Полный текст (8 687 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً.
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٠٧) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قبر فذكر مثله. وسيأتي ذكر هذا الحديث في صلاة الليل وفي صلاة الوتر مُفَرَّقًا.
• عن غُضَيف بن الحارث قال: قلت لعائشة: أرأيتِ رسولَ الله ﷺ يَغتَسِلُ من الجنابة في أوَّل اللَّيل أو في آخره؟ قالت: ربما اغتسلَ في أوَّلِ الليل، وربما اغتَسَلَ في آخره، قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً. قلت: أرأيتِ رسولَ الله ﷺ كان يُوتِرُ أول الليلِ أم في آخره؟ قالت: ربما أوتَرَ في أولِ الليل، وربما أوتَرَ في آخره، قلت: الله أكبر! الحمدُ لله الذي جعلَ في الأمر سعةً. قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم يُخفِتُ به؟ قالت: ربما جهرَ به، وربما خَفَتَ، قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
حسن: أبو داود (٢٢٦) واللفظ له، والنسائي (٢٢٢، ٢٢٣) مقتصرا على الجزء الأول من الحديث، وهو ما يخص بالغسل، وابن ماجه (١٣٥٤) مقتصرا على قراءة القرآن فقط، كلهم من طرق بُرد بن سِنان، عن عُبادة بن نُسيّ، عن غُضَيفِ بن الحارثِ، فذكر الحديث.
وغُضَيف بن الحارث السكوني الكندي، أثبت أبو حاتم وأبو زرعة أنَّ له صحبة، وقال ابن سعد والعجلي: تابعي من أهل الشام ثقة. ووثَّقه أيضًا الدارقطني وغيره.
وإسناده حسن من أجل بُرد بن سنان؛ فإنه صدوق، وبقية رجاله ثقات. وصحَّحه ابن حبَّان (٢٤٤٧) من هذا الوجهِ.
وفي الباب حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: ... ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام. فإذا كان النداء الأول قام فاغتسل. رواه مسلم (٧٣٩) وسيأتي ذكره في باب جواز النوم للجنب بدون وضوء (٢٢) في كتاب الوضوء.
١٧ - باب ما جاء في الجُنُب يُصَلِّي بالقوم وهو ناسٍ
• عن أبي هريرة قال: أُقِيمت الصلاةُ وعُدِّلت الصفوفُ قيامًا، فخرج إلينا رسولُ الله ﷺ ، فلما قام في مُصلاه ذكر أنه جُنُبٌ، فقال لنا: "مكانَكم".
ثم رجع فاغتَسلَ، ثم خرج إلينا ورأسُه يفطُر، فكبَّر وصَليَّنا معه.
وفي رواية: فعلنا الصفوف قبل أن يخرج.
متفق عليه: رواه البخاري في الغسل (٢٧٥) واللفظ له، ومسلم في المساجد (٦٠٥) كلاهما من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وفي رواية لمسلم:
стр. 982
قبل أن يُكَبِّر ذكر فانصرف".
هكذا رواه الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
هذا هو الصحيح أنه تذكَّر قبل أن يُكبِّر كما رواه يونس عن الزهري، وتابعه على ذلك عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري؛ والأوزاعي، عن الزهري، كما قال البخاري. وهؤلاء أوثق ممن قال: كبّر؛ ولذا قال بعض أهل العلم: قوله "كبّر" أي: أراد أن يكبِّر إلا أنه لم يكبِّر. وعليه يحمل قول ابن عبد البر بأن من قال: إنه كبَّر - زيادة حافظ يجب قبولها. كذا في الاستذكار (٢/ ١٠٣) ومعناه: أراد أن يكبر.
وأما ما قاله أبو داود (١/ ١٦٠): ورواه أيوب وابن عون وهشام، عن محمد (ابن سيرين) عن النبي ﷺ قال: "فكبّر ثم أومأ بيده إلى القوم أن اجلِسُوا، فذهب فاغتسل" فهو مرسل. وكذلك رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ كبَّر في صلاة. "الموطَّأ" (١/ ٤٨ رقم ٧٩).
وأما ما روي عن أبي بكرة أنَّ رسول الله ﷺ دخلَ في صلاةِ الفَجرِ فأومأ بيده أن مكانَكم، ثم جاء ورأسُه يَقطُر، فصلَّى بهم.
فهو معلول، رواه أبو داود (٢٣٣، ٢٣٤) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد (بن سلمة)، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، فذكر الحديث. والحسن مرسل ومدلس، ولم أجد له تصريحا.
١٨ - باب غُسلِ الكافرِ إذا أسلَم
• عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجلٍ من بني حَنيفة يقال له: ثُمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النَّبيُّ ﷺ فقال: "أطلِقوا ثُمامة". فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسلَ، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله.
متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٦٢) مختصرًا هكذا في كتاب الصلاة، باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير في المسجد، ورواه مطولا في المغازي (٤٣٧٢) ومسلم في الجهاد (١٧٦٤) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، سمع أبا هريرة فذكره.
وسيأتي في كتاب الجهاد مطوّلًا.
وفي بعض الروايات أنه أسلم، فبعثه النبي ﷺ إلى حائط بني طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل. رواه ابن خزيمة (١/ ١٢٥) من طريق عبد الرزاق، نا عبد الله وعبيد الله ابنا عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.
стр. 983
وعبد الله ضعيف ولكن تابعه أخوه عبيد الله، وهو ثقة.
فإما أن نُرجِّح روايةَ الشيخين، أو تجمع بينهما كما فعل البيهقي (١/ ١٧١) قائلًا: يحتمل أن يكون أسلم عند النبي ﷺ ، ثم اغتسلَ ودخل المسجد فأظهر الشهادة.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الغُسلَ كان بعد إسلامِه، كما في رواية ابن خزيمة.
انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٩٦).
• عن قيس بن عاصم قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أُريدُ الإسلامَ، فأمرني أن أَغتَسِلَ بماءٍ وسِدرٍ.
صحيح: رواه أبو داود (٣٥٥) والترمذي (٦٠٥) والنسائي (١٨٨) كلهم من طريق سفيان، عن الأغر بن الصبّاح، عن خليفة بن حُصين، عن جده قيس بن عاصم. ورجاله ثقات.
وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى.
ورواه الإمام أحمد (٢٠٦١١)، والبيهقي (١/ ١٧١).
وصحَّحه ابن خزيمة (٢٥٤) وابن حبان (١٢٤٠) كلهم من هذا الطريق.
غير أنَّ ابن القطان قال: حديثه عن جدّه مرسل، وإنما يروي عن أبيه، عن جده. "بيان الوهم والإيهام" (٢/ رقم ٤٣٨).
وذلك بناء على ما رواه أبو علي بن السكن في كتابه السنن عن محمد بن يوسف (وهو الفربري)، عن البخاري، عن علي بن خشرم، عن وكيع، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جدّه قيس بن عاصم، فذكره.
قال أبو علي بن السّكن: "هكذا رواه وكيع مجوّدًا عن أبيه، عن جدّه. ويحيى بن سعيد وجماعة رووه عن سفيان، لم يذكروا أباه" انتهى كلام أبي علي.
قلت: هكذا رواه الإمام أحمد (٢٠٦١٥) عن وكيع، حدّثنا سفيان، عن الأغر المنقريّ، عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، عن أبيه، عن جدّه، فذكر الحديث.
ولم ينفرد وكيع بهذا بل تابعه أيضًا قبيصة بن عقبة، عن سفيان.
ومن هذا الطريق رواه البيهقي (١/ ١٧٢) من طريق يعقوب بن سفيان وهو في تاريخه (١/ ٣٩٦) عنه.
وقد جزم أبو حاتم في "العلل" (١/ ٢٤) أن زيادة "أبيه" خطأ، أخطأ فيه قبيصة في هذا الحديث.
قلت: لم ينفرد قبيصة بهذه الزيادة فقد تابعه عليها أيضًا وكيع كما رأيت إلا أنه اختُلف عليه أيضًا فرواه البيهقي من طريقه بدون زيادة "عن أبيه" وقال: "رواه محمد بن كثير وجماعة إلّا أنّ أكثرهم قالوا: عن جدّه قيس بن عاصم. ورواه قبيصة بن عقبة فزاد في الإسناد" انتهى.
والظاهر أنه يصحح رواية الجماعة، والله تعالى أعلم.
стр. 984
وأمَّا ما رُوِي عن كُلَيب قال: أسلمت فقال النبي ﷺ : "ألق عنك شعر الكفر" وفي رواية "ألق عنك شعر الكفر واختتن" ففيه عُثيم بن كثير بن كليب، رواه أبو داود (٣٥٦) من طريق ابن جريح، قال: أُخبرت، عن عُثَيم بن كليب، عن أبيه، عن جده، وعُثيم مجهول، والواسطة بين ابن جريج وغُثيم غير معلوم.
وكذلك ما رُويَ عن قتادة قال: أتيت النبي ﷺ فقال لي: "يا قتادة! اغتسل بماء وسِدرٍ، واحلق عنك شعر الكفر" وكان رسول الله ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن وإن كان ابن ثمانين.
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٨٣): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، ولكن قال الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٦١٨): إسناده ضعيف.
وكذلك ما رُوي عن واثلة بن الأسقع قال: لما أسلمت أتيت النبي ﷺ فقال لي: "اغتسل بماء وسِدر، واحلق عنك شعر الكفر" رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٧٠) وقال الحافظ: إسناده ضعيف.
قلت: وهو كذلك؛ لأنَّ فيه معروفًا أبا الخطَّاب، وهو معروف بن عبد الله، أبو الخطَّاب الدمشقي، مولى واثلة بن الأسقع، ضعيف. قال ابن عدي: يروي عن واصلة أحاديث منكرةٌ وعامة ما يرويه لا يتابع عليه.
• * *
стр. 985
٦ - كتاب الحيض
١ - باب ما جاء في سقوط الصلاة عن الحائض والنُّفساء، وتوقيت أربعين يومًا للنُّفَساء
• عن معاذة قالت: سألتُ عائشةَ فقلت: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الحيض (٣٢١) عن همام، عن قتادة قال: حدثتني معاذة أن امرأةٌ قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتَها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ كنَّا نحيضُ مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به. أو قالت: فلا نفعله. ورواه مسلم في الحيض (٣٣٥) عن حماد، عن يزيد الرِّشك عن معاذة: أن امرأة سألت عائشة، فذكرت الحديث، وفيه: "قد كانت إحدانا تحيض على عهدِ رسول الله ﷺ ثم لا تُؤمر بقضاء". وروى شعبة عن يزيد أن معاذة هي السائلة نفسها، وكذا رواه عاصم عن معاذة أنها هي السائلة، وكلها في صحيح مسلم.
وقولها: "أحرورية أنت؟ " الحرورية: طائفة من الخوارج نزلوا قرية تسمى (حروراء) كان أول اجتماعهم وتعاهدهم فيها، وكانت عائشة قصدت من قولها: "أحرورية أنت؟ " أي: أنت من طائفة الخوارج الذين يوجبون قضاء الصلاة على الحائض؟ فقالت: "لا، ولكني أسأل" أي: سؤالا مجردًا لطلب العلم لا للتعنت، كما لست أنا من الخوارج. فلما فهمتُ عائشةُ منها الرغبة في طلب العلم أجابت، واقتصرت في الجواب على الدليل دون التعليل.
وأمَّا توقيتُ أربعين يومًا للنُّفَساءِ؛ فلم يثبُت فيه حديثٌ يُعتمد عليهِ، وأحسنُ شيءٌ رُوِيَ في هذا البابِ هو حديثٌ أمِّ سلمةَ.
• عن أم سلمة قالت: كانت النُّفساءُ تَجلِسُ على عهدِ رسول الله ﷺ أربعينَ يومًا، فكنَّا نَطلي وُجوهَنا بالورس منَ الكَلَفِ.
حسن: رواه أبو داود (٣١١) والترمذي (١٣٩) وابن ماجه (٦٤٨) كلهم من حديث علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل، عن مُسَّة الأزدية، عن أم سلمة، فذكرته.
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث أبي سهل، عن مُسَّة عن أم سلمة، واسم أبي سهل: كثير بن زياد. قال محمد بن إسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة،
стр. 986
ولم يعرف هذا الحديث إلَّا من حديث أبي سهل".
