← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فأفرغت عليه الإدارة، فغسل وجهه ويديه، وعليه جبّة من صوف، فلم يستطعْ أن يخرج ذراعيه منها، حتى أخرجهما من أسفل الجبة، فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه، ثم أهويتُ لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. متفق عليه: رواه البخاري في اللباس (٥٧٩٩)، ومسلم في الطهارة (٢٧٤: ٧٩) كلاهما من طريق زكريا، عن عامر، أخبرني عروة بن المغيرة، عن أبيه، فذكره. تنبيه: رواه مالك في الطهارة (٤١) عن ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد - من ولد المغيرة بن شعبة - عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة فذكر الحديث. ولم يورد الشيخان رواية مالك في صحيحيهما، وإنما أوردا من أوجه أُخرى مُختصرًا ومفصلا؛ وذلك - والله أعلم - لما وقع من الوهم من مالك في إسناده في موضعين كما قال الدارقطني: أحدهما قوله: عباد من ولد المغيرة، والصواب هو مولى المغيرة، قاله الشافعي ومصعب الزبيري وغيرهما، والثاني: إسقاط عروة وحمزة ابني المغيرة. انتهى. لأن عبّادا لم يسمع من المغيرة ولا رآه، وإنما يرويه الزهري عن عبّاد، عن عروة وحمزة ابني المغيرة، عن أبيهما، وربما حدّث الزهريّ به عن عروة وحده دون حمزة. وله طرق أُخرى عن المغيرة بن شعبة. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٧٠ - ١٧١). وفي رواية عند مسلم قال: "دعهما! فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما". وفي رواية عنده: "فمسح على الخفين ومقدِّم رأسه، وعلى عمامته". وفي رواية عنده: "ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه". ولفظ النسائي (١٠٩) قال المغيرة بن شعبة: "خصلتان لا أسأل عنهما أحدًا بعد ما شهدتُ رسول الله ﷺ ، قال: كنا معه في سفر، فبرز لحاجته، ثم جاء فتوضأ، ومسح بناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه، قال: وصلاة الإمام خلف الرجل عن رعيته، فشهدت من رسول الله ﷺ أنه كان في سفر فحضرت الصلاة، فاحتبس عليهم النبي ﷺ ، فأقاموا الصلاة وقدموا ابن عوف فصلي بهم، فجاء رسول الله ﷺ فصلي خلف ابن عوف ما بقي من الصلاة، فلما سلم ابن عوف قام النبي ﷺ فقضى ما سُبق به". قال الترمذي بعد أن أخرج الحديث "مسح على الخفين والعمامة": وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وأنس، وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على العمامة. وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: لا يمسح على العمامة إلَّا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي. قال: وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إنْ مسح على العمامة يجزئه للأثر. انتهى ونقل الخطابي عن الإمام أحمد في المسح على العمامة بأنه جاء عن النبي ﷺ من خمسة أوجه،

стр. 1087

وقال: وشرط من جوَّز المسح على العمامة: أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة، كما يفعله من يريد المسح على الخفين. وقال: وأبي المسح على العمامة أكثر الفقهاء. وتأولوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عمامته من رأسه، ولا ينقضها. وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة كالمفسر له، وهو أنه وصف وضؤه ثم قال: "ومسح بناصبه وعلى عمامته" فوصل مسح الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية، إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعًا له". انتهى. وقوله "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فيه دليل على أن المسح على الخفين لا يجوز إلَّا إذا لبس الخف بعد الطهارة، أي: بعد الوضوء، وهو أمر يكاد يكون مُتَّفقًا عليه لدى كل من أجاز المسح على الخفين إلَّا داود الظاهري؛ فإنه حمل الطهارة بمعنى الطهارة من النجاسة وإن لم يكن مُستبيحًا للصلاة. انظر: المازري - المُعلِم (١/ ٢٣٩). • عن جرير بن عبد الله البجليّ أنه بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هذا؟ فقال: نعم؛ رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضّأ ومسح على خفيه. قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٨٧) ومسلم في الطهارة (٢٧٢) واللفظ له، كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: رأيت جريرًا بال، وذكر الحديث. وفي رواية عند الترمذي: قيل لجرير: متى أسلمت؟ فقال: بعد المائدة. • عن عمرو بن أمية الضَّمْري أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح على الخفين. صحيح: رواه البخاري (٢٠٤) من حديث أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمَّية الضَّمري، أنَّ أباه أخبره .. فذكر الحديث. وفي رواية عنده: "رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه". • عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: إن رسول الله ﷺ مسح على الخفين، فسأل ابن عمر أباه عن ذلك؟ فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي ﷺ شيئًا فلا تسأل عنه غيره. صحيح: رواه البخاري في الوضوء (٢٠٢)، عن أصبغ بن الفرج المصري، عن ابن وهب، قال: حدثني عمرو، حدثني أبو النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص .. فذكر الحديث .. وفيه: دليل على أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقبل خبر الواحد، وما نُقِل عنه من التوقف إنما كان عند وقوع ريبة له في بعض المواضع. وفيه: دليل على تفاوت رُتَب العدالة، ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض.

стр. 1088

وفيه: تعظيمٌ عظيمٌ من عمرَ لسعيدٍ. وفيه: أن الصحابي القديم الصحية قد يخفى عليه من الأمور الجلية في الشرع ما يطلع عليه غيره؛ لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قديم صحبته وكثرة روايته. روي مالك في الطهارة (٤٢) عن نافع وعبد الله بن دينار، أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص، وهو أميرها، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سَلْ أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله، فنسي أن يسأل عمر عن ذلك، حتَّى قدم سعد فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامْسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال: نعم وإن جاء أحدكم من الغائط. انظر للمزيد: "فتح الباري" (١/ ٣٠٦). • عن بلال بن رباح أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار. صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٥)، من طريق الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال .. فذكره. والمراد بالخمار: العمامة، كما في سنن أبي داود (١٥٣): يمسح على عمامته وموقيه. والموق: نوع من الخفاف معروف، وساقه إلى القصر. وبعض أهل العلم ذكروا هذا الحديث في مسند أسامة بن زيد؛ فإنه قال: دخل رسول الله ﷺ وبلال الأسواق، فذهب لحاجته ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالًا ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي ﷺ لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين ثم صلَّى. رواه النسائي (١٢٠) من حديث ابن نافع، عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد. ورجاله ثقات غير ابن نافع، وهو: عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ، قال الحافظ: "ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين". والصواب أن يكون هذا الحديث من مسند بلال؛ لأنه هو راوي الحديث، وإن كان أسامة قد حضر بعض القصة. قال ابن خزيمة - بعد أن روى الحديث من طريق عبد الله بن نافع -: الأسواق: حائط بالمدينة. وقال: أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر، قال: سمعت يونس يقول: ليس عن النبي ﷺ خبر أنه مسح على الخفين في الحضر غير هذا. (١/ ٩٤). • عن بُرَيدة بن الحصيب أن النبي ﷺ صلَّى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على فيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه! فقال: "عمدًا

стр. 1089

صنعته يا عمر! ". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٧) من حديث علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه .. فذكر الحديث. وسبق ذكره في باب جواز الصلوات بوضوء واحد. • عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين، فقال: السنة يا ابن أخي! قال: وسألته عن المسح على العمامة، فقال: أمِسَّ الشعرَ الماءَ. حسن: رواه الترمذي (١٠٢) قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا بشر بن المُفضَّل، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن أبي عبيدة به. ورجاله ثقات غير أبي عبيدة؛ فقيل هو أخو سلمة بن محمد، وقيل هما واحد. قال البخاري في ترجمة سلمة: أراه أخا أبي عبيدة. وذكر أبو أحمد الحاكم أبا عبيدة فيمن لا يُعرف اسمه. واختلف فيه قول أبي حاتم؛ فقال مرة: منكر الحديث ولا يُسمى، وقال في موضع آخر: صحيح الحديث. وقال فيه ابن معين: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أبو عبيدة هذا ثقة، وأخوه سلمة لم يرو عنه إلَّا علي بن زيد، ولا يعرف حاله. وأما قول الحافظ فيه بأنه "مقبول" فالظاهر أنه رجّح أنهما واحد، وإلَّا فأبو عبيدة بعد توثيق ابن معين وعبد الله بن أحمد يستحق أن يرفع إلى درجة "صدوق". وقوله (أمِسَّ الشعرَ الماءَ)، وفي رواية مالك بلاغا (٥٢) عن جابر بن عبد الله: "حتَّى يمسَّ الشعرَ الماءُ" كذا في موطأ محمد، قال الشيخ اللكنوي في "التعليق الممجد" (١/ ٢٨٦): من الإمساس أو المس، أي: يصيب الشعر، بالنصب على أنه مفعول مقدم، (الماءُ) بالرفع أو النصب. وفي موطأ يحيى: "حتَّى يُمْسَح الشعرُ بالماءِ". وأما المسح على العمامة فقال ابن عبد البر: "رُوِي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين - ذكرهم المصنفون: ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن المنذر -، أنهم أجازوا المسح على العمامة، قال: وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد القاسم بن سلَّام وأحمد وإسحاق وأبو ثور؛ للآثار الواردة في ذلك، (منها حديث عمرو بن أمية الضمري في البخاري) وقِياسًا على الخفين، ولأن الرأس والرجلين عندهم ممسوحان ساقطان في التيمم. وقال: وأما الذين لم يروا المسح على العمامة ولا على الخمار فعروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم". "الاستذكار" (٢/ ٢١٩). • عن أبي يَعْفُور قال: سألت أنس بن مالك عن المسح على الخفين فقال: كان

стр. 1090

رسول الله ﷺ يمسح عليهما. صحيح: رواه ابن حبان (٤/ ١٤٧ رقم ١٣١٨) قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الجنيد بِبُست, قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور، فذكره. وإسناده صحيح. أبو يعفور هو: وقْدان العبدي الكوفي الكبير، ويقال اسمه: واقد، من رجال الجماعة. وأما ما رواه ابن ماجه (٥٤٨): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، ثنا عمر بن عبيد الطنافسي، ثنا عمر بن المثنَّى، عن عطاء الخراساني، عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفَر فقال: "هل من ماء؟ "، فتوضأ ومسح على خفه، ثم لحق بالجيش وأمَّهم، فإسناده ضعيف. قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد ضعيف منقطع. قال أبو زرعة: عطاء الخراساني لم يسمع من أنس. وقال العقيلي: عمر بن المثنَّى حديثه غير محفوظ. • عن ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتَّساخين. حسن: رواه أبو داود (١٤٦): حدَّثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، فذكره. وهو في مسند أحمد (٢٢٣٨٣)، وصحّحه الحاكم (١/ ١٦٩)، وقال: صحيح على شرط مسلم. قلت: إسناده حسن، رجاله ثقات غير أن راشد بن سعد؛ اختلف في سماعه من ثوبان، والراجح أنه سمع كما صرّح به البخاريّ في التاريخ الكبير أنه قال في ترجمته: "سمع ثوبان ويعلى بن مرة"، وجاء تصريحه بالسماع منه في الأدب المفرد (٥٧٩). وسماعه غير مستبعد لأنه شهد صفين مع معاوية، ومات ثوبان سنة أربع وخمسين. وقد تابعه أبو سلام الأسود، عن ثوبان عند البزار. انظر: كشف الأستار (١/ ١٥٤)، ولكن في سنده عتبة بن أبي أمية الدمشقي، قال ابن حبان: يروي المقاطيع. انظر: مجمع الزوائد (١/ ٢٥٥). والتساخين: قال الإمام الخطَّابي في "غريب الحديث" (٢/ ٦١): "قال بعضهم: النساخين كلُّ ما يُسخّن به القدم من خُفٍّ، وجوربٍ، ونحو ذلك. • وعن أبي طلحة: أن النبي ﷺ توضأ فمسح على الخفين والخمار. حسن: رواه الطبراني في المعجم الصغير (٢/ ٩٥) قال: حدَّثنا محمد بن الفضل بن الأسود النظري، ثنا عمر بن شبة النميري، ثنا حرمى بن عُمارة، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ، عن أبي طلحة، فذكر الحديث. قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلَّا حرمى، تفرد به عمر بن شبّة. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦): رجاله موثقون.

