Полный текст (8 687 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
١ - كتاب الوحي
١ - باب إنما الأعمال بالنيات
• عن عمر بن الخطاب أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنّيات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته إلى اللَّه ورسوله ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب كيف بدء الوحي (١) عن الحميدي عبد اللَّه بن الزبير قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول. . . فذكر الحديث.
ورواه البخاري في الإيمان (٥٤)، ومسلم في الجهاد والسير (١٩٠٧) كلاهما عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، بإسناده، ولفظهما سواء غير أنّ في مسلم: "إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى".
وهذا الحديث ليس في رواية يحيى بن يحيى الليثي في موطنه، ولم يذكره أيضًا الجوهري في مسند الموطأ مع أنه جمع فيه رواية عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، فإما أن يكون الحديث قد سقط عنه، أو النسخة المطبوعة فيها سقط، أو أنَّ الحديث في خارج الموطآت واللَّه تعالى أعلم.
قال الترمذي: قال عبد الرحمن بن مهدي: "ينبغي أن نضعَ هذا الحديثَ في كل باب". جامع الترمذي (١٦٤٧).
ثم اعلم رحمك اللَّه هذا الحديث مما تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن أبي وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب ﵁.
ثم تواتر الحديث عن الأنصاري فروى عنه الخلق الكثير، والجم الغفير، فقيل: رواه عنه أكثر من مائتي راو، وقيل: رواه عنه سبعمائة راو.
ورُوي معناه عن جماعة من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وهزال بن يزيد الأسلمي وغيرهم، وكلها معلولة، ولم يصح منها شيء غير حديث عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 107
٢ - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ -
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء: ١٦٣].
• عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح ثم حُبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: "اقرأ" قال: "ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني"، فقال: "اقرأ" قلت: "ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني" فقال: "اقرأ" فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: ١ - ٥]. فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يرجف فؤادُه، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زمِّلوني زمَّلوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا واللَّهِ ما يخزيك اللَّه أبدًا، إنّك لتصل الرّحم، وتحملُ الكلّ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّي ابن عم خديجة، وكان أمرءًا تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيَّ فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابنَ عمِّ أسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا النّاموس الذي نزل اللَّه على موسى، يا ليتني فيها جَذَعٌ ليتني أكونُ حيًّا إذ يُخرجك قومُك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أومخرجيَّ هُمْ؟ ! " قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلّا عودي، وإنْ يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزّرًا. ثم لم ينشب ورقةُ أن توفي وفَتَر الوحيُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٣)، ومسلم في الإيمان (١٦٠) كلاهما من حديث الليث بن سعد عن عُقيل بن خالد عن ابن شهاب عن عروة يقول: سمعت عائشة. . . فذكرت
стр. 108
الحديث. واللفظ للبخاريّ ولفظ مسلم نحوه.
٣ - باب الوحي الذي أوحاه اللَّه إلى النبيّ ﷺ -
• عن أبي هريرة قال: قال النّبيّ ﷺ : "ما من الأنبياء نبيٌّ إلّا أعطي ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنّما الذي أُوتيتُ وَحْيًا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨١)، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من حديث الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
وفي لفظ مسلم: "ما من الأنبياء من نبي إلّا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر"، ثم ذكر مثله.
أي كلّ نبيّ أعطى من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء فآمن به البشر، وأمّا معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن الذي لم يُعطَ أحدٌ مثله.
٤ - باب كيف كان ينزل الوحي على رسول اللَّه ﷺ -
• عن عائشة أمِّ المؤمنين ﵂، أن الحارث بن هشام سأل رسولَ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، كيف يأتيك الوحي؟ فقال: "أحيانا يأتيني مثل صلْصلة الجرس وهو أشدّ عليَّ، فيفصمُ عنّي وقد وعَيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثّلُ لي الملك رجلًا فيكلفني فأعِي ما يقول".
قالت عائشةُ: ولقد رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد فيَفْصِم عنه، وإنّ جبينه ليتفصَّد عرقًا.
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. . . فذكرتْه.
ورواه البخاريّ في كتاب بدء الوحي (٢) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٣) من أوجه أخرى عن هشام بن عروة، ولفظ مسلم نحوه، وقولة عائشة فيه: "إن كان لينزل على رسول اللَّه ﷺ في الغداة الباردة، ثم تفيض جبهته عرقًا".
وقوله: "فيفْصِمُ" بفتح أوله، وسكون الفاء، وكسر المهملة. أي: يقلع ويتجلّي ما يغشاني.
• عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوف (أو قال: أثر صفرة) فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحيُ فَسُتِرَ بثوبٍ وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحيُ. قال فقال: أيسرك أن تنظر إلى
стр. 109
النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحي؟ قال: فرفع عمر طرف الثوب فنظرتُ إليه له غطيطٌ (قال: وأحسبه قال: ) كغطيط البكر قال: فلما سرِّيَ عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك أثر الصفرة (أو قال: أثر الخلوق) واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨٥)، ومسلم في الحج (١١٨٠: ٦) كلاهما من حديث همام، حدثنا عطاء بن أبي رباح، قال: أخبرني صفوان بن يعلى فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه.
وقوله: "غطيط" هو كصوت النائم.
وقوله: "كغطيط البكر" أي: الفتي من الإبل.
• عن عبادة بن الصّامت قال: كان نبي اللَّه ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي كُرب لذلك، وتربَّد وجهُه.
وفي رواية: كان النبيّ ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي نكس رأسَه، ونكس أصحابُه رؤوسهم. فلما أُتْلي عنه رفع رأسَه.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٤) من طريقين عن قتادة، عن الحسن، عن حطّان بن عبد اللَّه، عن عبادة بن الصّامت، فذكره.
٥ - باب ما جاء في ثقل الوحي
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [سورة المزمل: ٥].
• عن عائشة في حديث الإفك الطّويل قالت: واللَّه يعلمُ أني بريئةٌ، وأنّ اللَّه مبرِّئي ببراءتي، ولكن واللَّهِ ما كنتُ أظنُّ أنّ اللَّه منزلٌ في شأني وحْيًا يُتلى لشأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلّم اللَّهُ فيَّ بأمْرٍ، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسولُ اللَّه ﷺ في النّوم رؤيا يبرئني اللَّه بها، فواللَّهِ ما رام رسولُ اللَّه ﷺ مجلسَه ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء حتى إنّه ليتحدَّرُ منه من العرق مثل الجمان، وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٤١)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزّبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عائشة، فذكرته في قصة الإفك.
• عن زيد بن ثابت قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ أملى عليَّ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ
стр. 110
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: فجاءه ابنُ أمِّ مكتوم وهو يملُّها عليَّ فقال: يا رسول اللَّه، لو أستطيعُ الجهاد لجاهدتُ -وكان رجلًا أعمى-، فأنزل اللَّه ﵎ على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلتْ عليَّ حتى خفتُ أن ترضَّ فخذي، ثم سُرِّي عنه فأنزل اللَّهُ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [سورة النساء: ٩٥].
صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٣٢)، وفي التفسير (٤٥٩٢) من طريقين عن إبراهيم بن سعد الزّهريّ، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد السّاعديّ، أنّه قال: رأيتُ مروان بن الحكم جالسًا في المسجد، فأقبلتُ حتى جلستُ إلى جنبه، فأخبرنا أنّ زيد ابن ثابت أخبره، فذكره.
• عن عُبادة بن الصّامت قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابُه رؤوسهم، فلما أُتلي عنه رفع رأسه.
وفي رواية: إذا أنزل عليه الوحي كرُب لذلك وتربّد وجهُه.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٥) من طريقين عن قتادة، عن الحسن، عن حطّان بن عبد اللَّه الرّقاشيّ، عن عبادة بن الصّامت، فذكر الحديث.
• عن عائشة قالت: إن كان ليُوحي إلى رسول اللَّه ﷺ وهو على راحلته، فتضرب بجرانها.
حسن: رواه أحمد (٢٤٦٨) عن سليمان بن داود، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
وعبد الرحمن هو: ابن أبي الزّناد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في المتابعات والشّواهد.
ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٥٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزّناد، بلفظ: فتضرب على جرانها من ثقل ما يُوحى إلى رسول اللَّه ﷺ ، وإن كان جبينُه ليطف بالعرق في اليوم الشاتي إذا أوحى اللَّهُ إليه.
وصحّحه الحاكم (٢/ ٥٠٥) بعد أن رواه من طريق معمر عن هشام وزاد: "فلم تستطع أن تتحرك، وتلك قول اللَّه : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [سورة المزمل: ٥].
وهذه متابعة قوية لعبد الرحمن بن أبي الزّناد.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٢٥٧): "رواه أحمد ورجاله رجال الصّحيح".
قلت: وهو كما قال؛ فإن عبد الرحمن بن أبي الزّناد أخرج له البخاريّ في التعليقات ومسلم في صحيحه، ولا يضر ما رُوي عن معمر، عن هشام، عن أبيه مرسلًا بدون ذكر عائشة، فمن وصله
стр. 111
عنده زيادة.
وقولها: "فتضرب بِجِرانها" الجِران -بكسر الجيم-: باطن العنق، والبعير إذا استراح مدَّ عنقَه على الأرض.
وأما ما رُوي عن أسماء بنت يزيد قالت: إنّي لآخذةٌ بزمام العضْباء -ناقة رسول اللَّه ﷺ إذ أنزلتْ عليه المائدة كلّها، فكادتْ من ثقلها تدق بعضد النّاقة. فهو ضعيف، رواه الإمام أحمد (٢٧٥٧٥)، والطبرانيّ في "الكبير" (٢٤/ ١٧٨) كلاهما من طريق شيبان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، فذكرت مثله.
ففيه ليث هو: ابن أبي سليم الغالب على حديثه الضّعف.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٣) وعلّله بشهر بن حوشب، وتعليله بليث أولى؛ فإنّ شهر ابن حوشب مختلف فيه غير أنّه حسن الحديث إذا لم يخالف.
ورُوي مثله عن عبد اللَّه بن عمرو، رواه الإمام أحمد (٦٦٤٣).
وفيه ابن لهيعة، وشيخه حُيّيُّ بن عبد اللَّه ضعيفان، وأورده الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٣) وأعلّه بابن لهيعة.
وروي أيضًا عن عمّة أم عمرو بنت عبس، رواه البيهقي في "دلائل النّبوة" (٧/ ١٤٥) أنّها قالت: حدّثتني عمّتي: أنّها كانت في مسير مع رسول اللَّه ﷺ فنزلت عليه سورة المائدة، فاندقَّتْ كفُّ راحلته العضباء من ثقل السّورة.
فيه أمُّ عمرو بنت عبس لا تعرف.
٦ - باب ما جاء في فترة الوحي
• عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: قال رسول اللَّه ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي-: "فيينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السّماء، فرفعتُ رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسًا على كرسي بين السماء والأرض" قال رسول اللَّه ﷺ : "فَجُئْثْتُ منه فرقًا، فرجعتُ فقلت: زمِّلوني زمِّلوني، فدثَّروني، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [سورة المدثر: ١ - ٥] وهي الأوثان، قال: ثم تتابع الوحي".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٨)، ومسلم في الإيمان (١٦١) كلاهما من حديث اللّيث قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ جابر بن عبد اللَّه قال. . . فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ سواء.
وفي رواية عندهما: "ثم حمي الوحي وتتابع".
