← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقد سئل الدّارقطني عن هذا الحديث فقال: "وخالفه علي بن الجعد، فرواه عن أبي جعفر، عن الرّبيع مرسلًا، والمرسل أشبه بالصّواب". قلت: ومداره أيضًا على أبي جعفر الرّازيّ وهو عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، ذكره ابن حبان في المجروحين (٧٠٢)، فقال: "كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بخبره، إلَّا فيما وافق الثقات، ولا يجوز الاعتبار بروايته إلّا فيما لم يخالف الأثبات". وقال الحافظ في التقريب: "صدوق سيء الحفظ". فلعله مما أخطأ فيه، فزاد كلمة "جهارًا". فإنه لم يتابع على هذه الزّيادة. وأما تعليل الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٩٥) بقوله: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون إلّا محمد بن أبي داود فإني لم أجد من ترجمه، وقد ذكر ابن حبان في الثقات محمد بن أبي داود البغدادي فلا أدري هو هذا أم لا؟ ". قلت: هو من رجال التهذيب جعله الحافظ في مرتبة "صدوق". وأبو داود هو سليمان الأنباريّ أبو هارون بن أبي داود، ولعل الهيثميّ لما لم يعرف اسم أبيه اشتبه عليه. ومن شواهده ما رُوي عن أمّ أيمن أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تترك الصّلاة متعمّدًا، فإنّه من ترك الصّلاة متعمدًا فقد برئتْ منه ذمّة الله ورسوله". رواه الإمام أحمد (٢٧٣٦٤) عن الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن أمّ أيمن، فذكرته. ورواه عبد بن حميد (١٥٩٤) عن عمر بن سعيد الدّمشقيّ، عن سعيد بن عبد العزيز التَّنوخيّ، بإسناده أطول من هذا، قال عمر: ثنا غير سعيد أن الزهري قال: كان الموصى بهذه الوصية ثوبان. قلت: وفي الإسناد مكحول وهو الشامي لم يسمع من أمّ أيمن. قال أبو حاتم: سألت أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبيّ ﷺ ؟ قال: ما صحّ عندنا إلّا أنس بن مالك. وقد أكّد المزي وغيره أن روايته عن أمّ أيمن مرسلة. ومن شواهده ما رُوي عن معاذ قال: "أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات، قال: لا تشركْ بالله شيئًا وإن قُتلتَ وحرِّقتَ، ولا تعقنَّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركنَّ صلاةً مكتوبة، فإنّ من ترك صلاةً مكتوبة متعمّدًا، فقد برئت منه ذمّة الله، ولا نشربنَّ خمرًا فإنّه رأسُ كلِّ فاحشة، وإيّاك والمعصية، فإنّ بالمعصية حلَّ سخطُ الله ، وإيّاك والفرار من الزّحف وإن هلك النّاس، وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبُت، وأنفق على عيالك من طوْلك، ولا ترفعْ عنهم عصاك أدبًا، وأخفهم في الله". رواه الإمام أحمد (٢٢٠٧٥) عن أبي اليمان، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن

стр. 1122

عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرميّ، عن معاذ، فذكره. وعبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يدرك معاذًا، وروايته عنه مرسلة. انظر: تحفة التحصيل (ص ١٩٦). وله إسناد آخر، رواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٢) من طريق عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن معاذ بن جبل، أنّ رجلًا قال: يا رسول الله! علّمني عملًا إذا ما عملته دخلتُ الجنة. قال: "لا تشرك بالله ... " الحديث بنحوه، وزاد: "لا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أن لك". ولكن هذا الإسناد لا يفرح به؛ لأنّ فيه عمرو بن واقد وهو الدّمشقيّ ضعيف جدًّا، ضعّفه جماهير أهل العلم، وفي التقريب: "متروك". وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٣٨) في حديث آخر: عمرو بن واقد رمي بالكذب، وهو منكر الحديث. ومن شواهده ما رُوي عن أميمة مولاة النبيّ ﷺ قالت: "كنتُ أوضِّئه يومًا، أفرغ على يديه الماء، إذْ جاءه أعرابيٌّ، فقال: أوصني يا رسول الله! فإني أريد اللّحوق بأهلي، قال: "لا تشركنّ بالله شيئًا، وإن قطعت وحرّقت بالنّار، وأطع والديك فيما أمراك، وإن أمراك أن تخلي من دنياك وأهلك، فتخلّى منها، ولا تدعنّ صلاة متعمّدًا، فإنه من تركها، فقد برئتْ منه ذمة الله تعالى، وذمّة رسوله ﷺ ". رواه المروزيّ في تعظيم قدر الصلاة (٩١٢) عن محمود بن آدم، قال: حدّثنا الفضل بن موسى، قال: حدّثنا أبو فروة الرّهاويّ، عن أبي يحيى الكلاعيّ، عن حبيب بن نفير، عن أميمة مولاة النبيّ ﷺ ، فذكرته. وأبو فروة هو يزيد بن سنان، ومن طريقه أخرجه الحاكم (٤/ ٤١) وزاد فيه، ولم يتكلّم بشيء. وقال الذهبي: سنده واه. قلت: فيه يزيد بن سنان الّتميميّ أبو فروة الرّهاويّ جمهور أهل العلم على تضعيفه، وبه أعلّه المنذريّ في الترغيب والترهيب (٨٢٨). وقد ذكر الحافظ المنذري هذه الأحاديث وغيرها في الترغيب والترهيب، وتكلّم في أسانيد بعضها. كما أن ابن نصر المروزيّ أخرج هذه الأحاديث في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" وقام المحقّق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي بدراسة أسانيدها والحكم عليها فراجعه. ونظرا لكثرة هذه الشّواهد ذهب بعضُ أهل العلم إلى تحسينه، والله الموفق. وقد وردت آثار عن جماعة من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم بأنهم لا يرون فرقًا بين الكفر والإيمان إلا ترك الصلاة.

стр. 1123

منها ما رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٩٤٧) عن يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي الزبير، قال: سمعتُ جابرًا ﵁، وسأله رجل: أكنتُم تعدون الذنب فيكم شركًا؟ قال: لا، قال: وسئل ما بين العبد وبين الكفر. قال: ترك الصلاة. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير، وأبو خيثمة هو زهير بن معاوية الجعفيّ. وأخرج المروزيّ أيضًا (٨٩٢) من وجه آخر عن ابن إسحاق، قال: حدّثني أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، عن جابر بن عبد الله، قال: قلت له: ما كان يفرّق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله ﷺ قال: "الصّلاة". وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو مدلّس وقد صرح بالتحديث. وأخرج أيضًا المروزي (٩٢٤) عن محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: لما طُعن عمر ﵁ احتملته أنا، ونفر من الأنصار حتى أدخلناه منزله، فلم يزل في غشية واحدةٍ حتى أسفر، فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين! ففتح عينيه فقال: أصلَّى الناس؟ قلنا: نعم، قال: أما إنه لا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة. فصلى، وجرحه يثعبُ دمًا. وإسناده صحيح، عبيد الله هو: ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، قال الحافظ ابن القيم: قال هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا عليه. "كتاب الصلاة وحكم تاركها" (ص ٥٠). ويؤيّد ذلك قول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركهـ كفرًا غير الصّلاة". رواه الترمذيّ (٢٦٢٢) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا بشر بن المفضّل، عن الجريريّ، عن عبد الله بن شقيق، فذكره. وإسناده صحيح. وروي عن أبي هريرة ولا يصح، والمحفوظ عن عبد الله بن شقيق. وحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على ذلك، فقال: "قد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّ تارك الصّلاة كافرٌ، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبيّ ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصّلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتُها كافر" تعظيم قدر الصلاة (٩٩٠). ٥ - باب فضل المشي إلى الصلاة • عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : "أعظمُ الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٥١) واللفظ له، ومسلم في المساجد (٦٦٢) كلاهما

стр. 1124

من طريق أبي أسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، وزاد "حتى يصليها مع الإمام في جماعة". • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من غدا إلى المسجد وراح أعدَّ الله له نُزُلَه من الجنة كلما غدا وراح". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٦٢)، ومسلم في المساجد (٦٦٩)، كلاهما من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم: "في الجنة نزُلًا". والنُزل: هو ما يُهيأ للضيف عند قدومه. • عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "يا بني سلمة! ألا تحسبون آثارَكم". قال مجاهد: في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس ١٢]. قال خُطاهم. صحيح: رواه البخاري في الأذان (٦٥٥)، وفي رواية (٦٥٦): أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبي ﷺ قال: فكره رسول الله ﷺ أن يُعرُوا المدينة فقال: "ألا تحتسبون آثاركم" قال مجاهد: خُطاهم، أثارهم أن يُمشَي في الأرض بأرجلهم. رواه الرواية الأولى متصلًا، وقال في الثانية: وقال ابن أبي مريم فذكر إسناده، هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: وحدثنا ابن أبي مريم، قال أبو نعيم في المستخرج: ذكره البخاري بلا رواية - يعني معلقًا. قال الحافظ: وهذا هو الصواب. قلت: ثم رواه في فضائل المدينة (١٨٨٧) متصلًا عن ابن سلام به مثله وزاد: فأقاموا. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من تَطهَّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئةً، والأخرى ترفع درجةً". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٦) من طريق عدي بن ثابت، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة فذكره. • عن جابر بن عبد الله قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقتربَ من المسجد. فنهانا رسولُ الله ﷺ فقال: "إن لكم بكل خُطْوة درجةً". وفي رواية: قال جابر بن عبد الله: خَلتِ البقاعُ حول المسجد، فأراد بنو سَلِمة أن تنتقلوا إلى قرب المسجد" فبلغ ذلك رسوَل الله ﷺ فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا: نعم يا رسول الله! قد أردنا ذلك، فقال: "يا بني سَلِمة دياركم تُكتبُ آثارُكم، ديارَكم تكتبُ آثارُكم"، فقالوا: ما كان يَسُرُّنا أنّا كنا تحولنا. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٤) الرواية الأولى عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن

стр. 1125

عبد الله، والرواية الثانية (٦٦٥) عن أبي نضرة، عن جابر. • عن أبي بن كعب قال: كان رجل، لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تُخطئه صلاةٌ، قال: فقيل له، أو قلت له: لو اشتريتَ حمارًا تركبُه في الظَلْماء وفي الرمْضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشايَ إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : "قد جمع الله لك ذلك كُلَّه". وفي رواية: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تُخطئه الصلاةُ مع رسول الله ﷺ ، قال: فتَوجَّعْنَا له، فقلتُ له: يا فلان! لو أنك اشتريت حمارًا يقيك من الرمْضاء، ويقيك من هوامّ الأرض. قال: أما والله! ما أحب أن بيتي مُطَنَّبٌ ببيت محمد ﷺ ، قال: فحملتُ به حِملًا حتى أتيتُ نبيَّ الله ﷺ فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك. وذكر له أنه يرجو في أثَرِه الأجْرَ، فقال له النبي ﷺ : "إن لك ما احتسبْت". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٣) الأولى من طريق سليمان التيمي، والثانية من طريق عاصم - كلاهما عن أبي عثمان النهدي، عن أبي بن كعب، فذكر مثله. وقوله: "مطنب" - بفتح النون - أي ما أحب أن يكون بيتي مشدودًا، بالأطناب، وهي الحبال إلى بيت النبي ﷺ بل أحب أن يكون بعيدًا منه لتكثير ثوابي. وقوله: فحملت به حملا: أي عظم علي وثقل قوله، وليس المراد به الحمل على الظهر. ٦ - باب فضل المشي إلى الصلاة في الظلام • عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "ليَبْشَر المشَّاؤون في الظُلَم بنور تامٍ يوم القيامة". حسن: رواه ابن ماجه (٧٨٠) عن إبراهيم بن محمد الحلبي، قال: حدثنا يحيى بن الحارث الشيرازي، قال: حدثنا زهير بن محمد التميمي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد فذكره. وإسناده حسن للكلام في إبراهيم بن محمد الحلبي، وهو: الزّهريّ، نزيل البصرة. قال ابن حبان في "الثّقات" (٨/ ٧٥) "بخطئ". وقال الذهبي في "الكاشف" (١٩٨): "صدوق". وقال الحافظ: "صدوق يخطئ". ومثله يحسن حديثه إذا لم يخطئ. وقد صحّحه ابن خزيمة (١٤٩٨) وقال: خبر غريب غريب. ومن طريقه الحاكم (١/ ٢١٢) فروياه عن إبراهيم بن محمد البصريّ، عن يحيى بن الحارث الشّيرازيّ، حدّثنا زهير بن محمد التّميميّ وأبو

