن أمية الضمري أنَّه رأى رسول الله ﷺ يحتزّ من كَتِف شاةٍ، فدُعي إلى الصلاة، فألقي السكين، فصلى ولم يتوضأ. متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢٠٨) ومسلم في الحيض (٣٥٦) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه فذكر الحديث، وزاد مسلم: "فأكل منها" • عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ أكل عندها كَتِفًا، ثم صلَّى ولم يتوضّأ. متفق عليه: أخرجه البخاري (٢١٠) ومسلم في الحيض (٣٥٦) كلاهما من حديث بكير بن الأشج، عن كُريب مولي ابن عباس، عن ميمونة ﵂ فذكرت الحديث. • عن أبي رافع قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن شاة، ثم صلَّى ولم يتوضّأ. صحيح: أخرجه مسلم في الحيض (٣٥٧) من طريق عمرو، حدَّثني سعيد بن أبي هِلال، عن

стр. 1065

عبد الله بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي غطفان، عن أبي رافع .. فذكره. • عن جابر بن عبد الله يقول: قرّبتُ للنبي ﷺ خبزًا ولحما فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ. حسن: رواه أبو داود (١٩١) قال: حدَّثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي، ثنا حجّاج، قال ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر، قال: سمعتُ جابر بن عبد الله يقول، فذكر الحديث. وفي هذا ردّ على ما نقله البيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه قال: "لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر"؛ فقد صرّح ابن المنكدر في رواية ابن جريج بأنه سمعه من جابر. والذي دفعه إلى هذا هو شكّ سفيان في سماع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر في بعض الروايات. • قال الترمذي (٨٠): حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان بن عيينة، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع جابرًا. قال سفيان: وحدَّثنا محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاةً فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف، فأتتْه بعلالةٍ من علالة الشاة فأكل، ثم صلَّى العصر ولم يتوضأ. وفي مسند أحمد (١٤٢٩٩) يقول سفيان: سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته (مرة) يقول: أخبرني من سمع جابرًا، فظننتُه سمعه من ابن عقيل، ابن المنكدر وعبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: أن النبي ﷺ أكل لحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وأن أبا بكر أكل لِبَأً، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وأن عمر أكل لحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ. وأخرجه ابن ماجه (٤٨٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر وعمرو بن دينار وعبد الله بن محمد بن عقيل، كلهم عن جابر، قال: أكل النبي ﷺ وأبو بكر وعمر خبزًا ولحمًا ولم يتوضأوا. ففي هذا الإسناد أن سفيان سمعه من ثلاثة منهم ابن المنكدر، ثم شكّ في أن ابن المنكدر سمعه من جابر، والشك مردود بمقابل اليقين. ورواه غير سفيان بن عيينة ولم يشكوا في سماع ابن المنكدر من جابر، كما مضى من رواية أبي داود من طريق ابن جريج، وفيه تصريح بالسماع منه. قوله (العُلالة) بضم العين المهملة: البقية، أو ما يتعلل به شيئًا بعد شيء، والمراد هنا: بقية لحم الشاة. وقوله (لِبَأ) بكسر اللام وفتح الباء - على وزن عِنَب: أول اللبن عند الولادة. وقال أبو زيد: وأكثر ما يكون ثلاث حلبات، وأقله حلبة. المصباح المنير". وقوله (القِناع): الطبق. • عن جابر بن عبد الله قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما

стр. 1066

غَيَّرتِ النار. صحيح: رواه أبو داود (١٩٢) والنسائي (١٨٥) من حديث علي بن عياش، ثنا شُعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وفي رواية النسائي: قال محمد بن المنكدر سمعت جابرًا. قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأوَّل. قلت: فمن الممكن أن ابن المنكدر سمع من وجهين؛ مرة بالواسطة وأخرى بدون واسطة، فروى بوجهين، وهو أمر معروف في علم الحديث. وإسناده صحيح. وصححه ابن خزيمة (٤٣)، من هذا الوجه. • عن المغيرة بن شعبة قال: ضِفتُ النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بِجَنْبٍ فشُوِي، وأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقي الشفرة وقال: "ما له! تربت يداه! ". وقام يُصلي. زاد الأنباري: وكان شاربي وفَى فقصَّه لي على سواك. أو قال: "أقصُّه لك على سواك". حسن: رواه أبو داود (١٨٨) قال: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري - المعنى -، قالا: حدَّثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شدَّاد، عن المغيرة بن عبد الله (اليشكري الكوفي) عن المغيرة بن شعبة .. فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير المغيرة بن عبد الله اليشكري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: كوفي ثقة. وجعله الحافظ في درجة "ثقة". وهو من رجال مسلم، ولكن على قاعدة الحافظ يكون "صدوقًا". وما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢/ ٧٥ رقم ٧٣٣) من متابع له وهو أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله، عن المغيرة بن شعبة مختصرًا؛ فإنَّ في طريقه إليه المسعودي وعنه رواه أبو داود الطيالسي، والمسعودي ثقة إلَّا أنه قد اختلط، وأبو داود ممن سمع منه بعد اختلاطه، كما أن أبا عون لم يدرك المغيرة بن شعبة. وما عزاه المنذري إلى الترمذي وابن ماجه فلم أجد الحديث في سنن ابن ماجه، وأما الترمذي ففي شمائله (١٥٩)، وكذا أخرجه أيضًا النسائي في الكبري (٦٦٢١) عن مسعر به مُختصرًا. وقوله: "فأمر بجنبٍ" أي قطعة لحمٍ. وقوله: "تربت يداه" هي كلمة تقولها العرب عند اللوم والتأنيب، ومعناه الدعاء عليه بالفقر والعدم، وهم لا يريدون وقوع ذلك الأمر، وكقولهم: "لا والله! "، و"بلى والله! "، وذلك من لغو اليمين الذي لا اعتبار به ولا كفارة فيه. ذكره الخطابي في شرحه لأبي داود. • عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ أكل كَتِفًا، فجاءه بلال، فخرج إلى الصلاة، ولم يَمَسّ ماءً.

стр. 1067

صحيح: رواه النسائي (١٨٢) وابن ماجه (٤٩١) كلاهما من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، فذكرت الحديث. وإسناده صحيح، وصحّحه ابن خزيمة (٤٤)، من هذا الوجهِ. ورواه الترمذي (١٨٢٩) من وجه آخر عن حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن يوسف أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة أخبرته أنها قرَّبتْ إلى رسول الله ﷺ جَنْبًا مشْويًّا، فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة وما توضأ. قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ورواه النسائي (١٨٣) من طريق ابن جريج، عن محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار قال: دخلت على أم سلمة فحدَّثَتني أن رسول الله ﷺ كان يُصبح جُنُبا من غير احتلام، ثم يصوم. وحدَّثنا مع هذا الحديث أنها حدثته أنها قرَّبتْ إلى النبي ﷺ فذكرت الحديث. وللحديث طرق أخرى في مسند الإمام أحمد وغيره عن أم سلمة. • عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: كنا يومًا عند رسول الله ﷺ في الصُفَّة، فوُضِع لنا طعامٌ فأكلنا، ثم أقيمتِ الصلاةُ، فصلينا ولم نتوضأ. صحيح: رواه أحمد (١٧٧٠٥) عن هارون - قال ابنه عبد الله أبو عبد الرحمن - وسمعتُه أنا من هارون قال: حدَّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شُريح، قال: أخبرني عُقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء فذكر مثله. وهارون - هو ابن معروف. وإسناده صحيح. ورواه ابن ماجه (٣٣٠٠) من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث قال: حدثني سليمان بن زياد الحضرمي، أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جَزْء يقول: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبزَ واللحم. ولم يذكر فيه الصلاة. وللحديث إسناد آخر رواه ابن ماجه (٣٣١١) والإمام أحمد (١٧٧٠٢) كلاهما من طريق ابن لهيعة، حدَّثنا سليمان بن زياد الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ طعامًا في المسجد، لحمًا قد شُوِي، فمسحنا أيدينا بالحصْباءِ، ثم قُمنا نُصلي، ولم نتوضأ. واللفظ للإمام أحمد، ولفظ ابن ماجه نحوه، وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن رواه الترمذي في الشمائل (١٦٧) عن قتيبة - وهو ابن سعيد - عن ابن لهيعة به مُختصرًا. ورواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة صحيحة. ورواه أبو داود (١٩٣) من طريق عبيد بن ثمامة المُرادي، قال: قدم علينا مِصرَ عبد الله بن الحارث بن جَزْء من أصحاب النبي ﷺ فسمعتُه يحدث في مسجد مصر، قال: لقد رأيتني سابع سبعة، أو سادس ستة مع رسول الله ﷺ في دار رجل، فمرَّ بلال، فناداه بالصلاة، فخرجنا فمررنا برجل وبُرمتُه على النار.

