← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

• عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشّمس مرتفعة حيّة، فيذهب الذّاهب إلى العوالي فيأتيهم، والشمسُ مرتفِعة. متفق عليه: البخاري في المواقيت (٥٥٠) من طريق شعيب، ومسلم في المساجد (٦٢١: ١٩٢) من طريق الليث وعمرو، ثلاثتهم عن ابن شهاب الزهريّ، عن أنس، فذكره. ورواه مالك في وقوت الصلاة (١١) وعن ابن شهاب، به، بلفظ: كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذّاهب منا إلى قباء، فيأتيهم والشّمس مرتفعة. ومن طريق مالك رواه البخاري (٥٥١)، ومسلم (٦٢١: ١٩٣). هكذا قال: "إلى قباء" بدل "إلى العوالي". قال ابن عبد البر في (التمهيد ٦/ ١٧٨): "هكذا قال فيه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه: "يذهب الذّاهب إلى العوالي" وهو الصّواب عند أهل الحديث، وقول مالك عندهم "إلى قباء" وهم لا شك فيه، ولم يتابعه أحد عليه في حديث ابن شهاب هذا، إلا أن معنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة، وأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها: ما يكون على ثمانية أميال وعشرة، ومثل هذا في المسافة بين قباء وبين المدينة، وقباء موضع بني عمرو بن عوف، وقد نصّ علي بني عمرو بن عوف في حديث أنس هذا إسحاق بن أبي طلحة" اهـ. وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ٢٩: "ولعلّ مالكًا لما رأى أنّ في رواية الزهري إجمالًا حملها على الرواية المفسرة وهي روايته المتقدّمة عن إسحاق حيث قال فيها: "ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، وقد تقدم أنهم أهل قباء، فبني مالك على أن القصة واحدة لأنهما جميعًا حدّثاه عن أنس والمعنى متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأنّ مالكًا وهم فيه". ثم نقل عن ابن رُشيد السبتي أنه قال: "قضى البخاريّ بالصّواب لمالك بأحسن إشارة وأوجز عبارة؛ لأنه قدّم أوّلًا المجمل ثم أتبعه بحديث مالك المفسّر المعين". • عن أنس، أن أبا أمامة بن سهل يقول: صلَّينا مع عمر بن عبد العزيز الظُّهرَ، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يُصَلِّي العصرَ، فقلت يا عَمَّ! ما هذه الصلاةُ التي صلَّيتَ؟ قال: العصر. وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كُنَّا نُصَلِّي معه. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٤٩)، ومسلم في المساجد (٦٢٣) كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حُنَيف، قال سمعت أبا أمامة يقول: فذكر الحديث. • عن رافع بن خديج قال: كنا نُصلّي العصر مع رسول الله ﷺ ، ثم تُنحر الجزورُ، فتُقسم عشرَ قِسم، ثم تُطبخُ فنأكلُ لحمًا نضيجًا قبل مَغيب الشمس. متفق عليه: رواه البخاري في الشركة (٢٤٨٥)، ومسلم في المساجد (٦٢٥)، واللفظ له،

стр. 1157

كلاهما من طريق الأوزاعي، قال: ثنا أبو النجاشي، قال: سمعتُ رافع بن خديج فذكر الحديث. وفي رواية: كُنا نَنحرُ الجزورَ على عهد رسول الله ﷺ بعد العصر. ولم يقُل: "كنا نصلي معه". • عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك بعد الظُّهْر، فقام يُصلّي العَصرَ، فلما فرغ من صلاته ذكرنا تعجيلَ الصلاةِ، أو ذكرهَا، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "تلك صلاةُ المنافقين، تلك صلاةُ المنافقين، تلك صلاةُ المنافقين، يجلسُ أحدُهم حتى إذا اصفرتِ الشمسُ، وكانت بين قرنَي الشَيطانِ، أو على قرنِ الشيطانِ قام فَنَقَرَ أربعًا، لا يذكرُ الله فيها إلا قليلًا". صحيح: رواه مالك في القرآن (٤٦) عن العلاء بن عبد الرحمن قال: دخلنا على أنس بن مالك فذكر الحديث. ورواه مسلم في المساجد (٦٢٣) من أوجه عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظُّهرِ، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصلَّيتُم العَصرَ؟ فقلنا له: إنما انصرفنَا الساعة من الظُّهرِ، قال: فصلُّوا العصر، فقُمنا فصلينا. فلما انصرفنا قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاةُ المنافق، يجلس يرقُبُ الشمسَ، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". • عن أنس بن مالك قال: صلى لنا رسولُ الله ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلِمةَ فقال: يا رسول الله! إنا نريد أن ننحرَ جزُورًا لنا، ونحنُ نُحب أن تَحضُرَها قال: "نعم" فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجُزورَ لم تُنحَر، فنُحرت، ثم قُطِّعَت، ثم طُبخَ منها، ثم أكلنَا قبل أن تغيبَ الشمسُ. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٤) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعد الأنصاري حدَّثه، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك فذكره. قال مسلم: وقال المرادي (وهو محمد بن سلمة المرادي من شيوخ مسلم) حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث في هذا الحديث. • وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي بنا العَصرَ والشمسُ بيضاء مُحلِّقَة. صحيح: رواه النسائي (٥٠٨) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن رِبعي بن حِراش، عن أبي الأبيض، عن أنس فذكر الحديث. وأورده الهيثمي في زوائد أبي يعلى "المقصد العلي" (١٩٠) وفي زوائد البزار "كشف الأستار" (٣٧٣) كلاهما من طريق منصور به مثله في البزار، ولفظ أبي يعلى: كُنَّا نُصلي مع النبي ﷺ -

стр. 1158

العصر، فآتي عشيرتي فأجدهم جلوسًا، فأقول لهم: قوموا فصلوا، فقد صلَّى رسولُ الله ﷺ . قال الهيثمي: "اختصره النسائي". وقال في "مجمع الزوائد" (١/ ٣٠٨): رجاله ثقات. قلت: وهو كما قال فإن رجاله ثقات، وإسناده صحيح، وأبو الأبيض هو: العنسي الشامي, ويقال المدني، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن اسم أبي الأبيض فقال: لا يعرف اسمه، وثَّقه العجلي وغيره. ١٠ - باب أن وقت صلاة العصر يمتد إلى قبل الغروب • وعن عبد الله بن عمر قال: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما بقاؤكم فيما سلفَ قبلكم من الأُمَم كما بين صلاة العَصرِ إلى غروبِ الشمسِ، أُوتي أهلُ التوراةِ التوراةَ فعملوا حتى إذا انتصفَ النهارُ عَجزوا، فأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتي أهلُ الإنجِيل الإنجِيلَ فعملوا إلى صلاةِ العَصرِ ثم عجزوا فأُعطوا قيراطًا قيراطًا. ثم أُوتينا القرآن فعمِلنا إلى غروب الشمسِ، فأعطينا قيراطين قيراطَين، فقال أهلُ الكتابين: أي ربَّنا! أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطَين، وأعطَيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كُنَّا أكثرَ عَملًا، قال: قال الله : هل ظلمتُكُم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فَضلي أوتيه من أشَاءُ". صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٥٧) من حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر فذكر الحديث. وقد رواه أيضًا من طرق عن عبد الله بن عمر انظر بأرقام (٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٧، ٧٥٣٣). وفيه إشارة إلى أن وقت صلاة العصر يمتد إلى غروب الشمس، وهو تفسير لما جاء في حديث أبي هريرة: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمسُ فليتم صلاته". ١١ - باب إثم من فاتته صلاةُ العصر • عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الذي تفوتُه صلاةُ العصر كأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه". متفق عليه: رواه مالك في وقوت الصلاة (٢١) عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله، وعن مالكٍ رواه البخاري في المواقيت (٥٥٣)، ومسلم في المساجد (٣٠٠). اختلف في المراد بالفوات، فقيل: تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر؛ لأن الإثم يترتب على

стр. 1159

ذلك. وقيل: المراد بالفوات: فواتُها في الجماعة. وقوله: وُتِر - أي نُقِص، يقال: وترتُه - إذا نقصتَه، فكأنَّك جعلته وِترًا بعد أن كان كثيًرا. • عن أبي المليح قال: كُنَّا مع بريدة في غزوةٍ في يومٍ ذي غيم، فقال: بَكِّروا بصلاة العصر، فإن النبيَّ ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر فقد حَبِطَ عملُه". صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٥٣) عن مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هشام قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال: فذكره. والترك هنا بمعنى التفريط، ولذا حَثَّ الصحابي على المبادرة. وما جاء في بعض الروايات: "بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك الصلاة فقد كفر" رواه ابن حبان (١٤٦٣) ففيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال أبو داود: ليس بشيء، ونقل تكذيبه عن ابن عوف. قلت: الجزء الثاني من الحديث لا يوافق الجزء الأول الذي فيه الحث على التبكير، وعدم التأخير في أداء الصلاة. • عن نوفل بن معاوية مرفوعًا: "من الصلاةِ صلاة، من فَاتَته فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه". متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٠٣)، ومسلم في الفتن (٢٨٨٦/ ١١) كلاهما من حديث صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية فذكر الحديث. وهذا المبهم من الصلاة جاء مفسرًا في سنن النسائي (٤٧٨) من طريق حيوة بن شريح، نا جعفر بن ربيعة، أن عراك بن مالك حدَّثه، أن توفل بن معاوية حدَّثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من فاتَته صلاة العَصرِ فكأنما وُتِر أهلَه ومالَه". قال عراك: وأخبرني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من فاتته صلاةُ العَصرِ فكأنما وُتِر أهله ومالهَ" وخالفه يزيد بن أبي حبيب، قال النسائي: أخبرنا عيسى بن حَمَّاد زُغبَةُ، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من الصلاِة صلاة من فاتته فكأنما وُتِر أهلَه ومالَه". قال ابن عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "هي صلاة العَصرِ" خالفه محمد بن إسحاق، قال النسائي: أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني عَمي، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، قال: سمعتُ نوفل بن معاوية، يقول: صلاة من فاتته فإنَّما وُتِر أهلَه ومالَه، قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "هي صلاة العَصر". انتهى. ثم اعلم أن حديث نوفل بن معاوية شاهد لحديث أبي هريرة سيأتي في الفتن وأشراط الساعة ولكن لم

стр. 1160

بذكر فيه الصلاة. وقوله: "وُتِر أهلَه ومالَه": روي بالنصب على أن "وُتِر" بمعني "سلب" وهو يتعدى إلى مفعولين، فيكون "أهله ومالَه" مفعولًا ثانيًا، وأما المفعول الأول فأضمر في "وُتِر" لم يُسم فاعله، وهو عائد على الذي فاتته، فالمعنى أنه أصيب بأهله وماله، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٥]. وقرئ بالرفع بمعنى أخذ، فيكون أهلُه ومالُه نائب الفاعل. ١٢ - باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي العَصْرُ قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٨]. • عن علي بن أبي طالب، قال: لَمَّا كان يومُ الأَحْزاب قال رسول الله ﷺ : "مَلأَ الله بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا شَغَلُونا عن الصلاة الوُسْطى حينَ غابتِ الشمسُ". متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٣١) وفي المغازي (٤١١١) وفي التفسير (٤٥٣٣) وفي الدعوات (٦٣٩٦)، ومسلم في المساجد (٦٢٧) كلاهما من طرق عن هشام، عن محمد، عن عَبِيدة، عن علي بن أبي طالب فذكر الحديث. هشام هو: ابن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي، ويجوز أن يكون ابن حسان القُردُوسي فإنه من أثبت الناس في محمد بن سيرين. ومحمد هو: ابن سيرين. وعبيدة: بفتح العين، هو ابن عمرو السّلماني المرادي. ولمسلم عن شُتَيْر بن شَكَل، عن عليٍّ قال: "شَغلونا عن الصلاةِ الوُسْطى صلاة العَصْرِ ... " ثم صلَّاها بين العشاءَين بين المغرب والعِشاء. ورواه أيضًا من طرق عن شعبة قال: سمعتُ قتادة، يحدثُ عن أبي حسان، عن عبيدة، عن عليَّ "شَغَلُونا عن صلاة الوُسْطى حتى آبَتِ الشمسُ، ملأَ الله قبورهم نارًا أو بيوتهم أو بطونهم". شك شعبة في البيوت والبطون. وروى ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة بهذا الإسناد وقال: "بيونهم وقبورهم" ولم يشك. وقوله: آبَتِ الشمس - أي غربتْ. • عن عبد الله بن مسعود قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العَصْرِ حتى احمرَّت الشمس، أو اصفَرَّتْ فقال رسول الله: "شَغَلُونا عن الصلاة الوُسْطى صلاة العَصرِ، ملأ الله أجْوَافَهُمْ وقبورَهم نارًا" أو قال: "حَشَا الله أجْوَافَهُمْ وقبورَهم نارًا".