стр. 1126

غسان المدنيّ كلاهما عن أبي حازم بإسناده، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. والحق أنه ليس على شرط أحدهما، فإن إبراهيم بن محمد من رجال ابن ماجه فقط. وحسّنه العراقيّ أيضًا وقال: غريب، كما ذكره البوصيريّ في زوائده. والظّاهر من كلامهم أنّ هذا الحديث لم يبلغ إليهم إلّا من حديث محمد بن إبراهيم الحلبيّ. وفي الباب أحاديث وهذا أمثلها، منها حديث أبي الدرداء رواه ابن حبان (٤٠٤٦) وفيه جنادة بن أبي أمية، قال ابن حبان: إنما هو جنادة بن أبي خالد، قال الذهبي في "الميزان": لا يُعرف، ومنها حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رواه أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٤٣٥) وفيه إسماعيل بن سليمان الضَبّي البصري الكحال قال ابن القطان: مجهول الحال، ولا تعُرف له رواية إلا بهذا الحديث، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ومنها حديث أنس رواه ابن ماجه (٧٨١)، وفيه سليمان بن داود الصائغ، قال فيه العُقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، ومنها حديث أبي هريرة رواه ابن ماجه أيضًا (٧٧٩) قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف فيه أبو رافع أجمعوا على ضعفه، والوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وغيرها من الأحاديث. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٢/ ١٣ - ١٤) ومن أهل العلم من جعل كثرة الشواهد يشدُّ بعضُها بعضًا. ٧ - باب ما جاء أن منتظر الصلاة في المسجد كالقانت • عن عقبة بن عامر الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا تطهر الرجل ثمّ مرَّ إلى المسجد يرعى الصلاة كَتَبَ له كاتبه - أو كاتباه - بكلِّ خطوةٍ يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويُكتب من المصلّين من حيث يخرج من بيته حتَّى يرجع". صحيح: رواه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٠١) وابن خزيمة (١٤٩٢) وابن حبان (٢٠٤٥، ٢٠٣٨) والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢١١) كلهم من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي عُشَّانة، أنّه سمع عقبة بن عامر الجهني يحدِّث عن رسول الله ﷺ فذكر مثله، واللفظ لابن خزيمة. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ورواه أيضا الإمام أحمد (١٧٤٤٠، ١٧٤٥٩، ١٧٤٦٠، ١٧٤٦١) من طرق عن ابن لهيعة، عن أبي عُشَّانة به مثله، وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن في طريقه الأخير فيه ابن المبارك يروي عنه، وسماعه منه قديم، وروايته عنه صحيحة، والحديث في زهده (٤١٠) قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدَّثني أبو قبيل، عن أبي عُشَّانة المعافري به مثله. وأبو قبيل هو حُيَيُّ بن هانيء المعافري قال أحمد وابن معين وأبو زرعة: ثقة.

стр. 1127

فابن لهيعة مرّة يروي عن أبي قبيل، عن أبي عُشَّانة بالواسطة، وأُخرى عن أبي عُشَّانة مباشرة، وفي بعض الروايات عن عمرو بن الحارث، عن أبي عُشَّانة، فلا أدري هل هذا من تخليطه، أو أنّه كان يروي أوَّلًا بالواسطة، ثمَّ تيسَّر له السماع بدون واسطة، وكلُّ ذلك جائز، إلّا أنّ الحديث صحيح بدونه. ولعقبة بن عامر حديث آخر من طريق عبد الله بن وهب، في ثواب الطهور، والحث على قيام الليل. ٨ - باب أن الصلاة كفارة • عن ابن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة هود: ١١٤]. فقال الرجل: يا رسول الله! ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم". متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٢٦)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٦٣) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، فذكر الحديث، واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم "لمن عمل بها من أمتي". وفي رواية عند مسلم من طريق جرير، عن سليمان التيمي بإسناده قال: أصاب رجل من امرأة شيئا دون الفاحشة، فأتى عمر بن الخطاب فعظم عليه، ثم أتى أبا بكر فعظَّم عليه، ثم أتى النبي ﷺ فذكر مثل حديث يزيد بن زريع والمعتمر. • عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أصبتُ حدًّا فأقمه عَليَّ، قال: وحضرت الصلاةُ فصلى مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله! إني أصبتُ حدًّا فأقِم في كتاب الله قال: "هل حضرت معنا الصلاة؟ ". قال: نعم. قال: "قد غفر لك". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٢٣)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٤) كلاهما من طريق عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك فذكره، واللفظ لمسلم، وفي لفظ البخاري: "إن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدَّك". • عن أبي أمامة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبتُ حدًّا فأقِمه عليَّ، فسكت عنه، وأقيمتِ الصلاةُ، فلما انصرف نبي الله ﷺ قال أبو أُمامة: فأتبع الرجلُ رسول الله ﷺ حين انصرف، واتَّبعتُ رسولَ الله ﷺ أنظر ما يردُّ على الرجل، فلحق الرجلُ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبتُ حدًّا فأقِمه عليَّ، قال أبو أُمامة: فقال له رسول

стр. 1128

الله ﷺ : "أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأتَ فأحسنت الوضوء؟ " قال: بلى يا رسولَ الله! قال: "ثم شهدت الصلاة معنا؟ " فقال: نعم يا رسول الله! قال: فقال رسول الله ﷺ : "فإن الله قد غفر لك حدَّك، أو قال: ذنبك". صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٦٥) من طريق عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شدَّاد، حدثنا أبو أمامة فذكر الحديث. • عن حمران أنه قال: فلما توضأ عثمان، قال: والله! لأحدثكم حديثا، والله! لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتوضأ رجل، فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها". قال عروة الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩]. متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٦٠)، ومسلم في الطهارة (٢٢٧: ٦) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن حمران مولى عثمان بن عفان قال: فذكره. • عن الحارث مولى عثمان بن عفان قال: جلس عثمان يوما، وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنه سيكون فيه مد، فتوضأ. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "ومن توضأ وضوئي هذا، ثم قام. فصلى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ثم صلي المغرب غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لعله أن يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام، فتوضأ، وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات". قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات يا عثمان؟ قال: هن: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. حسن: رواه أحمد (٥١٣)، والبزار (٤٠٥)، والطبري في تفسيره (١٢/ ٦١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ٢٠٩٢) كلهم من طريق أبي عقيل - وهو زهرة بن معبد -، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل الحارث مولى عثمان؛ فإنه وإنْ لم يوثقه أحدٌ غير ابن حبان، فإن لحديثه هذا أصلا. وفي الباب عن ابن عباس رواه الإمام أحمد (٢٢٠٦)، والطبراني (١٢٩٣١) وفيه علي بن زيد ضعيف، وعن معاذ بن جبل رواه الترمذي (٣١١٣) وقال: ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي

стр. 1129

ليلي لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقُتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ستِّ سنين، وقد روي عن عمر. انتهى. وعن أبي اليسر وهو كعب بن عمرو رواه أيضًا الترمذي (٣١١٥) وفيه قيس بن الربيع ضعيف ضعَّفه وكيع وغيره، إلا أن الترمذي حكم عليه بأنه حسن صحيح. ٩ - باب ما جاء في تأكيد الصلاة والمحافظة عليها • عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارونَ وفرعونَ وهامان وأبيّ بن خَلفَ". حسن: رواه أحمد (٦٥٧٦) عن أبي عبد الرحمن - وهو عبد الله بن يزيد المقرئ - ثنا سعيد - وهو ابن أبي أيوب، حدثني كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث. ومن هذا الطّريق رواه ابن حبان (١٤٦٧) في صحيحه. ورواه أيضًا الطبراني في الكبير والأوسط - مجمع البحرين - (١/ ٤٠٦ رقم ٥٢٨) من طريق ابن ثوبان، عن سعيد بن أبي أيوب به إلا أنه لم يذكر الجزء الثاني من الحديث وهو قوله: "ومن لم يحافظ عليها ..... ". وإسناده حسن من أجل عيسى بن هلال الصدفي، فإنه صدوق كما قال الحافظ وباقي رجال الإسناد ثقات. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٩٢): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات. وذكره المنذريّ في الترغيب والترهيب (٨٣٩) وقال: رواه أحمد بإسناد جيّد. • عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال: "لتُنْقَضَنَّ عُرى الإِسلام عُروةً عَروةً، فكلما انتُقِضَتْ عُروة تَشَبَّثَ الناس بالتي تليها، وأولُهن نَقْضًا الحكمُ، وآخرهُنَّ الصلاةُ". حسن: رواه أحمد (٢٢١٦٠) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٧٤٨٦) عن الوليد بن مسلم، حدَّثني عبد العزيز بن إسماعيل بن عبد الله، أن سليمان بن حبيب حدَّثهم، عن أبي أمامة فذكر الحديث. وصححه ابن حبان (٦٧١٥)، فرواه من هذا الطريق. وإسناده حسن، فإن عبد العزيز بن إسماعيل بن عبد الله قال فيه ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس به بأس، ووثَّقه ابن حبان. وهو من رجال "التعجيل" (٦٦٠). ومنه يظهر خطأ الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٨١) في قوله: "رجالهما رجال الصحيح". والوليد بن مسلم مدلس إلا أنه

стр. 1130

صرَّح بالسماع. ١٠ - باب أن الصلاة برهان • عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: "يا كعب بن عجرة! الصوم جُنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان - أو قال -: برهان، يا كعب بن عجرة! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى بها الحديث. حسن: رواه أحمد (١٤٤٤١)، وأبو يعلى (١٩٩٩)، والبزار - الكشف (١٦٠٩)، وصحّحه ابن حبان (٤٥١٤)، والحاكم (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠) كلهم من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٢٠٧١٩) - عن معمر، عن ابن خُثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله فذكره في حديث طويل. وإسناده حسن من أجل ابن خُثيم - مصغرا - وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم فإنه حسن الحديث. • عن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا كعب بن عجرة! الصلاة برهان والصوم جنة حصينة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفيء الماء النار يا كعب بن عجرة! إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به" الحديث. حسن: رواه الترمذي (٦١٤) عن عبد الله بن زياد القطواني الكوفي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا غالب أبو بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن كعب بن عجرة فذكره في سياق طويل. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لانعرفه إلا من حديث عبد الله بن موسى، وأيوب بن عائذ يضعف ويقال كان يرى رأي الإرجاء، وسألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى واستغربه جدًّا اهـ. قلت: إسناده حسن من أجل غالب أبي بشر وثّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في ثقاته، وهو حسن الحديث، وأما أيوب بن عائذ فأكثر أهل العلم على توثيقه. ١١ - باب الفراغ من الصلاة راحة للقلب • عن رجل من الأنصار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قم يا بلال، فأرحْنا بالصلاة". صحيح: رواه أبو داود (٤٩٨٦)، وأحمد (٢٣١٥٤) كلاهما من حديث إسرائيل، حدثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن محمد ابن الحنفية قال: انطلقت أنا وأبي إلى صهر لنا من الأنصار نعوده، فحضرت الصلاة، فقال لبعض أهله: يا جارية ائتوني بوضوء لعلي

стр. 1131

أصلي وأستريح قال: فأنكرنا ذلك عليه فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث. وإسناده صحيح. ورواه أبو داود (٤٩٨٥)، وأحمد (٢٣٠٨٨) كلاهما من وجه آخر عن مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من أسلم - كذا عند أحمد، وعند أبي داود رجل من خزاعة - أن النبي ﷺ قال: "يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها". فإنْ صحّ هذا الطريق فهو شاهد للطريق الأول، وقد روي مرسلا عن محمد ابن الحنفية، والحكم لمن وصل. قوله: "أرحنا بالصلاة" أي نتفرغ من الصلاة لأن القلب مشغول بها. وقيل: معناه كان اشتغاله بالصلاة راحة له، وهذا المعنى لا يناسب في هذا المقام. • * *

стр. 1132

جموع أبواب مواقيت الصلوات قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: ١٠٣] أي: فرضًا مؤقتًا. وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [سورة الروم: ١٧، ١٨]. فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أي: صلاة المغرب والعشاء. وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي: صلاة الصبح. وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ أي: صلاة العصر. وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي: صلاة الظُّهْر. وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أراد بالدلوك زوالَها، فدخل فيه صلاة الظُّهر والعَصر والمغرب والعشاء، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْر﴾ أراد به صلاة الصبح، روي ذلك عن ابن مسعود. ١ - باب ما جاء في إمامة جبريل وتوقيت الصلاة • عن عمر بن عبد العزيز أنه أخَّرَ الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال: ما هذا يا مغيرة! أليس قد علمت؟ أن جبريل نزل فصلَّى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلَّى، فصلَّى رسول الله ﷺ ، ثم صلَّى، فصلَّى رسول الله ﷺ ، ثم صلَّى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلَّى فصلَّى رسول الله ﷺ ، ثم قال "بهذا أمرتُ". فقال عمر بن عبد العزيز: اعلَمْ ما تُحدثُ به يا عروةُ! أو إنَّ جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ في وقت الصلاة، قال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود الأنصاري يُحدث عن أبيه. متفق عليه: رواه مالك في وقوت الصلاة (١) عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز.

