← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: "من القوم؟ -أو من الوفد؟ -" قالوا: ربيعة. قال: "مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى". فقالوا: يا رسول اللَّه، إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشّهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مُضر، فُمرْنا بأمر فَصْل نُخْبر به مَنْ وراءَنا، وندخل به الجنّة. وسألوه عن الأشرية، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم: بالإيمان باللَّه وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان باللَّه وحده؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "شهادةُ أن لا إله إلا اللَّه، وأنّ محمدًا رسولُ اللَّه، وإقامُ الصّلاة، وإيتاءُ الزّكاة، وصيامُ رمضان، وأنْ تُعطوا من المغنم الخمس". ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدُّباء والنّقير، والمزفّت، وربما قال: المقير، وقال: "احفظوهن وأخبروا بهنّ من وراءكم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٣)، ومسلم في الإيمان (١٧) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي جمرة، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه. وزاد مسلمٌ في رواية قرّة بن خالد، عن أبي جمرة: وقال رسول اللَّه ﷺ للأشجّ -أشجّ عبد القيس-: "إن فيك خصلتين يحبُّهما اللَّه: الحِلمُ والأناةُ". قوله: "والمقير" هو المزقّت، وهو المطلي بالقار -وهو الزّفت-، وقيل: الزفت نوع من القار. والمقصود من النهي عن هذه الأربع هو أنه نهى عن الانتباذ فيها، وإنّما خُصّت هذه بالنهي لأنه يسرع إليها الإسكار فيها فيصير حرامًا. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: إنّ أناسا من عبد القيس قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا نبيَّ اللَّه، إنّا حيٌّ من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرْنا بأمر نأْمُرُ به مَنْ وَراءَنا وندخل به الجنّة، إذا نحن أخذنا به فقال رسول اللَّه ﷺ : "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، وصُوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم، وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبّاء، والحَنْتَم، والمزفَّت والنّقِير". قالوا: يا نبي اللَّه، ما علمُك بالنّقير؟ قال: "بلي جِذعٌ تنقرونه فتقذفون فيه من القُطَيْعاء -قال سعيدٌ: أو قال من التمر-، ثم تصبُّون فيه من الماء، حتى إذا سكن غلَيانُه شربتموه، حتى إنّ أحدكم -أو إنَّ أحدهم- ليضربُ ابنَ عمِّه بالسّيف" قال: وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال: وكنتُ أَخْبأُها حياءً من رسول اللَّه ﷺ . فقلتُ: ففيم نشرب يا رسول اللَّه؟ قال: "في أَسْقِية الأَدَم التي يُلاثُ على أفواهها". قالوا: يا رسول اللَّه،

стр. 142

إنّ أرضنا كثيرةُ الجِرْذان، ولا تبقى بها أسقية الأَدَم. فقال نبيُّ اللَّه ﷺ : "وإن أكلتها الجرذانُ، وإن أكلتها الجرذانُ، وإن أكلتها الجرذان" قال: وقال نبيُّ اللَّه ﷺ لأشج عبد القيس: "إنّ فيك لخصلتين يحبُّهما اللَّه الحِلْم والأَنَاة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨) عن يحيى بن أيوب، حدثنا ابنُ عليّة، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدّثنا من لقي الوفدَ الذين قدموا على رسول اللَّه ﷺ من عبد القيس. قال سعيد (ابن أبي عروبة): وذكر قتادة أبا نضرة، عن أبي سعيد في حديثه هذا: "أنّ ناسًا من عبد القيس" فذكره. ورواه من وجه آخر عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، قال: حدثني غيرُ واحد لقي ذاك الوفد. وذكر أبا نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه ﷺ بمثل حديث ابن عليّة، غير أنّ فيه: "وتَذيفُون فيه من القُطَيْعاء أو التمر والماء" ولم يقل: "قال سعيد: أو قال: من التمر". ورواه من طريق أبي عاصم وعبد الرزّاق، قال عبد الرزّاق: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، أنّ أبا نضرة أخبره وحسنًا أخبرهما، أنّ أبا سعيد الخدريّ أخبره: أنّ وفد عبد القيس لما أتوا نبي اللَّه ﷺ قالوا: يا نبيّ اللَّه، جعلنا اللَّه فداءك، ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ فقال: "لا تشرَبوا في النّقير". قالوا: يا نبي اللَّه، جعلنا اللَّه فداءك، أو تدري ما النّقير؟ قال: نعم الجِذْع يُنقرُ وسطه، ولا في الدّبّاء، ولا في الحنتمة، وعليكم بالموكَى". وقوله: "إنّ أبا نضرة وحسنًا أخبرهما" قال ابن الصّلاح في صيانة صحيح مسلم (ص ١٥٩ - ١٦١): "إحدى المعضلات، ولا عضال ذلك وقع فيه تغييرات من جماعة واهمة، فمن ذلك: رواية أبي نعيم الأصبهاني الحافظ في مستخرجه على كتاب مسلم بإسناده: أخبرني أبو فزعة، أنّ أبا نضرةَ وحسنًا أخبرهما أنّ أبا سعيد الخدريّ، وهذا يلزم منه أن يكون أبو قزعة هو الذي أخبر أبا نضرة وحسنًا عن أبي سعيد، فيكون أبو قزعة هو الذي سمع من أبي سعيد ذلك. وذلك منتفٍ، واللَّه أعلم. ومن ذلك: أنّ أبا عليّ الغسّاني صاحب "تقييد المهمل" ردّ رواية مسلم هذه، وقلّده في ذلك صاحب "المُعِلمِ"، ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد، مع أنه لا يسمّيه ولا ينصفه، وصوّبهما في ذلك القاضي أبو الفضل عياض بن موسى، فقال أبو عليّ: الصّواب في الإسناد عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، أن أبا نضرةً وحسنًا أخبراه، أنّ أبا سعيد أخبره. وذكر أنه إنما قال: "أخبره" ولم يقل: "أخبرهما"؛ لأنّه ردّ الضّمير إلى أبي نضرة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال، فإنّه لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ ولم يلْقَه، وذكر أنّه بهذا اللّفظ الذي ذكره خرّجه أبو عليّ بن السّكن في "مصنّفه" بإسناده قال: وأظنُّ هذا من إصلاح ابن السَّكن.

стр. 143

وذكر الغسّاني أيضًا: أنه رواه كذلك أبو بكر البزّار في "مسنده الكبير" بإسناده وحكى عنه، وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ: أنّهما ذكرا أنّ حسنًا هذا هو الحسن البصريّ. وليس الأمر في ذلك على ما ذكروه، بل ما أورده مسلمٌ في هذا الإسناد هو الصواب، وكما أورده رواه أحمد بن حنبل، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج. وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ، وألّف في ذلك كتابًا لطيفًا تبجّح فيه بإجادته وإصابته، مع وهم غير واحد من الحفّاظ فيه. فذكر: أنّ حسنًا هذا هو الحسن بن مسلمٌ بن ينّاق الذي روى عنه ابن جريج غير هذا الحديث، وأن معنى هذا الكلام: أنّ أبا نضرة أخبر بهذا الحديث أبا قزعة وحسن بن مسلم كليهما، ثم أكّد ذلك بأن أعاد فقال: أخبرهما أن أبا سعيد أخبره -يعني أبو سعيد أبا نضرة- وهذا كما تقول: إن زيدًا جاءني وعمرًا جاءاني فقالا: كذا وكذا. وهذا من فصيح الكلام، واحتجّ على أنّ حسنًا فيه هو الحسن بن مسلم: بأنّ سلمة بن شبيب وهو ثقة، رواه عن عبد الرزّاق، وعن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قزعة، أنّ أبا نضرة أخبره، وحسن بن مسلم أخبرهما، أنّ أبا سعيد أخبره. الحديث. رواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه "المخرّج على صحيح مسلم". وقد أسقط أبو مسعود الدمشقي وغيره، ذكر حسن أصلًا من الإسناد؛ لأنّه مع إشكاله لا مدخل له في رواية الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو علي الغسّاني في كتابه "تقييد المهمل" في ذلك، وبيّن بطلانه، وبطلان رواية من غيّر الضمير في قوله: "أخبرهما" وعبر ذلك من تغيير، ولقد أجاد وأحسن، واللَّه أعلم، انتهى كلام ابن الصّلاح. ونقل هذا الكلام النووي في شرح مسلم وأقرّه. قوله: "أشج عبد القيس" اسمه منذر بن عائذ كما قال الترمذي، وهو المنذر بن عائذ بن المنذر ابن الحارث القصري -بمفتوحتين- صحابي نزل البصرة ومات بها. • عن جابر بن عبد اللَّه، قال: أتى النّبيَّ ﷺ النعمانُ بن قوقل، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إذا صليتُ المكتوبة، وحرّمتُ الحرام، وأحللْتُ الحلال، أأدخلُ الجنّة؟ فقال النبيُّ ﷺ : "نعم". وفي رواية: "صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك، أأدخلُ الجنة؟ قال: "نعم" قال: واللَّه لا أزيد على ذلك شيئًا".

стр. 144

صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥) من طرق عن جابر، به. • عن معاذ بن جبل، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحتُ يوما قريبا منه ونحن نسيرُ، فقلت: يا رسولَ اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار. قال: "لقد سألتني عن عظيم، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره اللَّه عليه؛ تعبد اللَّه ولا تشركُ به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتُؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت". ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصّومُ جُنّة، والصّدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النّارَ، وصلاةُ الرّجل من جوف الليل" قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [سورة السجدة: ١٦ - ١٧]، ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر كلّه وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصّلاة، وذروة سنامه الجهاد". ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا نبي اللَّه، فأخذه بلسانه قال: "كفّ عليك هذا" فقلت: يا نبي اللَّه، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمُّك يا معاذ! وهل يكبُّ الناس في النار على وُجُوههم -أو على مناخرهم- إلّا حصائدُ ألسنتهم؟ ! ". حسن: رواه الترمذي (٢٦١٦) واللّفظ له، وابن ماجه (٣٩٧٣) كلاهما عن محمد بن أبي عمر العدنيّ، حدثنا عبد اللَّه بن معاذ الصنعانيّ، عن معمر، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، فذكر الحديث. قال الترمذي: "حسن صحيح". ورواه عبد الرزّاق في مصنفه (٢٠٣٠٣)، وعنه الإمام أحمد (٢٢٠١٦). وإسناده حسن لأجل الكلام في عاصم بن أبي النّجود، غير أنه حسن الحديث. وأبو وائل شقيق بن سلمة، ولد في السنة الأولى من الهجرة، ولكن لم تثبت صحبتُه، روى عن جماعة من الصّحابة منهم معاذ بن جبل، وكان من أعلم أهل الكوفة بحديث عبد اللَّه بن مسعود توفي سنة (٨٢ هـ) روايته عن أبي بكر مرسلة، وشك الناس في سماعه من عائشة وأبي الدرداء غير أنّه لم يعرف بالتدليس. وهذا الإسناد هو من أجود ما روي به هذا الحديث، وللحديث أسانيد أخرى سيأتي بعضها في كتاب الجهاد. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا. أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السّلام بينكم". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، ووكيع،