стр. 1161

صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٨)، عن عون بن سلام الكوفي، نا محمد بن طلحة اليامي، عن زُبيد، عن مرة، عن عبد الله فذكر الحديث. ورواه الترمذي (١٨١) من طريق أبي داود الطيالسي وأبي النضر، عن محمد بن طلحة به مختصرًا وفيه: "صلاة الوُسطى صلاة العصر". وقال: حسن صحيح. وهو في مسند أبي داود الطيالسي (٣٦٤) وفي آخر الحديث: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا". • عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: فقرأناها ما شاء الله. ثم نسخها الله، فنزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر). فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. فقال رجل كان جالسًا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر، فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٣٠) من طريق الفُضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء فذكر الحديث. • عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "صلاةُ الوُسطى صلاةُ العصر". حسن: رواه الترمذي (١٨٢) عن هنّاد، حدثنا عَبْدَةُ، عن سعيد (وهو ابن أبي عروبة) عن الحسن، عن سمرة بن جندب فذكر مثله. قال الترمذي: قال محمد (يعني البخاري) قال علي بن عبد الله: حديث الحسن عن سمرة بن جندب حديث صحيح، وقد سمع منه. وقال الترمذي: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. ورواه الإمام أحمد (٢٠٠٩١) والطبراني في "الكبير" (٦٨٢٤) كلاهما من طريق أبان بن يزيد، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي ﷺ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال: سماها لنا: أنها هي صلاة العصر". وإسناده حسن لأجل الحسن، وفيه خلاف معروف في سماعه من سمرة، والتحقيق أنه سمع منه مطلقًا كما قال ابن المديني والبخاري. • عن ابن عباس قال: قاتل النبي ﷺ عدوًّا، فلم يفرغْ منهم حتى أخَّر العصرَ عن وقْتِها، فلما رأى ذلك قال: "اللَّهم من حَسَبَنا عن الصلاة الوُسطى فاملأ بيوتَهم نارًا، واملأ قبورهم نارًا" أو نحو ذلك.

стр. 1162

حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٤٥)، والطبراني في الكبير (١١٩٠٥)، والأوسط (٢٠١٦)، والبزار "كشف الأستار" (٣٨٩)، كلهم من طريق هلال بن خبَّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. ورواه عبد بن حميد في "المنتخب" (٥٧٦) من هذا الوجه وقال فيه: "فاملأ قلوبهم نارًا". وإسناده حسن، وهلال بن خباب أبو العلا البصري روى له أصحاب السنن وثقه يحيى وأحمد وغيرهما، وتكلم فيه ابن حبان بدون حجة، فهو لا ينزل عن درجة الحسن. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٤) بإسناد آخر عن الحكم، عن مقسم وسعيد بن جبير، عن ابن عباس مختصرًا. • عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ يومَ الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا" يعني: صلاة العصر. حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٣٨٨) عن سلمة بن شَبِيب، ثنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عَديّ بن ثابت، عن زِر، عن حذيفة فذكر الحديث. قال البزار: رواه عاصم، عن زِر، عن علي، وقال عَدِي: عن زِر، عن حذيفة. وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٠٩): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. قلت: وصحّحه أيضًا ابن حبان (٢٨٩١) فرواه من طريق هاشم بن الحارث المروزي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو به ولفظه: "شغلونا عن صلاة العصر" قال: ولم يُصَلِّها يومئذ حتى غابتِ الشمس. وهاشم بن الحارث ذكره المؤلف في الثقات (٩/ ٢٤٤) وقال: مستقيم الحديث، وربما أغرب. • عن كُهيل بن حرملة، عن أبي هريرة أنه أقبل حتى نزل دمشق، فنزل على أبي كلثوم الدوسي، فتذاكروا الصلاة الوسطى فقال: "اختلفنا كما اختلفتم، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ ، وفينا الرجلُ الصالح: أبو هاشم بن عتبة، فقام فدخل على رسول الله ﷺ ، وكان جريئًا عليه، ثم خرج إلينا فأعلمنا أنها صلاةُ العصر". حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٣٩١) عن أحمد بن منصور، ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة - يعني ابن خالد، ثنا خالد بن دهقان، حدثني خالد سبلان، عن كهيل بن حرملة فذكر مثله. قال البزار: "لا نعلم روى أبو هاشم بن عُتبة، عن النبي ﷺ إلا هذا، وحديثًا آخر". انتهى. وعزاه الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٠٩) إلى الطبراني في الكبير أيضًا وقال: "رجاله موثقون". وأخرجه الحاكم (٣/ ٦٣٨) من طريق خالد بن دهقان به مثله. ولم يقل فيه شيئًا. وإسناده حسن لأجل خالد بن دهقان فإنه وثَّقه ابن معين والدارمي. وأما خالد سبلان فهو: خالد بن عبد الله بن الفرج أبو هاشم مولى بني عبس، ويعرف بخالد سبلان، ولقب بذلك لعظم لحيته، كذا ذكر محقق كتاب الثقات لابن حبان في الحاشية نقلًا من

стр. 1163

تاريخ ابن عساكر. راجع: "تهذيب تاريخ ابن عساكر" (٥/ ٦٧). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢٥٥). ١٣ - باب الدليل لمن قال: الصلاة الوُسطى هي الظهر • عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتْني عائشة أن أكتُبَ لها مُصْحفًا وقالت: إذا بلغْتَ هذه الآية فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (سورة البقرة: ٢٣٨)، فلما بلغتُها آذَنتُها، فأمْلَتْ عَليَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قالت عائشة: سَمعتُها من رسول الله ﷺ . صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٩) عن يحيى بن يحيى التميمي قال: قرأت على مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس فذكره. وفي قولها دليل على أن الوُسْطى - أي الفُضْلى - غير العصر، لأن العطف يقتضي المغايرة، وأجيب بوجوه منها: إنها قراءة شاذة، لم تثبت بالتواتر، ويمكن حمل العطف على التفسير ليتفق مع حديث عَليٍّ، أو أن تجعل الواو فيه زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها "والصلاة الوُسْطى صلاة العصر". • عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي الظُّهْر بالهاجِرة ولم يكنْ يُصَلِّي صلاةً أشَدَّ على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال: إن قبلها صلاتين، وبعدها صلاتين. صحيح: أخرجه أبو داود (٤١١) قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر، حدثنا شعبهُ، حدثني عمرو بن أبي حكيم، قال: سمعتُ الزِبرقان يُحدِّثُ عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت فذكره. إسناده صحيح، ورجاله ثقات، عمرو بن أبي حكيم هو: الواسطي أبو سعيد يعرف بابن الكردي، والزبرقان هو: ابن عمرو بن أمية الضمري. وقوله: "ولم يكن يُصَلِّي صلاة أشد ... " ولذا شكوا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، وكانوا يصلون على ثيابهم، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: الفُضْلي، إذا الأوسط هو الأفضل. وقوله: "وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين" قيل: القائل هو زيد بن ثابت، قبلها صلاتين - نهارية وليلية، وبعدها صلاتين، نهارية وليلية - فالوُسطى هي الواقعة بين وسط النهار وهي الظهر. هكذا فهم زيد بن ثابت، أن الوُسطى هي الظُّهر وكان يجيب إذا سئل عن الصلاة الوسطى بأنها

стр. 1164

الظهر، رواه ابن أبي شيبة، انظر: "إتحاف الخيرة" (١١٨٠)، ولكن هذا الفهم يعارض ما ثبت بالنص بأن الوُسْطى في العَصْرُ. ومن جعل فاعل (قال) النبيَّ ﷺ فقد أبعد. ١٤ - باب ما جاء في أول وقت المغرب وهو عند غروب الشمس • عن سَلَمَة بن الأَكْوَعِ أنَّ رسول الله ﷺ كان يُصَلِّي المغربَ إذا غربَتِ الشمْسُ، وتوارتْ بالحجاب. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٦١)، ومسلم في المساجد (٦٣٦) كلاهما من طريق يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع فذكر الحديث، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: "كنا نُصَلِّي مع النبي ﷺ المغربَ إذا توارتْ بالحجاب" ولم يذكر "إذا غربت الشمس" اختصارًا لأن قوله: "توارتْ بالحجاب" يدل على غروبها. • عن رافع بن خِدِيج يقول: كنا نُصَلِّي المغْربَ مع النبي ﷺ فَيَنْصَرِفُ أحدُنا، وإنَّه ليُبْصِرُ مواقَع نبْلهِ. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٥٩)، ومسلم في المساجد (٦٣٧) كلاهما عن محمد بن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني أبو النَّجَاشِيّ هو: عطاء بن صهيب مولى رافع بن خَدِيجٍ قال: سمعت رافعَ بن خَديجٍ فذكر الحديث. ولفظهما سواء وشيخهما واحد. وقوله: "ليُبصر مواقعِ نبله": معناه أنه يُبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرفَ ويَرمي أحدُنا النَّبْلَ عن قوسِه، ويُبْصر موقعَه لبقاء الضوء، وفي هذين الحديثين أن المغرب تُعجل عقب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وأما الأحاديث في تأخير المغرب إلى قريب سقوط الشفق فكانت ليان جواز التأخير، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت. أفاده النووي. • عن مَرْثَد بن عبد الله قال: لمَّا قدم علينا أبو أيوب غازيًا، وعُقْبة بن عامرٍ يومئذ على مصر، فَأَخَّرَ المغْربَ، فقام إليه أبو أيوب فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ ! فقال: شُغِلْنَا، قال: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمَّتي بخيرٍ، أو قال: على الفِطْرةِ ما لم يؤخروا المغربَ إلى أن تشتبكَ النجوم". حسن: رواه أبو داود (٤١٨) عن عبد الله بن عمر، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله فذكره. وإسناده حسن ورجاله ثقات غير محمد بن إسحاق فإنه مدلس، إلا أنه صرح بالتحديث وهو صدوق. وصحَّح الحاكم في المستدرك (١/ ١٩٠) هذا الإسناد وقال: على شرط مسلم. ولكن سئل أبو زرعة عن هذا الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي

стр. 1165

حبيب ... فقال: ورواه حيوة وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب عن النبي ﷺ أنه قال: "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجوم" قال أبو زرعة: حديث حيوة أصح. انتهى. انظر: "العلل لابن أبي حاتم" (١/ ١٧٧)، وابن لهيعة فيه ضعف ولكنه توبع، . ولا يمنع من كون حديث حيوة أصح أن لا يكون حديث محمد بن إسحاق حسنًا، أو هما حديثان، ومعناه واحد، وهو التعجيل في صلاة المغرب. وقوله: تشتبك بالنجوم - أي: تظهر وتختلط. • عن رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ قال: إنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ المغرب، ثم يرجعون إلى أهاليهم إلى أقصى المدينة، يرمون ويُبصرون مواقعَ سهامِهم. حسن: رواه النسائي (٥٢٠) قال: حدثنا محمد بن بشَّار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت حسان بن بلال، عن رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ فذكر الحديث. وإسناده حسن، فإن حسان بن بلال صدوق، وثقه ابن المديني وغيره. وأبو بشر هو: جعفر بن إياس أبو بشر بن أبي وحشية، ثقة، وضعَّفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد. انتهى. إلا أن شعبة خولف في هذا الإسناد فقد رواه هُشَيم، عن أبي بشر، عن علي بن بلال، عن ناس من الأنصار فالوا: كنا نُصَلِّي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم ننصرف فنترامي حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا. رواه أحمد (١٦٤١٥) وكذلك روَى عن عفان (وهو ابن مسلم) قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا أبو بشر، عن علي بن بلال الليثي، قال: صليت مع نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فحدَّثوني أنَّهم كانوا يُصَلُّون المغرب مع رسول الله ﷺ ، ثم ينطلقون يترامون، لا يخفى عليهم مواقعُ سهامِهم حتى يأتونَ ديارهم في أقْصى المدينة. فخالف هشيم وعفان فرويا عن أبي بشر، عن علي بن بلال، ورواه شعبة كما سبق عن أبي بشر، قال سمعت حسان بن بلال فجعل بعض أهل العلم بأنهما واحد، ومن فرق بينهما قال: علي بن بلال أشبه وإليه ذهب البخاري فإنه ذكر الحديث في ترجمة علي بن بلال "التاريخ الكبير" (٦/ ٢٦٣) من طريق أبي عوانة، ثم ذكره من طريق شعبة عن أبي بشر قال سمعتُ: حسان بن بلال ثم قال: "والأول أشبه". وعلي بن بلال لم يكن مرضيًا، فيكون الإسناد ضعيفًا. فإما أن نجعلهما واحدًا، أو نقول لعل أبا بشر روي عن الاثنين فإنه صرح بأنه سمع من حسان بن بلال وهو صدوق كما مضى. ولذا حَسَّن إسنادَه الهيثميُّ بعد أن عزاه الحديث للإمام أحمد، عن علي بن بلال "مجمع الزوائد" (١/ ٣١٠)، ولأجل الخلاف في حسان بن بلال، وعلي بن بلال أورده في الزوائد والا فلم يكن الحديث من شرطه.