стр. 1133

ورواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٢١) ومسلم في المساجد (٦١٠) كلاهما من طريق مالك، بإسناده. ورواه الشيخان، البخاري (٣٢٢١)، ومسلم من طريق الليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخَّر العصر شيئًا، وقال في آخره: يحسب بأصابعه خمس صلوات، هذه القصة سمعها ابن شهاب من عروة بن الزبير كما رواه تلميذه شعيب عنه. البخاري (٤٠٠٧). قال أبو داود: "روى هذا الحديث عن الزهري معمر ومالك وابن عينة وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وغيرهم، ولم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ولم يفسروه" اهـ. قلت: وأما أبو داود نفسه فروي مفسرًا (٣٩٤) من طريق أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره، أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر فأخَّر العصرَ شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ﵇ قد أخبر محمدًا ﷺ بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول، فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود بقول: سمعتُ أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "نزل جبريل ﵇ فأخبرني بوقت الصلاة، فصلَّيْتُ معه، ثم صلَّيْتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه"، ثم صلَّيتُ معه"، بحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ حين تزول الشمسُ، وربما أخَّرها حين يشتد الحَرُّ، ورأيتُه يُصَلِّي العصر والشمسُ مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرةُ، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشَّمْسِ، ويُصَلِّي المغربَ حين تسقطُ الشمسُ، ويُصَلِّي العِشاءَ حين يَسْوَدُّ الأُفق، وربما أخَّرها حتى يجتمع الناس، وَصلَّى الصُبْحَ مرَّةٌ بغلَسٍ ثم صَلَّى مرةً أخرى فأسْفَر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك في التغليس حتى مات، ولم يَعُد إلى أن يُسْفِر". رواه أيضًا النسائي (٤٩٥)، وابن ماجة (١٦٨) مختصرًا. • عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أمَّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصَلَّى بي الظُّهْر حين زالتِ الشمسُ، وكانت قدر الشِّراكِ، وصَلَّى بي العصرَ حين كان ظِلُّه مثله، وصَلَّى بي - يعني المغربَ حين أفْطَر الصائمُ، وصلى بي العِشَاءَ حيث غاب الشَّفقُ، وصلى بي الفجر حين حُرمَ الطعامُ والشرابُ على الصائم، فلما كان الغدُ صَلَّى بي الظُّهْرَ حين كان ظِلُّه مثلَه، وصلَّى به العصر حين كان ظِلُّه مثْليْه، وصلَّى بي المغربَ حين أفْطَر الصائم، وصلى بي العشاءَ إلى ثُلُثِ اللَيْلِ، وصَلَّى بي الفجر، فأسْفَر ثم التفتَ إليَّ فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين". حسن: أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن عَيَّاش بن ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس فذكر مثله، واللفظ لأبي داود.

стр. 1134

وإسناده حسن للكلام في عبد الرحمن بن عبد الله بن عيَّاش فقد وثَّقه ابن سعد والعجلي، وقال ابن معين: صالح، وفي رواية: ليس به بأس، وضعَّفه ابن المديني، وقال النسائي: ليس بالقوي. وكذلك فيه حكيم بن حكيم بن عباس بن حنيف الأنصاري وثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعَّفه ابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس. قال ابن عبد البر: وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلُّهم مشهورون بالعلم، وقد أخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٨) عن الثوري وابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن الحارث، وأخرجه أيضًا عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه. انتهى. قلت: وحسَّنه الترمذي، وفي نسخة: حسن صحيح كما نقل الزيلعي، وصحّحه ابن خزيمة (٣٢٥)، والحاكم (١/ ١٩٣) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: عبد الرحمن بن الحارث لم يتفرد به، بل تابعه محمد بن عمرو، عن حكيم، كما أن حكيم بن حكيم تابعه زياد بن أبي زياد وعبيد الله بن مقسم، كلاهما عن نافع بن جبير به، وحديث هؤلاء أخرجه الدارقطني (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩). وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٧٣): وصحّحه أبو بكر بن العربي وابن عبد البر، وقال ابن عبد البر: لا توجد هذه اللفظة، وهي قوله: "هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك" إلا في هذا الحديث. • عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ حين زالت الشمسُ فقال: قُم يا محمد! فصَلِّ الظُّهْرَ حين مالتِ الشمسُ، ثم مكثَ حتى إذا كان فيءُ الرجلِ مثلُه جاءه للعصر فقال: قم يا محمد! فَصَلِّ العصر، ثم مكث حتى إذا غابتِ الشمسُ جاءه فقال: قُم فصَلِّ المغربَ، فقام فصلَّاها حين غابتِ الشمسُ سواءً، ثم مكثَ حتى إذا ذهب الشَفقُ جاءه فقال: قُم فصَلِّ العِشاءَ فقام فصلَّاها، ثم جاءه حين سَطَعَ الفَجْرُ في الصُّبْح فقال: قُم يا محمد! فصَلِّ فقام فصلَّى الصُّبْحَ، ثم جاءه من الغَدِ حين كان فيءُ الرجُلِ مثلَه فقال: قم يا محمد! فصَلِّ الظُّهْرَ، ثم جاءه جبريل ﵇ حين كان فيءُ الرجُلِ مِثْلَيْه فقال: قم يا محمد! فصَلِّ فصَلَّى العصرَ، ثم جاءه للمغرب حين غابتِ الشَمس وقْتًا واحدًا لم يَزُلْ عنه فقال: قُم فصَلِّ، فَصَلَّى المغربَ، ثم جاءه للعشَاء حين ذهب ثُلُثُ اللَّيْل الأولُ فقال: قُم فصَلِّ فصَلَّى العِشَاءَ، ثم جاءه للصُّبْح حين أسْفَر جدًّا، فقال: قم فَصَلِّ فَصَلَّى الصُّبْحَ فقال: ما بين هذين وقت كلُّه. حسن: رواه النسائي (٥٢٦) واللفظ له، والترمذي (١٥٠) كلاهما من طريق عبد الله بن

стр. 1135

المبارك، عن حسين بن علي بن حسين، قال: أخبرني وهب بن كيسان، قال: حدثنا جابر بن عبد الله فذكره. وأما الترمذي فلم يسق لفظ الحديث، وإنما أحال على حديث ابن عباس فقال: "بمعناه". وقال: قال محمد: "أَصَحُّ شيء في المواقيتِ حديث جابر عن النبي ﷺ ". وقال الحاكم بعد أن أخرج الحديث من طريق ابن المبارك (١/ ١٩٥ - ١٩٦): "هذا حديث صحيح مشهور من حديث عبد الله بن المبارك، والشيخان لم يخرجاه لعِلة حديث الحسين بن علي الأصغر، وقد روى عنه عبد الرحمن بن أبي الموال وغيره". قلت: إسناده حسن من أجل حسين الأصغر هو أخو أبي جعفر بن علي بن الحسين، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. ولحديث جابر طريق آخر وهو عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر رواه النسائي (٥١٣)، وابن خزيمة (٣٥٣)، والحاكم (١/ ١٩٦) والبيهقي (١/ ٣٦٨ - ٣٦٨)، وأحمد (١٤٧٩٠) كلهم من طرق عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: إن جبريل أتى النبي ﷺ يُعلِّمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خلْقَه، والناسُ خَلْفَ رسولِ الله ﷺ ثم ذكر نحوه. وقد أشار إلى هذه الطرق الترمذي نقلًا عن البخاري، فقال: وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ". • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : هذا جبريل ﵇ جاءكم يُعلمكم دينكم، فصلَّى الصُّبْحَ حين طَلَعَ الفَجْرُ، وصَلَّى الظُّهْرَ حينَ زَاغَتِ الشمسُ، ثم صَلَّى العَصْر حين رأى الظِّلِّ مِثْلَه، ثم صَلَّى المغربَ حينَ غَرَبتِ الشمسُ، وحَلَّ فِطْرُ الصائم، ثم صَلَّى العِشَاءَ حينَ ذهبَ شَفَقُ اللَّيْل، ثم جاءَه الغدَ فصَلَّى به الصُّبْحَ حين أسْفَر قليلًا، ثم صلَّى به الظُّهرَ حينَ كان الظِّلُّ مثْلَه ثم صلَّى العَصْر حين كان الظِّلُّ مِثْلَيه، ثم صَلَّى المغْرِبَ بوقتٍ واحدٍ حينَ غربتِ الشمسُ، وحَلَّ فِطْرُ الصائم، ثم صَلَّى العِشَاءَ حين ذهبَ ساعةٌ من اللَّيْلِ، ثم قال: الصلاة ما بين صلاتِك أمْسِ وصلاتِك اليومَ". حسن: رواه النسائي (٥٠٢) قال: أخبرنا الحسين بن حُريثٍ، قال: أنبأنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وصحّحه الحاكم (١/ ١٩٤) من طريق الفضل بن موسى به مختصرًا. قلت: إسناده حسن فإن محمد بن عمرو وهو: ابن علقمة الليثي أبو عبد الله "صدوق"، وقد

стр. 1136

تكلم فيه يعقوب بن شيبة وابن سعد، وروى له الجماعة. • عن عمرو بن حزم قال: جاء جبريل ﵇ يُصَلِّي بالنبي ﷺ ، وصلَّى النبي ﷺ بالناس حين زالتِ الشمس، ثم صلى العصر حين كان ظِلُّه مثله، ثم صلَّى المغربَ حين غربتِ الشمسُ، ثم صلى العِشَاءَ بعد ذلك - كأنه يريد ذهاب الشفق - ثم صَلَّى الفجر بغلسٍ حين فجر الفجرُ، ثم جاء جبريل ﵇ من الغدِ، فصلَّى الظُّهر بالنبي ﷺ ، وصلى النبي ﷺ بالناس الظُّهْرَ حين كان ظِلُّه مثله، ثم صلى العصر حين صار ظِلُّه مثليه، ثم صلي المغرب حين غربت الشمسُ لوقت واحد، ثم صلى العشاء بعد ما ذهب هوى من الليل، ثم صلى الفجْرَ فأسْفَرَ جدًّا. حسن: رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن عبد الرزاق، ثنا معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عمرو بن حزم، فذكر الحديث. أورده الحافظ في "المطالب العالية" (١/ ١٤٠) والبوصيري في "إتحاف الخيرة" (١/ ٤٠ - ٤١) رقم (١١٣٣) كلاهما من مسند إسحاق بإسناده. قال البوصيري: "هذا إسناد حسن". وقال الحافظ: "هذا إسناد حسن إلا أن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمع من النبي ﷺ لصغره، فإن كان الضمير في جده يعود على أبي بكر توقف على سماع أبي بكر من عمرو". انتهى. قلت: كلاهما رويا من عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حرم، عن أبيه، عن جده، فجاء هذا الإشكال. والذي في مصنف عبد الرزاق (١/ ٥٣٤) رقم (٢٠٣٢): عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه فذكر الحديث، فلا إشكال فيه، فهل كان في نسختهما كما ذكرا؟ والله تعالى أعلم. ورجال الإسناد كلهم ثقات، ومحمد وأبوه عمرو بن حزم كان لهما صحبة، إلا أن محمدًا لم يرو عن النبي ﷺ لأنه كان له رؤية فقط. ٢ - باب ما جاء في توقيت الصلوات • عن جابر بن عبد الله أن سئل عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: كان النبي ﷺ يُصَلِّي الظُّهْر بالهاجِرة، والعَصْرَ والشمسُ نقيةٌ، والمغربَ إذا وجبتْ، والعِشاءَ أحيانًا وأحيانًا: إذا رآهم اجتمعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّرَ، والصُّبْحَ كانوا أو كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّيها بغَلَسٍ. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٦٠، ٥٦٥)، ومسلم في المساجد (٦٤٦) كلاهما من

стр. 1137

طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن عَليٍّ قال: لما قَدِم الحجَّاجُ المدينة فسألنا جابر بن عبد الله فذكر الحديث ولفظهما سواء. وفي رواية عند مسلم: كان الحجَّاجُ يُؤخِّر الصلوات فسألنا جابر بن عبد الله فذكر الحديث. • عن أبي برزَة كان النبي ﷺ يُصَلِّي الصُّبْح، وأحدنا يعرف جَليسَه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة، ويُصلي الظهر إذا زالت الشمسُ، والعصْرَ وأحدنا يذهبُ إلى أقصى المدينة رجع والشمسُ حيَّةٌ، ونَسيتُ ما قال في المغرب، ولا يُبالي بتأخير العِشاء إلى ثلثِ اللَّيل - ثم قال: إلى شطر الليل. وقال مُعاذ قال شعبة: ثم لقيته مرة فقال: "أو ثلث الليل". متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٤١) عن حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي برزَة فذكر الحديث، ورواه مسلم في المساجد (٦٤٧) من أوجه عن شعبة به مثله. وأبو المنهال اسمه: سيّار بن سلامة. وقول البخاري: وقال معاذ - يقصد به - معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري البصري، وروى حديثه مسلم في صحيحه عن عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة فذكر مثله. ورواه حماد بن سلمة عن سيار بن سلامة أبي المنهال قال: سمعت أبا برزَة الأسلمي فذكر الحديث في تأخير العشاء إلى ثلث الليل ثم قال: "ويكره النوم قبلها والحديث بعدها" رواه مسلم. • عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "إذا صَلَّيتُم الفَجْرَ فإنه وقتٌ إلى أن يطْلُعَ قرنُ الشمسِ الأولِ، ثم إذا صَلَّيتُم الظُّهْرَ فإنّه وقت إلى أن يحضر العَصْرُ، فإذا صَلَّيتُم العَصْرَ فإنه وقتٌ إلى أن تصْفَرَّ الشمسُ، فإذا صَلَّيتُم المغرب فإنه وقتٌ إلى أن يسقُطَ الشَفَقُ، فإذا صَلَّيتُم العِشَاءِ فإنه وقتٌ إلى نصفِ اللَّيلِ". وفي رواية: "وقْتُ الظُّهْرِ ما لم يحضرِ العصرُ، ووقْتُ العَصْرِ ما لم تصْفَرَّ الشمسُ، ووقتُ المغْربِ ما لم يسقُطْ ثَورُ الشَّفَق، ووقت العِشاء إلى نصِف اللّيلِ، وقت الفَجْرِ ما لم تطْلُعِ الشمسُ". وفي رواية: "وقتُ الظُّهْرِ إذا زالتِ الشمسُ، وكان ظِلُّ الرجل كطولِه، ما لم يحضُرِ العصرُ، ووقتُ العصْرِ ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ، ووقتُ صلاة المغربِ ما لم يَغِبِ الشَّفَقُ، ووقتُ صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقْتُ صلاةِ الصُبح من طلوع الفَجْر ما لم تطْلُعِ الشمسُ، فإذا طَلَعتِ الشمسُ فأَمْسِكْ عن الصلاة، فإنَّها تطلعُ بين قرني شيطان".