стр. 1068

فقال له رسول الله ﷺ : "أطابتْ بُرمتُك؟ " قال: نعم بأبي أنت وأُمي! فتناول منها بَضْعَةً فلم يزل يعلكها حتَّى أحرم بالصلاة، وأنا أنظر إليه. وإسناده ضعيف فإنَّ عبيد بن ثمامة المرادي لم يرو عنه غير ابن أبي كريمة. ولذا قال الحافظ في التقريب "مقبول" ولكنه لا بأس به في المتابعات وقد صحَّ الإسناد بدونه. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أكل كَتِف شاةٍ فمضمض وغسل يديه وصلَّى. حسن: رواه ابن ماجه (٤٩٣) قال: حدَّثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب؛ قال النسائي: لا بأس به. وهو صدوق كما في "التقريب"، إلَّا أنَّه توبع؛ فقد رواه ابن خزيمة (٤٢)، ومن طريقه ابن حبَّان (١٠٥١)، عن أحمد بن عبدة الضبي، ثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد الدراوردي -، عن سهيل به، ولفظه: عن أبي هريرة، أنَّه رأى النبيَّ ﷺ يتوضَّأُ من ثَوْر أَقِطٍ، ثمَّ رآه أكل كَتِفَ شاةٍ، ثمَّ صلَّي ولم يتوضَّأ. وقال البوصيري في زوائده: رجال إسناده ثقات. ٢٧ - باب المضمضمة من شرب اللّبن • عن ابن عباس قال: إن النبي ﷺ شرب لبنًا، ثم دعا بماء فمضمض وقال: "إنَّ له دَسَمًا". متفق عليه: البخاري في الوضوء (٢١١) ومسلم في الحيض (٣٥٨) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن عُقيل، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، فذكر الحديث. وأمّا ما رواه ابن ماجه (٤٩٨) من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا الأوزاعيّ، عن الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنَّ النبيّ ﷺ قال: "فمضمضوا من اللّبن، فإنّ له دسمًا". فهذا اللّفظ فيه شذوذ؛ فإنّ الجميع رووه من فعل النّبي ﷺ ، ورواه الوليد بن مسلم من أمره، والوليد مدلّس ولكنّه صرّح بالتحديث إلّا أنه خالف الثقات في متن الحديث. • عن أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ شرب لبنًا فلم يُمضمض، ولم يتوضأ وصلى. حسن: رواه أبو داود (١٩٧) قال: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن مطيع بن راشد، عن توبة العنبري، أنه سمع أنس بن مالك فذكره. قال: زيد: دلني شعبة على هذا الشيخ. قلت: رجاله ثقات غير مطيع بن راشد فإنه لم يوثقة غير شبعة في قول زيد بن الحباب بأنه دلَّه عليه، ولو لم يعرفه لما دلَّه عليه. ولو علم فيه جرحًا لبيَّنه. وقال أبو داود كما في تهذيب التهذيب:

стр. 1069

أثنى عليه شعبة. وبهذا ارتفع عنه الجهالة، لأنه لم يرو عنه غير زيد بن الحباب. وحسَّن إسنادَه الحافظ في الفتح (١/ ٣١٣) وقال: "أغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس، ولم يذكر من قال فيه بالوجوب حتَّى يحتاج إلى دعوى النسخ" انتهى. وأمَّا ما رواه ابن ماجه (٥٠١) عن إسحاق بن إبراهيم السّواق، قال: حدّثنا الضّحاك بن مخلد، قال: حدّثنا زمعة بن صالح، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: حلب رسول الله شاة وشرب من لبنها، ثم دعا بماء فمضمض فاه وقال: "إنّ له دسمًا" فهو ضعيف؛ من أجل زمْعة - بكون الميم - ابن صالح الجنديّ اليماني نزيل مكة، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، قال البخاريّ: يخالف في حديثه، وقال ابن حبان: كان رجلًا صالحًا يهم ولا يعلم ويخطئ ولا يفهم حتى غلب في حديثه المناكير التي يرويها عن المشاهير، ولذا قال المزي في "تحفة الأشراف" (١/ ٣٧٨): رواه غير واحد عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، وهو المحفوظ" اهـ. قلت: وكذلك لا يصح ما رُوي عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا شربتم اللبن فمضمضوا؛ فإنَّ فيه دَسَمًا". رواه ابن ماجه (٤٩٩) قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مَخْلَد، عن موسى بن يعقوب، حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، عن أبيه، عن أم سلمة. ورجاله ثقات غير خالد بن مَخْلَد القطواني، كان صدوقًا في نفسه، ولكن نقم عليه التشيع. وموسى بن يعقوب المطلبي الزَمْعي مختلف فيه؛ فوثقه ابن معين. وقال أبو داود: صالح. وقال ابن عدي: لا بأس به عندي. وذكره ابن حبان في الثقات. وضعّفه ابن المديني وقال: ضعيف منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد: لا يعجبني حديثه. والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق سيئ الحفظ". فمثله لا يقبل حديثه إذا تفرّد أو خالف؛ حيث تفرّد بلفظ الأمر، والصّواب أنه من فعل النبيّ ﷺ . وأمَّا قول البوصيري: "رجاله ثقات" فهو ليس على إطلاقه. وفي الباب ما رُوي عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد السّاعديّ، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله ﷺ قال: "مضمضوا من اللّبن، فإنّ له دسمًا". رواه ابن ماجه (٥٠٠) عن أبي مصعب، قال: حدّثنا عبد المهيمن بن عباس، بإسناده. وإسناده ضعيف من أجل عبد المهيمن هذا، فإنّ أهل العلم مطبقون على تضعيفه، وبه أعلّه البوصيريّ في "الزوائد" فقال: "هذا إسناد ضعيف، عبد المهيمن قال البخاري: منكر الحديث". ٢٨ - باب أن النوم ليس حَدَثًا بل مَظِنَّةٌ للحدث • عن أنس قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما

стр. 1070

قام إلى الصلاة حتَّى نام القوم. متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٤٢) وفي الاستئذان (٦٢٩٢) ومسلم في الحيض (٣٧٦) كلاهما من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، واللفظ للبخاري، وفي رواية مسلم عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضأون". قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله! . وفي رواية أبي داود (٢٠٠): "ينتظرون العشاء الآخرة حتَّى تخفق رؤوسُهم، ثم يصلون ولا يتوضأون". وفي رواية عنده عن ثابت، عن أنس قال: "أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه حتَّى نام القوم - أو بعض القوم - ثم صلوا". وفي البخاري (٦٤٢): "فحبسه بعدما أقيمتِ الصلاة". قال الخطابي: "وفي هذا الحديث من الفقه أن عين النوم ليس بحدث، ولو كان حَدَثًا لكان على أي حال وجد ناقضًا للطهارة كسائر الأحداث التي قليلها وكثيرها وعمدها وخطؤها سواء في نقض الطهارة، وإنما هو مَظِنَّة للحدث، موهم لوقوعه من النائم غالبًا ... ". • عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ شُغل عنها (أي صلاة العشاء) ليلة، فأخّرها حتَّى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي ﷺ ، ثم قال: "ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم". متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٧٠) ومسلم في المساجد (٦٣٩) كلاهما من حديث عبد الرزاق قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني نافع، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر فذكر الحديث. وسيأتي الحديث بكامله في كتاب الصلاة. قوله: "حتَّى رقدنا" ليس معناه مستلقيًا، كما هو المتبادر، بل معناه: رقدنا قاعدين، أي: نِمنا ونحن جلوسٌ. ونوم الجلوسِ لا ينقض الوضوء كما هو الظاهر من هذا الحديث. • عن عائشة قالت: أَعْتَم رسول الله ﷺ بالعشاء حتَّى ناداه عمرُ: الصلاةَ؛ نام النساء والصبيانُ. فخرج فقال: "ما ينتظرها من أهل الأرض غيركم". قال: لا يُصلَّي يومئذ إلَّا بالمدينة. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٦٩) ومسلم في المساجد (٦٣٨) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت، فذكرت الحديث. ومن وجه آخر عند مسلم: حتَّى نام أهل المسجد. قال النووي رحمه الله تعالى: "هذا محمول على نوم لا ينقض الوضوء، وهو نوم الجالس ممكنّا مقعده، وفيه دليل على أن نوم مثل هذا لا ينتقض، وبه قال الأكثرون، وهو الصحيح من مذهبنا".