стр. 1091

قلت: عمر بن شبَّة وشيخه حرمي بن عُمارة صدوقان. • عن أبي ذر قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين والخمار. حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٧ رقم ٦٢٦١) قال: حدَّثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا المسيب بن واضح، ثنا مُخلد بن الحسين، عن هشام بن حسَّان، عن حُميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، فذكر مثله. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسَّان إلَّا مَخْلَد بن الحسين، تفرد به المسيب بن واضح. والمُسيِّب بن واضح مختلف فيه؛ ذكره ابن عديٍّ في الكاملِ (٦/ ٢٣٨٣) وقال: سمعت أبا عروبة يقول: كان المُسيِّب بن واضح لا يُحدِّث إلَّا بشيءٍ يعرفه، ونقف عليه. وقال: وكان أبو عبد الرحمن النسائيِّ حسنَ الرأي فيه، ويقول: "الناسُ يؤذوننا"؛ أي: يتكلَّمون فيه. وذكر له أحاديث، وليس فيها الحديث المذكور، وقال: وله أحاديث كثيرة عن شيوخه، وعامَّة ما خالف فيه الناس هو ما ذكرته، لا يتعمَّده، بل يشبه عليه، وهو لا بأس به. وفهم الذهبي من قول ابن عديٍّ هذا أنَّ باقي حديثه مستقيم، وهو مِمَّن يُكتَب حديثه .. وقال أبو حاتم: صدوق يُخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل. وأمَّا الدارقطني؛ فقد سأله السُّلمي عنه، فقال: ضعيف. ونص على تضعيفه في السنن في أماكن كثيرةٍ. والخُلاصة: أنَّه بين القبول والردِّ، وهنا لا بأس من قبول حديثه؛ لأجل كثرة الشواهد. ذكره أيضًا الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٨٤) وسكت عليه. وقوله: "الموقين": أي الخُفَّين. • عن أبي أيوب أنه نزع خفيه، فنظروا إليه، فقال: أما إنِّي قد رأيت رسول الله ﷺ يمسح عليهما، ولكن حبّب إليّ الوضوء. صحيح: أخرجه أحمد (٢٣٥٧٤) قال: حدَّثنا محمد بن عبيد، ثنا الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن علي بن مدرك قال: رأيت أبا أيوب نزع خفيه، فذكره. وإسناده صحيح، ومحمد بن عبيد هو ابن أبي أمية الطنافسي. ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (٤٠٤٠) من طريق محمد بن عبيد به. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (١/ ١٧٦) والطبراني (٣٩٨٢) والبيهقي (١/ ٢٩٣) كلهم من طريق منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، عن أفلح مولى أيوب، عن أيوب، فذكر نحوه. قال الحافظ في "المطالب العالية" (١/ رقم ١٠٠) بعد أن رواه من جهة ابن أبي شيبة: "إسناده صحيح".

стр. 1092

وأخرجه الحارث في مسنده "بغية الباحث" (٨١) وعبد الرزاق (٧٦٩) كلاهما من طريق محمد بن سيرين، عن أبي أيوب - بدون واسطة - ولم يرفعه. ٤٣ - باب ما جاء في التوقيت في المسح على الخفين • عن شُريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فَسَلْه؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله، فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثةَ أيَّامِ ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا وليلةً للمقيم. صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٦) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس المُلائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مُخيمِرة، عن شُريح بن هانئ، قال: أتيتُ عائشة، فذكر الحديث. قال مسلم: وكان سفيان إذا ذكر عمرو بن قيس أثنى عليه. قلت: وهو في مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٠٣ رقم ٧٨٩) كما رواه أيضًا عبد الرزاق (٧٨٨) عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن القاسم بن مخيمرة به مثله. • عن صفوان بن عسّال قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنّا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليهن إلَّا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم. حسن: رواه الترمذي (٩٦) والنسائي (١٢٦، ١٢٧) وابن ماجه (٤٧٨) من حديث عاصم بن أبي النجود، عن زِرِّ بن حُبَيش، عن صفوان بن عسَّال، فذكر مثله. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال: قال محمد (ابن إسماعيل البخاري): أحسن شيء في الباب حديث صفوان بن عسال. وصححه أيضًا ابن خزيمة (١٩٦) وابن حبان (١١٠٠) من هذا الوجهِ. قلت: رجاله ثقات غير عاصم بن أبي النجود، إلَّا أنه لا ينزل عن درجة "صدوق"، وله متابعات. قال الترمذي: "وقد رُوِي هذا الحديث عن صفوان بن عسال أيضًا من غير حديث عاصم". قلت: قال الحافظ في تلخيصه (١/ ١٥٧): وذكر ابن مندة أبو القاسم أنه رواه عن عاصم أكثر من أربعين نفسًا، وتابع عاصمًا عليه عبد الوهاب بن بخت، وإسماعيل بن أبي خالد، وطلحة بن مُصرِّف، والمنهال بن عمرو، ومحمد بن سوقه. وذكر جماعة معه، ومراده أصل الحديث؛ لأنه في الأصل طويل مشتمل على التوبة، والمرء مع من أحب. انتهى. وقوله (سفرًا) جمع سافر، كما يقال: تأجر: تجر، راكب: ركْب. وقوله (لكن من غائط وبول ونوم) قال الخطابي: كلمة (لكن) موضوعة للاستدراك، وذلك لأنه قد تقدمه نفي واستثناء، وهو قوله: "كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليهن إلَّا من

стр. 1093

جنابة"، ثم قال: "لكن من بول وغائط ونوم"، فاستدركهـ بـ (لكن) ليُعِلمَ أنَّ الرخصة إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة؛ فإنَّ المسافر الماسح على خفه إذا أجنب كان عليه نزع الخف، وغسل الرجلين مع سائر البدن، وهذا كما تقول: ما جاءني زيد لكن عمرو، وما رأيت زيدًا لكن خالدًا. اهـ. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٧٩). تنبيه: انظر هذا الحديث في كتاب العلم مُطوَّلًا كما رواه النسائي وغيره. • عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "المسح على الخفين للمسافر ثلاثةَ أيَّامٍ، وللمقيم يوم وليلة". صحيح: رواه أبو داود (١/ ١٠٩) عن حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، فذكر الحديث. قال أبو داود: رواه منصور بن المُعتمِر، عن إبراهيم التيمي بإسناده قال فيه: "ولو استزدناه لزادنا". قلت: وإبراهيم في الإسناد الأول هو ابن يزيد النخعي الفقيه المشهور. ورواه الترمذي (٩٥) عن قتيبة، ثنا أبو عوانة، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، فذكر الحديث مثل إبراهيم النخعي، ولم يذكر ما ذكره أبو داود عن منصور بن المُعتمِر، عن إبراهيم التيمي. قال الترمذي: وذكر عن يحيى بن معين أنه صحَّح حديث خزيمة في المسح، وقال: أبو عبد الله الجدلي اسمه: عبد بن عبد، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله. كذا في بعض النسخ. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وصحّحه أيضًا ابن حبَّان (١٣٢٩) من طريق إبراهيم التيمي به. ورواه ابن ماجه (٥٥٣) عن علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة بن ثابت قال: جعل رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثًا، ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمسًا. وقال: حدَّثنا محمد بن بشّار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سلمة بن كُهَيل، قال: سمعت إبراهيم التيمي، يُحدِّث عن الحارث بن سُوَيد، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثةَ أيَّامٍ - أحسبه قال: - ولياليهن للمسافر في المسح على الخفين". ونظرًا لوجود الاختلاف في الإسناد والمتن حكم عليه بعض أهل العلم بالاضطراب، وقالوا: إن فيه ثلاث علل: الأولى: الاختلاف في الإسناد والزيادة في المتن. الثانية: الانقطاع، قال البخاري: لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة. كان شعبة يقول: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي

стр. 1094

عبد الله الجدلي حديث المسح. انتهى والثالثة: ذكر ابن حزم أن أبا عبد الله الجدلي لا يعتمد على روايته. وأجاب عن هذه العلل بالتفصيل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في الإمام، والحافظ ابن القيم في تهذيب السنن. وخلاصته: أن ما زاده بعض الرواة في المتن - وهو "لو استزدناه لزادنا"، وفي رواية ابن ماجه: "لجعلها خمسًا" - هذا كله ظن وحسبان، والحجة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة لا بظن الراوي، فهذه الزيادة في المتن لا تعكر ما صحّ؛ لأن حديث خزيمة بن ثابت موافقٌ لما رواه غيره من الصحابة. وأما الانقطاع - كما قال البخاري - فيحمل على مذهبه، وهو ثبوت اللقاء، والجمهور على ثبوت المعاصرة، وهو حاصل. وأما قول ابن حزم فمردود؛ فإنَّ أبا عبد الله الجدلي وثقه الأئمة منهم أحمد ويحيى، وقد سبق أن صحّح الحديث ابن معين والترمذي. وكون إبراهيم النخعي روي مرة عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة؛ وأخرى عن أبي عبد الله الجدلي، فإنْ صحَّ ذلك فلعله سمعه من عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي أوَّلًا، ثم تيسر له السماع عن أبي عبد الله الجدلي مباشرةً. فرواه عنه. ولهذا أمثلة كثيرة في كتب الحديث. • عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ أنه رخص للمسافر - إذا توضأ ولبس خفيه، ثم أحدث وضوءًا - أن يمسح ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة. حسن: رواه ابن ماجه (٥٥٦) قال: حدَّثنا محمد بن بشّار وبشر بن هلال الصواف، قالا: حدَّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال: حدَّثنا المهاجر أبو مخلَد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير المهاجر أبي مخلد؛ فليَّنه أبو حاتم. وقال الساجي: صدوق معروف. وهو قريب إلى "صدوق"؛ وقد صحّح الشافعي والخطابي وغيرهما هذا الحديث. انظر: التلخيص (١/ ١٥٧). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٩٢) وابن حبان (١٣٢٤) كلاهما من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد به، ولفظه: "عن النبي ﷺ أنه رخَّص للمسافر ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليهن، وللمقيم يومًا واحدًا إذا تطهّر فلبس خفَّيه أن يمسح عليهما". قال الترمذي في علله الكبير: سألت محمدًا - يعني البخاري - أي حديث أصحّ عندك في التوقيت في المسح على الخفين؟ فقال: حديث صفوان بن عسال، وحديث أبي بكرة حديث حسن. انتهى. العلل الكبير (١/ ١٧٥ - ١٧٦).