стр. 1138

وفي رواية سئل رسولُ الله ﷺ عن الصلوات فقال: "وقْتُ صلاة الفجر ما لم يطلُعْ قرنُ الشمس الأول، ووقتُ صلاةِ الظُّهْرِ إذا زالتِ الشمسُ عن بَطْن السماءِ ما لم يحضرِ العصرُ، ووقتُ صلاة العصر ما لم تصْفَرَّ الشمسُ ويسقُطْ قرنُها الأوَّلُ، ووقتُ صلاةِ المغربِ إذا غابَتِ الشمسُ ما لم يسقُطِ الشَّفَقُ، ووقتُ صلاةِ العِشاء إلى نصفِ الليل". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦١٢) كل هذه الروايات من طريق قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو فذكر مثله. • عن عمرو بن عَبَسَة السُّلَمي إنه حين أسلم سأل النبي ﷺ عن الصلاة فقال له: "صَلِّ صلاةَ الصُبْحٍ ثم أقْصِر عن الصلاةِ حتَّى تطلعَ الشمسُ حتَّى ترتفعَ، فإنَّها تطلعُ حِينَ تطلعُ بينَ قرنيْ شَيطان، وحينَئِذٍ يسجدُ لها الكفارُ، ثم صَلِّ فإنَّ الصلاةَ مَشْهُودةٌ محْضُورةٌ حتى يستَقِلَّ الظِلُّ بالرُمْحٍ، ثم أقْصِرْ عن الصلاةِ فإنَّ حينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإذا أقبلَ الفيءْ فصَلِّ فإنَّ الصلاة مشهودةٌ محضورةٌ حتَّى تُصَلِّي العَصْرَ، ثم أَقْصِرْ عن الصلاة حتَّى تغربَ الشمسُ، فإنَّها تغربُ بين قَرْنَيْ شيطانٍ وحينَئِذٍ يسجدُ لها الكفارُ". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٢) في سباق طويل وسبق ذكره في كتاب الوضوء، في باب ما جاء في ثواب الطهور. وقوله: "حتى يستقلَّ الظِلُّ بالرمح" أي يقوم مقابله في جهة الشمال، ليس مائلًا إلى المغرب، ولا إلى المشرق. وهذه حالة الاستواء وفي الحديث التصريح بالنهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول الشمسُ. • عن بُريدة بن الحُصَيب عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله عن وَقْتِ الصلاةِ فقال له: "صَلِّ معنا هذين" يعني اليومين - فلما زالت الشمسُ أمر بلالًا فأذَّن، ثم أمره فأقَام الظُّهر، ثم أمره فأقام العَصْرَ، والشمس مُرتِفِعَةٌ بَيْضاء نَقِيَّةٌ، ثم أمره فأقام المغربَ حين غابتِ الشمسُ، ثم أمره فأقامَ العِشاءَ حين غابَ الشفقُ، ثم أمره فأقام الفَجْرَ حين طلع الفجْرُ، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبْردَ بالظُّهْرِ فأَبْرَد بها، فأنْعَم أن يُبْرِدَ بها، وصَلَّى العصرَ والشمسُ مرتَفِعَةٌ أَخَّرها فوقَ الَّذي كان، وصَلَّى المغربَ قبلَ أن يَغيبَ الشفق، وصلى العِشاء بعد ما ذهب ثلثُ الليل، وصلَّى الفَجْرَ فأسْفر بها ثم قال: "أين السائلُ عن وقتِ الصلاة؟ "، فقال الرجلُ: أنا يا رسولَ الله!

стр. 1139

قال: "وقتُ صلاتكم بين ما رَأيْتُم". وفي رواية: "اشهدْ معنا الصلاة" فأمر بلالًا فأذَّنَ بَغَلَسٍ فصَلَّي الصبحَ حين طلع الفجرُ، ثم أمره بالظُّهْرِ حين زالتِ الشمسُ عن بطن السماء، ثم أمره بالعصرِ والشمس مرتفِعةٌ، ثم أمره بالمغرب حين وجبتِ الشمسُ، ثم أمره بالعشاء حين وقعَ الشفقُ، ثم أمره الغدَ فنَوَّر بالصُّبْحِ، ثم أمره بالظُّهْرِ فأبْردَ ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقيةٌ لم تخالطها صُفْرةٌ، ثم أمره بالمغربِ قبل أن يقعَ الشَفَقُ، ثم أمره بالعِشاءِ عند ذهابِ ثُلُثُ اللَّيلِ أو بعضه - فلما أصبح قال: "أين السائل؟ ما بين ما رأيتَ وقتٌ". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦١٣) عن علقمة بن مَرْثدٍ، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه فذكر الحديث. • عن أبي موسى، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرُدَّ عليه شيئًا، قال: فأقام الفَجْرَ حين انشق الفجرُ، والناسُ لا يكاد يعرفُ بَعْضُهم بعضًا، ثم أمره فأقام بالظُّهْر حين زالتِ الشمسُ، والقائل يقول: قد انتصفَ النهارُ وهو كان أعلمَ منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمسُ مرتفعةٌ، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعتِ الشمسُ، ثم أمره فأقام بالعِشاء حين غاب الشفقُ، ثم أخَّر الفجر من الغَدِ حتى انصرفَ منها، والقائل يقول: قد طلعتِ الشمسُ أو كادتْ، ثم أخَّرَ الظُّهْرَ حتى كان قريبًا من وقت العصْرِ بالأمسِ، ثم أخَّرَ العَصْرَ حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد احمرَّتِ الشمسُ، ثم أخَّرَ المغربَ حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخَّرَ العشاء حتى كان ثلثُ الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائلَ فقال: "الوقت بين هذين". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦١٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا بدر بن عثمان، حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه فذكره. • عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذا زالتِ الشمسُ، ويُصَلِّي العصر بين صلاتيكم هاتين، ويُصَلِّي المغربَ إذا غربتِ الشمسُ، ويُصَلِّي العِشاءَ إذا غاب الشفقُ ثم قال: على إثره، ويُصَلِّي الصُّبْحَ إلى أن يَنْفَسِحَ البصرُ. صحيح: رواه النسائي (٥٥٢) قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد، عن شُعبة، عن أبي صدقةَ، عن أنس بن مالك فذكر الحديث. وإسناده صحيح، خالد هو: ابن الحارث بن عبيد الهُجَيمي من رجال الجماعة.

стр. 1140

وأبو صدقة، واسمه: توبة الأنصاري مولى أنس البصري، روى عنه جمع، ووَثَّقه النسائي في "الكنى" فيما نقله الحافظ في "التهذيب" وقال الذهبي في الكاشف ثقة. ثم هو من شيوخ شعبة، ومن المعروف أن شعبة لا يروي إلا عن الثقات، وقد أثنى عليه خيًرا في رواية الإمام أحمد (١٢٧٢٣) فإن الإمام أحمد رواه عن حجاج (وهو ابن محمد المصيصي) قال: حدثني شعبةُ، عن أبي صدقة مولى أنس - وأثنى عليه شعبةُ خيرًا - قال: سألت أنسًا عن صلاة رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه: "والصبح إذا طلع الفجرُ إلى أن ينفسح البصرُ". كما رواه أيضًا (١٢٣١١) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبةُ، عن أبي صدقة مولى أنس فذكر مثله. فالخلاصة: أنَّ أبا صدقة ثقة. وللحديث طريق آخر أخرجه أبو يعلى (٣٩٩١) - الأثري. قال: حدثنا أحمد بن حاتم، ثنا معتمر بن سليمان، قال: حدثني رجل يقال له بيان، قال: قلت لأنس حَدَّثني بوقت رسول الله ﷺ في الصلاة. قال: كان يُصَلِّي الظهر عند دلوك الشمس، ويُصَلِّي العصر بين صلاتيكم الأولى والعصر، وكان يُصَلِّي المغربَ عند غروب الشمس، ويُصِلِّي العشاء عند غروب الشفق، ويُصَلِّي الغداة عند طلوع الفجر حين يفتح البصر، كل ما بين ذلك وقت، أو قال: صلاة. بيان هو: ابن بشر الأخمس أبو بشر الكوفي من رجال الجماعة. وهذه الطريق أوردها الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٤٠) وقال: إسناده حسن. وأورده البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٢/ ٤٦) هذه الطريق، وطريق آخر عن أحمد بن رجاء، عن المعتمر بن سليمان، به وقال: هذا حديث رجاله ثقات. وقوله: "يُصَلِّي العصر بين صلاتيكم الأولى" - أي الظهر، والعصر - المراد هنا الطرف الأخير من النهار. وقوله: "يُصَلِّي الغداة عند طلوع الفجر حين يفتح البصر". وفي رواية: "ينفسح البصر" وفَسَحَ البصرُ وانفسحَ إذا رأى الشيء عن بُعد - يعني به الإسفار. ومعنى الحديث بعد النظر إلى الأحاديث السابقة أنه يدخل في صلاة الفجر في الغلس، ويخرج منها في الإسفار كما سيأتي بيان ذلك في حديث رافع بن خديج. وأما ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنَّ للصلاة أوّلا وآخِرًا، وإنَّ أوّلَ وقتِ الظُّهرِ حين تزول الشمسُ، وآخر وقتها حين يدخلُ وقتُ العصِر، وإنَّ أوَّلَ وقتِ صلاة العصر حين يدخلُ وقتُها، وإن آخر وقتها حين تَصفَرُّ الشمسُ، وإنَّ أوَّلَ وقتِ المغرب حين تغربُ الشمسُ، وإن آخرَ وقتها حين يَغيبُ الأفقُ، وإن أوَّلَ وقت العِشاءِ الآخرةِ حين يغيبُ الأُفقُ، وإن آخر وَقتها حين ينتصفُ اللّيلُ، وإنَّ أوَّلَ وقتِ الفَجرِ حين يطلعُ الفجرُ، وإنَّ آخر وَقتها حين تطلعُ الشمسُ". فهو ضعيف: أخرجه الترمذي (١٥١) قال: حدثنا هنَّاد، حدثنا محمد بن فُضَيلٍ، عن

стр. 1141

الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال الترمذي: سمعتُ محمدًا (البخاري) يقول: حديث الأعمش، عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فُضَيل، عن الأعمش، وحديث محمد بن فُضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فُضيل" انتهى. ثم روى الترمذي عن هنّاد، حدثنا أبو أسامة، عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش، عن مجاهد قال: كان يقال: إن للصلاة أوَّلًا وآخرًا فذكر نحو حديث محمد بن فُضَيل عن الأعمش بمعناه. انتهى. وما قال به البخاري قاله غير واحد من أهل الحديث منهم: أبو حاتم نقل عنه ابنه في العلل (١/ ١٠١): "هذا خطأ، وهم فيه ابن فُضيل يرويه أصحاب الأعمش، عن الأعمش عن مجاهد قوله". ومنهم الدارقطني فإنه قال أيضًا بعد أن أخرج الحديث في سننه (١/ ٢٦٢) من حديث ابن فُضَيل: هذا لا يصح مسندًا وَهِمَ في إسناده ابن فُضيل، وغيرهُ يرويه عن الأعمش، عن مجاهد مرسلًا، ثم ساقه من طريق زائدة بن قدامة، عن الأعمش، عن مجاهد، وقال: وهو أصح من قول ابن فُضَيل، وقد تابع زائدة عبثرُ بن القاسم. انتهى. ومنهم البيهقي: أخرجه في سننه (١/ ٣٧٦) من طريق زائدة، عن الأعمش، عن مجاهد مرسلًا وقال بعد أن روى الحديث المذكور من طريق محمد بن فُضَيل: يقول العباس بن محمد الدوري: سمعتُ يحيى بن معين، يُضعِّف حديث محمد بن فُضَيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال البيهقي: أحسب يحيى يريد أن للصلاة أوَّلًا وآخرًا. انتهى. وهذه التعليلات مبنية على سبر روايات الأعمش، وهو منهج معروف لدى المحدثين، وقد استعملوه للتنقيح والتهذيب. وأمَّا قول ابن الجوزي: وابن فُضَيل ثقة يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلًا وسمعه من أبي صالح مسندًا، وكذالك قول ابن القطان: ولا يبعد أن يكون عند الأعمش في هذا طريقان: إحداهما مرسلة، والأخرى مرفوعة، والذي رفعه صدوق من أهل العلم، وثَّقه ابن معين وهو محمد بن فضيل، "نصب الراية" (١/ ٢٣١). فهو مجرد احتمال لا تكفي للرد على من سبر الروايات، والحكم عليها بالخطأ. ٣ - باب فضل الصلاة لوقتها • عن عبد الله بن مسعود قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ : أي العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قال: ثم أيٌّ؟ قال: "برُّ الوالدين"، قال: ثم أيٌّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".

