الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زُرْعَة، وأبي حاتم، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم، فإن هؤلاء الذين يَبْنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها، وتمييز رجالها". هذا مما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الوسيلة" (ص ١٧٩).
قلت: وقد يسكت بعض هولاء الأئمة على بعض الأحاديث، ويجعلون العهدة على من ينقل عنهم بعد أن ساقوا الأحاديث بأسانيدها، فيجب على من يشتغل بهذا العلم أن يُبين حكم هذه الأحاديث التي سكتوا عنها لما يترتب عليه من الأحكام في أمور الدين.
١٤ - تفرد ابن حبان بالتوثيق
الرواة الذين انفرد ابن حبان بتوثيقهم، ولم يُنقل توثيقهم عن إمام معتبر آخر، فقَبِلَ حديثَهم بعضُ أهل العلم، منهم: الحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، والمنذري، وابن كثير، والعراقي، والهيثمي وغيرهم، وردّه الآخرون بحجة أن من منهج ابن حبان توثيق المجاهيل الذين لم يعرف فيهم جرح، وتفصيل ذلك ذكرته في كتابي: "دراسات في الجرح والتعديل".
فاخترت منهجا وسطا بين المنهجين، فلم أصحّح حديثهم لفقدان شرط من شروط الصحيح، ولم أُضَعِّفْ حديثهم لعدم وجود الجرح فيهم، فمن وجدت له متابعا جعلت حديثه حسنا، ومن لم أجد له متابعا جعلته تحت الباب، وعن مثل هؤلاء يقول الحافظ في التقريب غالبا: "مقبول" (١).
стр. 72
إلا أن يكون الراوي من التابعين وروى عنه جمعٌ، ولم يجرحْه أحدٌ، ولم يكن في حديثه نكارة أو شذوذ، فالظاهر أنه عندهم صالح، فيُنظر في حديثه فيُحسّن حديثه إنْ كان لحديثه أصل ثابت، ولو لم يتابع.
وأما من سبق فيهم التجهيل من أحد أئمة المتقدمين مثل: ابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأبي حاتم، وأبي زرعة وغيرهم، ولم يشتهر في طلب الحديث فالقول قولهم، وقد يُحمل قولهم "لا أعرفه" لقلة حديثه، وكذلك قول أبي حاتم: "مجهول" أي قليل الحديث.
وفي كل هذه الأمور يجب على الباحث أن يكون متنَبِّهًا، هل هو ممن توفرت فيهم الشروط المذكورة أم لا؟ فإن لم تتوفر فيهم الشروط المذكورة فهو يرادف "مجهول" لأن ابن حبان ذكر خلقا كثيرا في كتابه "الثقات" من لم يرو عنه إلا واحد.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة اللسان: "وهذا الذي ذهب اليه ابنُ حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبيّن جرحُه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألّفه، فإنه يذكر خلقا من نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". انتهى
يعني المجهول عند ابن حبان وشيخه ابن خزيمة: من روى عنه واحدٌ غيرُ مشهور، ويدلّ عليه ما قاله ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة سعيد بن زياد بن قائد بن أبي هند الداري (٤٠٢): "والشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا يُخْرج مَنْ ليس بعدلٍ عن حدّ المجهولين إلى جملة أهل العدالة؛ لأن ما روى الضعيفُ وما لم يرو في الحكم سيّان". انتهى.
١٥ - ذكر قول الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد للاستئناس به
وإني التزمتُ بذكر قول الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد": بعد الحكم على الإسناد صحةً وضعفًا فإن قولَه: "رجاله ثقات" أو "رجاله موثقون"، يقصد به غالبا توثيق ابن حبان، وكذلك قوله: "رجاله رجال الصحيح" أي رجال الشيخين أو
стр. 73
أحدهما، ولا يلزم منه تصحيح الإسناد وتحسينه؛ لاحتمال وجود العلل كالانقطاع، والارسال، والشذوذ، والنكارة وغيرها، فإن قول الهيثمي المراد منه الحكم على الرجال دون الإسناد.
وكذلك إذا قال: إسناده صحيح، إسناده حسن. . . فلا ينبغي للباحث أن يسارع إلى تصحيح الإسناد أو تحسينه لما عُرِفَ من منهجه الاعتماد على توثيق ابن حبان، بل يجب عليه دراسة الإسناد، ثم الحكم عليه.
١٦ - رجال الصحيحين لا يلزم منه تصحيح الحديث
إذا كان رجال الإسناد رجال الصحيحين فلا يلزم منه صحته على شرطهما لوجود شذوذ أو علة خفية كما هو معروف عند أهل العلم، ولذا لم أستعملْ (صحيح على شرط الشيخين، أو صحيح على شرط أحدهما).
١٧ - صحة الإسناد لا يستلزم صحة المتن
قال الحافظ ابن القيم ﵀: "وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحته؛ فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور.
منها: صحة سنده.
ومنها: انتفاء علته.
ومنها: عدم شذوذه.
ومنها: عدم نكارته.
ومنها: أن لا يكون راويه قد خالف الثقات، أو شذّ عنهم". (١)
إذًا من الخطأ أن يُظنّ أن كل حديثٍ رواه الثقات فهو صحيح.
١٨ - لكلّ حديثٍ نقدٌ خاصٌّ
ينبغي أن يُعلم أن لكل حديث ذوقًا ونقدًا يختصّ به دون غيره، فإن السند الواحد قد يُحكم له بالصحة إذا كان سالما من الشذوذ والنكارة، ويُحكم عليه بالضعف عند وجود العلة، وكذا الحال في الرواة الذين تفردوا ولم يخالفهم الثقات، فالحكم على هؤلاء يعود إلى جهابذة هذا الفن، كما قال الحافظ ابن
стр. 74
رجب الحنبلي:
"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث -إذا تفرّد به واحد- وإن لم يرو الثقات خلافه-: "إنه لا يتابع عليه"، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثُرَ حفظُه واشتهرتْ عدالتُه وحديثُه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعضَ تفرّدات الثقاتِ الكبار أيضًا، ولهم في كلِّ حديثٍ نقدٌ خاصٌّ، وليس عندهم لذلك ضابطٌ يضبطه" (١).
١٩ - ذكر أحاديث جماعة سبق الكلام فيهم
وقد ذكرتُ في هذا الجامع أحاديث جماعة من الرواة الذين سبق الكلام الخفيف فيهم من بعض الأئمة، فنظرتُ في أخبار ما رووه فإنْ ظهر لي صدق ما رووه أدخلته في الجامع، وإنْ ظهر لي خطأهم تجنّبتُ منه.
قال ابن عبد الهادي: "وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن تُكلّمَ فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما لم ينفردْ به، بل وافق فيه الثقاتُ، وقامت شواهدُ صدقه" (٢).
وكل حديث له نقدٌ خاصّ لا يقاس عليه غيره.
٢٠ - حديث المدلس
وهو أن يروي عمن لقيه أو عاصره فإن بيّن السماع فلا خلاف بين أهل العلم في قبول حديثه إذا لم يكن لقبوله مانع آخر. انظر شرحه المفصل في كتابي: "معجم مصطلحات الحديث".
واختلف أهل العلم في الذي لم يبين فيه السماع، وقد ثبت لقاؤه فذهب أصحاب الكتب الصحاح مثل البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيره وكذلك أصحاب السنن الدارقطني والبيهقي قبولهم مطلقا في الغالب سواء بيّن السماعَ أو لم يبيّن.
والمثال على ذلك أبو الزبير وهو محمد بن مسلم بن تدرس أحد أئمة الحديث، واعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة وهو ممن عُرفَ بالتدليس، وكان الإمام مسلم ﵀ قبل حديثه مطلقا سواء صرّح بالتحديث أو لم يصرّح، وسواء رواه
стр. 75
عنه الليث بن سعد أو روى عنه غيره، لأن الليث بن سعد قال: جئت أبا الزبير فدفع إلى كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو أنني عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر؟ فسألته فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حُدّثتُ عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي" (١).
وقد تتبع الذهبي رواية أبي الزبير في صحيح مسلم فقال: "وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر، وهي من غير طريق الليث عنه، ففي القلب منه شيء".
ومن هذه الأحاديث:
لا يحل لأحد حمل السلاح بمكة. صحيح مسلم (١٣٥٦)
رأى النبي ﷺ امرأة، فأتي أهله زينب، فقضى حاجته، صحيح مسلم (١٤٠٣)
نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور. صحيح مسلم (٩٧٠) انتهى كلام الذهبي.
قلت: وقد وجدت في صحيح مسلم أحاديث أبي الزبير، عن جابر من غير طريق الليث بن سعد عنه أكثر من هذا بدون التصريح، فالظاهر أن الإمام مسلم لم يُعِلّ الحديثَ بعنعنة أبي الزبير سواء روى عنه الليث بن سعد أو غيره.
فالمنهج الذي اخترتُه في حديث المدلسين هو ما يأتي:
١ - المدلّسون الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر في الطبقة الأولي والثانية مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري وسفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي وغيرهم يُقبل تدليسُهم مطلقا، لأنهم لا يدلّسون إلا عن الثقات، ويُلحق بهم الأعمش، والزهري، وقتادة، وعمرو بن دينار وغيرهم، وإن كان بعض هؤلاء ممن ذكرهم ابن حجر في الطبقة الثالثة. فإنَّ ردَّ رواية هؤلاء بالعنعنة يودّي إلى تضعيف طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة.
فإن قيل: لماذا كان هؤلاء يدلّسون؟ وهم أئمة هذا الفن وعمدتهم! ؟
فالجواب: لهم ظروف وحالات، فإذا كانوا في مجلس التحديث والرواية فما كانوا يدلسون، إذ المطلوب في مجلس التحديث اتصال الإسناد، وحديث المدلّس
стр. 76
فيه انقطاع، وأما إن كانوا في المسجد أو في السوق أو في مقام الفتيا فكانوا يختصرون الإسناد إذ ليس المقصود منه في هذه الحالة اتصال الإسناد، فإذا سئلوا هل سمعت من فلان؟ فقالوا: لا، إنما سمعت من فلان عنه.
٢ - أن ينص أحد الأئمة على أن فلانا دلّس في هذا الحديث.
٣ - أن يعترف المدلس نفسه بأنه دلّس في هذا الحديث إذا سئل.
٤ - أن يروي المدلس حديثا يخالف المعروف، فالحمل عليه بأنه دلس عن بعض الضعفاء.
٥ - أن يُعرف بأنه لا يبالي عمن يدلس حبًّا لكثرة الحديث مثل محمد بن إسحاق والحسن البصري وغيرهما، فهؤلاء لا بد لهم من التصريح بالسماع.
٦ - أن يُعرف أنه يكثر التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، فهذا لا يقبل حتى يصرّح مثل بقية بن الوليد.
٧ - أن يكون المدلس قد ضُعِّفَ أيضًا بسبب آخر فلا يُقبل ولو صرّح بالسماع، وهم الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر في الطبقة الخامسة.