ورواه أيضًا أبو داود من وجه آخر من حديث عبد الله بن المبارك، عن يونس بن نافع، عن كثير بن زياد (وهو أبو سهل) قال: حدثتني الأزدية (يعني مُسّة) قالت: حججت فدخلت على أم سلمة فقلت: يا أم المؤمنين! إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاةَ المحيض، فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النِّفاس أربعين ليلةٌ، لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النِّفاس.
قال أبو داود: كثير بن زياد كنيتُه أبو سهل.
قلت: رجالُ هذا الإسناد ثقات غير مُسَّة - بضم أولها والتشديد - الأزدية، وكانت تكنى بأم بسة - بضم الموحدة وتشديد السين - اختلف فيها؛ فحسَّه النوويُّ في "الخُلاصةِ" (١/ ٢٤١)، وصحّحه الحاكمُ في "المستدرك" (١/ ١٧٥)، والحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وقد روي عنها جماعة منهم: كثير بن زياد، وأبو سهل، والحكم بن عتيبة، وزيد بن علي بن الحسين وغيرهم.
وقد ذهب أكثرُ أهل العلم إلى أنَّ أكثر الفاسي أربعون يومًا .. منهم عمر، وعثمان، وعائشة، وأمُّ سلمة، وعطاء، والثوري، وأحمد بن حنبل، ومالكٌ .. وغيرهم.
قال الترمذيُّ في سُننِه: وقد أجمع أصحاب النبيِّ ﷺ ، والتابعون، ومن بعدهم على أنَّ النساء تدعُ الصلاة أربعينَ يومًا، إلَّا أن ترى الطُهرَ قبل ذلكَ، فإنَّها تغتسِلُ وتُصلِّي .. انتهى.
وقد رُويَ التوقيتُ أيضًا عن عددٍ من الصحابة، منهم: أنس بن مالكٍ، أخرجه ابن ماجه (٦٤٩)، وفيه سلام الطويل، وهو متروكُ، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وغيرهم .. وكلها معلولة. انظر السنن الكبرى" (١/ ٣٤٣).
تنبيه:
وقد اغتررت بكلام البوصيري في حديث أنس بن مالك في زوائد ابن ماجه؛ فإنه قال: "إسناده صحيح ورجاله ثقات"، ثم تبين لي أن هذا من أوهامه؛ فإنَّ سلّام بن سليم أو سلم ليس هو أبا الأحوص الثقة كما ظنّ، وإنَّما هو الطويل كما أكّد ذلك ابن عدي في الكامل (١/ ٣٠١) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٩) والدارقطني (١/ ٢٢٠) والبيهقي (١/ ٣٤٣) بأنه هو الطويل أبو سليمان المدائني، قال فيه أحمد: روى أحاديث منكرة. وقال ابن معين: ضعيف لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث تركوه. وقال النسائي: متروك.
فمن لديه "المنة الكبرى" (١/ ٢٣٣) فليصحّح ذلك، ويجعله حديثًا ضعيفا.
٢ - باب كيفية غسل دم الحيض من الثوب
• عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: سألت امرأةٌ رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! أرأيتَ إحدانا إذا أصاب ثوبَها الدمُ من الحيضة، كيف تَصنَعُ؟ فقال
стр. 987
"لتَقرُصه، ثم لتَنضحه بماء، ثم لتُصَلِّي فيه".
متَّفقٌ عليه: رواه مالك في الطهارة (١٦٦ - رواية أبي مصعب الزهريّ) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير (زوج هشام)، عن أسماء، فذكرت الحديث. ومن طريقه البخاري في الحيض (٣٠٧) ومسلم في الطهارة (٢٩١).
وفي رواية عند البخاري (٢٢٧): "تحتُّه ثم تقرصُه بالماء وتنضحه وتصلي فيه". ووقع في بعض الروايات أن السائلة هي أسماء نفسها.
تنبيه:
وأما ما رواه يحيى اللّيثي في موطئه (١٠٣) عن مالك، وزاد بن هشام بن عروة وفاطمة بنت المنذر "عن أبيه" فهو وهم منه. انظر: التمهيد (٢٢/ ٢٢٩).
قلت: وكذلك رواه غير مالك عن هشام منهم: حماد بن زيد، وابن عيينة، ويحيي القطان، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو معاوية، ذكر ذلك ابن خزيمة في صحيحه (٢٧٥).
• عن عائشة قالت: كانت إحدانا تحيض، ثم تَقتَرِض الدمَ من ثوبها عند طُهرها، فتغسله وتنضحُ على سائره، ثم تصلي فيه.
وفي رواية: ما كان لإحدانا إلَّا ثوب واحد تحيض فيه؛ فإذا أصابه شيءٌ من دم قالت بريقها: فقصعته بظفرها.
صحيح: رواه البخاري في الحيض (٣٠٨) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ... فذكرتِ الحديثَ. والرواية الثانية في الحيض أيضًا (٣١٢) من طريق ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت عائشة .. فذكرتِ الحديثَ.
وفي سنن أبي داود (٣٥٨): "بلَّته بريقها، ثم قصعته بريقها".
والقصعة: شدة المضغ وضمّ بعض الأسنان إلى بعض.
وقولها: "تقترص الدم" أي: تغسله بأطراف أصابعها.
• عن أم قيس بنت محصن تقول: سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب قال: "حُكِّيه بضِلَع واغسِليه بماء وسِدرٍ".
صحيح: رواه أبو داود (٣٦٣) والنسائي (٢٩٢) وابن ماجه (٦٢٨) كلهم من طريق سفيان، عن ثابت بن هرمز أبي المِقدام، عن عدي بن دينار، عن أم قيس، فذكرت الحديث.
وإسناده صحيح. وثابت بن هرمز وثقه أحمد وابن معين. وعدي بن دينار وثقه النسائي، وهو مولى أم قيس بنت محصِن.
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٢٧٧) وابن حبان (١٣٩٥) كلاهما من هذا الوجهِ. وقال ابن القطان
стр. 988
في بيان الوهم الإيهام ٥/ ٢٨١: "هذا غاية في الصحة ... ولا أعلم لهذا الإسناد علة".
والحكّ: هو الحتُّ في حديث أسماء السابق ذكره عند البخاري في الرواية الثانية، والمراد به: إزالة العين.
وأمَّا إذا غسلتِ المرأةُ الدم فلم يذهب فلتُغيره بصفرة ورسٍ، أو زعفران. كما قالت عائشةُ، وهو صحيح من قولها رواه الدارمي (١٠١٤) عن أبي النعمان، ثنا ثابت بن يزيد، ثنا عاصم، عن معاذة العدوية، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح، وثابت هو الأحول من رجال الجماعة.
رواه أيضًا من طريق شعبة، عن يزيد الرِّشك قال: سمعتُ معاذة العدوية، عن عائشة قالت لها امرأة: الدمُ يكون في الثوب، فأغسله فلا يذهب فأقطعه؟ قالت: الماء طهور. وإسناده صحيح.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٥٧) من طريق أم الحسن - يعني جدة أبي بكر العدوي، عن معاذة قالت: سألتُ عائشة عن الحائض يُصيب ثوبها الدم قالت: تغسله، فإنَّ لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا. ففيه أم الحسن لا تُعرف، كذا قال الذهبي والحافظ ابن حجر.
٣ - باب المصلِّي يُصيبُ ثوبِّه الحائضَ
• عن ميمونة أنها كانت تكون حائضًا لا تصلي، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﷺ وهو يصلي على خمرته، إذا سجد أصابني بعض ثوبه.
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٣٣٣) ومسلم في الصلاة (٥١٣) كلاهما من طريق سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد قال: سمعتُ خالتي ميمونةَ .. فذكرت الحديث. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: "كان رسول الله ﷺ يُصلِّي وأنا حذاءه، وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد".
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يُصلِّي من الليل وأنا إلى جنبه، وأنا حائضٌ، وعليَّ مِرطٌ، وعليه بعضه إلى جنبه.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٥١٤) من حديث وكيع، ثنا طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، فذكرت الحديث.
والمِرط: كِساء. وفيه جواز الصلاة في ثوبٍ بعضه على المصلِّي وبعضه على حائض أو غيرها.
٤ - باب الصلاة في الثوب الذي بجامع أهله فيه
• عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقال: نعم، إذا لم ير فيه أذىً.
صحيح: رواه أبو داود (٣٦٦) والنسائي (٢٩٤) وابن ماجه (٥٤٠) كلهم من طريق الليث بن
стр. 989
سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سُوَيد بن قيس، عن معاوية بن خُديج، عن معاوية بن أبي سفيان، فذكر الحديث.
رجاله ثقات وإسناده صحيح. وفيه ثلاثة من الصحابة: معاوية بن خُديج، ومعاوية بن أبي سفيان، وأم حبيبة أم المؤمنين ﵃ أجمعين.
وقد صحّحه أيضًا ابن خزيمة (٧٧٦) وابن حبان (٢٣٣١) كلاهما من هذا الوجهِ.
٥ - باب كراهة الصلاة في شُعُرِ النساء
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شُعُرنا، أو في لُحفِنا.
صحيح: رواه أبو داود (٣٦٧) والترمذي (٦٠٠) والنسائي (٥٣٦٦) كلهم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، واللفظ لأبي داود، ولفظ الترمذي: "لا يصلي في لُحف نسائه"، ولفظ النسائي: "لا يصلي في لُحفنا"، قال سفيان بن حبيب: "ملاحفنا". وإسناده صحيح.
ورواه أيضًا أبو داود (٣٦٨) من وجه آخر عن حماد (بن زيد)، عن هشام بن حسَّان القُردوسي)، عن ابن سيرين، عن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يصلِّي في ملاحفِنا.
قال حماد (بن زيد): وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدًا عنه، فلم يحدثني. وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا، فسلوا عنه. كذا قال.
وأشعث بن عبد الملك ثقة، وإنه بين الواسطة بين محمد بن سيرين وعائشة بأنه عبد الله بن شقيق، والمتيقن لا يترك بالتردد.
ولذا قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الدارقطني: القول قول أشعث. أي: في وصله عن ابن سيرين.
قال الترمذي: وقد رُوِي عن النبي ﷺ رخصةٌ في ذلك.
وهو في الباب الذي قبله.
٦ - باب طهارة سؤر الحائض
• عن عائشة قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناولُه النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيّ فيشربُ، وأتعرّقَ وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فِيّ.
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٠٠) من طريق المِقدام بن شريحٍ عن أبيه، عن عائشة .. فذكرته.
وفي سنن أبي داود (٢٥٩): "كنت أتعرّق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ ، فيضع فمه في
стр. 990
الموضع الذي فيه وضعته".
والعظم العراق: بما عليه من اللحم، تريد إنِّي كنت أنتهشه وآخذ ما عليه من اللحم. قال الخطابي.
جاء في حاشية النسخة الهندية: "قولها: (أتعرق) - بفتح العين وسكون الراء - أي: آخذ اللحم من العرق بأسناني، وهو عظم أُخذ معظم اللحم منه، وبقيت عليه بقية".
٧ - باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها
• عن عبد الله بن سعد: قال سألت النبي ﷺ عن مؤاكلة الحائض فقال: "واكِلها".
حسن: رواه أبو داود (٢١٢) والترمذي (١٣٣) وابن ماجه (٦٥١) كلهم من حديث العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد، فذكر الحديث. وهذا لفظ الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن غريب.
أمَّا أبو داود؛ ففيه: عن عمِّهِ أنَّه سألَ رسول الله ﷺ : ما يحلُّ لي مِن امرأتي وهي حائضٌ؟ فقال: "لك ما فوق الإزار" وذكر مؤاكلة الحائض أيضًا .. وساق الحديثَ. انتهى. وإسناده حسن، رجاله ثقات غير حرام بن حكيم؛ فوثّقه العجلي والدارقطني، وضعَّفه غيره، غير أنه لا ينزل عن درجة "صدوق" ولا يرتقي عنها. وأمَّا الحافظ فقال: ثقة.
٨ - باب الاضطجاع مع الحائض في لِحاف واحدٍ
• عن زينب بنت أم سلمة، أنَّ أم سلمة حدثتها قالت: بينا أنا مع رسول الله ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حِضتُ، فانسلَلتُ فأخذت ثياب حِيضتي، قال: "أنُفِست؟ " قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخَميلة.
متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الحيض (٢٩٨) واللفظ له، ومسلم في الحيض (٢٩٦) كلاهما من حديث هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن زينب بنت أم سلمة، فذكرت الحديث.
وفي رواية ابن ماجه (٦٣٧) من وجه آخر عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: فقال لي رسول الله: تعالي فادخُلي معي في اللِّحاف".
قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
قوله: في خميصة - بفتح الخاء المعجمة وبالصاد المهملة - كساء أسود له أعلام يكون من صوف وغيره.
والخميلة: ثوب له خمل، أي: هدب.
• عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ يضطجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب.
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٢٩٥) من طريق ابن وهبٍ، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن
стр. 991
كريب مولى ابن عبَّاسٍ، قال: سمعت ميمونة .. فذكرت الحديثَ.
• عن عائشة قالت: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشِّعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيءٌ غسل مكانه، ولم يَعدُه، ثم صلَّى فيه، وإن أصاب - تعني ثوبه - منه شيءٌ غسل مكانه ولم يَعدُه، ثم صلَّى فيه.
حسن رواه أبو داود (٢٦٩) واللفظ له، والنسائي (٢٨٤، ٣٧٢) كلاهما من طريق يحيي (وهو ابن سعيد)، عن جابر بن صُبح قال: سمعت حِلاسًا الهجري قال: سمعتُ عائشة، فذكرت الحديث.
وفي لفظ النسائي: "ثم يعود؛ فإن أصابه مني شيءٌ فعل مثل ذلك، ولم يَعدُه وصلّى فيه".
وهذا إسناد حسن؛ فإن فيه جابر بن صُبح الراسبي أبا بشر البصري، قال فيه الحافظ: "صدوق". وقد وثَّقه ابن معين والنسائي وغيرهما.
وأمَّا حِلاس الهَجَري - وهو ابن عمرو البصري - فهو تابعي ثقة، وكان يرسل عن عمر وعثمان وعلي.
• عن أبي ميسرة، قال: قالت أم المؤمنين: كنت أتزر وأنا حائض، ثم أدخل مع رسول الله ﷺ في لحافه.
صحيح: رواه الدارمي (١٠٨٨)، والبيهقي (١/ ٣١٤) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: فذكره.
وإسناده صحيح، وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل الهمداني.
٩ - باب مباشرة الحائض
• عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتّزر في فور حَيضتِها، ثم يُباشرها قالت: وأيكم يملِكُ إربَه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربَه.
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٣٠٢) ومسلم في الحيض (٢٩٣) كلاهما من طريق علي بن مسهر، قال: أخبرنا أبو إسحاق - وهو الشيباني - عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة فذكرت.
• عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتَّزرت وهي حائض.
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٣٠٣) ومسلم في الحيض (٢٩٤) كلاهما من حديث الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد، قال: سمعت ميمونة قالت. وفي رواية مسلم: كان يُباشر نساءَه فوق الإزار وهن حُيّض.
стр. 992
• عن أنس أن اليهودَ كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يؤاكِلُوها ولم يُجامِعوهنّ في البيوت، فسأل أصحابُ النبي ﷺ النبي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٢٢] فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". فبلغ ذلك اليهودَ فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يَدَعَ من أمرنا شيئًا إلَّا خالَفَنا فيه. فجاء أسَيدُ بن حُضَير وعبّادُ بن بِشر فقالا: يا رسول الله! إن اليهودَ تقول: كذا وكذا؛ أفلا نُجامِعهنَّ؟ فتَغيَّر وجهُ رسول الله ﷺ حتى ظننّا أن قد وَجَدَ عليهما، فخَرَجا فاستقبلهما هديَّةٌ من لَبَنٍ إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فَعَرفا أن لم يَجِد عليهما.
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٠٢) من طريق ابن مهدي، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، ثنا ثابت، عن أنسٍ .. فذكره.
والنكاح بمعنى الجماع كما جاء التصريح في سنن النسائي (١/ ١٥٢).
ومن شاهده حديث عبد الله بن سعد الأنصاري في سنن أبي داود (٢١٢): سأل رسول الله ﷺ : ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: "لك ما فوق الإزار"، وذكر أيضًا مؤاكلةَ الحائضِ والوضوء من المذي. انظر: "باب الوضوء من المذي"، و"باب مؤاكلة الحائض". وانظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٢١٧).
• عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقي على فرجها ثوبًا.
صحيح: رواه أبو داود (٢٧٢) قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن أيوب، عن عكرمة ... فذكر مثله. وإسناده صحيح.
انظر أيضًا: حديث عبد الله بن سعد الأنصاري في "باب الوضوء من المذي".
وأما الحديث المشهور عن ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار، (سنن أبي داود: ٢٦٤) فهو معلول، والصواب أنه موقوف على ابن عباس.
وكذلك حديث عمر بن الخطاب أنه وقع على امرأته وهي حائض، فأتى النبي ﷺ فأمره أن يتصدق بخُمس دينار أو بنصف دينار، فهو معلول أيضًا.
انظر تفصيل ذلك في "المنة الكبرى" (١/ ٢١٨).
стр. 993
١٠ - باب جواز ترجيل الحائض رأس زوجها
• عن عائشة أنها قالت: كنت أرجِّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض.
وفي رواية عن عروة أنه سئل: أتخدمني الحائضُ أو تدنو مني المرأةُ وهي جنب؟ فقال عروة: كلُّ ذلك عليَّ هيِّنٌ، وكلُّ ذلك تخدمني، وليس على أحد في ذلك بأس؛ أخبرتني عائشة أنها كانت تُرجِّلُ - تعني - رأسَ رسول الله ﷺ وهي حائض، ورسولُ الله ﷺ حينئذ مجاور في المسجد، يُدني لها رأسَه وهي في حُجرتِها، فترجِّلُه وهي حائض.
متَّفقٌ عليه: أخرج الرواية الأُولى مالك في الطهارة (١٠٢) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ومن طريقه البخاري في الحيض (٢٩٥)، ورواه مسلم في الحيض (٢٩٧) من حديث أبي خيثمة، عن هشام به، وفيه: يُدني إليَّ رأسَه وأنا في حُجرتي؛ فأُرَجِّلُ رأسه وأنا حائض. والرواية الثانية أخرجها البخاري (٢٩٦). وفي رواية: أنها كانت ترجّل النبي ﷺ وهي حائض، وهو مُعتكِفٌ في المسجد، وهي في حجرتها؛ يناولها رأسه. وسيأتي في كتاب الصوم، باب الاعتكاف.
١١ - باب قراءة الرجل في حَجر امرأته وهي حائض
عن عائشة أن النبي ﷺ كان يتكيء في حَجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن.
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٢٩٧) ومسلم في الحيض (٣٠١) كلاهما من حديث منصور بن صفية، عن أمه صفية، عن عائشة، فذكرت الحديث.
١٢ - باب تناول الحائض شيئًا من المسجد
• عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "نَاوِليني الخُمرةَ" من المسجد. قالت قلت: إنِّي حائض، قال: "إن حَيضتَكِ ليست في يدك".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٢٩٨) من حديث الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عنِ القاسم بن محمد، عن عائشة .. فذكرته.
قولها: "من المسجد" قال أبو العباس القرطبي في المفهم (١/ ٥٥٨): "وقد اختُلف في هذا المجرور الذي هو "من المسجد" بماذا يتعلّق؟ فعلّقه طائفة بـ "ناوليني" واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تعرض لها ... وعلقته طائفة أخرى بقولها: "قال لي رسول الله ﷺ من المسجد: ناوليني الخمرة على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء، أنها لا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة ... ". قلت: والتفسير الثاني يدل عليه حديث أبي هريرة الآتي.
أي: أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد لتُنَاوِله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ -
стр. 994
أمرها أن تُخرجها من المسجد؛ لأنه ﷺ كان معتكفا، وكانت عائشة في حُجرتها وهي حائض؛ لقوله: "إن حيضَتك ليست في يدكِ"، فإنما خافت من إدخال يدها المسجد. ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى. انتهى. قاله القاضي عياض.
• عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: "يا عائشة! نَاوِلِيني الثوبَ". فقالت: إنِّي حائض، فقال: "إن حَيضَتكَ ليست في يدك". فناولته.
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٢٩٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة .. فذكر الحديث.
قوله: "إن حيضتك" - بفتح الحاء كما قال المحدثون، قال الخطابي: الصواب بالكسر، أي: الهيئة والحالة، وصوَّب القاضي عياض ما قاله المحدثون بخلاف حديث أم سلمة "فأخذتُ ثيابَ حِيضتي"؛ فإنَّ الصواب فيه الكسر. انتهى.
وفي الباب عن عائشة قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد فقال: "وجِّهُوا هذه البيوتَ عن المسجد"، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: "وَجِّهُوا هذه البيوتَ عن المسجد؛ فإني لا أحِلُّ المسجدَ الحائض ولا جنب".
رواه أبو داود (٢٣٢) قال: حدَّثنا مسدد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة، فذكرت الحديث. وصححه ابن خزيمة (١٣٢٧).
وقال الخطابي: وقد ضعَّفوا هذا الحديث، وقالوا: إن (أفلت) راويه مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه".
قلت: كذا قال في أفلت، وقد قال فيه الإمام أحمد: ما أرى به بأسًا.
وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الدارقطني: صالح. ولذا جعله الحافظ في مرتبة "صدوق". ولكن شيخته جسرة بنت دجاجة لم أجد من يعتمد على توثيقه غير العجلي وابن حبان. ولذا قال فيها الحافظ: "مقبولة" أي عند المتابعة، ولم أجد لها متابعة فهي لينة الحديث. قال البخاريّ: "عندها عجائب"، وقال البيهقي في "المعرفة": "إنّ هذا الحديث ليس بالقوي"، وقال في السنن (٢/ ٤٤٣): "إن صح فمحمول في الجنب على المكث فيه دون العبور بدليل الكتاب".
وكذلك حديث أم سلمة: "إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض" رواه ابن ماجه (٦٤٥) قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى، قالا: حدَّثنا أبو نعيم، ثنا ابن أبي غَنِيَّة، عن أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذُّهلي، عن جسرة قالت: أخبرتني أمُّ سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ صرْحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته، فذكرت الحديث. وفيه علتان:
стр. 995
أحداهما: أبو الخطاب؛ فإنه مجهول.
والثانية: محدوج الذُّهلي؛ فهو مجهول أيضًا؛ وقد تفرد بالرواية عنه أبو الخطاب الهجري.
وفي الإسناد علة أُخرى، وهي أن أفلت بن خليفة رواه عن جسرة، عن عائشة، كما سبق.
ورواه ابن أبي غنية، عن أبي الخطاب، عن محدوج الذُّهلي، عن جسرة، عن أم سلمة؛ فالذي يظهر أن مصدر الحديث واحد. وقد أشار إلى هذا ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٩٩) فقال: "قال أبو زرعة: يقولون عن جسرة، عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة"، وهذا يدل على أن الرواة لم يضبطوا، كما أنهم زادوا في لفظ الحديث: "إلَّا للنبي وأزواجه وعلي وفاطمة بنت محمد". ذكره ابن أبي حاتم في علله. وهذه الزيادة كما قال الحافظ ابن القيم وغيره موضوعة.
١٣ - باب جواز الاختضاب للحائض
عن معاذة أن امرأةً سألت عائشة قالت: تختضب الحائض؟ فقال: قد كنا عند النبي ﷺ ونحن نختضب، فلم يكن ينهانا عنه.
صحيح: رواه ابن ماجه (٦٥٦) قال: حدثنا محمد بن يحيى: ثنا حجاج: ثنا يزيد بن إبراهيم، ثنا أيوب، عن معاذة.
قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، وحجاج هو ابن المنهال، وأيوب هو السختياني. انتهى.
١٤ - باب النهي عن إتيان الحائضِ وعن إتيان المرأة في دبرها
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى حائضًا أو امرأةٌ في دبرها، أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد".
حسن: رواه أبو داود (٣٩٠٤) والترمذي (١٣٥) واللفظ له، وابن ماجه (١/ ٢٠٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة، عن أبي هريرة. وزاد أبو داود وابن ماجه بعد قوله: "كاهنا": فصدقه بما يقول".
قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلَّا من حديثِ حكيم الأثرم عن أبي تميمة، عن أبي هريرة، وضعَّف محمد (يعني البخاري) هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة اسمه: طريف بن مجالد. انتهى.
قلت: إسناده حسن؛ فإن حكيم الأثرم حسن الحديث، وثقه ابن المديني، وأبو داود. وقال النسائي: لا بأس به.
وأبو تميمة اسمه: طريف بن مجالد من رجال البخاري، وثقه ابن معين. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن عبد البر: هو ثقة حجة عند جميعهم.
стр. 996
وإنَّما ضعَّف البخاري هذا الحديث لسببين:
أحدهما: أن حكيمًا لا يتابع في حديثه، يعني هذا، وقد عرفت أن حكيمًا ثقةٌ، أو صدوقٌ فلا يضرّ عدم المتابعةِ له.
والثاني: أنه قال في "التاريخ الكبير" (٤/ ٦٧): "لا نعلم لأبي تميمة سماعًا من أبي هريرة".
وأبو تميمة ثقة غير مُدلِّس توفي عام (٩٥، وقيل ٩٧) ومات أبو هريرة عام (٥٨)، والمعاصرة تكفي الثبوت اللقاء إذا لم يكن الرجل مدلِّسًا على رأي الجمهور.
وقد نقل المُناوي عن الحافظ العراقي أنه قال في "أماليه": "حديث صحيح". وعن الذهبي أنه قال: "إسناده قوي". وقال في الكاشف: "حكيم الأثرم صدوق".
وروى الحاكم في المستدرك (١/ ٨) جزءًا من الحديث، وهو "من أتى كاهنا أو عرّافا فصدَّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " من حديث الحارث بن أبي أسامة، ثنا روح بن عبادة، ثنا عوف، عن خلاس ومحمد، عن أبي هريرة. وقال: صحيح على شرطهما جميعًا من حديث ابن سيرين.
وهو كما قال، إلَّا أن خلاسًا لم يسمع من أبي هريرة، ولكنه تابعه محمد بن سيرين، وهذه المتابعة تقوي بما قبله.
وللحديث شواهد عن عمر بن الخطاب، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلي بن طلق، وابن عباس، وغيرهم، ومن أهل العلم من ذهب إلى ضعف الحديث من أجل متنه، بحجة أن إتيان الحائض، أو إتيان المرأة في دبرها ليس بكفر، فأجيب بأن معنى الحديث عند أهل العلم التغليظ لهذا العمل، لا التكفير به.
قال الترمذي عقب تخريج الحديث: "فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة".
قلت: حديث الكفارة رواه أصحاب السنن عن ابن عباس وهو ضعيف.
١٥ - باب المرأة ترى الكُدرةَ والصُفرةَ بعد الطهر
• عن أم عطية قالت: كنّا لا نَعُدّ الكدرة والصفرةَ شيئًا.
صحيح: رواه البخاري في الحيض (٣٢٦) عن قتيبة: ثنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد، عن أمِّ عطيَّة .. فذكرته.
وفي سنن أبي داود (٣٠٧): كنا لا نعد الكُدرةَ والصفرةَ بعد الطهر شيئًا. وكانت أم عطية بايعت النبي ﷺ .
وبه بوّب البخاري قائلًا: باب الصفرةِ والكُدرةِ في غير أيام الحيض.
ويعني بذلك أن الكدرة والصفرة في أيام الحيضٌ حيضٌ جمعًا بينه وبين قول عائشة: لا تَعجلنَ حتَّى ترين القَصَّةَ البيضاء. فإنَّ النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدُّرجة فيها الكرسف، فيه الصفرةُ من
стр. 997
دمِ الحيضة، يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: "لا تعجلنَ حتَّى ترينَ القَصَّة البيضاء" تريد بذلك الطهر من الحيضة. رواه مالك في الطهارة (٩٧) عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة، عنها. وأورده البخاري في كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره. وفي سنده والدة علقمة، واسمها مرجانة، وهي "مقبولة".
والقَصَّة البيضاء - بفتح القاف وتشديد المهملة - هي: النورة، أي: تخرج القطنة بيضاء نقية لا يخالطها صفرةٌ. وفيه دلالة على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيضِ حَيضٌ وفي أيام الطُّهرِ طهرٌ.
وقولها: "لا نعُدّ" أي: في زمن النبي ﷺ ؛ فيكون له حكم الرفع، وعلى هذا مشى البخاري، وإن لم يصرّح الصحابي بذكر زمن النبي ﷺ ، وخالفه البعض؛ فلم يجعل له حكمَ الرفع، كالخطيب.
وقولها: "الكدرة والصفرة" أي: الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار.
وأم عطية: هي نُسيبة بنت كعب، وقيل: بنت الحارث الأنصارية، بايعت النبي ﷺ ، وكانت تغسل الميتات، وهي التي غسلت بنت رسول الله ﷺ .
١٦ - باب ما جاء في غسل المستحاضة وصلاتها وغشيان زوجها
• عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حُبَيش: يا رسول الله! إنِّي لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله: "إنَّما ذلك عرق، وليست بالحَيضة؛ فإذا أقبلت الحَيضةُ فاتُركِي الصلاة، فإذا ذهب قدرُها فاغسِلي عن الدم وصلِّي".
متَّفقٌ عليه: رواه مالك في الطهارة (١٠٤) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ومن طريقه البخاري في الحيض (٣٠٦) ومسلم في الحيض (٣٣٣). ورواه البخاري أيضًا مختصرًا في الحيض (٣٣١) ولفظه: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلّي"، وهو مختصر من قصة فاطمة المذكورة.
• عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تُهراقُ الدماء في عهد رسول الله
ﷺ ، فاستفتت لها أمُّ سلمة رسول الله ﷺ فقال: "لتنظر إلى عددِ الليالي والأيام التي كانت تحيضُهُنّ من الشَّهر قبل أن يُصِيبَها الذي أصابها؛ فلتتركِ الصلاةَ قدرَ ذلك من الشهر، فإذا خلَّفت ذلك فلتغتَسِل، ثم لتستنفر بثوب، ثم لتصلي".
صحيح: رواه مالك في الطهارة (١٠٥) عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. ومن طريق مالك رواه أبو داود (٢٧٤) والنسائي (٣٥٥).
وتابعه عبيد الله بن عمر فرواه عن نافع به، رواه النسائي (٣٥٤) وابن ماجه (٣٢٦).
стр. 998
وأعله البيهقي بالانقطاع بعد أن روى الحديث من جهة الشافعي عن مالك: "لفظ حديث الشافعي هذا حديث مشهور، أودعه مالك بن أنس في الموطأ، وأخرجه أبو داود في كتاب السنن، إلَّا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة". انتهى. "السنن الكبرى" (١/ ٣٣٣).
قلت: سليمان بن يسار ولد سنة ٣٤، وماتت أمُّ سلمة سنة ٦٤، وكان مُكاتبًا لها؛ فلا يبعد سماعه منها، وقد رَوَي عن ميمونة وعائشة وفاطمة بنت قيس وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة، وكان أحد الفقهاء السبعة، وقد اعتمد روايته مالك في الموطأ، عن نافع، وكذلك رواه أيوب السخيتاني عن سليمان بن يسار كما رواه مالك عن نافع سواء.
وكون الليث بن سعد وصخر بن جويرية وعبيد الله بن عمر أدخلوا بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلًا، وأحاديث هؤلاء أخرجه أبو داود والبيهقي لا يضرّ ما رواه نافع وأيوب؛ لما في إسناد هؤلاء من اضطراب، كما أنه من المحتمل أنه سمع منها أوَّلًا بالواسطة، ثم سمع منها مباشرة؛ فروى على وجهين، وهو أمر سائغ في رواية الحديث، واعتماد الشافعي وأبي داود يُقوي هذا الجانب.
وفي حديث أيوب السختياني: إن المرأة التي استفتت لها أم سلمة عن استحاضها هي فاطمة بنت أبي حُبَيش المذكورة في حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، على ما رواه مالك وغيره.
وحديث أيوب رواه أبو داود (٢٧٨) من طريق وُهَيب، والحميدي في مسنده (١/ ١٤٤ رقم ٣٠٢) قال: حدَّثنا سفيان، كلاهما عن أيوب السختياني، عن سليمان بن يسار، أنه سمعه يحدّث عن أم سلمة قالت: كانت فاطمة بنت أبي حُبَيش تستحاض، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "إنه ليس بالحيضة، ولكنه عِرق" وأمرها أن تدع الصلاة قدر أَقرائها، أو قدر حيضتها، ثم تغتسل؛ فإن غلبها الدمُ استنفرت بثوب وصلَّت، لفظ الحميدي. ورواه ابن عبد البر من طريق محمد بن إسماعيل بن يوسف، عن الحميدي. "الاستذكار" (٣/ ٢٣٥).
والاستثفار: أن يَشُدَّ ثوبًا تحتجز به، يُمسك موضع الدم ليمنع السيلان، وهو مأخوذ من الثفر.
• عن عائشة قالت: استفتت أمُّ حبيبة بنت جحش - ختنةُ رسول الله ﷺ ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف - رسول الله ﷺ فقالت: إنِّي أستحاض، فقال: "إنَّما ذلك عِرْق، فاغتسلي ثم صَلّي". فكانت تَغتَسِلُ عند كلِّ صلاةٍ.
قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب الزهري أن رسول الله ﷺ أمر أمَّ حبيبةَ بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيءٌ فعلته هي.
وفي رواية: أُستحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق؛ فاغتسلي وصلِّي".
قالت عائشة: فكانت تغتسل في مِركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتَّى
стр. 999
تعلُو حمرةُ الدمِ الماءَ.
قال ابن شهاب: فحدّثت بذلك أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: يرحم الله هندًا! لو سمعت بهذه الفتية، والله! إن كانت لتبكي لأنها كانت لا تصلي.
وفي رواية: قال لها رسول الله ﷺ : "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتُكِ، ثم اغتسلي وصلِّي".
متَّفقٌ عليه: هذه الروايات كلها أخرجها مسلم في الحيض (٣٣٤)، ورواه البخاري في الحيض (٣٢٧) مختصرًا: أن أم حبيبة اُستحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل فقال: "هذا عرق"، فكانت تغتسل لكل صلاة.
وفي سنن أبي داود (٣٨١): "فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها".
• عن عروة بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حُبَيش أنها أمرت أسماءَ، أو أسماءُ حدثتني أنها أمرتها فاطمةُ بنت أبي حُبَيش أن تسأل رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل.
حسن: رواه أبو داود (٢٨١) قال: حدَّثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن سهيل - يعني ابن أبي صالح - عن الزهري، عن عروة بن الزبير، فذكر الحديث.
وإسناده حسن ورجاله ثقات غير سهيل بن أبي صالح، إلَّا أنه صدوق، قال أبو حاتم: يكتب حديثه.
وأسماء هذه هي أسماء بنت عميس كما في رواية أبي داود (٢٩٦).
إلَّا أن سياق هذا الحديث يختلف، وسيأتي.
ثم قال أبو داود: ورواه قتادة، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، أن أم حبيبة بنت جحش اُستحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تدع الصلاة أيامَ أقرائها، ثم تغتسل وتُصلي.
قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا. وزاد ابن عيينة في حديث الزهري، عن عَمرة، عن عائشة أن أم حبيبة كانت تُستحاض، فسألتِ النبي ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها.
قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة، ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري، إلَّا ما ذكر سهيل بن أبي صالح، وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه: "تدع الصلاة أيام أقرائها" انتهى.
قلت: ليس هناك فرق في معنى الحديث، وأما الفرق في ألفاظ الحديث، ولعل أبا داود قصد بذلك اهتمام المحدثين بضبط لفظ الحديث؛ يتضح ذلك جليًّا فيما ذكره أبو داود نفسه في الباب الذي يليه. انظر الحديث (٢٨٥).
وأمَّا وطء الرجل زوجته المستحاضة فلم يثبت فيه شيءٌ مرفوعًا.
стр. 1000
وما رواه أبو داود (٣٠٩) من حديث عكرمة قال: كانت أم حبيبة تُستحاض، فكان زوجها يغشاها، وكذلك ما رواه أيضًا (٣١٠) من حديث عكرمة، عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها.