стр. 1142

قال: حدثني بهِنَّ ولو استزدته لزادني. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٢٧) واللفظ له، ومسلم في الإيمان (٨٥) كلاهما من حديث شعبة، عن الوليد بن العَيزَار أنه سمع أبا عمرو الشَّيباني يقول: حدثنا صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود فذكر الحديث. وروى ابن مسعود هذا الحديث بلفظ آخر وهو قوله مرفوعًا: "الصلاة في أول وقتها" وهو من زيادة ثقات صحيح. رواه ابن خزيمة (٣٢٧) قال: حدثنا بندار بن بشَّار، حدثنا عثمان بن عمر، نا مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث. ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٨٨) عن أبي عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله بن السماك - الثقة المأمون ببغداد - ثنا الحسن بن مكرم، ثنا عثمان بن عمر به ولفظه: "الصلاة في أول وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قلت: ثم أي؟ قال: "برُّ الوالدين" قال الحاكم: "هذا حديث يُعرف بهذا اللفظ بمحمد بن بشار بندار، عن عثمان بن عمر، وبندار من الحفاظ المتقنين الأثبات". ثم روي من جهة ابن خزيمة، عن بندار به مقتصرًا على ذكر الصلاة في "أول وقتها". ثم قال: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمر، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شواهد في هذا الباب. انتهى. وأورده البيهقي في الخلافيات (١/ ٥٢٢، ٥٢٣) ووافق على أنه على شرط البخاري ومسلم وقال: لأن رواته متفق على عدالتهم، والزيادة مقبولة عند الثقة عندهما، وعند الفقهاء إذا انضم إلى روايته ما يؤكدها. ثم ذكر له متابعًا تبعًا للحاكم من طريق حجاج بن الشاعر، ثنا علي بن حفص المدائني، ثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني، قال: حدثنا صاحب هذه الدار - وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود ولم يسمه فذكر الحديث، وفيه: "الصلاة في أول وقتها". قال الحاكم: "وقد روي هذا الحديث جماعة عن شعبة، ولم يذكر هذه اللفظةَ غير حجاج بن الشاعر، عن علي بن حفص، وحجاج حافظ ثقة، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدائني". وتبعه البيهقي وقال: "والباقون متفق على ثقتهم". ثم ذكر البيهقي اللفظ المخرج في الصحيحين بأنه "الصلاة لوقتها". وحديث حجاج بن الشاعر أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٦) عن الحسين بن إسماعيل، عن حجاج ابن الشاعر به وذكر فيه: "الصلاة في أول وقتها". وأما الشواهد التي أوردها البيهقي من ابن عمر "الصلاة في أول وقتها" ففيه يعقوب بن الوليد قال الحاكم: هذا شيخ من أهل المدينة سكن بغداد وليس من شرط هذا الكتاب إلا أنه شاهد عن

стр. 1143

عبد الله. انتهى. وتعقبه الذهبي فقال: يعقوب كذَّاب. قلت: حديث ابن عمر رواه أيضًا الترمذي (١٧٢) عن أحمد بن منيع، ثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله". قال الترمذي: غريب. وروى البيهقي في سننه (١/ ٤٣٥) من طريق أحمد بن منيع شيخ الترمذي، ونقل عن ابن عدي أنه قال: "هذا الحديث بهذا الإسناد باطل"، ثم قال البيهقي: "هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث، ضعفه يحيى بن معين، وكذّبه أحمد بن حنبل وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان". وحديث أم مروة قالت: سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها". رواه أبو داود (٤٢٦)، والترمذي (١٧٠) كلاهما من حديث عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن عمته أم فروة، وكانت ممن بايعت النبي ﷺ قالت: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأول وقتها". قال الترمذي: "حديث أم فَروة لا يُروي إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا عنه في هذا الحديث، وهو صدوق، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه". انتهى. قلت: وقد تكلم فيه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي فأطال في بيان الاضطراب وقال في نهاية الدراسة: "الحديث ضعيف بكل حال، لجهل الواسطة بين القاسم بن غنام وبين أم فَروة". وفي الباب عن جرير، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأنس، وأبي محذورة، وأبي هريرة، وكلها معلولة. انظر: التلخيص الحبير (١/ ١٨٠ - ١٨١). • عن عائشة قالت: ما صَلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةً لوقتها الآخر حتى قبضه الله. صحيح: رواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٩٠) وعنه البيهقي في السنن (١/ ٤٣٥) عن محمد بن صالح بن هانئ، ثنا الحسين بن الفضل البجلي، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا الليث بن سعد، عن أبي النظر، عن عمرة، عن عائشة فذكرته. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وأورده البيهقي في الخلافيات (١/ ٥٢٥) ونقل قول الحاكم بأنه صحيح على شرط الشيخين. قلت: هذا أصح الأسانيد لهذا الحديث. وكون أصحاب الليث اختلفوا عليه لا يُضِعِّف ما صَحَّ. ومن هؤلاء قتيبة بن سعيد فإنه روي عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة، قالت: "ما صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاة لوقتها الآخِر مرتين حتى قبضه الله". رواه الترمذي (١٧٤) عن قتيبة بن سعيد به، وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل.

стр. 1144

ورواه الحاكم (١/ ٤٣٥) وعنه البيهقي في السنن (١/ ٤٣٥) من طريق محمد بن شاذان، عن قتيبة بن سعيد به، قال البيهقي: هذا مرسل، إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة. انتهى. ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٢٤٤) عن ابن أبي حاتم، عن أبيه - إسحاق بن عمر روي عن موسى بن وردان، روى عنه سعيد بن أبي هلال مجهول، وكذلك قال ابن القطان في كتابه: إنه منقطع، وإسحاق بن عمر مجهول. انتهى. ورواه الدارقطني (١/ ٢٤٩) من طريق معلى بن عبد الرحمن، ثنا الليث بن سعد به مثله. قال البيهقي: معلى هذا ليس بثقة، كان يضع الحديث. وللحديث إسناد آخر من حديث الواقدي، ثنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن عائشة فذكرت الحديث. قال الحاكم: "شاهد آخر من حديث الواقدي، وليس من شرط هذا الكتاب" ثم أسند عنه. والخلاصة: إذا صح إسناد هاشم بن القاسم وهو ثقة، عن الليث فلا يُعَلُّ بالأسانيد الضعيفة. ٤ - باب المنع من إخراج الصلاةِ عن وقتها • عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُؤخِّرُون الصلاة عن وقتها، أو يُمِيتُونَ الصلاةَ عن وقتِها؟ " قال قلتُ: فما تأمرني؟ قال: "فصَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتَها معهم فَصلّ فإنها لك نافلة". وفي رواية: "فصَلِّ الصلاة لوقتها، فإن صلَّيتَ لوقتِها كانت لك نافلةً، وإلا كنتَ قد أحرزتَ صلاتك". وفي رواية "فإن أقيمتِ الصلاة وأنت في المسجد فَصَلِّ". وفي رواية عن أبي العالية البراء قال: أخَّر ابنُ زيادٍ الصلاةَ. فجاءني عبد الله بن الصامت، فألقيتُ له كرسيًا فجلس عليه، فذكرتُ له صنيعَ ابن زيادٍ، فعَضَّ على شَفَتِه وضرب فَخِذِي وقال: إني سألت أبا ذر كما سألتني، فضرب فَخِذِي كما ضربتُ فَخِذك وقال: إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فضرب فَخِذِي كما ضربتُ فَخِذك، وقال: "صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركت الصلاة معهم فصَلِّ ولا تقل: إني قد صليتُ فلا أصَلِّي". وفي رواية: "فصَلِّ الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمتِ الصلاة فصَلِّ معهم، فإنها زيادة خير". وفي رواية: عن أبي العالية البرَّاءِ قال: قلت لعبد الله بن الصامت: نُصلي يوم الجمعة خلفَ أُمراء فيُوخِّرون الصلاةَ، قال: فضربَ فَخِذِي ضربةً أوجعتني، وقال:

стр. 1145

سألت أبا ذَرٍّ عن ذلك، فضرب فَخِذِي وقال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن ذلك فقال: "صَلُّوا الصلاةَ لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلةً". صحيح: هذه الروايات كلها أخرجها مسلم في المساجد (٦٤٨) من طرق عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر. وقوله: "ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي". فيه الحثُّ على موافقة الأمراء في غير المعصية، لثلَّا تفترق الكلمة وتقع الفتنة، ولذلك كان أبو ذر يقول: "إنَّ خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّعَ الأطراف". رواه مسلم (١٨٣٧). • عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسولَ رسولِ الله ﷺ إلينا قال: فسمعتُ تكبيره مع الفجْرِ رجلٌ أجَشَّ الصوت، قال: فألقيتُ عليه محبتي. فما فارقتُه حتى دفنتُه بالشام ميتًا، ثم نظرتُ إلى أفقه الناس بعده، فأتيتُ ابن مسعود فلزمتُه حتى مات، فقال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "كيف بكم إذا أتت عليكم أُمراء يُصَلُّون الصلاةَ لغير ميقاتها؟ ". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: "صَلِّ الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سُبحة". صحيح: رواه أبو داود (٤٣٢) عن عبد الرحمن بن إبراهيم - دُحيم - الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون فذكره. رجاله ثقات وإسناده صحيح، والوليد: ابن مسلم القرشي ثقة إلا أنه كان يدلس تدليس التسوية، فلما صرح بالتحديث من شيخه وهو الأوزاعي، وصرَّح شيخه من شيخه انتفت تهمة التدليس. وصحّحه ابن حبان (١٤٨١) فرواه عن عبد الله بن محمد بن سلم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم به مثله. ورواه النسائي (٧٧٩) عن عبيد الله بن سعيد، وابن ماجة (١٢٥٥) عن محمد بن الصباح، كلاهما قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِر، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم ستدركون أقوامًا يُصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم، واجعلوها سُبحةً". وصححه ابن خزيمة (١٦٤٠) فرواه من طريقين آخرين، عن أبي بكر بن عياش به مثله. وهي متابعة قوية لما سبق. وفي الباب أيضًا عن عبادة بن الصامت وقبيصة بن وقاص روي حديثهما أبو داود وفي إسنادهما رجال لا يعرفون.

стр. 1146

٥ - باب استحباب التبكير بصلاة الصُّبح وأدائها في الغَلَس • عن عائشة قالت: إن كانَ رسولُ الله ﷺ ليُصَلّي الصُّبْحَ فينصرفُ النِّسَاءُ متُلَفِّعاتٍ بمُرُطهنَّ ما يُعرَفنَ من الغَلَسِ. متفق عليه: أخرجه مالك في الوقوف (٤) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنتِ عبد الرحمن، عن عائشة فذكرت الحديث. ومن طريقه أخرجه البخاري في الأذان (٨٦٧)، ومسلم في المساجد (٦٤٥/ ٢٣٢) كما رواه أيضًا الشيخان من أوجه عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة نحوه البخاري (٣٧٢، ٥٧٨)، ومسلم، والبخاري وحده (٨٧٢) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي بغلسِ فيَنصَرِفنَ نِسَاءُ المؤمنين، لا يُعرَفنَ من الغَلَسِ، أو لا يَعرِفُ بعضُهنَّ بعضًا. قال الحافظ: فينصرِفنَ: هو على لغة بني الحارث، وكذا قوله: لا يُعرَفنَ بعضُهن بَعضًا. وهذا في رواية الحموي والكشميهني، ولغيرهما "لا يعرف" بالإفراد على الجادة. وقوله: "متلفعات" قال الأصمعي: التلفعُ أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك، وفي شرح الموطأ لابن حبيب: التلفع لا يكون إلا بتغطية الرأس، والتلفف يكون بتغطية الرأس وكشفه. "والمروط". جمع مِرط - بكسر أوله - كساء من خزٍّ، أو صوفٍ أو غيره. انظر: "الفتح" (١/ ٤٨٢). • عن سهل بن سعد يقول: كنت أتسحر في أهلي، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ . صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٧٧) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان، عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد يقول فذكر مثله. قوله: عن أخيه - هو أبو بكر عبد الحميد. وسليمان هو: ابن بلال. • عن مُغِيث بن سُمَيّ قال: صَلَّيتُ مع عبد الله بن الزبير الصُّبحَ بغَلَسٍ، فلمَّا سَلَّم أقبلتُ على ابن عمر، فقلتُ: ما هذه الصلاةُ؟ قال: هذه صلاتُنا كانت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فَلمَّا طُعِن عمرُ أسفَرَ بها عثمانُ. صحيح: رواه ابن ماجة (٦٧١) قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقِي، قال: حدَّثَنا الوليدُ بن مُسلم، قال: حدثنا الأوزَاعيُّ، قال: حدثنا نَهيكُ بن يَريمَ قال: حدثنا مُغيثُ بن سُمَي فذكر الحديث. ونهيك، بوزن عظيم، ويريم - بتحتانية وكذلك أوله، الأوزاعي الشامي ثقة. وإسناده صحيح، رجاله ثقات غير الوليد بن مسلم فإنه مدلس إلا أنه صرَّح بالتحديثِ عن شيخِه، كما صَرَّح شيخه - وهو الأوزاعي - عن شيخه، فانتفت عنه تهمة التدليس.