والذي يكثر النظرَ في الكتب يجد أن الرواةَ غيّروا صيغة الأداء في كثير من روايات المدلسين، فإننا نجد راويًا واحدًا مرة يروي بصيغة السماع، وأخرى بصيغة العنعنة، وقد نبّهتُ على ذلك في كثير من المواضع في الجامع الكامل
والمثال الغريب الذي وقفتُ عليه هو ما ذكره مسلم في كتابه "التمييز" بأن النبي ﷺ وقّتَ لأهل العراق ذات عرق، فليس بصحيح، لأنه رواه ابن جريج فقال في حديث أبي الزبير، عن جابر. هكذا قال في التمييز.
ثم وجدناه أنه روى هذا الحديث في صحيحه (١١٨٣) من طرق عن محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه. . . فذكر الحديث.
فهذا الإسناد فيه دليل صريح أنه وقع تغيير في صيغة الأداء لأنه من المستبعد أن يكون أبو الزبير مرة قال: عن جابر، وأخرى: أنه سمع جابرا.
ولذا يجب الاحتياط في ردّ حديث الأئمة المدلسين الثقات بالعنعنة، وفي كلام مسلم إشارة إلى أنه أول من أظهر تدليس أبي الزبير، ومع ذلك فإنه أخرج أحاديثه
стр. 77
في صحيحه.
ويؤكد ذلك ابن حبان في مقدمة صحيحه (١) بقوله: "فإذا صحَّ عندي خبر من رواية مدلس أنه بيّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر".
يعني أن ابن حبان ﵀ يُغيّر السماع بالعنعنة، فكل حديث مدلس بالعنعنة عند ابن حبان في صحيحه يُحمل على السماع.
وما قاله ابن حبان أخشى أن يكون هو الذي فعله بعض الرواة فغيّروا صيغة الأداء من السماع إلى العنعنة اختصارًا ظنًّا منهم بأن الصيغتين سواء كما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة جعفر بن مسافر في تهذيبه.
قال يعقوب بن سفيان الفسوي: "سمعت عبد الرحمن بن إبراهيم دحيمًا، حَدَّثَنَا الوليد (هو ابن مسلم، مدلّس تدليس التسوية) قَال: كان الأوزاعي إذا حَدَّثَنَا يقول: حَدَّثَنَا يحيى قَال: حَدَّثَنَا فلان، حَدَّثَنَا فلان حتى ينتهي.
قال الوليد: فربما حدّثتُ كما حدّثني، وربما قلتُ: عن، عن، عن، تخففنا من الأخبار" (٢). انتهي.
ومن يطالع "تحفة الأشراف" للمزي فيجد أنه غيّر جميع صيغ الأداء بالعنعنة اختصارًا، ولذا اضطر الحافظ ابن حجر إلى تنصيص ذلك في مقدمة "إتحاف المهرة" (٣) بأنه يسوق ألفاظ الصيغ في الإسناد غالبا لتظهر فائدة ما يصرح به المدلس بخلاف المزي.
فيظهر من ذلك أن تغيير صيغة الأداء لم يكن عندهم من الأمور المحظورة.
ولذا يجب الاحتياط في ردّ أحاديث المدلسين الثقات من أجل العنعنة إلا من عُرفَ أنه يُكثر التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، فهذا لا يُقبل حتى يصرّح مثل بقية ابن الوليد.
وأما من ضُعِّفَ بأمر آخرَ مع التدليس فحديثه مردود، ولو صرّح بالسماع مثل
стр. 78
الحجاج بن أرطاة، وإبراهيم بن أبي يحيى، وجابر الجعفي وغيرهم ويلحق بهم ابن لهيعة إلا إذا روى عنه أحد العبادلة وصرّح بالسماع فحديثه حسن.
وأما المراتب التي ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في طبقات المدلسين وهي مستمدة من جامع التحصيل للعلائي فإليكم ذكر هذه الطبقات مع إضافات العلائي:
الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادرا كيحيى بن سعيد الأنصاري.
وأضاف العلائي: هشام بن عروة وموسى بن عقبة.
الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روي كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة.
وأضاف العلائي الزهري، وسليمان الأعمش، وإبراهيم النخعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، والحكم بن عتيبة، ويحيى بن أبي كثير، وابن جريج، وشريك، وهشيم، وقال: ففي الصحيحين وغيرهما لهولاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ "عن" ونحوها من شيخه، وفيه تطويل.
قلت: إنْ صحَّ ما قالوا: فمعنى ذلك أن بعض الرواة غيّروا صيغة السماع بلفظ "عن".
الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرّحوا فيه بالسماع ومنهم من ردّ حديثهم مطلقا ومنهم من قبله مطلقا كأبي الزبير المكي، وكذلك الزهري، وقتادة، وحميد الطويل صاحب أنس.
والذي في جامع التحصيل من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا بما صرّحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقا كالطبقة التي قبلها لأحد الأسباب المتقدمة كالحسن، وقتادة، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وعبد الملك بن عمير.
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد.
стр. 79
وزاد العلائي: كابن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وجابر الجعفي، وسويد بن سعيد، وأضرابهم.
الخامسة: من ضُعِّفَ بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع. مثل جابر الجعفي وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
وذكر العلائي في هذه الطبقة: أبا جناب الكلبي، وأبا سعيد البقال، وذكر جابر الجعفي في الطبقة الرابعة. فهذا مستحسن من حيث التقعيد بعد إضافة كلام العلائي، ولكن الحافظ ﵀ نفسه لم يلتزمْ بتطبيق هذه الطبقات عند تخريج الحديث وخاصة في كتابه "فتح الباري".
٢١ - عنعنة الراوي إذا لم يكن مدلّسا، وثبتت له المعاصرة تُحمل على الاتصال
لقد اختلفت أقوال العلماء في ثبوت السماع والاكتفاء بالمعاصرة، فذهب عليّ ابن المديني على وجود التصريح بالسماع واللقاء، واختاره تلميذه البخاري، وإلى هذا المذهب يكون كثير من الأحاديث الصحيحة معللة بالانقطاع.
وخالفهما جمهورُ أهل العلم فإنهم اكتفوا بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، وعليه جرى عمل من جاء بعدهما، وكان مسلم "صاحب الصحيح" أول من انتقد هذا المذهب في مقدمة صحيحه، وأجاد في ردّه كما ذكره المزّي في ترجمة "جابان" من "تهذيب الكمال" فقال: وهذه طريقة قد سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلّلَ بها كثيرا من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الردّ على من ذهب هذا المذهب في مقدمة كتابه بما فيه كفاية".
وفي بعض الأحاديث سلكتُ مسلك ابن المديني إذا لم يتبيّن لي خلافه، وإذا ظهر لي أن المعاصرة حاصلة، واللقاء ممكن فيكون الترجيح عندي لما ذهب إليه الجمهور.
٢٢ - زيادة الثقة في الإسناد
اختلف أهل العلم في زيادة الثقة أو الصدوق في رفع الحديث، واتصاله، فكان مذهب الإمام البخاري وغيره قبول زيادة الثقة وله أمثلة كثيرة ذكرتُها في الجامع الكامل، وذهب أبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم إلى ترجيح الوقف على الرفع، والإرسال على الاتصال، فإذا نظرتُ إلى الصناعة الحديثية قلت: الوقف
стр. 80
أرجح على الرفع، وإذا نظرتُ إلى فقه الحديث قلت: الرفع أرجح على الوقف، إنْ كان في الأحكام والغيبيات؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، وقد كان الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى كثيرا ما يختار الرفع على الوقف وإنْ كانت الصناعة الحديثية تخالفه، ولذا وُصِفَ بأنه محدث وفقيه، ونهج على ذلك من جاء بعده مثل البغوي والنووي وابن كثير وغيرهم.
٢٣ - زيادة الثقة في المتن
زيادة الثقة في المتن على نوعين:
أحدهما: أن يزيدَ في المتن ما لم يذكرْه غيرُه، أو هو نفسه مرّةً يرويه بالزيادة، وأخرى بدون الزيادة، وهذه الزيادة يثبتُ منها حكمٌ شرعيٌّ، فهي مقبولةٌ مطلقا عند الفقهاء والأصوليين؛ لأنه لو روى حديثًا مستقلًا لقُبِلَ، فكذلك هذه الزيادة، وأما المحدّثون فقبلوا هذه الزيادةَ بشروط:
منها: أن يكون الذي زاده حافظا ضابطًا.
ومنها: أن يكون الذي زاده أكثر عددًا.
ومنها: أن يكون الذي زاده أكثر ملازمةً.
ومنها: أن يكون الذي زاده من أهل بلده.
وهنا يأتي دورُ المجتهد في اختيار أحد هذه الوجوه حسب القرائن، وما ظهر له من ملكة التخريج، فيظُنُّ من لا علمَ له أنه متناقضٌ فيه، والأمر ليس كذلك.
والنوع الثاني: أن يزيد في المتن منافيا لما رواه غيره، فهذا يحتاج إلى الترجيح، لأن المتناقضين لا يجتمعان، فإذا حكم على هذه الزيادة بأنها شاذّة رُدّتْ، وإذا حكم على هذه الزيادة بأنها صحيحة محفوظة قُبلتْ، ورُدّتْ ما ينافيه، وعلى هذا التفصيل ذهب كثير من المحدثين القدماء مثل يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي والدارقطني وغيرهم، وهو المعمول به في شروح الحديث وكتب الفقه.
٢٤ - بيان علل الأحاديث
هذا علم غامض، ولذا لم يمهر فيه إلا القليل مثل ابن المديني وأحمد بن حنبل،
стр. 81
وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني، وكان للبخاري علم واسع في بيان علل الحديث يظهر ذلك جليا في كتابه "التاريخ الكبير"، و"سؤالات الترمذي عنه".
والعلّة قد تظهر وقد تخفى، كما قد تكون في الإسناد دون المتن، وقد تكون في المتن دون الإسناد، ولذا قلّما سلم أحد في هذا الباب؛ لأن عدم العلم لا يستلزم عدم الوجود، وقد ذكرت أمثلة كثيرة في الجامع الكامل في المناسبات، وإذا لم يظهر لي شيءٌ خلاف ما ادّعوا، اعتمدتُ على قولهم لمكانتهم في هذا العلم.
والمثال على ذلك ما رُويَ عن أبي هريرة مرفوعا: "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك". انظر تخريجه: في باب ما يقول إذا قام من مجلسه.
هذا الحديث رواه موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وظاهره الصحة ولذا صحّحه الترمذي وابن حبان والحاكم، ولكن فيه علة خفية أظهرها البخاري، رُويَ أن مسلما جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: "هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد اللَّه قوله". قال البخاري: "وهذا أولى لأنه لا يُذكر لموسى بن عقبة سماعٌ من سهيل".