стр. 1095

• عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نمسح على الخفين يومًا وليلة في الحضر، وللمسافر ثلاثًا. صحيح: رواه الطبراني في الأوسط "مجمع البحرين" (١/ رقم ٤٦٩) قال: حدَّثنا عبدان بن محمد المروزي، عن قتيبة بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الرواسي، عن الحسن القصاب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث. وقال: لم يروِه عن نافع إلَّا الحسن. ورجاله ثقات غير الحسن القصَّاب؛ فلم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٦١). ورواه أيضًا من طريق عبد الرزاق: ثنا معمر، عن الزّهريّ، عن سالم أن عبد الله كان يمسح على الخفين، ويقول: أمر رسول الله ﷺ بذلك. قال الزيلعي: وهذا سند صحيح. "نصب الراية" (١/ ١٧٣). • عن عوف بن مالك الأشجعي، أنَّ النبي ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلةً للمقيم. حسن: رواه أحمد (٢٣٩٩٥) والبزار (٢٧٥٧) والطبراني في الكبير (١٨/ ٤٠) وفي الأوسط (١١٦٧) والدارقطني (١/ ١٩٧) كلهم من طريق هشيم، قال: أنبأنا داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي، فذكر الحديث. قال الطبراني: لا يُروى عن عوف إلَّا بهذا الإسناد؛ تفرد به هشيم. وقال الهيثمي في "مجمع البحرين" (١/ ٢٥٩): رجاله موثقون. قلت: وهو كما قال غير أنَّهم اختلفوا في داود بن عمرو، وهو الأزدي الدمشقي؛ قال ابن معين: مشهور. وقال الدارمي: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وفي التقريب: "صدوق يخطئ". وقد نقل البيهقي عن الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: حديث حسن. "السنن الكبرى" (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧). وهو الصواب؛ فإنَّ داود بن عمرو مع خفة ضبطه لم يُخطئ في هذا الحديث؛ فإنه روى على المشهور. ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٦٨) عن صاحب "التنقيح" قال أحمد: هذا من أجود حديث في المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها. انتهى الأحاديث الصحيحة والصريحة تدل على توقيت المسح بثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، - أي له أن يصلي خمس عشرة صلاة فقط -، ويوم وليلة للمقيم، - أي له أن يصلي خمس صلوات فقط - وبه قال الجمهور. وأما الأحاديث الواردة في عدم التوقيت: فكلّها معلّلة، مثل حديث أبي بن عمارة قال: يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: "نعم"، قال: يومًا؟ قال: "يومًا" قال: يومين؟ قال: "يومين"، قال: ثلاثة؟ قال: "ثلاثة، وما شئت". رواه أبو داود (١/ ١١٠) وقال: وقد اختلف في إسناده، وليس بالقوي. ورواه ابن أبي مريم ويحيى بن إسحاق والسليخي، عن يحيى بن أيوب،

стр. 1096

وقد اختلف في إسناده. انظر: للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٨١ - ١٨٢). أو مثل حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه، فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلَّا من جنابة". رواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٨١) وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال أيضًا: رواته عن آخرهم ثقات. وحمله ابن الجوزي على مدة الثلاث. ومثله: حديث ميمونة، سألت النبي ﷺ عن المسح فقالت: يا رسول الله! أكل ساعة بمسح الإنسان على الخفين ولا ينزعهما؟ قال: "نعم". رواه أحمد (٢٦٨٢٧) واللفظ له، وأبو يعلى (٦/ رقم ٧٠٥٩) كلاهما من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا عمر بن إسحاق بن يسار أخو محمد بن إسحاق، قال: قرأت كتابا لعطاء بن يسار مع عطاء بن يسار قال: سألت ميمونة رسول الله ﷺ ... ، فذكر الحديث. ولفظ أبي يعلى: قرأت لعطاء كتابا معه؛ فإذا فيه: حدثتني ميمونة زوج النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله! أيخلع الرجل خفَّيه كل ساعة؟ قال ﷺ : لا، ولكن يمسحهما ما بدا له". ورواه أيضًا الدارقطني (١/ ١٩٩) من جهة أحمد بن حنبل، ونقل الهيثمي عن الدارقطني أنه قال: عمر بن إسحاق بن يسار ليس هو بالقوي. وقال: وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: "مجمع الزوائد" (١/ ٢٥٨). قلت: وإن صحّ فهو محمول على التوقيت. ومنها: حديث عقبة بن عامر الجُهَني أنه قدم على عمر بفتح دمشق قال: وعليّ خفان، فقال لي عمر: كم لك يا عقبة لم تتزع خفيك؟ فتذكرت من الجمعة إلى الجمعة، فقلت: منذ ثمانية أيام، قال: أحسنت وأصبت السنة. رواه الدارقطني (١/ ١٩٩) من طريق حيوة، سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: حدثني عبد الله بن الحكم، عن علي بن رباح. ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٨٠) من وجه آخر عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر. قال: صحيح على شرط مسلم وقال الدارقطني في العلل: إن عمر بن الحارث ويحيى بن أيوب والليث بن سعد رووه عن يزيد فقالوا: أصبت، ولم يقولوا: السنة. وهو المحفوظ. وقال: ورواه جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح، عن عقبة. وأسقط من الإسناد عبد الله بن الحكم البلوي. وقال فيه: أصبت السنة كما قال ابن لهيعة. انتهى. انظر: نصب الراية (١/ ١٨٠). قلت: والصحيح الثابت عن عمر بن الخطاب مثل الجمهور؛ ثلاثةَ أيَّامٍ للمسافر ويوم وليلة للمقيم، كما رواه عبد الرزاق (١/ ٢٠٦ رقم ٧٩٧) عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب الجُهَني قال: كنا بأذربيجان فكتب إلينا عمر بن الخطاب: أن نمسح على الخفين ثلاثًا إذا

стр. 1097

سافرنا، وليلةً إذا أقمنا. ٤٤ - باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين • عن المغيرة بن شعبة قال: إن النبي ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين. حسن: رواه أبو داود (١٥٩) والترمذي (٩٩) وابن ماجه (٥٥٩) كلهم من حديث سفيان، عن أبي قيس الأودي، عن الهزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، فذكر الحديث. ورواه الإمام أحمد (١٨٢٠٦) من هذا الوجه. وصحّحه ابن خزيمة (١٩٨)، وعنه ابن حبان (١٣٣٨) كلّهم من حديث سفيان بإسناده، مثله. قال الترمذي: "حسن صحيح". قلت: ورجاله ثقات غير أبي قيس، وهو عبد الرحمن بن ثَرْوان، اختلف فيه؛ فقال الامام أحمد: يخالف في أحاديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقوِيٍّ. وقال النسائي: لا بأس به. ووثقه ابن معين والعجلي. وذكره ابن حبان في الثقات؛ فهو لا ينزل عن مرتبة "صدوق يهم"، وقال الحافظ في التقريب: "صدوق ربما خالف". قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين. وقال: ورُوي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه مسح على الجوربين، وليس بالمتصل ولا بالقوي. وقال أبو داود أيضًا: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أُمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حُرَيْث، ورُوي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس. انتهى. ونقل البيهقيّ عن مسلم بن الحجّاج، وعبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وابن معين تضعيف هذا الحديث. "انظر السنن الكبري" (١/ ٢٨٤). وقال الدارقطني في "العلل" (٧/ ١١٢): "ولم يروه غير أبي قيس وهو مما يعدّ عليه به؛ لأنّ المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين". وقد أطال الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" في تعليل هذا الحديث، ونقل عن الإمام أحمد جواز المسح على الجوربين وتعليله رواية أبي قيس. وقال: "وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله تعالى. وذكر ثلاثة عشر صحابيًّا ممن يروى عنهم المسح على الجوربين. وقال: عمدة هؤلاء الصّحابة صريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر، وقال: وهو قول أكثر أهل العلم منهم من سمينا من الصحابة، وأحمد، وإسحاق، وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، وسعيد بن المسيب، وأبو يوسف وقال: ولا نعرف في الصحابة مخالفًا لمن سميناه انتهى كلامه باختصار.

стр. 1098

قلت: وأما الذين ذهبوا إلى تصحيح الحديث أو تحسينه رأوا أنه حديث مستقل؛ فإن المغيرة بن شعبة وصف وضوء النبي ﷺ ، فمنهم من روى عنه المسح على الخفين، وهؤلاء الأكثرون، ومنهم من روى عنه المسح على العمامة، ومنهم من روى عنه المسح على الجوربين، فهي أحاديث متعددة غير مخالفة، وإليه يشير الشيخ تقي الدين (ابن دقيق العيد) في الامام: "ومن يصحح يعتمد على تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها". انظر: نصب الراية (١/ ١٨٥). والله أعلم بالصّواب. • عن ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتّساخين. حسن: رواه أبو داود (١٤٦) عن أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، فذكره. وهو في مسند الإمام أحمد (٢٢٣٨٣). وإسناده حسن كما سبق في المسح على الخفين والعمامة. و"التساخين": كلّ ما يُسخن به القدم من خُفٍّ وجورب وغير ذلك. قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم تكن نعلين إذا كانا ثخينين. قال: وفي الباب عن أبي موسى. وقال: وسمعت صالح بن محمد الترمذي قال: سمعتُ أبا مقاتل السمرقندي يقول: دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئًا لم أكن أفعله؛ مسحت على الجوربين وهما غير منعَّلين. انتهى. قال شيخ الإسلام في فتاويه: "يجوز المسحُ على الجوربين، إذا كان يمشي فيهما، سواء كانت مجلدة، أو لم تكن، في أصحِّ قولي العلماء. ففي السنن: أنَّ النبيَّ ﷺ مسح على جوربيه ونعليه. وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك. فإنَّ الفرق بين الجوربين والنعلين إنَّما هو كون هذا من صوفٍ، وهذا من جلودٍ. ومعلوم أنَّ مثل هذا الفرق غير مؤثِّرٍ في الشريعة، فلا فرق بين أن يكون جلودًا أو قطنًا، أو كتَّانًا، أو صوفًا، كما لم يُفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أنَّ الجلد أبقى من الصوف، فهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قويًّا، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى. وأيضًا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا الحاجة إلى المسح على هذا سواء. ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقًا بين المتماثلين. وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به من كتبه، وأرسل به رسله.

стр. 1099

ومن فرَّق بكون هذا ينفذ الماء منه، وهذا لا ينفذ منه فقد ذكر فرقًا طرديًّا عديم التأثير. ولو قال قائل: يصل الماء إلى الصوف أكثر من الجلد، فيكون المسح عليه أولى للصوق الطَّهور به أكثر، كان هذا الوصف أولى بالاعتبار من ذلك الوصف، وأقرب إلى الأوصاف المؤثِّرةِ. وذلك أقرب إلى الأوصاف الطردية، وكلاهما باطلٌ". انتهى. وفي الباب حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود والترمذي رواه ابن ماجه (٥٦٠) أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. رواه عن محمد بن يحيى، ثنا مُعلَّى بن منصور وبشر بن آدم قالا: ثنا عيسى بن يونس، عن عيسى بن سِنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عَرْزَب، عن أبي موسى الأشعري، فذكر الحديث. وفيه علتان كما قال أبو داود: الأُولى: ليس بمتصل؛ لأن الضحاك بن عبد الرحمن لم يدرك أبا موسى الأشعري. والثانية: ليس بالقوي؛ لأن عيسى بن سنان الراوي عن الضحاك ضعيف؛ ضعَّفه أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم. ٤٥ - باب غسل الرجلين في النعلين وأنَّه لا يمسح عليهما • عن عبيد بن جريج، أنَّه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها. قال: وما هُنَّ يا ابن جريج؟ فذكر من الأربع: رأيتك تلبس النِّعال السِّبْتِيَّة. فقال: وأمَّا النعال السِّبْتِيَّة؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعرٌ، ويتوضَّأ فيها. فأنا أُحبُّ أن ألبسها. متّفق عليه: رواه مالك في الحجِّ (٣١) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج .. فذكر الحديث. ورواه البخاري في الوضوء (١٦٦)، وفي اللباس (٥٨٠٥)، عن عبد الله بن يوسف، ومسلمٌ في الحجِّ (١١٨٧)، عن يحيى بن يحيى - كلاهما عن مالك به. وسيأتي الحديث كاملًا في الحجِّ. وبوَّب عليه البخاري بقوله: غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: "ويتوضَّأُ فيها"، فإنَّ ظاهره: كان ﷺ يغسل رجليه وهما في نعلين، ولو أراد المسيح لقال: "عليهما". ولكن رواه سفيان، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، فزاد فيه: "ومسح عليهما". هكذا رواه ابن خزيمة (١٩٩) ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٨٧) وقال: "وهذه الزيادة إن كانت محفوظة فلا تنافي غسلهما، فقد يغسلهما في النعل ويمسح عليهما كما مسح بناصيته وعلى عمامته". انتهى. وقوله: "السِّبْتِيَّة" بكسر المهملة. هي التي لا شعر فيها، مشتقَّة من السبت، وهو الحلق، أو