стр. 1147

قال البيهقي في سننه (١/ ٤٥٦) بعد أن روى الحديث من جهة العباس بن الوليد بن مزيد: أخبرني أبي، قال: سمعتُ الأوزاعي فذكر مثله. قال: في كتاب العلل لأبي عيسى الترمذي قال: قال محمد بن إسماعيل البخاري: "حديث الأوزاعي عن نَهيك بن يَريم في التغليس بالفجر حديث حسن". انتهى. • عن أم سلمة قالت: كنَّ نساء يشهدنَ مع رسول الله صلاة الصُّبح فينصرفنَ مُتلفِّعاتٍ بمروطهن، ما يُعرفنَ من الغلس. قالت: وكان النبي ﷺ إذا سَلَّم مكانه مكانه قليلًا، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساءُ قبل الرجال. صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٢١٨١) عن معمر، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة فذكرت الحديث. ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وهند بنت الحارث هي الفراسية - بكسر الفاء، ويقال: القرشية، كانت تحت معبد بن المقداد بن الأسود، روت عن أم سلمة، وكانت من صواحباتها، وعنها الزهري، ذكرها ابن حبان في الثقات، وكانت تدخل على أزواج النبي ﷺ وهي "ثقة" كما في التقريب. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٣١٨) وعزاه للطبراني في "الكبير" وقال: "رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني". تنبيه: تحرف في المصنف: "هند بنت الحارث" إلى "هند بن الحارث". ٦ - باب ما جاء في الإسفار بالصبح • عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : "أصبحوا بالصُّبح، فإنَّه أعظمُ لأجوركم" أو "أعظم للأجر". صحيح: رواه أبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤)، والنسائي (٥٤٨، ٥٤٩)، وابن ماجة (٦٧٢) كلهم من طرق عن عاصم بن عُمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، عن رافِع بن خَديج فذكر مثله واللفظ لأبي داود، ولفظ الترمذي والنسائي: "أَسفِرُوا بالفجرِ، فإنه أعظمُ للأجرِ". قال الترمذي: "حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وقد رأي غير واحد من أهل العلم من أصحابِ النبيِّ ﷺ والتابعين الإسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار: أن يَضِحَ الفجْرُ فلا يُشَكُّ فيه، ولم يروا أن معنى الإسفارِ تأخير الصلاة". انتهى. قوله: يَضِح من وَضَحَ - يقال: وَضَحَ الفجرُ إذا أضاء. وظاهر هذا الحديث يعارض الأحاديث الصحيحة في أداء صلاة الفجر في الغلس، فأجابوا عنه

стр. 1148

بأجوبة منها ما ذكره الترمذي. ومنها: ما ذكر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨٤): "فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول الله ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى". انتهى. وتعقب بأن عائشة تقول: "فينصرف النساء مُتَلفِّعاتٍ بمروطهنَّ ما يُعرفنَ من الغلسِ". ومنها: ما ذكره الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين. "وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الاسفار دوامًا لا ابتداءً، فيدخل فيها مُغلسًا، ويخرج منها مُسفرًا كما كان يفعله ﷺ ، فقوله موافق لفعله لا مناقض له، وكيف يُظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه". انتهى. وهو قريب مما قاله الطحاوي. ومنها: أنَّ قوله: "أسفِرُوا بالفجر". مرويٌّ بالمعنى، والأصل أصبحوا بالصبح كما في رواية أبي داود. قال الجزري: أي: "صلوها عند طلوع الصبح، يقال: أصبح الرجل إذا دخل في الصبح". انتهى. قال السيوطي في حاشية النسائي: "وبهذا يعرف أن رواية من روى هذا الحديث بلفظ: "أسفِرُوا بالفجْرِ" مروية بالمعنى، وأنه دليل على أفضلية التغليس بها، لا على التأخر إلى الأسفار". انتهى. انظر: مرعاة المفاتيح (١/ ٣٢٢). ومنها: أنهم لما أمروا بالتعجيل ففهم البعض منهم الفجر الأول فأمروا بالاسفار إلى الفجر الثاني الذي هو وقت صلاة الصبح. ومنها: أن المراد به الليلة المقمرة، فإن الصبح لا يبين بضوء القمر، فأمِرُوا بالإسفار، أي الإصباح كما قال ابن حبان في صحيحه (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩) بقوله: أراد النبي ﷺ بقوله: "أسفِروا" في الليالي المُقمِرة التي لا يتبين فيها وضوحُ طلوع الفجر، لئلا يؤدي المرء صلاة الصُبح إلا بعد التيقن بالإسفار بطلوع الفجر، فإن الصلاة إذا أُدِّيت كما وصفنا كان أعظمَ للأجر من أن تُصلي على غير يقين من طلوع الفجر". انتهى. ولابد من قبول إحدى هذه التأويلات حتى لا يتعارض فِعلُ رسول الله ﷺ قولَه. وفي الحديث دليل أيضًا على أن رسولَ الله ﷺ أحيانًا كان يدخل في صلاة الفجر في الغلس، ويخرج منها في الغلس، كما قالت عائشة، وأحيانًا كان يدخل في الغلس، ويُطيلُ القراءةَ فيخرج منها في الإسفار كما في حديث أبي برزة الأسلمي، وحديث أنس. تنبيه: حديث رافع بن خديج أصح ما رُوي في الإسفار، وما رُوي عن بلال وقتادة بن النعمان وابن مسعود وأبي هريرة وحواء الأنصارية فبعضها يعود إلى حديث رافع بن خديج، والبقية لا تقوم بها الحجة لضعف فيها. انظر للمزيد: "نصب الراية" (١/ ٢٣٥).

стр. 1149

٧ - باب إبراد الصلاة في شدة الحر ّ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا اشتدَّ الحرُّ، فأبرِدُوا عن الصلاة فإن شِدَّة الحَرِّ من فَيح جَهنَّم". متفق عليه: رواه مالك في وقوت الصلاة (٢٨، ٢٩) من طريقين، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة فذكر مثله، وقال فيه: "وذكر أن النارَ اشتَكت إلى ربِّها، فأَذِنَ لها في كل عامٍ بنفَسَين: نَفَس في الشِّتاء، ونَفَس في الصيف". وعن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ولم يذكر الجزء الثاني. ومن طريق مالك عن عبد الله بن يزيد رواه مسلم في المساجد (٦١٧) مثله، ثم رواه أيضًا من طريق يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ "اشتكتِ النارُ إلى ربِّها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفَسَين: نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف، فهو أشدُّ ما تجدون من الحَرِّ، وأشد ما تجدون من الزمهرير". وفي رواية: "فما وجدتم من بَردٍ أو زَمهرير فمن نَفَس جَهنَّم، وما وجدتم من حَرٍّ أو حَرُورٍ فمن نَفَس جَهَنَّم". وأما البخاري فرواه في مواقيت الصلاة (٥٣٣، ٥٣٤) من غير طريق مالك من حديث صالح بن كيسان، ثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره، عن أبي هريرة، ونافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر أنهما حدَّثاه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا اشتد الحرُّ فأبرِدُوا عن الصلاة، فإن شِدَّةِ الحَر من فَيحِ جهنَّم". وكذلك من حديث سفيان قال: حفظناه من الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا اشتدَّ الحَرُّ فأبرِدُوا بالصلاة، فإن شدَّةِ الحرِّ من فَيح جَهنَّم" وقال: "واشتكتِ النارُ إلى ربِّها فقالت" فذكر مثله كما سبق. • عن أبي ذر قال: أَذَّنَ مؤذِّنُ رسول الله ﷺ بالظُّهر، فقال النبي ﷺ : "أَبرِد أَبرِد" أو قال: "انتَظِر انتَظِر" وقال: "إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيحِ جهنَّم، فإذا اشتدَّ الحَرُّ فأَبرِدُوا عن الصلاة". قال أبو ذر: حتى رأينا فيءَ التُّلولِ. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٣٥)، ومسلم في المساجد (٦١٦) كلاهما من طريق شعبة، عن مهاجر أبي الحسن، قال: سَمِعتُ زيد بن وهب، يقول: سمعتُ أباذر فذكر ولفظهما قريب، وفي لفظ للبخاري (٥٣٩): كُنَّا مع النبي ﷺ في سَفرٍ، فذكر الحديث.

стр. 1150

قال ابن عباس: يتفيَّأُ يَتَميَّلُ. التلول: جمع تلٍّ، وهو كلُّ ما اجتمع على الأرض من تراب أو رملٍ أو نحو ذلك. • عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبرِدُوا بالظهر فإن شِدَّة الحرِّ من فَيحِ جَهنَّم". صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٣٨) عن عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد فذكر مثله. • عن عبد الله بن مسعود قال: كانت قدر صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشِّتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. حسن: أخرجه أبو داود (٤٠٠)، والنسائي (٥٠٣) كلاهما من طريق عَبيدة بن حُميد، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق، عن كثير بن مُدرك، عن الأسود، أن عبد الله بن مسعود أخبره فذكر الحديث. وإسناده حسن لأجل عَبيدة بن حُميد الكوفي، فإنه صدوق، وبقية الرجال ثقات. وقوله: قدر صلاة رسول الله ﷺ - أي قدر تأخير الصلاة عن الزوال. وحديث عبد الله بن مسعود هو تفسير للإبْراد، فإن آخر صلاة الظُّهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، ولا يجوز التأخير أكثر من هذا، ولذا بوَّب النسائي بقوله: آخر وقت الظهر. ثم إن أقدام الظل يختلف في الإقليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار كما قال الخطابي. • عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أبرِدُوا بالظهر". صحيح: رواه ابن ماجة (٦٨١) قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر، قال: حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث. ورواه ابن خزيمة (٣٣٠) من طريق عبد الوهاب الثقفي به ولفظه: "إن شِدَّة الحرِّ من فَيحِ جَهنّم، فأبرِدُوا الصلاة في شِدّة الحَرِّ". قال البوصيري في زوائد ابن ماجة: إسناده صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق عبد الوَّهاب. قلت: كذا قال، والصواب: رواه ابن خزيمة. وقد سبق في حديث أبي هريرة عند البخاري أنه رواه مقرونًا بابن عمر من طريق صالح بن كيسان، ثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره عن أبي هريرة، ونافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر أنهما حدَّثاه عن رسول الله ﷺ ، فذكرا الحديث. • عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "أَبرِدُوا بالظهر في الحَرِّ". صحيح: رواه مسدد في مسنده قال: حدثنا عبد الله بن داود، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرت الحديث، وفي بعض النسخ على الشك عن عائشة. انظر: "المطالب العالية" (٢٩١) ورواه أيضًا أبو يعلى الموصلي قال: ثنا عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن داود به مثله "المقصد العلي" (١٨٨). قال البوصيري في "إتحاف المهرة" (١/ ٥٢) حديث عائشة رجاله ثقات، وقال: رواه البزار في