стр. 145

عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وفي رواية جرير عن الأعمش: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا" بمثل حديث أبي معاوية ووكيع. • عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إني إذا رأيتُك طابتْ نفسي، وقرَّتْ عيني، فأنبئني عن كلّ شيء، فقال: "كلُّ شيء خلق من ماء". قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا أخذتُ به دخلتُ الجنّة، قال: "أفْشِ السّلام، وأطعم الطّعام، وصِل الأرحام، وقُمْ باللّيل والناس نيام، ثم ادخل الجنّة بسلام". صحيح: رواه الإمام أحمد (٧٩٣٢)، وصحّحه ابن حبان (٥٠٨)، والحاكم (٤/ ١٦٠) كلهم من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي ميمون، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده صحيح، ورجاله رجال الشيخين غير أبي ميمونة، وهو الفارسيّ المدنيّ الأبار، وثّقه النسائيّ والعجليّ وغيرهما، وهو من رجال السنن. وأورده الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٦) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا أبا ميمونة وهو ثقة". • عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه: "اعبدوا الرحمن، وأفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام تدخلون الجنان". صحيح: رواه الترمذيّ (١٨٥٥) من طريق أبي الأحوص-، وابن ماجه (٣٦٩٤) من طريق محمد ابن فضيل-، والإمام أحمد (٦٥٨٧) من طريقين أبي عوانة وعبد الرزاق - وابن حبان في صحيحه (٤٨٩، ٥٠٧) من طريق جرير بن عبد الحميد-، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٥٥) من طريق زائدة ابن قدامة - كلّهم عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو. . . فذكر الحديث. وإسناده صحيح، وعطاء بن السائب ثقة، وثّقه الأئمة إلا أنه اختلط في آخره، ولكن رواية زائدة ابن قدامة كانت قبل اختلاطه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". • عن عبد اللَّه بن سلام، قال: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ يعني المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسولُ اللَّه ﷺ فجئتُ في الناس أنظر إليه، فلما اسْتثبتُ وجهَ رسول اللَّه ﷺ عرفتُ أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب، وكان أوّل شيء تكلّم به أن قال: "يا أيُّها الناس، أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلّوا والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام". صحيح: رواه الترمذيّ (١٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٣)، (٤/ ١٥٩ - ١٦٠) كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة، حدثنا زرارة ابن أبي أوفي، عن عبد اللَّه بن سلام،

стр. 146

فذكر الحديث. قال الترمذي: "حديث صحيح". وقال الحاكم في الموضع الأول: "صحيح على شرط الشيخين"، وقال في الموضع الثاني: "صحيح الإسناد". قلت: وهو كما قالوا، وسيأتي في قيام اللّيل. • عن هانئ بن يزيد، أنه لما وفد إلى النبيّ ﷺ مع قومه، فسمعهم النبيُّ ﷺ وهم يُكنّونه بأبي الحكم، فدعاه النبيّ فقال: إنّ اللَّه هو الحكم، وإليه الحُكم، فلِمَ تكنيتَ بأبي الحكم؟ " قال: لا، ولكنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرضيَ كلا الفريقين. قال: "ما أحسن هذا! ". ثم قال: ما لك من الولد؟ ". قلتُ: لي شريحٌ، وعبد اللَّه، ومسلمٌ بنو هانئ. قال: "فمن أكبرهم؟ ". قلت: شريح. قال: "فأنت أبو شريح"، ودعا له ولولده. وسمع النبيُّ ﷺ قومًا يسمُّون رجلًا منهم: عبد الحجر، فقال النبيُّ ﷺ : "ما اسمُك؟ " قال: عبد الحجر. قال: "لا، أنت عبد اللَّه" قال شريح: وإنّ هانئًا لما حضر رجوعُه إلى بلاده أتى النّبيَّ ﷺ فقال: أخبرني بأيّ شيء يُوجب لي الجنة؟ قال: "عليك بحسن الكلام، وبذل الطّعام". حسن: رواه البخاريّ في الأدب المفرد (٨١١)، وابن حبان (٥٠٤)، وأبو داود (٤٩٥٥)، وابن حبان (٤٩٠)، والحاكم (١/ ٢٣)، والطبرانيّ في الكبير (٢٢/ ١٨٠) كلّهم من طرق عن يزيد ابن المقدام بن شريح، عن أبيه المقدام، عن أبيه شريح، عن أبيه هانئ بن يزيد، فذكره. واللفظ للبخاري وابن حبان في الموضع الأول، والآخرون اختصروه. وإسناده حسن من أجل يزيد بن المقدام فإنه "صدوق". وصحّحه الحاكم. ٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة لا ينفع في الآخرة قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات: ١٤]. فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: ١٩]. • عن سعد بن أبي وقاص: أنّ رسول اللَّه ﷺ أعطى رهطًا -وسعدٌ جالسٌ- فترك رسولُ اللَّه ﷺ رجلًا هو أعجبُهم إليَّ. فقلت: يا رسول اللَّه، مالك عن فلان؟ فواللَّه إنّي لأراهُ مؤمنًا. فقال: "أو مسلمًا" فسكتُ قليلًا، ثم غلبني ما أعلمُ منه فعدتُ لمقالتي فقلت: مالك عن فلان؟ فواللَّهِ إنّي لأراه مؤمنًا. فقال: "أو مسلمًا".

стр. 147

ثم غلبني ما أعلمُ منه فعدتُ لمقالتي، وعاد رسولُ اللَّه ﷺ . ثم قال: "يا سعد، إنّي لأعطي الرّجلَ وغيرُه أحبُّ إليّ منه، خشية أن يكبَّه اللَّهُ في النّار". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٢٧)، ومسلم في الإيمان (١٥٠) كلاهما من حديث الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد. . . فذكر مثله. قال الزّهريّ: "نرى أنّ الإسلام الكلمة، والإيمان العمل" ذكره ابن حبان في صحيحه (١٦٣). والإسلام إذا أطلق إطلاقًا حقيقيًّا شرعيًّا فيرادف الإيمان، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: ١٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [سورة آل عمران: ٨٥]. وإذا أطلق إطلاقًا لغويًّا فيرادف الانقياد والاستسلام أي خوفًا من السّيف، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات: ١٤]. وفيه ردٌّ على غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان. وفيه ترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم ينص عليه، وأما منع القطع بالجنّة فلا يؤخذ من هذا صريحًا. انظر للمزيد "فتح الباري" (١/ ٧٩). وفي الباب ما روي عن أنس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب" قال: ثم يشير إلى صدره ثلاث مرات. قال: ثم يقول: "التقوى هاهنا، التقوى هاهنا". رواه الإمام أحمد (١٢٣٨١)، وأبو يعلى (٢٩٢٣)، والبزار -كشف الأستار (٢٠) - كلهم من طريق علي بن مسعدة، حدثنا قتادة، عن أنس. . . فذكر مثله. قال البزار: تفرد به علي بن مسعدة. قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٥٢): رواه أحمد، وأبو يعلى بتمامه، والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين، وضعفه آخرون". • قلت: ضعّفه البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، والعقيليّ، وابن عدي، وغيرهم. ولم أجده في النسخة المطبوعة من الثقات لابن حبان، ولم ينسبه إليه الحافظ ابن حجر في التهذيب، بل ذكره ابن حبان في المجروحين (٦٨٤) وقال: "كان ممن يخطئ على قلة روايته، وينفرد بما لا يتابع عليه، فاستحق ترك الاحتجاج به لِما لا يوافق الثقات من الأخبار" ثم أورد الحديث المذكور. فلعل الحافظ الهيثمي ﵀ التبس عليه برجل بآخر؛ والحاصل أنه ضعيف. وأما قوله: "التقوى ههنا" فهو ثابت في حديث آخر رواه أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضُكم على بيع بعض، وكونوا

стр. 148

عباد اللَّه إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذُلُه ولا يحقره، التقوى ههنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات". ثم ذكر بقية الأحاديث. رواه مسلم في كتاب البر والصلة (٢٥٦٤)، وسيأتي في موضعه كاملًا. ١٠ - باب من مات على التوحيد دخل الجنة • عن عبادة بن الصامت، عن النبيّ ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنّ عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنّة حقّ، والنّار حقّ، أدخله اللَّه الجنّة على ما كان من العمل". متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٣٥) عن صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، قال: حدثني عمير بن هانئ، قال: حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة. . . فذكره. ورواه مسلم في الإيمان (٢٨) من وجه آخر عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، قال: حدثني عمير بن هانئ بإسناده، وزاد: "وأدخله اللَّه من أي أبواب الجنة الثمانية شاء". وقد أشار البخاريّ إلى هذه الرواية وفيه: قال الوليد: حدثني ابن جابر. وفي بقية الإسناد عنعن فيه. ورواه مسلم من وجه آخر عن الصُّنابحيّ، عن عبادة بن الصّامت أنه قال: دخلتُ عليه وهو في الموت، فبكيتُ فقال: مهلا لا تبكي! فواللَّه لئن استشهدتُ لأشهدنّ لك، ولئن شُفِّعتُ لأشفنّ لك، ولئن أستطعتُ لأنفعنَّك ثم قال: واللَّه ما من حديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ لكم فيه خير إلّا حدّثتكموه إلا حديثًا واحدًا. وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي. سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنّ محمدًا رسول اللَّه، حرّم عليه النار". • عن معاذ بن جبل قال: بينا أنا رديفُ النبيّ ﷺ ليس بيني وبينه إلّا آخرة الرّحل فقال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك. ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك. قال: "هل تدري ما حقّ اللَّه على عباده؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "حقّ اللَّه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا". ثم سار ساعةً، ثم قال: "يا معاذ بن جبل". قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك، فقال: "هل تدري ما حقّ العباد على اللَّه إذا فعلوا؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "حقّ العباد على اللَّه أن لا يعذّبهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٥٩٦٧)، وفي الرقاق (٦٥٠٠)، ومسلم في الإيمان (٣٠)

стр. 149

كلاهما عن هدّاب بن خالد الأزديّ، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل، فذكره، ولفظهما سواء. • عن معاذ بن جبل قال: كنتُ رِدْف النبيّ ﷺ على حمار يقال له: عُفَيْر. قال: فقال: "يا معاذ، هل تدري حقّ اللَّه على عباده، وما حقُّ العباد على اللَّه؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإن حقّ اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على اللَّه أن لا يعذِّب من لا يشرك به شيئًا" فقلت: يا رسول اللَّه، أفلا أبشِّر به الناس؟ قال: "لا تبشّرهم فيتكلوا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٥٦)، ومسلم في الإيمان (٣٠/ ٤٩) كلاهما من حديث أبي الأحوص سلام بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل، فذكره، ولفظهما سواء. • عن أنس بن مالك، أنّ نبيَّ اللَّه ﷺ ومعاذُ بن جبل رديفُه على الرّحل- قال: "يا معاذ" قال: لبيك رسول اللَّه وسعديك. قال: "يا معاذ" قال: لبيك رسول اللَّه وسعديك. قال: "يا معاذ" قال: لبيك رسولَ اللَّه وسعديك. قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه إلا حرَّمه اللَّه على النّار". قال: يا رسول اللَّه، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: "إذا يتكلوا". فأخبر بها معاذ عند موته تأثّمًا". متفق عليه: رواه البخاري في العلم (١٢٨)، ومسلم في الإيمان (٣٢) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك. . . فذكره. ورواه البخاريّ (١٢٩) من وجه آخر عن أنس قال: ذُكر لي أنّ النبيّ ﷺ قال لمعاذ: "من لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة" قال: ألا أبشّر النّاسَ؟ قال: "لا إني أخاف أن يتكلوا". وهذه الطّريقة تدل على أن أنسًا لم يحضر عند موت معاذٍ بالشّام لما حدّث به؛ لأنّه كان بالمدينة. يقول الحافظ: "ولم يسمِ أنس من ذكر له ذلك في جميع ما وقفت عليه من الطرق، وكذلك جابر بن عبد اللَّه عند أحمد؛ لأنّ معاذًا إنّما حدّث به عند موته بالشّام، وجابر وأنس إذ ذاك بالمدينة، فلم يشهداه. وقد حضر ذلك مِن معاذ عمرو بن ميمون الأوديّ أحد المخضرمين. ورواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن سمرة الصحابي المشهور أنه سمع ذلك من معاذ أيضًا، فيحتمل أن يُفسَّر المبهم بأحدهما". انظر: الفتح (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨). قلت: وقد ثبت في صحيح مسلم أن الأسود بن هلال ممن صرّح بالسّماع من معاذ بن جبل،