стр. 1071

• عن عبد الله بن عباس قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ من الليل، فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شنٍّ معلَّق وضوءًا خفيفا - يخفِّفه عمرو ويقلِّله - وقام يصلي فتوضأتُ نحوا مما توضأ، ثم جئتُ فقمت عن يساره - وربما قال سفيان: عن شماله - فحوَّلني فجعلني عن يمينه، ثم صلَّي ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتَّى نَفَخَ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلَّى ولم يتوضّأ. قلنا لعمرو: إن ناسًا يقولون: إن رسول الله ﷺ تنامُ عينُه ولا ينام قلبه؟ قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٣٨) واللفظ له، من حديث عمرو بن دينار، قال أخبرني كُريب، عن ابن عباس، فذكره. وفي مسلم، صلاة المسافرين (٧٦٣): صلَّى من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتَّى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ. من حديث سلمة بن كُهَيل، عن كريب، عن ابن عباس، فذكر الحديث، وفيه ذكر للدعاء. ومن هذا الوجه اخرجه أيضًا البخاري في كتاب الدعاء (٦٣١٦)، وسيأتي في كتاب الدعاء. • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ينام حتَّى ينفُخ، ثم يقوم فيُصلِّي ولا يتوضأ. قال الطنافسي: قال وكيع: تعني وهو ساجد. صحيح: رواه ابن ماجه (٤٧٤) قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فذكر الحديث. والحديث في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٣٢). وإسناده صحيح. وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي الفقيه. وعلي بن محمد هو ابن إسحاق الطَّنافسي - بفتح المهملة وتخفيف النون وبعد الألف فاء مكسورة - ثقة عابد. • عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ كان ينام مستلقيا حتَّى ينفُخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. صحيح: رواه أبو يعلى (٣٥٧٠) والبزار (في زوائده ٢٤٣٧) كلاهما من طريق منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فذكره. قال البزار: لم يتابع منصور على هذا الإسناد، على أنه كوفي لا بأس به. قلت: ولا يضرّ تفرده؛ فإنه ثقة، وثقه ابن معين وغيره. وأما ما رواه ابن ماجه (٤٧٥) من وجه آخر عن الحجاج، عن فُضيل بن عمرو، عن إبراهيم به

стр. 1072

مثله؛ فإنَّ فيه الحجاج، وهو ابن أرطأة صدوق كثير الخطأ والتدليس، وقد عنعن. وقد يكون هذا خاصًّا بالنبي ﷺ ؛ لما جاء في حديث عائشة: تنام عينه ولا ينام قلبه؛ لأنه جاء في بعض الآثار: أن النبي ﷺ لم يكن كغيره. وأما حديث: "وِكاءُ السَّهِ العينان؛ فمن نام فليتوضأ" فهو حديث ضعيف لا يثبت كما قال ابن العربي. قلت: رواه أبو داود (٢٠٣) وابن ماجه (٤٧٧)، وأحمد (٨٨٧) كلهم من طريق بقية، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا. وفيه من العللِ: الأُولى: بقية بن الوليد الحمصي، وهو مُدلِّس، ويُدلس التسوية، ولكن جاء التصريح بالتحديث عند الإمام أحمد (١/ ١١١) عن شيخه، والجمهور على أنه يكفي هذا. والثانية: الوضين بن عطاء مختلف فيه، فوثقه أحمد وابن معين، وضعّفه ابن سعد والجوزجاني؛ وقال الحافظ في التقريب: "سئ الحفظ". والثالثة: عبد الرحمن بن عائذ، وحديثه عن علي بن أبي طالب مرسل، كما قال أبو زرعة. وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، وعن حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن معاوية، عن النبي: "العين وِكاءُ السَّهِ"، فقال: ليسا بقويين. العلل (١/ ٤٧). قلت: حديث معاوية رواه أحمد (١٦٨٧٩)، وأبو يعلي (٧٣٧٢)، والطبرانيّ في الكبير (٨٧٥) كلّهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، به. وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف، سُرق بيته فاختلط. ولكن حسّنه النّووي في "المجموع" (٢/ ٢٠)، وابن الصّلاح كما في البدر المنير (٢/ ٤٣٢) فلعله لمجموع شواهده. والسَّه: حلقة الدبر أو العجز. الوِكاء: الخيط الذي تُشد به القِربة، والكيس وغيرهما. وكذلك حديث: "إنما الوضوء على من نام مُضطَجِعًا" منكرٌ. رواه أبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، وأحمد (٢٣١٥) كلهم من طريق أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس فذكره في حديث طويل. وإسناده ضعيف من أجل الدالاني. قال أبو داود: "روى له جماعة أي عن قتادة - عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا"، يعني تفرد بهذه الزيادة الدالاني، وقد أنكر الإمام أحمد على الدالاني قائلًا: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة. ٢٩ - باب من لم يتوضأ من الغشي إلَّا إذا كان مُثْقِلًا • عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أتيتُ عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت

стр. 1073

الشمس، فإذا الناس قيام يُصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو السماء، وقالت: سبحان الله! فقلت: آية، فأشارت أي نعم، فقمتُ حتَّى تجلاني الغَشي، وجعلت أصُبّ فوق رأسي ماءً، فلما انصرف رسول الله ﷺ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما من شيء كنتُ لم أرَه إلَّا قد رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، ولقد أُوحي إلي أنكم تُفتنون في القبور مثلَ أو قريبًا من فتنة الدَّجال - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - يُؤتَي أحدكم فيقال: ما علمُك بهذا الرجل؟ فأما المُؤمِن أو المُوقِن - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجَبْنا وآمنّا واتَّبعْنا، فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما المنافقُ أو المرتابُ - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلته". متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٤) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر (وهي امرأته)، عن أسماء بنت أبي بكر (وهي جدتها) فذكرت الحديث، ومن طريقه البخاري (١٨٤). وأما مسلم فرواه من طريقٍ آخر عن هشامٍ به مثله، في صلاة الكسوف (٩٠٥). وسيعاد الحديث في صلاة الكسوف. وقد بوّب البخاري بقوله: "من لم يتوضأ إلَّا من الغَشْي المُثْقِل". والغشي دون الإغماء، والإغماء ينقض الوضوء بالإجماع. وكونها كانت تتولى صبّ الماء على نفسها يدل على أن حواسها كانت مدركة. ومحل استدلال البخاري في عدم نقض الوضوء من الغَشْي من جهة أنها كانت تُصلي خلف النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يري خلفه وهو في الصلاة، ولم يُنقل أنه أنكر عليها. كذا في الفتح. ٣٠ - باب الوضوء من مسّ الفرج • عن عروة بن الزبير يقول: دخلتُ على مروان بن الحكم، فتَذاكرنا ما يكون منه الوضوءُ، فقال مروان: ومِنْ مسِّ الذكرِ الوضوءُ، فقال عروة: ما علمتُ هذا، فقال مروانُ بن الحكم: أخْبَرتْني بُسْرةُ بنتُ صفوان أنها سمِعتْ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا مسّ أحدُكم ذكرَه فليتوضَّأ". صحيح: رواه مالك في الطهارة (٥٨) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه سمع عُروة، فذكر الحديث. ومن طريق مالك رواه أبو داود (١٨١) والنسائي (١٦٣). وفي رواية عند النسائي (١/ ١٠١) قال عروة: فلم أزل أُماري مروان حتَّى دعا رجلًا من حرسه، فأرسله إلى بُسْرَة يسألها عما حدّثتْ من ذلك، فأرسلتْ بسرةُ بمثل الذي حدَّثني عنها مروان.