ولما سمع مسلم ما قاله البخاري قبّل بين عينيه، وقال: دعْني حتى أقبّل رِجْليْك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.
قلت: ما أعلّ به البخاري هو الصحيح وبه أعله أيضًا أئمة الحديث منهم: أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني وغيرهم إلا أن قول البخاري: "لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث" ليس بصحيح، ففي الباب صحّ عن عائشة، والسائب بن يزيد، وأبي برزة الأسلمي، وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وقد روي أيضًا عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم وغيرهما إلا أنها معلولة، فالظاهر أن هذا النقل من البخاري فيه خطأ، أخطأ من نسب هذا القول إلى
стр. 82
البخاري، والبخاري أجلّ من أن يقول مثل هذا، وفي الباب أحاديث صحيحة. انظر: تخريجه في الجامع الكامل في الأدعية والأذكار.
ومن العلل الخفية في الإسناد أن يكون ظاهرة السلامة وفيه علّة خفية يظهرها أحدُ الجهابذة مثل حديث عمار بن ياسر قال: "رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يخلَلُ لحيتَه". رواه الترمذي (٣٠)، وابن ماجه (٤٢٩) قالا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسّان بن بلال قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ، فخلّلَ لحيتَه، وقال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يخلّلُ لحيتَه.
فهذا الإسناد ظاهرة السلامة من العلل، ولكن أظهر أبو حاتم علة هذا الحديث فقال: "لم يحدّث بهذا أحدٌ سوى ابن عيينة عن ابن أبي عروبة، وقال: لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث (السماع)، وهذا أيضًا مما يؤهّنه علل ابن أبي حاتم (٦٠)، فأعلّه أبو حاتم بعدم وجود الحديث في مصنفات ابن أبي عروبة، وفيه دليلٌ على أن التحديث لم يكن شفويّا عن الشيوخ الذين عندهم أصول.
والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن تُجمع طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانتهم في الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط كما قال الخطيب البغدادي (١).
والحاكم رحمه اللَّه تعالى في كتابه "معرفة علوم الحديث" قسّم أجناس العلل إلى عشرة أجناس، ونقله عنه السيوطي في "تدريب الراوي"، وإني أمعنتُ النظر في هذه العلل، فظهر لي أن أجناس علل الحديث لا تنحصر على عشرة، فقد تكون علة واحدة لعددٍ من الأحاديث، وقد تكون لكل حديث معلول علة جديدة تختلف عن غيرها.
٢٥ - الاضطراب
والاضطراب في الحديث لا يتحقق حتى يتوفر فيه شرطان:
أحدهما: اختلاف الرواة في الحديث على أوجه لا يمكن جمعها.
стр. 83
والثاني: تساوي الروايات قوةً وضعفا لا يمكن ترجيح بعضها على بعض سواء من حيث الرواية أو من حيث بيان الناسخ والمنسوخ.
يعني لا يمكن الجمع ولا الترجيح فيحكم عليه بالاضطراب، لأن كثرة الطرق أحيانا لا يزيد إلا ضعفا، وهو نوع من الحديث الضعيف فإن الحديث المضطرب لا يعمل به ويقع الاضطراب في السند كما يقع في المتن.
والاضطراب في السند مثل تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، ومثل تحديد اسم الراوي، أو تحديد اسم الصحابي.
وأما الاضطراب في المتن فله صور كثيرة لا يمكن ضبطها، ولكل منهج في الحكم على المتن بالاضطراب، ولذا كثر النقاش بين الباحثين في إثبات الاضطراب وعدمه.
ومثال الاضطراب في الإسناد حديث مجاهد، عن سفيان بن الحكم الثقفي -أو الحكم بن سفيان الثقفي- قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا بال يتوضأ، ويتنضح".
هذا الحديث اضطرب فيه منصور عن مجاهد من عشرة وجوه لا يمكن الجمع بين هذه الوجوه، ولذا حكم عليه بالاضطراب، وأما الشواهد فإما معلولة، وإما فيها شذوذ، ومن أشهرها حديث ابن عباس.
رواه الدارمي (٧١٥)، والبيهقي (١/ ١٦٢) كلاهما من حديث قبيصة، أنبأ سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: "دعا رسول اللَّه ﷺ بماء، وتوضأ مرة مرة، ونضح".
هذا الإسناد ظاهرة السلامة، ولكن فيه علة، وهي أن قبيصة تفرد بقوله: "ونضح"، ورواه جماعة عن سفيان دون هذه الزيادة كما قاله البيهقي.
يعني أنه شاذٌّ. وتفصيله في الجامع الكامل في صفة وضوء النبي ﷺ .
تنبيه: في السنن الكبرى: "قال الإمام أحمد" فظنّ بعض الناس أنه الإمام أحمد ابن حنبل المعروف، والصحيح أنه الحافظ البيهقي نفسه، لأن اسمه أحمد بن حسين. وهذا التعبير من رواة السنن، وأما البيهقي إذا نقل قول الإمام أحمد المعروف فيسمّيه كاملا أي قال أحمد بن حنبل، أو قال ابن حنبل، فيجب التنبيه على كل من ينقل من السنن الكبرى، قال الإمام أحمد المقصود منه الإمام الحافظ البيهقي.
стр. 84
وكذلك لا يصح حديث: "شيّبتْني هود وأخواتها" قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب، وذكر فيه وجوه الاضطراب، ولذا أعرضت عن ذكره في الجامع.
وأما الاضطراب في المتن فمثاله حديث فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا، فيها ذهب وخرز، قال: ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لا تباع حتى تفصل".
ففي بعض الروايات: أن فضالة اشتراها، وفي بعضها أن غيره سأله عن شرائها، وفي بعضها: أنه ذهب وخرز، وفي بعضها: ذهب وجوهر، وفي بعضها: خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر دينارا، وفي بعضها: بتسعة -دينارا-، وفي بعضها: بسبعة.
والقصة واحدة رويت بألفاظ مختلفة مع صحة أسانيدها فإن بعضها في صحيح مسلم في كتاب المساقاة (٩٠، ٩١، ٩٢)، فحكم عليه بالاضطراب في المتن، ولكن يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن المنع هو بيع الذهب بالذهب ومعه شيء آخر.
وقد ذكروا أيضًا مثال الاضطراب في المتن ما رواه مسلم في صحيحه (٣٩٩: ٥٠، ٥٢) من حديث شعبة قال: سمعت قتادة، يحدث عن أنس قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، ثم رواه من حديث الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن قتادة، أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدّثه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ الحمد للَّه رب العالمين، ولا يذكرون بسم اللَّه الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها.
قال النووي في شرح مسلم: استدل بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة، ومن يراها منها، ويقول: لا يجهر ومذهب الشافعي وطوائف من السلف والخلف أن البسملة آية من الفاتحة، وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة، واعتمد أصحابنا ومن قال: بأنها آية من الفاتحة وأنها كتبت في المصحف بخط المصحف، وكان هذا باتفاق الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن وغيره.
قلت: الجمع بين قول أنس بن مالك وبين ما هو مثبت في المصحف أن يقرأ
стр. 85
سرًا لا جهرا.
قال ابن الصلاح (١): ومثال العلة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي القراءة "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" فعلّل قوم رواية اللفظ المذكور -يعني التصريح بنفي قراءة البسملة- لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءة بـ الحمد للَّه رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له ففهم من قوله: "كانوا يستفتحون بالحمد أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم وأخطأ، لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية.
كذا قال! ورواية مسلم صريحة في نفي قراءة البسملة في أول القراءة وبعدها، فالجمع بين الروايتين أنهم كانوا يُسِرّون ولا يجهرون، إلا أن ابن عبد البر حكم عليه بالاضطراب مع أن الجمع ممكن.
ويحكم على الحديث المضطرب بأنه ضعيف إلا في حالات:
١ - أن يقع الاختلاف في اسم راو أو اسم أبيه، أو نسبه وهو ثقة فلا يضر هذا الخلاف.
٢ - إذا كان الراويان اشتركا في الاسم والطبقة وكلاهما ثقتان فلا يضر عدم تحديدهما، مثل: السفيانين.
٣ - اختلاف في تحديد الصحابي فلا يضر عدم تحديده إذا كان الإسناد إليه صحيحا لأن الصحابة كلهم عدول، وكذا إن جاء عن رجل من الصحابة.
٤ - الاختلاف على الراوي بعينه بأنه روى مرة عن شخص، ومرة عن شخصين، ومرة عن ثلاثة، وهو ثقة صاحب الروايات فيحمل هذا على نشاطه في الرواية مثل أن يروي الزهري، عن الأغر، ومرة عن سعيد، ومرة عن سعيد والأغر وأبي سلمة، فإذا صحّ الإسناد إلى الزهري فلا يضر هذا الاختلاف؛ لأنه ينشط مرة فيذكر جميع شيوخه، وتارةً يقتصر على بعضهم حسب نشاطه، وله أمثلة كثيرة في الجامع الكامل.
стр. 86
وقد يكون للراوي شيخان يروي عنهما جميعا مثاله: ما رواه البخاريُّ في النكاح (٥١٠٨) من طريق عاصم، عن الشعبي سمع جابرًا قال:
"نهى رسولُ اللَّه ﷺ أن تُنكح المرأةُ على عمّتِها أو خالتِها".
قال البخاري: "وقال داودُ، وابنُ عون عن الشعبي، عن أبي هريرة".
فالإمام البخاري لم يُعِلّ أحدَهما بالآخر، بل جعل للشعبي شيخين: جابرًا وأبا هريرة، ثم روى حديثَ أبي هريرة من وجه آخر عنه نحوه.
٢٦ - معرفة من تُقبل روايته، ومن لا تُقبل روايته
هذا الموضوع هامٌّ جدا في علم الحديث؛ لأنه يُبنى عليه الحكم على الحديث، ولذا أذكر أهم النقاط في هذا الموضوع.
١ - تصنيف أئمة الجرح والتعديل بين متشدد ومعتدل ليتمّ التوفيق بين أقوالهم المتعارضة، ومن ثمَّ يكون الحكم على الرواي سليمًا، فإن لكل طبقة من طبقات النقاد متشدّد ومتوسط:
فمن الطبقة الأولى: شعبة وسفيان، وشعبة أشد.
ومن الطبقة الثانية: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان أشد من عبد الرحمن.
ومن الطبقة الثالثة: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ويحيى أشدّ من أحمد.
ومن الطبقة الرابعة: أبو حاتم الرازي والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري.
٢ - تقبل رواية الثقات الضابطين: وهم ممن أثنى عليهم أئمة الجرح والتعديل، أو اشتهروا بالعلم وعرفوا به، فاستغنوا عن التوثيق والثناء مثل الإمام مالك والشافعي وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي وغيرهم، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء، وقد سئل الإمام أحمد عن إسحاق بن راهويه فقال: "مثل إسحاق لا يُسأل عنه". وقد سئل ابن معين عن أبي عبيد القاسم بن سلام فقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد، وأبو عبيد يسأل عن الناس.