стр. 150

والأسود هذا من المخضرمين من أهل الكوفة فهو أيضًا أحد ممن حضر موتَ معاذ وسمع منه هذا الحديث. • عن هصّان بن الكاهن قال: جلستُ مجلسًا فيه عبد الرحمن بن سمرة ولا أعرفه، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما على الأرض نفس تموت لا تشرك باللَّه شيئًا تشهد أني رسول اللَّه ﷺ يرجع ذاكم إلى قلب مُوقن إلا غُفر لها" قال: قلت: أنتَ سمعت هذا من معاذ بن جبل؟ قال: فعنّفني القوم. فقال: دَعوه فإنه لم يسئْ القولَ، نعم أنا سمعتُه من معاذ، زعم أنه سمعه من رسول اللَّه ﷺ . حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٠٠٠)، والبزار في مسنده (٢٦٢٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١١٣٨) كلهم من حديث محمد بن أبي عدي، عن الحجّاج -يعني ابن أبي عثمان-، حدثني حميد بن هلال، حدثنا هِصَّان بن الكاهل، فذكره. وصحّحه ابن حبان (٢٠٣) ورواه من هذا الوجه. وهصّان بن الكاهل -ويقال: ابن الكاهن- ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم أقف على توثيق أحد غيره، فهو "مقبول" عند الحافظ أي إذا توبع، وقد توبع متابعة قاصرة لما سبق، فهو حسن الحديث إذًا. • عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بعد ما مسّهم منها سَفْعٌ فيدخلون الجنة، فيسميهم أهلُ الجنة الجهنميين". صحيح: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٥٩) عن هُدبة بن خالد، حدثنا همام، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، فذكره. • عن أنس بن مالك، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يخرج من النار أربعة، فيعرضون على اللَّه، فيلتفتُ أحدهم فيقول: أي ربّ إذا أخرجتني منها فلا تُعدني فيها، فينجيه اللَّه منها". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٢) عن هدّاب بن خالد الأزديّ، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران وثابت، عن أنس بن مالك. . . فذكره. وهؤلاء الأربعة هم الذين تشملهم شفاعة النبيّ ﷺ كما جاء في حديث الشّفاعة. • عن عتبان بن مالك قال: بعثتُ إلى رسول اللَّه ﷺ أني أحبُّ أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلّي، قال: فأتى النّبيُّ ﷺ ومن شاء اللَّه من أصحابه فدخل وهو

стр. 151

يصلي في منزلي، وأصحابه يتحدّثون بينهم ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دُخْشُم قالوا: ودُّوا أنه دعا عليه فهلك، وودُّوا أنه أصابه شرٌّ، فقضى رسول اللَّه ﷺ الصّلاة، وقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه؟ " قالوا: إنّه يقول ذلك وما هو في قلبه! قال: "لا يشهد أحدٌ أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه فيدخل النّار أو تطعمه". متفق عليه: رواه مسلم في الإيمان (٣٣) عن شيبان بن فرّوخ، حدّثنا سليمان -يعني ابن المغيرة-، قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، قال: حدثني محمود بن الرّبيع، عن عتبان بن مالك، قال: قدمت المدينة فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك؟ قال: أصابني في بصري بعض الشيء فبعثت. فذكر الحديث. قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه. ورواه أيضًا من وجه آخر عن حماد قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: حدثني عِتْبان بن مالك أنه عمي، فأرسل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: تعالَ فخط لي مسجدًا، فجاء رسولُ اللَّه ﷺ : وجاء قومُه، ونُعت رجل فيهم يقال له: مالك بن الدخشم ثم ذكر نحو حديث سليمان بن المغيرة. انتهى. ورواه البخاريّ في الصلاة (٤٣٥) من وجه آخر عن عُقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاريّ، عن عتبان بن مالك، فذكر الحديث نحوه. وفيه: قال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخيشن -أو ابن الدُّخْشن- فقال بعضهم: ذاك منافق لا يحبُّ اللَّه ورسولَه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقلْ ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلا اللَّه يريد بذلك وجه اللَّه؟ ". قال: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإنّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول اللَّه ﷺ : "فإن اللَّه قد حرّم على النار من قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه". قال ابن شهاب: ثم سألتُ الحصين بن محمد الأنصاريّ -وهو أحد بني سالم، وهو من سراتهم- عن حديث محمود بن الرّبيع، فصدّقه بذلك. انتهى. ورواه مسلم في المساجد (٣٣: ٢٦٣) من طريق يونس، عن ابن شهاب به نحوه، وفيه بعض الزيادات في أصل القصة، وأما الجزء المرفوع فهو سواء. وقوله: "مالك بن الدُّخيشن أو ابن الدّخشن" الشّك من الرّاوي هل هو مصغر أو مكبّر. وفي رواية: "ابن الدّخشم". وقوله: "وهو من سَراتهم" بفتح المهملة أي: خيارهم، وهو جمع سري، قال أبو عبيد: هو المرتفع القدر من سرو الرجل يسرو إذا كان رفيع القدر، وأصله من السراة: وهو أرفع المواضع من ظهر الدابة، وقيل: هو رأسها. فتح الباري (١/ ٥٢٢). • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "حتى إذا فرغ اللَّه من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا

стр. 152

اللَّه، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرّم اللَّه على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السّجود، فيخرجونهم قد امتحشوا فيصبُّ عليهم ماء يقال له: ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل". متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٤٣٧)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي هريرة، فذكر الحديث في سياق طويل. • عن أبي هريرة قال: كنا قُعودًا حول رسول اللَّه ﷺ معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول اللَّه ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يُقتطع دوننا وفزِعنا فقمنا. فكنت أوّلَ من فزع، فخرجت أبتغي رسول اللَّه ﷺ حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النّجار فَدُرْتُ به هل أجد له بابًا، فلم أجدْ فإذا ربيعٌ يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والربيع: الجدول) فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أبو هريرة؟ ": فقلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: "ما شأنُك؟ ". قلت: كنتَ بين أظهرنا فقمتَ فأبطأتَ علينا فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا فكنت أوّلَ من فزع، فأتيتُ هذا الحائطَ فاحتفزت كما يحتفز الثّعلبُ وهؤلاء الناس ورائي. فقال: "يا أبا هريرة" وأعطاني نعليه قال: "اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا اللَّه مستقينا بها قلبُه فبشّرْه بالجنة". فكان أولَ من لقيتُ عمرَ. فقال: ما هاتان النّعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول اللَّه ﷺ بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا اللَّه مستيقنًا بها قلبه بشّرته بالجنة. فضرب عمر بيده بين ثدييّ فخررتُ لإسْتِي فقال: ارجعْ يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول اللَّه ﷺ فأجهشتُ بكاءً ورَكبني عمرُ فإذا هو على أثري. فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "ما لك يا أبا هريرة؟ ". قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعتني به فضرب بين ثديي ضربة خررتُ لإسْتي. قال: ارجع فقال له رسول اللَّه ﷺ : "يا عمر ما حملك على ما فعلتَ؟ " قال: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي! أبعثتَ أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أن لا إله إلا اللَّه مستيقنا بها قلبُه بشَّرَه بالجنة؟ قال: "نعم". قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلِّهم يعملون. قال رسول اللَّه ﷺ : "فخلِّهم". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٣١) عن زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا

стр. 153

عكرمة بن عمّار، قال: حدثني أبو كثير، قال: حدثني أبو هريرة، فذكر الحديث. • عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي ﷺ في مسير، قال: فنفدتْ أزوادُ القوم، قال: حتى هَمَّ بنحر بعض حمائلهم. قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوتَ اللَّه عليها؟ . قال: ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره. -قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواه. قلت: وما كانوا يصنعون بالنّوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء- قال: فدعا عليها حتى ملأ القوم أَزْودتَهم. قال: فقال عند ذلك: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاكّ فيهما إلا دخل الجنة". وفي رواية: لما كان غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ. قالوا: يا رسول اللَّه، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنّا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : افعلوا". قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول اللَّه إن فعلتَ قلّ الظّهرُ ولكن ادعُهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة، لعلّ اللَّه أن يجعل في ذلك. فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم". قال: فدعا بنِطَعٍ فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرّجل يجيء بكف ذرّة. قال: ويجيء الآخر بكف تمرٍ. قال: ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النِّطَع من ذلك شيءٌ يسيرٌ. قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ عليه بالبركة ثم قال: "خذوا في أوعيتكم". قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملأوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلتْ فضلةٌ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك فيحجَبَ عن الجنة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٧) عن أبي بكر بن النّضر بن أبي النّضر، قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد اللَّه الأشجعيّ، عن مالك بن مِغْول، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. والرواية الثانية عند مسلم أيضًا من وجه آخر عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو أبي سعيد (الشّك من الأعمش)، فذكر الحديث. • عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال النبي ﷺ : "إني لأعلم آخرَ أهل النار خروجًا منها، وآخرَ أهل الجنة دخولًا. رجلٌ يخرج من النار كُبْوًا، فيقول اللَّه: اذهب فادخل الجنّة، فيأتيها فيخيّل إليه أنها ملأى. فيرجع فيقول: يا ربّ وجدتُها ملأى! . فيقول: اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى. فيرجع فيقول: يا

стр. 154

ربّ وجدتها ملأى! . فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإنّ لك مثلَ الدّنيا وعشرةَ أمثالها -أو إنّ لك مثل عشرة أمثال الدّنيا- فيقول: أتسخرُ مني -أو تضحك مني- وأنت الملك! فلقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذُه. وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلةً". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٧١)، ومسلم في الإيمان (١٧٦) كلاهما عن عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره، ولفظهما سواء. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات يشرك باللَّه شيئًا دخل النار". وقلت أنا: "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٣٨) عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا شقيق، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. ورواه مسلم في الإيمان (٩٢) من وجه آخر عن وكيع وابن نمير، عن الأعمش، به، مثله. ولم تختلف الروايات في الصحيحين في أن المرفوع الوعيد، والموقوف الوعد، ومن قال: رواه مسلم من طريق وكيع وغيره بالعكس فقد وهم. وفي حديث ابن مسعود دليل على أنه أخذ بدليل الخطاب وهو أمر مختلف فيه عند الأصوليين. ولو علم ابنُ مسعود بحديث جابر الذي سيأتي بعده لم يحتج إلى ذلك. • عن أبي ذر، قال: خرجت ليلةً من الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده وليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحدٌ. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفتَ فرآني فقال: "مَنْ هذا؟ ". قلت: أبو ذر جعلني اللَّه فداءك. قال: "يا أبا ذر، تعالَ" قال: فمشيت معه ساعة، فقال: "إنّ المكثرين هم المقلُّون يوم القيامة، إلّا من أعطاه اللَّه خيرًا، فنفح فيه يمينَه وشمالَه، وبين يديه ووراءه، وعَمل فيه خيرًا". قال: فمشيتُ معه ساعة فقال لي: "اجلسْ ها هنا". قال: فأجلسني في قاع حوله حجارةٌ، فقال لي: "اجلس ها هنا حتى أرجع إليك". قال: فانطلق في الحرَّة حتى لا أراه، فلبثَ عني فأطال اللُّبْثَ، ثم إنّي سمعتُه وهو مقبلٌ وهو يقول: "وإن سرق وإن زنى". قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلتُ: يا نبي اللَّه جعلني اللَّه فداءك من تُكلِّمُ في جانب الحرَّةِ، ما سمعتُ أحدًا يرجعُ إليك شيئًا؟ قال: "ذلك جبريل ﵇ عرض لي في جانب الحرّة. قال: بشِّر أُمَّتَك أنه من