стр. 1074

وقد صحّ سماعُ عروة من بسرة في حديث الترمذي (١/ ١٢٦) وابن ماجه (١/ ١٦١)؛ فإنهما رويا من وجه آخر عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن بُسرة بنت صفوان، أن النبي ﷺ قال: "من مَسَّ ذكره فليتوضأ"، وفي رواية الترمذي: "فلا يُصَلِّ حتَّى يتوضأ". فكأنّ عروة رواه من وجهين: عن مروان عن بسرة، ثم عن بسرة نفسها، ومن الخطأ أن يجعل هذا الخلاف سببًا لضعف الحديث. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٤٣). • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضّأ". حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (١٨٧١) و"الصغير" (١١٠) وابن حبّان (١١١٨) كلُّهم من طريق أحمد بن سعيد الهمداني، قال: حدّثنا أصبغ بن الفرج، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم القاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده حسن لأجل نافع بن أبي نعيم القاري؛ فإنّه صدوق. وهذا الحديث مشهور من رواية يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف، ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٨٤. ٤) والبزّار - كشف الأستار (٢٨٦) - والبيهقي (١/ ١٣٣) وابن حبَّان (١١١٨) وقرنه بنافع بن أبي نعيم. قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٢٦): "قال ابن عبد البر: كان هذا الحديث لا يُعرف إلَّا من رواية يزيد (بن عبد الملك) حتَّى رواه أصبغ، عن ابن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد جميعًا عن المقبري، فصحَّ الحديث". وقال ابن السكن: هو أجود ما رُوِي في هذا الباب. وأخرجه الحاكم (١/ ١٣٨) من طريق نافع وصحّحه. ونقل الحافظ في نافع بن أبي نعيم كلامًا من الأَئمّة والخلاصة: أنّه حسن الحديث. وللحديث أسانيد أُخرى كلّها ضعيفة. وفي الباب أحاديث، منها: حديث جابر بن عبد الله وأم حبيبة وأبي أيوب، وكلها ضعيفة. انظر: سنن ابن ماجه (١/ ١٦٢). ٣١ - باب ترك الوضوء من مسّ الذكر • عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: قدمنا على نبي الله، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله! ما ترى في مسّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: "وهل هو إلَّا مُضْغة منه؟ ! "، أو قال: "بَضعة منه". حسن: رواه أبو داود (١٨٣) والترمذي (٨٥) واللفظ لهما، ورواه أيضًا النسائي (١٦٥) ولفظه: "حتَّى قدمنا على رسول الله ﷺ ، فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه

стр. 1075

بدوي فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل مسّ ذكره في الصلاة؟ قال: "وهل هو إلَّا مُضغة منك؟ ، أو بَضْعة منك". كلهم رووه من حديث ملازم بن عمرو الحنفي، حدَّثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق به. إسناده حسن، ورجاله ثقات غير قيس بن طلق؛ فقد روى الزعفراني عن الشافعي قال: سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره. ذكره البيهقي في سننه (١/ ١٣٥). ولكن عرفه غيره؛ فوثّقه ابن معين والعجلي وابن حبان. وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق". وللحديث إسناد آخر رواه ابن ماجه (٤٨٣): حدَّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا محمد بن جابر قال: سمعت قيس بن طَلْق الحنفي، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ سُئل عن مسّ الذكر فقال: "ليس فيه وضوءٌ، وإنما هو منك". قال الترمذي بعد أن روى الحديث من طريق ملازم بن عمرو: "وهذا الحديث أحسن شيء رُوِي في هذا الباب، وقد روي هذا الحديث أيوب بن عُتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه. وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عُتبة. وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصحّ وأحسن" انتهى. قوله (مُضغة) بضم الميم: هو قدر اللقمة من اللحم. و(بَضعة) بفتح الباء: هو قطعة من اللحم أكبر من المُضغة. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٤٣ - ٥٣) فإني تكلمت في الموضوع بكلام مفصل ولله الحمد، فراجعه إن شئت. ٣٢ - باب إذا شكّ في الحَدَثِ • عن سعيد بن المُسَيِّب وعَبّاد بن تميم، عن عمه أنه شكا إلى النبي ﷺ : الرجلُ يُخيَّل إليه أنَّه يجد الشيءَ في الصلاة، قال: "لا ينصرفُ حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". متفق عليه: رواه البخاري (١٣٧) ومسلم في الحيض (٣٦١) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد وعبّاد، فذكر مثله. وعمه هو: عبد الله بن زيد. كذا قال مسلم في روايته عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب في روايتهما عن سفيان. قلت: عبد الله بن زيد هو ابن عاصم المازني الأنصاري الصحابي المشهور الذي روي صفة وضوء النبي ﷺ كما سبق، وهو ليس بصاحب الأذان. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٧٥). قال الحافظ: اختلف هل هو عم عباد لأبيه أو أمه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا

стр. 1076

فأشكل عليه، أَخَرَج منه شيءٌ أم لا؛ فلا يخرجنَّ من المسجد حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٦٢) عن زهير بن حرب، عن جرير، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواه الترمذي (٧٤)، وابن ماجه (٥١٥) من طريق شعبة، عن سهيل، به واختصره بقوله: "لا وضوء إلَّا من صوت أو ريح". ومن هذا الوجه رواه ابن خزيمة (٢٧). • عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته حتَّى ينفخ في مقعدته، فيُخيل إليه أنه قد أحدث ولم يُحدِث، فإذا وجد ذلك أحدكم فلا ينصرفَنَّ حتَّى يسمع صوته بأُذنه، أو يجد ريحًا بأنفه". حسن: رواه البزار - كشف الأستار (١/ ١٤٧ رقم ٢٨١): حدَّثنا محمد بن عمر، ثنا إسماعيل بن صبيح، ثنا أبو أويس، عن ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر الحديث. قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلَّا من طريق ابن عباس، ورُوىَ بمعناه من طريق غيره. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٢): رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه، ورجاله رجال الصحيح. قلت: وهو كما قال، إلَّا أن إسماعيل بن صبيح صدوق كما قال الحافظ في التقريب. وأبو أويس هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، قريب مالك وصهره، من رجال مسلم، قال ابن معين: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وهو "صدوق يهم" كما قال الحافظ. ٣٣ - باب ما جاء في نقض الوضوء من خروج الصوت من الدبر • عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "لا يزال العبدُ في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يُحدِث". فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت. يعني الضرطة. وفي لفظ: "لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضأ". متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٧٦)، من طريق سعيد المقبري، ومسلم في الطهارة (٢٢٥)، من طريق همَّام بن منبِّه، كلاهما عن أبي هريرة .. فذكر الحديث. وسيأتي بقية الأحاديث في كتاب الصلاة، باب انتظار الصلاة. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ﷺ : "لا وضوء إلَّا من صوت أو ريح".

стр. 1077

صحيح: رواه الترمذي (٧٤) وابن ماجه (٥١٥) كلاهما من طريق شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. إسناده صحيح. قال الترمذي: حسن صحيح. ومن هذا الوجه صحّحه ابن خُزيمة (٢٧). ويرى البيهقي أن هذا الحديث مختصر من حديث سهيل بن أبي صالح - سبق في الباب الذي قبله - وأن شعبة من أصحاب سهيل اختصره. "السنن الكبري" (١/ ١١٧). ويرى ابن التركماني: أنهما حديثان مختلفان؛ لأجل هذا الاحتمال أعدتُ ذكره. • عن عائشة قالت: أتتْ سلمى مولاة رسول الله ﷺ أو امرأة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ تستأذنه على أبي رافع قد ضربها، قالت: قال رسول الله ﷺ لأبي رافع: "ما لك ولها يا أبا رافع؟ ". قال: تؤذيني يا رسول الله! ، فقال رسول الله: بِمَ آذيتِه با سَلمى؟ ". قالت: يا رسول الله! ما آذيتُه بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي، فقلت له: يا أبا رافع! إن رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضأ، فقام وضربني، فجعل رسول الله ﷺ يضحك ويقول: "يا أبا رافع! إنها لم تأمرك إلَّا بخير". حسن: رواه أحمد (٢٦٣٣٩) عن يعقوب - وهو ابن إبراهيم -، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرت الحديث. ومحمد بن إسحاق صدوق مُدلِّس وقد صرح بالسماع، فانتفت عنه تهمة التدليس. ورواه أيضًا من هذا الطريق البزار - كشف الأستار (١/ ١٤٦ رقم ٢٨٠) والطبراني في الكبير (٢٤ رقم ٧٦٥) بدون التصريح بالسماع من ابن إسحاق. ٣٤ - باب من يرى الوضوء من القيء • عن أبي الدرداء قال: إن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال معدان بن أبي طلحة: فلقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن النبي ﷺ قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وَضوءه. صحيح: رواه أبو داود (٢٣٨١) واللفظ له، والترمذي (٨٧) كلاهما عن عبد الوارث، عن حسين بن ذكوان المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد بن هشام، أن أباه حدثه، حدثني معدان بن أبي طلحة، أن أبا الدرداء حدثه، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. ولفظ الترمذي: "قاء فتوضّأ، وذكر الشيخ أحمد شاكر أنّ في بعض نسخ التّرمذيّ: "قاء فأفطر فتوضّأ". ورواه الإمام أحمد (٢٧٥٠٢) وصحّحه ابن خزيمة (١٩٥٧) كلاهما من طريق حسين (هو ابن