стр. 1100

لأنّها سبتت بالدِّباغِ، أي لانت. وأمَّا ما رُوي عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي، أنَّه رأى رسول الله ﷺ ، أتي كِظَام قومٍ - وفي لفظٍ: رأيت رسول الله ﷺ أتى كِظامةَ. يعني - ميضأة - فتوضّأ ومسح على نعليه وقدميه. فهو حديثٌ معلولٌ رواه أبو داود (١٦٠) قال: حدَّثنا مسدد، وعباد بن موسى، قالا: حدَّثنا هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه. ورجاله ثقات، غير عطاء - والد يعلى، وهو العامري -، فهو مجهولٌ كما قال ابن القطَّان، وفي "التقريب" "مقبول، أي إن توبع، وحيث لم نجد له متابعًا فهو ليِّن الحديث، مع اختلاف فيه؛ فقد رواه أحمد (١٦١٥٨) من حديث شعبة، قال: حدَّثني يعلى، عن أبيه، ولفظه: "رأيت رسول الله ﷺ توضَّأ ومسح على نعليه، ثمَّ قام إلى الصلاة". وخالفه حمَّاد بن سلمة؛ فلم يقل: (عن أيه)، وإنَّما رواه عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس، قال: "رأيت أبي توضَّأ فمسح على نعليه، فقلت: أتمسح على النعلين؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح عليهما". ومن هذا الوجه رواه الإمام أحمد (١٦١٦٥) وابن حبَّان (١٣٣٩). قال البيهقي: "فيه انقطاع، وهذا إسناد غير قوي". قلت: وهو يشير إلى الانقطاع بين يعلى بن عطاء، وبين أوس بن أبي أوس، وقوله: غير قوي - إشارة إلى مخالفة حمَّاد بن سلمة لهشيم وشعبة، وفي إسنادهما والد يعلى، وهو مجهولٌ كما سبق. والخلاصة فيه كما قال الحازمي (٦٢ - ٦٣): "لا يُعرف هذا الحديث مجوَّدًا متَّصلًا إلَّا من حديث يعلى بن عطاء، وفيه اختلافٌ أيضًا، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه". وقال أيضًا: "ومع هذا الاضطراب لا يمكن المصير إليه، ولو ثبت كان منسوخًا كما قاله هشيم". وأمَّا تعقيب ابن التركماني على البيهقي، بأنَّه أخرجه ابن حبَّان في صحيحه، فالاحتجاج به كافٍ .. فالصواب أنَّه ليس بكافٍ؛ لأنَّ فيه والد يعلى وهو مجهولٌ كما سبق، وابن حبَّان اشتهر بتوثيق المجاهيل كما هو معروف. كذلك ما رُوي عن ابن عباس، أنَّه رأى رسول الله ﷺ توضَّأ مرَّة مرَّة، ومسح على نعليه. فلا يصحُّ. رواه البيهقي (١/ ٢٨٦) وقال: هكذا رواه رواد بن الجراح، وهو ينفرد عن الثوري بمناكير، وهذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري، دون هذه اللفظة، وروي عن زيد بن الحباب، عن الثوري هكذا، وليس بمحفوظ. انتهى. وكذلك لا يصحُّ ما رُويَ عن علي بن أبي طالب، أنَّه دعا بِكُوز من ماءٍ، ثمَّ توضَّأ وضوءًا خفيفًا، ثمَّ مسح على نعليه، ثمَّ قال: هكذا وضوء النبيّ ﷺ ، للطاهرِ ما لم يُحِدث. رواه ابن خزيمة (٢٠٠) والبيهقي (١/ ٧٥). فإنَّ في إسناده إبراهيم بن أبي الليثِ، وهو متروك الحديث كما

стр. 1101

قال الذهبي في "الميزان". وعلى فرض صحَّته عن علي بن أبي طالب، فذكر البيهقي عدَّة تأويلات منها: أنَّه توضَّأ وضوءًا متطوَّعًا به، لا وضوءًا واجبًا عليه، وإليه أشار علي بن أبي طالبٍ في قوله: "هذا وضوء من لم يُحِدث" رواه ابن حبان (١٣٤٠) بإسناد صحيح، موقوفًا عليه، أو أراد غسل الرجلين في النعلين كما قال البخاري، أو أراد به المسح على الجوربين؛ لأنَّ الثابت عنه أنَّه غسل الرجلين، وهو الثابت عن النبيِّ ﷺ . ٤٦ - باب المسح على ظاهر الخفين • عن علي بن أبي طالب قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خُفَّيهِ. صحيح: رواه أبو داود (١٦٢) قال: حدَّثنا محمد بن العلاء، ثنا حفص - يعني ابن غياث - عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي، فذكره. ورجاله ثقات غير أبي إسحاق، وهو ثقة عابد إلَّا أنه اختلط، وكان الأعمش من أوثق تلاميذه. ثمَّ رواه أبو داود بإسناد آخر عن الأعمش به ولفظه، قال: "ما كنت أرى باطن القدمين إلَّا أحق بالغسل، حتَّى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه". وفي رواية أُخرى مثله أيضًا جميعًا من طريق الأعمش. ثم قال أبو داود: ورواه أبو السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه قال: رأيت عليًّا توضَّأ فغسل ظاهر قدميه وقال: لولا أنِّي رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وساق الحديث. انظر للمزيد: "المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي" (٢١٩). • عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين، على ظاهرهما. حسن: رواه أبو داود (١٦١) عن محمد بن الصباح البزار، كما رواه أيضًا الترمذي (٩٨) عن علي بن حُجْر، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة بن شعبة، فذكر الحديث. واللفظ للترمذي، ولفظ أبي داود: "كان يمسح على الخفين". قال أبو داود: وقال غير محمد (يعني ابن الصباح البزار): "على ظهر الخفين". وفيه إشارة إلى أن الذي قال: "على ظهر الخفين" هو: علي بن حُجر. ولكن اختُلِف على عبد الرحمن بن أبي الزناد؛ فروى عنه محمد بن الصباح وعلي بن حُجر كما ترى عن أبيه، عن عروة بن الزبير، ولكن رواه أبو داود الطيالسي (رقم ٧٢٧ بتحقيق الدكتور التركي) وعنه البيهقي (١/ ٢٩١) عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ مسح ظاهر خفيه.

стр. 1102

ثم قال البيهقي: كذا رواه أبو داود الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد. وكذلك رواه إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد. ورواه سليمان بن داود الهاشمي ومحمد بن الصباح وعلي بن حجر عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة. انتهى. فالظاهر أن عبد الرحمن بن أبي الزناد أخطأ في تعيين عروة، ولا يضر هذا الخطأ؛ لأنه تردد بين الراويين الثقتين: عروة بن الزبير وعروة بن المغيرة. وأما عبد الرحمن بن أبي الزناد فمختلف في توثيقه، والخلاصة: أنَّه صدوق فقد وثَّقه العجلي، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. وأما ابن معين فقال: ليس بشيء. وقال النسائي: لا يحتج بحديثه. قلت: ومثل هذا يستشهد به، ولذا حسنه الترمذيّ. • * *

стр. 1103

٨ - كتاب التيمم ١ - باب ما جاء في التيمم • عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتَّى إذا كان بالبيداء، أو بذات الجيش انقطع عِقْدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التِماسِه، وأقام الناسُ معه، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فأتى الناسُ إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا تَرى ما صنعتْ عائشةُ؟ أقامتْ برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماءٌ، قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسولُ الله ﷺ واضعٌ رأسَه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسولَ الله ﷺ والناسَ، وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماءٌ؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، فقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يَطْعن بيده في خاصِرتي، فلا يمنعني من التحرك إلَّا مكانُ رأسِ رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتَّى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﵎ آيةَ التيمم، فتيمّموا. فقال أُسَيدُ بن حُضَيرْ: ما هي بأوَّلِ بركِتكم يا آلَ أبي بكر! قالت: فبَعثْنا البعير الذي كنتُ عليه، فوجدنا العِقْد تحتَه. متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٨٩) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، واللفظ له، ومن طريقه البخاري في التيمم (٣٣٤) ومسلم في الحيض (٣٦٧). وفي رواية عند البخاري في التفسير (٤٦٠٨) من طريق عمرو، عن عبد الرحمن بن القاسم: سَقَطَت قِلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل، فثنى رأسه في حِجْري راقدًا، أقبل أبو بكر، فلكزني لكزةً شديدةً وقال: حبَستِ الناس في قِلادة؟ فبِيَ الموتُ لمكان رسول الله ﷺ وقد أوجعني، ثم إن رسول الله ﷺ استيقظ وحضرتِ الصبحُ، فالتُمِس الماء فلم يوجد فنزلت ... وفي رواية عند مسلم من وجه آخر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنها استعارت من أسماء قِلادةً فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاةُ فصَلُّوا بغير وضُوء، فلما أتوا النبي ﷺ شَكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حُضير: جزاك الله خيرًا؛ فوالله! ما نزل بك أمرٌ قط إلَّا جعل الله لكِ منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركةً.

стр. 1104

قولها: "فبي الموت" أي كاد ينزل بي الموت من شدّة الوجع، ولم أتحرك حتَّى لا أزعج رسول الله ﷺ . ٢ - باب في التيمم وأن الصعيد الطيب هو التراب قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة المائدة: ٦]. • عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أُمَّتي أدركته الصلاة فليصل". متفق عليه: أخرجه البخاري في التيمم (٣٣٥) ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من طريق هشيم، عن سيار، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله .. فذكر الحديث. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا". مختصرًا. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٣) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة في حديث طويل. • عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "جُعِلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نَجِدَ الماءَ". مختصرًا. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٢) من حديث أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة ... فذكر الحديث. • عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : "جُعِلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا". صحيح: رواه أبو داود (٤٩٨) عن عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد بن جَبْر، عن عبيد الله بن عمر الليثي، عن أبي ذر، فذكر الحديث. وإسناده صحيح، وقد أخرجه الحاكم (٢/ ٤٢٣) مطوَّلًا من طريق الأعمش به .. وقال: على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السياقة، إنَّما أخرجا ألفاظًا من الحديث متفرِّقةً. • عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: جُعِلت لي الأرض مساجدَ وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصلَّيتُ، وكان مَن قبلي يُعظِّمون ذلك، إنَّما كانوا يُصلُّون في كنائسهم وبيعهم ... ". مختصرًا.

стр. 1105

حسن: رواه أحمد (٧٠٦٨) قال: حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا بكر بن مُضَر، عن ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكر الحديث بطوله. وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني. وإسناده حسن لأجل عمرو بن شعيب فإنَّه صدوقٌ. وأورده الهيثمي في "المجمع") وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات. ٣ - باب ما جاء في صفة التيمم • عن شقيق بن سلمة قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة ٦] فقال عبد الله: لو رُخِّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسولُ الله ﷺ في حاجة فأجنبتُ، فلم أجد الماء، فتمرَّغتُ في الصعيد كما تَمرَّغُ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: إنَّما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيده الأرض ضربةً واحدةً، ثمَّ مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجْهه؟ فقال عبد الله: أَوَ لم تَرَ عمر لم يقنع بقول عمار؟ . متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التيمم (٣٤٧) ومسلم في الحيض (٣٦٨) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق فذكر الحديث. • عن عبد الرحمن بن أبزى: أنَّ رجلًا أتى عمر بن الخطاب فقال: إنِّي أجنبتُ فلم أجد ماءً؟ فقال: لا تُصلِّ، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين! إذ أنا وأنت في سريةٍ فأجنبنا فلم نجِدِ الماءَ، فأمَّا أنت فلم تُصلّ، وأمَّا أنا فتمعّكْتُ في التراب وصلّيت، فقال النبي ﷺ : "إنَّما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك". فقال عمر: اتقْ الله يا عمار! قال: إن شئتَ لم أحدّث به. فقال عمر: نُولِّيك ما تولَّيتَ. متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري في الوضوء (٣٣٨) ومسلم في الحيض (٣٦٨) كلاهما من طريق شعبة، قال: حدثني الحكم، عن ذَرّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبيه فذكر الحديث. واللفظ لمسلمٍ.