стр. 155

مات لا يشرك باللَّه شيئا دخل الجنة. قلت: يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٣)، ومسلم في الزكاة (٩٤) كلاهما من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، فذكره، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه. قال البخاري: قال النّضر: أخبرنا شعبة، وحدّثنا حبيب بن أبي ثابت، والأعمش وعبد العزيز ابن رفيع، حدثنا زيد بن وهب بهذا. قال أبو عبد اللَّه (البخاريّ): "حديث أبي صالح، عن أبي الدرداء مرسل لا يصح إنما أردنا للمعرفة، والصّحيح حديث أبي ذر". قيل لأبي عبد اللَّه: "حديث عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء؟ قال: مرسل أيضّا لا يصح. والصّحيح حديث أبي ذر، وقال: اضربوا على حديث أبي الدرداء هذا إذا مات قال: لا إله إلا اللَّه عند الموت". • عن زيد بن وهب قال: حدّثنا -واللَّهِ- أبو ذر بالرَّبذة قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرّة المدينة عشاءً، استقْبَلَنَا أحدٌ فقال: "يا أبا ذر، ما أحبُّ أنّ أُحُدًا لي ذهبًا يأتي عليَّ ليلةٌ أو ثلاثٌ عندي منه دينارٌ إلا أرصدُه لِدَيْن، إلّا أنْ أقولَ به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا" وأرانا بيده ثم قال: "يا أبا ذر" قلت: لبيك وسعديك يا رسول اللَّه، قال: "الأكثرون هم الأقلّون إلّا من قال هكذا وهكذا"، ثم قال لي: "مكانك لا تبرح يا أبا ذر حتى أرجع" فانطلق حتى غاب عني فسمعتُ صوتًا فخشيتُ أن يكون عُرِض لرسول اللَّه ﷺ ، فأردتُ أن أذهب ثم ذكرتُ قولَ رسول اللَّه ﷺ : "لا تبرح"، فمكثت. قلت: "يا رسول اللَّه سمعتُ صوتًا خشيتُ أن يكون عُرض لك، ثم ذكرت قولك، فقمت. فقال النبي ﷺ : "ذاك جبريل أتاني فأخبرني أنه من مات من أمتي لا يشرك باللَّه شيئا دخل الجنة". قلت: يا رسول اللَّه وإن زني وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاستئذان (٦٢٦٨)، ومسلم في الزكاة (٩٤) كلاهما من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، مثله، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه. وفي البخاريّ: "قلت لزيد: إنه بلغني أنه أبو الدّرداء؟ فقال: أشهد لَحدّثنيه أبو ذر بالرّبذة. قال الأعمش: وحدثني أبو صالح، عن أبي الدرداء نحوه". انتهى. إلّا أنّ البخاريّ يرى أنّ حديث أبي الدرداء مرسل، كما سبق. • عن أبي ذر، عن النبيّ ﷺ قال: "أتاني جبريلُ فبشّرني أنه من مات لا يشرك

стр. 156

باللَّه شيئًا دخل الجنة" قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: "وإن سرق وإن زنى". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٨٧)، ومسلم في الإيمان (٩٤) كلاهما عن محمد ابن بشار، حدثنا غُندر (محمد بن جعفر)، حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور بن سويد، قال: سمع أبا ذر يحدّث عن النبي ﷺ ، فذكر الحديث ولفظهما سواء. وعندهما -البخاريّ (٥٨٢٧)، ومسلم- من وجه آخر عن عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر حدّثه، أنّ أبا الأسود الديلي حدّثه، أن أبا ذر حدّثه قال: أتيتُ النّبيَّ ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته قد استيقظ فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلا اللَّه ثم مات على ذلك إلّا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق علي رغم أنف أبي ذر". وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال: "وإن رغم أنفُ أبي ذر". قال أبو عبد اللَّه (البخاريّ): "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا اللَّه، غُفر له". وقوله: "إذا تاب" يعني من الكفر. وقوله: "وندم" أي عن الذنوب والمعاصي. ومعنى الحديث: من مات على التوحيد وتاب عن الذنوب يدخل الجنة ابتداءً. ويقول الحافظ ابن حجر: "وأما من تلبّس بالذنوب المذكورة، ومات من غير توبة فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة اللَّه، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت: "ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى اللَّه تعالى إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه". وهذا المفسّر مقدم على المبهم، وكل منهما يرد على المبتدعة من الخوارج ومن المعتزلة الذين يدعون وجوب خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار" انتهى. ثم نقل ابن التين عن الداودي أن كلام البخاريّ خلاف ظاهر الحديث، فإنه لو كانت التوبة مشترطة لم يقل: "وإن زنى وإن سرق" قال: إنما المراد أنه يدخل الجنة إما ابتداء (أي وإن زنى وإن سرق)، وإما بعد ذلك" انتهى. وإلى هذا المعنى يشير ابن حبان في صحيحه (١/ ٤٤٦) وهو أن من لم يشرك باللَّه شيئًا، ومات دخل الجنة لا محالة وإن عُذِّب قبل دخوله إياها مدة معلومة. • عن عثمان بن عفّان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٦) من طرق عن إسماعيل ابن علية، عن خالد، قال: حدثني الوليد بن مسلم، عن حمران، عن عثمان. . . فذكره. • عن عثمان بن عفّان قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنّي لأعلمُ كلمةً لا

стр. 157

يقولها عبد حقًّا من قلبه، إلا حرَّم على النَّار". فقال له عمر بن الخطاب: أنا أحدّثك ما هي؟ هي كلمة الإخلاص التي ألزمها اللَّه ﵎ محمدًا وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليها نبيُّ اللَّه ﷺ عمَّه أبا طالب عند الموت: شهادة أن لا إله إلا اللَّه. حسن: رواه الإمام أحمد (٤٤٧)، وصحّحه ابن حبان (٢٠٤)، والحاكم (١/ ٣٥١) كلهم من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن حُمران بن أبان، أنّ عثمان بن عفّان، قال (فذكر الحديث)، واللّفظ لأحمد. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: إسناده حسن من أجل عبد الوهاب بن عطاء الخفاف؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وسعيد هو ابن أبي عروبة اختلط إلّا أنّ عبد الوهاب بن عطاء سمع منه قبل الاختلاط، وسعيد ابن أبي عروبة يعتبر من أوثق الناس في قتادة. • عن جابر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يخرجُ من النار بالشّفاعة كأنهم الثعارير". قلت: ما الشعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمه، فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد سمعتَ جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "يخرج بالشفاعة من النار"؟ قال: نعم. متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٥٨)، ومسلم في الإيمان (١٩١/ ٣١٨) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر، فذكر مثله، واللفظ للبخاريّ، وأما مسلم فلم يذكر الجزء الأول من الحديث. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعتُ النّبيّ ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يخرجُ ناسًا من النّار فيدخلهم الجنة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩١: ٣١٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع جابرًا يقول (فذكر الحديث). • عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلّا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩١: ٣١٩) عن حجاج بن الشّاعر حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا قيس بن سليم العنبريّ، قال: حدثني يزيد الفقير، حدثنا جابر بن عبد اللَّه، فذكره. قوله: "دارات" جمع دارة وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه، ومعناه أن النار لا تأكل دارة الوجه لكونها محل السجود كما جاء في الأحاديث الأخرى: "إلّا مواضع السجود".

стр. 158

• عن يزيد الفقير، قال: كنتُ قد شغفني رأيٌ مِنْ رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريدُ أن نحجَّ، ثم نخرج على النّاس. قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد اللَّه يحدث القوم -جالسٌ إلى سارية- عن رسول اللَّه ﷺ . قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميين. قال: فقلت له: يا صاحبَ رسولِ اللَّه، ما هذا الذي تحدِّثون؟ واللَّه يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٩٢]، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [سورة السجدة: ٢٠] فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلتُ: نعم. قال: فهل سمعتَ بمقام محمد ﵇؟ (يعني الذي يبعثه اللَّه فيه). قلت: نعم، قال: فإنّه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرجُ اللَّه به من يخرج. قال: ثم نعت وضعَ الصّراط ومرَّ الناسِ عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنه قد زعم أنّ قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السّماسم. قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنّة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنّهم القراطيس. فرجعنا قلنا: ويحكم! أترون الشيخ يكذبُ على رسول اللَّه ﷺ ؟ فرجعنا، فلا واللَّه ما خرج منا غير رجل واحد. أو كما قال أبو نعيم. صحيح: أخرجه مسلم في الإيمان (١٩١: ٣٢٠) عن الحجاج بن الشاعر، حدثنا الفضل بن دُكين، حدثنا أبو عاصم (يعني محمد بن أبي أيوب) قال: حدثني يزيد الفقير، فذكره. قوله: "شغفني" أي شغلني قلبي برأي من رأي الخوارج وهو قولهم: أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، ولا يخرج منها من دخلها. وقوله: "ثم نخرج على الناس" أي مظهرين مذهب الخوارج. وقوله: "كأنهم عيدان السماسم" جمع سمسم، وهو السمسم المعروف يستخرج من الشيرج، وقيل: إنّ اللفظة محرفة من عيدان الساسم وهو خشب أسود كالأبنوس. وقوله: "كأنهم القراطيس" جمع قرطاس، والصحيفة التي يكتب فيها شبههم بالقراطيس لشدة بياضهم بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليهم من السواد. أفاده النووي. وقوله: "فرجعنا فلا واللَّه ما خرج منا غير رجل واحد" أي رجعنا من حجّنا ولم نتعرض لرأي الخوارج، بل كففنا عنه، وتبنا منه إلا رجلًا منا فإنه لم يوافقنا في الانكفاف عنه. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين شيخ شيخ مسلم. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: أتى النّبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه، ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك باللَّه

стр. 159

شيئًا دخل النار". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٩٣) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان. عن جابر، فذكره. ورواه أيضًا من وجه آخر عن أبي الزبير، عن جابر، به، مثله. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ فقال: "نادِ في الناس: من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" فخرج فلقيه عمر في الطريق، فقال: أين تريد؟ قلت: بعثني رسول اللَّه بكذا وكذا. قال: ارجعْ، فأبيتُ، فلهزني لَهْزةً في صدري فرجعتُ، ولم أجد بدًّا. قال: يا رسول اللَّه، بعثتَ هذا بكذا وكذا؟ قال: "نعم". قال: يا رسول اللَّه، إنّ الناس قد طمعوا وخشوا، فقال النبيُّ ﷺ : "اقعدْ". حسن: رواه ابن خزيمة (٦٩٣)، وابن حبان (١٥١) كلاهما من طريق المحرر بن قعنب الباهلي، قال: حدثني رباح بن عبيدة، أن ذكوان السمان حدّثه، أن جابر بن عبد اللَّه حدّثه وقال (فذكره)، واللفظ لابن حبان. وإسناده حسن من أجل محرر بن قعنب فإنه حسن الحديث. • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه سيخلِّصُ رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشرُ عله تسعة وتسعين سِجِلًّا كلُّ سجل مثل مدّ البصر، ثم يقول: أتنكرُ من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ. فيقول: أفلك عذرٌ؟ فيقول: لا يا ربّ. فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنةً فإنه لا ظُلم عليك اليوم، فَتَخرجُ بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احْضُرْ وَزْنَك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السّجلات؟ فقال: إنّك لا تُظْلَمُ، قال: فتوضع السجلات في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشتِ السجلاتُ وثقلت البطاقةُ، فلا يثقل مع اسم اللَّه شيءٌ". صحيح: رواه الترمذي (٢٦٣٩) -واللفظ له- وابن ماجه (٤٣٠٠) كلاهما من حديث الليث ابن سعد، قال: حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث. ورواه الإمام أحمد (٦٩٩٤) من هذا الوجه، وصحّحه ابن حبان (٢٢٥)، والحاكم (١/ ٦) وقال: "صحيح الإسناد". وقال الترمذي: "حسن غريب".