стр. 1078

ذكوان المعلم) بإسناده، بلفظ: "قاء فأفطر". فمن فهم من قول ثوبان: "قاء فأفطر فصببت له وَضُوءَه" قال: قاء فأفطر فتوضّأ. وأما قوله (قاء فأفطر) فيحتاج إلى تأويل بأنه استقاء؛ لأن القيء لا يُفطر الصائم. قال الترمذي: وقال إسحاق بن منصور: معدان بن طلحة. ثم قال: وابن أبي طلحة أصحّ. وقال: جوّد حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. وروى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير فأخطأ فيه فقال: عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، ولم يذكر فيه الأوزاعي. وقال: عن خالد بن معدان، وإنما هو معدان بن أبي طلحة. انتهى. قلت: رواية معمر هذه رواها الإمام أحمد (٢٧٥٣٧) عن عبد الرزاق، ثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء قال: استقاء رسول الله ﷺ ، فأفطر، فأتي بماء فتوضأ. يقول الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: "ولسنا نوافق الترمذي في ادعائه الخطأ على معمر، وإنما هو عندنا بإسناد آخر للحديث، وخالد بن معدان تابعي ثقة معروف، مات في أول القرن الثاني، روى عن كثير من الصحابة منهم معاوية، واختلف في سماعه من أبي الدرداء. ويعيش بن الوليد تابعي ثقة أيضًا وقد روي عن معاوية، ومعاوية مات سنة ٥٩ أو ٦٠ هـ ويعيش بن الوليد وخالد بن معدان كلاهما من أهل الشام؛ فلا يبعد أن يروي أحدهما عن الآخر. ومعمر حافظ ثقة متقن؛ فلا يحكم عليه بالخطأ جُزافًا" انتهى. فإذا صحّ هذا الحديث فلا يحتاج إلى تأويل. وأما نقض الوضوء من القيء والرُّعاف فقال الترمذي: قال به بعض أهل العلم منهم: سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقال مالك والشافعي: ليس في القيء والرُّعاف وضوء. انتهى. ٣٥ - باب ما روي أن خروج الدم من غير السبيلين لا يوجب الوضوء الأصل في هذا الباب البراءة، فإنه لم يثبت من النبي ﷺ أنه جعل خروج الدم من غير السبيلين ناقضًا للوضوء. وأما ما رُوِيَ عن تميم الداري مرفوعًا: "الوضوءُ من كُلِّ دمٍ سائلٍ" فهو مرسلٌ ضعيفٌ. فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٧) من طريق بقية، عن يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز قال: قال تميم الداري. قال الدارقطني: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم، ولا رآه، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان.

стр. 1079

أورده الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٣٧) من جهة الدارقطني وأقر ما قاله الدارقطني. قلت: وفيه بقية وهو مُدلِّس وقد عنعن. وكذلك ما رُويَ عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يعني في غزوة ذات الرِّقاع - فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتَّى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ فنزل النبي ﷺ منزلًا، فقال: "من رجل يكلؤنا؟ " فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال: "كونا بفم الشِّعب". قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري، وقام الأنصاري يُصلِّي، وأتى الرجل، فلما رأى شخصه وعرف أنه رَبيئَةٌ للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فزعه حتَّى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبُه، فلما عرف أنهم قد نَذِروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدم قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أوَّل ما رمى؟ قال: كنت في سورة أقرأها؛ فلم أحبّ أن أقطعها. فهو أيضًا ضعيف: أخرجه أبو داود (١٩٨) قال: حدَّثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدَّثنا ابن المبارك، عن محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر، فذكر الحديث. وإسناده ضعيف؛ فإنَّ عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي في الميزان: فيه جهالة؛ ما روى عنه سوى صدقة بن يسار. وفي التهذيب: وقد روى جابر البياضي عن ثلاثة من ولد جابر، عن جابر، فيحصل لنا راو آخر وإن كان ضعيفًا عن عقيل مع صدقة، لأن جابرًا له ثلاثة أولاد رووا الحديث. هذا، وعبد الرحمن، ومحمد. انتهى وبهذا يرفع عنه جهالة العين ويبقى فيه جهالة الحال. ونقل الحافظ تصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم له. قلت: وهو في صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٤ رقم ٣٦)، وبه بوَّب "أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا يوجب الوضوء"، وابن حبان (١٠٩٦) والحاكم (١/ ١٥٦ - ١٥٧) وأحمد (١٤٧٠٤ و ١٤٨٦٥) كلهم من طريق محمد بن إسحاق به، وهو في تهذيب ابن هشام (٣/ ٢١٨ - ٢١٩) ومداره على عقيل بن جابر، وهو مجهول الحال كما سبق. إلَّا أن الحاكم صحّحه. وقد ذكره أيضًا البخاري تعليقا في صحيحه (١/ ٢٨٠) ولكن بصيغة التمريض قائلًا: "يذكر عن جابر أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع ... ". فالظاهر أنه لم يصحّ عنده، ولكن ذكر البخاري عددا من الآثار، منها قول الحسن: ما زال المسلمون يُصلون في جراحاتهم. وقال طاوس ومحمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدم وضوء. وبوَّب بقوله: "من لم ير الوضوء إلَّا من المَخْرجَين من القُبُل والدُّبُر". قلت: لما رأيت تبويب البخاري وذكره عددًا من الآثار - وكذا ما فعله البيهقي ﵀ في

стр. 1080

"السنن الكبري" (١/ ١٤٠)؛ فإنه أورد حديث عقيل بن جابر من طريق أبي داود ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر عددًا من الآثار، وحكم على حديث أبي الدرداء السابق في الباب الذي قبله بالاضطراب - أحببت ذكر حديث جابر لأنه من أقوى أدلة من لم ير نقضَ الوضوء من خروج الدم من غير السبيلين، وهم مالك والشافعي وجماعة من الصحابة والتابعين. وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة بلفظ: "من أصابه قيءٌ أو رُعاف أو قلس أو مذي فلينصرف، فليتوضّأ ... " الحديث. رواه ابن ماجه (١٢٢١) من حديث إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير أهل بلده الشاميين، وشيخه هنا ابن جريج حجازي. ومع ذلك فقد خالف أصحاب ابن جريج فروره مرسلًا، ولم يذكروا ابن أبي مليكة، وهو الصّواب كما قاله الدارقطني في العلل (٣٧٠٧). وكذلك أعلّه أبو حاتم الرّازيّ في العلل (٥٧) بالإرسال من وجه آخر. قال الخطابي: "وقال أكثر الفقهاء: سيلان الدم من غير السبيلين ينقض الوضوء. وهذا أحوط المذهبين وبه أقول، وقول الشافعي قوي في القياس، ومذاهبهم أقوى في الاتباع" انتهى. قال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عن كلّ ما خرج من السّبيلين؟ قال: فيه الوضوء. وإن كان من الجسد؟ قال: إذا فحش توضأ، وقال: الفاحش لا أُحِدُّه فإذا فحش عنده توضّأ. قال عبد الله: سمعت أبي يقول في الدّم: إذا فحش أعاد الوضوء، وإذا لم يستفحِشْه لا بأس به". مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (١/ ٧٦). انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٤ - ٦٦). ٣٦ - باب الوضوء من المذي، والنضح بعدَه • عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلًا مذّاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمر المقداد بن الأسود فسأله فقال: "يغسل ذكره، ويتوضأ". متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٧٨) ومسلم في الحيض (٣٠٣) كلاهما من طريق الأعمش، عن منذر بن يعلى (أبي يعلي)، عن محمد بن الحنفية، عن علي، فذكره. واللفظ لمسلم، وفي لفظ عند البخاري (٢٦٩) من وجه آخر: "توضّأ، واغْسلْ ذَكرَك" قوله: "واغْسل ذكرَك" هذا مما لا خلاف فيه. وفي مسلم عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ وفيه: "تَوَضّأ، وانْضَحْ فَرْجَكَ".