стр. 112
وقوله: "فترة الوحي" يعني احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول، ورد عن ابن عباس أنّها دامت أربعين يومًا، ولكن ذهب السهيليّ في "الرّوض الأنف" (٢/ ٤٣٣) إلى أن مدّة الفترة سنتان ونصف، انظر للمزيد فتح الباري (١/ ٢٧).
وأما ما ذكره البخاريّ في كتاب التعبير (٦٩٨٢) من طريق معمر، عن الزهريّ قال: حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلَّما أوفَى بذروة جبل لكي يُلقي منه نفسَه تبدَّى له جبريل فقال: يا محمّد إنّك رسول اللَّه حقًّا فيسكن لذلك جأشُه وتقر تفسُه فيرجع. . . الخ. فهو من بلاغات الزهري غير موصول. وسيأتي الكلام عليه في السيرة النبوية.
وقد رواه ابن سعد (١/ ١٩٦) موصولًا من وجه آخر قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف، عن ابن عباس قال: لما نزل عليه الوحي بحراء، مكث أيامًا لا يرى جبريل، فحزن حُزنًا شديدًا، حتى كان يغدو إلى ثبير مرةً، وإلى حراء مرةً يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول اللَّه ﷺ كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتا من السماء فوقف رسول اللَّه ﷺ صعقا للصوت، ثم رفع رأسَه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربِّعًا عليه يقول: يا محمد! أنت رسولُ اللَّه حقًّا وأنا جبريل. قال: فانصرف رسول اللَّه ﷺ وقد أقرَّ اللَّه عينه ورَبَط جأشه ثم تتابع الوحي بعد وحَمِي.
ومحمد بن عمر هو الواقديّ متهم بالوضع، وفي التقريب: "متروك مع سعة علمه".
وإبراهيم بن محمد بن أبي موسى أشدّ ضعفًا منه، وقد كذّبه ابن المديني وغيره، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، ولعلّ الواقديّ دلَّسه فجعله إبراهيم بن محمد بن أبي موسى أو تحرّف على الناسخ.
والخلاصة: أن هذه القصة مختلفة، لا ينبغي التحديث بها إلّا لكشف حالها من الوضع؛ لأنه لا يليق بالنبيّ ﷺ وهو معصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدّافع له على ذلك، فيجب الإنكار على هذه القصة المختلفة والموضوعة وباللَّه التوفيق.
• عن يحيى بن أبي كثير يقول: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أيّ القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. فقلت: أو ﴿اقْرَأْ﴾ [سورة العلق: ١]؟ . فقال: سألت جابر بن عبد اللَّه: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. فقلت: أو ﴿اقْرَأْ﴾؟ قال جابر: أحدّثكم ما حدّثنا رسول اللَّه ﷺ قال: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنُوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرَ أحدًا، ثم نُوديتُ فنظرتُ فلم أر أحدًا، ثم نُوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء (يعني جبريل) فأخذتني رجفةٌ شديدة، فأتيتُ
стр. 113
خديجة فقل: دثّروني، فدثَّروني، فصبُّوا عليَّ ماءً فأنزل اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [سورة المدثر: ١ - ٤] ".
وفي رواية علي بن المبارك عن يحيى: "فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٢٢)، ومسلم في الإيمان (١٦١/ ٢٥٦) كلاهما من حديث علي بن المبارك، عن يحيى بإسناده مثله، واللفظ لمسلم، وليس في هذه الرواية عند البخاريّ: "فإذا هو على العرش في الهواء" أو "فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض"، ولكن ذكره في رواية حرب، عن يحيى (٤٩٢٤) كما ذكره في رواية ابن شهاب، عن أبي سلمة.
وقوله: "فلما قضيت جواري" أي مجاورتي واعتكافي.
٧ - باب استعجال المصطفى ﷺ في تلقف الوحي عند نزوله
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [سورة القيامة: ١٦] قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدّة وكان مما يحرّك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحرّكهما لكم كما كان رسولُ اللَّه ﷺ يحرّكهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيتُ ابن عباس يحركهما -فحرك شفتيه- فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٦ - ١٧] قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبيّ ﷺ كما قرأه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الوحي (٥)، ومسلم في الصّلاة (٤٤٨) كلاهما من حديث أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللفظ للبخاريّ، ومسلم لم يذكر تحريك ابن عباس شفتيه ومن بعده.
٨ - باب ما أُوحي إلى النبيّ ﷺ من قول الجنّ
• عن ابن عباس قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرْسلت عليهم الشُّهُب، فرجعت الشياطينُ إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشُّهُب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلّا شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر
стр. 114
السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا واللَّه الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [سورة الجن ١ - ٢]. فأنزل اللَّه على نبيه ﷺ وإنما أوحي إليه قولُ الجنّ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٧٧٣)، ومسلم في الصّلاة (٤٤٩) كلاهما من حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه.
٩ - باب ما جاء في إبلاغ الوحي كاملًا
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة المائدة: ٦٧].
قال الزهريّ: "من اللَّه الرّسالة، وعلى رسول اللَّه ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم".
• عن عائشة قالت: من حدّثك أنّ محمدًا كتم شيئًا من الوحي فلا تصدقه، إنّ اللَّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.
صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٣١) عن محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة، فذكرت مثله.
وفي الباب عن سمرة بن جندب في قصة الكسوف في خطبة النبيّ ﷺ أنه قال: "أيها الناس أَنْشُدكم باللَّه إن كنتم تعلمون أني قصرتُ عن شيء من تبليغ رسالات ربّي لما أخبرتموني ذاك، بلغتُ رسالات ربّي كما ينبغي لها أن تُبلّغ، وإن كنتم تعلمون أني بلّغتُ رسالات ربّي لما أخبرتموتي ذاك". قال: فقام رجالٌ فقالوا: نشهدُ أنك قد بلّغتَ رسالات ربِّك ونصحتَ لأمّتك، وقضيتَ الذي عليك، ثم سكتوا".
رواه الإمام أحمد (٢٠١٧٨) عن أبي كامل، حدثنا زهير، حدثنا الأسود بن قيس، حدثنا ثعلبة ابن عباد العبديّ -من أهل البصرة- قال: "شهدتُ يومًا خطبةً لسمرة بن جندب" فذكر في خطبته حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ فقال (فذكر خطبة النبيّ ﷺ في حديث طويل).
وصحّحه ابن خزيمة (١٣٩٧)، وابن حبان (٢٨٥٢)، والحاكم (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠، ٣٣٤) كلّهم رووه من طريق الأسود بن قيس العبديّ بإسناده مختصرًا ومطوّلًا.
стр. 115
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" فتعقبه الذهبي بقوله: "ثعلبة مجهول، وما أخرجا له شيئًا".
وثعلبة بن عباد العبديّ البصريّ لم يرو عنه سوى الأسود بن قيس، ذكره ابن المدينيّ في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس. وقال ابن حزم، وابن القطاّن: "مجهول"، وذكره ابن حبان في "الثقات"؛ ولذا قال فيه الحافظ:
"مقبول" أي إذا تُوبع وإلّا فلين الحديث كما اصطلح عليه الحافظ، وذكره الذهبي في الميزان ونقل عن ابن المديني: "الأسود يروي عن مجاهيل"، وقال ابن حزم: "ثعلبة مجهول".
١٠ - باب وصف أهل السّماء عند نزول الوحي
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا قضى اللَّه الأمر في السماء ضربتِ الملائكةُ بأجنحتها خُضْعانًا لقوله كالسِّلسلةِ على صفوان -قال عليٌّ: وقال غيره: صفوان يَنْفُذُهم ذلك- فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا للذي قال: الحقّ وهو العليُّ الكبير، فيسمعها مُسْتَرقُو السَّمع ومُسْترِقُو السّمع هكذا واحد فوق آخر -ووصف سفيان بيده وفرَّج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضَها فوق بعض- فربما أدرك الشِّهابُ المستمعَ قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقَه، وربما لم يدركهـ حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يُلْقُوها إلى الأرض -وربّما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتُلْقى على فم السّاحر فيكذب معها مائةَ كَذْبةٍ فيصدَّق فيقولون: ألم يُخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًّا -للكلمة التي سُمعت من السّماء-" حدّثنا عليُّ بن عبد اللَّه، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة: "إذا قضى اللَّهُ الأمرَ". وزاد: "والكاهن". وحدثنا سفيان فقال: قال عمرو: سمعت عكرمة، حدثنا أبو هريرة قال: "إذا قضى اللَّه الأمر" وقال: "على فم السّاحر".
قلت لسفيان: أأنت سمعت عمرًا قال: سمعت عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة؟ قال: نعم. قلت لسفيان: إنّ إنسانا روى عنك، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة ويرفعه أنه قرأ: [فُزِّعَ]؟ قال سفيان: هكذا قرأ عمرو، فلا أدري سمعه هكذا أم لا قال سفيان: وهي قراءتُنا".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٠١) عن علي بن عبد اللَّه، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ ، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا تكلّم اللَّهُ بالوحي سمع
стр. 116
أهلُ السّماء للسماء صلْصَلة كجرّ السّلسِلة على الصفا، فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇ حتى إذا أتاهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربُّك؟ فيقول: الحقّ، فيقولون: الحقّ، الحقّ".
صحيح: رواه أبو داود (٤٧٣٨) عن أحمد بن أبي سريج الرازيّ، وعلي بن الحسين بن إبراهيم، وعلي بن مسلم، قالوا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد اللَّه، فذكره.
ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢٨٠)، وابن حبان في صحيحه (٣٧) كلاهما من طريق علي بن الحسين بن إبراهيم وحده بإسناده مثله. ومسلم هو ابن صُبيح الهمدانيّ.
وقد روي موقوفًا على عبد اللَّه بن مسعود، رواه ابن خزيمة من طرق غير هؤلاء عن أبي معاوية، والحكم لمن رفعه؛ لأنّ معهم زيادة علم، ثم مثل هذا لا يُعرف إلّا بالوحي، وكان ابن مسعود يذكر هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة سبأ: ٢٣] فلعلّه نفسه كان يرفعه أحيانًا، ويوقفه أحيانًا حسب الحال، وقد كان ﵁ شديد الاحتياط في رفع كلّ حديث إلى النّبيّ ﷺ .
وعلّقه البخاريّ (١٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣) عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود.
وأما ما رُوي عن النواس بن سَمعان الكلابيّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه أن يوحي بأمر تكلّم بالوحي، فإذا تكلّم أخذت السموات منه رجفة من خوف اللَّه ، فإذا سمع ذلك أهلُ السموات صعقوا وخرّوا سجّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلّم اللَّه من وحيه بما أراد، فينتهي به جبريل على الملائكة، كلما مرّ بسماء قال أهلها: ماذا قال ربُّنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العليُّ الكبير، قال: فيقولون كلّهم مثل ما قال جبريل حتى ينتهي بهم جبريل حيث أمره اللَّه من السماء والأرض". فهو ضعيف.
رواه ابن أبي عاصم في السنة (٥١٥)، ومحمد بن نصر المروزيّ في تعظيم قدر الصّلاة (١/ ٢٣٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٠١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٣٥)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢٧٩) كلّهم من طرق عن نعيم بن حمّاد المروزي، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيدة، عن النواس بن سمعان، فذكر مثله. ونعيم بن حماد سيء الحفظ.
والوليد بن مسلم مدلّس، يدلّس تدليس التسوية ولم يصرّح بالسّماع.