стр. 160

قلت: بل الصواب أنه صحيح فإن رجاله ثقات. وقوله: "فطاشت السجلات" أي خفَّتْ. وقوله: "بطاقة" أي ورقة صغيرة. وقوله: "سجلات" جمع سجل، وهو الكتاب الكبير. وفي الباب عن سهيل ابن البيضاء قال: بينما نحن في سفر مع رسول اللَّه ﷺ وأنا رديفه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا سهيلُ ابن البيضاء" ورفع صوته مرتين أو ثلاثًا، كلّ ذلك يجيبه سهيلٌ، فسمع الناسُ صوتَ رسول اللَّه ﷺ ، فظنوا أنه يريدهم، فحبس من كان بين يديه، ولحقه من كان خلفه، حتى إذا اجتمعوا قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه من شهد أن لا إله إلا اللَّه، حرَّمه اللَّه على النار، وأوجب له الجنة". رواه الإمام أحمد (١٥٧٣٨)، والطبراني في الكبير (٦٠٣٣)، وصحّحه ابن حبان (١٩٩)، والحاكم (٣/ ٦٣٠) كلهم من طريق ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعيد بن الصلت، عن سهيل ابن بيضاء، فذكر الحديث. وفي إسناده انقطاع؛ فإن سعيد بن الصلت لم يدرك سهيل ابن بيضاء، لأنه توفي في حياة رسول اللَّه ﷺ سنة تسع، ولذا قال أبو حاتم: "إنه مرسل". وسكت عليه الحاكم وقال الذهبي: "سنده جيد فيه إرسال"، وأورده الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٥) وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على سعيد بن الصلت، قال ابن أبي حاتم: قد رُوي عن سهيل ابن بيضاء مرسلًا، وعن ابن عباس موصولًا". قوله: "من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" أي مؤمنا بنبوة محمد ﷺ ولو لم يستطع أن يتكلم في آخر اللحظة بخلاف الكافر فلو قال لا إله إلا اللَّه فليس هو من أهل الجنة لأنه كان منكرا لنبوة محمد ﷺ في حياته، ويدل عليه قول النبي ﷺ : "لو كان موسى حيا لما وسعه حتى يتبعني" أي لا يقبل منه مجرد قول لا إله إلا اللَّه، بل لا بد منه الإيمان بنبوة محمد ﷺ . ١١ - باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب • عن حذيفة بن اليمان قال: حدّثنا رسول اللَّه ﷺ حديثين، رأيتُ أحدهما وأنا أنتظر الآخر؛ حدثنا: "أنّ الأمانة نزلتْ في جذر قلوب الرّجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السّنة". وحدّثنا عن رفعها قال: "ينام الرّجلُ النّومةَ فتقبض الأمانة من قلبه فيظلُّ أثرها مثل أثر الوَكتِ، ثم ينام النّومة فتقبض فيبقى أثرُها مثلَ المَجْل كجمر دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه مُنْتبرًا، وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدهم

стр. 161

يؤدي الأمانة، فيقال: إنّ في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقلَه! وما أظرفَه! وما أجلده! وما في قلبه مثقالُ حبّة خردل من إيمان". ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أُبالي أيَّكم بايعتُ، لئن كان مسلما ردَّهُ الإسلام وإن كان نصرانيًّا ردّه عليَّ ساعيه، فأمّا اليوم فما كنتُ أبايع إلا فلانًا وفلانًا. قال الفربريّ: قال أبو جعفر: حدثت أبا عبد اللَّه فقال: سمعت أبا أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما "جذر قلوب الرّجال" الجذر: الأصل من كلّ شيء. و"الوَكتُ" أثر الشّيء اليسير منه، والمجل أثر العمل في الكفِّ إذا غَلُظ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩٧)، ومسلم في الإيمان (١٤٣) كلاهما من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، حدثنا حذيفة، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه. وقوله: "بايعت" أي البيع والشراء، وليس المبايعة على الخلافة. قوله: "المنتبر" أي المرتفع، منه المنبر لارتفاعه وارتفاع الخطيب عليه. وقوله: "فنفط" يقال: نفطت يداه نفطًا، من باب تعب، ونفيطًا إذا صار بين الجلد واللحم ماء. ١٢ - باب لا يدخل الجنة إلّا رجل مؤمن وإنّ اللَّه يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر • عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر فقال لرجل مِمّن يدّعي الإسلام: "هذا من أهل النار". فلما حضر القتال قاتلَ الرّجلُ قتالًا شديدًا، فأصابتْه جِراحةٌ. فقيل يا رسول اللَّه: الذي قلتَ: إنّه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات؟ ! فقال النبي ﷺ : "إلى النار". قال: فكاد بعضُ النّاس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنّه لم يمتْ ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من اللّيل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأُخبر النّبيّ ﷺ بذلك فقال: "اللَّه أكبر أشهد أني عبد اللَّه ورسوله". ثم أمر بلالًا فنادى بالناس: "إنّه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإنّ اللَّه ليؤيد هذا الدّين بالرجل الفاجر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٣٠٦٢)، ومسلم في الإيمان (١١١) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، ولفظهما سواء. • عن عمر بن الخطاب، قال: لما كان يومُ خيبر أقبل نفرٌ من صحابة النبيّ ﷺ -

стр. 162

فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد حتى مرّوا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلا إنّي رأيتُه في النار في بُردة غلَّها أو عباءة" ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "يا ابنَ الخطّاب، اذهب فنادِ في الناس: أنه لا يدخل الجنّة إلّا المؤمنون". قال: فخرجتُ فناديتُ: "ألا إنّه لا يدخل الجنّةَ إلا المؤمنون". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١١٤) عن زهير بن حرب، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني سماك الحنفيّ أبو زميل، قال: حدثني عبد اللَّه بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، فذكر الحديث. • عن بشير بن سحيم: أنّ النّبيّ ﷺ أمره أن ينادي أيام التشريق: "أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وهي أيام أكل وشرب". صحيح: رواه النسائيّ (٤٩٩٤) عن قتيبة، حدثنا حماد عن عمرو، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن بشر بن سحيم، فذكر الحديث. وصححه ابن خزيمة (٢٩٦٠)، ورواه من طريق حماد بن زيد، بإسناده مثله. ورواه ابن ماجه (١٧٢٠) من وجوه عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع ابن جبير بإسناده غير أنه قال فيه: أنّ النبيَّ ﷺ خطب أيام التشريق فقال: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب". وحبيب بن أبي ثابت رمي بالتدلبس، وقد صرّح بسماعه من نافع بن جبير بن مطعم إلا أنه لم يسم الصحابي وإنما قال: يحدث عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ . رواه الإمام أحمد (١٥٤٣٠) من طريق شعبة قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، بإسناده. ١٣ - باب أن اللَّه حرّم الجنّة على الكافرين • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "يلقي إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا ربّ إنّك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزْيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول اللَّه تعالى: إنّي حرّمتُ الجنّة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ ! فينظر، فإذا هو بذيخ مُلْتَطخٍ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النّار". صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٠) عن إسماعيل بن عبد اللَّه، قال: أخبرني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.

стр. 163

قوله: "ذيخ" بكسر الذال المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم خاء معجمة، ذَكَر الضباع، قاله الحافظ في الفتح. • عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ليأخذنَّ رجلٌ بيد أبيه يوم القيامة يريد أن يدخله الجنّة. فيُنادي: إنّ الجنّة لا يدخلها مشرك، إنّ اللَّه حرّم الجنّة على كلّ مشرك. فيقول: أي ربّ، أي ربّ، أبي! قال: فيتحوّل في صورة قبيحة، وريح منتنة، فيتركه". قال أبو سعيد: كان أصحاب محمد ﷺ يرون أنه إبراهيم، ولم يزدهم رسول اللَّه ﷺ على ذلك. صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٢٥٢) -واللفظ له-، والبزار -كشف الأستار (٩٤) -, والحاكم (٤/ ٥٨٧ - ٥٨٨) كلهم من حديث المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ١٤ - باب الترهيب من الكبر وأنه مُنافٍ لكمال الإيمان • عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبْر" قال رجل: إنّ الرّجلَ يحبُّ أن يكون ثوبُه حسنًا، ونعلُه حسنةً. قال: "إنّ اللَّه جميلٌ يحبُّ الجمال؛ الكِبر بَطَرُ الحقّ، وغَمْط النّاس". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٩١) من طرق عن شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل القُيَمِيّ، عن إبراهيم النخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، فذكره. ١٥ - باب لن يدخل أحدٌ الجنّةَ إلا برحمة من اللَّه • عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لن يُنْجِيَ أحدًا منكم عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمّدني اللَّه برحمة. سدِّدُوا وقاربوا، وروحوا، وشيءٌ من الدُّلْجة، القصدَ القصدَ تبلغُوا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٣)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١٦) كلاهما من طرق عن أبي هريرة، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه. وفي روايات البخاريّ الأخرى زيادة: والنهي عن تمني الموت. وهو مذكور في كتاب الجنائز.

стр. 164

١٦ - باب الترهيب من إيذاء الجار وأنه منافٍ لكمال الإيمان • عن أبي هريرة قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جارُه بوائقه". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٤٦) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر الحديث. والبوائق: جمع بائقة، وهي الغائلة، والداهية، والفتك. ١٧ - باب ما جاء في حلاوة الإيمان وطعمه • عن أنس بن مالك، عن النّبيّ ﷺ قال: "ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا اللَّه، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٦)، ومسلم في الإيمان (٤٣) كلاهما من حديث عبد الوهاب الثقفيّ: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره. ورواه مسلم من وجه آخر عن حماد، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ . بنحو حديثهم غير أنه قال فيه: "من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا". • عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "ذاق طُعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٣٤) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن يزيد ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، فذكر الحديث. • وعن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من أحبَّ أن يجد طعم الإيمان فليحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا اللَّه ". وفي رواية: "من سرّه". حسن: رواه الإمام أحمد (٧٦٩٧)، والبزّار -كشف الأستار (٦٣) - والحاكم (١/ ٣ - ٤) كلهم من طريق شعبة، عن يحيى بن أبي سليم، سمعت عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل الكلام في يحيى بن أبي سليم. وأبو بَلْج مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. قال الحاكم: "هذا حديث لم يخرَّج في الصحيحين، وقد احتجا جميعًا بعمرو بن ميمون عن أبي هريرة. واحتج مسلم بأبي بَلْج، وهو حديث صحيح لا يحفظ له علة" انتهى. وتعقبه الذهبي فقال: "أبو بلج لا يحتج به، وقد وُثّق، وقال البخاريّ: فيه نظر" انتهى.