стр. 1106

وذَرّ هو: ابن عبد الله المُرهبي - بضم الميم وسكون الراء. وفي رواية: "ونفخ فيهما". وفي رواية: "تفل فيهما". كلاهما عند البخاري. وفي رواية عند مسلم: "فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه". والمقصود منه استحباب تخفيف التراب. وقوله: فقال عمر: نُولِّيك ما تَولَّيتَ. معناه أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقًّا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به. وأمَّا ما رواه أبو داود (٣١٨ - ٣٢٠) والنسائي (٣٥١) وابن ماجه (٥٦٥، ٥٦٦) عن عمار بن ياسر نفسه، وفيه: "فضرب المسلمون بأكفّهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أُخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم". واللفظ لأبي داود. فهو إما موقوف؛ فإنَّ عمار بن ياسر لم يذكر فيه رسول الله ﷺ ، أو صحيح موصول ولكن مضطرب في المتن، فلم يذكر النسائي وابن ماجه ضربتين، وإنَّما ذكرا ضربة واحدة. وقد أشار إلى هذا الاضطراب أبو داود عَقِب إخراج الحديث، فقال: وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه: عن ابن عباس، وذكر ضربتين كما ذكر يونس، ورواه معمر، عن الزهري ضربتين، وقال مالك عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار [أي ولم يذكر ضربتين، وإنَّما ذكر مالك ضربةً واحدةً كما في رواية النسائي]. وكذلك قال أبو أويس: [عن الزهري أي: عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه] وشكّ فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبد الله، عن أبيه، أو عن عبيد الله، عن ابن عباس. ومرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس. واضطرب [ابن عُيينة] فيه وفي سماعه من الزهري. ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين إلَّا من سميتُ. انتهى. فظهر منه أن هذا الحديث أعلّ بعلل: منها: الانقطاع، فقد رُوي يونس بن يزيد الأيلي عند أبي داود وابن ماجه، والليث بن سعد عند ابن ماجه، كلاهما عن ابن شهاب الزهري، ولم يذكرا "عن أبيه" أو "عن ابن عباس" بين عبيد الله بن عبد الله وعمار بن ياسر؛ لأنَّ عبيد الله بن عبد الله لم يدرك عمارا، بينما روى صالح بن كيسان عند أبي داود والنسائي، ومالك عند النسائي وحده فأدخل صالح بين عبيد الله بن عبد الله وعمار بن ياسر بن عباس، وقال مالك: "عن أبيه". ومنها: تردّد سفيان بن عيينة بين ابن عباس وبين قوله: "عن أبيه". ومنها: سماع ابن عيينة عن الزهري، فأدخل ابن ماجه بين سفيان والزهري (عمرو بن دينار). ومنها: الاضطراب في المتن في عدد الضربات. وعلى ثبوت صحته فإنه موقوف على عمار بن ياسر؛ لأنه لم يرفعه إلى النبي ﷺ . ويرى البعض أن قوله: "إلى الإبط" منسوخ بحديث عمار بن ياسر نفسه عن النبي ﷺ : الوجه

стр. 1107

والكفين. رواه مسلم وغيره في حديث شقيق بن سلمة: إنَّما يكفيك أن تقول يديك هكذا" ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثمَّ مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجْهَه. قال الشافعي: وقد قال عمار: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب، وروي عنه عن النبي ﷺ الوجه والكفين، وكان قوله: "تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب" لم يكن عن أمر النبي ﷺ ، فإنْ ثبت عن عمار عن النبي ﷺ الوجه والكفين، ولم يثبت عن النبي ﷺ إلى المرفقين، فما ثبت عن النبي ﷺ أولى. انتهى. انظر: "السنن الكبرى" (١/ ٢١١) وانظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٣١٠). فائدة مهمة: " الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جُهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جُهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأمَّا حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية: إلى الأباط. فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأمَّا رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صحّ للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد" قاله الحافظ في "فتح الباري" (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥). قلت: وسيأتي حديث أبي جُهيم. ٤ - باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء • عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: "يا فلان! ما منعك أن تُصلِّيَ مع القوم؟ ". فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابةٌ ولا ماء، فقال: "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك". متفق عليه: رواه البخاري في التيمم (٣٤٨) ومسلم في المساجد (٦٨٢) كلاهما من طريق أبي رجاء العُطارديّ، عن عمران بن حصين فذكر مثله. وهو جزء من حديث طويل انظره في دلائل النبوة. • عن أبي ذرٍّ، عن النبي ﷺ قال: "الصعيد الطّيب وضوءُ المسلم ولو إلى عشر سنين؛ فإذا وجدت الماء فأمِسَّه جلدك؛ فإنَّ ذلك خير". حسن: رواه أبو داود (٣٣٢) والترمذي (١٢٤) بلاهما من حديث خالد الحذاء، والنسائي (٣٢٢)

стр. 1108

من حديث أيوب، كلاهما - أعني خالد وأيوب - عن أبي قِلابة، عن عمرو بن بُجدان، عن أبي ذرٍّ، فذكره مختصرًا هكذا. وتفصيله ما ذكره أبو داود: قال أبو ذرٍّ: اجتمعت غُنيمةٌ عند رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذرٍّ أأبدُ فيها"، فبدوتُ إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابةُ، فأمكث الخميس والسبت، فأتيت النبي ﷺ فقال: "أبو ذرٍّ"، فسكتُّ، فقال: ثكلتك أمك أبا ذرٍّ! ، لأمك الويل! "، فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعسٍ فيه ماء فَسَرتْني بثوب، واستترتُ بالراحلة واغتسلتُ، فكأنِّي أَلْقَيتُ عني جبلًا، فقال رسول الله ﷺ : "الصعيد الطيب ... فذكر الحديث. قال أبو داود: حديث عمرو بن عون (وهو شيخ أبي داود) أتمّ. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: في الإسناد عمرو بن بُجدان، روي عن أبي ذرٍّ الغفاري وأبي زيد الأنصاري، وعنه أبو قِلابة، قال علي بن المديني: لم يرو عنه غيره. فهو مجهول الحال، إلَّا أن العجلي قال: "بصري تابعي ثقة". "تاريخ الثقات" (ص ٣٦٢). ووثقه أيضًا ابن حبَّان وأخرجه في صحيحه (١٣١١)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٧٦) وقال: حديث صحيح. وتكلم فيه ابن القطان في كتابه "الوهم والإيهام" (٣/ رقم ١٠٧٣) فقال: "هذا حديث ضعيف لا شك". وأطال. وقال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٧): حسنه الترمذي، ولم يرقه إلى الصحة للجهالة بحال عمرو. انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٤): وقد وثَّقه العجلي، وغفل ابن القطان، فقال: إنه مجهول. وقال في التقريب: لا يعرف حاله. فتناقض. وقد رواه أيضًا أبو داود من حديث حماد بن (سلمة) عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن رجل من بني عامر قال: دخلت في الإسلام، فأهمني ديني، فأتيتُ أبا ذرٍّ فقال أبو ذرٍّ: أنِّي اجتويتُ المدينة، فأمرني رسولُ الله ﷺ بذَوْدٍ وبغنم، فقال لي: "اشرب من ألبانها - قال حماد: وأشكُّ في "أبوالها" - فقال أبو ذرٍّ: فكنت أعزُب عن الماء ومعي أهلي، فذكر الحديث. قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب، لم يذكر (أبوالها). وقال أبو داود: هذا ليس بصحيح، وليس في أبوالها إلَّا حديث أنس، تفرد به أهل البصرة. انتهى. ومال إلى تصحيحه تقي الدين ابن دقيق العيد في الامام قائلًا: هو من العَجِب كون القطان لا يكتفي بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بُجدان، مع تفرده بالحديث، وهو نقل كلامه: هذا حديث حسن صحيح. وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديثًا انفرد به ... ". والخلاصة: إنه حديث حسن، وهو أحسن شيء في هذا الباب. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الصعيد وُضوءُ المسلم وإن لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجدَ الماء فليتقِّ الله، وليمسّه بشره؛ فإنَّ ذلك خير".

стр. 1109

صحيح: رواه البزار - (كشف الأستار ١/ رقم ٣١٠) قال: حدَّثنا مُقدَّم بن محمد بن علي بن مُقدَّم المقدمي، حدَّثني عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقدَّم، ثنا هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال البزار: لا نعلمه يُروي عن أبي هريرة إلَّا من هذا الوجه، ومقدم معروف النسب. انتهى ورواه الطبراني في "الأوسط" قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن صدقة، ثنا مُقدَّم بن محمد المقدَّمي به، وفيه قال أبو هريرة: كان أبو ذرٍّ في غُنَيمة بالمدينة، فلما جاء قال له النبي ﷺ : يا أبا ذرٍّ! ، فسكت، فقال: "يا أبا ذرٍّ ثكلتك أمك! " قال: إنِّي جنبتُ، فدعا له الجارية بماء، فجاءت به فاستتر براحلته، ثم اغتسل، فقال له النبي ﷺ : "يجزئك الصعيد ولو لم تجد الماء عشرين سنة، فإذا وجدته فأمسّه جلدك". وقال: لم يروه عن ابن سيرين إلَّا هشام، ولا عن هشام إلَّا القاسم؛ تفرد به مقدمي. انتهى. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٦١): ورجاله رجال الصحيح. وذكر الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٢٠٥) بعد أن عزاه إلى البزار: "وذكره ابن القطان في بابِ أحاديث ذَكَر أنَّ أسانيدها صحاح" انتهى. قلت: أورده ابن القطان في "الوهم والإيهام" (٥/ ٢٦٤) من جهة البزار، وصحَّح إسناده، وعلق على كلام البزار قائلًا: "إن القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقدَّم أبا محمد الهلالي الواسطي يروي عن عبيد الله بن عمر وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، روى عنه ابن أخيه مُقدَّم بن محمد الواسطي وأحمد بن حنبل، وأخرج له البخاري في التفسير والتوحيد وغيرهما من جامعه معتمِدًا ما يروي، فاعلم ذلك". إلَّا أن الدارقطني صوَّب إرساله كما ذكره الحافظ في "بلوغ المرام". تنبيه: والذي نقله الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٥٠) من كلام ابن القطان قائلًا: "وذكره ابن القطان في كتابه "الوهم والإيهام" من جهة البزار، وقال: إسناده صحيح، وهو غريب من حديث أبي هريرة، وله علة، والمشهور حديث أبي ذرٍّ الذي صححه الترمذي وغيره". فقوله: "وهو غريب ... إلى قوله: "صححه الترمذي وغيرها، هذا الكلام ليس لابن القطان، فلعله من الزيلعي نفسه، فالذين نقلوه من الزيلعي نسبوه إلى ابن القطان وأخطأوا فيه، مع ما فيه من التناقض؛ فإنَّ ابن القطان يُصحّح حديث أبي هريرة، ثمَّ كيف يقول: وله علة. فانتبه إلى ذلك. ٥ - باب إذا خاف الجُنُب البرد أيتيمَّم ؟ • عن عمرو بن العاص قال: احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل،

стр. 1110

فأشفقتُ إن اغتسلتُ أن أهلِكَ، فتيممتُ، ثم صلَّيتُ بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟ ". فأخبرتُه بالذي منعني من الاغتسال، وقلتُ: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: ٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا. صحيح: أخرجه أبو داود (٣٣٤، ٣٣٥) قال: حدَّثنا ابن المثنى، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، فذكر الحديث. قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولي خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير. قلت: رجاله ثقات وصحَّحه الحاكم (١/ ١٧٧) فقال: صحيح على شرط الشيخين .. ، إلَّا أنَّ في الإسناد انقطاعًا كما قال البيهقي في الخلافيات - مختصر الخلافيات (١/ ٣٥٩): هذا مرسل، لم يسمعه عبد الرحمن من عمرو، والذي رُويَ عن عمرو في هذه القِصَّة متصلًا ليس فيه ذكر التيمُّم. رُويَ عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولي عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سريَّةً، وأنَّه أصابهم بردٌ شديدٌ، لم ير مثله، فخرج لصلاة الصبح، فقال: والله! لقد احتلمت البارحة، ولكني والله! ما رأيت بردًا مثل هذا، هل مرَّ على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا. فغسل مغابنه، وتوضَّأ وضوءه للصلاةِ ثمَّ صلَّى بهم، فلما قدم على رسول الله ﷺ ، سأل رسولُ الله ﷺ : كيف وجدتم عَمرًا وصحابته؟ فأثنوا عليه خيرًا وقالوا: يا رسول الله صلى بنا وهو جنبٌ. فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو، فيسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد، فقال: يا رسول الله! إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ولو اغتسلت متُّ. فضحك رسول الله ﷺ إلى عمرو. ومن هذا الطريق رواه أبو داود، قال: حدَّثنا محمد بن سلمة، ثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير .. فذكر الحديث، إلَّا أنَّ أبا داود كأنَّه يُرجح الرواية التي فيها ذكر التيمم، فقال: ورُويَ هذه القصَّة عن الأوزاعي، عن حسَّان بن عطيَّة، قال فيه: فتيمَّم. وبه بوَّب في سننه. وهو الذي ذكره البخاري معلَّقًا .. (الفتح ١/ ٤٥٤). وأخرج الإمام أحمد (١٧٨١٢) من طريق ابن لهيعة قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، وفيه: "فتيمَّمت ثم صلَّت". ولكن من الممكن الجمع بين رواية التيمم، ورواية الوضوء، بدلًا من ترجيح إحداهما على الأخرى، وإليه ذهب البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٢٦) فقال: يحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا؛ غسل ما قدر على غسله، وتيمَّم للباقي .. وأيَّده النووي قائلًا: وهذا الذي