стр. 1166

• عن جابر بن عبد الله قال: كُنَّا نُصَلِّي مع النبي ﷺ المغربَ ثم نرجعُ إلى منازِلنا، وهي مِيلٌ وأنا أُبْصر مواقع النَبْلِ". حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٩٧١) وأبو يعلى "المقصد العلي" (١٩٢) والبزار "كشف الأستار" (٣٧٤) كلهم من طرق عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله فذكر الحديث. وإسناده حسن؛ فإن عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه غير أنه يحسن حديثه، وقد مضت ترجمته بالتفصيل في كتاب الحيض. والإمام أحمد رواه عن عبد الرزاق، - وهو في المصنف (٢٠٩١) عن سفيان به مثله، ورواه أيضًا عن وكيع، عن سفيان به قال: "الظهر كاسمها، والعصرُ بيضاءُ حية، والمغربُ كاسمها، وكُنَّا نُصَلِّي مع رسول الله ﷺ المغربَ، ثم نأتي منازِلَنا وهي على قدْر مبلٍ، فنرى مواقعَ النَبْلِ، وكان يُعجِّلُ العشاءَ ويؤخِّر، والفجرُ كاسمها وكان يُغَلِّسُ بها". وقوله: "الظهر كاسمها" أي: يؤخذ وقتها من اسمها الدال على الظهيرة، هو بمعني شدة الحر. "والعصر بيضاء" أي: ذات بياض. "والمغرب" أي: تصلي صلاة المغرب عند غروب الشمس. • عن زيد بن خالد الجهني، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ المغرب، وننصرف إلى السوق، ولو رمي أحدنا بالنبل - قال عثمان: رمي بنبلٍ - لأبصر مواقعها. حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٠٢٩، ١٧٠٥٢) والطبراني في الكبير (٥/ ٢٩٢) وعبد بن حميد (٢٨١) وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٩) كلهم من طريق ابن أبي ذئب، عن مصالح مولى التوأمة، عن زيد بن خالد، فذكر مثله. إسناده حسن لأجل صالح مولى التوأمة؛ فإنّه صدوق وقد اختلط، ولكن روي ابن أبي ذئب عنه قبل اختلاطه. قال ابن عدي: لا بأس به إذا روى عنه القدماء مثل ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد. وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣١٠): "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه صالح مولى التوأمة وقد اختلط في آخر عمره. قال ابن معين: سمع منه ابن أبي ذئب قبل الاختلاط. وهذا من رواية ابن أبي ذئب عنه" انتهى. وتابعه سفيان عن صالح مولى التوأمة به فذكر مثله. رواه الإمام أحمد (١٧٠٤١) وعنه الطبراني في الكبير (٥/ ٢٩٢) وسفيان ممن سمع منه بعد الاختلاط. ومتابعه سفيان تؤكّد أنّه لم يهم في هذا الحديث حتَّى بعد الاختلاط.

стр. 1167

وله شاهد من حديث أبي طريف قال: كنت مع رسول الله ﷺ حين حاصر الطائف، وكان يُصلي بنا صلاة البصر حتَّى لو أنّ رجلًا رمي لرأي موقع نبله. رواه الإمام أحمد (١٥٤٣٧) وعنه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣١٥) عن طريق أزهر بن القاسم الراسبي، حدّثنا زكريا بن إسحاق، عن الوليد بن عبد الله بن شُميلة، عن أبي طريف فذكر مثله. والوليد بن عبد الله بن شُميلة من رجال "التعجيل" ذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات" فهو "مقبول" إذا توبع، ولكنّه لم يُتابع. وأما قوله: "صلاة البصر" فقال البيهقي (١/ ٤٤٧) أراد بها صلاة المغرب، وإنّما سُمِّيت صلاة البصر لأنّها تُؤدَّى قبل ظلمة الليل. وأورده الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣١٠) وقال: "رواه أحمد وفيه الوليد بن عبد الله بن شُميلة لم أجد من ذكره". ثم قال: الوليد هذا هو الوليد بن عبد الله بن سميرة كما رواه الطبراني، وكذا ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر روايته عن أبي طريف، وأنّه اختلف في اسم جدّه". • عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يُصلي المغربَ، فيصلي معه رجال من بني سلمةَ، ثم ينصرفون إلى بني سلمة، وهم يُبصرون مواقع النَبْلِ. حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٦٢) وفي الأوسط "مجمع البحرين" (٥٦٤) عن محمد بن أحمد بن البراء، ثنا المعافي بن سليمان، ثنا موسى بن أعين، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، أخبرني ابن كعب بن مالك، عن أبيه فذكر الحديث. قال في الأوسط: "لم يروه عن إسحاق إلا موسى". قلت: رجاله ثقات إلا إسحاق بن راشد وهو وإن كان من رجال البخاري إلا أنه لم يكن ذلك القوي في الزهري. قال ابن معين في رواية ابن الجنيد: ليس في الزهري بذاك، وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الفسوي: صالح الحديث. والخلاصة: أنَّه يُحسَّن حديثه، قال الهيثمي "المجمع" (١/ ٣١١): "رجاله ثقات". قلت: وهو كما قال إلا المعافي بن سليمان فهو صدوق. وأما ابن كعب بن مالك فهو إما عبد الله، أو عبد الرحمن، وكلاهما ثقان. ١٥ - باب وقت صلاة العشاء وتأخيرها • عن عائشة قالت: أعْتَمَ رسولُ الله ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العِشَاء، وهي التي تُدعَى العتمةُ فلم يخرجْ رسولُ الله ﷺ حتى قال عمر بن الخطاب: نام النساءُ

стр. 1168

والصِّبيانُ، فخرج رسولُ الله ﷺ فقال لأهْلِ المسجد حين خرج عَليهم: "ما ينتظرها أحدٌ من أهل الأرض غيرُكم، وذلك قبل أن يَفْشوَ الإسلامُ في النَّاس. وفي رواية قالت: أعْتمَ رسولُ الله ﷺ ذات ليلةٍ حتى ذهب عامة اللَّيلِ، وحتى نام أهْلُ المسجد، ثم خرج فصَلَّى فقال: "إنه لوَقْتُها، لولا أن أشقَّ على أمتي". متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٦٩)، ومسلم في المساجد (٦٣٨) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة واللفظ لمسلم، وقال: وزاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب: وذُكِر لي أن رسول الله ﷺ قال: "وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله ﷺ على الصلاة" وذلك حين صاحَ عمرُ بن الخطاب. وقوله: تَنْزُروا - بالتاء، ثم النون الساكنة، ثم الزاء المضمومة، ثم الراء - أي: تُلِحُّوا عليه، ورُوي بضم أوّلِه، بعدها موحدة، ثم راء مكسورة، ثم زاي - أي: تخرجوا. وفي لفظ البخاري: "ولا يُصلي يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يُصلُّون فيما بين أن يَغِيبَ الشَّفقُ إلى ثلث اللَّيل الأوَّلِ". والرواية الثانية عند مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عن عائشة قالت فذكرت الحديث. وفي حديث عبد الرزاق، عن ابن جريج: "لولا أن يَشُقَّ على أمتي". قلت: والذي في المصنف (٢١١٤): "لولا أن أشُقَّ على أمتي" موافقًا لرواية الآخرين، فالله أعلم هل حصل الخطأ من الطابع أو من غيره. وقوله: "ذهب عامة الليل" - معناه كثير منه، وليس المراد أكثره، ولا بد من هذا التأويل لقوله ﷺ : "إنه لوقتها" ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف اللَّيل أفضل. أفاده النووي. • عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ شُغل عنها (أي عن العِشاء) فأَخَّرها حتى رَقَدْنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقَدْنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي ﷺ ثم قال: "ليس أحد من أهل الأرض ينتظرُ الصلاةَ غيرُكم". وفي رواية قال ابن عمر: مكثنا ذاتَ ليلةٍ ننتظرُ رسول الله ﷺ لصلاة العِشاءِ الآخِرة، فخرج إلينا حين ذهب ثُلُثُ اللَّيلِ أو بعده، فلا نُدْرِيِ أشيء شَغَلَه في أهْلِه أو غير ذلك، فقال حين خرج: "إنكم لتنتظرون صلاةً ما ينتظرها أهْلُ دين غيرُكم، ولولا أن يَثْقُلَ على أمَّتِي لصلَّيْتُ بهم هذه الساعة" ثم أمر المؤذِّنَ فأقام الصلاةَ وصَلَّى. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٧٠)، ومسلم في المساجد (٦٣٩) كلاهما من عبد

стр. 1169

الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني نافع، قال: حدثنا عبد الله بن عمر فذكر الحديث، وهو في المصنف (٢١١٥). والرواية الثانية أخرجها مسلم من وجه آخر عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر فذكر الحديث. ومضى هذا الحديث في الوضوء، باب إن النوم ليس حدثًا، بل مظنة للحدث. • عن أنس بن مالك قال: أخَّرَ النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صَلَّى ثم قال: "قد صلَّى الناسُ ونامُوا، أَما إنَّكم في صلاةٍ ما انتظرتموها". وفي رواية: ثم أقبل علينا بوجهه بعد ما صلَّى فقال: "صلَّى الناسُ ورَقَدُوا، ولم تزالوا في صلاةٍ منذ انتظرتموها" قال (أنس): فكأني أنظُر إلى وَبِيضِ خَاتَمه. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٧٢) وفي الأذان (٦٦١)، من طريقين عن حميد الطويل، عن أنسٍ، وملم في المساجد (٦٤٠) من وجه آخر عن أنسٍ. • عن أبي موسى قال: كنت أنا وأصْحابي الذين قدِموا معي في السَّفِينة نُزولًا في بَقِيع بُطْحان، ورسولُ الله ﷺ بالمدينة، فكان يتناوبُ رسول الله ﷺ عند صلاةِ العِشاءِ كلَّ ليلَةٍ نفرٌ منهم، قال أبو موسى: فوافَقْنَا رسولَ الله ﷺ أنا وأصْحابي، وله بعضُ الشُّغْل في أمره، حتى أَعْتَمَ بالصَّلاةِ حتى أبهارَّ اللَّيلُ، ثم خرج رسولُ الله ﷺ فصَلَّى بهم، فلَمَّا قضَى صلاتَه قال لمن حضره: "على رِسْلِكم أُعْلِمكم، وأَبْشِرُوا، أنَّ من نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يُصَلِّي هذه الساعة غيرُكم" أو قال: "ما صَلَّى هذه الساعة أحد غيرُكم" - لا ندري أي الكلمتين قال. قال أبو موسى: فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٦٧)، ومسلم في المساجد (٦٤١) كلاهما عن أبي أسامة، عن بُريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكر الحديث. قوله: بقيع بُطحان - البقيع من الأرض المكان المتسع، قال ابن الأثير: لا يسمى بقيعًا إلا وفيه شجر أو أُصولها، وبُطحان: موضع بعينه واد بالمدينة. وقوله: "يتناوب" فاعله: نفر، أي يأتيه كل ليلةٍ عدة رجال متناوبين غير مجتمعين. وقوله: "ابهار الليل": انتصف، وبهرةُ كل شيء وسطه، ويؤيد هذا المعنى لما في بعض الروايات: حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل. والشُّغُل المذكور كان في تجهيز جيش، رواه الطبري من وجه صحيح عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ذكره الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٨).