стр. 165

قلت: كذا قال! ولكن وثقه ابن معين، وابن سعد، والنسائي، والعجلي وغيرهم، فهو لا ينزل عن مرتبه "صدوق". ١٨ - باب حبّ الرسول ﷺ من الإيمان • عن أنس قال: قَالَ النبيّ ﷺ : "لا يؤمنُ أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٥)، ومسلم في الإيمان (٤٤) كلاهما من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، فذكره. وفي لفظ مسلم: "حتى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله والناس أجمعين". • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده". صحيح: رواه البخاريّ في الإيمان (١٤) عن أبي اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. . . فذكره. ١٩ - باب من أحبّ اللَّه ورسوله يكون معه في الجنة • وعن أنس بن مالك: أنّ أعرابيًّا قال لرسول اللَّه ﷺ : متى السّاعة؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ما أعددتَ لها" قال: حبُّ اللَّه ورسوله. قال: "أنت مع مَنْ أحببتَ". متفق عليه: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٩) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس. . . فذكره. ولم أجده في الموطأ، ولم يذكره الجوهريّ في "مسند الموطأ". ورواه البخاريّ في الأحكام (٧١٥٣)، ومسلم كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، حدثنا أنس بن مالك، قال: بينما أنا والنبيّ ﷺ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال: يا رسول اللَّه، متى الساعة؟ . قال النبيُّ ﷺ : "ما أعددتَ لها؟ ". فكأن الرجلّ استكان، ثم قال: يا رسول اللَّه، ما أعددتُ لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحبُّ اللَّه ورسوله. قال: "أنت مع من أحببتَ". وفي رواية عند البخاريّ (٣٦٨٨) قال أنس: فما فَرِحْنا بشيء فَرَحنا بقول النبيّ ﷺ : أنت مع من أحببت". قال أنس: "فأنا أحبُّ النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبّي إيّاهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم".

стр. 166

٢٠ - باب من خصال الإيمان أن يحبّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه • عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٣)، ومسلم في الإيمان (٤٠) كلاهما من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، فذكره. ورواه مسلم من وجه آخر عن يحيى بن سعيد، عن حسين المعلم، عن قتادة، وفيه: "والذي نفسي بيده! لا يؤمن عبد حتى يحبّ لجاره أو لأخيه ما يحبُّ لنفسه". وذكره البخاريّ قائلًا: وعن حسين المعلم قال: حدثنا قتادة إلا أنه ساق لفظ شعبة فقط، كما وقع الخلاف بين الشراح هل هذا معلق أو معطوف على شعبة، فذهب الحافظ إلى أنه معطوف على شعبة، وشدد على من قال غير ذلك قائلًا: "إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئًا من علم الإسناد". ورواه ابن حبان (٢٣٥) من طريق ابن أبي عدي، عن حسين المعلم بإسناده وفيه: "لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحبُّ لنفسه من الخير". وابن أبي عدي هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، ثقة من رجال الجماعة. ٢١ - باب ما جاء أن إكرام الضّيف من كمال الإيمان • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمتْ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦٠١٨)، ومسلم في الإيمان (٤٧) كلاهما من حديث أبي الأحوص، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاريّ. وفي رواية مسلم: "فليقلْ خيرًا أو ليسكتْ". • وعن أبي شريح العدوي قال: سمعتْ أُذناي، وأبصرتْ عيناي حين تكلّم النّبيُّ ﷺ فقال: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزَته" قال: وما جائزتُه يا رسول اللَّه؟ قال: "يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمتْ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦٠١٩) عن عبد اللَّه بن يوسف، حدثنا الليث، قال: حدثني سعيد المقبري، عن أبي شريح العدويّ، فذكره.

стр. 167

ورواه مسلم في الإيمان (٤٨) من وجه آخر عن أبي شريح الخزاعيّ، ولم يذكر فيه: "جائزته" وتفسيره. ٢٢ - باب بيان أنّ النّهي عن المنكر من كمال الإيمان • عن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٤٩) من طرق عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: "أوّل من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد تُرك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أمّا هذا فقد قضى ما عليه، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول. . . " فذكر الحديث. • عن عبد اللَّه بن مسعود، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نبيّ بعثه اللَّه في أمّة قبلي إلّا كان له من أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنّها تخلفُ من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبّةُ خردل". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٥٠) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن صالح بن كيسان، عن الحارث، عن جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم، عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبي رافع، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. قال أبو رافع: فحدثتُ عبد اللَّه بن عمر فأنكره عليَّ. فقدم ابن مسعود فنزل بقناةَ، فاستبعني إليه عبد اللَّه بن عمر يعوده، فانطلقتُ معه، فلما جلسنا سألتُ ابن مسعود عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثته ابن عمر. قال صالح: وقد يحدث بنحو ذلك عن أبي رافع. أي بدون ذكر ابن مسعود. وقناة: واد من أودية المدينة. إنّ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذكرٌ لهذه الأمة، كما قاله ابن الصّلاح. ثم إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابت بالكتاب والسنة إلّا أنه فرض كفاية إذا قام به البعض مثل أن يُعيّن الحاكم أشخاصًا سقط الحرج عن الباقين. ثم إن إزالة المنكر باليد يختص بمن له السلطة على إزالته، مثل ربّ الأسرة على أسرته، أو الحاكم أو من يولِّيه الحاكم على إزالته. وأما آحاد الرّعية فيكفيهم إبلاغهم إلى السلطان أو من ينوب عنه؛ لأنّ استعمال القوة منهم قد يؤدي إلى الفتنة والفساد.

стр. 168

وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب. قال الشافعيّ رحمه اللَّه تعالى: "من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه" ذكره النووي في شرح مسلم. ٢٣ - باب ما جاء أنّ حبّ الأنصار من كمال الإيمان • عن أنس بن مالك، عن النّبيّ ﷺ قال: "آية الإيمان حبُّ الأنصار، وآية النّفاق بغض الأنصار". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٧)، ومسلم في الإيمان (٧٤) كلاهما من حديث شعبة، أخبرني عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جبر، قال: سمعت أنسًا، فذكره. • عن البراء بن عازب قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قال: "الأنصار لا يحبُّهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق، فمن أحبَّهم أحبَّه اللَّه، ومن أبغضهم أبغضه اللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٧٨٣)، ومسلم في الإيمان (٧٥) كلاهما من حديث شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء، فذكره. قال شعبة: قلت لعدي: سمعتَه من البراء؟ قال: إيّاي حدَّث. كذا عند مسلم. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يُبغضُ الأنصارَ رجلٌ يؤمن باللَّه واليوم الآخر". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٧) من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكره. • عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ : "لا يُبغضُ الأنصارَ رجلٌ يؤمن باللَّه واليوم الآخر". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٦) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب (يعني عبد الرحمن القاري) عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ٢٤ - باب الحياء من الإيمان • عن ابن عمر، أنّ رسول اللَّه ﷺ مرّ على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دَعه فإن الحياء من الإيمان". متفق عليه: رواه مالك في حسن الخلق (١٠) عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكر الحديث. ورواه البخاريّ في الإيمان (٢٤) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، به. ورواه مسلم في الإيمان (٣٦) من أوجه عن الزهريّ.

стр. 169

• عن عمران بن حصين، يحدّث عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "الحياء لا يأتي إلا بخير". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١١٧)، ومسلم في الإيمان (٣٧) كلاهما من حديث شعبة، عن قتادة، عن أبي السّوار العدويّ، قال: سمعتُ عمران بن حصين، فذكره، ولفظهما سواء. قال بُشَير بن كعب: إنه مكتوب في الحكمة: إن من الحكمة وقارًا، وإن من الحياء سكينة. فقال له عمران: أحدّثكُ عن رسول اللَّه ﷺ ، وتحدثني عن صحيفتك؟ ! . ورواه مسلم من وجه آخر عن إسحاق بن سويد، أنّ أبا قتادة حدّث، قال: كنّا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بُشَير بن كعب، فحدّثنا عمران بن حصين (فذكر الحديث) فقال بشير بن كعب: إنّا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة: إن منه سكينة ووقارًا، ومنه ضعفٌ! قال: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال: ألا أُراني أحدّثك عن رسول اللَّه ﷺ وتعارض فيه! ؟ قال: فأعاد عمران الحديث. قال: فأعاد بشير، فغضب عمران. قال: فما زلنا نقول فيه: إنه منّا يا أبا نُجيد، إنّه لا بأس به. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "كان النبيُّ ﷺ أشدّ حياءً من العذراء في خِدْرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٠٢)، ومسلم في مناقب النبيّ ﷺ (٢٣٢٠) كلاهما من حديث شعبة، عن قتادة، قال: سمعت عبد اللَّه -هو ابن أبي عتبة مولى أنس- عن أبي سعيد الخدري، فذكره مثله، ولفظهما سواء. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار". صحيح: رواه الترمذي (٢٠٠٩) من طرق عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال الترمذي: "حسن صحيح". وصححه ابن حبان (٦٠٨)، والحاكم (١/ ٥٢ - ٥٣) كلاهما من هذا الوجه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: فيه محمد بن عمرو وهو وإن كان من رجال الجماعة إلا أنه مختلف فيه وهو حسن الحديث، وتابعه سعيد بن أبي هلال، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. ومن طريقه رواه ابن حبان (٦٠٩) فصار الحديث صحيحًا. • عن ابن عمر قال: قال النبيُّ ﷺ : "الحياء والإيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر".