والحديث أورده الذهبي في الميزان (٤/ ٢٦٩) في ترجمة نعيم بن حماد، ونقل عن دُحيم أنه قال: "لا أصل له".
стр. 117
ورواه أبو الشيخ من وجه آخر عن عمرو بن مالك الرّاسبيّ قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، بإسناده مثله.
وعمرو بن مالك هذا ضعيف جدًّا، وقد اتُهم بسرقة الحديث، ولعلّ هذا مما سرقه عن الوليد ابن مسلم؛ لأنّ ابن كثير نقل في تفسير سورة سبأ عن أبي حاتم أنه قال: "ليس هذا الحديث بالشّام عن الوليد بن مسلم".
١١ - باب نزول آية واحدة في دفعتين
• عن البراء قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء: ٩٥] قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ادعُ لي زيدًا وليجِئْ معه باللَّوح والدّواة والكتف -أو الكتفِ والدّواة-" ثم قال: "اكتبْ: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللَّه" قال: وخلف ظهر النّبيّ ﷺ عمرو بن أمِّ مكتوم الأعمى، قال: يا رسول اللَّه فما تأمرني، فإنّي رجلٌ ضريرُ البصر؟ فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [سورة النساء: ٩٥].
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٠) عن عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء. . . فذكره.
ورواه مسلم في الإمارة (١٨٩٨) من وجه آخر عن أبي إسحاق مختصرًا، وسيأتي في موضعه.
• عن البراء، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إيتوني بالكتف أو اللّوح" فكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وعمرو ابن أمِّ مكتوم خلف ظهره، فقال: هلْ لي من رخصة؟ فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
صحيح: رواه الترمذيّ (١٦٧٠)، والنسائيّ (٦/ ١٠) كلاهما عن نصر بن علي الجهضميّ قال: أخبرنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب. . . فذكره.
وإسناده صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابنُ حبان في صحيحه (٤ ١).
١٢ - باب لم ينقطع الوحي عن النّبيّ ﷺ حتى توفاه اللَّه
• عن أنس قال: إنّ اللَّه تعالى تابع على رسوله ﷺ الوحي قبل وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول اللَّه ﷺ بعد.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨٢)، ومسلم في كتاب التفسير (٣٠١٦) كلاهما عن عمرو بن محمد بن بُكير النّاقد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك، فذكره، ولفظهما سواء، وقرنه مسلمٌ بعمرو بن
стр. 118
محمد: الحسن بن علي الحلواني، وعبد بن حميد، الثلاثة عن يعقوب بن إبراهيم، بإسناده.
قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٨): قوله: "حتى توفاه أكثر ما كان الوحي" أي الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة. قال: والسّر في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كَثُروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام، فكثر النزول بسبب ذلك. وهذا الذي وقع أخيرًا على خلاف ما وقع أولًا، فإنّ الوحي في أول البعثة فتر فترة، ثم كثر، وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السور الطوال إلّا القليل، ثم بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلّا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولًا بالسبب المتقدم" انتهى.
١٣ - انقطاع الوحي بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ -
• عن أنس قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أمِّ أيمن نزورها كما كان رسول اللَّه ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكتْ، فقالا: ما يبكيكِ؟ ما عند اللَّه خير لرسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلمُ أنّ ما عند اللَّه خير لرسول اللَّه ﷺ ، ولكن أبكي أنّ الوحي قد انقطع من السّماء؛ فهيّجتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان".
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٥٤) عن زهير بن حرب، أخبرني عمرو بن عاصم الكلابيّ، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكرَ الحديث.
стр. 119
٢ - كتاب الإيمان
جموع أبواب خصال الإيمان
١ - باب سؤال جبريل عن الإيمان، والإسلام، والإحسان
• عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد اللَّه ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد اللَّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: متى السّاعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها؛ إذا ولدت الأمةُ ربَّها، وإذا تطاول رُعاةُ الإبل البُهْم في البنيان، فذاك من أشراطها. في خمس لا يعلمهن إلّا اللَّه"، ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [سورة لقمان: ٣٨] الآية، ثم أدبر فقال: "ردُّوه" فلم يروا شيئا! فقال: "هذا جبريل جاء يعلمُ الناس دينهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة، عن أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره، ولفظهما سواء.
وفي رواية عند مسلم من حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سلوني" فهابوه أن يسألوه، فجاء رجل، فذكر مثله. وقال في آخر الحديث: "هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا".
• عن عمر بن الخطّاب قال: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديدُ بياض الثّياب شديدُ سواد الشّعر، لا يُرى عليه أثرُ السَّفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال رسول اللَّه ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلّا اللَّه وأن محمدًا رسولُ اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة،
стр. 120
وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا" قال: صدقت! قال: فعجبنا له يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" قال: فأخبرني عن السّاعة، قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن إمارتها، قال: "أن تلد الأمة ربَّتَها، وأن ترى الحفاة العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البنيان".
قال: ثم انطلق فلبثتُ مليًّا، ثم قال لي: "يا عمر، أتدري من السائل؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨) من طرق عن يحيى بن يعمر، قال: "أوّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهنيّ، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحميري حاجَّيْن أو معتمرين. فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد فاكتنفتُه أنا وصاحبي، أحدُنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أنّ صاحبي سيكل الكلامَ إليَّ فقلتُ: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبلنا ناسٌ يقرأون القرآن ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنَّهم يزعمون أن لا قدر، وأنّ الأمر أُنُفٌ؟ قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنّي بريءٌ منهم، وأنّهم برآءٌ مني، والذي يحلف به عبد اللَّه بن عمر: لو أنّ لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا فأنفقه ما قبل اللَّه منه حتى يُؤْمنَ بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال، فذكر الحديث.
قوله: "فاكتنفته أنا وصاحبي" يعني صرنا في ناحيتيه، وكَنفَا الطائرِ: جناحاه.
وقوله: "يتفقّرون العلم" أي يتبعون أثره ويطلبونه، والتفقّر: تتبع أثر الشيء.
وقوله: "إنّ الأمر أُنُف" يريد مستأنف لم يتقدّم فيه قدر ولا مشيئة، يقال: روضةٌ أُنُفٌ: إذا لم تُرْعَ، وأنفُ الشيء أوله.
قال البغويُّ رحمه اللَّه تعالى: "جعل النبيُّ ﷺ في هذا الحديث الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلّها شيء واحد وجماعُها الدِّين، ولذلك قال: "ذاك جبريل أتاكم يعلّمكم أمر دينكم" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الايمان والإسلام جميعًا، يدل عليه قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: ١٩]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ
стр. 121
يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٥٨]. فأخبر أنّ الدّين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون الدّين في محل القبول والرضى إلا بانضمام التصديق إلى العمل". شرح السنة (١/ ١٠ - ١١).
• عن يحيى بن يَعْمُر قلت لابن عمر: "إنّ عندنا رجالًا يزعمون أن الأمر بأيديهم فإن شاؤوا عملوا، وإن شاؤوا لم يعملوا؟ ! فقال: أخبرهم أنّى منهم بريء، وأنّهم منى براءُ، ثم قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ فقال: "تعبد اللَّه لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت" قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: "نعم" قال: صدقت، قال: فما الإحسان؟ قال: "تخشى اللَّه تعالى كأنك تراه فإن لا تك تراه فإنه يراك" قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: "نعم" قال: صدقت، قال: فما الإيمان؟ قال: "تؤمن باللَّه وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث من بعد الموت، والجنة والنار، والقدر كلّه" قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: "نعم" قال: صدقت.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٨٥٦) عن عفّان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عليُّ بن زيد، عن يحيى بن يَعْمُر، فذكره. وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، لكنه توبع.
فقد رواه أحمد أيضًا (٥٨٥٧) عن عفان، حدّثنا حماد بن سلمة، عن إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، بمثله، وزاد في آخره: "وكان جبريل ﵇ يأتي النّبيَّ ﷺ في صورة دحية" وهذا إسناد صحيح.
• عن ابن عباس قال: جلس رسول اللَّه ﷺ مجلسًا له، فاتاه جبريلُ فجلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، واضعًا كفّيْه على رُكْبتي رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، حدّثني ما الإسلام؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "الإسلام أن تسلم وجهك للَّه، وتشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله" قال: فإذا فعلتُ ذلك فأنا مسلم؟ قال: "إذا فعلتَ ذلك فقد أسلمتَ" قال: يا رسول اللَّه، فحدثني ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن باللَّه، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيّين، وتؤمن بالموت والحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار، والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كلِّه خيره وشرّه" قال: فإذا فعلتُ ذلك فقد آمنتُ؟ قال: "إذا فعلتَ ذلك فقد آمنتَ" قال: يا رسول اللَّه، حدثني ما الإحسان؟ قال رسول اللَّه
стр. 122
- ﷺ : "الإحسان أن تعمل للَّه كأنك تراه فإنك إن لم تره فإنه يراك". قال: يا رسول اللَّه، فحدثني متى السّاعة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "سبحان اللَّه! في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة لقمان: ٣٤]، ولكن إن شئتَ حدّثتُك بمعالم لها دون ذلك" قال: أجل يا رسول اللَّه فحدِّثْني. قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رأيت الأمةَ ولدتْ ربَّتها -أو ربَّها-، ورأيت أصحاب الشّاء تطاولوا بالبُنيان، ورأيتَ الحفاة الجياعَ العالةَ كانوا رؤوسَ الناس، فذلك من معالم السّاعة وأشراطها" قال: يا رسول اللَّه، ومن أصحاب الشاء والحفاةُ الجياعُ العالةُ؟ قال: "العرب".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٩٢٤) عن أبي النّضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر بن حوشب، حدثني عبد اللَّه بن عباس، فذكر الحديث.
وعبد الحميد هو ابن بهرام الفزاريّ كان يحفظ حديث شهر بن حوشب، قال يحيى القطّان: "من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد بن بهرام".
ورواه أيضًا عبد اللَّه بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عامر -أو أبي عامر، أو أبي مالك-، عن النّبيّ ﷺ ، فذكر الحديث بطوله، وفيه بعض النّكارة.
وعبد اللَّه بن أبي حسين هو: عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفليّ وإن كان ثقة إلّا أنّه اضطرب في هذا الحديث.
رواه الإمام أحمد (١٧١٦٧) عن أبي اليمان، عن شعيب قال: حدثنا عبد اللَّه بن أبي حسين، قال: حدثني شهر بن حوشب، به.
وشهر بن حوشب مختلف فيه غير أنّ الحديث جاء من وجه آخر بإسناد حسن، فيما رواه البزّار -كشف الأستار (٢٤) - من طريق أحمد بن معلى الآدمي، ثنا جابر بن إسحاق، ثنا سلام أبو المنذر، عن عاصم، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، فذكر الحديث نحوه. وإسناده حسن لأجل عاصم وهو ابن بهدلة.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٣٩) وقال: "رواه أحمد والبزار بنحوه إلّا أنّ في البزّار أن جبريل أتى النبيّ ﷺ في هيئة رجل شاحب مسافر. وفي إسناد أحمد شهر بن حوشب".
٢ - باب السؤال عن أركان الإسلام
• عن طلحة بن عبيد اللَّه يقول: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس نسمع دويَّ صوته ولا نفقه ما يقول؛ حتى دنا من رسول اللَّه ﷺ فإذا هو
стр. 123
يسأل عن الإسلام؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة". فقال: هل عليَّ غيرُهنَّ قال: "لا إلا أن تطوع". قال رسول اللَّه ﷺ : "وصيام شهر رمضان" قال: هل عليَّ غيرُه؟ قال: "لا إلا أن تطوّع" قال: وذكر رسولُ اللَّه ﷺ الزّكاة، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا إلا أن تطوّع" قال: فأدبر الرّجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أفلح الرَّجلُ إنْ صدق".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٩٤) عن عمّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنّه سمع طلحة بن عبيد اللَّه، فذكر الحديث.