стр. 1170

• عن ابن عباس يقول: أَعْتَمَ رسولُ الله ﷺ ذات ليلةٍ العِشَاءَ، قال: حتى رَقَد ناسٌ واستَيْقَظُوا، ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال: الصلاةَ! فقال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله ﷺ كأنّي أنظر إليه الآن، يَقْطُر رأسه ماءً واضِعًا يدَه على شقِّ رأسِه قال: "لولا أن يَشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم أن يُصَلُّوها كذلك". متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٧١)، ومسلم في المساجد (٦٤٢) كلاهما من حديث عبد الرزاق، قال أخبرني ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيُّ حين أَحَبُّ إليك أن أُصَلِّي العِشَاءَ التي يقولُها الناس العَتَمَةَ إِمَامًا وخِلْوًا؟ قال: سمعت ابن عباس يقول فذكر الحديث. والحديث في مصنف عبد الرزاق (٢١١٢) من هذا الوجه. ورواه أيضًا عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يقول فذكر مثله. • عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يُؤَخِّرُ صلاةَ العشاء الآخِرَةِ. وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي الصلوات نحوًا من صَلاتِكم، وكان يُؤَخِّرُ العَتَمَةَ بعد صلاتكم شيئًا، وكان يُخِفُّ الصلاةَ، وفي رواية: يُخَفِّفُ. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٤٣) عن أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر، والرواية الثانية: عن أبي عوانة، عن سماك به مثله. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٨١٠) عن قيس، عن سماك، عن جابر بن سمرة ولفظه: كان رسول الله ﷺ لا يصلي الظهر نحو صلاتكم، والعَصْرَ نحو صلاتكم، والمغربَ نحو صلاتكم، وكان يُؤَخِّر العِشاءَ شيئًا. • عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخَّرتُ صلاة العِشاءِ إلى ثُلثِ الليل". صحيح: رواه الترمذي (٢٣) قال: حدثنا هنَّاد، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني فذكر الحديث. قال الترمذي: "حسن صحيح". قلت: فيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، ومن طريقه رواه أيضًا أبو داود (٤٧)، والنسائي في الكبري (٣/ ٢٩١) إلا أنهما لم يذكرا "تأخير صلاة العشاء" وسبق تخريجه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في السواك. وللحديث إسناد آخر رواه الإمام أحمد (١٧٠٤٨) قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا حرب - يعني ابن شدَّاد - عن يحيى، حدثنا أبو سلمة، عن زيد بن خالد الجهني فذكر الحديث في السواك

стр. 1171

بدون تأخير صلاة العشاء، وهذا إسناد صحيح، ويحيي هو: ابن أبي كثير. • عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة، كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّيها لسقوط القمر الثالثة. صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٩)، والترمذي (١٦٥)، والنسائي (٥٢٩) كلهم من طريق أبي عوانة، عن أبي بِشْرٍ، عن بَشِير بن ثابتٍ، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير فذكر مثله. وإسناده صحيح، إلا أنه اختلف على أبي بِشْرٍ وهو: جعفر بن إياس فرواه أبو عوانة كما تراه وتابعه شعبة فروي عن أبي بِشْرٍ نحو رواية أبي عوانة. ومن طريق شعبة رواه الإمام أحمد (١٨٣٩٦) والدارقطني (١/ ٢٧٠)، والحاكم (١/ ١٩٤) كلهم من طريق يزيد بن هارون عنه، ولفظه في المسند: إني لأعلم الناس - أو من أعلم الناس - بوقت صلاة رسول الله ﷺ العِشَاء، كان يُصَلِّيها مقدارَ ما يَغيبُ القمر ليلةَ ثالثةٍ أو رابعةٍ. قال الدارقطني: شك شعبة. قال الترمذي: حديث أبي عوانة أصَحُّ عندنا، لأن يزيد بن هارون روي عن شعبة، عن أبي بِشْرٍ نحو رواية أبي عوانة. انتهى قال الدارقطني: ورواه هُشيم ورَقَبة وسفيان بن حسين، عن أبي بِشْرٍ، عن حبيب، عن النعمان وقالوا: ليلة ثالثة، ولم يذكروا بَشيرًا. انتهى. قلت: من طريق هُشَيم رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٠)، والحاكم (١/ ١٩٤)، قال الحاكم: تابعه رَقَبة بن مصقلة، عن أبي بِشْرٍ. هكذا اتفق رَقَبة وهُشيم على رواية هذا الحديث عن أبي بِشْرٍ، عن حبيب بن سالم، وهو إسناد صحيح، وخالفهما شُعبة وأبو عوانة فقالا: عن أبي بِشْرٍ عن بَشِير بن ثابت، عن حبيب بن سالم. انتهى. قلت: أما رواية رَقَبة بن مصقلة فأخرجها النسائي (٥٢٨) عن جعفر بن إياس وهو: أبو بِشْرٍ بن أبي وَحْشِيَّة. وأبو بِشْرٍ وإن كان ثقةً إلا أن شعبةَ ضَعَّفَه في حبيب بن سَالِم. وأما حديث سفيان بن حسين، عن أبي بِشْرٍ، عن حبيب بن سالم عن النعمان فقد أشار إليه الدارقطني كما مضى. وقد رجح الترمذي وأبو زرعة وغيرهما رواية من أثبت (بشير بن ثابت) بين أبي بِشْرٍ وحبيب بن سالم، بل وقد خطأ أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي" (١/ ٢٧٧) قائلًا: "وخطأ من أخطأ فيه لا يُخرجه عن الصحة". وقال شعبة: أبو بِشْرٍ لم يسمع من حبيب بن سالم ولذا ضَعَّفه فيه، كما سبق. وبهذا صَحَّ قول الترمذي بأن حديث أبي عَوانة أصَحُّ عندنا. والحديث يدل على تعجيل صلاة العِشاء بعد دخول وقتها، والأحاديث الأخرى تدل على

стр. 1172

استحباب تأخيرها، والضابط في هذا ما ذكره جابر بن عبد الله بأن النبي ﷺ كان يصلي العِشاءَ أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر كما مضى في باب التوقيت. • عن أبي سعيد الخدري قال: صَلَّينا مع رسول الله ﷺ صلاةَ العَتَمَةِ، فلم يخرجْ حتى مَضَى نحو من شَطر اللَّيلِ فقال: "خذوا مقاعدكم" فأخذنا مقاعدنا، فقال: "إن الناس قد صَلُّوا وأخذوا مَضَاجِعَهم، وإنَّكم لن تَزَالُوا في صلاةٍ ما انتظرتُم الصلاةَ، ولولا ضَعْفُ الضِّعِيفِ، وسُقْمُ السَّقيم لأخَّرتُ هذه الصلاةَ إلى شطر اللَّيلِ". صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٢)، والنسائي (٥٣٨)، وابن ماجة (٦٩٣) كلهم من طريق داود ابن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد فذكره. واللفظ لأبي داود. وأبو نَضْرة هو: المنذر بن مالك بن قُطَعة العَبدي. وقوله: "صلَّينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمةِ" - أي صلاة المغرب كما في النسائي وابن ماجة، لأن العرب كانوا يطلقون على صلاة المغرب العَتَمة، وقد نُهينا عن ذلك. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، صحّحه ابن خزيمة، وأخرجه في صحيحه (٣٤٥) من طرق عن داود بن أبي هند. هكذا رواه بِشْرٍ بن المفضل وغيره عن داود بن أبي هند، وخالفهم أبو معاوية الضرير، عن داود ابن أبي هند فقال: عن جابر بن عبد الله، وهو سيأتي فيما بعد. • عن معاذ بن جبل يقول: بَقَينا النبي ﷺ في صلاة العَتَمَة فأَخَّر حتى ظنَّ الظَّان أنه ليس بخارج، والقائل منا يقول: صَلَّى، فإنا لكذلك، حتى خرج النبي ﷺ فقالوا له كما قالوا: فقال لهم: "أَعْتِنموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فُضِّلْتُم بها على سائر الأمم، ولم تُصَلِّها أمةٌ قبلكم". صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢١) قال: حدثنا عمرو بن عثمان الحِمصي، ثنا أبي، ثنا حَريز - يعني ابن عثمان - عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حُميد السَّكوني، أنه سمع معاذ بن جبل يقول: فذكر الحديث. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات غير عاصم بن حُميد السكوني صاحب معاذ فقد شك البزار في سماعه من معاذ، والصواب أنه سمع منه، وهو الحمصي المخضرم من الطبقة العليا من تابعي أهل الشام. والإعتام - الدخول في العَتَمة، وهي ظلمة الليل. وقوله: بَقَينا - بفتح الباء والقاف، بوزن رَمينا. قال الخطابي: "معناه - انتظرنا. يقال: بَقَيتُ الرجل أبقيه إذا انتظرته". • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتُهم

стр. 1173

بتأخير العِشاءِ، وبالسواك عند كل صلاة". صحيح: رواه أبو داود (٤٦)، وابن ماجة (٦٩٠) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. وقد سبق تخريج هذا الحديث في كتاب الطهارة، باب السواك من طريق مالك عن الزناد، به إلا أن مالكًا لم يذكر في حديثه تأخير العِشاء، وهو الذي اعتمده الشيخان كما أن مُسلما رواه من حديث سفيان ولم يذكر فيه تأخير العِشاء أيضًا، وروى عنه عدد منهم قتيبة بن سعيد، وعنه رواه أبو داود عن سفيان وجمع بين تأخير العشاء وبين السواك عند كل صلاة. قال ابن خزيمة (١٣٩) بعد أن أخرج الحديث من طرق منها سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان: "لم يؤكد المخزومي تأخير العِشاء". فالذي يظهر أن الرواة اختلفوا على سفيان بن عيينة، فالأكثر منهم لم يذكروا تأخير العشاء. وأما مالك فلم يختلف الرواة عليه، فكل من روى عنه لم يذكروا تأخير العشاء أكَّد ذلك ابن خزيمة بعد أن رواه من طريق روح بن عبادة، عن مالك قال: ورواه الشافعي وبشر بن عمر كرواية روح وهو: "لولا أن أَشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك مع كل وضوء". انتهى. ولحديث أبي هريرة إسناد آخر رواه الترمذي (١٦٧) وابن ماجة (٦٩١) كلاهما عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأخرتُ صلاة العِشاء إلى ثلث الليل، أو نصف الليل". هكذا بالشك من "ثلث الليل" أو "نصف الليل"، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٤٦) من طريق عبد الرحمن السراج، عن سعيد، عن أبي هريرة وفيه: "إلى نصف الليل" بغير شك مع ذكر السواك. قال الحاكم: وهو صحيح على شرطهما وليس له علة. وعبد الرحمن سراج هو: ابن عبد الله البصري. فالذي يظهر من هذا أن الشك من أحد الرواة عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وللحديث أسانيد، أخرى انظر مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٥٨، ٢٥٩). قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. • عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات ليلة وهم ينتظرون العِشَاء فقال: "صَلَّى الناس ورَقَدوا، وأنتم تنتظرونها، أما إنكم في صلاةٍ ما انتظرتُموها" ثم قال: "لولا ضَعْفُ الضعيفٍ، وكِبرُ الكبير، لأخَّرتُ هذه الصلاة إلى شطر اللَّيلِ". صحيح: أخرجه أبو يعلى (٢/ ٣٦٧) (١٩٣٥ تحقيق الأثري)، قال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا محمد

стр. 1174

ابن حازم (وهو أبو معاوية الضرير)، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن جابر فذكر مثله. ومن طريق أبي يعلى - أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٥٢٩) مثله. وتابعه ابن أبي شيبة (١/ ٤٠٢) وسعدان بن نصر عند البيهقي (١/ ٣٧٥) فرويا عن أبي معاوية به مثله. وله طريق آخر عند أحمد (١٤٩٤٩) عن أبي الجَوَّاب، حدثنا عمَّار بن رُزيق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: جَهَّز رسولُ الله ﷺ جيشًا ليلةً حتى ذهب نصفُ الليلِ، أو بلغ ذلك، ثم خرج فقال: "قد صلَّى الناس ورقدوا، وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتموها". وهي متابعة قوية ورجال الإسنادين ثقات. وأبو الجوَّاب هو: الأحوص بن جوَّاب - بفتح الجيم، وتشديد الواو - الضَّبِّي - وثَّقه ابن معين، وأخرج له مسلم، قال أبو حاتم: صدوق، وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق ربما وهم". وأبو سفيان هو: طلحة بن نافع الواسطي وهو: "صدوق". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٣١٢): "رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناد أبي يعلى رجاله رجال الصحيح". • عن عائشة قالت: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن وقت العشاء فقال: "إذا ملأ الليلُ بطن كُلِّ وادٍ". حسن: أخرجه الطبراني في الأوسط - مجمع البحرين (١/ ٤٣٤) (٥٦٧) عن علي بن سعيد الرازي، ثنا قطن بن نُسير الذِّراع، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة فذكرته. وإسناده حسن، قطن بن نُسير الغُبري الذراع وجعفر بن سليمان ومحمد بن عمرو - الليثي كلهم صدوق، لا يرتقون إلى درجة الثقة، وإن كان كلهم من رجال مسلم. ولذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٣١٣): رجاله رجال الصحيح. • عن ابن مسعود قال: أخَّر رسولُ الله ﷺ صلاةَ العشاءِ ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة قال: "أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحدٌ يذْكر الله هذه الساعة غيرَكم". قال: وأنزل هؤلاء الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٥]. حسن: أخرجه أحمد (٣٧٦٠)، وأبو يعلى (٥/ ١٣٩) (٥٢٨٥ الأثري)، والبزار "كشف الأستار" (١/ ١٩٠)، والحارث بن أبي أسامة: في "بغية الباحث" (١/ ٢٥٥) (١٣٢) كلهم من طريق عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله بن مسعود فذكره. ورواه الطبراني في "الكبير" (١٠٢٠٩) من طريق الأعمش، عن زِرّ به.