стр. 170

صحيح: رواه الحاكم (١/ ٢٢) عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه، أنا محمد بن غالب، أنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، فذكر الحديث. قال الحاكم: "صحيح على شرطهما، فقد احتجا برواته ولم يخرجاه بهذا اللّفظ". ٢٥ - باب حبُّ عليّ بن أبي طالب من كمال الإيمان • عن زرّ بن حُبَيش، قال: قال عليٌّ: والذي فلق الحبّة وبرأ النَّسمَة إنّه لعهدُ النّبيّ الأميّ ﷺ إليَّ: "أن لا يُحبّني إلا مؤمن، ولا يُبغضني إلا منافق". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٨) من طرق عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زرّ بن حبيش، فذكره. وقوله: "فلق الحبّة" أي شقّها بالنّبات. وقوله: "برأ النّسمة" أي خلق الإنسان، وقيل: النفس. وفي الحديث كلام وسيأتي في فضائل علي بن أبي طالب. ٢٦ - باب ما جاء في موالاة المؤمنين • عن عمرو بن العاص قال: سمعتُ النّبيَّ ﷺ جهارًا غير سرٍّ- يقول: "إنّ آل أبي -قال عمرو: في كتاب محمد بن جعفر بياض- ليسوا بأوليائي، إنّما ولِيّي اللَّهُ وصالِحُ المؤمنين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٥٥٩٠) عن عمرو بن عباس، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، أن عمرو بن العاص قال (فذكره). ورواه مسلم في الإيمان (٢١٥) من طريق محمد بن جعفر، بإسناده. ومعناه: إنّ وَلِيِّي من كان صالحًا وإن بُعد نسبه مني، وليس وَلِيِّي من كان غير صالح، وإن كان نسبه قريبًا. ٢٧ - باب الفرار من الفتن من كمال الإيمان • عن أبي سعيد الخدريّ، أنّه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يوشك أن يكون خيرَ مالِ المسلم غنمٌ يتبعُ بها شَعَفَ الجبال، ومواقعَ القطْر، يفرُّ بدينه من الفتن". صحيح: رواه مالك في الاستئذان (١٦) عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر الحديث. ورواه البخاريّ في الإيمان (١٩) عن عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك، به، مثله. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: قيل: يا رسول اللَّه، أيُّ النّاس أفضل؟ فقال:

стр. 171

"مؤمن يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله"، قالوا: ثم من؟ قال: "مؤمن في شعب من الشِّعاب، يتقي اللَّه، ويدعُ النّاسَ من شرِّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٤٩٤)، ومسلم في الإمارة (١٨٨٨) كلاهما من طرق عن الزّهريّ، عن عطاء بن يزيد اللّيثيّ، عن أبي سعيد، فذكره. ورواه مسلم أيضًا من طريق معمر، عن الزّهريّ، بإسناده، ولفظه: "ثم رجلٌ في شعب من الشِّعاب يعبد ربَّه، ويدعُ النّاسَ من شرّه". ولكن قال البخاريّ: وقال معمر، عن الزهريّ، عن عطاء -أو عبيد اللَّه-، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ . وقال يونس وابن مسافر ويحيى بن سعيد، عن ابن شهاب، عن عطاء، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ . • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "من خير معاش الناس لهم رجلٌ ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه، يطير على متنه كلما سمع هيعةً أو فزْعةً طار عليه يبتغي القتل والموت مظانَّه، أو رجل في غُنَيْمَةٍ في رأس شَعَفة من هذه الشَّعَف أو بَطْن وادٍ من هذه الأودية، يقيمُ الصّلاة، ويؤتي الزّكاة، ويعبد ربَّه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٨٩) عن يحيى بن يحيى التميميّ، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن بعجة، عن أبي هريرة. . . فذكره. ٢٨ - باب جواز الاستسرار بالإيمان للخائف • عن حذيفة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "اكتبوا لي من تلفّظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة! فلقد رأيتُنا ابتلينا حتى إنّ الرّجل ليصلي وحده وهو خائف". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٣٠٦٠) عن محمد بن يوسف: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، فذكره. ورواه مسلم في الإيمان (١٤٩) من وجه آخر عن أبي معاوية، عن الأعمش بإسناده وفيه قال رسول اللَّه ﷺ : "أَحْصُوا لي كم بلفظ الإسلام" فقلنا: يا رسول اللَّه، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: "إنّكم لا تدرون، لعلّكم أن تُبتلوا". قال: فابتُلينا، حتى جعل الرجلُ منا لا يصلي إلّا سرًّا". وأبو معاوية خالف الثوريّ، فقال: "ما بين ستمائة إلى سبعمائة". ورجّح البخاريّ رواية الثوريّ

стр. 172

لأنه أحفظهم مطلقًا وزاد عليهم، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش -فاعتمد مسلم على روايته- لكنه لم يجزم بالعدد، وقدّم البخاريّ رواية الثوريّ لزيادتها ولجزمها. وقوله: "ابتلينا فجعل الرّجل لا يصلي إلا سرًّا" فلعله كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبيِّ ﷺ فكان بعضهم يخفي نفسه، ويصلي سرًّا مخافة من الظّهور والمشاركة في الدّخول في الفتنة والحروب. قاله النووي في شرح مسلم. ٢٩ - باب الاستثناء في الإيمان قال الأوزاعيّ: قال اللَّه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [سورة الفتح: ٢٧]. قال: قد علم اللَّه تعالى أنهم سيدخلون، وقد قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ أتى المقبرة فقال: "السّلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنّا إن شاء اللَّه بكم لا حقون، وددتُ أنّا قد رأينا إخوانَنا". قالوا: أولسنا إخوانَك يا رسول اللَّه؟ قال: "أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعد". فقالوا: كيف تعرفُ مَنْ لم ياتِ بعدُ من أمتك يا رسول اللَّه؟ فقال: "أرأيت لو أنّ رجلًا له خيلٌ غُرٌّ مُحجّلةٌ. بين ظهري خيل دُهْم بُهْم، ألا يعرف خيله؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: "فإنّهم يأتون غرًّا محجّلين من الوضوء، وأنا فرطُهم على الحوض. ألا لَيُذادَنَّ رجالٌ عن حوضي كما يذادُ البعيرُ الضّال، أناديهم: ألا هلُمَّ! فيقال: أنّهم قد بدَّلوا بعدك. فأقول: سُحْقًا سُحْقًا". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٤٩) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. قال سفيان: "من كره أن يقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه فهو عندنا مرجئي -يمدّ بها صوته-". وقال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت. قال: "أرجو إن شاء اللَّه". قال البيهقي في "شعب الإيمان" (١/ ٨٣): "وقد روينا هذا عن جماعة من الصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالح ﵃ أجمعين". وأما ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنّ من تمام إيمان العبد الاستثناء أن يستثنى فيه" فهو موضوع، ذكره ابن الجوزيّ في الموضوعات (٢٨٤). وكذلك ما رُوي عن أنس مرفوعًا: "صنفان من أمّتي لا تنالهما شفاعتي: المرجئة والقدرية". قيل: يا رسول اللَّه: من القدرية؟ قال: "قوم يقولون: لا قدر". قيل: فمن المرجئة؟ قال: "قوم

стр. 173

يكونون في آخر الزمان، إذا سئلوا عن الإيمان يقولون: نحن مؤمنون إن شاء اللَّه". فهو موضوع، أخرجه ابن الجوزيّ في "الموضوعات" (٢٨٢)، والجوزقاني في "الأباطيل" (٣٤) وقال: هذا حديث باطل، وفي إسناده ظلمات. ٣٠ - باب أنّ الطّهور شطر الإيمان • عن أبي مالك الأشعريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الطّهور شطر الإيمان، والحمد للَّه تملأ الميزان، وسبحان اللَّه والحمد للَّه تملآن ما بين السماوات والأرض، والصّلاة نور، والصّدقة برهان، والصّبر ضياء، والقرآن حجّة لك أو عليك، كلّ النّاس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها". صحيح: رواه مسلم في الطّهارة (٢٢٣) عن إسحاق بن منصور، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنّ زيدًا حدّثه، أنّ أبا سلّام حدّثه، عن أبي مالك الأشعريّ، فذكره. ٣١ - باب من آمن باللَّه ثم استقام عليه • عن سفيان بن عبد اللَّه الثقفيّ يقول: قلت: يا رسول اللَّه، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: "قل: آمنت باللَّه، فاستقم". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٣٨) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد اللَّه، فذكره. ٣٢ - باب تفاضل أهل الإيمان • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بينما أنا نائم رأيتُ الناس يعرضون عليَّ، وعليهم قميص منها ما يبلغ الثُّدي ومنها ما دون ذلك، وعرض عليّ عمر ابن الخطاب وعليه قميص يجرّه" قالوا: فما أوّلتَ ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "الدّين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٢٣)، ومسلم في الفضائل (٢٣٩٠) كلاهما عن إبراهيم ابن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ، فذكره. • عن هانئ بن هانئ قال: دخل عمّار على عليٍّ، فقال: مرحبًا بالطّيّب المُطيّب. سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مُلئ عمارٌ إيمانًا إلى مُشاشه". حسن: رواه ابن ماجه (١٤٧) حدثنا نصر بن علي الجهضميّ، قال: حدثنا عثَّام بن علي، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، فذكر الحديث.

стр. 174

وصحّحه ابن حبان (٧٠٧٦)، ورواه من طريق عثام بن عليّ، بإسناده مثله. وهانئ بن هانئ هو الهمدانيّ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٠٩) وقال النسائي: "ليس به بأس"، ولكن جهّله ابن المديني. وقال حرملة عن الشّافعيّ: "هانئ بن هانئ لا يُعرف، وأهل العلم بالحديث ينسبون حديثه لجهالة حاله". قلت: ولكنه توبع فقد رواه النسائيّ (٥٠٠٧) من وجه آخر عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فذكره نحوه. وعمرو بن شرحبيل هو الهمدانيّ أبو ميسرة الكوفيّ، روى عن عليّ بن أبي طالب وغيره من الصحابة، وهو من رجال الصحيحين؛ فلعلّ المبهم في الإسناد هو عليّ بن أبي طالب، ولو كان غيره فلا يضر؛ لأنّ جهالة الصحابة لا تضر في صحة الحديث. وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في ترجمة عمار بن ياسر في "الإصابة" إلّا أنه عزاه إلى الترمذيّ وابن ماجه، وحسّن إسناده، وعزوه إلى الترمذي وهم منه. وقوله: "مُشاشه" أي رؤوس عظامه، يريد بذلك قوّة إيمانه. ٣٣ - باب رجحان أهل اليمن في الإيمان • عن أبي مسعود قال: أشار النبيُّ ﷺ بيده نحو اليمن فقال: "الإيمان يمان هاهنا، ألا إنَّ القسوة وغِلَظ القلوب في الفدّادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلعُ قرنا الشّيطان في ربيعة ومُضر". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٣٠٢)، ومسلم في الإيمان (٥١) كلاهما من حديث إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعتُ قيسًا يروي عن عقبة بن عمرو أبي مسعود، فذكره. قوله: "الفدّادين" بتشديد الدّال جمع فدّاد، وهو من الفديد، ومعناه: الصوت الشّديد - أي الذين تعلو أصواتُهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم ونحو ذلك. ومعنى قوله: "عند أصول أذناب الإبل" أي الذين لهم جَلبةٌ وصياح عند سوقهم لها. وقوله: "حيث يطلع قرنا الشّيطان في ربيعة ومضر" فقوله: "في ربيعة ومضر" بدل من قوله: "في الفدّادين" أي القسوة في ربيعة ومضر الفدّادين. وقوله: "قرنا الشّيطان" جانب رأسه، والمراد بذلك: اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان، ومن الكفر كما جاء في حديث آخر: "رأس الكفر نحو المشرق" سيأتي من حديث أبي هريرة، وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدجال من الشرق. انتهى باختصار من كلام ابن الصّلاح في صيانة صحيح مسلم. • عن أبي هريرة، قال: سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "الفخر والخُيلاء في

стр. 175

الفدّادين أهل الوَبَر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان، والحكمة يمانية". متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٤٩٩) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال (فذكر الحديث). ورواه مسلم في الإيمان (٥٢: ٨٨) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أخبرنا أبو اليمان بإسناده مثله. وفي رواية عنده: "والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أصحاب الشّاء". • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدةً، وألينُ قلوبًا، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانيّة، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسّكينة والوقار في أهل الغنم". متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٨٨)، ومسلم في الإيمان (٥٢) كلاهما من طرق عن أبي هريرة، فذكر الحديث، ولفظهما سواء وفي رواية عندهما: "جاءكم أهل اليمن، هم أرقُّ أفئدة وأضعف قلوبًا". وفي رواية عند البخاريّ (٤٣٨٩) "والفتنة هاهنا، هاهنا يطلع قرن الشّيطان". معنى الحديث: نقل ابن الصلاح في "صيانة صحيح مسلم" (ص ٢١٠) وعنه النووي في "شرح مسلم" إن ما ذكر من نسبة الإيمان إلى اليمن وأهله، فقد صرفوه عن ظاهره من حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم المدينة حرسهما اللَّه. فذكر أقوال أهل العلم في تعيين أهل اليمن، وقال في نهاية الكلام: "ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة؛ لأنّ من اتصف بشيء وقَوي قيامُه به، وتأكد اضطلاعه به نُسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بتميّزه به وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منهم في حياته ﷺ ، وفي أعقاب موته كأويس القرني، وأبي مسلم الخولانيّ وأشباههما ممن سلم قلبُه، وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي لذلك عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله: "الإيمان في أهل الحجاز" [وهو سيأتي]. ثم إنّ المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإنّ اللّفظ لا يقتضيه هذا، واللَّه تعالى أعلم، وهذا هو الحقّ في ذلك، ونشكر اللَّه على هدايتنا له، واللَّه أعلم" انتهى كلام الشيخ أبي عمرو بن الصّلاح، وأقرّه الشيخ النووي رحمهما اللَّه تعالى. وأما ما رُوي من زيادة: "وأجد نَفَسَ ربِّكم من قبل اليمن. . . " فيه نظر، رواه الإمام أحمد (١٠٩٧٨)، والطبراني في "الأوسط" (٤٦٦١)، و"مسند الشّاميين" (١٠٨٣) كلاهما من حديث حريز بن عثمان، عن شبيب أبي روح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.