стр. 1151

"مسنده" ثنا القاسم بن محمد، ثنا عبد الله بن داود الخُريبي، ثنا هشام به. ولفظه: "إن شِدَّة الحَرِّ من فَيحِ جهنَّم فأبردُوا بالصلاة". قال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا من هذا الوجه، وهو غريب "كشف الأستار" (١/ ١٨٩ رقم: ٣٧١). قلت: رجاله ثقات كما قال البوصيري، وعبد الله بن داود الخُريبي ثقة فاضل، فتفرُّده غير قادحٍ لصحة الحديث. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٠٧)، وقال: رواه البزار وأبو يعلى ورجاله موثقون. انتهى. • عن صفوان بن مخرمة الزهري، عن النبي ﷺ قال: "أَبرِدُوا بالظُّهر، فإن شدة الحَرِّ من فَيحِ جَهَنَّم". حسن: رواه الإمام أحمد (١٨٠٣٦) عن وكيع، ويعلى والطبراني في الكبير (٨/ ٧٣٩٩) من طريق عبد الله بن يوسف الفريابي وأبي نعيم - كلهم عن بشير بن سليمان، عن القاسم بن صفوان الزهري، عن أبيه فذكر الحديث. وإسناده حسن، ومداره على القاسم بن صفوان الذي روى عنه الشعبي وأشعث وبشير فيما ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ١٦١) ومن طريقه رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٥) والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٥١) إلا أنه لم يحكم عليه بشيء، وذكره ابن حبان في الثقاته (٥/ ٣٠٤)، وابن خلفون في "الثقات" فيما ذكره الحافظ في "التعجيل" (٢٢٣) فهو لا يتزل عن درجة "صدوق". وأما قول أبي حاتم: لا يعرف إلا في حديث المواقيت - لا يضره إذا عرفنا أنه لا ينزل عن درجة "صدوق". وأما ما رُوي عن المغيرة بن شعبة قال: كُنَّا نُصلِّي مع رسول الله ﷺ الظُّهر بالهاجرةِ، فقال لنا: أَبرِدُوا بالصلاة، فإن شِدَّةَ الحرِّ من فيحِ جَهنَّم، فهو ضعيف. رواه ابن ماجة (٦٨٠) من طريق إسحق بن يوسف عن شريك، عن بيان بن بِشر، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة فذكر مثله. إسناده ضعيف لأجل شريك وهو: ابن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، قال ابن المبارك: ليس حديث شريك بشيء. وقال الجوزجاني: سيئ الحفظ، مضطرب الحديث مائل. وقال الدارقطني: ليس شريك بالقوي فيما ينفرد به. ودافع عنه الذهبي قائلا: كان شريك من أوعية العلم، حمل عنه إسحاق الأزرق تسعة آلاف حديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقد أخرج مسلم لشريك متابعة. انتهى. قلت: وهذا الحديث مما لم ينفرد به شريك، فقد تابعه غيره فيما نقل البيهقي في سننه (١/ ٤٣٩)، عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: فيما بلغني عنه سألتُ محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فعدَّه محفوظًا، وقال: رواه غير شريك عن بيان، عن قيس، عن المغيرة. ثم قال البيهقي: رواه أبو عيسى عن عمر بن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن بيان كما قال

стр. 1152

البخاري. انتهى. قلت: لم أجد قول أبي عيسى الترمذي في سننه، ولا في علله، ولا في شمائله، فانظر أين نقل الترمذي قول البخاري؟ . وأما البوصيري فقال في "زوائد ابن ماجة": "هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات، رواه ابن حبان في صحيحه (١٥٠٥) عن محمد بن عبد الرحمن السامي، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، فذكره بحروفه ومتنه". قلت: أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٨١٨٥) عن إسحاق بن يوسف الأزرق به مثله. وأبو حاتم، ذكر علة أخرى، سأل ابنه عبد الرحمن عن حديث رواه إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ فذكر الحديث. قال أبو محمد عبد الرحمن بن الإمام أبي حاتم: ورواه أبو عوانة عن طارق، عن قيس، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب قوله: "أَبرِدُوا بالصلاة" قال أبي: أخاف أن يكون هذا الحديث يدفع ذاك الحديث، قال: قلت فأيهما أشبه؟ قال: كأنه هذا - يعني حديث عمر بن الخطاب، قال أبي في موضع آخر: لو كان عند قيس عن المغيرة، عن النبي ﷺ لم يحتج أن يفتقر إلى أن يُحدِّثَ عن عمر موقوفًا. انتهى. قلت: وروي أيضًا عن عمر بن الخطاب مرفوعًا ذكره الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٠٦) ونسبه إلى أبي يعلى والبزار، وقال: "فيه محمد بن الحسن بن زبالة، نسب إلى وضع الحديث". ٨ - باب استحباب تعجيل الظهر في أول وقتها • عن أنس قال: كُنَّا نُصلي مع رسول الله ﷺ في شِدَّةِ الحرِّ، فإذا لم يستطِع أحدُنا أن يُمكِّنَ جبهته من الأرض، بسط ثوبَه، فسجد عليه. متفق عليه: أخرجه البخاري في المواقيت (٥٤٢)، ومسلم في المساجد (٦٢٠) كلاهما من طريق غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: كنا إذا صَلَّينَا خلفَ رسول الله ﷺ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاءَ الحَرِّ، وأخرجه أيضًا في كتاب الصلاة (٣٨٥) وفي كتاب العمل في الصلاة (١٢٠٨) في الجميع من طريق غالب به نحوه. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو يعلى في مسنده "المقصد العلي" رقم (١٨٥) وفيه قال أنس: كُنَّا نُصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحرِّ فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه فسجد عليه. وغالب هو: ابن خُطَّاف - بضم المعجمة، وقيل بفتحها، وهو ابن أبي غَيلان القَطَّان أبو سليمان البصري. وبكر بن عبد الله هو: المزني أبو عبد الله البصري. وفي الحديث دليل على أن المصلي إذا سجد على ثياب بدنه يجوز، وإليه ذهب عامة الفُقهاء، ولم يُجَوِّزه الشافعي، وتأوَّلَ الحديث على ثوب هو غير لابسه ومما يؤيد قوله حديث جابر بن

стр. 1153

عبد الله الآتي: ولو جاز السجود على ثوب هو لابِسُه لم يكن يحتاج إلى تبريد الحصى في كفه. • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغتِ الشمس فصلي الظُّهرَ. صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٤٠) عن أبي اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك فذكر الحديث في سياق طويل، وسيأتي في صفة الجنة والنار، ورواه الترمذي (١٥٦) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري به ولفظه: أن رسول الله ﷺ صلى الظُّهر حين زالت الشمس. وفيه دليل على أن زوال الشمس هو أول وقت الظُّهرِ، وفيه دليل على استحباب تقديمها. قال الترمذي: حديث صحيح، وهو أحسن حديث في هذا الباب. • عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ يُصلي الظُّهر إذا دَحَضَتِ الشمسُ. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦١٨) من طريق يحيى بن سعيد وابن مهدي، عن شعبة، قال: حدثنا سماك بن حرب، عن جابر فذكره، ورواه أبو داود (٨٠٦) عن عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة بإسناده، وفيه: "إذا دحضتِ الشمس صلي الظُّهر وقرأ بنحو من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]. والعصر كذلك، والصلوات كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها". انتهى. وقوله: دَحَضتِ الشمسُ - بفتح الدال والحاء - أي: إذا زالت • عن خَبَّاب بن الأرت قال: أتينا رسولَ الله ﷺ فشكونا إليه حرَّ الَرمضَاءِ فلم يُشكِنا. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦١٩) من طرق عن زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب قال: فذكره. وخبَّاب هو: خَبَّابُ بن الأَرَتِّ أبو عبد الله مولى بني زُهرة، وكان يعذب في الله، شهد بدرًا ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظُّهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تَعجيلها؟ قال: "نعم". وقوله: "فلم يُشكِنَا" أي: لم يُزِل شكوانا. وقوله: حَرَّ الرَمضَاءِ - يعني ما يُصيبُ أقدامَهم من حَرِّ الشمسِ فيها بتبكير صلاة الظُّهر. حديث خبَّاب في الظاهر يعارض أحاديث الباب السابق، فأجابوا عنه بأنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حَرِّ الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، ولذلك لم يُجِبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد، فإنَّها متأخرة، واستدل الطحاوي بحديث المغيرة ابن شعبة، قال: كُنا نصلي مع النبي ﷺ الظُّهر بالهاجرة، ثم قال لنا: "أَبرِدُوا بالصلاة" الحديث. قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجة، وصححه ابن خزيمة، ونقل الخلال عن أحمد: هذا آخر الأَمرين من رسولِ الله ﷺ ، انتهى. انظر: "فتح الباري" (٢/ ١٧).

стр. 1154

قلت: وأما حديث المغيرة بن شعبة فقد سبق الكلام عليه بأن فيه شريكًا، وهو سيئ الحفظ، ولكن ذكر البخاري أن له متابعًا. • عن جابر بن عبد الله قال: كنت أصَلِّي الظُّهر مع رسول الله ﷺ فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفِّي أضعها لجبهتي أَسجد عليها لشدة الحَرِّ. حسن: رواه أبو داود (٣٩٩)، والنسائي (١٠٨١) كلاهما من طريق عَبَّاد بن عبَّاد، ثنا محمد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث، واللفظ لأبي داود. ولفظ النسائي: "فآخذ قبضةً من حَصى في كفِّي أُبرِّده، ثم أُحوِّلُه في كفي الآخرِ، فإذا سجدتُ وضعتُه لجبهتي". وإسناده حسن فإن عبَّاد بن عبَّاد وهو: ابن حيب الأزدي، ومحمد بن عمرو بن علقمة "صدوقان". وفيه من الفقه أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة. • عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلًا للظُّهر منكم، وأنتُم أشَدُّ تعجيلًا للعصر منه. صحيح: رواه الترمذي (١٦١) حدثنا علي بن حُجر، حدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة فذكر الحديث. وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات. إلا أن الترمذي أظهر له علة وهي ليست بعلة في علم الحديث، أن إسماعيل بن عُلَيَّة روى هذا الحديث عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن أم سلمة، ويقول: وجدتُ في كتابي: أخبرني علي بن حُجر، عن إسماعيل ابن إبراهيم (وهو ابن عُلَيَّة) عن ابن جُريج، ثم قال: وحدثنا بشر بن مُعاذ البصري قال: حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن ابن جُريج بهذا الإسناد نحوه، وهذا أصح. انتهى كلامه. قلت: هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٦٤٧٨ و ٢٦٦٤٧) عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن أم سلمة، ولكن لا يمنع هذا من أن يكون عند علي بن حُجر من وجهين: أحدهما: عن إسماعيل ابن عُلَية، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة. والثاني: من طريقه ومن طريق بشر بن معاذ، كلاهما عن إسماعيل ابن علية، عن ابن جُريج، ابن أبي مليكة به. وهو أمر سائغ في علم الحديث فلا حاجة إلى تخطئة علي بن حُجر وهو ثقة حافظ، وترجيح روايته عن إسماعيل ابن عُلَيَّة عن ابن جُريج، وإن كان له ما يؤيده، وابن جُريج مدلس وقد عنعن، وهو يفتقر إلى المتابعة، وأيوب متابع قوي له، ومتن الحديث ثابت من روايات الآخرين. • عن أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ إذا نزل منزلًا لم يرتحل منه حتى يُصَلِّي الظُّهر، فقال له رجل: وإن كان بنصف النهار؟ قال: وإن كان بنصف النهار.

стр. 1155

حسن: أخرجه أبو داود (١٢٠٥) والنسائي (٤٩٨) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن شُعبة، قال: حدثني حمزة العائذي، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكر الحديث. وإسناده حسن. وحمزة العائذي هو: ابن عمرو الضبي البصري، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: شيخ، وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق" وهو من رجال مسلم، وبقية رجاله ثقات، وسيأتي مزيد من التخريج في صلاة المسافرين. وقوله: "إذا نزل منزلًا" أي قبيل الظُّهر لا مطلقًا؛ لأنه قد ثبت أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمسُ أخَّر الظُّهر إلى العصر. ٩ - باب استحباب التبكير بالعصر • عن عائشة أن رسول الله ﷺ صلى العصر، والشمسُ في حجرتها، لم يظهر الفيءُ من حجرتها. متفق عليه: رواه البخاري (٥٤٥)، ومسلم (٦١١) كلاهما عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة، وقد ذكره مالك والبخاري ومسلم عقب حديث أبي مسعود لبيان وقت صلاة العصر معلقًا من مقولة ابن شهاب، ثم إن الشيخين أسندا من طرقهما عن ابن شهاب ومن لفظه: كان النبي ﷺ يصلي العصر، والشمسُ طالعة في حجرتي، لم يظهر الفيء بعد. ورواه أيضًا هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمسُ لم تخرج من حجرتها، كذا عند البخاي، وعند مسلم: والشمسُ واقعة في حجرتي. • عن أنس بن مالك قال: كنّا نُصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر. متفق عليه: رواه مالك في وقوت الصلاة (١٠) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، فذكره. ومن طريق مالك رواه البخاري في المواقيت (٥٤٨)، ومسلم في المساجد (٦٢١: ١٩٤). قال العلماء: ومنازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، قال النووي: "وهذا يدل على المبالغة في تعجيل صلاة رسول الله ﷺ ، وكانت صلاة بني عمرو بن عوف في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجة، ولعل تأخير بني عمرو بن عوف لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم، وزروعهم وحوائطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم، تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها، فتتأخر صلاتُهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى". انتهى. وقال ابن عبد البر: وهذا يدل على اختلاف أحوال المدينة، في صلاة العصر على سعة وقتها ما دامت الشمسُ بيضاء نقية.