стр. 1175

وإسناده حسن لأجل عاصم وهو: ابن أبي النجود. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٣١٢) رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في "الكبير" ورجال أحمد ثقات، ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود، وهو مختلف في الاحتجاج به، وفي إسناد الطبراني: عبيد الله بن زَخْر وهو ضعيف". انتهى. وأورده أيضًا البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٢/ ٦٩ - ٧٠) وعزاه أيضًا إلى أبي بكر بن أبي شيبة، والنسائي في "الكبري"، وابن حبان في "صحيحه" كلهم من طرق عن عاصم (بن أبي النجود). وقوله: "أهل الأديان" المراد بهم اليهود والنصارى في المدينة وما يجاورها، لا على الأرض إطلاقًا، لأن ذكر الله تعالى لا تتوقف في أي ساعة من ساعات الليل والنهار. وخلاصة القول في وقت صلاة العشاء: قال الحافظ الزيلعي: تكلم الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٥٨) ههنا كلامًا حسنًا ملخصه أنه قال: "يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجْرُ، وذلك أن ابن عباس وأبا موسى والخضرمي رووا أن النبي ﷺ في أخَّرها إلى ثلث اللَّيلِ، وروى أبو هريرة وأنس أنه أخرها حتى انتصف الليلُ، وروى ابن عمر أنه أخَّرها حتى ذهب ثلث الليل، وروَتْ عائشهُ أنه أعْتَمَ بها حتى ذهب عامهُ اللَّيلِ، وكل هذه الروايات في "الصحيح" قال: فثبت بهذا أنَّ اللَّيلَ كله وقت لها، ولكنَّه على أوقات ثلاثة: فإما من حين يدخلُ وقْتُها إلى أن يَمْضِيَ ثلثُ اللَّيلِ فأفضلُ وقتٍ صُلِّيَت فيه، وأما بعد ذلك إلى أن يَتم نصفُ اللَّيل في الفضل دون ذلك، وأما بعد نصفِ اللَّيلِ فدونه، ثم ساق بسنده عن نافع بن جبير، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى: وصَلِّ العشاء أيَّ اللَّيلِ شئتَ، ولا تَغْفَلْها. ولمسلم في قصة التعريس عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط أن يؤخر صلاةً حتى يدخلُ وَقْتُ الأُخْرى، فدلَّ على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقتُ الأُخرى، وهو طلوع الفجر الثاني". انظر: "نصب الراية" (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥). هذا كلام حسن ولكن في بعضه نظر، وقد سبق أن بَيَّنتُ معنى حديث عائشة: "ذهب عامة الليل" بأنه كثير منه ... إلخ ١٦ - باب كراهية أن يُقالَ لصلاة العِشَاء العَتَمَة • عن عبد الله بن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تَغْلِبَنَّكُم الأَعْرَابُ على اسم صلاتِكم، أَلا إِنَّها العِشَاءُ، وهم يُعْتِمُونَ بالإِبِل". وفي رواية: "فإنها في كتاب الله العِشاءُ، وإنَّها تُعْتِمُ بحلابِ الإِبل". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٤٤) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي لبيد، عن أبي

стр. 1176

سلمة، عن عبد الله بن عمر فذكره. قوله: "يُعتمون" - معناه يُؤخرون حلب الإبل، ويسمون الصلاة باسم وقت الحلاب، ويقال: فلان عالم القِرى، إذا كان نزل به الأضياف لم يُعجل قراهم، قاله الخطابي في شرح أبي داود (٥/ ٢٦١). وقوله: "اسمها في كتاب الله العِشاء"، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [سورة النور: ٥٨]. ولكن جاء في الأحاديث الصحيحة تسميتُها بالعَتَمَةِ كحديث: "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا". وفي حديث عبد الله بن عمر تسمية العشاء العتمة وهو الحديث الآتي. • عن عبد الله بن عمر قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ ليلةً الصلاةَ العِشاء - وهي التي يدعو الناسُ العتمةَ - ثم انصرف، فأقبل علينا فقال: "أرأيتُم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنةٍ منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ". متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٦٤) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٣٧) كلاهما من طريق الزهري، قال سالم: أخبرني عبد الله فذكره، واللفظ للبخاري. والجمع بين هذه الأحاديث من وجوه: منها: بيان جواز تسمية العتمة للعشاء، فالنهي للتنزيه لا للتحريم. ومنها: مخاطبة الناس بما يعرفون. ومنها: تعليمهم بترك ما لا يناسب. ومنها: لئلا يتوهموا أنها المغرب، لأن العشاء عندهم كانت تطلق على المغرب. ومنها: لعل الرواة هم الذين تصرفوا في تسمية العتمة للعشاء. والخلاصة: أن تسمية الإسلام لصلاة العشاء - هي العشاء، فلا يستحسن العدول عنها إلى العتمة، لئلا تغلب السنةُ بالجاهلية، مع ذلك لا يحرم استعمالها بدليل استعمال النبي ﷺ واستعمال الصحابة بعده. ١٧ - باب كراهية أن يقال للمغرب العشاء ُ • عن عبد الله بن مغفل المزني، أن النبي ﷺ قال: "لا تَغْلِبَنَّكُم الأعْرابُ على اسمِ صلاتِكم المغرب" قال: وتقول الأعرابُ: هي العِشاءُ. صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٦٣) عن أبي معمر، (وهو عبد الله بن عمرو) قال: حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، قال: حدثنا عبد الله بن بُريدة، قال: حدثنا عبد الله المزني فذكر الحديث. والحسين هو: المعلم، وعبد الله المزني هو: عبد الله بن مغفْل.

стр. 1177

وكره اسم العشاء عليها لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، ولكن لو قُيد بأن يقال: العشاء الأولى فلا يكره كما ثبت في الصحيح: العشاء الآخرة من قول أنس: "أخَّر النبي ﷺ العِشاء الآخرة" البخاري "الفتح" (٢/ ٤٤). ١٨ - باب ما يكره من السمر بعد العشاء • عن أبي برزة قال: "إن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها". متفق عليه: وهو جزء من حديث أبي برزة السابق في باب ما جاء في توقيت الصلوات. ١٩ - باب جواز السمر في الفقه والخير بعد العشاء • عن أنس قال: نظرنا النبي ﷺ ذات ليلة حتى كان شطرُ اللَّيلِ يَبْلُغُه، فجاء فصَلَّى لنا، ثم خَطَبَنا فقال: "ألا إن الناس قد صَلُّوا ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة". متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٦٠٠) من طريق قُرة بن خالد، قال: انتظرنا الحسنَ، وراثَ علينا، حتى قَربنا من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيرانُنا هؤلاء - ثم قال: قال أنس فذكر الحديث. قال الحسن: "وإن القومَ لا يزالونَ بخير ما انتظروا الخيرَ". قال قُرَّة: هو من حديث أنس، عن النبي ﷺ ، انتهى قول قُرة: هو حديث أنس - أي الكلام الأخير الذي لم يرفعه الحسنُ وهو قوله: "إن القوم لا يزالون بخير ... " فأراد قُرة أن يؤكد للناس أنه مرفوع أيضًا. وقوله: وراث - بمعنى أبطأ - والواو للحال. ورواه مسلم في المساجد (٦٤٠) من أوجه أخرى نحوه. انظر: باب ما جاء في تأخير العشاء. • عن عبد الله بن عمر قال: صلَّى النبي ﷺ في صلاةَ العِشَاء في آخر حياته، فلما سلَّم قام النبي ﷺ فقال: "أَرأيتُم ليلتكم هذه، فإنَّ رأسَ مائةِ سنةٍ لا يَبْقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ" فوَهِلَ الناسُ في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال النبي ﷺ : "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض" يريد بذلك أنَّها تخرِمُ ذلك القرنَ. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٦٠١)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٣٧) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان، أن عبد الله بن عمر قال، فذكر الحديث، والبخاري رواه أيضًا في كتاب العلم، باب السمر في العلم (١١٦). وسيعاد الحديث في فضائل الصحابة.

стр. 1178

• عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ يسْمُرُ مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين، وأنا معهما. صحيح: رواه الترمذي (١٦٩) قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب فذكر الحديث. قال الترمذي: حديث حسن. قلت: بل هو حديث صحيح، ورجاله ثقات. وللحديث إسناد آخر كما قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديثَ الحسنُ بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة، عن رجل من جُعفيَ يقال له "قيس" أو "ابن قيس" عن عمر، عن النبي ﷺ ، هذا الحديث في قصة طويلة". انتهى. قلت: في قول الترمذي إشارة إلى أن علقمة لم يسمع من عمر بن الخطاب، أو أنه روي علي وجهين: مرة بدون واسطة، وأخرى بالواسطة، وهذا هو الصحيح، فقد ثبت لقاء علقمة، "وهو: ابن قيس النخعي" من عائشة وعمر بن الخطاب. وأما القصة التي يشير إليها الترمذي فهي ما رواه أحمد (١٧٥) عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة. قال أبو معاوية: وحدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن قيس بن مروان أنه أتى عمر فذكر القصة. فساق أبو معاوية إسنادين في أحدهما: علقمة أنه حضر القصة في عرفة. وأما حديث الحسن بن عبيد الله فأخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٦٥) عن عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحسن بن عبيد الله، حدثنا إبراهيم، عن علقمة، عن القَرْثع، عن قيس، أو ابن قيس - رجل من جُعْفِيّ - عن عمر بن الخطاب فذكر القصة إلا أنه لم يذكر قصة السمر. ويظهر منه أنه وقع خطأ في نسخة الترمذي فإن علقمة لا يروي عن رجل يقال له "قيس أو ابن قيس" كما قال الترمذي، وإنما يروي عن القرثع - الضبي - عن قيس، أو ابن قيس. وأما القصة فانظر في فضائل عبد الله بن مسعود. ٢٠ - باب من أدرك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرك تلك الصّلاة • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة". متفق عليه: رواه مالك في وقوت الصلاة (١٥) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وعن مالك رواه البخاري في المواقيت (٥٨٠)، ومسلم في المساجد (٦٠٧). وفي رواية عند مسلم: "من أدركَ ركعةً من الصَلاة مع الإمام فقد أدرك ركعة". • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصُّبْحِ ركعةً قبل أن تطلُعَ

стр. 1179

الشمسُ فقد أدرك الصُّبْحَ، ومن أدرك ركعةً من العَصْرِ قبل أن تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدرك العَصْرَ". متفق عليه: رواه مالك في وقت الصلاة (٥) عن زيد بن أسْلَم، عن عطاء بن يسار وبُسْر بن سَعيد والأعرج، كلهم يُحَدِّثون عن أبي هريرة. وعن مالك رواه البخاري في المواقيت (٥٧٩) ومسلم في المساجد (٦٠٨) ورواه أيضًا مسلم (٦٠٨) من وجه آخر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة نحوه. ورواه البخاري أيضًا (٥٥٦) من وجه آخر عن أبي نعيم، قال: حدثنا شيان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ولفظه: "إذا أدرك أحدكم سجدةً من صلاة العَصْرِ قبل أن تغرُبَ الشمْسُ فَلْيُتِمَّ صلاتَه؟ وإذا أدرك سجدةً من صلاة الصُّبْح قبل أن تَطْلُعَ الشمسُ فَلْيُتِمَّ صلاته". • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك من العَصْر سَجْدَةً قبل أن تغربَ الشمسُ، أو من الصُبْحِ قبل أن تطلعَ فقد أدركها" والسجدةُ إنما هي الركعة. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٠٩) من طرق عن يونس، عن ابن شهاب، أنَّ عروة بن الزبير حدَّثه عن عائشة فذكرت مثله. • * *

стр. 1180

جُموع أبواب الأذان ١ - باب بدء الأذان • عن ابن عمر أنه كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنون الصلاة ليس يُنادَي لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضُهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود. فقال عمر: أَوَلا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال قُم فنادِ بالصلاة". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٠٤) واللفظ له، ومسلم في الصلاة (٣٧٧) كلاهما من طريق عبد الرزاق وهو في مصنفه (١/ ٤٥٦) قال: أخبرنا ابن جُريج، قال: أخبرني نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول فذكر الحديث، ولم يذكر مسلم "بوقًا" بل قال: "قرْنًا مثل قرْن اليهود". وقوله: قم يا بلال فناد بالصلاة - أي الصلاة الصلاة، وليس الأذان المعهود الذي رآه عبد الله بن زيد. • عن أنس بن مالك قال: ذكروا النارَ والناقوس، فذكروا اليهودَ والنصارىَ، فأمر بلالا أن يشفع الأذان، وأن يُوتر الإقامة. متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٠٣)، ومسلم في الصلاة (٣٧٨) كلاهما من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس فذكره واللفظ للبخاري، وفي لفظ المسلم: وذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يُنَوِّروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا. فأُمر بلال أن يشفع الأذان ويُوتر الإقامة. وفي رواية: "أن يورُوا نارًا". وقوله: "أن يوروا نارًا" أي يوقدوا ويشعلوا. • عن أبي محذُورة أن النبي ﷺ علَّمه هذا الأذان: "الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله" ثم يعود فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. حيَّ على الصلاة (مرتين) حيَّ على الفلاح (مرتين) زاد إسحاق: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٣٧٩) عن أبي غسان المِسْمَعي مالك بن عبد الواحد وإسحاق بن