ورواه البخاريّ في الإيمان (٤٦) عن إسماعيل، ومسلم في الإيمان (١١) عن قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد اللَّه الثقفي - كلاهما عن مالك، به مثله.
وعند مسلم من طرق أخرى مع زيادة: "أفلح وأبيه إن صدق"، أو "دخل الجنة إن صدق"، هذه الزيادة غير محفوظة، ويأتي تفصيله في كتاب الأيمان والنذور.
• عن أنس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيُّكم محمّد؟ والنّبي متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئُ، فقال الرّجلُ للنبيّ ﷺ : إني سائلك فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تجدْ عليَّ في نفسك. فقال: "سل عمّا بدا لك" فقال: أسألك بربِّك وربِّ من قِبلك، آللَّه أرسلك إلى النّاس كلِّهم؟ فقال: "اللهم نعم" قال: أَنْشُدُك باللَّه، آللَّه أمرك أن نصلي الصلواتِ الخمسَ في اليوم والليلة؟ قال: "اللهم نعم" قال: أنشدك باللَّه، آللَّه أمرَكَ أن نصوم هذا الشَّهرَ من السّنة؟ قال: "اللَّهمَّ نعم" قال: أنشدك باللَّه، آللَّه أمرك أن تأخذ هذه الصّدقة من أغنيائنا فتَقْسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : "اللَّهمَّ نعم" فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسولُ من ورائي من قومي، وأنا ضِمام بنُ ثعلبة أخو بني سعد بن بكر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٦٣) عن عبد اللَّه بن يوسف، قال: حدثنا الليث، عن سعيد -هو المقبريّ-، عن شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، أنّه سمع أنس بن مالك، فذكر الحديث.
قال البخاريّ: رواه موسى، وعلي بن عبد الحميد، عن سليمان، عن ثابت، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، بهذا. انتهى.
стр. 124
قلت: سليمان هو: ابن المغيرة، ومن طريقه رواه مسلم في الإيمان (١٢) عن عمرو بن محمد ابن بكير النّاقد، حدثنا هاشم بن قاسم أبو النّضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ابن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيءٍ، فكان يعجبنا أن يجيء الرّجلُ من أهل البادية العاقلُ، فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد! أتانا رسولُك فزعم لنا أنّك تزعم أنّ اللَّه أرسلك قال: "صدق" قال: فمن خلق السّماء؟ قال: "اللَّه". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "اللَّه" قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: "اللَّه". قال: فبالذي خلق السّماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آللَّه أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا زكاةً في أموالنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا صوْمَ شهر رمضان في سنتنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولُك أنّ علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: "صدق" قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق! لا أزيد عليهن ولا أنقص منهنّ فقال النّبيُّ ﷺ : "لئن صَدقَ لَيَدْخُلَنَّ الجنَّةَ".
وقال: حدثني عبد اللَّه بن هاشم العبديّ، حدثنا بهز، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال: قال أنسٌ: "كنّا نُهينا في القرآن أن نسأل رسولَ اللَّه ﷺ عن شيءٍ" وساق الحديث بمثله.
قال الحافظ في الفتح (١/ ١٥٣) معلقًا على قول البخاريّ: رواه موسى، وعلي بن عبد الحميد. . .: "إنّما علقه البخاري لأنّه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة، وقد خُولف في وصله، فرواه حماد بن سلمة، عن ثابت مرسلًا، ورجّحها الدارقطنيّ، وزعم بعضهم أنّها علّة تمنع من تصحيح الحديث وليس كذلك بل هي دالة على أنّ لحديث شريك أصلًا" انتهى.
وقول البخاريّ: "بهذا" أي هذا المعنى وإلا فاللّفظ مختلف.
• عن ابن عباس قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضِمامَ بنَ ثعلبة وافدًا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسولُ اللَّه ﷺ جالسٌ في أصحابه -وكان ضِمامٌ رجلًا جَلْدًا أَشْعرَ ذا غديرتين- فأقبل حتى وقف على رسول اللَّه ﷺ في أصحابه، فقال: أيّكم ابنُ عبد المطلب؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب". قال: محمّد؟ قال: "نعم" فقال: ابنَ عبد المطلب، إني سائلُك ومغلِّظٌ في المسألة، فلا تجدنَّ في نفسك. قال: "لا أجد في نفسي فسَلْ عمَّا بدا لك" قال: أنشدُك اللَّه إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آللَّه بعثك إلينا رسولًا؟ فقال: "اللهمَّ نعم". قال: فأنشُدُك اللَّه
стр. 125
إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آللَّه أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهمّ نعم". قال: فأنشدك اللَّه إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آللَّه أمرك أن نصلِّي هذه الصلوات الخمس؟ قال: "اللهمّ نعم" قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضةً فريضةً: الزّكاة، والصيام، والحجّ، وشرائعَ الإسلام كلَّها، يناشدُه عند كلِّ فريضةٍ كما يناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله الا اللَّه، وأشهد أنّ محمدًا رسولُ اللَّه، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنْقصُ، قال: ثم انصرف راجعًا إلى بعيره فقال رسول اللَّه ﷺ حين وَلّي: "إنْ يصْدُقْ ذو العَقِيصَتيْن يدخُلِ الجنّة".
قال: فأتي إلى بعيره، فأطلق عِقَاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أوّلَ ما تكلم به أنْ قال: بِئْستِ اللّاتُ والعُزَّى. قالوا: مَهْ يا ضِمام، اتَّقِ البرَصَ والجُذام، اتَّقِ الجنون. قال: ويلكم إنّهما واللَّهِ لا يضرّان ولا ينفعان، إنّ اللَّه قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهدُ أن لا إله الا اللَّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، وإنّي قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال: فواللَّه ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مُسلمًا.
قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قومٍ كان أفضلَ من ضِمام بن ثعلبة".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٨٠) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب مولى عبد اللَّه بن عباس، عن عبد اللَّه بن عباس، فذكره.
ورواه أبو داود (٤٨٧) عن محمد بن عمرو، حدثنا سلمة، حدثني محمد بن إسحاق، به مختصرًا، وقرن سلمة بن كهيل بمحمد بن الوليد.
وإسناده حسن، وسلمة هو: ابن الفضل مختلف فيه غير أنه توبع، وكذلك محمد بن الوليد بن نويفع لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول".
قلت: وهو كذلك لأنه تابعه سلمة بن كهيل، ومحمد بن إسحاق مدلس إلّا أنّه صرّح بالتحديث. ومحمد بن عمرو شيخ أبي داود هو: ابن بكر بن سالم أبو غسان المعروف بـ (زُنيج) وهو ثقة من رجال مسلم.
ورواه الحاكم (٣/ ٥٤) مختصرًا من وجه آخر عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن الوليد بن
стр. 126
نويفع به وحده. وقال: "صحيح".
• عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: ما أتيتُك حتى حلفتُ عدد أصابعي هذه أن لا آتيك -أرانا عفّان وطبَّقَ كفيه- فبالذي بعثك بالحقّ، ما الذي بعثك به؟ قال: "الإسلام" قال: وما الإسلام؟ قال: "أن يُسلم قلبُك للَّه، وأن توجِّه وجهَك إلى اللَّه، وتصلي الصّلاة المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، أخوان نصيران، لا يقبل اللَّه من أحد توبة أشرك بعد إسلامه". قلت: ما حقُّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: "تُطْعمها إذا طعمتَ، وتكسُوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجهَ، ولا تُقبِّحْ، ولا تهجر إلا في البيت".
قال: "تحشرون ههنا -وأومأ بيده إلى نحو الشام- مُشاةً ورُكبانًا وعلى وجوهكم، تُعْرَضُون على اللَّه وعلى أفواهكم الفِدامُ، وأوّلُ ما يُعْرِب عن أحدكم فخدُه". وقال: "ما من مولى يأتي مولًى له فيسألُه من فضلٍ عنده فيمنعه إلا جعله اللَّه عليه شُجاعًا ينهشُه قبل القضاء".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠٠٢٢) عن عفّان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو قزعة الباهليّ، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، فذكر الحديث بتمامه.
وإسناده حسن لأجل حكيم بن معاوية، وهو: ابن حيدة القشيريّ والد بهز، وثقه العجليّ، وقال النسائيّ: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي بعض نسخ "التقريب": "صدوق".
ورواه أيضًا أبو داود (٢١٤٢)، وابن حبان في صحيحه (١٦٠) من وجهين آخرين عن حماد بن سلمة مختصرًا.
وقد أشار الدارقطني في "العلل" (٨/ ٢٩٥) إلى رواية جماعة ممن حفظه عن أبي قزعة منهم حماد بن سلمة.
ورواه النسائي (٢٤٣٦)، وابن ماجه (٢٥٣٦) كلاهما من طريق آخر عن بهز بن حكيم يحدث عن أبيه، عن جده، مختصرًا.
• عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ : "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، وأنّ محمّدًا رسول اللَّه وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٨)، ومسلم في الإيمان (١٦/ ٢٢) كلاهما من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعتُ عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، فذكر الحديث، واللّفظ للبخاريّ.
стр. 127
وفي مسلم: قال حنظلة: سمعتُ عكرمة بن خالد يحدّثُ طاوُسًا: أنّ رجلًا قال لعبد اللَّه بن عمر: "ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ " فذكر الحديث.
وتفصيله ما رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٣) عن نافع، عن ابن عمر: "أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إنّ الناس ضُيِّعوا وأنت ابنُ عمر وصاحبُ النبيّ ﷺ فما يمنعك أنْ تخرج؟ فقال: يمنعني أنّ اللَّه حرَّم دمَ أخي، فقالا: ألم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة: ١٩٣]؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدّينُ للَّه، وأنتم تريدون أنْ تقاتِلُوا حتى تكون فتنة، ويكون الدّين لغير اللَّه.
وزاد عثمان بن صالح، عن ابن وهب قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو المعافريّ: أنَّ بُكير بن عبد اللَّه حدّثه، عن نافع: أنّ رجلًا أتى ابنَ عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحجّ عامًا وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل اللَّه ، قد علمتَ ما رغب اللَّهُ فيه؟ قال: يا ابْنَ أخي، بُني الإسلامُ على خمس: إيمانٍ باللَّه ورسوله، والصلاةِ الخمس، وصيامِ رمضان، وأداءِ الزّكاة، وحجّ البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر اللَّه في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: فعلنا على عهد رسول اللَّه ﷺ وكان الإسلام قليلًا، فكان الرّجل يفتن في دينه إمّا قتلوه وإمّا يعذِّبونه، حتى كَثُر الإسلام فلم تكن فتنة، قال: فما قولُك في عليٍّ عثمان؟ قال: أمّا عثمان فكان اللَّه عفا عنه، وأمّا أنتم فكرهتم أن يعفو عنه. وأمّا عليٌّ فابنُ عمّ رسول اللَّه ﷺ وختنُه -وأشار بيده- فقال: هذا بيتُه حيث ترون.