فقد قال المنذري: "في سماع عكرمة من أم حبيبة وحمنة نظر، وليس فيها ما يدل على سماعه منهما".
وكذلك قال البيهقي (١/ ٣٥١) عكرمة عن أم حبيبة منقطع.
وعلى تقدير سماعه منهما فإنَّ الحديث موقوف، وفي أحد طرقه مُعلَّى بن منصور، كان أحمد بن حنبل لا يروي عنه؛ لأنه ينظر في الرأي.
وعكرمة هو: أبو عبد الله البربري المدني مولى ابن عباس.
فمن أخذ بالحديث الموقوف جوّز غشيان المستحاضة؛ لأنها في حكم الطاهرات في أكثر الأحكام، وهو رأي الجمهور كالشافعي ومالك والثوري.
وقال أحمد: لا يأتيها إلَّا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه: إلَّا إذا خاف زوجها العنت (الزنا).
ومن منع إتيان المستحاضة، علّل بالأذى الذي ذكره الله في إتيان الحائض في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. [سورة البقرة: ٢٢٢].
وممن منع إتيان المستحاضة عائشةُ، وإبراهيمُ النخعي، وابن سيرين وغيرهم
فائدة:
أسماء النساء المستحاضات في زمن النبي ﷺ :
- زينب بنت جحش أم المؤمنين.
- سودة بنت زمعة أم المؤمنين.
- أم سلمة بنت أبي أمية، أم المؤمنين.
- حمنة بنت جحش.
- أم حبيبة بنت جحش.
- أسماء بنت جحش.
- فاطمة بنت أبي حُبَيش، واسم أبي حُبَيش: قيس.
- سهلة بنت سهيل.
- أسماء بنت مرثد.
- بادية بنت غيلان.
١٧ - باب ما جاء أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة
• عن زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تُهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن
стр. 1001
ابن عوف! أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي.
صحيح: رواه أبو داود (٢٩٣) قال: حدَّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، ثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة، فذكرت الحديث.
وإسناده صحيح. والحسين هو ابن ذكوان المعلم ثقة؛ وثّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وابن حبان وابن سعد والعجلي وغيرهم، وقال فيه يحيى بن سعيد القطان: فيه اضطراب.
ورواه أيضًا أبو داود فقال: وأخبرني - عطفا على قوله عن أبي سلمة، أي: قال يحيى بن أبي كثير وأخبرني - أبو سلمة أن أم بكر أخبرته أن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال في المرأة التي ترى ما يريبها بعد الطهر: "إنَّما هي" أو قال: "إنَّما هو عرق" أو قال: "عروق".
ورواه أيضًا ابن ماجه (٦٤٦) والدارمي (٩٣٥) بإسنادهما عن يحيى بن أبي كثير به نحوه. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
قلت: ليس كما قال؛ فإنَّ فيه أم يكر، لم تلق عائشة وهي مجهولة.
ثم قال أبو داود: وفي حديث ابن عقيل الأمران جميعًا، وقال: "إن قويت فاغتسلي لكل صلاة، وإلا فاجمعي" كما قال القاسم في حديثه. وقد رُوي هذا القولُ عن سعيد بن جبير، عن علي وابن عباس ﵄. انتهى.
١٨ - باب ما جاء في المستحاضة تجمع بين الصلاتين بغُسلٍ واحدٍ
• عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حُبَيش اُستحيضتْ منذ كذا وكذا؛ فلم تصلّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! إن هذا من الشيطان، لتجلس في مِركن، فإذا رأت صفرةً فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غُسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا وأحدًا، وتتوضأ فيما بين ذلك".
حسن: رواه أبو داود (٢٩٦) قال: ثنا وهب بن بقية، ثنا خالد بن عبد الله) عن سهيل - يعني ابن أبي صالح - عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، فذكرت الحديث.
وإسناده حسن ورجاله ثقات غير سهيل بن أبي صالح، إلَّا أنه صدوق، كما مضى.
قال أبو داود: رواه مجاهد، عن ابن عباس: لما اشتدّ عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين. قال أبو داود: ورواه إبراهيم عن ابن عباس، وهو قول إبراهيم النخعي وعبد الله بن شدَّاد. انتهى.
• عن حَمْنة بنت جَحْش قالت: كنتُ أُستحاضُ حيضةً كثيرة شديدةً، فأتيتُ
стр. 1002
رسولَ الله ﷺ أستفتيه وأُخْبره، فوجدته في بيت أختي زينبَ بنتِ جَحْشٍ، فقلت: يا رسول الله! إنِّي امرأة أُستحاضُ حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم! فقال: "أنْعَتُ لكِ الكُرْسُفَ؛ فإنه يُذْهِبُ الدمَ". قالت: هو أكثر من ذلك! قال: "اتّخذِي ثوبًا" قالت: هو أكثر من ذلك! إنَّما أثجُّ ثجًّا. قال رسول الله ﷺ : "سآمرك بأمرين أيَّهما فعلتِ أجزأ عنك من الآخر، وإن قويتِ عليهما فأنت أعلم"، قال لها: "إنَّما هذه رَكْضةٌ من رَكضاتِ الشيطان، فتحيَّضي سِتّة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغْتَسِلي، حتَّى إذا رأيت أنك قد طهُرتِ واستنقأتِ فصَلِّي ثلاثًا وعشرين ليلة، أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامَها، وصُومي؛ فإنَّ ذلك يُجزيك، وكذلك فافعلِي في كل شهر كما تحيض النساءُ، وكما يَطْهُرنَ ميقات حَيضهن وطُهْرِهن، وإن قويت على أن تُؤَخِّري الظهرَ وتُعَجِّلي العصرَ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهرَ والعصرَ، وتُؤخِّرين المغربَ وتُعَجِّلين العشاء، ثم تَغْتَسِلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتَغْتَسِلين مع الفجر فافعلي، وصُومي إن قدرتِ على ذلك". قال رسول الله ﷺ : "وهذا أعجبُ الأمرين إليّ".
حسن: رواه أبو داود (٢٨٧) والترمذي (١٢٨) وابن ماجه (٦٢٢، ٦٢٧) كلهم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عَمِّه عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنة بنت جَحْش فذكرته، واللفظ لأبي داود.
واختصره غيره، وجعله ابن ماجه عن أم حبيبة بنت جحش، ولفظه: قالت: كنتُ أستحاض حيضة كثيرة طويلة، قالت: فجئت إلى النبي ﷺ أستفتيه وأخبره، قالت: فوجدته عند أختي زينب، قالت: قلت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجةً، قال: "وما هي؟ أي هَنَتَاه"، قلت: إنِّي أُستحاضُ حيضةً طويلةً كبيرةً، وقد منعتني الصلاةَ والصوم؛ فما تأمرني فيها؟ قال: "أنْعتُ لكِ الكُرْسُفَ؛ فإنه يُذهِب الدمَ" قلت: هو أكثر. فذكر نحو حديث شريك. انتهى.
قلت: حديث شريك الذي أحال إليه ابن ماجه رواه هو (برقم ٦٢٥) قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن موسى، قالا: حدَّثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "المستحاضة تَدَعُ الصلاة أيام أقْرائها، ثم تَغْتسِلُ وتوضأ لكل صلاة، وتصومُ وتُصلِّي". وإسناده ضعيف لضعف شريك وشيخه أبي اليقظان.
وسيأتي ذكره في آخر باب في كتاب الحيض.
و"هنتاه": قال الجوهري: هذه اللفظة تختص بالنداء.
والكُرسُف: القطن.
стр. 1003
قال الترمذي عن حديث حَمنة: حسن صحيح.
قلت: الصواب أنه حسن فقط، فقد اختلف في عبد الله بن محمد بن عقيل؛ فضعفه يحيى بن معين. ووثّقه العجلي فقال: مدني تابعي جائز الحديث. وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بآخره".
ولما قال ابن منده: "حديث منة لا يصح عندهم من وجه من الوجوه؛ لأنه من رواية ابن عقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه" ردّ عليه ابن التركماني قائلًا: "واعلم أن هذا من ابن منده عجيب؛ فإنَّ أحمد وإسحاق والحميدي كانوا يحتجون بحديثه، وحسن البخاري حديثه، وصحّحه ابن حنبل والترمذي كما تقدم، وقد ذكرنا فيما مضى أن الترمذي صحّح في أبواب الفرائض حديثًا آخر وحسنه، وفي سنده ابن عقيل". "الجوهر النقي" (١/ ٣٣٩).
ولكن شكّ البخاري في سماع ابن عقيل من إبراهيم؛ فأجاب ابن التركماني: بأن ابن عقيل سمع من ابن عمر وجابر وأنس وغيرهم، وهم نظراء شيوخ إبراهيم، فكيف يُنكر سماعه منه. انتهى. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٢٢٧ - ٢٢٩).
وقوله: "ركضة من ركضات الشيطان" قال الخطابي: "أصل الركض الضرب بالرِّجل، والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتصيب برجلها. ومعناه - والله أعلم -: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها حتَّى أنساها ذلك؛ فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته. وإضافة النسيان في هذا إلى فعل الشيطان كما هو في قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [سورة يوسف: ٤٢] وكقول النبي ﷺ : "إن أنساني الشيطانُ شيئًا من صلاتي فسَبِّحوا" أو كما قال، أي: إن لبَّس عليَّ". (معالم السنن: ١/ ٨٩).
١٩ - باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة
• عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! إنِّي امرأة أُستحاضُ فلا أطْهر؛ أفأدعُ الصلاةَ؟ قال: "لا؛ إنَّما ذلك عِرقٌ، وليستْ بالحيضة، فإذا أقبلت حيضتكِ فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرتْ فاغْسِلي عنكِ الدمَ ثمَّ صلِّي".
قال: وقال أبي: ثمَّ توضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتَّى يجيء ذلك الوقت.
متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢٢٨) عن محمد، قال: ثنا أبو معاوية، ومسلم (٣٣٣) عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، مقرونًا بعبد العزيز بن محمد. ومن طرقٍ أُخرى كلُّهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة .. فذكرت الحديثَ. واللفظ للبخاري. ومحمد هذا غير منسوبٍ، ولأبي ذرٍّ: "هو ابن سلام".
стр. 1004
وقوله: "قال" أي: هشام بن عروة. وقوله: "قال أبي" أي: عروة بن الزبير.
فاختلف أهل العلم في هذا الجزء من الحديث؛ هل هو متصل أم معلق؟ فذهب الزيلعي وغيره إلى أنه معلق، وذهب الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٣٣٢) إلى أنه متصل، قال رحمه الله تعالى: "وادعى بعضُهم أن هذا معلق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكور عن محمد، عن أبي معاوية، عن هشام. وقد بيّن ذلك الترمذي في روايته. وادّعى آخر أن قوله "ثم توضّئي" من كلام عروة موقوفًا عليه. وفيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال: "ثم تتوضأ" بصيغة الإخبار، فلما أتي بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع وهو قوله: "فاغتسلي" انتهى.
هذا كلام جيد، وأبو معاوية لم ينفرد برواية زيادة قوله: "توضّئي ... " بل تابعه غيره، وإن كان أهل العلم قد اختلفوا في هذه الزيادة. انظر: كلام الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي.
ورواه أبو داود (٢٩٨) وابن ماجه (٦٢٤) كلاهما من حديث وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة .. وفيه: "أجتنبي الصلاة أيام محيضكِ، ثمَّ اغتسلي وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ وإن قطر الدم على الحصيرِ".
وحبيب بن أبي ثابت ثقةٌ، وثقه ابن معين، والنسائي، إلَّا أنَّه كان كثير الإرسال والتدليس. وقد يقال: إنَّه لم يسمع من عروة.
وضعَّف هذا الإسناد أبو داود كما سيأتي.
وذهب أكثر الفقهاء إلى أنَّ المستحاضة تتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ.
• عن فاطمة بنت أبي حُبَيش أنها كانت تُستحاض، فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دمُ الحيضة - فإنه دم أسود يُعرف - فإذا كان ذلك فأمْسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضّئِي وصَلِّي؛ فإنما هو عرق".
حسن: رواه أبو داود (٢٨٦) قال: حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا محمد بن أبي عدي، عن محمد - يعني ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حُبَيش، فذكرت الحديث.