стр. 176

قال الطبراني في "الأوسط" عقب الحديث: "لم يرو هذا الحديث عن شبيب إلا حريز بن عثمان". قلت: وشبيب هو ابن نعيم أبو روح، ويقال: ابن أبي روح؛ قال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: "شيوخ حريز بن عثمان كلّهم ثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٥٩). لكن ذكره الحافظ في "تهذيبه" فقال: "نقل ابن القطّان عن ابن الجارود قال: قال محمد بن يحيى الذُّهليّ: هذا شعبة وعبد الملك بن عمير في جلالتهما يرويان عن شبيب أبي روح. قال ابن القطّان: شبيب رجل لا تعرف له عدالة. انتهى كلام ابن القطّان. قال الحافظ: وإنّما أراد الذهليّ برواية شعبة عنه أنه روى حديثه لا أنه روى عنه مشافهة، إذ رواية شعبة إنما هي عن عبد الملك عنه، وذكره ابن قانع في الصحابة وساق له حديثًا عن النبيّ ﷺ ، وأخرج أحمد الحديث في "مسنده" من رواية شعبة، عن عبد الملك، عن شبيب، عن رجل له صحبة، وهو الصّواب". انتهى كلام الحافظ في التهذيب. فإن صحّتْ هذه الزّيادة فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى -وقد سئل عن هذا الحديث-: "فقوله: "من اليمن" يبين مقصود الحديث، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات اللَّه تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبّهم ويحبّونه الذين قال فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية: سئل عن هؤلاء، فذكر أنهم قومُ أبي موسى الأشعري، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: "أتاكم أهل اليمن أرق قلوبًا، وألين أفئدة، الإيمان يماني، والحكمة يمانية" وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الرّدة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصَّص ذلك بأويس القرني فقد أبعده" انتهى. انظر: فتاواه (٦/ ٣٩٨). ٣٤ - باب ما جاء أنّ الإيمان في أهل الحجاز • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "غِلَظُ القلوب والجفاء في الشّرق، والإيمان في أهل الحجاز". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٥٣) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد اللَّه بن الحارث المخزوميّ، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، فذكره. ٣٥ - باب حسن إسلام المرء • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكلّ سيئة يعملها تكتب له بمثلها". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٢)، ومسلم في الإيمان (١٢٩) كلاهما من حديث عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من حسن إسلام المرء تركَه ما لا يعنيه".

стр. 177

حسن: رواه الترمذيّ (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وابن حبان في صحيحه (٢٢٩) كلّهم من طريق الأوزاعيّ، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ إلّا من هذا الوجه". قلت: إسناده حسن من أجل قرّة بن عبد الرحمن فإنّ أكثر أهل العلم على تضعيفه وقالوا: في حديثه نكارة، ولكن قال ابن عدي -بعد أن روى الحديث المذكور من طريق الأوزاعيّ-: "قد رُوي عن الأوزاعيّ، عن قرة، عن الزهري بضعة عشر حديثًا، ولقرّة أحاديث صالحة يرويها عنه رشدين، وسويد بن عبد العزيز، وابن وهب، والأوزاعيّ، وغيرهم، وجملة حديثه عند هؤلاء ولم أرَ في حديثه حديثًا منكرًا جدًّا فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به" انتهى. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج حديثه في صحيحه، وقال العجلي: "يكتب حديثه". قلت: هذا الذي قاله ابن عدي ظاهر في هذا الحديث -أي ليس فيه نكارة- بل الأحاديث الصحيحة تشهد له بمعناه. وقد نقل الحافظ المزي في ترجمة أبي داود صاحب السنن أنه قال: "كتبت عن رسول اللَّه ﷺ خمس مائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمنته هذا الكتاب -يعني كتاب السنن- جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، ذكرت الصّحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث. . ." فذكرها منها هذا الحديث. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أسلم العبد فحسُن إسلامه، كتب اللَّه له كل حسنةٍ كان أزْلفها، ومحيتْ عنه كل سيئة كان أزْلفها، ثم كان بعد ذلك القصاصُ. الحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز اللَّه عنها". صحيح: رواه النسائي (٤٩٩٨) عن أحمد بن المعلَّى بن زيد، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكر مثله. وذكره البخاري في الإيمان (٤١) معلقا عن مالك، ولم يسنده في موضع آخر، إلا أنه أسقط قوله: "كتب اللَّه له كل حسنة كان أزلفها" لأنه مشكل على القواعد، لأن الكافر لا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في كفره وشركه لأن من شرط التقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، ذكره المازري وغيره، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال، ورده النووي فقال: الصواب الذي عليه المحققون -بل نقل بعضهم فيه الإجماع- أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما

стр. 178

دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مُسَلَّم، لأنه قد يعتقد بعض أفعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادته إذا أسلم وتُجزئه. انظر "الفتح" (١/ ٩٩). وقوله "أزلفها" أي أسلف وقدَّم. ٣٦ - باب أنّ النّصيحة عماد الدّين وقوامه • عن جرير بن عبد اللَّه، قال: "بايعتُ رسول اللَّه ﷺ على إقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والنّصح لكلّ مسلم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٧)، ومسلم في الإيمان (٥٦) كلاهما من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، فذكره، ولفظهما سواء. ورواه البخاريّ (٧٢٠٤)، ومسلم عن يعقوب بن إبراهيم الدّورقيّ، حدثنا هشيم، عن سيّار، عن الشعبيّ، عن جرير، قال: "بايعتُ النّبيَّ ﷺ على السّمع والطّاعة -فلقّنني: "فيما استطعتُ"-، والنّصح لكل مسلم". وفي البخاريّ (٥٨) من طريق زياد بن علاقة، قال: سمعت جرير بن عبد اللَّه يقول يوم مات المغيرة بن شعبة: قام فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: عليكم باتقاء اللَّه وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنّما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأمركم فإنه كان يحبُّ العفو. ثم قال: أما بعد؛ فإني أتيتُ النّبيَّ ﷺ قلتُ: أبايعك على الإسلام، فشرط عليَّ: "النّصح لكلّ مسلم" فبايعته على هذا. وربِّ هذا المسجد إني لناصح لكم، ثم استغفر ونزل. كان المغيرةُ واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عروة، وقيل: استناب جريرًا المذكور، ولهذا خطب الخطبة المذكورة، حكى ذلك العلائي في "أخبار زياد". انظر: الفتح (١/ ١٣٩). • عن تميم الدّاريّ، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "الدّينُ النّصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "للَّه، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٥٥) عن محمد بن عبّاد المكيّ، حدثنا سفيان (هو ابن عيينة)، قال: قلت لسهيل: إنّ عمرًا (يعني ابن دينار) حدّثنا عن القعقاع، عن أبيك. قال: ورجوتُ أن يُسقط عنّي رجلًا. قال: فقال: سمعتُه من الذي سمعه منه أبي، كان صديقًا له بالشّام. ثم حدّثنا سفيان، عن سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الدّاريّ، فذكره. ٣٧ - باب الدّليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النَّزْع • عن المسيب بن حزْن قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه النبيّ ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي أمية، فقال النبيّ ﷺ : "أيْ عمّ، قلْ: لا إله إلّا

стр. 179

اللَّه أحاجُّ لك بها عند اللَّه" فقال أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي بن خلف: يا أبا طالب، أترغبُ عن ملّة عبد المطلب؟ ! فقال النبيُّ ﷺ : "لأستغفرنّ لك ما لم أُنهَ عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١١٣] ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٧٥)، ومسلم في الإيمان (٢٤/ ٤٠) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن شعيب بن المسيب، عن أبيه، فذكره، واللّفظ للبخاريّ. وفي رواية عن عبد الرزاق أيضًا بعد قوله فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [سورة القصص: ٥٦]. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لعمّه عند الموت: "قل: لا إله إلا اللَّه، أشهد لك بها يوم القيامة" فأبى، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٥) من طرق عن مروان، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورواه من وجه آخر عن يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، بإسناده، وذكر فيه قول أبي طالب: "لولا أن تعيّرني قريش يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع، لأقررتُ بها عينَك". ٣٨ - باب أنّ الإيمان إذا خالطتْ بشاشتُه القلوب لا يسخطه أحد • عن ابن عباس أخبر أن أبا سفيان أخبره، أن هرقل قال له: سألتُك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتدّ أحدٌ سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥١) عن إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن ابن عباس أخبره عن أبي سفيان، فذكره. ورواه الشيخان - البخاريّ في التفسير (٤٥٥٣)، ومسلم في الجهاد (١٧٧٣) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، بإسناده، طويلًا، وسيأتي في موضعه. ٣٩ - باب من خصال هذا الدّين أنه يُسر • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ الدّين يسر، ولن يُشادَّ الدّينَ أحدٌ إلّا

стр. 180

غلبه، فسدِّوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدُّلْجة". صحيح: رواه البخاريّ في الإيمان (٣٩) عن عبد السلام بن مطهّر، قال: حدَّثنا عمر بن عليّ، عن معن بن محمد الغفاريّ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وقوله: "لن يُشادّ الدّين أحدٌ إِلَّا غلبه" أي لا يتعمّق أحدٌ في الأعمال الدينيّة ويترك الرّفق إِلّا عجز، وانقطع فيُغلب. قال ابن المنير: "في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى النّاس. قبلنا أنّ كلّ متنطع في الدّين ينقطع، وليس المراد منع طلَب الأكمل في العبادة؛ فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملل، أو المبالغة في التطوّع المفضي إلى ترك الأفضل. . . " انظر: الفتح. (١/ ٩ ٤). ٤٠ - باب أنّ اللَّه لا يكلّف إِلَّا ما يُطاق • عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤]. قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ، ثم بركوا على الرّكب، فقالوا: أيْ رسولَ اللَّه، كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطيق: الصّلاة والصّيام، والجهاد، والصّدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نُطيقُها؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربَّنا وإليك المصير". قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القومُ ذلَّتْ بها ألسنتُهم. فأنزل اللَّه في إِثْرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥]. فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم. [سورة البقرة: ٢٨٦]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٥) من طرق عن يزيد بن زريع، حدثنا روح (هو ابن القاسم)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
следующие страницы →