стр. 1081

قوله: "وانضحْ فرْجك" أي الثوب الذي أصابه المذي يكفيه فيه رَشُّ الماء قليلا، وبه قال أحمد، وقال الشافعي: "لا يجزئ إلا الغَسْل" انظر للمزيد: المنة الكبرى (١/ ٣٠ - ٣٢). وأما ما رواه مالك في الطهارة (٥٣) عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله ﷺ فقال فيه: "إذا وجد أحدكم فلينضح فرْجَه بالماء، وليتوضأ وضوءَه للصلاة" فهو منقطع، لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد ولا من علي، وبين سليمان بن يسار وعلي - ابن عباس كما في إسناد مسلم. • عن سهل بن حُنيف قال: كنتُ ألقَى من المذي شدّة، وكنت أُكثِرُ من الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إنما يجزيك من ذلك الوضوء" قلت: يا رسول الله! فكيف بما يُصيب ثوبي منه؟ قال: "يكفيك بأن تأخذ كفًّا من ماءٍ، فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه". حسن: رواه أبو داود (٢١٠) والترمذي (١١٥) وابن ماجه (٥٠٦) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، حدثني سعيد بن عبيد السباق، عن أبيه، عن سهل بن حُنيف، فذكره. وصححه ابن خزيمة (٢٩١) وابن حبان (١١٠٣)، كلاهما من هذا الوجه. ورجاله ثقات غير ابن إسحاق؛ فهو صدوق، وهو مُدلِّس إلَّا أنه صرح بالسماع. قال الترمذي: حسن صحيح، ولا نعرفه إلَّا من حديث محمد بن إسحاق في المذي مثل هذا. • عن عبد الله بن سعد الأنصاري قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عما يُوجِبُ الغُسْل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: "ذاك المَذي، وكل فَحْل بَمذي، فتَغْسِلُ من ذلك فرجَك وأُنثَييك، وتَوَضَّأ وضوءَك للصلاة". حسن: رواه أبو داود (٢١١) قال: حدَّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عبد الله بن وهب، حدَّثنا معاوية - يعني ابن صالح - عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، فذكر الحديث. إسناده حسن ورجاله ثقات غير حرام بن حكيم؛ فوثقه العجلي والدراقطني، وضعَّفه غيرهما، غير أنه لا ينزل عن درجة "صدوق". وأما الحافظ فجعله في درجة "ثقة". ثم اعلم أن هذا الحديث جزء من الحديث الذي يرويه عبد الله بن سعد الأنصاري، والجزء الآخر من الحديث أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: "لك ما فوق الإزار" وذكر مؤاكلة الحائض أيضًا. هكذا يراه أبو داود، فإنه أوَّلًا روي حديث إبراهيم بن موسى كما سبق، ثم روى عن هارون بن محمد بن بكار، ثنا مروان - يعني ابن محمد - ثنا الهيثم بن حميد، ثنا العلاء بن الحارث، عن حرام

стр. 1082

ابن حكيم به، وذكر الجزء الثاني من الحديث، ثم قال: "وساق الحديث" أي الحديث الأوَّل. ونظرًا لكون الحديث يشتمل على أكثر من مسألة فإني فرقته في ثلاثة كتب؛ في الوضوء، وفي الحيض، انظر باب ما جاء في مؤاكلة الحائض، تبعًا للترمذي وابن ماجه. وجزء آخر رواه ابن ماجه (١٣٧٨) في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في التطوع في البيت. وسيأتي ذكره في الصلاة أيضًا. وفي الباب عن أُبِي بن كعب رواه الإمام أحمد (٢١١١٠) وابن ماجه (٥٠٧) وفيه مصعب بن شيبة وهو إن كان من رجال مسلم فقد قال فيه النسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه ليس بقويٍّ، وقال الدارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ، وشيخه أبو حبيب يعلى بن مُنْيَة مجهول. ٣٧ - باب ما رُوي من ترك الوضوء من القُبلة رُوي عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضّأ. قال: قلت: من هي إلّا أنتِ؟ قال: فضحكتْ. رواه أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه (٥٠٢) كلّهم من طريق وكيع، قال: حدّثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرت الحديث. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٥٧٦٦)، وأعله الترمذي فقال: "سمعت أبا بكر العطار البصريّ يذكر عن علي بن المديني قال: ضعّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شبه لا شيء". وقال أيضًا: سمعت محمد بن إسماعيل يُضعِّف هذا الحديث. وقال حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة". وقال: "وقد رُوي عن إبراهيم التيميّ عن عائشة: أنّ النبي ﷺ قبلها ولم يتوضّأ، وقال: وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف إبراهيم التّيمي سماعًا من عائشة، وليس بصح عن النّبيّ ﷺ في الباب شيء" انتهى كلامه. وحديث إبراهيم بن زيد التّيمي عن عائشة، رواه أبو داود (١٧٨)، والبيهقي (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، والنسائي (١٧٠) من طريق الثوريّ، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة. قال أبو داود: "وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا. وقال: مات إبراهيم التيميّ، ولم يبلغ أربعين سنة، وكان يكنى أبا أسماء" انتهى. وقال البيهقيّ بعد أن نقل كلام أبي داود مختصرًا بأنه مرسل: "أبو روق ليس بقوي، ضعّفه يحيى بن معين وغيره، ثم قال: "وقد روينا سائر ما رُوي في هذا الباب، وبينا ضعفها في "الخلافيات" الحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصّائم، فحمله على الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها، ولو صحَّ إسناده تقلنا به إن شاء الله تعالى" انتهى.

стр. 1083

وقال الدارقطني في سننه (٤٨٨): "والصّواب عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان يقبّل وهو صائم". وقد أطال في سننه (من رقم ٤٨٤ إلى ٥١٢) النَّفَسَ في تعليل هذا الحديث من جميع طرقه فراجعه إن شئت. منها ما رواه من طريق الوليد بن صالح، حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة: أنّ النبيَّ ﷺ كان يُقبل ثم يصلي ولا يتوضّأ. قال: "إن الوليد بن صالح وهم في قوله: عن عبد الكريم، إنّما هو حديث غالب (هو ابن عبيد الله وهو متروك كما قال). ورواه الثوري، عن عبد الكريم، عن عطاء من قوله، وهو الصّواب" انتهى. ثم ذكر الترمذيّ مذاهب الفقهاء فقال إثر حديث عائشة: وقد رُوي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعين. وهو قول سفيان الثوريّ وأهل الكوفة. قالوا: ليس في القبلة وضوء. وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين، وإنّما ترك أصحابنا حديث عائشة في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد". ثم ذكر العلل التي سبق إيرادها. قلت: قول جمهور أهل العلم بأن في القبلة وضوءًا فيه تفصيل، وهو أنّ القبلة قد تكون بشهوة، وقد تكون برحمة، فمن أوجب الوضوء قال: إن كانت ذلك بشهوة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعليه يحمل قول جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابن مسعود وجماعة، والتلف من بعدهم مثل الزهريّ وزيد بن أسلم ومكحول ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي وغيرهم. ومن الفقهاء مالك وغيره من أهل المدينة. والرواية الثانية عند الإمام أحمد لا تنقض الوضوء، ويحمل هذا إن كانت ذلك بدون شهوة، أو كانت ذلك رحمة، وبه قال جماعة من الصحابة: علي، وابن عباس، وجماعة من التابعين ومن بعدهم منهم: عطاء، وطاوس، والحسن، ومسروق، وهو قول الكوفيين أبي حنيفة وغيره. والرواية الثالثة عند الإمام أحمد أنه ينقض الوضوء بكل حال، وهو مذهب الشّافعي. ودليل الشافعي عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فجعل مجرد اللّمس ناقضًا للوضوء. وحمل ابن عباس وغيره بأن المراد باللمس هنا كناية عن الجماع، فلا دليل فيه بنقض الوضوء بمجرد اللّمس الذي قد لا يسلم منه أحد، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين. ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عندما سئل عن لمس المرأة فذكر فيه ثلاثة مذاهب وقال: "والصحيح في المسألة أحد قولين: إما عدم النّقض مطلقًا، وإما النقض إذا كان بشهوة. وأما وجوب الوضوء من مجرد مسّ المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال. ولا يعرف هذا