٣ - يُعرف ضبط الراوي بموافقة الثقات للفظ أو معنى، وعكسُه عكسه.
٤ - التعديل يقبل بدون ذكر السبب؛ لأن تعداده يطول فقُبل إطلاقه.
стр. 87
٥ - يكفي قول واحد في التعديل إذا لم يقابله جرحٌ إلا أن يكون المعدل متساهلا مثل الترمذي وابن حبان والحاكم، فينظر في أمره.
٦ - تقبل رواية من لم يُعرف فيه جرح، وروى عنه عددٌ -وهو الذي يُسمّى عند المحدثين بالمستور، لأنه لو كان فيه جرحٌ لبيّنه أحد الرواة- بشرط أن لا يكون في حديثه نكارة.
قال الدارقطني: "وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان رواته عدلًا مشهورًا أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاعُ اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة وصار حينئذ معروفًا، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره واللَّه أعلم". (١).
وقال الذهبي في "الميزان" في ترجمة مالك بن خير الزبادي المصري متعقّبًا على قول ابن القطان: "هو ممن لم تثبت عدالته" -يريد أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة. قال الذهبي: "وفي رواة الصحيحين عددٌ كثيرٌ ما علمنا أن أحدًا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح" (٢).
وأما المجهولُ وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد، وانفرد بخبر فوجب التوقف عن خبره كما قال الدارقطني، وقال البيهقي في السنن الكبرى (٣): "إنا لا نُثبتُ حديثًا يرويه من تجهلُ عدالتُه". قاله في عمرو بن مُعَتِّب بعد أن نقل قول ابن المديني: "مجهول لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير".
وهذا لا ينافي تسمية الشيخين كتابيهما "المسند الصحيح" لأنهما استعملا الصحيح بمقابل الضعيف، لأن الكتب المؤلّفة قبلهما كانت شاملةٌ للصحيح والضعيف.
стр. 88
٧ - رواية شيخ عن شيخ ليس بتوثيق في أصح أقوال الأئمة ولو نصّ على أنه لا يروي إلا عن ثقة؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، ضعيف عند غيره، ولذا لم يقبل جمهور أهل العلم مذهب ابن حبان في توثيق من لم يرو عنه إلا واحد مشهور.
٨ - وأما الجرح فالأصل فيه أنه لا يُقبل إلا مفسّرا، لأنه قد استُفِسِرَ فذكرَ ما ليس بجرح، ويدخل في هذا الباب ما هو شرٌّ مثل التحامل والهوى وتكفير بعضهم لبعض لاختلاف المذهب، ولذا وجب أن يُستفسر الجارح سبب جرحه.
وأما تكفير بعضهم لبعض لاختلاف المذهب، أو البدعة فالصحيح الذي عليه أهل السنة: لا نُكفر أحدًا من أهل القبلة إلا بإنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، ولذا لم يكن موقف المحدثين شديدًا في رواية الحديث عن المبتدعة، فمن ثبت أنه يُحرّم الكذبَ على نفسه، وهو من أهل الصدق والأمانة والحفظ والإتقان، وليس بداعية إلى بدعته قبلوا روايته.
٩ - ولكن إن صدر الجرحُ من الأئمة الذين عندهم العلم بمعرفة أسباب الجرح، وهم متصفون بالإنصاف والديانة مثل ابن المديني، وابن معين، وأحمد بن حنبل وغيرهم فيُقبل قولهم ولو كان مجملا، وكتب الرجال غالبها خالية عن بيان أسباب الجرح، فيقال: "فلان ضعيف" أو "فلان متروك"، فالتوقف في قبول قول هؤلاء يؤدي إلى تعطيل الحكم على كثير من الأحاديث.
١٠ - إن اجتمع في الراوي جرحٌ مفسر مع التعديل فالجرح مقدم؛ لأن الجارح معه زيادة علم لم يطلع عليها المعدّل.
١١ - أما إذا تعارض الجرح والتعديل فيُنظر إن كان الجرح مجملا وقد وثّقه أحد أئمة هذا الشأن فلا يقبل الجرح مجملا؛ فإن التوثيق حينئذ يكون مقدما على الجرح؛ لأنه قد ثبت له رتبة الثقة فلا يُزحزح إلا بأمر واضح جليٍّ.
١٢ - وإنْ كثُرَ المعدّلون وجرحه أحد جرحا مفسّرا فينظر إلى مكانة المعدلين والجارح، وفي كل قضية حكم خاص.
١٣ - المبهم الذي لم يُسمَّ، أو سمّي، ولا يعرف عينه، فهذا ممن لا تُقبل روايته، ولكن يعتبر به إذا كان في عصر التابعين، والقرون المشهود لهم بالخير.
١٤ - لقد تبيّن من منهج الدارقطني في تضعيف الرجال أنه كثيرًا ما يعتمد على سبر
стр. 89
مرويات الرواة، وإنْ كان سبق توثيقُهم من بعض أئمة الجرح والتعديل قبله، لذا يجب على الباحثين التريّث في قبول تضعيف الدارقطني حتى يتبيّن حال ذلك الراوي.
ومن جملة أمثلته: الوليد بن عبيد اللَّه بن أبي رباح -ابن أخي عطاء بن أبي رباح- فإنّ الدارقطني ضعّفه وسبق فيه توثيق ابن معين كما في الجرح والتعديل (١).
وقد اعتمد أصحاب الصحاح، مثل: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم على توثيق ابن معين، فذهبوا إلى تصحيح حديثه، ومن اعتمد على قول الدارقطني فذهب إلى تضعيف حديثه.
٢٧ - ترجمة الصحابة
أترجم الصحابي إذا كان غيرَ معروف، أو من المقلّين، ولم أترجم إذا كان معروفا ومشهورا، فإذا قلتُ: "رجاله رجال الصحيح"، (وهو نادر)، فلا أستثني من ذلك الصحابيَّ الذي لم يخرج له الشيخان أو أحدهما، إذ الصحابة كلهم عدول، لأنه لا فائدة من هذا الاستثناء.
وهذا الذي مشى عليه الحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه، والعراقي في كتبه، والهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهم.
والحافظ ابن حجر لما قسم أحاديث المستدرك إلى ثلاثة أقسام حسب الرواة، وطريقة رواياتهم، وتقسيمه باعتبار شرط الشيخين أو أحدهما، لم يتعرّض لكون الصحابي ممن روى له الشيخان أو أحدهما، أو لم يخرجا له أصلا (٢).
٢٨ - موافقة الذهبي للحاكم في المستدرك
لقد أكثر الكُتّابُ والباحثون استعمال موافقة الذهبي للحاكم، وإني كنتُ منهم، ولكن الآن بعد تفكير طويل تبيّن لي أن الذهبي لا يوافق الحاكم في حكمه، وإنما يختصر حكمه كما يختصر الإسناد، فرمزه (خ م) اختصارا لقوله: صحيح على شرط الشيخين، وهكذا (خ) وحده أو (م) وحده، وأحيانا إذا استحضر شيئا يُعقّبه عليه كما قال في تلخيص المستدرك (١/ ٣٣٤) معقّبًا على الحاكم في قوله: "صحيح
стр. 90
على شرط الشيخين "قال: "ثعلبة مجهول، وما أخرجا له شيئا".
لأن القولَ بموافقة الذهبي في جميع الكتاب يستلزم كثيرًا رميه بالغفلة أو الوهم لمخالفته في ترجمة الراوي في "الميزان" ثم وهو القائل عن المستدرك: "وقطعةٌ من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب".
ولذا لم يُشر العلماء الأجلاء إلى موافقة الذهبي إلا نادرا مثل الزيلعي، والحافظ ابن حجر. وإنما أكثر استعمالَ موافقة الذهبي المناوي ومن جاء بعده.
ونظرًا لصيانة مكانة هذا الإمام المجتهد، فإني أتراجع عن قولي: "وافقه الذهبي" من جميع كتبي، وإني إن شاء اللَّه في حالة إعادة طبع هذه الكتب أحذف هذه العبارة.
٢٩ - سكوت أبي داود في كتابه "السنن "
قال الإمام أبو داود رحمه اللَّه تعالى صاحب السنن في رسالته إلى أهل مكة (ص ٦٩ - ٧٠): "وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بيّنتُه، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، بعضها أصح من بعض".
اشتمل كلام أبي داود على عدة أنواع من الحديث في كتابه السنن:
١ - منه ما هو مخرج في الصحيحين أو في أحدهما.
٢ - ومنه ما رواه رجال الصحيح بإسناد متصل، وليس فيه شذوذ ولا علة.
٣ - ومنه ما هو على شرط الصحة وإن لم يكونوا من رجال الصحيح.
٤ - ومنه ما رواه من هم دون الثقة مثل صدوق، أو مستور.
٥ - ومنه ما رواه ضعيف إلا أن ضعفه ليس بشديد وقد عاضده عاضد.
فهذه خمسة أنواع من الحديث صالح عنده وعند غيره.
وقد يسكت أبو داود عن حديث وفيه وهنٌ شديدٌ، فهذا الذي نازعه فيه أهل العلم، فمنهم من قال: كل ما سكت عليه أبو داود فهو من قبيل الحسن ومن هؤلاء: ابن عبد البر والمنذري والنووي وغيرهم، وخالفهم آخرون فقالوا: ليس كل ما سكت عليه أبو داود فهو صالح، وقد اعتُذرَ له:
стр. 91
١ - أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجدْ في الباب غيره؛ لأن الحديث الضعيف عنده أقوى من رأي الرجال.
٢ - أو لعله قد غفل عنه، ولم يتنبّه.
إلا أن هذه الأعذار لا تمنع من الحكم على الحديث بالضعف حسب درجاته في أسباب الضعف، وإلى هذا ذهب جمهور المحققين من علماء الحديث.
٣٠ - قولهم على شرط الشيخين أو أحدهما
أكثر من استعمل هذا الاصطلاح هو أبو عبد اللَّه الحاكم صاحب المستدرك، وقد انتقد عليه، فإن الحكم على شرط الشيخين أو أحدهما يستلزم الوقوف على شرطهما أولا، وهذا متعذر لأن الشيخين لم يذكرا شرطهما في كتابيهما، وإنما قال ذلك الحاكم بالنظر إلى ظاهر رجالهما، أو بأوصاف رجالهما بغضّ النظر عن كيفية الرواية عنهم، وكونها ذكراه في الأصول أو الشواهد أو المتابعات أو المعلقات، فإن الحكم على شرطهما أو شرط أحدهما يستلزم الوقوف على كل هذه الأمور، والحاكم ﵀ الذي أسرف في استعمال هذا الاصطلاح لم يُلاحظ هذه الأمور في الحكم على شرطهما أو شرط أحدهما، وكان تلميذه البيهقي ﵀ متنبّها إلى هذه النقاط، فإنه لم يذكر قول الحاكم هذا، مع أنه أخرج عنه معظم أحاديث المستدرك في سننه الكبرى والصغرى، وفي مؤلفاته الأخرى، إلا أني التزمت ذكر قول الحاكم ولكن لم أعتمد فيه، إنما أحكم على الإسناد حسب القواعد الحديثية، ولم أحكم على الإسناد بأنه على شرطهما أو على شرط أحدهما إلا نادرا للأسباب التي سبق ذكرُها.