стр. 1111

قاله البيهقي مُتعيّنٌ. انتهى من خلاصة الأحكام (١/ ٢١٦). والله تعالى أعلم. ٦ - باب التيمم لردّ السلام • عن أبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمة قال: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه النبي ﷺ حتَّى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم ردّ ﵇. متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٣٧) ومسلم في الحيض (٣٦٩) كلاهما من الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، قال: سمعت عُميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتَّى دخلنا على أبي جُهيم فقال أبو جُهيم: فذكر الحديث. واللفظ للبخاري. ووقع في مسلم: عبد الرحمن بن يسار، قال الحافظ: "وهو وهم، وليس له في هذا الحديث رواية، ولهذا لم يذكره المصنفون في رجال الصحيحين". انتهى كما وقع في صحيح مسلم هذا الحديث معلَّقًا، فإنَّه قال: وروى الليث بن سعد". وإنَّه لم يلقه، ووصله البخاري: عن يحيى بن بكير، (وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري)، قال: حدَّثنا الليث بن سعد فذكر الإسنادَ. ويحيى بن بكير من شرط مسلمٍ؛ فإنَّه احتجَّ بحديثه. ومن الفوائد: قال المازري في "المعلم" (١/ ٢٥٦): "هذا الحديث ذكره مسلم مقطوعًا، وفي كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة في أربعة عشر موضعًا منها هذا الحديث الذي ذكرناه وهو أوَّلها". وقد ألف رشيد الدين يحيى بن علي العطَّار المتوفَّى سنة ٦٦٢ هـ رسالة سماها: "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة حقَّقها الأستاذ مشهور حسن سلمان. • عن عبد الله بن عمر: أن رجلًا مرّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلَّم، فلم يردّ عليه. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٧٠) عن محمد بن عبد الله بن نمير، حدَّثنا أبي، حدَّثنا سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث. وهذا مختصر من حديث ابن عمر بأنه ﷺ تيمم ثم رد عليه. وقد أشار إلى ذلك أبو داود بعد أن أخرج الحديث المختصر (١/ ٢٣)، وهو الذي بعده. • عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، فسلم عليه، فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ حتَّى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، ثمَّ مسح وجهه ويديه، ثم ردّ رسول الله ﷺ على الرجل السلامَ. حسن: رواه أبو داود (٣٣١) عن جعفر بن مسافر، ثنا عبد الله بن يحيى البُرلُّسي، حدَّثنا حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، أن نافعًا حدثه عن ابن عمر، فذكره.

стр. 1112

وإسناده حسن ورجاله ثقات؛ إلَّا جعفر بن مسافر قال فيه النسائي: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبَّان في الثقات. وعبد الله بن يحيى البُرلُّسي - بضم الموحدة والراء، وتشديد اللام المضمومة وبعدها مهملة: - من رجال الصحيح. قال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وتابعهما عند الدارقطني (١/ ١٧٧) فقال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن عتاب، نا الحسن بن عبد العزيز الجروي، نا عبد الله بن يحيى المعافري، نا حيوة بإسناده مثله. ولم يتكلم عليه الدارقطني بشيء. إلَّا أن بعض الحفاظ جعلوه موقوفًا على ابن عمر، ولم أجد له وجها يحمله على الوقف؛ فإنَّ الحديث يوافق ما رواه أبو جهيم بن الحارث. فالذي يجب أن يحكم عليه بالنكارة والضعف هو الحديث الذي يرويه محمد بن ثابت العبدي، قال: أخبرنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه، حتَّى إذا كاد الرجل أن يتواراي في السكة ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثمَّ ضرب أخرى فمسح ذراعيه، ثم ردّ على الرجل السلام وقال: "إنه لم يمنعني أن أردَّ عليك السلام إلَّا أنِّي لم أكن على طهره. (سنن أبي داود: ٣٣٠). قال تقي الدين ابن دقيق في الإمام: ورُدَّت هذه الرواية بالكلام في محمد بن ثابت، فعن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال البخاري: خولف في حديثه عن نافع عن ابن عمر مرفوعا في التيمم، وخالفه أيوب وعبد الله وغيرهم فهانوا: عن نافع، عن ابن عمر فعله. انتهى. قلت: وكذلك رواه مالك في الموطأ (٩٠، ٩١) عن نافع أنَّه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجُرُف، حتَّى إذا كان بالمربد نزل عبد الله فتيمّم صعيدًا طيبًّا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلَّى. وفي رواية عنده: أن ابن عمر كان يتيمّم إلى المرفقين. فالنكارة في رواية محمد بن ثابت العبدي أنَّه ذكر ضربتين والمسح إلى الذراعين. إلَّا أن البيهقي يرى أن حديث ابن عمر الأوَّل يكون شاهدًا لحديث ابن عمر الثاني، ولا منافاة بينهما، فقد قال ﵀: وقد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت العبدي، فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر، والذي رواه غيره عن نافع من فعل ابن عمر إنَّما هو التيمم فقط، فأما هذه القصة فهي عن النبي ﷺ مشهورة برواية أبي الجُهيم بن الحارث بن الصِّمة وغيره، وثابت عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا مرَّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلم عليه، فلم يردّ عليه. رواه مسلم (٣٧٠). إلَّا أنه قصر بروايته ورواية يزيد بن الهاد عن نافع أتمّ من ذلك. ثمَّ روى حديث أبي داود عن جعفر بن مسافر إلى آخره، وقال: فهذه الرواية شاهدة لرواية

стр. 1113

محمد بن ثابت العبدي، إلَّا أنه حفظ فيها الذراعين، ولم يثبتها غيره كما ساق هو وابن الهاد الحديث بذكر تيممه، ثمَّ رده جواب السلام، وإن كان الضحاك بن عثمان قصر به. وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى المرفقين شاهد لصحة رواية محمد بن ثابت غير مناف لها. انتهى. "السنن الكبرى" (١/ ٢٠٦). قلت: هكذا جعل البيهقي حديث الضحاك، عن نافع، عن ابن عمر مجملًا، وحديث يزيد بن الهاد، عن نافع، عن ابن عمر تفصيلًا له، وأنا جعلتهما حديثين؛ ليأخذ كل واحد منهما رقمه الخاص. ٧ - باب أجنب رجلان فتيمم أحدُهما وصلَّى، ولم يُصلِّ الآخر • عن طارق بن شهاب أن رجلًا أجنب فلم يُصلّ، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "أصبت". فأجنب رجل آخر فتيمّمَ وصلَّى، فأتاه فقال نحو ما قال للآخر، يعني "أصبت". صحيح: رواه النسائي (٣٢٤) قال: حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا خالد بن الحارث) قال: أنبأنا شعبة، أن مخارقا أخبرهم، عن طارق، فذكر الحديث. إسناده صحيح، ورجاله ثقات. ومخارق هو ابن خليفة، من رجال البخاري، وطارق بن شهاب من صغار الصحابة، له رؤية فقط ولم يسمع منه، فحديثه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة. وفي رواية عند أحمد (١٨٨٣٢) من طريق شعبة: "فلم يعِبْ عليهما". وقوله ﷺ لهما: "أصبت" لأن كلًّا منهم اجتهد، فأقر النبي ﷺ اجتهادهما ولم يُخطِّئ واحدًا منهما، ولكن الذي صلّى بالتّيمم أولى، ويمكن حمل هذا أيضًا أنّ هذه القصّة مع هذا الرجل الذي لم يصل وقعت قبل نزول آية التيمم ولم يجد الماء. وقوله: "لم يصل" أي في وقتها إلى أن يغتسل فيصليها ولو بعد خروج الوقت قضاءً. ٨ - باب المتيمِّم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت • عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاةُ وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدُهما الصلاةَ والوضوءَ، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يُعد: "أصبتَ السنة وأجزأتْ صلاتُك". وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجرُ مرتين". صحيح: رواه أبو داود (٣٣٨) والنسائي (٤٣٣) كلاهما من طريق عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. قال أبو داود: وغير ابن نافع يرويه عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ . وقال أبو داود: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس

стр. 1114

بمحفوظ، وهو مرسل. ثم روى هو من طريق ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ . بمعناه. قلت: عبد الله بن نافع هو الصائغ مختلف فيه، والخلاصة فيه: أنَّه إذا حدّث من حفظه أخطأ، وهو صحيح الكتاب إلَّا أنَّه لم ينفرد به، فقد رواه أبو علي بن السكن قال: حدَّثنا أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي، ثنا عباس بن محمد، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا الليث بن سعد، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. ذكره ابن القطان في "الوهم والإيهام" (٢/ ٤٣٤). ورجاله ثقات، وعميرة تكلّم فيه ابن القطاّن، وهو ثّقة وثقه النسائي وغيره. ورواه النسائي (٤٣٣، ٤٣٤) مسندًا ومرسلًا. ويظهر من هذا أن عطاء بن يسار كان يرويه من وجهين وأمَّا قول الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، فالصواب أنَّه على شرط مسلم وحده؛ فإنَّ بكر بن سوادة وعبد الله بن نافع وإن كانا من الثقات فإنهما من رجال مسلم وحده. ويستفاد من هذا الحديث ما يلي: ١ - إن المتيمم كالمتطهّر يصلي في أول الوقت، وبه قال مالك وغيره. وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة، وقد قال قبل ذلك الفقهاء السبعة من أهل المدينة. فقد روى البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٣٢ بإسناده عن أبي الزناد أنَّه قال: كان من أدركتُ من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم منهم: سعيد بن المسيب - وذكر تمام الفقهاء السبعة - يقولون: من تيمم وصلّى ثم وجد الماء وهو في الوقت أو بعده لا إعادة عليه. ٢ - إنّ المتيمّم إن وجد الماء قبل خروج الوقت فالجمهور على أنَّه لا يعيد الصلاة. واستحبّ الأوزاعي إعادته ولم يوجبه. • * *

стр. 1115

٩ - كتاب الصلاة جموع ما جاء في وجوب الصلاة وفضلها ١ - باب كم فرض الله على عباده من الصلوات • عن طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس يُسمع دَوي صوته، ولا يُفقه ما يقول، حتَّى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" قال رسول الله ﷺ : "وصيام رمضان" قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" قال: وذكر رسول الله في الزكاة، قال: هل عليّ غيرُها؟ قال: "لا، إلَّا أن تطوعه، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق". متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٩٤) عن عمه أبي سُهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله فذكر الحديث، ورواه البخاري عن إسماعيل، عن مالك في الإيمان (٤٦)، ومسلم في الإيمان (٨) عن قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي، عن مالك، ومضى هذا الحديث بكامله في كتاب الإيمان. ومن لطائف إسناد البخاري: الرواةُ كلهم من الأقارب، إسماعيل هو ابن أبي أويس ابن أخت مالك، ومالك خاله، ووالد أبي سُهيل هو ابن أبي عامر الأصبحي حليف طلحة بن عبيد الله، فهو من رواية إسماعيل، عن خاله، عن عمه، عن أبيه، عن حليفه. • عن أنس قال: فرضتْ على النبي ﷺ ليلة أسري به الصلوات خمسين، ثم نُقِصَت حتى جُعلتْ خمسًا، ثم نُودي: يا محمد! إنه لا يُبدّل القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين. متفق عليه: رواه الترمذي في الصلاة (٢١٣) بهذا اللفظ مختصرًا عن محمد بن يحيى النيسابوري، ثنا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن أنس. وقال: حسن صحيح غريب.