стр. 1156

• عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشّمس مرتفعة حيّة، فيذهب الذّاهب إلى العوالي فيأتيهم، والشمسُ مرتفِعة. متفق عليه: البخاري في المواقيت (٥٥٠) من طريق شعيب، ومسلم في المساجد (٦٢١: ١٩٢) من طريق الليث وعمرو، ثلاثتهم عن ابن شهاب الزهريّ، عن أنس، فذكره. ورواه مالك في وقوت الصلاة (١١) وعن ابن شهاب، به، بلفظ: كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذّاهب منا إلى قباء، فيأتيهم والشّمس مرتفعة. ومن طريق مالك رواه البخاري (٥٥١)، ومسلم (٦٢١: ١٩٣). هكذا قال: "إلى قباء" بدل "إلى العوالي". قال ابن عبد البر في (التمهيد ٦/ ١٧٨): "هكذا قال فيه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه: "يذهب الذّاهب إلى العوالي" وهو الصّواب عند أهل الحديث، وقول مالك عندهم "إلى قباء" وهم لا شك فيه، ولم يتابعه أحد عليه في حديث ابن شهاب هذا، إلا أن معنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة، وأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها: ما يكون على ثمانية أميال وعشرة، ومثل هذا في المسافة بين قباء وبين المدينة، وقباء موضع بني عمرو بن عوف، وقد نصّ علي بني عمرو بن عوف في حديث أنس هذا إسحاق بن أبي طلحة" اهـ. وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ٢٩: "ولعلّ مالكًا لما رأى أنّ في رواية الزهري إجمالًا حملها على الرواية المفسرة وهي روايته المتقدّمة عن إسحاق حيث قال فيها: "ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، وقد تقدم أنهم أهل قباء، فبني مالك على أن القصة واحدة لأنهما جميعًا حدّثاه عن أنس والمعنى متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأنّ مالكًا وهم فيه". ثم نقل عن ابن رُشيد السبتي أنه قال: "قضى البخاريّ بالصّواب لمالك بأحسن إشارة وأوجز عبارة؛ لأنه قدّم أوّلًا المجمل ثم أتبعه بحديث مالك المفسّر المعين". • عن أنس، أن أبا أمامة بن سهل يقول: صلَّينا مع عمر بن عبد العزيز الظُّهرَ، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يُصَلِّي العصرَ، فقلت يا عَمَّ! ما هذه الصلاةُ التي صلَّيتَ؟ قال: العصر. وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كُنَّا نُصَلِّي معه. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٤٩)، ومسلم في المساجد (٦٢٣) كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حُنَيف، قال سمعت أبا أمامة يقول: فذكر الحديث. • عن رافع بن خديج قال: كنا نُصلّي العصر مع رسول الله ﷺ ، ثم تُنحر الجزورُ، فتُقسم عشرَ قِسم، ثم تُطبخُ فنأكلُ لحمًا نضيجًا قبل مَغيب الشمس. متفق عليه: رواه البخاري في الشركة (٢٤٨٥)، ومسلم في المساجد (٦٢٥)، واللفظ له،

стр. 1157

كلاهما من طريق الأوزاعي، قال: ثنا أبو النجاشي، قال: سمعتُ رافع بن خديج فذكر الحديث. وفي رواية: كُنا نَنحرُ الجزورَ على عهد رسول الله ﷺ بعد العصر. ولم يقُل: "كنا نصلي معه". • عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك بعد الظُّهْر، فقام يُصلّي العَصرَ، فلما فرغ من صلاته ذكرنا تعجيلَ الصلاةِ، أو ذكرهَا، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "تلك صلاةُ المنافقين، تلك صلاةُ المنافقين، تلك صلاةُ المنافقين، يجلسُ أحدُهم حتى إذا اصفرتِ الشمسُ، وكانت بين قرنَي الشَيطانِ، أو على قرنِ الشيطانِ قام فَنَقَرَ أربعًا، لا يذكرُ الله فيها إلا قليلًا". صحيح: رواه مالك في القرآن (٤٦) عن العلاء بن عبد الرحمن قال: دخلنا على أنس بن مالك فذكر الحديث. ورواه مسلم في المساجد (٦٢٣) من أوجه عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظُّهرِ، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصلَّيتُم العَصرَ؟ فقلنا له: إنما انصرفنَا الساعة من الظُّهرِ، قال: فصلُّوا العصر، فقُمنا فصلينا. فلما انصرفنا قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاةُ المنافق، يجلس يرقُبُ الشمسَ، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". • عن أنس بن مالك قال: صلى لنا رسولُ الله ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلِمةَ فقال: يا رسول الله! إنا نريد أن ننحرَ جزُورًا لنا، ونحنُ نُحب أن تَحضُرَها قال: "نعم" فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجُزورَ لم تُنحَر، فنُحرت، ثم قُطِّعَت، ثم طُبخَ منها، ثم أكلنَا قبل أن تغيبَ الشمسُ. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٤) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعد الأنصاري حدَّثه، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك فذكره. قال مسلم: وقال المرادي (وهو محمد بن سلمة المرادي من شيوخ مسلم) حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث في هذا الحديث. • وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي بنا العَصرَ والشمسُ بيضاء مُحلِّقَة. صحيح: رواه النسائي (٥٠٨) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن رِبعي بن حِراش، عن أبي الأبيض، عن أنس فذكر الحديث. وأورده الهيثمي في زوائد أبي يعلى "المقصد العلي" (١٩٠) وفي زوائد البزار "كشف الأستار" (٣٧٣) كلاهما من طريق منصور به مثله في البزار، ولفظ أبي يعلى: كُنَّا نُصلي مع النبي ﷺ -

стр. 1158

العصر، فآتي عشيرتي فأجدهم جلوسًا، فأقول لهم: قوموا فصلوا، فقد صلَّى رسولُ الله ﷺ . قال الهيثمي: "اختصره النسائي". وقال في "مجمع الزوائد" (١/ ٣٠٨): رجاله ثقات. قلت: وهو كما قال فإن رجاله ثقات، وإسناده صحيح، وأبو الأبيض هو: العنسي الشامي, ويقال المدني، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن اسم أبي الأبيض فقال: لا يعرف اسمه، وثَّقه العجلي وغيره. ١٠ - باب أن وقت صلاة العصر يمتد إلى قبل الغروب • وعن عبد الله بن عمر قال: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما بقاؤكم فيما سلفَ قبلكم من الأُمَم كما بين صلاة العَصرِ إلى غروبِ الشمسِ، أُوتي أهلُ التوراةِ التوراةَ فعملوا حتى إذا انتصفَ النهارُ عَجزوا، فأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتي أهلُ الإنجِيل الإنجِيلَ فعملوا إلى صلاةِ العَصرِ ثم عجزوا فأُعطوا قيراطًا قيراطًا. ثم أُوتينا القرآن فعمِلنا إلى غروب الشمسِ، فأعطينا قيراطين قيراطَين، فقال أهلُ الكتابين: أي ربَّنا! أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطَين، وأعطَيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كُنَّا أكثرَ عَملًا، قال: قال الله : هل ظلمتُكُم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فَضلي أوتيه من أشَاءُ". صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٥٧) من حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر فذكر الحديث. وقد رواه أيضًا من طرق عن عبد الله بن عمر انظر بأرقام (٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٧، ٧٥٣٣). وفيه إشارة إلى أن وقت صلاة العصر يمتد إلى غروب الشمس، وهو تفسير لما جاء في حديث أبي هريرة: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمسُ فليتم صلاته". ١١ - باب إثم من فاتته صلاةُ العصر • عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الذي تفوتُه صلاةُ العصر كأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه". متفق عليه: رواه مالك في وقوت الصلاة (٢١) عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله، وعن مالكٍ رواه البخاري في المواقيت (٥٥٣)، ومسلم في المساجد (٣٠٠). اختلف في المراد بالفوات، فقيل: تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر؛ لأن الإثم يترتب على

стр. 1159

ذلك. وقيل: المراد بالفوات: فواتُها في الجماعة. وقوله: وُتِر - أي نُقِص، يقال: وترتُه - إذا نقصتَه، فكأنَّك جعلته وِترًا بعد أن كان كثيًرا. • عن أبي المليح قال: كُنَّا مع بريدة في غزوةٍ في يومٍ ذي غيم، فقال: بَكِّروا بصلاة العصر، فإن النبيَّ ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر فقد حَبِطَ عملُه". صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٥٣) عن مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هشام قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال: فذكره. والترك هنا بمعنى التفريط، ولذا حَثَّ الصحابي على المبادرة. وما جاء في بعض الروايات: "بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك الصلاة فقد كفر" رواه ابن حبان (١٤٦٣) ففيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال أبو داود: ليس بشيء، ونقل تكذيبه عن ابن عوف. قلت: الجزء الثاني من الحديث لا يوافق الجزء الأول الذي فيه الحث على التبكير، وعدم التأخير في أداء الصلاة. • عن نوفل بن معاوية مرفوعًا: "من الصلاةِ صلاة، من فَاتَته فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه". متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٠٣)، ومسلم في الفتن (٢٨٨٦/ ١١) كلاهما من حديث صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية فذكر الحديث. وهذا المبهم من الصلاة جاء مفسرًا في سنن النسائي (٤٧٨) من طريق حيوة بن شريح، نا جعفر بن ربيعة، أن عراك بن مالك حدَّثه، أن توفل بن معاوية حدَّثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من فاتَته صلاة العَصرِ فكأنما وُتِر أهلَه ومالَه". قال عراك: وأخبرني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من فاتته صلاةُ العَصرِ فكأنما وُتِر أهله ومالهَ" وخالفه يزيد بن أبي حبيب، قال النسائي: أخبرنا عيسى بن حَمَّاد زُغبَةُ، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من الصلاِة صلاة من فاتته فكأنما وُتِر أهلَه ومالَه". قال ابن عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "هي صلاة العَصرِ" خالفه محمد بن إسحاق، قال النسائي: أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني عَمي، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، قال: سمعتُ نوفل بن معاوية، يقول: صلاة من فاتته فإنَّما وُتِر أهلَه ومالَه، قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "هي صلاة العَصر". انتهى. ثم اعلم أن حديث نوفل بن معاوية شاهد لحديث أبي هريرة سيأتي في الفتن وأشراط الساعة ولكن لم

стр. 1160

بذكر فيه الصلاة. وقوله: "وُتِر أهلَه ومالَه": روي بالنصب على أن "وُتِر" بمعني "سلب" وهو يتعدى إلى مفعولين، فيكون "أهله ومالَه" مفعولًا ثانيًا، وأما المفعول الأول فأضمر في "وُتِر" لم يُسم فاعله، وهو عائد على الذي فاتته، فالمعنى أنه أصيب بأهله وماله، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٥]. وقرئ بالرفع بمعنى أخذ، فيكون أهلُه ومالُه نائب الفاعل. ١٢ - باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي العَصْرُ قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٨]. • عن علي بن أبي طالب، قال: لَمَّا كان يومُ الأَحْزاب قال رسول الله ﷺ : "مَلأَ الله بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا شَغَلُونا عن الصلاة الوُسْطى حينَ غابتِ الشمسُ". متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٣١) وفي المغازي (٤١١١) وفي التفسير (٤٥٣٣) وفي الدعوات (٦٣٩٦)، ومسلم في المساجد (٦٢٧) كلاهما من طرق عن هشام، عن محمد، عن عَبِيدة، عن علي بن أبي طالب فذكر الحديث. هشام هو: ابن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي، ويجوز أن يكون ابن حسان القُردُوسي فإنه من أثبت الناس في محمد بن سيرين. ومحمد هو: ابن سيرين. وعبيدة: بفتح العين، هو ابن عمرو السّلماني المرادي. ولمسلم عن شُتَيْر بن شَكَل، عن عليٍّ قال: "شَغلونا عن الصلاةِ الوُسْطى صلاة العَصْرِ ... " ثم صلَّاها بين العشاءَين بين المغرب والعِشاء. ورواه أيضًا من طرق عن شعبة قال: سمعتُ قتادة، يحدثُ عن أبي حسان، عن عبيدة، عن عليَّ "شَغَلُونا عن صلاة الوُسْطى حتى آبَتِ الشمسُ، ملأَ الله قبورهم نارًا أو بيوتهم أو بطونهم". شك شعبة في البيوت والبطون. وروى ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة بهذا الإسناد وقال: "بيونهم وقبورهم" ولم يشك. وقوله: آبَتِ الشمس - أي غربتْ. • عن عبد الله بن مسعود قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العَصْرِ حتى احمرَّت الشمس، أو اصفَرَّتْ فقال رسول الله: "شَغَلُونا عن الصلاة الوُسْطى صلاة العَصرِ، ملأ الله أجْوَافَهُمْ وقبورَهم نارًا" أو قال: "حَشَا الله أجْوَافَهُمْ وقبورَهم نارًا".
следующие страницы →