ثم إن الناس اختلفوا في قول الحاكم على شرطهما، هل المقصود منه رجال الشيخين، أو أوصاف رجال الشيخين، لأنه قال في مقدمة كتابه المستدرك: "قد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل (البخاري)، ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذْ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما اللَّه لم يدعيا ذلك لأنفسهما".
ثم قال: وأنا أستعين اللَّه على إخراج أحاديث، رواتها ثقات، قد احتج بمثلها
стр. 92
الشيخان ﵄ أو أحدهما".
أقول وباللَّه التوفيق، وللعلماء رأيان في المراد بقوله: "بمثلها"، وفي قوله: "رواته ثقات".
الرأي الأول: هم رجال الشيخين بأعيانهم، هذا رأي جمهور أهل العلم، ولذا يُعقّبون عليه بأنهما لم يخرجا عن فلان.
والرأي الثاني: بمثلها أي بمثل رواتهما، لا بهم أنفسهم، وإلى هذا الرأي كنتُ أميل إليه من عقود، لأن الحاكم الذي ألّفَ كتابا في رجال الشيخين كيف يخفى عليه أن يقول: صحيح على شرط الشيخين، وفي الإسناد من ليسوا من رواة الشيخين.
ولكن لما لم أستقرّ على رأي من الرأيين فجعلتُ لنفسي وُسْعَةً، فأحيانا أقول كما قال جمهور أهل العلم، وأحيانا أسكت، ولا أعقّب عليه، وإنما الذي أهتمّ به هو صحة الإسناد وضعفه.
٣١ - آخر من أنقل حكمه في التصحيح والتضعيف
واكتفيتُ في نقل الحكم بالتصحيح والتضعيف إلى الحافظ ابن حجر، ولم أتطرّق إلى من بعده خوفا من التطويل، وإنْ كان أهل العلم بالحديث لم ينقطعوا بعد الحافظ ابن حجر إلى عصرنا هذا، جزاهم اللَّه جميعا خيرا لما قدّموا للأمة الإسلامية.
٣٢ - تكرار الحديث
وإذا كان الحديث يشتمل على أكثر من مسألة خرّجتُه في أكثر من موضع، إلَّا أنِّي لا أُكرِّر الحديثَ الواحدَ في كلِّ بابٍ يناسبه؛ لأنَّه قد يشتمل على عشراتِ المسائل، وتكراره في كل مسألة يزيد ضخامة الكتاب.
فإن لم أذكُرْ حديثًا في بابٍ، فلا يعني ذلك عدم تخريجهِ في بابٍ آخرَ، فعلى القُرَّاء الكرام الاجتهادُ في البحث عن الحديثِ المطلوبِ في الأبوابِ المُناسبةِ، وخاصة أحاديث الإيمان باللَّه والملائكة والقضاء والقدر وغيرها فإنّها تتكرّر في أبواب مختلفة.
стр. 93
٣٣ - استقصاء أحاديث الباب
حاولت أن أستقصي أحاديث الباب في مكان، وأختصر في أماكن أخرى، وقد أحيل على الباب الذي استقصيت فيه.
٣٤ - اختصار الحديث
أحيانا أختصر الحديث الطويل ليُفهم منه فقهُ الباب، وإن كنت ذكرته في موضع آخر بطوله.
٣٥ - الحديث المرسل
الحديث المرسل ليس من شرط الكتاب، فإذا جاء مرسل من وجه آخر فيقوي بعضه بعضا، ويصلح للاحتجاج به ولكن لا يأخذ حكم الموصول، إلا إذا عُرِفَ أن المحدّث عند نشاطه أسنده، وفي حالة غير نشاطه أرسله كما روى مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حقّا على اللَّه لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه".
رواه البزار (٧٧٠٠) وقال: "هذا الحديث لا نعلم رفعه إلا مالك، ولا عنه إلا معن، قال معن: كان مالك لا يُسند، فخرج علينا يوما نشطا فحدَّثَ به عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة". اهـ
وهو مخرج في كتاب الزهد.
وكذلك إذا عُلِمَ لقاء الراوي لمن أخبر عنه ولم يكن مدلّسا حُمِلَ ذلك على سماعه ممن أخبر عنه، ولو لم يأت بصيغة تدلّ على ذلك، مثاله ما رواه البخاري في النكاح (٥٠٨١) عن عبد اللَّه بن يوسف، حدثنا الليث، عن يزيد، عن عراك، عن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك، فقال النبي ﷺ : "أنت أخي في دين اللَّه وكتابه، وهي لي حلال".
وصورته مرسل، ولكن ظاهره أن عروة حمل هذا عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر، ولذا أخرجه البخاري في صحيحه.
٣٦ - الاختلاف في الرفع والوقف
إذا اختلف في رفع الحديث ووقفه، وكان الموقوف أقوى إسنادا، والمرفوع دونه
стр. 94
إلا أنه صحيح أيضًا لولا هذا الخلاف، ومثله لا يقال بالرأي، فأقدّم المرفوع على الموقوف، وأخرجه في صُلْب الكتاب، وأُشير في التخريج إلى أن من رواه موقوفا أقوى إسنادا، وهو منهج الإمام البخاري وأصحاب الصحاح والسنن.
٣٧ - الفتيا
لا يلزم على العالم إذا سئل أن يقول: قال رسول اللَّه ﷺ إلا إنْ كان سؤاله يتطلّب ذلك، قال النضر بن أنس بن مالك: كنت جالسا عند ابن عباس فجعل يفتي ولا يقول: قال رسول اللَّه ﷺ حتى سأله رجل، فقال: إني رجل أصوّر هذه الصور؟ فقال له ابن عباس: ادنه، فدنا الرجل، فقال ابن عباس: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من صوّر صورةً في الدنيا كُلِّفَ أن يَنفخَ فيها الروحَ يوم القيامة وليسَ بنافخٍ" رواه مسلم في كتاب اللباس (٢١١٠: ١٠٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي ابن مسهر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن النضر بن أنس بن مالك قال: فذكره.
٣٨ - ليس فيه حديث اتفق الناس على تركه
لم أذكر في الجامع حديثا اجتمع الناس على تركهـ بدون بيان.
٣٩ - ذكر الموقوف على الصحابي
أحيانا أذكر قول الصحابي الذي ليس من شرط هذا الكتاب لتقوية الحديث.
٤٠ - تفرّد الثقة
ذكرتُ فيه أحاديث الحافظ الثقة ولو انفرد، كما هو منهج أصحاب الصحاح والسنن، إلا إذا تبيّنَ غلطُه ووهمُه. قال الذهبي في ترجمة علي بن المديني: "الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدلّ على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا إن يتبيّن غلطُه ووهمُه".
٤١ - أحاديث الصدوق
ذكرتُ فيه أحاديث الصدوق ومن دونهم على أن لا يكون مُتَّهَما، ولا يكون في حديثه شذوذ أو نكارة، وله أصول صحيحة.
٤٢ - إكثار الراوي المتكلم فيه الأحاديث التي لا يوافق عليها أهلُ العلم
إكثار الراوي المتكلم فيه الأحاديث التي لا يوافق عليها أهلُ العلم الآخرون لفظًا
стр. 95
أو إسنادًا يجعله متروكًا، والجامع الكامل خالٍ من مثل هؤلاء المتروكين.
٤٣ - الأحاديث الغريبة
تجنبت من ذكر الأحاديث الغريبة؛ لأن الغالب عليها الوضع، قال إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون الغريب من الحديث"، وقال الإمام أحمد: "لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء". وقال مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم: الظاهر الذي قد رواه الناس".
٤٤ - عدم التعرض لأحاديث الصحيحين
لم أتعرض للكلام على أحاديث الصحيحين وكذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عند أئمة هذا الفن حتى لا يفتتن من لا علم له، فيُشكك في السنة كلها، بخلاف الأحاديث الضعيفة المعلّة فإن بيانَ إعلالِها يزيده قوةً وثباتًا في التمسك بالسنة.
٤٥ - الفرق بين قولَي البخاري: فلانٌ لم يثبتْ له سماعٌ مِنْ فلانٍ، وفلان لم يَسْمَعْ من فلانٍ
فالعبارة الأولى فيها نفيٌ للسماع مطلقًا، فإذا جاء في الأجزاءِ والأمالي وغيرها في حديث: أخبرنا، أو حدّثنا، أو سمعتُ، فهو خطأ عنده، وفي مثل هذا رُوِيَ عن الإمام أحمد أنه قال: "لا يُعبأ به". بخلاف العبارة الثانية فإنها تحتمل أن يثبت له السماع إذا جاء في حديثٍ صحيحٍ: حدّثنا، أو أخبرنا، أو سمعتُ.
٤٦ - من منهج الإمام مسلم في صحيحه
من عادة الإمام مسلم ﵀ أنه يُخرج الحديث الأول بالإسناد واللفظ، ثم يعطف عليه الإسناد الآخر باختلاف بعض الرواة عن صحابي آخر، ويحيل لفظ الحديث إلى الحديث الأول، وإنْ كان فيه الاختلاف في بعض الألفاظ فيُشير إليه، وإنْ لم يكن كذلك فيكتفي بقوله: "مثل ذلك"، فحاولتُ بحث لفظ هذا الحديث المُشار إليه من المصادر الأخرى لأكمل لفظ الحديث، وأُبيّن موضع التقاء الأسانيد.
وأحيانا يذكر الإمام مسلم الأحاديث المتعارضة في الباب، وذلك لبيان الاختلاف في المسألة، فيظنّ من لم يُمعن النظر أنه ساق الأحاديث المتعارضة.
стр. 96
٤٧ - ذكرُ الأحاديث الضعيفة المشهورة
بيّنتُ الأحاديث الضعيفة المشهورة تحت كل باب لبيان ضعفها، وكذا بيّنتُ الشذوذ والنكارة الواردة في بعض الأحاديث التي ظاهرها السلامة إذا ظهر لي ذلك، وقد تخفى عليّ.
٤٨ - رواية الحديث من طرق متعدّدة
إذا رُوي الحديث من عدة طرق اخترت أصحَّها، ولم أتعرض لبقية الطرق؛ لأن ما صح لا يُعِل بما لم يصح، وأحيانا أذكر الطرق الضعيفة أيضًا للبيان.