стр. 1116

وهو حديث طويل سيأتي في قصة الإسراء والمعراج، وهذا القدر أخرجه أيضًا البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٧)، عن سعيد وهشام، قالا: حدَّثنا قتادة، ثنا أنس، ومسلم في الإيمان (١٦٣) من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس. • عن أنس قال: سأل رجل نبي الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كم فرض الله على عباده من الصلوات؟ قال: "افترض الله على عباده صلوات خمسًا" قال: يا رسول الله! هل قبلهن أو بعدهن من شيء؟ ، قال: "افترض الله على عباده صلوات خمسًا" فحلف الرجل لا يزيد عليه شيئًا، ولا ينقص منه شيئًا، قال رسول الله ﷺ : "إن صدق ليدخلنَّ الجنة". صحيح: رواه النسائي (٤٥٩) عن قتيبة قال: ثنا نوح بن قيس، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس، فذكر الحديث. وإسناده صحيح رجاله ثقات، فنوح بن قيس وثَّقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والعجلي، وغيرهم، وخالد بن قيس وثَّقه ابن معين، والعجلي، وقال ابن المديني: "ليس به بأس". وهذا الحديث مختصر لما رواه مسلم في الإيمان (١٠) مطولًا من وجه آخر عن أنس وقال فيه: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقِلُ فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فسأل الأسئلة، منها قوله: زعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: "صدق" وسأل عن بقية شرائع الإسلام ثمَّ ولَّى وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي ﷺ : لئن صدق ليدخُلَن الجنة". مضى هذا الحديث بطوله في كتاب الإيمان. • عن عبد الله بن الصنابحي قال: زعم أبو محمد أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمّد، أشهد أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهنّ الله تعالى من أحسن وضوءهُنَّ وصلَّاهُنَّ لوقتهنّ، وأتمّ ركوعهنَّ وخشوعَهُّنّ، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهدٌ، إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه". صحيح: رواه أبو داود (٤٥٢) عن محمد بن حرب الواسطي، حدَّثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن الصُّنابحي، فذكره. وإسناده صحيح. ورواه الإمام أحمد (٢٢٧٠٤) عن حسين بن محمد عن محمد بن مطرف به، وقال فيه: عبد الله

стр. 1117

الصنابحي بدون لفظ "ابن". ورواه البيهقي من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي غسّان محمد بن مطرف وقال فيه: أبو عبد الله الصنابحي، وليس فيه ذكر للوتر. وقد صوّب الحافظ وغيره أنّه أبو عبد الله الصنابحي، واسمه: عبد الرحمن بن عُسيلة، وهو ثقة. وللحديث طريق آخر يأتي تفصيله في صلاة الوتر. • عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "خمسٌ من جاء بهنَّ مع إيمان دخل الجنة، من حافظ على الصلوات الخمس؛ على وضوئهنَّ وركوعهِنَّ وسجودهِنَّ ومواقيتهنّ، وصام رمضان، وحجَّ البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيّبة بها نفسه، وأدّى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. حسن: رواه أبو داود (٤٢٩) عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، حدَّثنا أبو علي الحنفي عبد الله بن عبد المجيد، حدَّثنا عمران القطان، حدَّثنا قتادة وأبان، كلاهما عن خُليد العَصَري، عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء فذكر مثله. وهذه رواية ابن الأعرابي كما جاء في هامش النسخة الهندية: قال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا محمد بن عبد الملك بن يزيد الرواس، يُكنى أبا أُمامة، قال: حدَّثنا أبو الدرداء ... ". ولم تثبت في رواية اللؤلؤي. وإسناده حسن للكلام في عمران، وهو ابن داوَر، بفتح الواو وبعدها الراء، القمِّي أبو العوام البصري، مختلف فيه، غير أنّه حسن الحديث. وأمّا أبان فهو: ابن أبي عياش، وهو متروك، ولكنه مقرون هنا بقتادة، فلا يضر وجوده في الإسناد. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (١/ ٤٧) وعزاه إلى الطبراني في الكبير، وقال: إسناده جيِّد غير أنَّه جعل تفسير الأمانة مرفوعًا، وزاد في آخر الحديث: "إنّ الله لم يأمن ابن آدم على شيءٍ من دينه غيرها". وذلك اعتمادًا على رواية ابن اللؤلؤي التي لم يثبت فيها هذا الحديث. • عن ابن عباس قال: جاء أعرابي من بني سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا غلام بني عبد المطلب! فقال له النبي ﷺ : "وعليك السلام" فقال: إني رجل من أخوالك من بني سعد بن بكر، وأنا رسول قومي إليك ووافدهم، وإني سائلك فمشتدَّة مسألتي إياك، ومناشدك فمشتدة مناشدني إياك، فقال النبي ﷺ : "دونك يا أخا بني سعد! " فقال: من خلقك ومن خلق من قبلك ومن هو خالق بعدك؟ قال: "الله" قال: فنشدتك بذلك أهو أرسلك؟ قال: "نعم" قال: أخبرني من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وأجرى بينهم الرزق؟

стр. 1118

قال: "الله" قال: فنشدتك بذلك أهو أرسلك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن نصلي بالليل والنهار خمس صلوات لمواقيتها فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن تصوم شهر رمضان فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن تأخذ من حواشي أموالنا متجعلة في فقرائنا، فنشدتك بذلك، أهو أمرك؟ قال: "نعم" قال: أما الخامسة فلست سائلا عنها، ولا أرب لي فيها - يعني: الفواحش - ثمَّ قال: أما والذي بعثك بالحق لأعملن بها ومن أطاعني من قومي، ثمَّ رجع، فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه ثم قال: "لئن صدق ليدخلن الجنة". صحيح: رواه الطبراني في الكير (٨/ ٣٦٦) وابن خزيمة (٢٣٨٣) والدارمي (٦٧٧) وابن أبي شيبة (١٤٩١٤) كلهم من حديث محمد بن فضيل بن غزوان، ثنا عطاء بن السائب وموسى بن السائب أبو جعفر، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس فذكره. ومحمد بن فضيل حسن الحديث مع تشيعه لكنه توبع. ومنهم من روى عن عطاء بن السائب وحده، وعطاء هذا مختلط ولكنه توبع، ورواه أيضًا الدارمي (٦٧٨) من وجه آخر عن ابن عباس نحوه، وفيه: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله ﷺ . وفي الباب عن أبي قتادة بن الربعي، رواه أبو داود (٤٣٠) وابن ماجه (١٤٠٣) وفيه بقية، وهو مدلس إلَّا أنَّه صرَّح في رواية ابن ماجه، وضُبارة بن عبد الله بن أبي السليك مجهول، ودريد بن نافع شيخ. وعن كعب بن عُجرة، رواه الإمام أحمد (١٨١٣٢) وفيه عيسى بن المسيب ضعيف، والشعبي لم يسمع من كعب بن عُجرة، ورواه الدارمي من طريق إسحاق بن سعد بن كعب بن عُجرة، عن أبيه. وإسحاق بن سعد مجهولٌ أيضًا. ٢ - باب البيعة على إقامة الصّلاة • عن جرير بن عبد الله، قال: بايعتُ رسولَ الله ﷺ على إقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، والنّصح لكلّ مسلم. متفق عليه: رواه البخاريّ في مواقيت الصّلاة (٥٢٤)، ومسلم في الإيمان (٥٦) كلاهما من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير بن عبد الله، فذكره.

стр. 1119

٣ - باب قتال تارك الصّلاة والزّكاة • عن أبي هريرة، قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل النّاس وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل النّاس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله. فمن قال: لا إله إلَّا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلَّا بحقه، وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله! لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزّكاة، فإن الزّكاة حق المال، والله! لو منعوني عقالًا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله! ما هو إلَّا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنّه الحقّ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٣٩٩)، ومسلم في الإيمان (٢٠) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، فذكره، واللّفظ لمسلم. ٤ - باب حكم تارك الصلاة متعمدًا • عن جابر يقول: سمع النبي ﷺ يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر تركَ الصلاة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨٢) من طريقين: أبو سفيان، وأبو الزبير، كلاهما عن جابر بن عبد الله قال: فذكره. قال الترمذي (٢٦١٨) بعد أن رواه من طريق أبي سفيان: اسمه: طلحة بن نافع. • عن بريدة بن الحُصيب الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العَهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". حسن: رواه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٤) وابن ماجه (١٠٧٩) كلهم من طريق حسين بن واقد، قال: حدَّثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه فذكر مثله. قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وإسناده حسن، فإنَّ الحين بن واقد المروزي أبو عبد الله القاضي في درجة "صدوق" وثَّقه ابن معين، وقال الإمام أحمد: ليس به بأس، وكذا قال أبو حاتم والنسائي، وأبو داود، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث، فهو لا يرتقي إلى درجة "ثقة" كما قال الحافظ في التقريب، ثم هو جمع بين "ثقة" وبين "له أوهام" وهو جمع غير مستحسن، وأما الحاكم (١/ ٦ - ٧) فصحّحه وقال: لا تعرف له علة بوجه من الوجوه، فقد احتجا جميعًا بعبد الله بن بريدة، عن أبيه، واحتج مسلم بالحسين بن واقد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما". انتهى.

стр. 1120

قلت: وهو حديث أبي هريرة الآتي، ولكنه ليس بمحفوظ، كما سيأتي بيانه. كما صححه أيضًا ابن حبان (١٤٥٤) فرواه من طريق الحسين بن واقد به مثله. • عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاةُ، فإذا تركها فقد أشرك". صحيح: رواه اللالكائيّ في أصول الاعتقاد (١٥٢١) من طريق شعيب بن إسحاق الدّمشقيّ، ثنا أبو المغيرة (هو عبد القدوس بن الحجاج)، ثنا الأوزاعي، ثنا الوليد بن هشام، ثنا معدان بن أبي طلحة، قال: قلت لثوبان مولى رسول الله ﷺ حدّثنا حديثًا ينفعنا الله به، فسكت، فقلت: حدّثنا حديثًا ينفعنا الله به، قال (فذكره). قال اللالكائي: إسناد صحيح على شرط مسلم. وعزاه له المنذري في "الترغيب والترهيب" (٨١٨): وقال: "إسناده صحيح". وقال ابن القيم في "كتاب الصلاة" (ص ٤٦): "وإسناده صحيح على شرط مسلم". • عن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي ﷺ أن: "لا تُشركْ بالله شيئًا، وإن قُطِّعتَ وحُرِّقْتَ، ولا تتركْ صلاةً مكتوبةً متعمدًا فمن تركها متعمِّدًا فقد برِئت منه الذمَّة، ولا تشرب الخمرَ، فإنَّها مفتاح كلِّ شرٍّ". حسن: رواه ابن ماجه (٤٠٣٤) من طريق راشد أبي محمد الحِمَّاني، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا البخاري في الأدب المفرد (١٨)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٥٢٤). وشهر فيه كلام غير أنه لا ينزل عن درجة حسن الحديث إذا لم يخالف. ومن شواهده ما رُوي عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ قال: "ليس بين العبد والشرك إلّا ترك الصّلاة، فإذا تركها فقد كفر". رواه ابن ماجه (١٠٨٠) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدّمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا الأوزاعيّ، عن عمرو بن سعيد، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالك، فذكره. ويزيد هو ابن أبان الرّقاشيّ كان رجلًا صالحًا زاهدًا بكّاء، فغفل عن مذاكرة الحديث ولذلك ضعّفه جمهور أهل العلم. ورُوي أيضا عن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر جهارًا". رواه الطبراني في الأوسط (٣٣٧٢) قال: حدثنا جعفر، ثنا محمد بن أبي داود الأنباري، ثنا هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس فذكر الحديث.