٣ - باب ما جاء في شعب الإيمان
• عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٩)، ومسلم في الإيمان (٣٥) كلاهما من حديث أبي عامر العقديّ، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد اللَّه بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم: "بضع وسبعون شعبة".
ورواه أيضًا من حديث سهيل، عن عبد اللَّه بن دينار، وجاء فيه: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا اللَّه، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
هكذا رواه سهيل بن أبي صالح بالشّك، ولكن أخرج بعض أصحاب السنن من طريقه فقال: "بضع وسبعون" من غير شك.
وتترجّح هذه الرواية أولًا بأنه لم يتردّد فيها الرّاوي، وثانيًا أن قوله: "بضع وسبعون" زيادة ثقة
стр. 128
فهي مقبولة.
قال الخطّابيّ رحمه اللَّه تعالى: "معنى قوله: "الحياء شعبة من الإيمان" أي الحياء يحجز صاحبه عن المعاصي، فصار من الإيمان، إذ الإيمان ينقسم إلى ائتمار لما أمر اللَّه به، وانتهاء عما نهى عنه". انتهى.
٤ - باب ما جاء في كمال الإيمان
• عن أبي أمامة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أحب للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه فقد استكمل الإيمان".
حسن: رواه أبو داود (٤٦٨١) عن مؤمل بن الفضل، حدثنا محمد بن شُعيب بن شابور، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل الكلام في القاسم وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي صاحب أبي أمامة غير أنه حسن الحديث.
وأبو أمامة هو صُديّ بن عجلان الباهلي.
• عن معاذ بن أنس الجهني قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أعطى للَّه، ومنع للَّه، وأحب للَّه، وأبغض للَّه، وأنكح للَّه، فقد استكمل إيمانُه".
حسن: رواه الترمذي (٢٥٢١) عن عباس الدُوري، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، فذكر الحديث.
أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٥٦٣٨) والحاكم (٢/ ١٦٤) -وعنه البيهقي في شعب الإيمان (١٥) - كلاهما من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ بهذا الإسناد.
قال الترمذي حسن، قلت: وهو كما قال. فإن عبد الرحيم بن ميمون أبا مرحوم "صدوق زاهد" كما في "التقريب"، وأما قول الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" فالصحيح أنه ليس على شرط أحدهما فإن عبد الرحيم بن ميمون وسهل بن معاذ لم يخرج لهما الشيخان.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خُلُقًا".
حسن: رواه الترمذي (١١٦٢) وأبو داود (٤٦٨٢) وابن حبان في صحيحه (٤٧٩، ٤١٧٦) كلهم من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث. واللفظ للترمذي. واقتصر أبو داود على الشطر الأول. قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: هو حسن فقط من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث.
стр. 129
ومن هذا الطريق رواه أيضًا أحمد (٧٤٠٢) والحاكم (١/ ٣) الشطر الأول فقط، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أكملُ الناس إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وإن حُسن الخُلق ليبلغ درجةَ الصومِ والصلاةِ".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٣٥) وأبو يعلى (٤١٦٦) كلاهما عن محمد بن المثنى أبو موسي، حدثنا زكريا بن يحيى الطائي، ثنا شُعيب بن الحبحاب، عن أنس فذكر الحديث.
قال البزار: "وهذا لا نعلم رواه هكذا إلا زكريا، وحدثناه وهب بن يحيى بن زمام القيسي".
وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٥٨): "رواه البزار ورجاله ثقات".
قلت: وهو كما قال إلا أن زكريا بن يحيى مختلف فيه فوثَّقه ابن سعد، وابن حبان، وتكلم فيه الدارقطني، غير أنه حسن الحديث، وقد فات الهيثمي عزو الحديث إلى أبي يعلى.
وفي الباب عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنَهم خُلُقًا وألْطَفَهم بأهله".
رواه الترمذي (٢٦١٢) عن أحمد بن مُنيع البغدادي، حدثنا إسماعيل ابن علية، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عائشة فذكرت الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، ولا نعرف لأبي قِلابة سماعًا من عائشة، وقد روى أبو قِلابة، عن عبد اللَّه بن يزيد -رضيعٍ لعائشة- عن عائشة غير هذا الحديث. وأبو قلابة اسمه عبد اللَّه بن يزيد الجرمي" انتهى.
قلت: لعل الترمذي حسَّنه لشواهده، وإلا ففيه انقطاع، ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٤٢٠٤) والحاكم (١/ ٣٥) وقال: "رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ".
وتعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع".
وفي الباب أيضًا عن عمرو بن عبسة في حديث طويل فيه بعض الزيادة المنكرة. رواه أحمد (١٩٤٣٥) عن ابن نُمير، حدثنا حجاج - يعني ابن دينار، عن محمد بن ذكوان، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة فذكر الحديث واختصره ابن ماجة (٢٧٩٤) من وجه آخر عن حجاج ابن دينار بإسناده وفيه محمد بن ذكوان وهو البصري الأزدي، الجهضمي مولاهم.
والجهضمي ضعيف، وبه أعله البوصيري في زوائد ابن ماجة، وشيخه شهر بن حوشب مختلف فيه كما أنه لم يسمع من عمرو بن عبسة، قاله أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهما انظر "جامع التحصيل" للعلائي.
وفي الباب أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلقًا، الموطؤون أكنافًا الذين يألفون، ويؤلفون. ولا خير فيمن لا يألف، ولا يؤلف".
стр. 130
رواه الطبراني في "الأوسط". وقال: "لم يروه عن محمد بن عينية إلا يعقوب بن أبي عبَّاد القلزمي، ولم أر من ذكره". انظر "المجمع" (١/ ٥٨).
وفي الباب أيضًا عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلقًا".
رواه البزار - كشف الأستار (٣٤). قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٥٨): "رواه البزار، وفيه أبو أيوب عن محمد بن المنكدر، ولا أعرفه".
٥ - باب النقص في كمال الإيمان بالمعاصي
• عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأشربة (٥٥٧٨)، ومسلم في الإيمان (٥٧) كلاهما عن ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن، وابن المسيب يقولان: قال أبو هريرة، فذكر الحديث.
قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنّ أبا بكر كان يحدثه عن أبي هريرة، ثم يقول: كان أبو بكر يُلحق معهن: "ولا ينتهبُ نهبةً ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها، حين ينتهبها وهو مؤمن".
ظاهره أن قوله: "ولا ينتهب. . . إلخ" ليس بمرفوع، وإنما هو من كلام أبي هريرة، ويرد عليه ما رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٧٥) من حديث الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر الحديث كاملًا في نسق واحد، وهذا لفظه: "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهبُ نهبةً، يرفعُ النّاس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن".
فجعله كله مرفوعًا.
ورواه أيضًا مسلمٌ من طريق الليث بن سعد بإسناده عن أبي هريرة أنه قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يزني الزاني" وقال: واقتصّ الحديث بمثله، يذكر مع ذكر النُّهبة، ولم يذكر: "ذات شرف".
وفي رواية عنده في حديث همام: "يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حين ينتهبُها مؤمن"، وزاد: "ولا يَغُلُّ أحدكم حين يَغُلُّ وهو مؤمن، فإيّاكم إيّاكم".
وفي رواية عنده في حديث ذكوان عن أبي هريرة: "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبةُ معروضة بعد".
والخلاصة: أنّ قول أبي بكر بن عبد الرحمن: "وكان أبو هريرة يلحق معهن" معناه يلحقها روايةً عن رسول اللَّه ﷺ ، لا من عند نفسه، وكأن أبا بكر خصّها بذلك لكونه بلغه أن غيره لا يرويها.
стр. 131
صيانة صحيح مسلم (ص ٢٢٧).
قال الترمذي -بعد أن روى حديث أبي هريرة-: "وقد رُوي عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظُّلة، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان".
هكذا رواه معلقًا، وسيأتي مسندًا.
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن".
قال عكرمة: "قلت لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا -وشبك بين أصابعه، ثم أخرجها-، فإن تاب عاد إليه - وشبك بين أصابعه".
صحيح: رواه البخاريّ في الحدود (٦٨٠٩) عن محمد بن المثنى، أخبرنا إسحاق بن يوسف، أخبرنا الفضيل بن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر الحديث.
• عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن".
صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (١١٢) - عن محمد بن المثني، ثنا محمد بن الفضل، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكر الحديث.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
وما رواه البزّار عقبه عن أحمد بن أبان، عن الدّراورديّ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، موقوفًا لا يضر.
وكذلك ما رواه الإمام أحمد (٢٥٠٨٨) عن يزيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه، عن عائشة، قال: "بينما أنا عندها إذ مُرّ برجل قد ضُرب في خمر على بابها. سمعت حِسَّ النّاس، فقالت: أيّ شيء هذا؟ قلت: رجل أُخذ سكرانًا من خمر فضُرب. فقالت: سبحان اللَّه! سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يشربُ الشّارب حين يشربُ وهو مؤمن -يعني الخمر-، ولا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب منتهبٌ نُهبةً ذات شرف يرفعُ النّاسُ إليه فيها رؤوسهم وهو مؤمن، فإيّاكم وإيّاكم".
ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وقد زاد في المتن وهي شاذة.
• عن ابن أبي أوفى، عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يشربُ الخمرَ حين يشربها وهو مؤمن، ولا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا ينتهبُ نُهبةً ذات شرف -أو سرفٍ-
стр. 132
وهو مؤمن".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٩١٠٢)، والبزّار -كشف الأستار (١١١) - كلاهما من حديث شعبة، عن فراس، عن مدرك بن عُمارة، عن ابن أبي أوفي، فذكر الحديث.
قال البزار: "لا نعلمُ له طريقًا عن ابن أبي أوفى إلّا هذا الطّريق".
قلت: ليس كما قال، بل له طرق عن مدرك بن عُمارة، وهذا أصحُّها. وإسناده حسن من أجل مدرك بن عمارة وهو ابن عقبة بن أبي مُعيط الأمويّ من رجال "التعجيل": "روي عن أبيه وله صحبة، وروي عن عبد اللَّه وهو ابن أبي أوفي. روى عنه فراس الخارفي، ويونس بن أبي إسحاق، وليث بن أبي سُليم وغيرهم، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "عِداده في أهل الكوفة". وقال غيره: يقال: إن له صحبة وهو غلط" انتهى.
ومثله لا بأس بتحسين حديثه إذا كان له شواهد صحيحة.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا زنى الرّجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظُّلة، فإذا انقلع رجع إليه الإيمان".
صحيح: رواه أبو داود (٤٦٩٠) عن إسحاق بن سويد الرّمليّ، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا نافع -يعني ابن زيد-، قال: حدثني ابن الهاد، أن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ حدّثه، أنه سمع أبا هريرة، فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الصحيح، وصحّحه أيضًا الحاكم (١/ ٢٢) على شرط الشيخين فقال: "فقد احتجا برواته".
أما ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: "من زنا وشرب الخمر نزع اللَّه منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه" فهو ضعيف.
رواه الحاكم (١/ ٢٢) من طريقين عن أبي عبد الرحمن المقري، ثنا سعيد بن أبي أيوب، ثنا عبد اللَّه بن الوليد، عن ابن حجيرة، أنه سمع أبا هريرة، فذكر مثله.
قال الحاكم: "قد احتج مسلم بعبد الرحمن بن حجيرة، وعبد اللَّه بن الوليد، وهما شاميان".
قلت: هذا وهم منه فإن عبد اللَّه بن الوليد وهو ابن قيس التجيبيّ المصريّ ليس من رجال مسلم، وإنما أخرج له أبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات" ولكن ضعّفه الدّارقطنيّ وقال: "لا يعتبر بحديثه".