стр. 1181

إبراهيم، قال أبو غسَّان: حدثنا مُعاذ: وقال إسحاق: أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الاستوائي، وحدثني أبي، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن مُحَيرِيز، عن أبي محذُورة فذكر الحديث. قلت: اختلف في أذان أبي محذورة بين تثنية التكبير في أول الأذان وتربيعه. فأما التثنية فكما ترى رواه مسلم - هكذا في النسخ الموجودة، ولكن قال القاضي عياض: ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم "أربع مرات" قاله النووي في شرح مسلمه. فالظاهر أنه وقع خطأ في النقل، وإلا فجمعٌ من الرواة رووا عن معاذ بن هشام وذكروا فيه التربيع، منهم: ما أخرجه أبو عوانة في مسنده عن علي بن المديني، والبيهقي (١/ ٣٩١) عن عبد الله بن سعد، والنسائي (٢/ ٤٠٥) من طريق إسحاق بن إبراهيم (وهو ابن راهويه شيخ مسلم) فهؤلاء جميعًا رووا عن معاذ بن هشام بالتربيع. قال ابن القطان: إن الصحيح عن عامر المذكور في هذا الحديث إنما هو التربيع، هكذا رواه عنه جماعة منهم: عفان وسعيد بن عامر وحجاج، وبذلك يصح كون الأذان تسع عشرة كلمة كما ورد. انتهى. انظر: "نصب الراية" (١/ ٢٥٨). وكذلك أخرجه أبو داود (٥٠٢) عن همام (ابن يحيى): ثنا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن مُحيريز حدَّثه أن رسول الله ﷺ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة. والإقامة سبع عشرة كلمة فذكر الأذان بالتفصيل ورواه أيضًا النسائي (٦٣٠) عن همام بن يحيى به إلا أنه اكتفى بقوله: الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، ثم عدَّها أبو محذورة تسع عشرة كلمة وسبع عشرة. قال ابن عبد البر: "اختلفت الروايات عن أبي محذورة، إذ علَّمه رسول الله ﷺ الأذان بمكة عام حنين، فروي عنه فيه تربيع التكبير في أوله، وروي عنه فيه تثنيتُه. والتربيع فيه من روايات الثقات الحُفّاظ، وهي زيادة يجب قبولها، والعمل عندهم بمكة في آل أبي محذورة بذلك إلى زماننا، وهو في حديث عبد الله بن زيد في قصة المنام، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد، انظر: نصب الراية (١/ ٢٥٨). وأما مالك فذهب إلى تثنية التكبير، ولعل من أدله حديث أبي داود (٥٠٥) عن نافع بن عمر الجمحي، عن عبد الملك بن أبي محذورة، أخبره عن عبد الله بن مُحيريز الجمحي، عن أبي محذورة، وكذا رواه أيضًا النسائي (٦٢٩) عن بشر بن معاذ قال: حدثني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: حدثني أبي، عبد العزيز وجدي، عبد الملك، عن أبي محذورة أن النبي ﷺ أقعده فألقى عليه الأذان حَرْفًا حَرْفًا، قال إبراهيم: هو مثلُ أذاننا هذا. قلت له: أعِد عليَّ فذكر نحوه وثنى فيه: "الله أكبر". والظاهر أنه وقع فيه غلط من الرواة فإن الصحيح الثابت عن عبد الملك بن أبي محذورة وعبد الله بن محيريز عن أبي محذورة التربيع، واستمر عليه العمل في مكة في آل أبي محذورة وهي تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة كما سبق.

стр. 1182

وقد ثبت التربيع أيضًا في حديث عبد الله بن زيد. • عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: اهتم النبي ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القُنْع - يعني الشَّبُّور - وقال زياد: شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: "هو من أمر اليهود"، قال: فذكر له الناقوس، فقال: "هو من أمر النصاري" فانصرف عبد الله بن زيد [بن عبد ربه] وهو مهتم لهمّ رسول الله ﷺ ، فأرِي الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسولَ الله! إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁، قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا، قال: ثم أخبر النبي ﷺ ، فقال له: "ما منعك أن تخبرني؟ " فقال: سبقني عبد الله بن زيْد، فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : "يا بلالُ! قُمْ فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيْد فافعله" قال: فأذَّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضًا لجعله رسول الله ﷺ مؤذنًا. صحيح: رواه أبو داود (٤٩٨) عن عباد بن موسى الختّلي وزياد بن أيوب، وحديث عباد أتم، قالا: حدثنا هُشَيم، عن أبي بشْر، قال زياد: أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس فذكره. إسناده صحيح، ورجاله ثقات غير أبي عمير بن أنس بن مالك فقد تكلم فيه بعض أهل العلم إلا أنه ثقة أيضًا قال فيه ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": "ثقة"، وصحَّح هذا الإسناد في "الفتح" (٢/ ٨١) وقال: قال أبو عمر بن عبد البر: روي قصة عبد الله بن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، ومعان متقاربة، وهي من وجوه حسان وهذا أحسنها". • عن عبد الله بن زيد: لما أصبحنا أتينا رسول الله ﷺ فأخبرته بالرؤيا فقال: "إن هذه الرؤيا حق، فقم مع بلال، فإنه أندي، أو أمدَّ - صوتًا منك، فألق عليه ما قيل لك، فينادي بذلك" قال: ففعلت، فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال بالصلاة خرج إلى رسول الله ﷺ يجر رداءه وهو يقول: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق! لقد رأيت مثل الذي قال: فقال رسول الله: "فلله الحمد". حسن: بهذا السياق رواه ابن خزيمة (٣٦٣) من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، عن أبيه، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه فذكر الحديث.

стр. 1183

ومن طريق سعيد بن يحيى: أخرجه الترمذي (١٨٩) مثله، وأخرجه أبو داود (٨٩٩) وابن ماجه (٧٠٦) كلاهما من طريق ابن إسحاق قال: حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي فذكرا الأذان بكامل ألفاظه. وفيه تصريح ابن إسحاق بالتحديث فانتفت عنه تهمة التدليس. وسياقهما أيضًا يدل على أن أذانه كان بعد حديث ابن عمر، وإليكم الآن ألفاظ الأذان: "الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: "الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". قال الخطابي: روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة وهذا الإسناد أصَحُّها، وفيها أنه ثنَّى الأذان، وأفرد الإقامة. وقد نقل البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٩١) تصحيح البخاري له. قال ابن خزيمة: سمعت محمد بن يحيى يقول: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا، لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن زيد". صحيح ابن خزيمة (١/ ١٩٣). والمقصود من حديث ابن أبي ليلى هو: ما رواه ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد قال: كان أذان رسول الله ﷺ شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة. قال الدارقطني (١/ ٢٤١) بعد أن رواه من طريق عقبة بن خالد، عن ابن أبي ليلى: "ابن أبي ليلى هو: القاضي محمد بن عبد الرحمن ضعيف الحديث سيء الحفظ، وابن أبي ليلى [يعني عبد الرحمن ابن أبي ليلى] لا يثبتُ سماعه من عبد الله بن زيد، وقال الأعمش والمسعودي عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ولا يثبت، والصواب ما رواه الثوري وشعبة، عن عمرو بن مرة وحسين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى مرسلا، وحديث ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه متصل، وهو خلاف ما رواه الكوفيون. انتهى. وقال محمد بن يحيى الذهلي: ابن أبي ليلى لم يدرك ابن زيد قال ابن خزيمة: فهذا خبر العراقيين الذين احتجوا به عن عبد الله بن زيد في تثنية الأذان والإقامة، وفي أسانيدهم من التخليط ما بينتُه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل، ولا من عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان، فغير جائز أن يحتج بخبر غير ثابت على أخبار ثابتة" صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٠٠). وقال البيهقي: "والحديث مع الاختلاف في إسناده مرسل، لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم

стр. 1184

يدرك معاذًا ولا عبد الله بن زيد، ولم يُسمِّ من حدَّثه عنهما، ولا عن أحدهما: ثم نقل كلام ابن خزيمة كما ذكرته، ثم قال: وقد رُوي في هذا الباب أخبار من أوجه أخرى كلها ضعيفة، وبيَّنت ضعفَها في الخلافيات، وأمثل إسناد روي في تثنية الإقامة حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو إن صَحّ فكل أذان روي ثنائية فهو بعد رؤيا عبد الله بن زيد، فيكون أولى مما روي في رؤياه مع الاختلاف في كيفية رؤياه في الإقامة. فالمدنيون يروونها مفردة، والكوفيون يروونها مَثنى مَثنى، وإسناد المدنيين موصول، وإسناد الكوفيين مرسل، ومع موصول المدنين مرسل سعيد بن المسيب، وهو أصح التابعين إرسالًا، ثم ما روينا من الأمر بالإفراد بعده، وفعل أهل الحرمين". انتهى. السنن الكبري (١/ ٤٢١). وأما ما رواه ابن أبي شيبة (٢١٣١) عن وكيع، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رجلا قام، وعليه بردان أخضران على جذْمة حائط، فأذّن مَثني، وأقام مَثنى، وقعد قعدة، قال: فسمع ذلك بلال، فقام فأذّن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة. فهو مع قوة إسناده شاذ لما ثبت من خلافه في إفراد الإقامة. ٢ - باب ما جاء في تأكيد الأذان • عن أبي الدرداء يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية لا يؤذَّنُ ولا تُقام فيهم الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية". حسن: رواه الإمام أحمد عن وكيع (٢١٧١٠) وعن ابن مهدي (٢٧٥١٤) كلاهما عن زائدة بن قدامة، حدثني السائب بن حُبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في قرية دون حِمْص، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير السائب بن حُبيش الكلاعي الحمصي فهو حسن الحديث، فقد وثَّقه العجلي وابن حبان، وقال الدارقطني: صالح الحديث. والحديث ليس من زوائد الإمام أحمد، فقد أخرجه أيضًا أبو داود (٥٤٧) عن أحمد بن يونس، والنسائي (٨٤٧) من طريق ابن المبارك، كلاهما عن زائدة بن قدامة به إلا أنهما لم يذكرا الأذان. وكذلك رواه أيضًا ابن خزيمة (١٤٨٦)، والحاكم (١/ ٢١١) من أوجه عن زائدة بن قدامة، ولم يذكرا فيه الأذان. قال الحاكم: هذا حديث صدوق رواته، شاهد لما تقدمه متفق على الاحتجاج برواته إلا السائب بن حُبيش، وقد عرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات. انتهى.

стр. 1185

ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٧٥١٣) قال: حدثنا علي بن ثابت، حدثني هشام بن سعد، عن حاتم بن أبي نصْر، عن عبادة بن نُسيّ قال: كان رجل بالشام يقال له: معدان، كان أبو الدرداء يُقْرِئه القرآن، ففقده أبو الدرداء، فلقيه يومًا وهو بدَابق، فقال له أبو الدرداء: يا معدان، ما فَعل القرآنُ الذي كان معك؟ كيف أنت والقرآن اليومَ؟ قال: قد عَلَّم الله منه فأحسن، قال: يا معدان! أفي مدينة تسكنُ اليوم أو في قرية؟ قال: لا، بل في قرية قريبة من المدينة، قال: مهْلًا، ويحك يا معدان! فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما من خمسة أهل أبيات لا يُؤذّن فيهم بالصلاة، ولا تُقام فيهم الصلوات، إلا استحوذَ عليهم الشيطان، وإن الذئب يأخذ الشاذَّة" فعليك بالمدائن ويحك يا معدان! . وفي الإسناد حاتم بن أبي نَصْر لم يذكره غير ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢٣٦) ولم يرو عنه غير هشام بن سعد، ولذا جعله الحافظ في درجة "مجهول"، والراوي عنه هشام بن سعد ضعَّفه البعض ووثقه البعض، وجعله الحافظ في درجة "صدوق له أوهام". والجماعة: فسر السائب: الصلاة في الجماعة، ولذا سيعاد الحديث في تأكيد الجماعة للصلاة. ٣ - باب رفع الصوت بالنداء وفضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه • عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا نودي للصلاة أدْبَر الشيطان له ضراطٌ حتى لا يسمع النداء، فإذا قُضِي النداءُ أقبل. حتى إذا ثُوِّبَ بالصلاة أدْبَر، حتى إذا قُضِي التثويب أقبل حتى يَخْطُر بين المرء ونفسه، يقول: أُذكر كذا أُذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يَظَلَّ الرجُل إن يَدْرِي كم صلَّى". متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٦) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر الحديث واللفظ له. ومن طريق مالك رواه البخاري في الأذان (٦٠٧) إلا أنه قال في آخره: "حتى يظلّ الرجل لا يدري كم صلَّى". ورواه أيضًا من وجه آخر عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مثله وزاد في آخر الحديث: "فإذا لم يدر أحدكم كم صَلَّى ثلاثًا أو أربعًا فليسجد سجدتين وهو جالس" (١٢٣١, ٣٢٨٥). ورواه مسلم في الصلاة (٣٨٩) عن قتيبة بن سعيد، ثنا المغيرةُ (يعني الحزامي) عن أبي الزناد به مثله، وقال في آخره: "حتى يَظلّ الرجل ما يدري كم صَلَّى"، ورواه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، وفيه: "حتى يظَلَّ الرجل إن يدري كيف صَلَّى". و"إن" هنا النافية بمعنى "ماء" كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [سورة الجن: ٢٥]. وفي رواية عنده عن سهيل قال: أرسلني أبي إلى بني حَارثة، قال: ومعي غلام لنا (أو صاحب لنا)