قال أبو داود: وقال ابن المثنى: حدَّثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا، ثم حدَّثنا به بعدُ حفظًا، قال: حدَّثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن فاطمة كانت تُستحاض، فذكر معناه. فرجع الحديث إلى مسند عائشةَ.
ورجاله ثقات غير محمد بن عمرو بن علقمة؛ فإنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
وأمَّا حديث عدي بن ثابت عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ : "تدعُ الصلاةَ أيام أقْرائِها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضَّأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) وابن ماجه (٦٢٥) كلهم من طريق شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت.
стр. 1005
قال الترمذي: هذا حديث قد تفرد به شريك، عن أبي اليقظان. وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقلت: علي بن ثابت، عن أبيه، عن جده؛ جدّ عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: إن اسمه (دينار) فلم يعبأ به.
وقال أبو داود: حديث عدي بن ثابت والأعمش، عن حبيب وأيوب أبي العلاء كلها ضعيفة لا تصح. انتهى.
قلت: علته شريك، وهو ابن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، قال ابن معين: ثقة يغلط. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة سيئ الحفظ. والخلاصة كما قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدعة.
وأبو اليقظان هو عثمان بن عُمير - بالتصغير - الكوفي الأعمى: ضعيف اختلط، وكان يدلس ويغلو في التشيع" التقريب.
انظر للمزيد: "المنة الكبرى (١/ ٢٢٥).
• * *
стр. 1006
٧ - كتاب الوضوء
١ - باب إيجاب النية للوضوء
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
• عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
متَّفقٌ عليه: رواه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧)، كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص الليثي قال: سمعت عمر بن الخطاب، فذكر الحديث.
وبه بوّب ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٧٣) قائلًا: "باب إيجاب إحداث النية".
واشتراط النية في الوضوء مذهب جمهور أهل العلم منهم مالك والشافعي وأحمد.
٢ - باب التسمية في الوضوء
• عن أنس قال: طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءًا، فقال رسول الله ﷺ : "هل مع أحدٍ منكم ماءٌ؟ ". فوضع يده في الماء ويقول: "توضئوا باسم الله"، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه حتَّى توضئوا من عند آخرهم. قال ثابت: قلت لأنس: كم تراهم؟ قال: نحوًا من سبعين.
صحيح: رواه النسائي (٧٨) وأحمد (١٢٦٩٤) كلاهما من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٢٠٥٣٥) - قال: حدَّثنا معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس فذكر مثله. وصحّحه ابن خزيمة (١٤٤) فأخرجه من طريق عبد الرزاق به.
واستدل به النسائي وابن خزيمة على مشروعية التسمية عند الوضوء وبوّبا به. وأصل القصة في الصحيحين بدون ذكر التسمية وسيأتي في معجزات النبي ﷺ .
وقال البيهقي بعد أن أخرج الحديث: "إنه أصح ما في التسمية" السنن الكبرى (١/ ٤٣).
وأما ما رُوي عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وأسماء بنت سعيد بن زيد عن أبيها من قول النبي ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، فكلها معلولة؛ ولذا قال الإمام أحمد بن حنبل: "لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيّد".
وقال أحمد بن حفص السّعدي: "سئل أحمد عن التّسمية في الوضوء فقال: لا أعلم فيه حديثًا
стр. 1007
يثبت. أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن رُبيح (وهو ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ)، ثم ذكر رُبيحا - أي: من هو؟ ومن أبوه؟ يعني: الذي روى حديث سعيد بن زيد أنهم مجهولون، وضعَّف إسناده. المغني (١/ ١٤٦).
وقال ابن ملقِّن: "هذا الحديث مشهورٌ، وله طرقٌ متكلَّم في كلِّها".
انظر: "البدر المنير" (٢/ ٦٩).
وقال الإمام البخاري: "أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن".
قلت: هذا حديث رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه الترمذي (٢٥) من طريق بشر بن المُفضَّل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثِفال المُرّي، عن رباح، ثم رواه أيضًا (٢٦) من وجه آخر عن يزيد بن عياض، عن أبي ثفال المُرّي به، ولم يذكر لفظ الحديث، وإنما أحال على الحديث السابق. ورواه أيضًا ابن ماجه (٣٩٨) من طريق يزيد بن عياض به، وزاد في أول الحديث: "لا صلاة لمن لا وضوء له".
ومداره على أبي ثفال وهو: ثُمامة بن وائل بن حُصين المُرِّي بضم الميم ثم راء - مشهور بكنيته، قال فيه البخاري: في حديثه نظر. وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٥٧ - ١٥٨) وبعد ما ذكر الحديث قال: "ولكن في القلب من هذا الحديث؛ لأنه قد اختلف على أبي ثفال فيه".
وفي إسناد ابن ماجه أيضًا يزيد بن عياض الليثي أبو الحكم المدني نزيل البصرة كذّبه مالك وغيره، وضعّفه ابن المديني والدارقطني. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث. إلَّا أن الترمذي رواه من طريق عبد الرحمن بن حرملة.
أما رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان نفسه فلم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول"؛ أي: إذا توبع، وإلا فلين الحديث.
فإذا كان هذا حال حديث رباح بن عبد الرحمن الذي قال فيه الإمام البخاري: "أحسن شيء في هذا الباب" فما بال أحاديث غيره، إلَّا أن بعض أهل العلم يرون أن مجموع الشواهد يجعل الحديث حسنًا لغيره. انظر تخريج هذه الأحاديث في نصب الراية (٢/ ٦٤ - ٦٦).
قال المنذري في الترغيب والترهيب: "ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة".
ولذا قال الإمام أحمد في رواية أنها واجبة، وحكى الترمذي عن إسحاق بن راهويه: "إنْ تركها عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأوِّلًا أجزأه".
انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٣٤، ١٣٥).
стр. 1008
٣ - باب وجوب الطهارة للصلاة
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة ٦].
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تُقبل صلاةُ أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضأ".
متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري في الوضوء (١٣٥) وفي كتاب الحِيَل (٦٩٥٤) واللفظ له ومسلم في الطهارة (٢٢٥) وفي رواية عند البخاري: فقال رجلٌ من حضرموت: ما الحَدَثُ يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ أو ضُراط.
• عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غُلول".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٢٤) وفيه: عن مصعب بن سعد قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر! قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول، فذكر الحديث، ثم قال له: كنتَ على البصرة.
"فمعناه أنك لست بسالم من الغلول، فقد كنتَ واليًا على البصرة، وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدعاء لمن كان هذه صفته، كما لا تُقبل الصلاة والصدقة إلَّا من مُتَصوِّنٍ".
"والظاهر - والله أعلم - أن ابن عمر قَصَد زجْرَ ابنِ عامر، وحثَّه على التوبة، وتحريضَه على الإقلاع عن المخالفات، ولم يُرِدِ القَطْعَ حقيقةً بأن الدعاء للفُساق لا ينفع؛ فلم يَزَلِ النبي ﷺ والسلف والخلف يدعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة". كذا في شرح مسلم للنووي.
• عن ابن عباس قال: كُنَّا عند رسول الله ﷺ فأتى الخلاءَ، ثم إنه رجع فأُتِيَ بطعام. فقلت: يا رسول الله! ألا تتوضأ؟ فقال: "لِمَ؟ أَأُصَلِّي فأتوضأ؟ ".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٧٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عينية، عن عمرو بن دينار، سمع سعيد بن الحُوَيْرِث يقول: عن ابن عباس فذكر مثله. ورواه البيهقي أيضا في سننه (١/ ٤٢) واللفظ ما.
ورواه أصحاب السنن غير ابن ماجه - أبو داود (٣٧٦٠) والترمذي (١٨٤٧) والنسائي (١٢٣) كلهم من طريق ابن عُلية، قال: حدَّثنا أيوب، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من الخَلاء فقُرِّب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوَضوءٍ؟ ، فقال: "إنما أُمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة".
وقد صحّحه ابن خزيمة (٣٥) فرواه من طريق ابن عُلية وهو إسماعيل.
стр. 1009
قال الترمذي: حسن.
• وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدقة من غُلول".
حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (١/ ١٣٣ رقم ٢٥٢) عن محمد بن مسكين، ثنا يحيى بن حسَّان، ثنا سليمان، عن كثير، عن الوليد، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البزار: "لا نعلمه يُروي عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، وقد رواه عن كثير غير سليمان".
قلت: ومن غير سليمان: ما رواه عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد به مثله. رواه ابن خزيمة (١/ ٨ رقم ١٠) من طريق أبي عمار الحسن بن حُرَيْث، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم به.
وكثير بن زيد الأسلمي قال فيه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٢٧): "وثقه ابن حبان وابن معين في رواية. وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين. وضعّفه النسائي. وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: ثقة" انتهى.
قلت: هو من رجال التهذيب، أخرج عنه أصحاب السنن غير النسائي، واختلف فيه قول ابن معين، فرواه عبد الله بن الدورقي عنه: ليس به بأس، ورواه معاوية بن صالح وغيره عنه: صالح، ورواه ابن أبي خيثمة عنه: ليس بذاك. وممن ضعّفه أيضًا يعقوب بن شيبة، فقال: ليس بذاك الساقط وإلى الضعف ما هو. وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوي يكتب حديثه.
وأما الإمام أحمد فقال فيه: "ما أرى به بأسًا".
وقال ابن عدي: تُروَى عنه نُسَخ، ولم أر به بأسًا، وأرجو أنه لا بأس به.
وخلاصة القول فيه أنه يُحسن حديثه، وقد قال فيه الحافظ: "صدوق يخطئ". وأرجو أنه لم يخطئ في هذا؛ لشواهده، وقد رواه ابن خزيمة (٩) بإسناد آخر من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر الحديث بمثله.
• عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلول".
صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٦) قال: حدَّثنا عبد العلي بن أحمد بن عبد الله بن الفضل الحميدي، ورجاء البزار، قالا: ثنا بن الحباب، ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي السوار العدوي، عن عمران بن حصين، فذكر الحديث.
وأبو السوار العدوي اسمه: حسَّان بن حُرَيْث، وقيل بالعكس، وقيل غير ذلك، إلَّا أنه مشهور بكنيته، وهو ثقة من رجال الشيخين.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٢٨): رجاله رجال الصحيح.
стр. 1010
• عن أُسامة بن عُمير الهُذَلي، عن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله صدقةً من غُلول، ولا صلاةً بغير طُهور".
صحيح: رواه أبو داود (٥٩) والنسائي (١٣٩) وابن ماجه (٢٧١) كلهم من طريق قتادة، عن أبي المَليح بن أسامة، عن أسامة بن عُمير الهُذَلي، فذكر الحديث.
رجاله ثقات وإسناده صحيح.
وأبو المَليح: هو عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد بن أسامة بن عمير، وثقه أبو زرعة وغيره، وروى له الجماعة.
وفي هذا المعنى رُوي عن غير هؤلاء، ولكن كلها معلولة.
• عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطُهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
حسن: رواه أبو داود (٦١) والترمذي (٣) وابن ماجه (٢٧٥) كلهم من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
قلت: إسناده حسن للكلام في عبد الله بن محمد بن عقيل، غير أنه حسين الحديث.
قال النووي في "المجموع" (٣/ ٢٨٩): "رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح" وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢١٦): "وصحّحه الحاكم وابن السكن".
قال الترمذي: هذا الحديث أصحّ شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد (البخاري): وهو مقارب الحديث. انتهى كلام الترمذي.
ومحمد ابن الحنفية هو: محمد بن علي بن أبي طالب، نسب إلى أمه: خولة بنت جعفر الحنفية، من بني حنيفة.
ثم قال الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها (٢٣٨) بعد أن روى حديث أبي سعيد الخدري: "حديث علي بن أبي طالب في هذا أجود إسنادًا وأصحّ من حديث أبي سعيد، وقد كتبناه في أول كتاب الوضوء".
وقال عن حديث أبي سعيد: "حديثٌ حسن صحيح" انتهى.
والصواب أن حديث أبي سعيد ضعيف؛ فقد أخرجه هو في الموضع المشار إليه أعلاه، وابن ماجه (٢٧٦) كلاهما من طريق أبي سفيان طريف بن شهاب، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد مرفوعًا، ولفظه: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، وزاد الترمذي: "ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورةٍ في فريضة أو غيرها".