وفي "التقريب": "ليّن الحديث" وشيخه هو عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن حجيرة لا عبد الرحمن بن حجيرة كما قال الحاكم، فلعلّه سقط في الإسناد: "عن أبيه"، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن حجيرة ليس من رجال مسلم أيضًا، وقد روي عن أبيه، وعنه عبد اللَّه بن الوليد التجيبيّ، وهو ممن وثّقه أيضًا ابنُ حبان.
стр. 133
وفي الباب عن جابر، رواه الإمام أحمد (١٤٧٣١) عن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أنه قال: سألتُ جابرًا: "أسمعتَ النبيّ ﷺ يقول: "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن"؟ قال جابر: لم أسمعه. قال جابر: وأخبرني ابن عمر أنه قد سمعه".
وفي الإسناد ابن لهيعة وفيه كلام معروف بأنه ضُعِّف من أجل اختلاطه، وموسى وهو ابن داود ليس ممن سمع منه قبل الاختلاط.
قال الترمذيّ (٥/ ١٦) بعد أن روى حديث أبي هريرة: "لا نعلم أحدًا كفّر أحدًا بالزنى، أو السّرقة، وشرب الخمر".
وقال: "وقد رُوي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: "خرج من الإيمان إلى الإسلام".
• عن أنس بن مالك، قال: ما خطبنا نبيُّ اللَّه ﷺ إلّا قال فيه: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٣٨٣)، وأبو يعلى (٢٨٦٣)، والبزار -كشف الأستار (١٠٠) -، والطبراني في الأوسط (٢٦٢٧) كلّهم من طريق أبي هلال، حدثنا قتادة، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي هلال وهو محمد بن سليم الرّاسبيّ غير أنه حسن الحديث، وقد حسّنه البغويّ في شرح السنة (٣٨)، ثم هو لم ينفرد به، بل رواه أبو يعلى (٣٨٦٣) وعنه ابن حبان في صحيحه (١٩٤) عن الحسن بن الصبّاح البزّار، حدثنا مؤمّل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكر مثله.
ومؤمّل بن إسماعيل تُكلّم في حفظه، غير أنه لا بأس به في المتابعات.
وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي أمامة، وابن مسعود ولا يصح منه شيءٌ غير أنّ بعضه يستشهد به.
قال النوويّ رحمه اللَّه تعالى في شرح مسلم: "هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحقّقون أن معناه لا يفعلُ هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، ويراد نفيُ كماله ومختاره، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيشُ الآخرة، وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذرّ وغيره: "من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق"، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: أنهم بايعوه ﷺ على أن لا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يعصوا. . . إلى آخره، ثم قال لهم ﷺ : "فمن وفي منكم فأجرُه على اللَّه، ومن فعل شيئًا من ذلك فعُوقب في الدنيا فهو كفّارتُه، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى اللَّه تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه". فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول اللَّه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨]، مع إجماع أهل الحقّ على أنّ الزّاني والسّارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر
стр. 134
غير الشّرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء اللَّه تعالى عفا عنهم، وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذّبهم، ثم أدخلهم الجنة، وكلّ هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه". انتهى.
٦ - باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطّاعات
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في أضحى أو في فطر إلى المصلّى، فمرّ على النساء فقال: "يا معشر النّساء تصدّقن، فإنّي أريتكن أكثر أهل النّار" فقلن: وبمَ يا رسول اللَّه؟ قال: "تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للبِّ الرّجل الحازم من إحداكن". قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" قلن: بلى. قال: "فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضتْ لم تصل ولم تصم؟ " قلن: بلي، قال: "فذلك من نقصان دينها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحيض (٣٠٤) عن سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد -وهو ابن أسلم- عن عياض بن عبد اللَّه، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر الحديث.
ورواه مسلم في الإيمان (٨٠) من أوجه عن ابن أبي مريم، نا محمد بن جعفر بإسناده غير أنه لم يسق لفظ الحديث وإنّما أحال على معنى حديث ابن عمر الآتي.
• عن عبد اللَّه بن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "يا معشر النّساء تصدّقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتُكنّ أكثر أهل النار" فقالت امرأة منهن جزلة: "وما لنا يا رسول اللَّه أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير، وما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب الذي لبّ منكنّ" قالت: يا رسول اللَّه، وما نقصان العقل والدِّين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدِّين".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٩) عن محمد بن رمح، أخبرنا اللّيث، عن ابن الهاد، عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكر الحديث.
وقوله: "امرأة منهن جزلة": جزلة -بفتح الجيم وسكون الزاي- أي ذات عقل ورأي.
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، بمثل حديث ابن عمر.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨٠) عن يحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل (وهو ابن جعفر)، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبريّ، عن أبي هريرة ولم يسق لفظ
стр. 135
الحديث وإنّما أحال على لفظ حديث ابن عمر.
وساقه الترمذيّ (٢٦١٣) عن أبي عبد اللَّه هُريم بن مسعر الأزديّ الترمذيّ، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ خطب النّاس فوعظهم ثم قال: "يا معشر النساء تصدّقن فإنكنّ أكثرُ أهل النّار"، فقالت امرأةٌ منهنّ: وبمَ ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "لكثرة لعنكُنّ، -يعني- وكفرَكُنّ العشير". قال: "وما رأيتُ ناقصات عقْل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرّأي منكن". قالت امرأةٌ منهنّ: وما نقصان دينها وعقلها؟ قال: "شهادةُ امرأتين منكنّ بشهادة رجل، ونقصان دينكنّ: الحيضة، تمكث إحداكنّ الثّلاث والأربع لا تصلي".
قال الترمذي: "حسن صحيح". وفي نسخة: "حسن صحيح غريب".
• عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ انصرف من الصبح يوما فأتي النساء في المسجد، فوقف عليهن فقال: "يا معشر النساء ما رأيتُ من نواقص عُقول ودين أذهب بقُلوب ذَوِي الألباب منكنّ، فإنّي قد رأيتُ أنكنَّ أكثر أهل النار يوم القيامة، فتقربنْ إلى اللَّه ما استطعتُنَّ". وكان في النساء امرأةُ عبد اللَّه بن مسعود فأتت إلى عبد اللَّه بن مسعود فأخبرته بما سمعتْ من رسول اللَّه ﷺ ، وأخذت حُليًّا لها، فقال ابن مسعود: فأين تذهبين بهذا الحليّ؟ فقالت: أتقرب به إلى اللَّه ورسوله، لعلّ اللَّه أن لا يجعلني من أهل النار. فقال: ويلكِ هلُمَّ تصدَّقي به عليَّ وعلى وَلَدي، فأنا له موضعٌ. فقالت: لا واللَّه حتى أذهب به إلى النّبيّ ﷺ . فذهبت تستأذنُ على النبي ﷺ فقالوا للنّبي ﷺ : هذه زينبُ تستأذنُ يا رسول اللَّه. فقال: "أيُّ الزَّيانب هي؟ ". فقالوا: امرأةُ عبد اللَّه بن مسعود. فقال: "ائذنوا لها". فدخلتْ على النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، إني سمعتُ منك مقالةً، فرجعتُ إلى ابن مسعود فحدثْتُه، وأخذتُ حُلِيِّي أتقرب به إلى اللَّه وإليك رجاء أن لا يجعلني اللَّه من أهل النار، فقال لي ابنُ مسعود: تصدّقي به عليَّ وعلى ولدي، فأنا له مَوْضعٌ، فقلتُ: حتى أستأذن النّبيَّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "تصدَّقي به عليه وعلى بنيه فإنهم له موضع". ثم قالت: يا رسول اللَّه أرأيت ما سمعتُ منك حين وقفتَ علينا: "ما رأيت من نواقص عقول قط ولا دين أذهب بقلوب ذوي الألباب منكنَّ". قالتْ: يا رسولَ اللَّه، فما نقصان ديننا وعقولنا؟ فقال: "أما ما ذكرتُ من نقصان دينكُنَّ: فالحيضة التي تصيبكن، تمكثُ إحداكُنَّ ما شاء اللَّه أن تمكثَ لا تصلي ولا تصوم، فذلك من نقصان دينكُنَّ، وأمّا ما ذكرتُ من نقصان عقولِكُنَّ فشهادَتُكُنَّ، إنّما شهادةُ المرأة نصفُ شهادةٍ".
حسن: رواه أحمد (٨٨٦٢) عن سليمان، أخبرنا إسماعيل، أخبرني عمرو -يعني ابن أبي
стр. 136
عمرو-، عن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وسليمان هو ابن داود الهاشميّ، وإسماعيل هو ابن جعفر بن أبي كثير.
وإسناده حسن، من أجل عمرو بن أبي عمرو وهو ميسرة مولى المطلب المدني مختلف فيه، فضعّفه ابن معين، والنسائيّ، ووثقه أبو زرعة، والعجليّ وغيره، ومشّاه الآخرون وهو من رجال الجماعة.
ومن طريقه رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٦١).
وقولها: "أتقرب به إلى اللَّه ورسوله" فيه نكارة، إذ لا يجوز التقرب إلى غير اللَّه تعالى بشيء من العبادات، ولا يروي هذه الزيادة إلا إسماعيل بن جعفر عن عمرو ابن أبي عمرو، ورواه مسلم في الإيمان (٨٠) من طرق عن إسماعيل بن جعفر إلا أنه لم يسُق لفظه وإنما أحال على معني حديث ابن عمر، وليس في حديث ابن عمر هذه الزيادة ولا قصة زينب، فلعلّ مسلمًا لم يسمع قصة زينب من شيوخه الثلاثة الذين روى عنهم الحديث كما مضى بمعنى حديث ابن عمر، بخلاف الإمام أحمد فإنه سمع هذه القصة من شيخه سليمان بن داود الهاشميّ وهو ثقة جليل، والأوهام والنكارة فيمن دونه.
• عن ابن مسعود، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تصدقن يا معشر النساء، ولو من حليِّكُن، فإنكن أكثر أهل النار"، فقامت امرأة ليست مِن علية النساء، فقالت: لِمَ يا رسول اللَّه؟ قال: "لأنكنَّ تُكثِرْن اللعنَ وتكفُرن العشير".
وفي رواية: "وما رأيتُ ناقصات عقل ودين أغلب للب الرجال مِنكُن".
حسن: رواه الإمام أحمد (٣٥٦٩، ٤١٥٢)، وأبو يعلى (٥١١٢، ٥١٤٤)، والحاكم (٢/ ١٩٠)، كلهم من طريق منصور بن أبي الأسود، عن ذر، عن وائل بن مهانة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر الحديث.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قلت: هو حسن، فإن وائل بن مهانة لم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٤٩٥) إلا أنه كان معروفًا عند الإمام أحمد، فقال في الموضع الثاني: كان من أصحاب عبد اللَّه بن مسعود، وكذلك قال شعبة كما ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٧٦): قال نصر بن علي عن أبيه عن شعبة قال: كان وائل من أصحاب ابن مسعود"، فمثله يحسّن حديثه، ولا يُجهّل كما قال الذهبي في الميزان: "لا يعرف".
والجملة الثانية أخرجها الحاكم (٤/ ٦٠٢، ٦٠٣) من طريق قبيصة بن عقبة، عن سفيان، عن منصور بإسناده مرفوعًا، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد رواه جرير، عن منصور، عن الأعمش بزيادة الألفاظ فيه".