لأنه لا يُعلّ كلّ حديث من أجل اختلاف طرق، فمن المعلوم لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف أن طرق الحديث توسعت كلما تأخر الزمان، فما من حديث إلا وله طرق كثيرة لانتشاره في الآفاق، وقد يكون أحيانا مختلفا في رفعه ووقفه، وإرساله ووصله، فجاء دورُ الأئمة لدراسة هذه الأسانيد فمنهم من يُعلّل من أجل هذا الاختلاف، ومنهم من يجمع بين هذه الطرق فيأخذ بزيادة الثقة، ولا يرى إعلال الحديث إذا كان رواته ثقات.
نقل الزيلعي (١) كلام عبد الحق الإشبيلي وكلام ابن القطان في حديث ابن عمر مرفوعا: "من ملكَ ذا رحم محرم فهو عتيق". رواه ضمرة، عن سفيان، عن عبد اللَّه ابن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
قال الزيلعي (٢): وقال عبد الحق في "الأحكام الكبرى": تفرد به ضمرة بن ربيعة الرملي، عن الثوري، وضمرة ثقة، والحديث صحيح إذا أسنده ثقة، ولا يضر انفراده به، ولا إرسال من أرسله، ولا وقف من وقفه. انتهى. قال ابن القطان: وهذا الذي قاله أبو محمد هو الصواب، ولو نظرنا الأحاديث لم نجد منها ما روي متصلا، ولم يرو من وجه آخر منقطعا أو مرسلا أو موقوفا إلا القليل، وذلك لاشتهار الحديث وانتقاله على ألسنة الناس، قال: فجعل ذلك علة في الأخبار، لا معنى له".
وقال ابن التركماني (٣): "ليس انفراد ضمرة به دليلا على أنه غير محفوظ، ولا
стр. 97
يوجب ذلك علة فيه، لأنه من الثقات المأمونين، لم يكن بالشام رجل يشبهه، كذا قال ابنُ حنبل، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا لم يكن هناك أفضل منه، وقال أبو سعيد بن يونس: كان فقيه أهل فلسطين في زمانه، والحديث إذا انفرد به مثل هذا كان صحيحا، ولا يضرّه تفرّده، فلا أدري من أين وهمَ في هذا الحديث راويه كما زعم البيهقي، قال ابن حزم: هذا خبر صحيح تقوم به الحجة، كل من رواته ثقاتٌ، وإذا انفرد به ضمرة كان ماذا؟ ودعوى أنه أخطأ فيه باطل، لأنه دعوى بلا برهان".
هذا الذي أختارُ في أصل صحّة الحديث، ولكن إذا وقفتُ على كلام الأئمة في إعلالِ الحديث من الأسباب المذكورة فكثيرًا ما أقبلُ كلامَهم إلا نادرًا لمكانتهم في هذا العلم، وإنْ لم أقبلْ كلامَهم فأبيّنُ وِجْهَةَ نظري.
٤٩ - الحديث المنكر
المنكر في كلام كثير من أهل العلم هو تفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ، أو من أطلق عليه بأنه ضعيف مع مخالفته للثقات، وهو نوع من أنواع الحديث الضعيف.
ولكن وُجِدَ في كلام بعض أهل العلم وأخص بالذكر الإمام أحمد وأبا حاتم وأبا زرعة الرازيين، والنسائي، أنهم يطلقون النكارة بمجرد تفرد الثقات، وهو ليس بجرح، فإن الحكم الثابت من الثقات ولو تفرد إذا لم يكن مخالفا لمن هو أوثق منهم، أو أكثر فإنه في حكم الصحيح، وقد نبّهتُ على كثير من المواضع في الجامع الكامل إلى هذين النوعين من النكارة.
٥٠ - الفرق بين قولهم: فلان يروي المناكير، وفي حديثه نكارة
في الصورة الأولى الغالب تكون النكارة من شيوخه، وليست منه، ومعنى هذا أنه لا يتوقّى في الرواية عن هؤلاء الشيوخ.
وفي الصورة الثانية تكون النكارة في الغالب منه.
٥١ - التوفيق بين الحديثين المتعارضين
وفّقتُ بين الحديثين الصحيحين المتعارضين في الظاهر، وإلا فالحديثان الصحيحان لا يتعارضان في الأصل، وكذا وفّقتُ بين القرآن والحديث إنْ كان في ظاهرهما التعارض.
стр. 98
وأما إذا تعارض حديثان أحدهما صحيح، والآخر دونه، فالحكم للأقوى كما فعل الإمام البخاري في كتابه "التاريخ الكبير"، و"جزء رفع اليدين" و"جزء قراءة خلف الإمام" وغيرها من كتبه؛ فإنه يُضعْفُ الحديثَ لمخالفته للسنة الصحيحة.
ويحاول بعض أهل العلم الجمع بين الحديثين المتعارضين إذا لم يكن ضعف أحدهما شديدًا؛ ليعمل بهما جميعا، والمنهجان معروفان عند علماء الحديث.
وقال أبو داود في سننه عقب الحديث (٧١٩): إذا تنازعَ الخبرانِ عن النبي ﷺ ، نُظِرَ مَا عَمِلَ به أصحابُه مِنْ بَعدِه.
٥٢ - قولي: إسناده صحيح
إذا توفّرتْ في الإسناد شروط الصحة، فأكتفي بقولي: إسناده صحيح، ولم أترجم رجال الإسناد إلا إذا اختلفوا فيه.
٥٣ - الحديث الحسن
وفي حالة الحكم على الإسناد بأنه حسن، التزمت بذكر الراوي الذي نزل عن رتبة الثقة.
ولا منافاة بين الحكم بالحسن، وعند غيري بالصحيح لأن بعض أهل العلم لا يُفرّقون بين الصحيح والحسن مثل ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم ومثاله: حديث ابن إسحاق إذا صرّحَ بالتحديث يكون حسنا، ولكن يصحّح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كلّ ما يصلح للحجّة صحيحا.
٥٤ - ترتيب الكتاب
وأما ترتيب الكتاب فهو على الأبواب الفقهية مثل كتب السنن، ولكن بدأتُ بكتابَي الإيمانِ والعلمِ لعِظَمِ شأنِهما في الإسلامِ قبل السنن والأحكام، وانتهاءً إلى كتاب صفة الجنة والنار وأهلهما.
٥٥ - شرح الحديث وفقه
وأما شرح الحديث والمسائل الفقهية فما تطرقت إليها إلا قليلا، لأني قد توسّعتُ فيها في كتابي "المنة الكبرى شرح وتخريج السنن الصغرى" للحافظ البيهقي، فلم أر إعادتها ههنا وذلك لأسباب:
стр. 99
منها: خروجه عن المقصود من تأليف الجامع الكامل.
ومنها: عدم إثقال الكتاب.
ومنها: ترك المجال الفقهاء الأمة أن يتفقّهوا في هذه الأحاديث الصحيحة، ولا نُحجّر واسعا. وقد جاء في الصحيح: "رُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع".
ولكنْ أحيانا أتطرق إلى شرح الحديث لحاجة تدعو إليه، واعتمدتُ في ذلك على أقوال السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن الفقهاء والمحدثين.
٥٦ - من الضوابط في اختيار قول الفقهاء
قال الترمذي: باب ما جاء: لا طلاق قبل النكاح، وأخرج فيه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا (برقم ١١٨١): "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك".
وقال: ذكر عبد اللَّه بن المبارك أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا يتزوج، (يعني المرأة الفلانية) ثم بدا له أن يتزوج، هل له رخصة بأن يأخذَ بقول الفقهاء الذين رخّصُوا في هذا؟ فقال عبد اللَّه بن المبارك: إنْ كان يرى هذا القولَ حقًّا من قبل أن يُبتلى بهذه المسألةِ فله أن يأخذَ بقولهم، فأما من لم يرضَ بهذا، فلما ابتُلِيَ أحبَّ أن يأخذَ بقولهم، فلا أرى له ذلك".
٥٧ - شرح الكلمات الغريبة
وكذلك أشرح أحيانا الكلمات الغريبة، وكان اعتمادي فيه على كلام الخطابي، وابن الأثير في النهاية، والنووي في شرح مسلم، وابن حجر في فتح الباري، والسندي في حاشية الإمام أحمد.
٥٨ - ذكر أسباب اختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف
وهنا يجب أن أنبّه إلى نكتة مهمة وهي أن القدر الأكبر من الأحاديث التي حكمت عليها بالصحة أو الحسن يوافق عليها أكثر أهل العلم، والجزء اليسير منها قد يترددُ بين القبول والرّد كما هو الحال في جهود العلماء السابقين مثل ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقيّ، والضّياء المقدسيّ، والهيثمي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم ﵏ جميعا؛ وذلك يعود إلى عدة أسبابٍ، ومن أهمّها ما يلي:
стр. 100
١ - اختلافهم في بعض العلل أَقادحة هي أمْ غير قادحة؟ مثل الاختلاف على الراوي في الرفع والوقف، والوصل والإرسال، ومثله حديث المدلسين، والمختلطين، وزيادة الثقة، والحكم عليها بالشذوذ، وتفرد الصدوق وغيرها، فما قبلتُ منها قبلتُها بحجّةٍ، وما رددتُ منها رددتُها بحجّة.
٢ - اتباع كلّ واحد منهم بعض القواعد الحديثية التي لا تزال مدار بحث ودراسة كما هو معروف لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف.
ومثاله: ما رواه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" في مسند علي بن أبي طالب (٢٢٤ - ٣١٠) قال: "حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا شريك -هو النخعي-، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن ذي حدان، عن علي، قال: "سمى اللَّهُ الحربَ خدعة على لسان رسول اللَّه ﷺ ، أو على لسان محمد ﷺ ".
وقال: وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح، لعللٍ:
إحداها: أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي، عن النبي ﷺ يَصِحُّ إلا من هذا الوجه.
والثانية: أن المعروف من رواية ثقات أصحاب علي هذا الخبر عن علي الوقوف به عليه، غير مرفوع إلى رسول اللَّه ﷺ .
والثالثة: أن سعيد بن ذي حدان عندهم مجهول، ولا تثبت بمجهول في الدين حجّة.
والرابعة: أن الثقات من أصحاب أبي إسحاق الموصوفين بالحفظ إنما رووه عنه، عن سعيد، عن رجل، عن علي.
والخامسة: أن أبا إسحاق عندهم من أهل التدليس، وغير جائز الاحتجاج من خبر المدلس عندهم مما لم يقل فيه: حدثنا، أو سمعت، وما أشبه ذلك". انتهى قوله.
وهنا يأتي دور المحدّث البارع في التوفيق بين القولين، أو ترجيح أحدهما على الآخر. انظر تفصيله في كتاب الجهاد.
٣ - اجتهادهم في معرفة الرجال والحكم عليهم ولا سيما المختلف فيهم جرحا وتعديلا لأنه وقع خللٌ في تراجم بعض الرواة، وأوضّح ذلك بمثال:
قال الترمذي: "حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حمزة الثمالي، عن الشعبي، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: دخل عليَّ
стр. 101
رسول اللَّه ﷺ فقال: "هل عندكم شيء؟ " فقلت: لا، إلا كسر يابسة وخلّ، فقال النبي ﷺ : "قَرّبيه، فما أقفر بيتٌ من أدمٍ فيه خلٌّ".
قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نَعرفه من حديث أم هانئ إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة الثُّمالي اسمه: ثابت بن أبي صفية، وأمُّ هانئ ماتتْ بعد علي بن أبي طالب بزمان، وسألت محمدا -يعني البخاري- عن هذا الحديث قال: لا أعرف للشعبي سماعا من أم هانئ، فقلت: أبو حمزة كيف هو عندك؟ فقال: أحمد بن حنبل تكلَّم فيه، وهو عندي مُقاربُ الحديث". انتهى.
قلت: حسّنَ الترمذيُّ حديث أبي حمزة الثُّمالي بناءًا على قول البخاري: "مقاربُ الحديث" بينما نقل المزي في تهذيبه عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي حاتم، والنسائي، وحفص بن غياث، وأبي أحمد ابن عدي تضعيفَه، ولم يذكر قولَ البخاري، وكذا فعل الحافظُ ابنُ حجر في تهذيب التهذيب فلم يذكر قولَ البخاري، وذكر فيه أقوال الأئمة الآخرين في تضعيفه، يعني خفي عليهم قول البخاري، لأن الترمذي ذكره في أثناء الإسناد.
ولذا وجب علينا علماء الحديث وضع خطة شاملة كاملة لرواة الحديث لصيانة الحديث، وإليكم هذه الخطة.
موسوعة رواة الحديث
وأمر آخر يستحقّ الدراسة في مجال الحديث، هو ما يقع خللٌ في تراجم الرواة، ويكون سببا لاختلاف الحكم، فرأيتُ أن أُقَدِّمَ "مشروع الجامع الكامل لرواة الحديث لصيانة الحديث" فإني خلالَ عملي في "الجامع الكامل" عانيتُ كثيرًا في معرفة ما قيل في رواة الحديث البالغ عددُهم حسب تقديري نحو خمسين ألفًا إلى نهاية القرن الخامس الذي أراه نهايةَ عصر الرواية.
لأن المعلومات عنهم مُبعثرةٌ في كتب الرجال، وفي بطون كتب الحديث، فتجد مثلا يقال: فلان لم يُوثّقه أحد فهو في عداد المجهولين، ثم تَجِد في مصدر من المصادر توثيقَ بعضِ الأئمة له، وكذلك قيل في راوٍ: إنه لم يرو عنه إلا راوٍ واحدٌ، ثم تجد في مَصادر أخرى روى عنه جمعٌ، وكذلك قيل في راوٍ: إنه يُرسل عن فلان، ثم تجد في كتب الحديث أنه صرّح بالسماع منه، وهكذا.
стр. 102
فكانت النتيجة أن الحكم الذي سبق عليه من بعض العلماء يتغير، فرأيت أن أضع خطةً شاملةً لجمع جميع الرواة، وما قيل فيهم من جرحٍ وتعديلٍ في مكان واحد، ويُجعل كتاب "تهذيب الكمال" البالغ عددُ رواته نحو تسعة آلاف راوٍ عمدةً، ويُدْمج فيه بلون مغاير بقية الرواة البالغ عددُهم حوالي أربعين ألفًا على حروف المعجم، على أن تكون عناصر كل ترجمة -سواء كانت في "تهذيب الكمال"، أو ما أُدمجَ فيه- مشتملةً على الأمور التالية:
١ - اسم الراوي كاملا مع نسبه ولقبه وكنيته.
٢ - تاريخ مولده -إِنْ عُلِمَ- وتاريخ وفاته.
٣ - جميع شيوخه الذين تلقّى منهم العلم، ومدى الاستفادة والملازمة لكل شيخ من شيوخه.
٤ - جميع التلاميذ الذين رووا عنه الحديث مبيّنا فيه من لازمه ومن قلّتْ ملازمتُه، ورواية كل راو عنه من حيث الاتصال والإرسال.
٥ - ضبطه وحفظه من عدمه.
٦ - التوفيق بين أقوال النقاد إذا اختلفوا في توثيقه وتجريحه.
٧ - التحري والتأكد من أقوال النقاد المنسوب إليهم.
٨ - التوفيق بين عدة أقوال من إمام واحد مثل ابن معين، وابن المديني، وأحمد، وغيرهم.
٩ - التأكد بأنه لم يقع التحريف أو التصحيف في أقوال النقاد جرحًا وتعديلًا.
١٠ - إذا وقع التشابه بين الاسمين فيُحَدِّد هل هما واحد أم اثنان.
١١ - أن يكون عند الباحث معرفة تامة عن اصطلاحات ألفاظ الجرح والتعديل.
وأنصحُ في هذا الموضوع الرجوع إلى كتابيَّ:
- "دراسات في الجرح والتعديل".
- "ومعجم مصطلحات الحديث".
١٢ - تحديد طبقة كل راو.
١٣ - رحلاته التي أثّرتْ عليه في توثيقه وتجريحه.
стр. 103
١٤ - وخلاصة الكلام في كل راوٍ إنْ كان من رجال "التقريب" فمنه، مع التعقيب عليه عند الضرورة، وإن كان من غير رجال "التقريب" فعلى غِرَارِه.
١٥ - مؤلفاتُه المطبوعة والمخطوطة: وتُستقى هذه المعلومات من كتب الرجال التي أُلّفتْ إلى عصر الحافظ ابن حجر، وقد بلغتْ قائمة كتب الرجال عندي أكثر من ثلاثمائة وخمسين كتابًا بين مطبوع ومخطوط، كما تُستقى هذه المعلومات من بطون كتب الحديث من أثناء الأسانيد، فإن بعض الرواة يَصِفُون شيوخهم بالصدق والصلاح، ويُفرّغُ لهذا العمل عددٌ من الباحثين المتخصصين في علوم الحديث، وحسب تقديري ينتهي هذا العمل خلال خمس سنوات -إن شاء اللَّه- في أكثر من مائة مجلد.
وأرى أن يَتبنّى هذا المشروعَ المهمَّ إحدى المُؤسسة العلمية المعنيّة بخدمة السنة النبوية الشريفة لأهميته في دراسة الحديث، ليستفيدَ منه الباحثون إلى يوم القيامة، وتكون صدقةً جاريةً -إنْ شاء اللَّه- لمن تَبنّى هذا المشروع، لوجه اللَّه تعالى ولحبّه سنة المصطفى ﷺ ، وإني مُسْتَعِدٌّ للإشراف على هذا المشروع إنْ شاء اللَّه.
عِظَمُ المسؤولية لتصحيح الحديث وتضعيفه
ثم أقول -وباللَّه التوفيق-: إن تصحيحَ الحديث وتضعيفَه مسؤولية كبيرة، قلّما يسلم أحد من الخطط والوهم، فإن اجتهد وأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، لأن علم التخريج علم واسع، لا يمكن لأحدٍ أن يُحَدِّدَ جزئياته بخلاف القواعد الأساسية التي قد لا يختلف فيها جمهور المحدثين.
ولكن يجب على من يشتغل بالتخريج أن يتجرد عن الأهواء، فلا يحرّف النصوص، ولا يُحمّلها على غير مرادها، كما لا يفسّر ألفاظ الجرح والتعديل حسب اتجاهه، أو يذكر الجرح ويسكت عن التعديل، أو العكس، لغرض في نفسه، بل يجب عليه أن يخاف اللَّه فيما يقول، ويتبع منهج المحدثين الذين هم القدوةُ في هذا الفن، ولا ينحرف عنهم، ويسأل اللَّه دائما التوفيق والسداد.
يقول الحافظ ابن حجر: في نزهة النظر (١): "وَلْيَحْذَرْ المتكلمُ في هذا الفنِّ من التساهلِ في الجرحِ والتعديلِ، فإنه إنْ عدّلَ أحدًا بغير تثبّتٍ كان المُثْبِتُ حُكْمًا ليس
стр. 104
ثابتٍ، فيُخشَى عليه أن يدخلَ في زمرة "مَنْ روَى حديثًا وهو يظنّ أنه كذب. . . " وإنْ جَرَّحَ بغيرِ تحرّزٍ، فإنه أقدمَ على الطعنِ في مسلمٍ بريءٍ من ذلك، ووَسمَه بميسمِ سوءٍ يبقى عليه عارُه أبدًا، والآفةُ تَدْخلُ في هذا تارةً مِن الهوى، والغرضِ الفاسدِ، وكلامُ المُتَقَدِّمِينَ سالِمٌ مِنْ هذا غالبًا، وتارةً مِن المخالفةِ في العقائدِ". انتهى.
وإنَّ من عادةِ المبتدعة كما حثّهم بِشْر المريسي: "إذا احتجّوا عليكم بالقرآن فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجّوا بالأخبار فادفعوها بالتكذيبِ".
وهنا أُحِبُّ أن أشير إلى أمر مهمّ وهو أن بعضَ الناس يأخذونَ تصحيحَ بعضِ العلماء بدون النظرِ إلى أسبابِ تصحيحهم؛ فإنه قد يكون إسنادُ الحديثِ الواردُ عند أصحابِ الكتبِ، مثل: أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم ضعيفًا، ولكن في الحكم العام يكون حسنا، نظرًا لوجود الشواهد، فالأولى أن يقال في مثل هذا: هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ولكن للحديث شواهد تُقوّيه.
وأمر آخر: قد يحكم الأئمةُ النقادُ مثل ابن المديني، وأحمد، والبخاري، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والذهبي وابن حجر وغيرهم على الحديث بالضعف، ولكن تساهل بعضُ الأئمة الآخرين مثل الترمذي وابن حبان والحاكم والمنذري والهيثمي وغيرهم، فصحّحوا الحديثَ أو حسّنوه، فينقل بعضُ الناس حكمَ هؤلاء المتساهلين، ويَغُضُّ الطرفَ عن حكم جهابذة هذا الفن، وهو منهج مخالف للمحدثين المحققين.
وبهذا عسى أنْ أكون قد حقّقتُ ما أردتُ من تأليف هذا "الجامع" الذي يجمع الأحاديث الصّحيحةَ والحسنةَ في جميع مجالات الحياة، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، في ديوانٍ واحدٍ بعد ألفٍ وأربعمائة وست وثلاثين سنة، بعد أن كانت مفرقةً في كتب الحديث والفقه والتفسير وغيرها، وأُقدِّمُه هديّةً للمسلمين، لأنه لا مجدَ ولا عزّةَ لهذه الأمة إلا بتمسّكها بالكتاب والسنة، وفهمهما على فهم الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين من الفقهاء والمحدثين، ومن سلك مسلكهم إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين.
و"الجامع الكامل" هو امتداد للعمل بالسنة النبوية، والثروةُ الهائلة من كلام أهل العلم، هو شرح وتوضيح وتبسيط وتلخيص للسنة المطهرة، فلا غنى منها إذا
стр. 105
استُخدمت استخدامًا صحيحًا.