стр. 1011
وأبو سفيان طريف بن شهاب السعدي ضعيف؛ فقد ضعّفه ابن معين وأبو حاتم، وقال البخاري: ليس بالقوي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث.
وأما ما رواه الحاكم (١/ ١٣٢) من طريق سعيد بن مسروق الثوري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به مثله وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم" فيبدو أنه وقع خطأ في الطباعة، لأنه يقول عقبه: وشواهده عن أبي سفيان عن أبي نضرة كثيرة. فقد رواه أبو حنيفة وحمزة الزيات وأبو مالك النخعي وغيرهم عن أبي سفيان" ولم يسبق ذكر أبي سفيان أصلًا. فذكر سعيد بن مسروق الثوري خطأ من الناسخ أو من الطابع وإنما هو أبو سفيان، وكون الذهبي ذكر في تلخيصه أيضًا سعيد بن مسروق فإما أن يكون هو الآخر من وهم لوجوده في نسخة الحاكم هكذا، أو أن المصححين أثبتوه ليكون موافقًا لما في الأصل. وممن أخرج حديث أبي سعيد من طريق أبي سفيان المذكور الدارقطني (١/ ٣٥٩) من شيوخ الحاكم إلَّا أنه لم يذكر الواسطة بينه وبين أبي سعيد وهو أبو نضرة. وأما الزيلعي فتجاهل ذكر سعيد بن مسروق أو أبي سفيان وإنما نقل قول الحاكم: "وحديث عبد الله بن عقيل عن ابن الحنفية عن علي أشهر إسنادًا، لكن الشيخين أعرضا عن ابن عقيل أصلًا" وهذا يدل على أن الطريق الذي رواه الحاكم هو الذي فيه أبو سفيان، ولو كان سعيد بن مسروق لجعله متابعًا له، وقوَّى أمره، والحمد لله على توفيقه.
٤ - باب ما جاء في ثواب الطهور
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كلُّ خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء، (أو مع آخر قطر الماء)، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كلُّ خطيئةٍ بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء)، فإذا غسل رجليه خرجت كلُّ خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء)، حتَّى يخرج نقيًّا من الذنوب".
صحيح: رواه مالك في الطهارة (٣١) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ومن طريقه رواه مسلم في الطهارة (٢٤٤).
• عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء خرجَتْ خطاياه من جسدِه، حتَّى تخرج من تحت أَظْفاره".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٤٥) عن محمد بن معمر بن ربعي، حدَّثنا أبو هشام المخزومي، عن عبد الواحد، (وهو ابن زياد) حدَّثنا عثمان بن حكيم، حدَّثنا محمد بن المنكدر، عن حُمْران، عن عثمان بن عفان .. فذكر الحديث.
• عن حُمْران مولى عثمان قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء، فتوضأ ثم قال:
стр. 1012
إن ناسًا يتحدَّثون عن رسول الله ﷺ أحاديث لا أدري ما هي؟ إلَّا أنِّي رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ هكذا غُفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٢٩) عن قتيبة بن سعيد، وأحمد بن عبدة الضبِّي، ثنا عبد العزيز - وهو الدراوردي -، عن زيد بن أسلم، عن حُمْران مولى عثمان .. فذكره.
• عن إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: حدثني أبي، عن أبيه قال: كنت عند عثمان بن عفان، فدعا بطهور فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيُحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلَّا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم يُؤت كبيرةً، وذلك الدهرُ كله".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٢٨) عن عبد بن حميد، وحجاج الشاعر، كلاهما عن أبي الوليد: حدَّثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص به.
• عن حُمْران بن أبان قال: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتي عليه يومٌ إلَّا وهو يفيض عليه نُطفةً. وقال عثمان: حدَّثنا رسول الله ﷺ عند انصرافنا من صلاتنا هذه - قال مِسعر: أراها العصر - فقال: "لا أدري أُحدِّثكم بشيء أو أسكت"، فقلنا: يا رسول الله! إن كان خيرًا فحدَّثنا، وإن كان غيرَ ذلك فالله ورسوله أعلم، قال: "ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كتب الله عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلَّا كانت كفارات لما بينها".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٣١) عن أبي كُرَيب محمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم جميعًا، عن وكيعٍ. قال أبو كريب: حدَّثنا وكيع، عن مسعر، عن جامع بن شدَّاد، قال: سمعت حُمْران .. فذكر مثله.
• عن حُمْران مولى عثمان قال: توضأ عثمان يوما وضوءًا حسنًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: "من توضأ هكذا، ثم خرج إلى المسجد لا يَنْهَزُه إلَّا الصلاة غُفِر له ما خلا من ذَنْبه".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٣٢) عن هارون بن سعيد الأيلي، حدَّثنا ابن وهبٍ، وأخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن حُمْران .. فذكر مثله.
وقوله: (ما خلا من ذنبه) أي: ما مضى من ذنبه.
• عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان،
стр. 1013
والحمد لله تملأُ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمُعْتِقها أو موبقها".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٢٣). عن إسحاق بن منصور، حدَّثنا حَبَّان بن هلال، حدَّثنا أبان، حدَّثنا يحيى، أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه، عن أبي مالك الأشعري قال: فذكر الحديث.
قلت: هذا من جملة المواضيع التي تكلم فيها الدارقطني في "التتبع" (رقم ٣٤) وأعَلَّ هذا الطريق بالانقطاع بين أبي سلام وأبي مالك الأشعري، بناء على ما رواه معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، أن أبا مالك الأشعري حدثه فذكر الحديث، فأدخل معاوية بن سلام بين أبي سلام وبين أبي مالك "عبد الرحمن بن غَنْم" فجعل آل الرجل أدرى بروايته من غيرهم، فمعاوية أدرى برواية أخيه من يحيى (وهو ابن أبي كثير) الذي روى من طريقه مسلم.
وممن رجح رواية معاوية بن سلام - النسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٦٨) فإنه بعد أن أخرج من طريق يحيى بن أبي كثير قال: وخالفه معاوية بن سلام - رواه عن أخيه زيد، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك فذكر الحديث مُختصرًا، وأجاب عنه النووي في شرحه لمسلم قائلًا: "بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك، فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك: وسمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك. فرواه مرة عنه، ومرة عن عبد الرحمن، وكيف كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه".
وتعقبه العلائي في "جامع التحصيل" (ص ١٣٨) قائلًا: "ورجح بعضهم قول الدارقطني بأن أبا مالك الأشعري توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقد قالوا في رواية أبي سلام عن علي وحذيفة وأبي ذر أنها مرسلة، فروايته عن أبي مالك أولى بالإرسال".
قلت: إن صحَّ ما نقله العلائي في تاريخ وفاة أبي مالك فلا شك أن رواية مسلم مرسلة، وهي مبنية على أن أبا مالك الأشعري غير الحارث بن الحارث الأشعري الذي يكنى أيضًا أبا مالك، وأما أبو مالك شيخ عبد الرحمن بن غَنْم فهو مختلف في اسمه فقيل: كعب بن عاصم، وقيل عبيد، وقيل: عمرو، وقيل: الحارث وقيل غير ذلك. فقد ثبت سماع أبي سلام من الحارث بن الحارث الأشعري الذي تأخرت وفاته، ولم يثبت سماعه من أبي مالك الذي توفي في طاعون عمواس عام ثماني عشرة. لأن أبا سلام ولد بعد وفاة أبي مالك الأشعري. فتنبه لذلك فإنَّ في بعض الروايات تصريح أبي سلام بالتحديث من الحارث الأشعري كما في حديث: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ... " الحديث بطوله في كتاب الايمان.
رواه الترمذي في الأمثال (٢٨٦٣) وابن خزيمة (٩٣٠) والحاكم (١/ ٢٣٦) كلهم من طريق زيد
стр. 1014
ابن سلام، أن أبا سلام حدَّثه، أن الحارث الأشعري حدَّثه فذكر الحديث.
• عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عَبَسة السُّلَمي: كنتُ وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعتُ برجل بمكة يُخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا، جُرَءَاءُ عليه قومُه، فتلطّفُ حتَّى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبي"، فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله"، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يُوحَّد الله لا يُشرَكُ به شيء"، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حرّ وعبد". - قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به - فقلت: إنِّي متّبعك! قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظَهرتُ فأتني". قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتَّى قدم عليَّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سِراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمتُ المدينة، فدخلت عليه، فقلتُ: يا رسول الله! أتعرفني، قال: "نعم، أنت الذي لقيتني بمكة؟ "، فقلتُ: بلى، فقلت: يا نبي الله! أخبرني عما علّمك الله وأجهلُه، أخبرني عن الصلاة؟ قال: "صلّ صلاة الصبح، ثم أَقْصِر عن الصلاة حتَّى تطْلُعَ الشمسُ حتَّى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرنَي شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلّ، فإنَّ الصلاة مشهودة محضورة، حتَّى يستقل الظلُّ بالرُّمْح، ثم أَقْصِر عن الصلاة، فإنَّ حينئذ تُسجَرُ جهنم، فإذا أقبل الفيءُ فصلِّ، فإنَّ الصلاة مشهودة محضورة حتَّى تصلي العصر، ثم أَقْصِر عن الصلاة حتَّى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرنَي شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار". قال: قلت: يا نبي الله! فالوضوء، حدثني عنه، قال: "ما منكم رجلٌ يُقرّب وَضُوءَه فيتمضمض ويستنشق فينتشر إلَّا خرَّت خطايا وجهه وفِيه وخَياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلَّا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لِحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلَّا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلَّا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسلُ قدميه إلى الكعبين إلَّا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلَّى، فحمد الله وأثنى عليه،
стр. 1015
ومجَّده بالذي هو له أهل، وفرَّغ قلبه لله، إلَّا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه".
فحدث عمرو بن عَبَسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ ، فقال له أبو أُمامة: يا عمرو بن عبسة! انظر ما تقول في مقام واحد يُعْطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا أُمامة! لقد كَبِرَت سنِّي، ورقَّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلَّا مرة أو مرتين أو ثلاثًا - حتَّى عدَّ سبع مرات - ما حدَّثت به أبدًا، ولكنِّي سمعته أكثر من ذلك.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٢)، عن أحمد بن جعفر المَعقري، حدَّثنا النضرُ بن محمد، حدَّثنا عكرمة بن عمَّار، حدَّثنا شدَّاد بن عبد الله أبو عمَّار، ويحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي أُمامة .. فذكر الحديثَ.
واقتصر النسائي (١٤٧) على الوضوء.
قوله: "يقرب وَضوءه" - بفتح الواو - هو الماء الذي يتوضأ به.
• عن أبي أُمامة: أن رسول الله ﷺ قال: "من خرج من بيته مُتطهِّرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ فأجره كأجر الحاج المُحرِم، ومن خرج إلى تسبيح الضُحى لا ينصبه إلَّا إياه فأجره كأجر المُعتَمِر، وصلاةٌ إثرَ صلاةٍ لا لَغوَ بينهما كتابٌ في عِلِّيِّين".
حسن: رواه أبو داود (٥٥٨) عن أبي توبة، حدَّثنا الهيثم بن حُميد، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أُمامة فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل الكلام في القاسم بن عبد الرحمن الشامي الدمشقي، غير أنه حسن الحديث.
• عن أبي أُمامة صاحب رسول الله ﷺ . - وقال عبد الوهاب: أبو أُمامة الحِمصي صاحب رسول الله ﷺ - أن رسول الله ﷺ قال: "الوضوء يُكفِّر ما قبله، ثم تصير الصلاة نافلة".
فقيل له: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا خمس.
حسن: رواه أحمد (٢٢١٦٢) قال: حدَّثنا محمد بن بشر، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب وعبد الوهاب، عن هشام وأزهر بن القاسم، حدَّثنا هشام، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة.
ورواه أيضًا أبو داود الطيالسي (٢/ ٥٤١ رقم ١٢٢٥) والطبراني في الكبير (٧٥٧٠) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة به.
стр. 1016
ورجاله ثقات غير شهر بن حوشب؛ فقد تكلم فيه ابن حبان وابن عدي. وقال ابن معين: ثبت. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق كثير الإرسال والأوهام".