стр. 1084

القول عن أحد من الصحابة ولا روى أحدٌ عن النبيّ ﷺ أنه أمر المسلمين أن يتوضّئوا من ذلك" مختصر من "مجموع الفتاوي" (٢١/ ٤ ٣٥ - ٤٣٦). ٣٨ - باب ترك الوضوء من مسّ اللحم النيئ • عن أبي سعيد أن النبي ﷺ مرَّ بغلام وهو يسلخ شاة، فقال له رسول الله ﷺ : "تنحّ حتَّى أُرّيك"، فأدخل يده بين الجلد واللحم، فدحس بها حتَّى توارت إلى الإبط، ثم مضى، فصلَّى ولم يتوضّأ. قال أبو داود: زاد عمرو في حديثه: (يعني لم يمس ماء). وقال: عن هلال بن ميمون الرملي. حسن: رواه أبو داود (١٨٥) وابن ماجه (٣١٧٩) كلاهما من طريق مروان بن معاوية، أخبرنا هلال بن ميمون الجُهَني، عن عطاء بن يزيد الليثي، قال هلال: لا أعلمه إلَّا عن أبي سعيد، وقال أيوب وعمر: وأراه عن أبي سعيد، فذكروا الحديث. إسناده حسن ورجاله ثقات إلَّا هلال بن ميمون؛ فقد وثقه ابن معين وقال فيه أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. قال أبو داود: رواه عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية، عن هلال، عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسلا، لم يذكر أبا سعيد. انتهى. ولكن جاء هذا الحديث من طرق أُخرى موصولة بذكر أبي سعيد، وهي زيادة من الثقات تكون مقبولة. وصحّحه أيضًا ابن حبَّان (١١٦٣) من هذا الوجه. ٣٩ - باب ترك الوضوء من بَعدِ الغسلِ • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة، ولا أراه يُحدِث وضوءًا بعد الغسل. صحيح: رواه أبو داود (٢٥٠) واللفظ له، والترمذي (١٠٧) والنسائي (٢٥٢) وابن ماجه (٥٧٩) كلهم من حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، فذكرت الحديث. وفي رواية: "كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل". وفي رواية ابن ماجه: "بعد الغسل من الجنابة". قال الترمذي: "حسن صحيح". وصحّحه الحاكم (١/ ١٥٣) فقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه". وهو كما قال. قال الترمذي: وهذا قول غير واحد من (أهل العلم) من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين؛ أن لا يتوضأ بعد الغُسل.

стр. 1085

٤٠ - باب ما جاء في جواز أكل الطعام للمحدث وأنه لا كراهة في ذلك • عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج من الخلاء، فأتي بطعام، فذكروا له الوضوء، فقال: "أريد أن أصلي فأتوضأ؟ ! ". وفي رواية: كنا عند النبي ﷺ فجاء من الغائط، وأُتي بطعام، فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: "لِمَ؟ أَأُصلي فأتوضأ؟ ! ". وفي رواية قال: "لِم؟ أللصلاة؟ ! ". وفي رواية: "ما أردتُ صلاة فأتوضَّأ". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٧٤) من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحُوَيْرِث، عن ابن عباس، فذكر الحديث. وسبق تخريج الحديث في باب وجوب الطهارة للصلاة. ٤١ - باب الوضوء لردّ السلام • عن المهاجر بن قُنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد ﵇ حتَّى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: "إنِّي كرهت أن أذكر الله إلا على طُهر". أو قال: "على طهارة". صحيح: رواه أبو داود (١٧) واللفظ له، والنسائي (٣٨) وابن ماجه (٣٥٠) كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حُصين بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر بن قنفذ بن عمير فذكر مثله، إلَّا ابن ماجه؛ فإنَّ فيه: "أتيت النبي ﷺ وهو يتوضأ" بدلا من "يبول"، ثم قال: "إنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلَّا أنِّي كنت على غير وضوء". ورجاله ثقات. وحُضين - بمهملة ثم معجمة مصغرًا - ابن المنذر بن الحارث الرقاشي، وأبو ساسان لقبه، وكنيته أبو محمد، صاحب راية عليّ يوم صفين، لا يعرف حضين غيره، ثقة من رجال مسلم. والحسن هو البصري الإمام التابعي المشهور، ووصفه النسائي وغيره بالتدليس، إلَّا أنَّ الحافظ جعله في المرتبة الثانية الذين احتمل الأئمّة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح. كما أنه وُصِف بالإرسال، إلَّا أنه يَروي هنا عن التابعي؛ فلا يضر كونه مُرسِلًا. وصحّحه ابن خُزيمة (٢٠٦) وابن حبان (٨٠٣) والحاكم (١/ ١٦٧) كلُّهم من هذا الوجهِ، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظِ ... ". ٤٢ - باب المسح على الخفين والعمامة والناصية • عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبيّ ﷺ ذات ليلة في سفر فقال: أمعك ماء؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته فمشى حتى تواري عنّي في سواد اللّيل، ثم جاء

стр. 1086

فأفرغت عليه الإدارة، فغسل وجهه ويديه، وعليه جبّة من صوف، فلم يستطعْ أن يخرج ذراعيه منها، حتى أخرجهما من أسفل الجبة، فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه، ثم أهويتُ لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. متفق عليه: رواه البخاري في اللباس (٥٧٩٩)، ومسلم في الطهارة (٢٧٤: ٧٩) كلاهما من طريق زكريا، عن عامر، أخبرني عروة بن المغيرة، عن أبيه، فذكره. تنبيه: رواه مالك في الطهارة (٤١) عن ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد - من ولد المغيرة بن شعبة - عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة فذكر الحديث. ولم يورد الشيخان رواية مالك في صحيحيهما، وإنما أوردا من أوجه أُخرى مُختصرًا ومفصلا؛ وذلك - والله أعلم - لما وقع من الوهم من مالك في إسناده في موضعين كما قال الدارقطني: أحدهما قوله: عباد من ولد المغيرة، والصواب هو مولى المغيرة، قاله الشافعي ومصعب الزبيري وغيرهما، والثاني: إسقاط عروة وحمزة ابني المغيرة. انتهى. لأن عبّادا لم يسمع من المغيرة ولا رآه، وإنما يرويه الزهري عن عبّاد، عن عروة وحمزة ابني المغيرة، عن أبيهما، وربما حدّث الزهريّ به عن عروة وحده دون حمزة. وله طرق أُخرى عن المغيرة بن شعبة. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٧٠ - ١٧١). وفي رواية عند مسلم قال: "دعهما! فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما". وفي رواية عنده: "فمسح على الخفين ومقدِّم رأسه، وعلى عمامته". وفي رواية عنده: "ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه". ولفظ النسائي (١٠٩) قال المغيرة بن شعبة: "خصلتان لا أسأل عنهما أحدًا بعد ما شهدتُ رسول الله ﷺ ، قال: كنا معه في سفر، فبرز لحاجته، ثم جاء فتوضأ، ومسح بناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه، قال: وصلاة الإمام خلف الرجل عن رعيته، فشهدت من رسول الله ﷺ أنه كان في سفر فحضرت الصلاة، فاحتبس عليهم النبي ﷺ ، فأقاموا الصلاة وقدموا ابن عوف فصلي بهم، فجاء رسول الله ﷺ فصلي خلف ابن عوف ما بقي من الصلاة، فلما سلم ابن عوف قام النبي ﷺ فقضى ما سُبق به". قال الترمذي بعد أن أخرج الحديث "مسح على الخفين والعمامة": وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وأنس، وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على العمامة. وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: لا يمسح على العمامة إلَّا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي. قال: وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إنْ مسح على العمامة يجزئه للأثر. انتهى ونقل الخطابي عن الإمام أحمد في المسح على العمامة بأنه جاء عن النبي ﷺ من خمسة أوجه،

стр. 1087

وقال: وشرط من جوَّز المسح على العمامة: أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة، كما يفعله من يريد المسح على الخفين. وقال: وأبي المسح على العمامة أكثر الفقهاء. وتأولوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عمامته من رأسه، ولا ينقضها. وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة كالمفسر له، وهو أنه وصف وضؤه ثم قال: "ومسح بناصبه وعلى عمامته" فوصل مسح الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية، إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعًا له". انتهى. وقوله "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فيه دليل على أن المسح على الخفين لا يجوز إلَّا إذا لبس الخف بعد الطهارة، أي: بعد الوضوء، وهو أمر يكاد يكون مُتَّفقًا عليه لدى كل من أجاز المسح على الخفين إلَّا داود الظاهري؛ فإنه حمل الطهارة بمعنى الطهارة من النجاسة وإن لم يكن مُستبيحًا للصلاة. انظر: المازري - المُعلِم (١/ ٢٣٩). • عن جرير بن عبد الله البجليّ أنه بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هذا؟ فقال: نعم؛ رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضّأ ومسح على خفيه. قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٨٧) ومسلم في الطهارة (٢٧٢) واللفظ له، كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: رأيت جريرًا بال، وذكر الحديث. وفي رواية عند الترمذي: قيل لجرير: متى أسلمت؟ فقال: بعد المائدة. • عن عمرو بن أمية الضَّمْري أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح على الخفين. صحيح: رواه البخاري (٢٠٤) من حديث أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمَّية الضَّمري، أنَّ أباه أخبره .. فذكر الحديث. وفي رواية عنده: "رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه". • عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: إن رسول الله ﷺ مسح على الخفين، فسأل ابن عمر أباه عن ذلك؟ فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي ﷺ شيئًا فلا تسأل عنه غيره. صحيح: رواه البخاري في الوضوء (٢٠٢)، عن أصبغ بن الفرج المصري، عن ابن وهب، قال: حدثني عمرو، حدثني أبو النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص .. فذكر الحديث .. وفيه: دليل على أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقبل خبر الواحد، وما نُقِل عنه من التوقف إنما كان عند وقوع ريبة له في بعض المواضع. وفيه: دليل على تفاوت رُتَب العدالة، ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض.