стр. 1186

فناداه منادٍ من حائط باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا، فذكرتُ ذلك لأبي فقال: لو شعرتُ أنك تلْقى هذا لم أُرْسِلْك، ولكن إذا سمعتَ صوتًا فنادِ بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدثُ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنّ الشيطان إذا نُودي بالصلاة ولَّي وله حُصاص". والحصاص: - الضراط، وقيل: الحُصاص شدة العَدْوِ. • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "المؤذن يُغفر له مدى صوته، ويشهد له كلُّ رطب ويابس، وشاهدُ الصلاة يُكتب له خمسٌ وعشرون صلاة، ويُكفَّر عنه ما بينهما". حسن: رواه أبو داود (٥١٥) واللفظ له، والنسائي (٦٤٥) وابن ماجه (٧٢٤) كلهم من طريق شعبة، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وإسناده حسن لأجل موسى بن أبي عثمان الكوفي المدني التُبان. قال سفيان: كان مؤدبًا ونعم الشيخ، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٥٤) قائلًا: هو من سادات أهل الكوفة وعُبّادهم. وفرَّق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التُّبَّان روي عن أبيه، وعنه أبو الزناد، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي روى عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، وعن النخعي وسعيد، وعنه شعبةُ والثوري وغيرهما ولم يذكر في التُّبَّان شيئًا. وقال في الآخر عن أبيه: شيخ. انتهى ما في التهذيب. قلت: فإن كان هو الكوفي فقد أثنى عليه سفيان الثوري وهو من تلاميذه، وكان أعرف به من غيره، لأن كلامه كان عن شيخه وشيخ شعبة، فحقه أن يجعل في درجة "صدوق" وقد أثنى عليه أيضًا ابن حبان إلا أن الحافظ جعله في درجة "مقبول" هو والتُّبَّان. وأبو يحيى اختلف فيه من هو؟ فقيل: إنه المكي، واسمه سمعان، سمع من أبي هريرة، وروي عنه بعض المدنيين في الأذان، قال ابن القطان: لا يعرف أصْلًا. وقيل هو: مولى آل جعدة بن هبيرة المخزومي المدني من رجال مسلم، هذا الذي رجّحه الحافظ ابن حجر فأورد الحديث في "أطراف المسند" (٨/ ٢١٠) تحت ترجمة أبي يحيي مولى جعدة بن هبيرة، عن أبي هريرة، وهو ممن وثَّقه ابن معين كما نقل عن يحيى بن سعيد القطان. قلت: لعل اعتماد الحافظ كان على ما جاء في المسند (٩٥٤٢)، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني موسى بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو يحيي مولى جعدة، قال: سمعت أبا هريرة فذكر الحديث. هكذا قيده يحيى بن سعيد القطان عن شعبة. ورواه غيره عن شعبة من غير منسوب، انظر المسند (٩٩٠٦ و ٩٩٣٥) فإن كان هو مولى جعدة فقد نقل الذهبي في الميزان (٤/ ٥٨٧) عن ابن القطان الفارسي أنه "ثقة" فالحمد لله على ذلك. • عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة". حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (١٦٧٠) عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن منصور،

стр. 1187

عن عباد بن أُنيس، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ويكون هذا الإسناد حسنًا إن سلم النقل من عبد الرزاق، فإنه رواه في "مصنفه" (١/ ٤٨٣ رقم: ١٨٦١) عن معمر، عن قتادة، عن رجل، عن أبي هريرة فذكر الحديث. والسند الذي أورده ابن حبان ذكره عبد الرزاق (١٨٦٣) وعنه عبد بن حميد (١٤٣٧) لحديث آخر وهو: "إن المؤذن يغفر له مدى صوته، ويصدقه كل رطب ويابس سمعه، والشاهد عليه خمس وعشرون حسنة". وسبق تخريج هذا الحديث بأنه حسن. وعباد بن أنيس لم يوثقه غير ابن حبان في ثقاته (٥/ ١٤١). وتابعه أبو الصلت عن أبي هريرة، رواه الطبراني في الأوسط "مجمع البحرين" (٢/ ٩) (٦٢٣) عن محمد بن معاذ الحلبي، ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا خالد بن أبي الصلت، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولفظه: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة وما من شيء يسمعه إلا شهد له يوم القيامة، وقال: لم يروه عن خالد إلا القعنبي. وقال الهيثمي في "مجمعه" (١/ ٣٢٦): رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو الصلت البصري، قال المزي: روى عنه علي بن زيد، ولم يذكر غيره. وقد روى عنه ابن خالد بن أبي الصلت في الطبراني في هذا الحديث، وبقية رجاله موثقون" انتهى. قلت: بهذه المتابعة يرتفع الحديث إلى الحسن لغيره ومثله لا بأس به في الشواهد. ولذا ذكره ابن حبان في صحيحه للرد على من زعم بأن معاوية بن أبي سفيان تفرد بالحديث فقال: "ذكر الخبر المُدْحِض قول من زعم أن هذا الخبرَ تفرد به معاوية بن أبي سفيان" ثم روى حديث أبي هريرة شاهدًا له. وقوله: "أطول الناس أعناقًا" له عدة معان ذكرها البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٢٧٧) وابن حبان في صحيحه، ومن هذه المعاني: إن المؤذِّن كان سببًا لأداء الصلوات في الأوقات المحددة، فكل من استجاب لدعوته وأدَّى صلاته في الأوقات المعروفة يكون للمؤذن جزء من الثواب بدون أن ينقص من أجورهم شيء، فيكون المؤذنون يوم القيامة رافعي الروس من طول أعناقهم، وهذا أولى من التأويل. • عن أبي سعيد الخدري أنه قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، ثم المازِني: إني أَراك تحبُّ الغنم والبادية. فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: "لا يسمع مَدَى صوتِ المؤذن جنٌّ ولا إنس ولا شيءٌ، إلا شهد له يوم القيامة". قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ . صحيح: أخرجه مالك في الصلاة (٥) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة الأنصاري ثم المازِني، عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له، فذكر الحديث. ومن طريق مالك أخرجه البخاري في الأذان (٦٠٩).

стр. 1188

قوله: "ولا شيء" هو مثل قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. وجاء مفسرًا في رواية رواها ابن ماجه (٧٢٣) وابن خزيمة (٣٨٩) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن عبد الله المازني به ولفظه: "لا يسمعه جنٌّ ولا إنس ولا شجر ولا حجر إلا شهد له". • عن جابر قال: سمعتُ النبي ﷺ قال: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الرَّوْحاء". قال سليمان: فسألتُه عن الرَّوْحاء؟ فقال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلًا. صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٣٨٨) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكر مثله. وسليمان هو: الأعمش، وهو سليمان بن مهران الأسدي. والمسؤل هو: أبو سفيان وهو: طلحة بن نافع. • عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٣٨٧) من طريق طلحة بن يحيى، عن عمه قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة فذكر الحديث. • عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يغفر الله للمؤذن مَدَّ صوتِه، ويشهد له كلُّ رطْبٍ ويابسٍ سمع صوته". حسن: رواه الإمام أحمد (٦٢٠١) قال: حدثنا أبو الجوَّاب، حدثنا عمارُ بن رُزيق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر فذكر الحديث. وأبو الجوَّاب هو: أحوص بن جوَّاب كما صرَّح به البزار، فرواه عن محمد بن عبد الله المخرَّمي، ثنا أبو الجوَّاب أحوص بن جوَّاب به إلا أنه قال: "ويجيبه كل رطب ويابس سمعه" بدلًا من قوله: "ويشهد له .. ". "كشف الأستار" (٣٥٥). ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٩٨) من وجه آخر عن الأعمش به مثل حديث أحمد. وإسناده حسن لأجل أحوص بن جوَّاب، وهو وإن كان من رجال مسلم إلا أن أبا حاتم قال فيه: صدوق، وقال ابن حبان: كان متقنا ربما وهم، ووثَّقه ابن معين وغيره وبقية رجاله ثقات. ولذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٨٢٨): رواه أحمد والطبراني في الكبير والبزار إلا أنه قال: "ويجيبه كل رطْبٍ ويابسٍ" ورجاله رجال الصحيح. انتهى. وفي هذا المعنى روي عن البراء عند النسائي (٢/ ١٣) وأبي أمامة عند الطبراني في الكبير (٧٩٤٢) ولا يصحان، وأما حديث البراء فانظر في أبواب الصفوف، باب ما جاء في فضل الصف الأول.

стр. 1189

٤ - باب ما جاء في الأذان فوق المنار • عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسَحَر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تَمطَّى، ثم قال: اللَّهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن قالت: والله! ما علمته كان تركها ليلة واحدة - تعني هذه الكلمات. حسن: رواه أبو داود (٥١٩) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار فذكرت الحديث. رجاله ثقات غير محمد بن إسحاق فإنه مدلي وقد عنعن، ولكنه صرَّح بالتحديث في "سيرة ابن هشام" (٢/ ١٥٦) فزالت بذلك تهمةُ التدليس. وأما ما رواه أبو الشيخ عن أبي برزة الأسلمي: "من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد" فهو ضعيف ومنكر، فقد رواه البيهقي (١/ ٤٢٥) عن أبي بكر بن الحارث، عنه، عن ابن أبي حاتم، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الطرابلسي، ثنا خالد بن عمرو، ثنا سفيان، عن الجُريرِي، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي برزة الأسلمي فذكر مثله. قال البيهقي: هذا حديث منكر لم يروه غير خالد بن عمرو، وهو ضعيف منكر الحديث. انتهى. قلت: وهو كما قال، فإن خالد بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص الأموي، أبو سعيد الكوفي رماه ابن معين بالكذب، ونسبه صالح جزرة وغيره إلى الوضع. وأورده الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٢٩٣) عن أبي الشيخ عن سعيد الجُريري، ولم يشر إلى أن في إسناده خالد بن عمرو ضعيف. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٢٢٤) مرسلًا عن عبد الأعلى، عن الجُريري، عن عبد الله بن شقيق من قوله. ولم يذكر أبا برزة الأسلمي. ومن أهل العلم من أعلُّوه بالجُريري بأنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، إلا أن سماع عبد الأعلى منه كان قبل الاختلاط، والخلاصة أنه إما ضعيف منكر، أو مرسل. ٥ - باب ما جاء في الترجيع في الأذان • عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ علَّمه الأذان، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على

стр. 1190

الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. وفي بعض الروايات: علَّمه الأذان تسعة عشر كلمة فذكرها. وفي لفظ أبي داود: "قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله (مرتين مرتين) ثم قال: ثم ارجع فمُدَّ من صوتك: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٣٧٩) كما سبق عن أبي غسان، ثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا. ورواه أبو داود (٥٠٢) وابن ماجه (٧٠٩) كلاهما من طريق همام بن يحيى، عن عامر الأحول، أن مكحولًا حدثه، أن عبد الله بن محيريز حدَّثه أن أبا محذورة حدثه قال: علَّمني رسولُ الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، فذكر الأذان مفسرًا بتربيع التكبير أوله، وفيه الترجيع، والإقامة مثله، أي مثل الأذان مثي، ونقصد منه كلمتين تختصان بالترجيع. ورجاله ثقات وقد أخرجه الترمذي والنسائي مختصرًا ولم يذكرا فيه لفظ الأذان والإقامة، وقال الترمذي: حسن صحيح. قلت: وهذا معارض لما أخرجه مسلم كما سبق فإنه لم يذكر لفظ الإقامة فالذي في بعض الروايات: والإقامة مثل ذلك، قال البيهقي (١/ ٤١٧): "ليس المراد به عدد الكلمات، وإنما المراد به جنس الكلمات، وإن تفسيرها وقع من بعض الرواة، وقد روي هشام بن أبي عبد الله الدستوائي هذا الحديث عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة فيه. وذلك المقدار أخرجه مسلم في الصحيح كما تقدم. ولعل ترك رواية همام بن يحيى الشك في سند الإقامة المذكور فيه". انتهى. ويرى البيهقي: أن هذا الخبر عنده غير محفوظ من وجوه منها: أحدها: أن مسلما لم يخرجه، ولو كان محفوظًا لما تركهـ مسلم. والثاني: أن أبا محذورة قد روى عنه خلافه. والثالث: أن هذا الخبر لم يدم عليه أبو محذورة، ولا أولاده، ولو كان هذا حكمًا ثابتًا لما فعلوا بخلافه، ذكره الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٦٨)، ثم نقل الزيلعي كلام صاحب الإمام وخلاصته: ما ذكره البيهقي يكون من باب الترجيح، لا من باب التضعيف؛ لأن عمدة التصحيح عدالة الراوي.