إلَّا أنه لم ينفرد به، بل توبع؛ فقد رواه أبو داود الطيالسي (١٢٣١) واللّفظ له، وأحمد (٥/ ٢٥٤) والطبراني في الكبير (٨٠٧١) كلهم من طريق أبي غالب، عن أبي أُمامة قال: "إذا توضأ المسلم فأحسن الوضوء خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه؛ فإنْ قعد قعد مغفورًا له، وإن صلَّى كانت له فضيلة"، فقيل له: أو نافلة؟ فقال: "إنما كانت النافلة للنبي ﷺ ". اختلف في رفعه ووقفه، والصواب رفعه.
وأبو غالب صدوق.
ورواه مسدد ومحمد بن يحيى بن أبي عمر من طريق شمر بن عطية، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه؛ فإنْ قعد قعد مغفورًا له".
ويبدو أنه سقط بعد شمر بن عطية (شهر بن حوشب)؛ فإنَّ شمر بن عطية لم يلق أبا أُمامة.
ورواه أحمد بن منيع من طريق أبي مسلم قال: دخلت على أبي أُمامة وهو يتفلَّى في المسجد ويَدْفُن القمل في الحصا، فقلت: يا أبا أُمامة! إن رجلًا حدثني عنك أنك قلت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ فأسبغ الوضوء؛ غسل يديه ووجهه، ومسح رأسه وأذنيه، ثم قام إلى صلاة مفروضة، غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجليه، وقبضت عليه يديه، وسمعت إليه أذنيه، ونظرت إليه عينيه، وحدثت به نفسه من سوء" فقال: والله لقد سمعته من نبي الله ﷺ ما لا أحصيه.
هكذا رجليه ويديه وأذنيه وعينيه، والصواب أن تكون هذه الكلمات مرفوعة.
وللحديث طرق أُخرى أوردها البوصيري في "إتحاف الخيرة" (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧). وأبو عبيد في الطهور (٢٠ - ٢٣).
• عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يُعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَد، فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلتْ عقدةٌ، فإذا وضَّأ وجْهَه انحلتْ عقدةٌ، وإذا مسح برأسه انحلتْ عقدةٌ، وإذا وضَّأ رجليه انحلتْ عقدةٌ؛ فيقول الله للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يُعالج نَفْسَه يسألني، ما سألني عبدي فهو له".
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٩١) والطبراني في الكبير (١٧/ رقم ٣٠١) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عُشَّانة حدثه، أنه سمع عقبة بن عامر، فذكر الحديث. واللفظ لأحمد.
стр. 1017
وإسناده صحيح رجاله ثقات. وأبو عُشَّانة هو حيُّ بن يؤمِن المصري، مشهور بكنيته، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وقد صحّحه ابن حبان (٢٥٥٥)، ورواه من هذا الوجه.
والحديث رواه أيضًا الإمام أحمد في مواضع أُخرى، ولكن فيه ابن لهيعة. انظر: (١٧٤٥٨)، ولكن في بعض طرقه روى عنه عبد الله بن المبارك، وهو ممن سمع منه قديمًا، وروايته عنه صحيحة. وفي الباب أحاديث أُخرى. انظر: صلاة الليل.
وأما ما رُوِي عن عبد الله الصُنابحي مرفوعًا بلفظ: "إذا توضأ العبدُ المؤمن فتمضمض، خرجتِ الخطايا من فيه، وإذا استشر خرجتي الخطايا من أنفه. فإذا غسل وجهَه خرجتِ الخطايا من وجهه، حتَّى تخرجَ من تحت أشْفار عينيه. فإذا غسل يديه خرجتِ الخطايا من يديه حتَّى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجتي الخطايا من رأسه حتَّى تخرجَ من أُذنيه. فإذا غسل رجليه خرجتِ الخطايا من رجليه حتَّى تخرج من تحت أظفار رجليه قال: "ثم كان مشيُه إلى المسجد وصلاته نافلة له".
رواه مالك في الطهارة (٣٠) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصُنابحي فذكر مثله.
ورواه النسائي (١٠٣) من طريق مالك به، وابن ماجه (٢٨٢) من وجه آخر عن زيد بن أسلم به مثله.
والصواب أن الحديث مرسل، فإنَّ عبد الله الصُنابحي من التابعين.
قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ١٩٠): "قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي فذكر الحديث. فقال لي: وهم مالك في قوله: عبد الله الصُنابحي، وإنما هو أبو عبد الله، واسمه: عبد الرحمن بن عُسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ . والحديث مرسل".
قال ابن عبد البر: "هو كما قال البخاري". ونقل في "التمهيد" (٤/ ٣ - ٤) عن ابن معين: أن أحاديثه مرسلة ليست له صحبة. ثم قال: "صدق يحيى بن معين، ليس في الصحابة أحد يقال له عبد الله الصُنابحي" وإنما في الصحابة الصنابح الأحمسي، وهو الصُنابح بن الأعسر كوفي، روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث، منها حديثه في الحوض، ولا في التابعين أيضًا أحد يقال له: عبد الله الصُنابحي، فهذا أصح قول من قال إنه: أبو عبد الله، لأن أبا عبد الله الصُنابحي مشهور في التابعين، كبير من كبرائهم، واسمه: عبد الرحمن بن عُسيلة، وهو جليل، كان عبادة بن الصامت كثير الثناء عليه" انتهى.
فهؤلاء ثلاثة وهم يحيى بن معين والبخاري وابن عبد البر من أساطين هذا الفن شهدوا على أن عبد الله الصُنابحي هو: أبو عبد الله الصُنابحي من التابعين وحديثه مرسل. وإن مالكًا وهم فجعله صحابيًّا.
стр. 1018
٥ - باب ما جاء في فضل الوضوء والصلاة عقبه
• عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال! حدِّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام، فاني سمعتُ دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة" قال: ما عملت عملًا أرجى عندي، أنِّي لم أتطهر طُهورًا في ساعة ليل أو نهارٍ إلَّا صلَّيتُ بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أصَلِي.
متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٤٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٨) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن أبي حيَّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة فذكر مثله واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: "يا بلال! حدِّثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعةً، فإني سمعتُ الليلة خَشْفَ نعليك بين يدي في الجنة".
• عن حُمْران مولى عثمان بن عفان، أن عثمان بن عفان جلس على المقاعد، فجاء المؤذن فآذنه بصلاة العصر، فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله! لأحدِّثنكم حديثًا لولا أنه في كتاب الله ما حدَّثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي الصلاة إلَّا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأُخرى حتَّى يُصليها".
قال يحيى: قال مالك: أُراه يريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [سورة هود: ١١٤].
متَّفقٌ عليه: رواه مالك في الطهارة (٢٩) واللفظ له، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حُمْران به. ورواه البخاري في الوضوء (١٦٠) من وجه آخر عن ابن شهاب، ومسلم في الطهارة (٢٢٧) من وجه آخر عن هشام، كلاهما عن عروة، عن حُمْران به، وفيهما: قال عروة: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [سورة البقرة ١٥٩]، ولم تقع في رواية مالك تعيين الآية، فقال من قبل نفسه. وسيأتي تفصيل الوضوء في صفة وضوء النبي ﷺ .
• عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك، يُبقي من دَرَنه؟ " قالوا: لا يُبقي من دَرَنه شيئًا، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بِهِنَّ الخطايا".
مَّتفقٌ عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٢٨) واللفظ له ومسلم في المساجد (٦٦٧) كلاهما من طريق يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وفي رواية: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس
стр. 1019
مرات، فماذا يبقين من دَرَنه؟ ". رواه أحمد (٩٦٩٢) من وجه آخر صحيح عن أبي هريرة.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهرٍ جارٍ غَمْرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٨)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر .. فذكره.
• عن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أرأيت لو كان بفِناء أحدِكم نهرٌ يجري يغتسل منه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقى من دَرَنه؟ " قال: لا شيء، قال: "فإنَّ الصلاة تُذهب الذنوب كما يُذهب الماءُ الدرنَ".
حسن: رواه ابن ماجه (١٣٩٧) قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني ابنُ أخي ابن شهاب، عن عمه، حدثني صالح بن عبد الله بن أبي فروة، أن عامر بن سعد أخبره قال: سمعتُ أبان بن عثمان يقول: قال عثمان، فذكر الحديث.
رجاله ثقات إلَّا صالح بن عبد الله بن أبي فروة؛ فقال عباس الدوري عن ابن معين: صالح بن عبد الله بن أبي فروة وإخوته ثقات إلَّا إسحاق. وقال أبو جعفر الطبري في التهذيب: ليس بمعروف في أهل النقل عندهم. وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٦٢) وقال: يروي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، وعنه الزهري، مات سنة (١٢٠).
قلت: ومثله يكون "صدوقًا".
وابن أخي ابن شهاب هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، وعمه هو محمد بن مسلم بن شهاب الإمام.
• عن سعد وناس من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كان رجلان أخوان في عهد رسول الله ﷺ ، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عُمِّر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي، فذُكِر لرسول الله ﷺ فضل الأوَّل على الآخر، فقال: "ألم يكن يُصلي؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله! فكان لا بأس به، فقال: "ما يدريكم ماذا بلغت به صلاتُه"، ثم قال عند ذلك: "إنما مثل الصلاة كمثل نَهرِ جارٍ بباب رجل، غَمْرٍ عَذْب، يقتحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فماذا ترون يُبقي ذلك من دَرَنه".
حسن: رواه أحمد (١٥٣٤) قال: حدَّثنا هارون بن معروف - قال عبد الله: وسمعته أنا من هارون - حدَّثنا عبد الله بن وهب، حدثني مخرمة، عن أبيه، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت سعدًا، فذكر الحديث.
стр. 1020
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٣١٠) والحاكم (١/ ٢٠٠) وروياه من طريق عبد الله بن وهب. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فإنهما لم يخرجا لمخرمة بن بكير، والعلة فيه أن طائفة من أهل مصر ذكروا أنه لم يسمع من أبيه لصغر سنه، وأثبت بعضهم سماعه منه" انتهى.
وإسناده حسن من أجل مخرمة فإنه مختلف فيه، فوثَّقه أحمد وابن سعد، وضعَّفه ابن معين. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
والحديث في موطأ مالك في كتاب قصر الصلاة (٩١) إلَّا أنه رواه بلاغًا عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وفيه: "ألم يكن الآخر مسلمًا؟ " بدلًا من "ألم يكن يصلي؟ "، كما أنه كرر فيه آخر الحديث: "لا تدرون ما بلغت به صلاته".
و"النهر الغمر": الكثير الماء.
وحديث سعد بن وقاص هو الأصح.
وقد رُوِي عن طلحة بن عبيد الله قال: إن رجلين من بَلِيِّ قدما على رسول الله ﷺ وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشدَّ اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشْهِد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفي.
قال طلحةُ: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة، فأذِن للذي توفي الآخر منهما، ثم خرج، فأذن للذي استشهد، ثم رجع إليَّ فقال: ارجع فإنك لم يأنِ لك بعد. فأصبح طلحةُ يحدث به الناسَ، فعجبوا لذلك. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وحدَّثوه الحديثَ فقال: "من أي ذلك تعجبون؟ " فقالوا: يا رسول الله! هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهادًا، ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنةَ قبله. فقال رسول الله ﷺ "أليس قد مكث هذا بعده سنةً؟ " قالوا: بلى، قال: "وأدرك رمضان فصام، وصلَّى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ " قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : "فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض".
رواه ابن ماجه (٣٩٢٥) وابن حبان (٢٩٥٢) وأحمد (١٤٠٣) والبيهقي (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢) كلهم من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن طلحة بن عبيد الله فذكر مثله، وفيه انقطاع، فإنَّ أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من طلحة بن عبيد الله شيئًا، كما قال علي بن المدني وابن معين وغيرهما.
ولكن رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة فأدخل بينهما أبا هريرة. هكذا رواه الإمام أحمد (٨٣٩٩) عن محمد بن بشر، حدَّثنا محمد بن عمرو، حدَّثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رجلَان من بَليٍّ - حَيٍّ من قُضاعة - أسلما مع رسول الله ﷺ ، واستُشهد أحدُهما، وأخِّر الآخر سنة. قال طلحة بن عبيد الله: فأريتُ الجنة. فرأيتُ المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك، فأصبحتُ فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ ، أو ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أليس
следующие страницы →