والصواب أن الجملة الآخرة موقوفة على ابن مسعود لما رواه الحميدي (٩٢) عن سفيان، ثنا منصور بإسناده وفيه: ثم قال عبد اللَّه: ما وجد من ناقص العقل والدين، وأغلب للرجال ذوي
стр. 137
الرأي على أمورهم من النساء، قال: فقيل يا أبا عبد الرحمن: وما نقصان عقلها ودينها؟ قال: أما نقصان عقلها، فجعل اللَّه شهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما نقصان دينها، فإنها تمكث كذا يومًا لا تصلي للَّه سجدة.
وكذلك رواه أيضًا أبو يعلي (٥١١٢) من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا منصور بإسناده مثله موقوفًا، ولكن له حكم الرفع، فإن ابن مسعود لا يقول ذلك من عنده فلعله يرفعه مرة، ويوقفه أخرى احتياطًا كما هو معروف منه.
٧ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٢٢].
وقال جلّ ذكره: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [سورة المدثر: ٣١].
وقال ﵎: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [سورة التوبة: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [سورة آل عمران: ٧٣١].
وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [سورة الفتح: ٤].
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدةً للَّه في استقصاء الحقّ من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النّار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا، ويصلُّون ويحجُّون؟ فيقال لهم: أخرجُوا من عرفتم، فتُحَرَّمُ صورهم على النار. فَيُخْرِجُون خلقًا كثيرًا قد أخذت النّارُ إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربَّنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرْتنا به. فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا لم نذرْ فيها أحدًا ممن أمرْتنا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرِجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربّنا لم نَذرْ فيها ممن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا. ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا".
وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٤٠]. "فيقول اللَّه : شفعت الملائكةُ، وشفع النّبيُّون، وشفع المؤمنون، ولم
стр. 138
يبقَ إلا أرحمُ الرّاحمين فيقبض قبضةً من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرًا قطّ، قد عادوا حُممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: "نهر الحياة" فيخرجون كما تخرج الحِبة في حميل السّيل".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٩)، ومسلم في الإيمان (١٨٣) كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، واللّفظ لمسلم.
• عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ ﷺ قال: "يدخل أهلُ الجنة الجنةَ، وأهلُ النار النارَ، ثم يقول اللَّه تعالى: أخرجوا من النار مَنْ كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودّوا، فيلقون في نهر الحيا أو الحياة -شك مالك- فينبتون كما تنبتُ الحِبّةُ في جانب السّيل، ألم تر أنّها تخرج صفراء ملتويةً".
متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (٢٢) عن إسماعيل، ومسلم في الإيمان (١٨٤) من حديث ابن وهب - كلاهما عن مالك، عن عمرو بن يحيى بن عمارة المازنيّ، قال: حدثني أبي، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر الحديث، واللفظ للبخاريّ.
ولفظ مسلم: "يدخل اللَّه أهل الجنة الجنةَ، يدخل من يشاء برحمته، ويدخلُ أهل النار النار، ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيخرجون منها حُمَمًا قد امتحشوا" ثم ذكر مثله.
وفي رواية: "كما تنبت الغُثاء في جانب السيل".
هذا الحديث لم يخرجه يحيى بن يحيى اللّيثيّ في موطأ مالك كما لم يذكره الجوهريّ في مسند الموطأ، مع أنه جمع فيه رواية عبد اللَّه بن وهب، فالظاهر أن الحديث في خارج الموطأ.
وقوله: "امتحشوا" أي احترقوا.
• عن أنس، عن النّبيّ ﷺ قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا اللَّه، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا اللَّه، وفي قلبه وزن بُرّة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا اللَّه وفي قلبه وزن ذرّة من خير".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٤)، ومسلم في الإيمان (١٩٣: ٣٢٥) كلاهما من حديث هشام صاحب الدستوائيّ، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه.
• عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل النارَ أحدٌ في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان. ولا يدخل الجنة أحدٌ في قلبه مثقال حبّة خردل من كبرياء".
стр. 139
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٩١: ١٤٨) من طرق عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
• عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مُيِّز أهلُ الجنّة وأهلُ النار، فدخل أهلُ الجنة الجنة، وأهل النار النار، قامت الرُّسلُ فشفعوا فيقول: انطلقوا -أو اذهبوا- فمن عرفتم فأخرجوه. فيخرجونهم قد امْتَحَشُوا فيلقونهم في نهر -أو على نهر- يقال له: الحياة. قال فتسقطُ مُحَاشهم على حافة النّهر ويخرجون بِيضًا مثل الثعارير. ثم يشفعون، فيقول: اذهبوا -أو انطلقوا- فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط من إيمان فأخرجوهم. قال: فيخرجون بَشَرًا، ثم يشفعون فيقول اذهبوا -أو انطلقوا- فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردلة من إيمان فأخرجوه، ثم يقول اللَّه : أنا الآن أُخْرجُ بعلمي ورحمتي. قال: فيُخرجُ أضعافَ ما أخرجُوا وأضعافه فيكتب في رقابهم: عُتَقاءُ اللَّه، ثم يَدخلون الجنّة فيسمَّوْن فيها الجهنّميّين".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٤٩١، ١٥٠٤٨) من وجهين عن أبي الزبير، قال: حدثني جابر، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير.
وصحّحه ابن حبان (١٨٣)، وأصله في الصحيحين من وجوه أخرى.
• عن جندب بن عبد اللَّه قال: كنا مع النبيّ ﷺ ونحن فتيانٌ حزاورةٌ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا.
حسن: رواه ابن ماجه (٦١) عن علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا حماد بن نجيح -وكان ثقة-، عن أبي عمران الجوني، عن جندب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حماد بن نجيح الإسكاف السّدوسيّ، فإنّه حسن الحديث.
قوله: "حزاورة" جمع حزور، وهو الغلام إذا اشتد وقوي وحزم.
٨ - باب ما جاء في بيان الأمور الجامعة التي يدخل بها المسلم الجنة
• عن أبي أيوب: أنّ رجلًا قال للنّبيّ ﷺ : أخبرني بعمل يُدخلني الجنّة. قال (أي القوم): ما له ما له! وقال النّبيّ ﷺ : "أَرَبٌ ما له، تعبد اللَّه ولا تشركْ به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتُؤتي الزّكاة، وتصلُ الرَّحم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٣٩٦)، ومسلم في الإيمان (١٣/ ١٣) كلاهما من
стр. 140
حديث شعبة، حدثنا محمد بن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب، وأبوه عثمان كلاهما سمعا موسى بن طلحة بحدّث عن أبي أيوب، فذكره.
واللّفظ للبخاريّ؛ إلّا أنه قال في أحد الإسنادين: "عن ابن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب، عن موسى بن طلحة" وقال أيضًا: "أخشى أن يكون محمد غير محفوظ إنما هو عمرو".
إلّا أنّ مسلمًا لم يذكر لفظ الحديث، وإنّما أحال على ما سبقه وهو ما رواه عن عبد اللَّه بن نمير، عن عمرو بن عثمان -كما رجّحه البخاريّ-، عن موسى بن طلحة، قال: حدثني أبو أيوب: أنّ أعرابيًّا عرض لرسول اللَّه ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته -أو بزمامها- ثم قال: يا رسول اللَّه -أو يا محمد- أخبرني بما يقرّبني من الجنّة وما يباعدني من النّار. قال: فكفّ النبي ﷺ ثم نظر في أصحابه ثم قال: "لقد وُفَّق -أو لقد هُدِى-". قال: "كيف قلت؟ ". قال: فأعاد فقال النبي ﷺ : "تعبد اللَّه لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصل الرّحم، دع النَّاقة".
وزاد في رواية أبي إسحاق، عن موسى بن طلحة: "إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة".
ورواه أيضًا البغويّ في "شرح السنة" (١/ ٢٠) من طريق أبي نعيم، فقال:
"عن عمرو بن عثمان" إلّا أنّه فاته العزو إلى البخاريّ.
وعمرو بن عثمان هو الصّحيح، قال النَّووي: "اتفقوا على أنَّه وهم من شعبة، وأنَّ الصّواب: عمرو".
وقوله: "أرب" فيه ثلاث روايات: إحدها: "أَرِبَ" بوزن عَلِم، ومعناه الدّعاء عليه أي: أُصيبت آرابه وسقطت، وهي كلمة لا يراد بها وقوع الأمر، وإنما تذكر في معرض التعجّب. والثانية: "أَرَبٌ ما له" بوزن جَمَلٌ، أي: حاجة له، و"ما" زائدة للتقليل، أي حاجة يسيرة: والثالثة: "أَرِبٌ" بوزن كتف، والأرِبُ: الحاذق الكامل، أي: هو أرِبٌ، فحذف المبتدأ ثم سأل فقال: ماله؟ أي ما شأنه. راجع: النهاية (١/ ٣٥).
• عن أبي هريرة، أنّ أعرابيًّا أتى النَّبيّ ﷺ فقال: دُلّني على عمل إذا عملتُه دخلتُ الجنّةَ. قال: "تعبد اللَّه لا تشركُ به شيئًا، وتقيم الصّلاة المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: والذي نفسي بيده! لا أزيد على هذا. فلما ولَّى قال النّبيُّ ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظرْ إلى هذا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٣٩٧)، ومسلم في الإيمان (١٤)، كلاهما من حديث عفّان بن عثمان، حدّثنا وهيب، عن يحيى بن سعيد بن حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، ولفظهما سواء.
• عن أبي جمرة قال: كنتُ أقعدُ مع ابن عباس يُجلسني على سريره فقال: أَقِمْ عندي حتى أجعل لك سهمًا من مالي. فأقمتُ معه شهرين، ثم قال: إنّ وفد عبد
стр. 141
القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: "من القوم؟ -أو من الوفد؟ -" قالوا: ربيعة. قال: "مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى". فقالوا: يا رسول اللَّه، إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشّهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مُضر، فُمرْنا بأمر فَصْل نُخْبر به مَنْ وراءَنا، وندخل به الجنّة. وسألوه عن الأشرية، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم: بالإيمان باللَّه وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان باللَّه وحده؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "شهادةُ أن لا إله إلا اللَّه، وأنّ محمدًا رسولُ اللَّه، وإقامُ الصّلاة، وإيتاءُ الزّكاة، وصيامُ رمضان، وأنْ تُعطوا من المغنم الخمس". ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدُّباء والنّقير، والمزفّت، وربما قال: المقير، وقال: "احفظوهن وأخبروا بهنّ من وراءكم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٣)، ومسلم في الإيمان (١٧) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي جمرة، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
وزاد مسلمٌ في رواية قرّة بن خالد، عن أبي جمرة: وقال رسول اللَّه ﷺ للأشجّ -أشجّ عبد القيس-: "إن فيك خصلتين يحبُّهما اللَّه: الحِلمُ والأناةُ".
قوله: "والمقير" هو المزقّت، وهو المطلي بالقار -وهو الزّفت-، وقيل: الزفت نوع من القار.
والمقصود من النهي عن هذه الأربع هو أنه نهى عن الانتباذ فيها، وإنّما خُصّت هذه بالنهي لأنه يسرع إليها الإسكار فيها فيصير حرامًا.