стр. 1191

قلت: ليس عمدة التصحيح عدالة الراوي وحده، وإنما عمدة التصحيح انتفاء جميع موانع التضعيف، وهنا لم ينتف جميع موانع التضعيف. والرواية الثانية في المتن أخرجها أبو داود (٥٠٣) وابن ماجه (٧٠٨) كلاهما من طريق ابن جريج، قال: أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذورة - يعني عبد العزيز، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة. ورواه الترمذي (١٩١) والنسائي (٦٣٩) كلاهما عن بشر بن معاذ قال: حدثني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: أخبرني أبي وجدي جميعًا عن أبي محذورة، إلا أن الترمذي لم يسق لفظ الأذان، وإنما قال: قال بشر بن معاذ البصري: فقلت له: (أي لإبراهيم) "أعد عَلَيَّ" فوصف الأذان بالترجيع، وقال: هو حديث صحيح، وعليه العمل بمكة وهو قول الشافعي. قلت: روى الشافعي قصة أذان أبي محذورة مفصلة في الأم (١/ ٨٤ , ٨٥). كما رواه أيضًا ابن ماجه، كلاهما من طريق ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورةَ، عن عبد الله بن محيريز، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة بن معير، حين جَهزه إلى الشام، فقلت لأبي محذورة: أي عم! إني خارج إلى الشام، وإني أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال: خرجت في نفر، فكنَّا بعض الطريق، فأذن مؤذن رسولِ الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكِّبون، فصرخنا نحكيه، نهزأ به، فسمع رسول الله ﷺ ، فأرسل إلينا قومًا فأقعدونا بين يديه، فقال: "أيُّكُم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع؟ " فأشار إليَّ القومُ كلهم، وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال لي: "قم فأذنَّ"، فقمت، ولا شيء أكرهُ إليَّ من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ ، فالقي عليَّ رسول الله التأذين هو بنفسه، فقال: "قُل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله"، ثم قال لي "ارفع من صوتك: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضَّة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرَّها على وجهه، ثم على ثديَيه، ثم على كبده، ثم بلغتْ يدُ رسول الله ﷺ سُرّة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ : "بارك الله لك وبارك عليك" فقلت: يا رسول الله! أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال: "نعم أمرتُك" فذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كلُّه محبةً لرسول الله ﷺ ، فقدمت على عتَّاب بن أسيد عامل رسول الله بمكة، فأذَّنتُ معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ . قال: وأخبرني ذلك من أدرك أبا محذورة، على ما أخبرني عبد الله بن محيريز. قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد رجاله ثقات".

стр. 1192

قلت: ليس كما قال، بل فيه عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجُمحي لم يوثقة إلا ابن حبان؛ ولذا جعله الحافظ في درجة "مقبول" قلت: وهو كذلك، لأنه رواه ابن خزيمة في صحيحه (٣٧٨)، والنسائي (٦٢٩) كلاهما من طريق إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، عن أبيه، وعن جده عبد الملك جميعًا عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا كما سبق، ثم قال ابن خزيمة: عبد العزيز بن عبد الملك لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، وإنما رواه عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا. قلت: فيه متابعة له من أبيه، ولا يمنع أن يكون أبوه وهو عبد الملك سمعه من أبيه وهو أبو محذورة، وهي متابعة تقوي عبد العزيز، ولذا قال ابن خزيمة: خبر ابن أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل. انتهى. ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى في الأم: "الأذان والإقامة كما حكيت عن آل أبي محذورة فمن نقص منها شيئًا أو قدم مؤخرًا أعاد حتى يأتي بما نقص وكل شيء منه في موضعه، والمؤذن الأول والآخر سواء في الأذان، ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها، لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي ﷺ أنه أمر بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده". هكذا يقول الشافعي عن الثويب، وهو قول المؤذِّن في صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم" مرتين وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة كما سيأتي في الباب الذي يليه. وقال البيهقي في سننه (١/ ٤١٩): "وفي رواية الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، عن الشافعي في مسألة كيفية الأذان والإقامة قال الشافعي: الرواية فيه تكلف، الأذان خمس مرات في اليوم والليلة في المسجدين على رؤوس الأنصار والمهاجرين، ومؤذنو مكة آل أبي محذورة، وقد أذَّن أبو محذورة لرسول الله ﷺ ، وعلّمه الأذان، ثم ولا بمكة، وأذَّن آل سعد القرظ منذ زمن رسول الله ﷺ بالمدينة، وزمن أبي بكر كلهم يحكون الأذان والإقامة والتثويب وقت الفجر كما قلنا: فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم، والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا جاز له أن يسأله عن عرفة وعن مني ثم يخالفنا، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به" انتهى. فأثبت التويب، ويظهر من كلام المزني من مختصره بأن هذا الذي كان في القديم. قال السراج البلقيني: "وهذا الذي حكاه المزني عن القديم هو المعتمد في العمل والفتوى" كذا في حاشية الأم. وأما ما جاء في الترجيع فقال الشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي في "فيض الباري" (١/ ١٥٨) "ولا شك أن الأذان بمكة كان بالترجيع حتى تسلسل إلى زمان الشافعي رحمه الله تعالى، فاختاره لهذا، فلا يمكن إنكاره، ولا يستحسن تأويله، كيف وقد كان ينادي به على رؤوس المنائر

стр. 1193

والمنابر، فلا خلاف فيه عند التحقيق إلا في الأفضلية، وإن كان التأويل ممكنا ذكره الطحاوي وصاحب الهداية وابن الجوزي". ٦ - باب ما جاء في قول المؤذن في صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم " • عن أبي محذورة قال: كنت أُؤذِّن لرسول الله ﷺ ، وكنتُ أقول في أذان الفجر الأول: حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. حسن: رواه النسائي (٦٤٨) قال: أخبرنا سويد بن نصر، ثنا عبد الله، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال فذكر الحديث. وقال أيضًا: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه، قال أبو عبد الرحمن (النسائي) وليس بأبي جعفر الفراء. اهـ. فيه أبو سَلْمان المؤذن، قيل اسمه: همام. قال فيه الحافظ: "مقبول". قلت: وهو كذلك لأنه توبع كما سيأتي. وقول النسائي: ليس بأبي جعفر الفراء، قلت: قال مثل هذا أيضًا عبد الرحمن وهو ابن مهدي - كما رواه الإمام أحمد (١٥٣٧٨) قال: حدثنا عبد الرحمن ثنا سفيان، عن أبي جعفر - قال عبد الرحمن: ليس هو الفراء - عن أبي سلْمان عنه، قال: كنت أؤذِّن في زمن النبي ﷺ صلاة الصبح، فإذا قلتُ: حيَّ على الفلاح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم الأذان الأول. وتعقبه المزي فقال: "الصحيح أنه الفراء". فإذا ثبت أنه الفراء فهو ثقة فقد وثَّقه أبو داود وغيره. وإن كان غيره فهو مجهول. ثم إن أبا سَلْمان له متابعات منها ما أخرجه عبد الرزاق (١٧٧٩) عن ابن جريج، قال: حدثني عثمان مولاهم، عن أبيه الشيخ مولى أبي محذورة، وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة ... فذكر قصة خروجه إلى حنين وفيه قال له النبي ﷺ : "وإذا أذنت بالأولى من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم". مرتين. ومن طريق عبد الرزاق رواه أبو داود (٥٠١) والإمام أحمد (١٥٣٧٦) عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب مولاهم، عن أبيه مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، أنهما سمعاه من أبي محذورة فذكر الحديثَ الإمامُ أحمد مفصلا، وأبو داود مقتصرًا على ذكر: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح". إلا أن في الإسناد مجاهيل: عثمان وأبوه وأم عبد الملك كلهم مجهولون.

стр. 1194

ومنها: ما رواه أبو داود (٥٠٠) وابن حبان (١٦٨٢) كلاهما من حديث مسدد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت يا رسول الله! علِّمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي وقال: فذكر الأذان وفيه: "فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم". والحارث بن عبيد أبو قدامة صدوق يخطئ. ومنها: ما رواه الدارقطني (١/ ٢٣٨) من طريق عمر بن قيس، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "يا أبا محذورة! ثن الأولى من الأذان من كل صلاة، وقل في الأولى من صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم". وفيه عمر بن قيس المكي ضعفه ابن معين وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم، ولكن رواه أبو داود (٥٠٤) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعتُ جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول: فذكر الحديث وفيه: وكان يقول في الفجر: "الصلاة خير من النوم". وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك ضعَّفه الأزدي، وقال الحافظ: "مجهول". ومنها: ما رواه الدارقطني أيضًا (١/ ٢٣٧) من طريق أبي بكر بن عياش، ثنا عبد العزيز بن رفيع قال: سمعتُ أبا محذورة يقول: كنت غلامًا صبيًا، فأذَّنتُ بين يدي رسول الله ﷺ الفجر يوم حنين، فلما بلغتُ: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح قال رسولُ الله ﷺ : "ألحق فيها: الصلاة خير من النوم". وأبو بكر بن عياش هو: ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ، ووثقه أحمد والعجلي وغيرهما، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، وبقية رجاله ثقات. • عن أنس قال: "من السنة إذا قال المؤذِّن في أذان الفجر حيَّ على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خيرم من النوم". صحيح: رواه الدارقطني (١/ ٢٤٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٤٢٣) عن الحسين بن إسماعيل، ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا أبو أسامة، ثنا ابن عون، عن محمد (ابن سيرين) عن أنس فذكره. قال البيهقي: "وكذلك رواه جماعة عن أبي أسامة وهو إسناد صحيح". قلت: ورواه أيضًا ابن خزيمة (٣٨٦) من طريق محمد بن عثمان العجلي، عن أبي أسامة فذكر مثله. وقول أنس: من السنة - أي من سنة محمد ﷺ وحكمه الرفع كما هو مقرر في علوم الحديث. وفي الباب ما روي عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن أن سعدا كان يؤذن في مسجد رسول الله ﷺ ، قال حفص: حدثني أهلي أن بلالا أتى رسول الله ﷺ يؤذنه لصلاة الفجر، فقالوا: إنه نائم، فنادي بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. فأقرت في أذان الفجر. رواه الدارمي (١٢٢٨) والطبراني في الكبير (٦/ ٤٠) كلاهما من حديث الزهري، عن حفص

стр. 1195

ابن عمر، فذكره. وحفص بن عمر لم يوثقه غير ابن حبان، فهو مقبول؛ أي: إذا توبع. وروي ذلك أيضًا عن عبد الله بن زيد صاحب الأذان، وابن عمر وعائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن بسر، ونعيم بن النحام وفي جميعها مقال. وما روي عن ابن عمر من كراهية التثويب فهو ما أحدثه الناس كما قال إسحاق وهو: إذا أذَّن المؤذن فاستبطأ القومَ قال بين الأذان والإقامة: "قد قامت الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، هذا الذي كره ابن عمر كما روي مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدًّا وقد أذِّن فيه، ونحن نريد أن نُصلي فيه، فثوَّب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: أُخرج بنا من عند هذا المبتدع! ولم يُصل فيه. وأما هو فكان يقول في صلاة الفجر: "الصلاة خير من النوم" وهذا التثويب اختاره أهل العلم ورأوه، انظر: سنن الترمذي (رقم: ١٩٨). وأما قول السّامع: "صدقت وبررت" فلا أصل له. انظر: "التلخيص الحبير" (١/ ٢١١)، و"سبل السّلام" (٢/ ٦٥). ٧ - باب ما جاء في تثنية الأذان وإفراد الإقامة وأن من أذَّن فهو يقيم • عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفعَ الأذانَ، وأن يُوتر الإقامة إلا الإقامة. متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٠٥) ومسلم في الصلاة (٣٧٨) كلاهما من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس فذكره، وبعض طرق الحديث مضى في بدء الأذان. • عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والاقامة مرةً مرةً غير أنه يقول: قد قامتِ الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. حسن: رواه أبو داود (٥١٠)، والنسائي (٦٢٨) كلاهما من حديث شعبة، قال: سمعتُ أبا جعفر يحدث عن مسلم أبي المثنى، عن ابن عمر فذكر الحديث، وصححه ابن خزيمة (٣٧٤). قال شعبة: لم اسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث. وفي رواية عند النسائي (٦٦٩) عن شعبة قال: سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد العريان، عن أبي المثنى مؤذن مسجد الجامع قال: سألت ابن عمر عن الأذان فذكر الحديث. وأبو جعفر هو: محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى المؤذن، وقد ينسب لجد أبيه ولجد جده وهو حسن الحديث، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال الدارقطني: بصري يحدث عن جده ولا بأس بهما، وقال ابن عدي: ليس له من الحديث إلا البير، ومقدار ما له لا يتبيَّن صدقُه
следующие страницы →