стр. 1121

وقد سئل الدّارقطني عن هذا الحديث فقال: "وخالفه علي بن الجعد، فرواه عن أبي جعفر، عن الرّبيع مرسلًا، والمرسل أشبه بالصّواب". قلت: ومداره أيضًا على أبي جعفر الرّازيّ وهو عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، ذكره ابن حبان في المجروحين (٧٠٢)، فقال: "كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بخبره، إلَّا فيما وافق الثقات، ولا يجوز الاعتبار بروايته إلّا فيما لم يخالف الأثبات". وقال الحافظ في التقريب: "صدوق سيء الحفظ". فلعله مما أخطأ فيه، فزاد كلمة "جهارًا". فإنه لم يتابع على هذه الزّيادة. وأما تعليل الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٩٥) بقوله: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون إلّا محمد بن أبي داود فإني لم أجد من ترجمه، وقد ذكر ابن حبان في الثقات محمد بن أبي داود البغدادي فلا أدري هو هذا أم لا؟ ". قلت: هو من رجال التهذيب جعله الحافظ في مرتبة "صدوق". وأبو داود هو سليمان الأنباريّ أبو هارون بن أبي داود، ولعل الهيثميّ لما لم يعرف اسم أبيه اشتبه عليه. ومن شواهده ما رُوي عن أمّ أيمن أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تترك الصّلاة متعمّدًا، فإنّه من ترك الصّلاة متعمدًا فقد برئتْ منه ذمّة الله ورسوله". رواه الإمام أحمد (٢٧٣٦٤) عن الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن أمّ أيمن، فذكرته. ورواه عبد بن حميد (١٥٩٤) عن عمر بن سعيد الدّمشقيّ، عن سعيد بن عبد العزيز التَّنوخيّ، بإسناده أطول من هذا، قال عمر: ثنا غير سعيد أن الزهري قال: كان الموصى بهذه الوصية ثوبان. قلت: وفي الإسناد مكحول وهو الشامي لم يسمع من أمّ أيمن. قال أبو حاتم: سألت أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبيّ ﷺ ؟ قال: ما صحّ عندنا إلّا أنس بن مالك. وقد أكّد المزي وغيره أن روايته عن أمّ أيمن مرسلة. ومن شواهده ما رُوي عن معاذ قال: "أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات، قال: لا تشركْ بالله شيئًا وإن قُتلتَ وحرِّقتَ، ولا تعقنَّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركنَّ صلاةً مكتوبة، فإنّ من ترك صلاةً مكتوبة متعمّدًا، فقد برئت منه ذمّة الله، ولا نشربنَّ خمرًا فإنّه رأسُ كلِّ فاحشة، وإيّاك والمعصية، فإنّ بالمعصية حلَّ سخطُ الله ، وإيّاك والفرار من الزّحف وإن هلك النّاس، وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبُت، وأنفق على عيالك من طوْلك، ولا ترفعْ عنهم عصاك أدبًا، وأخفهم في الله". رواه الإمام أحمد (٢٢٠٧٥) عن أبي اليمان، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن

стр. 1122

عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرميّ، عن معاذ، فذكره. وعبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يدرك معاذًا، وروايته عنه مرسلة. انظر: تحفة التحصيل (ص ١٩٦). وله إسناد آخر، رواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٢) من طريق عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن معاذ بن جبل، أنّ رجلًا قال: يا رسول الله! علّمني عملًا إذا ما عملته دخلتُ الجنة. قال: "لا تشرك بالله ... " الحديث بنحوه، وزاد: "لا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أن لك". ولكن هذا الإسناد لا يفرح به؛ لأنّ فيه عمرو بن واقد وهو الدّمشقيّ ضعيف جدًّا، ضعّفه جماهير أهل العلم، وفي التقريب: "متروك". وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٣٨) في حديث آخر: عمرو بن واقد رمي بالكذب، وهو منكر الحديث. ومن شواهده ما رُوي عن أميمة مولاة النبيّ ﷺ قالت: "كنتُ أوضِّئه يومًا، أفرغ على يديه الماء، إذْ جاءه أعرابيٌّ، فقال: أوصني يا رسول الله! فإني أريد اللّحوق بأهلي، قال: "لا تشركنّ بالله شيئًا، وإن قطعت وحرّقت بالنّار، وأطع والديك فيما أمراك، وإن أمراك أن تخلي من دنياك وأهلك، فتخلّى منها، ولا تدعنّ صلاة متعمّدًا، فإنه من تركها، فقد برئتْ منه ذمة الله تعالى، وذمّة رسوله ﷺ ". رواه المروزيّ في تعظيم قدر الصلاة (٩١٢) عن محمود بن آدم، قال: حدّثنا الفضل بن موسى، قال: حدّثنا أبو فروة الرّهاويّ، عن أبي يحيى الكلاعيّ، عن حبيب بن نفير، عن أميمة مولاة النبيّ ﷺ ، فذكرته. وأبو فروة هو يزيد بن سنان، ومن طريقه أخرجه الحاكم (٤/ ٤١) وزاد فيه، ولم يتكلّم بشيء. وقال الذهبي: سنده واه. قلت: فيه يزيد بن سنان الّتميميّ أبو فروة الرّهاويّ جمهور أهل العلم على تضعيفه، وبه أعلّه المنذريّ في الترغيب والترهيب (٨٢٨). وقد ذكر الحافظ المنذري هذه الأحاديث وغيرها في الترغيب والترهيب، وتكلّم في أسانيد بعضها. كما أن ابن نصر المروزيّ أخرج هذه الأحاديث في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" وقام المحقّق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي بدراسة أسانيدها والحكم عليها فراجعه. ونظرا لكثرة هذه الشّواهد ذهب بعضُ أهل العلم إلى تحسينه، والله الموفق. وقد وردت آثار عن جماعة من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم بأنهم لا يرون فرقًا بين الكفر والإيمان إلا ترك الصلاة.

стр. 1123

منها ما رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٩٤٧) عن يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي الزبير، قال: سمعتُ جابرًا ﵁، وسأله رجل: أكنتُم تعدون الذنب فيكم شركًا؟ قال: لا، قال: وسئل ما بين العبد وبين الكفر. قال: ترك الصلاة. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير، وأبو خيثمة هو زهير بن معاوية الجعفيّ. وأخرج المروزيّ أيضًا (٨٩٢) من وجه آخر عن ابن إسحاق، قال: حدّثني أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، عن جابر بن عبد الله، قال: قلت له: ما كان يفرّق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله ﷺ قال: "الصّلاة". وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو مدلّس وقد صرح بالتحديث. وأخرج أيضًا المروزي (٩٢٤) عن محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: لما طُعن عمر ﵁ احتملته أنا، ونفر من الأنصار حتى أدخلناه منزله، فلم يزل في غشية واحدةٍ حتى أسفر، فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين! ففتح عينيه فقال: أصلَّى الناس؟ قلنا: نعم، قال: أما إنه لا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة. فصلى، وجرحه يثعبُ دمًا. وإسناده صحيح، عبيد الله هو: ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، قال الحافظ ابن القيم: قال هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا عليه. "كتاب الصلاة وحكم تاركها" (ص ٥٠). ويؤيّد ذلك قول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركهـ كفرًا غير الصّلاة". رواه الترمذيّ (٢٦٢٢) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا بشر بن المفضّل، عن الجريريّ، عن عبد الله بن شقيق، فذكره. وإسناده صحيح. وروي عن أبي هريرة ولا يصح، والمحفوظ عن عبد الله بن شقيق. وحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على ذلك، فقال: "قد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّ تارك الصّلاة كافرٌ، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبيّ ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصّلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتُها كافر" تعظيم قدر الصلاة (٩٩٠). ٥ - باب فضل المشي إلى الصلاة • عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : "أعظمُ الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٥١) واللفظ له، ومسلم في المساجد (٦٦٢) كلاهما

стр. 1124

من طريق أبي أسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، وزاد "حتى يصليها مع الإمام في جماعة". • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من غدا إلى المسجد وراح أعدَّ الله له نُزُلَه من الجنة كلما غدا وراح". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٦٢)، ومسلم في المساجد (٦٦٩)، كلاهما من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم: "في الجنة نزُلًا". والنُزل: هو ما يُهيأ للضيف عند قدومه. • عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "يا بني سلمة! ألا تحسبون آثارَكم". قال مجاهد: في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس ١٢]. قال خُطاهم. صحيح: رواه البخاري في الأذان (٦٥٥)، وفي رواية (٦٥٦): أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبي ﷺ قال: فكره رسول الله ﷺ أن يُعرُوا المدينة فقال: "ألا تحتسبون آثاركم" قال مجاهد: خُطاهم، أثارهم أن يُمشَي في الأرض بأرجلهم. رواه الرواية الأولى متصلًا، وقال في الثانية: وقال ابن أبي مريم فذكر إسناده، هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: وحدثنا ابن أبي مريم، قال أبو نعيم في المستخرج: ذكره البخاري بلا رواية - يعني معلقًا. قال الحافظ: وهذا هو الصواب. قلت: ثم رواه في فضائل المدينة (١٨٨٧) متصلًا عن ابن سلام به مثله وزاد: فأقاموا. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من تَطهَّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئةً، والأخرى ترفع درجةً". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٦) من طريق عدي بن ثابت، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة فذكره. • عن جابر بن عبد الله قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقتربَ من المسجد. فنهانا رسولُ الله ﷺ فقال: "إن لكم بكل خُطْوة درجةً". وفي رواية: قال جابر بن عبد الله: خَلتِ البقاعُ حول المسجد، فأراد بنو سَلِمة أن تنتقلوا إلى قرب المسجد" فبلغ ذلك رسوَل الله ﷺ فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا: نعم يا رسول الله! قد أردنا ذلك، فقال: "يا بني سَلِمة دياركم تُكتبُ آثارُكم، ديارَكم تكتبُ آثارُكم"، فقالوا: ما كان يَسُرُّنا أنّا كنا تحولنا. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٤) الرواية الأولى عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن

стр. 1125

عبد الله، والرواية الثانية (٦٦٥) عن أبي نضرة، عن جابر. • عن أبي بن كعب قال: كان رجل، لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تُخطئه صلاةٌ، قال: فقيل له، أو قلت له: لو اشتريتَ حمارًا تركبُه في الظَلْماء وفي الرمْضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشايَ إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : "قد جمع الله لك ذلك كُلَّه". وفي رواية: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تُخطئه الصلاةُ مع رسول الله ﷺ ، قال: فتَوجَّعْنَا له، فقلتُ له: يا فلان! لو أنك اشتريت حمارًا يقيك من الرمْضاء، ويقيك من هوامّ الأرض. قال: أما والله! ما أحب أن بيتي مُطَنَّبٌ ببيت محمد ﷺ ، قال: فحملتُ به حِملًا حتى أتيتُ نبيَّ الله ﷺ فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك. وذكر له أنه يرجو في أثَرِه الأجْرَ، فقال له النبي ﷺ : "إن لك ما احتسبْت". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٣) الأولى من طريق سليمان التيمي، والثانية من طريق عاصم - كلاهما عن أبي عثمان النهدي، عن أبي بن كعب، فذكر مثله. وقوله: "مطنب" - بفتح النون - أي ما أحب أن يكون بيتي مشدودًا، بالأطناب، وهي الحبال إلى بيت النبي ﷺ بل أحب أن يكون بعيدًا منه لتكثير ثوابي. وقوله: فحملت به حملا: أي عظم علي وثقل قوله، وليس المراد به الحمل على الظهر. ٦ - باب فضل المشي إلى الصلاة في الظلام • عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "ليَبْشَر المشَّاؤون في الظُلَم بنور تامٍ يوم القيامة". حسن: رواه ابن ماجه (٧٨٠) عن إبراهيم بن محمد الحلبي، قال: حدثنا يحيى بن الحارث الشيرازي، قال: حدثنا زهير بن محمد التميمي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد فذكره. وإسناده حسن للكلام في إبراهيم بن محمد الحلبي، وهو: الزّهريّ، نزيل البصرة. قال ابن حبان في "الثّقات" (٨/ ٧٥) "بخطئ". وقال الذهبي في "الكاشف" (١٩٨): "صدوق". وقال الحافظ: "صدوق يخطئ". ومثله يحسن حديثه إذا لم يخطئ. وقد صحّحه ابن خزيمة (١٤٩٨) وقال: خبر غريب غريب. ومن طريقه الحاكم (١/ ٢١٢) فروياه عن إبراهيم بن محمد البصريّ، عن يحيى بن الحارث الشّيرازيّ، حدّثنا زهير بن محمد التّميميّ وأبو
следующие страницы →