وإني بذلتُ قُصارى جهدي في هذا الجامع ليكون وجودُ الحديث فيه دِلالةً على صحته، والكمال للَّه وحده، وإني لا أدعي العصمة من الخطأ والنسيان، إنما هذا اجتهادي، وإنْ فاتَني شيءٌ من أحاديث الصحيحين فذاك سهوًا، فسأستدركها في الطبعات القادمة إن شاء اللَّه تعالى، وكذا إنْ فاتَني شيءٌ من الأحاديث الصحيحة، فإنَّ المقصود من تأليف هذا الكتاب هو الوصولُ إلى الحقّ والصواب. إن شاء اللَّه.
كما لا آمن من وُقوع الأخطاءِ المطبعيّةِ والإملائيةِ لقلّةِ الوسائلِ مثل وجود المراجعين والمدققين، ولكن سأبذل مزيدًا من الجهد في تصحيح هذه الأخطاء في الطبعات القادمة إن شاء اللَّه تعالى، إذا أمدّنا اللَّه بالعمر.
ولنا أسوة لعمل الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى الذي استمرَّ في إدخالِ التحسيناتِ في جامعه "الصحيح" إلى آخرِ حياتِه، وهذا هو الفرقُ بين كلامِ اللَّهِ تعالى وبينَ كلامِ البَشَر، فإنَّ اللَّهَ أبى أن يكونَ كتابٌ صحيحًا غير كتابه.
وأخيرا أسأل اللَّه أن يُلْهِمني الرشدَ والصوابَ فيما اختلفوا فيه، ويتم علي نعمته، ويجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وزادًا لي في الآخرة، وسببًا للنجاة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم، وأن يحشرنا مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المؤلف عفا اللَّه عنه أبو أحمد محمد عبد اللَّه الأعظمي
المملكة العربية السعودية، حي الأزهري، المدينة النبوية
عام ١٤٣٦ هـ -٢٠١٥ م
стр. 106
١ - كتاب الوحي
١ - باب إنما الأعمال بالنيات
• عن عمر بن الخطاب أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنّيات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته إلى اللَّه ورسوله ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب كيف بدء الوحي (١) عن الحميدي عبد اللَّه بن الزبير قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول. . . فذكر الحديث.
ورواه البخاري في الإيمان (٥٤)، ومسلم في الجهاد والسير (١٩٠٧) كلاهما عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، بإسناده، ولفظهما سواء غير أنّ في مسلم: "إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى".
وهذا الحديث ليس في رواية يحيى بن يحيى الليثي في موطنه، ولم يذكره أيضًا الجوهري في مسند الموطأ مع أنه جمع فيه رواية عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، فإما أن يكون الحديث قد سقط عنه، أو النسخة المطبوعة فيها سقط، أو أنَّ الحديث في خارج الموطآت واللَّه تعالى أعلم.
قال الترمذي: قال عبد الرحمن بن مهدي: "ينبغي أن نضعَ هذا الحديثَ في كل باب". جامع الترمذي (١٦٤٧).
ثم اعلم رحمك اللَّه هذا الحديث مما تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن أبي وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب ﵁.
ثم تواتر الحديث عن الأنصاري فروى عنه الخلق الكثير، والجم الغفير، فقيل: رواه عنه أكثر من مائتي راو، وقيل: رواه عنه سبعمائة راو.
ورُوي معناه عن جماعة من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وهزال بن يزيد الأسلمي وغيرهم، وكلها معلولة، ولم يصح منها شيء غير حديث عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 107
٢ - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ -
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء: ١٦٣].
• عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح ثم حُبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: "اقرأ" قال: "ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني"، فقال: "اقرأ" قلت: "ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني" فقال: "اقرأ" فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: ١ - ٥]. فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يرجف فؤادُه، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زمِّلوني زمَّلوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا واللَّهِ ما يخزيك اللَّه أبدًا، إنّك لتصل الرّحم، وتحملُ الكلّ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّي ابن عم خديجة، وكان أمرءًا تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيَّ فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابنَ عمِّ أسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا النّاموس الذي نزل اللَّه على موسى، يا ليتني فيها جَذَعٌ ليتني أكونُ حيًّا إذ يُخرجك قومُك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أومخرجيَّ هُمْ؟ ! " قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلّا عودي، وإنْ يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزّرًا. ثم لم ينشب ورقةُ أن توفي وفَتَر الوحيُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٣)، ومسلم في الإيمان (١٦٠) كلاهما من حديث الليث بن سعد عن عُقيل بن خالد عن ابن شهاب عن عروة يقول: سمعت عائشة. . . فذكرت
стр. 108
الحديث. واللفظ للبخاريّ ولفظ مسلم نحوه.
٣ - باب الوحي الذي أوحاه اللَّه إلى النبيّ ﷺ -
• عن أبي هريرة قال: قال النّبيّ ﷺ : "ما من الأنبياء نبيٌّ إلّا أعطي ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنّما الذي أُوتيتُ وَحْيًا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨١)، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من حديث الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
وفي لفظ مسلم: "ما من الأنبياء من نبي إلّا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر"، ثم ذكر مثله.
أي كلّ نبيّ أعطى من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء فآمن به البشر، وأمّا معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن الذي لم يُعطَ أحدٌ مثله.
٤ - باب كيف كان ينزل الوحي على رسول اللَّه ﷺ -
• عن عائشة أمِّ المؤمنين ﵂، أن الحارث بن هشام سأل رسولَ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، كيف يأتيك الوحي؟ فقال: "أحيانا يأتيني مثل صلْصلة الجرس وهو أشدّ عليَّ، فيفصمُ عنّي وقد وعَيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثّلُ لي الملك رجلًا فيكلفني فأعِي ما يقول".
قالت عائشةُ: ولقد رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد فيَفْصِم عنه، وإنّ جبينه ليتفصَّد عرقًا.
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. . . فذكرتْه.
ورواه البخاريّ في كتاب بدء الوحي (٢) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٣) من أوجه أخرى عن هشام بن عروة، ولفظ مسلم نحوه، وقولة عائشة فيه: "إن كان لينزل على رسول اللَّه ﷺ في الغداة الباردة، ثم تفيض جبهته عرقًا".
وقوله: "فيفْصِمُ" بفتح أوله، وسكون الفاء، وكسر المهملة. أي: يقلع ويتجلّي ما يغشاني.
• عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوف (أو قال: أثر صفرة) فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحيُ فَسُتِرَ بثوبٍ وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحيُ. قال فقال: أيسرك أن تنظر إلى
стр. 109
النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحي؟ قال: فرفع عمر طرف الثوب فنظرتُ إليه له غطيطٌ (قال: وأحسبه قال: ) كغطيط البكر قال: فلما سرِّيَ عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك أثر الصفرة (أو قال: أثر الخلوق) واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨٥)، ومسلم في الحج (١١٨٠: ٦) كلاهما من حديث همام، حدثنا عطاء بن أبي رباح، قال: أخبرني صفوان بن يعلى فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه.
وقوله: "غطيط" هو كصوت النائم.
وقوله: "كغطيط البكر" أي: الفتي من الإبل.
• عن عبادة بن الصّامت قال: كان نبي اللَّه ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي كُرب لذلك، وتربَّد وجهُه.
وفي رواية: كان النبيّ ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي نكس رأسَه، ونكس أصحابُه رؤوسهم. فلما أُتْلي عنه رفع رأسَه.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٤) من طريقين عن قتادة، عن الحسن، عن حطّان بن عبد اللَّه، عن عبادة بن الصّامت، فذكره.
٥ - باب ما جاء في ثقل الوحي
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [سورة المزمل: ٥].
• عن عائشة في حديث الإفك الطّويل قالت: واللَّه يعلمُ أني بريئةٌ، وأنّ اللَّه مبرِّئي ببراءتي، ولكن واللَّهِ ما كنتُ أظنُّ أنّ اللَّه منزلٌ في شأني وحْيًا يُتلى لشأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلّم اللَّهُ فيَّ بأمْرٍ، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسولُ اللَّه ﷺ في النّوم رؤيا يبرئني اللَّه بها، فواللَّهِ ما رام رسولُ اللَّه ﷺ مجلسَه ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء حتى إنّه ليتحدَّرُ منه من العرق مثل الجمان، وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٤١)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزّبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عائشة، فذكرته في قصة الإفك.
• عن زيد بن ثابت قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ أملى عليَّ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ
стр. 110
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: فجاءه ابنُ أمِّ مكتوم وهو يملُّها عليَّ فقال: يا رسول اللَّه، لو أستطيعُ الجهاد لجاهدتُ -وكان رجلًا أعمى-، فأنزل اللَّه ﵎ على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلتْ عليَّ حتى خفتُ أن ترضَّ فخذي، ثم سُرِّي عنه فأنزل اللَّهُ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [سورة النساء: ٩٥].
صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٣٢)، وفي التفسير (٤٥٩٢) من طريقين عن إبراهيم بن سعد الزّهريّ، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد السّاعديّ، أنّه قال: رأيتُ مروان بن الحكم جالسًا في المسجد، فأقبلتُ حتى جلستُ إلى جنبه، فأخبرنا أنّ زيد ابن ثابت أخبره، فذكره.
• عن عُبادة بن الصّامت قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابُه رؤوسهم، فلما أُتلي عنه رفع رأسه.
وفي رواية: إذا أنزل عليه الوحي كرُب لذلك وتربّد وجهُه.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٥) من طريقين عن قتادة، عن الحسن، عن حطّان بن عبد اللَّه الرّقاشيّ، عن عبادة بن الصّامت، فذكر الحديث.
• عن عائشة قالت: إن كان ليُوحي إلى رسول اللَّه ﷺ وهو على راحلته، فتضرب بجرانها.
حسن: رواه أحمد (٢٤٦٨) عن سليمان بن داود، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
وعبد الرحمن هو: ابن أبي الزّناد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في المتابعات والشّواهد.
ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٥٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزّناد، بلفظ: فتضرب على جرانها من ثقل ما يُوحى إلى رسول اللَّه ﷺ ، وإن كان جبينُه ليطف بالعرق في اليوم الشاتي إذا أوحى اللَّهُ إليه.
وصحّحه الحاكم (٢/ ٥٠٥) بعد أن رواه من طريق معمر عن هشام وزاد: "فلم تستطع أن تتحرك، وتلك قول اللَّه : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [سورة المزمل: ٥].
وهذه متابعة قوية لعبد الرحمن بن أبي الزّناد.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٢٥٧): "رواه أحمد ورجاله رجال الصّحيح".
قلت: وهو كما قال؛ فإن عبد الرحمن بن أبي الزّناد أخرج له البخاريّ في التعليقات ومسلم في صحيحه، ولا يضر ما رُوي عن معمر، عن هشام، عن أبيه مرسلًا بدون ذكر عائشة، فمن وصله