стр. 1088

وفيه: تعظيمٌ عظيمٌ من عمرَ لسعيدٍ. وفيه: أن الصحابي القديم الصحية قد يخفى عليه من الأمور الجلية في الشرع ما يطلع عليه غيره؛ لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قديم صحبته وكثرة روايته. روي مالك في الطهارة (٤٢) عن نافع وعبد الله بن دينار، أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص، وهو أميرها، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سَلْ أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله، فنسي أن يسأل عمر عن ذلك، حتَّى قدم سعد فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامْسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال: نعم وإن جاء أحدكم من الغائط. انظر للمزيد: "فتح الباري" (١/ ٣٠٦). • عن بلال بن رباح أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار. صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٥)، من طريق الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال .. فذكره. والمراد بالخمار: العمامة، كما في سنن أبي داود (١٥٣): يمسح على عمامته وموقيه. والموق: نوع من الخفاف معروف، وساقه إلى القصر. وبعض أهل العلم ذكروا هذا الحديث في مسند أسامة بن زيد؛ فإنه قال: دخل رسول الله ﷺ وبلال الأسواق، فذهب لحاجته ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالًا ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي ﷺ لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين ثم صلَّى. رواه النسائي (١٢٠) من حديث ابن نافع، عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد. ورجاله ثقات غير ابن نافع، وهو: عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ، قال الحافظ: "ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين". والصواب أن يكون هذا الحديث من مسند بلال؛ لأنه هو راوي الحديث، وإن كان أسامة قد حضر بعض القصة. قال ابن خزيمة - بعد أن روى الحديث من طريق عبد الله بن نافع -: الأسواق: حائط بالمدينة. وقال: أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر، قال: سمعت يونس يقول: ليس عن النبي ﷺ خبر أنه مسح على الخفين في الحضر غير هذا. (١/ ٩٤). • عن بُرَيدة بن الحصيب أن النبي ﷺ صلَّى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على فيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه! فقال: "عمدًا

стр. 1089

صنعته يا عمر! ". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٧) من حديث علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه .. فذكر الحديث. وسبق ذكره في باب جواز الصلوات بوضوء واحد. • عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين، فقال: السنة يا ابن أخي! قال: وسألته عن المسح على العمامة، فقال: أمِسَّ الشعرَ الماءَ. حسن: رواه الترمذي (١٠٢) قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا بشر بن المُفضَّل، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن أبي عبيدة به. ورجاله ثقات غير أبي عبيدة؛ فقيل هو أخو سلمة بن محمد، وقيل هما واحد. قال البخاري في ترجمة سلمة: أراه أخا أبي عبيدة. وذكر أبو أحمد الحاكم أبا عبيدة فيمن لا يُعرف اسمه. واختلف فيه قول أبي حاتم؛ فقال مرة: منكر الحديث ولا يُسمى، وقال في موضع آخر: صحيح الحديث. وقال فيه ابن معين: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أبو عبيدة هذا ثقة، وأخوه سلمة لم يرو عنه إلَّا علي بن زيد، ولا يعرف حاله. وأما قول الحافظ فيه بأنه "مقبول" فالظاهر أنه رجّح أنهما واحد، وإلَّا فأبو عبيدة بعد توثيق ابن معين وعبد الله بن أحمد يستحق أن يرفع إلى درجة "صدوق". وقوله (أمِسَّ الشعرَ الماءَ)، وفي رواية مالك بلاغا (٥٢) عن جابر بن عبد الله: "حتَّى يمسَّ الشعرَ الماءُ" كذا في موطأ محمد، قال الشيخ اللكنوي في "التعليق الممجد" (١/ ٢٨٦): من الإمساس أو المس، أي: يصيب الشعر، بالنصب على أنه مفعول مقدم، (الماءُ) بالرفع أو النصب. وفي موطأ يحيى: "حتَّى يُمْسَح الشعرُ بالماءِ". وأما المسح على العمامة فقال ابن عبد البر: "رُوِي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين - ذكرهم المصنفون: ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن المنذر -، أنهم أجازوا المسح على العمامة، قال: وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد القاسم بن سلَّام وأحمد وإسحاق وأبو ثور؛ للآثار الواردة في ذلك، (منها حديث عمرو بن أمية الضمري في البخاري) وقِياسًا على الخفين، ولأن الرأس والرجلين عندهم ممسوحان ساقطان في التيمم. وقال: وأما الذين لم يروا المسح على العمامة ولا على الخمار فعروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم". "الاستذكار" (٢/ ٢١٩). • عن أبي يَعْفُور قال: سألت أنس بن مالك عن المسح على الخفين فقال: كان

стр. 1090

رسول الله ﷺ يمسح عليهما. صحيح: رواه ابن حبان (٤/ ١٤٧ رقم ١٣١٨) قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الجنيد بِبُست, قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور، فذكره. وإسناده صحيح. أبو يعفور هو: وقْدان العبدي الكوفي الكبير، ويقال اسمه: واقد، من رجال الجماعة. وأما ما رواه ابن ماجه (٥٤٨): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، ثنا عمر بن عبيد الطنافسي، ثنا عمر بن المثنَّى، عن عطاء الخراساني، عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفَر فقال: "هل من ماء؟ "، فتوضأ ومسح على خفه، ثم لحق بالجيش وأمَّهم، فإسناده ضعيف. قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد ضعيف منقطع. قال أبو زرعة: عطاء الخراساني لم يسمع من أنس. وقال العقيلي: عمر بن المثنَّى حديثه غير محفوظ. • عن ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتَّساخين. حسن: رواه أبو داود (١٤٦): حدَّثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، فذكره. وهو في مسند أحمد (٢٢٣٨٣)، وصحّحه الحاكم (١/ ١٦٩)، وقال: صحيح على شرط مسلم. قلت: إسناده حسن، رجاله ثقات غير أن راشد بن سعد؛ اختلف في سماعه من ثوبان، والراجح أنه سمع كما صرّح به البخاريّ في التاريخ الكبير أنه قال في ترجمته: "سمع ثوبان ويعلى بن مرة"، وجاء تصريحه بالسماع منه في الأدب المفرد (٥٧٩). وسماعه غير مستبعد لأنه شهد صفين مع معاوية، ومات ثوبان سنة أربع وخمسين. وقد تابعه أبو سلام الأسود، عن ثوبان عند البزار. انظر: كشف الأستار (١/ ١٥٤)، ولكن في سنده عتبة بن أبي أمية الدمشقي، قال ابن حبان: يروي المقاطيع. انظر: مجمع الزوائد (١/ ٢٥٥). والتساخين: قال الإمام الخطَّابي في "غريب الحديث" (٢/ ٦١): "قال بعضهم: النساخين كلُّ ما يُسخّن به القدم من خُفٍّ، وجوربٍ، ونحو ذلك. • وعن أبي طلحة: أن النبي ﷺ توضأ فمسح على الخفين والخمار. حسن: رواه الطبراني في المعجم الصغير (٢/ ٩٥) قال: حدَّثنا محمد بن الفضل بن الأسود النظري، ثنا عمر بن شبة النميري، ثنا حرمى بن عُمارة، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ، عن أبي طلحة، فذكر الحديث. قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلَّا حرمى، تفرد به عمر بن شبّة. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦): رجاله موثقون.
следующие страницы →