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: إنّ أناسا من عبد القيس قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا نبيَّ اللَّه، إنّا حيٌّ من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرْنا بأمر نأْمُرُ به مَنْ وَراءَنا وندخل به الجنّة، إذا نحن أخذنا به فقال رسول اللَّه ﷺ : "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، وصُوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم، وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبّاء، والحَنْتَم، والمزفَّت والنّقِير". قالوا: يا نبي اللَّه، ما علمُك بالنّقير؟ قال: "بلي جِذعٌ تنقرونه فتقذفون فيه من القُطَيْعاء -قال سعيدٌ: أو قال من التمر-، ثم تصبُّون فيه من الماء، حتى إذا سكن غلَيانُه شربتموه، حتى إنّ أحدكم -أو إنَّ أحدهم- ليضربُ ابنَ عمِّه بالسّيف" قال: وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال: وكنتُ أَخْبأُها حياءً من رسول اللَّه ﷺ . فقلتُ: ففيم نشرب يا رسول اللَّه؟ قال: "في أَسْقِية الأَدَم التي يُلاثُ على أفواهها". قالوا: يا رسول اللَّه،
стр. 142
إنّ أرضنا كثيرةُ الجِرْذان، ولا تبقى بها أسقية الأَدَم. فقال نبيُّ اللَّه ﷺ : "وإن أكلتها الجرذانُ، وإن أكلتها الجرذانُ، وإن أكلتها الجرذان" قال: وقال نبيُّ اللَّه ﷺ لأشج عبد القيس: "إنّ فيك لخصلتين يحبُّهما اللَّه الحِلْم والأَنَاة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨) عن يحيى بن أيوب، حدثنا ابنُ عليّة، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدّثنا من لقي الوفدَ الذين قدموا على رسول اللَّه ﷺ من عبد القيس. قال سعيد (ابن أبي عروبة): وذكر قتادة أبا نضرة، عن أبي سعيد في حديثه هذا: "أنّ ناسًا من عبد القيس" فذكره.
ورواه من وجه آخر عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، قال: حدثني غيرُ واحد لقي ذاك الوفد. وذكر أبا نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه ﷺ بمثل حديث ابن عليّة، غير أنّ فيه: "وتَذيفُون فيه من القُطَيْعاء أو التمر والماء" ولم يقل: "قال سعيد: أو قال: من التمر".
ورواه من طريق أبي عاصم وعبد الرزّاق، قال عبد الرزّاق: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، أنّ أبا نضرة أخبره وحسنًا أخبرهما، أنّ أبا سعيد الخدريّ أخبره: أنّ وفد عبد القيس لما أتوا نبي اللَّه ﷺ قالوا: يا نبيّ اللَّه، جعلنا اللَّه فداءك، ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ فقال: "لا تشرَبوا في النّقير". قالوا: يا نبي اللَّه، جعلنا اللَّه فداءك، أو تدري ما النّقير؟ قال: نعم الجِذْع يُنقرُ وسطه، ولا في الدّبّاء، ولا في الحنتمة، وعليكم بالموكَى".
وقوله: "إنّ أبا نضرة وحسنًا أخبرهما" قال ابن الصّلاح في صيانة صحيح مسلم (ص ١٥٩ - ١٦١): "إحدى المعضلات، ولا عضال ذلك وقع فيه تغييرات من جماعة واهمة، فمن ذلك: رواية أبي نعيم الأصبهاني الحافظ في مستخرجه على كتاب مسلم بإسناده: أخبرني أبو فزعة، أنّ أبا نضرةَ وحسنًا أخبرهما أنّ أبا سعيد الخدريّ، وهذا يلزم منه أن يكون أبو قزعة هو الذي أخبر أبا نضرة وحسنًا عن أبي سعيد، فيكون أبو قزعة هو الذي سمع من أبي سعيد ذلك. وذلك منتفٍ، واللَّه أعلم.
ومن ذلك: أنّ أبا عليّ الغسّاني صاحب "تقييد المهمل" ردّ رواية مسلم هذه، وقلّده في ذلك صاحب "المُعِلمِ"، ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد، مع أنه لا يسمّيه ولا ينصفه، وصوّبهما في ذلك القاضي أبو الفضل عياض بن موسى، فقال أبو عليّ: الصّواب في الإسناد عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، أن أبا نضرةً وحسنًا أخبراه، أنّ أبا سعيد أخبره. وذكر أنه إنما قال: "أخبره" ولم يقل: "أخبرهما"؛ لأنّه ردّ الضّمير إلى أبي نضرة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال، فإنّه لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ ولم يلْقَه، وذكر أنّه بهذا اللّفظ الذي ذكره خرّجه أبو عليّ بن السّكن في "مصنّفه" بإسناده قال: وأظنُّ هذا من إصلاح ابن السَّكن.
стр. 143
وذكر الغسّاني أيضًا: أنه رواه كذلك أبو بكر البزّار في "مسنده الكبير" بإسناده وحكى عنه، وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ: أنّهما ذكرا أنّ حسنًا هذا هو الحسن البصريّ.
وليس الأمر في ذلك على ما ذكروه، بل ما أورده مسلمٌ في هذا الإسناد هو الصواب، وكما أورده رواه أحمد بن حنبل، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج.
وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ، وألّف في ذلك كتابًا لطيفًا تبجّح فيه بإجادته وإصابته، مع وهم غير واحد من الحفّاظ فيه.
فذكر: أنّ حسنًا هذا هو الحسن بن مسلمٌ بن ينّاق الذي روى عنه ابن جريج غير هذا الحديث، وأن معنى هذا الكلام: أنّ أبا نضرة أخبر بهذا الحديث أبا قزعة وحسن بن مسلم كليهما، ثم أكّد ذلك بأن أعاد فقال: أخبرهما أن أبا سعيد أخبره -يعني أبو سعيد أبا نضرة- وهذا كما تقول: إن زيدًا جاءني وعمرًا جاءاني فقالا: كذا وكذا.
وهذا من فصيح الكلام، واحتجّ على أنّ حسنًا فيه هو الحسن بن مسلم: بأنّ سلمة بن شبيب وهو ثقة، رواه عن عبد الرزّاق، وعن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، أنّ أبا نضرة أخبره، وحسن بن مسلم أخبرهما، أنّ أبا سعيد أخبره. الحديث. رواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه "المخرّج على صحيح مسلم".
وقد أسقط أبو مسعود الدمشقي وغيره، ذكر حسن أصلًا من الإسناد؛ لأنّه مع إشكاله لا مدخل له في رواية الحديث.
وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو علي الغسّاني في كتابه "تقييد المهمل" في ذلك، وبيّن بطلانه، وبطلان رواية من غيّر الضمير في قوله: "أخبرهما" وعبر ذلك من تغيير، ولقد أجاد وأحسن، واللَّه أعلم، انتهى كلام ابن الصّلاح.
ونقل هذا الكلام النووي في شرح مسلم وأقرّه.
قوله: "أشج عبد القيس" اسمه منذر بن عائذ كما قال الترمذي، وهو المنذر بن عائذ بن المنذر ابن الحارث القصري -بمفتوحتين- صحابي نزل البصرة ومات بها.
• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: أتى النّبيَّ ﷺ النعمانُ بن قوقل، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إذا صليتُ المكتوبة، وحرّمتُ الحرام، وأحللْتُ الحلال، أأدخلُ الجنّة؟ فقال النبيُّ ﷺ : "نعم".
وفي رواية: "صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك، أأدخلُ الجنة؟ قال: "نعم" قال: واللَّه لا أزيد على ذلك شيئًا".
стр. 144
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥) من طرق عن جابر، به.
• عن معاذ بن جبل، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحتُ يوما قريبا منه ونحن نسيرُ، فقلت: يا رسولَ اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار. قال: "لقد سألتني عن عظيم، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره اللَّه عليه؛ تعبد اللَّه ولا تشركُ به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتُؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت". ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصّومُ جُنّة، والصّدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النّارَ، وصلاةُ الرّجل من جوف الليل" قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [سورة السجدة: ١٦ - ١٧]، ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر كلّه وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصّلاة، وذروة سنامه الجهاد". ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا نبي اللَّه، فأخذه بلسانه قال: "كفّ عليك هذا" فقلت: يا نبي اللَّه، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمُّك يا معاذ! وهل يكبُّ الناس في النار على وُجُوههم -أو على مناخرهم- إلّا حصائدُ ألسنتهم؟ ! ".
حسن: رواه الترمذي (٢٦١٦) واللّفظ له، وابن ماجه (٣٩٧٣) كلاهما عن محمد بن أبي عمر العدنيّ، حدثنا عبد اللَّه بن معاذ الصنعانيّ، عن معمر، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، فذكر الحديث.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
ورواه عبد الرزّاق في مصنفه (٢٠٣٠٣)، وعنه الإمام أحمد (٢٢٠١٦).
وإسناده حسن لأجل الكلام في عاصم بن أبي النّجود، غير أنه حسن الحديث.
وأبو وائل شقيق بن سلمة، ولد في السنة الأولى من الهجرة، ولكن لم تثبت صحبتُه، روى عن جماعة من الصّحابة منهم معاذ بن جبل، وكان من أعلم أهل الكوفة بحديث عبد اللَّه بن مسعود توفي سنة (٨٢ هـ) روايته عن أبي بكر مرسلة، وشك الناس في سماعه من عائشة وأبي الدرداء غير أنّه لم يعرف بالتدليس.
وهذا الإسناد هو من أجود ما روي به هذا الحديث، وللحديث أسانيد أخرى سيأتي بعضها في كتاب الجهاد.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا. أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السّلام بينكم".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، ووكيع،
стр. 145
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وفي رواية جرير عن الأعمش: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا" بمثل حديث أبي معاوية ووكيع.
• عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إني إذا رأيتُك طابتْ نفسي، وقرَّتْ عيني، فأنبئني عن كلّ شيء، فقال: "كلُّ شيء خلق من ماء". قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا أخذتُ به دخلتُ الجنّة، قال: "أفْشِ السّلام، وأطعم الطّعام، وصِل الأرحام، وقُمْ باللّيل والناس نيام، ثم ادخل الجنّة بسلام".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٧٩٣٢)، وصحّحه ابن حبان (٥٠٨)، والحاكم (٤/ ١٦٠) كلهم من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي ميمون، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، ورجاله رجال الشيخين غير أبي ميمونة، وهو الفارسيّ المدنيّ الأبار، وثّقه النسائيّ والعجليّ وغيرهما، وهو من رجال السنن.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٦) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا أبا ميمونة وهو ثقة".
• عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه: "اعبدوا الرحمن، وأفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام تدخلون الجنان".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٨٥٥) من طريق أبي الأحوص-، وابن ماجه (٣٦٩٤) من طريق محمد ابن فضيل-، والإمام أحمد (٦٥٨٧) من طريقين أبي عوانة وعبد الرزاق - وابن حبان في صحيحه (٤٨٩، ٥٠٧) من طريق جرير بن عبد الحميد-، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٥٥) من طريق زائدة ابن قدامة - كلّهم عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو. . . فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، وعطاء بن السائب ثقة، وثّقه الأئمة إلا أنه اختلط في آخره، ولكن رواية زائدة ابن قدامة كانت قبل اختلاطه.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن عبد اللَّه بن سلام، قال: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ يعني المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسولُ اللَّه ﷺ فجئتُ في الناس أنظر إليه، فلما اسْتثبتُ وجهَ رسول اللَّه ﷺ عرفتُ أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب، وكان أوّل شيء تكلّم به أن قال: "يا أيُّها الناس، أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلّوا والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٣)، (٤/ ١٥٩ - ١٦٠) كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة، حدثنا زرارة ابن أبي أوفي، عن عبد اللَّه بن سلام،
следующие страницы →