← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قلت: ليس عمدة التصحيح عدالة الراوي وحده، وإنما عمدة التصحيح انتفاء جميع موانع التضعيف، وهنا لم ينتف جميع موانع التضعيف. والرواية الثانية في المتن أخرجها أبو داود (٥٠٣) وابن ماجه (٧٠٨) كلاهما من طريق ابن جريج، قال: أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذورة - يعني عبد العزيز، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة. ورواه الترمذي (١٩١) والنسائي (٦٣٩) كلاهما عن بشر بن معاذ قال: حدثني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: أخبرني أبي وجدي جميعًا عن أبي محذورة، إلا أن الترمذي لم يسق لفظ الأذان، وإنما قال: قال بشر بن معاذ البصري: فقلت له: (أي لإبراهيم) "أعد عَلَيَّ" فوصف الأذان بالترجيع، وقال: هو حديث صحيح، وعليه العمل بمكة وهو قول الشافعي. قلت: روى الشافعي قصة أذان أبي محذورة مفصلة في الأم (١/ ٨٤ , ٨٥). كما رواه أيضًا ابن ماجه، كلاهما من طريق ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورةَ، عن عبد الله بن محيريز، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة بن معير، حين جَهزه إلى الشام، فقلت لأبي محذورة: أي عم! إني خارج إلى الشام، وإني أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال: خرجت في نفر، فكنَّا بعض الطريق، فأذن مؤذن رسولِ الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكِّبون، فصرخنا نحكيه، نهزأ به، فسمع رسول الله ﷺ ، فأرسل إلينا قومًا فأقعدونا بين يديه، فقال: "أيُّكُم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع؟ " فأشار إليَّ القومُ كلهم، وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال لي: "قم فأذنَّ"، فقمت، ولا شيء أكرهُ إليَّ من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ ، فالقي عليَّ رسول الله التأذين هو بنفسه، فقال: "قُل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله"، ثم قال لي "ارفع من صوتك: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضَّة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرَّها على وجهه، ثم على ثديَيه، ثم على كبده، ثم بلغتْ يدُ رسول الله ﷺ سُرّة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ : "بارك الله لك وبارك عليك" فقلت: يا رسول الله! أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال: "نعم أمرتُك" فذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كلُّه محبةً لرسول الله ﷺ ، فقدمت على عتَّاب بن أسيد عامل رسول الله بمكة، فأذَّنتُ معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ . قال: وأخبرني ذلك من أدرك أبا محذورة، على ما أخبرني عبد الله بن محيريز. قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد رجاله ثقات".

стр. 1192

قلت: ليس كما قال، بل فيه عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجُمحي لم يوثقة إلا ابن حبان؛ ولذا جعله الحافظ في درجة "مقبول" قلت: وهو كذلك، لأنه رواه ابن خزيمة في صحيحه (٣٧٨)، والنسائي (٦٢٩) كلاهما من طريق إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، عن أبيه، وعن جده عبد الملك جميعًا عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا كما سبق، ثم قال ابن خزيمة: عبد العزيز بن عبد الملك لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، وإنما رواه عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا. قلت: فيه متابعة له من أبيه، ولا يمنع أن يكون أبوه وهو عبد الملك سمعه من أبيه وهو أبو محذورة، وهي متابعة تقوي عبد العزيز، ولذا قال ابن خزيمة: خبر ابن أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل. انتهى. ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى في الأم: "الأذان والإقامة كما حكيت عن آل أبي محذورة فمن نقص منها شيئًا أو قدم مؤخرًا أعاد حتى يأتي بما نقص وكل شيء منه في موضعه، والمؤذن الأول والآخر سواء في الأذان، ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها، لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي ﷺ أنه أمر بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده". هكذا يقول الشافعي عن الثويب، وهو قول المؤذِّن في صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم" مرتين وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة كما سيأتي في الباب الذي يليه. وقال البيهقي في سننه (١/ ٤١٩): "وفي رواية الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، عن الشافعي في مسألة كيفية الأذان والإقامة قال الشافعي: الرواية فيه تكلف، الأذان خمس مرات في اليوم والليلة في المسجدين على رؤوس الأنصار والمهاجرين، ومؤذنو مكة آل أبي محذورة، وقد أذَّن أبو محذورة لرسول الله ﷺ ، وعلّمه الأذان، ثم ولا بمكة، وأذَّن آل سعد القرظ منذ زمن رسول الله ﷺ بالمدينة، وزمن أبي بكر كلهم يحكون الأذان والإقامة والتثويب وقت الفجر كما قلنا: فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم، والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا جاز له أن يسأله عن عرفة وعن مني ثم يخالفنا، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به" انتهى. فأثبت التويب، ويظهر من كلام المزني من مختصره بأن هذا الذي كان في القديم. قال السراج البلقيني: "وهذا الذي حكاه المزني عن القديم هو المعتمد في العمل والفتوى" كذا في حاشية الأم. وأما ما جاء في الترجيع فقال الشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي في "فيض الباري" (١/ ١٥٨) "ولا شك أن الأذان بمكة كان بالترجيع حتى تسلسل إلى زمان الشافعي رحمه الله تعالى، فاختاره لهذا، فلا يمكن إنكاره، ولا يستحسن تأويله، كيف وقد كان ينادي به على رؤوس المنائر

стр. 1193

والمنابر، فلا خلاف فيه عند التحقيق إلا في الأفضلية، وإن كان التأويل ممكنا ذكره الطحاوي وصاحب الهداية وابن الجوزي". ٦ - باب ما جاء في قول المؤذن في صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم " • عن أبي محذورة قال: كنت أُؤذِّن لرسول الله ﷺ ، وكنتُ أقول في أذان الفجر الأول: حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. حسن: رواه النسائي (٦٤٨) قال: أخبرنا سويد بن نصر، ثنا عبد الله، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال فذكر الحديث. وقال أيضًا: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه، قال أبو عبد الرحمن (النسائي) وليس بأبي جعفر الفراء. اهـ. فيه أبو سَلْمان المؤذن، قيل اسمه: همام. قال فيه الحافظ: "مقبول". قلت: وهو كذلك لأنه توبع كما سيأتي. وقول النسائي: ليس بأبي جعفر الفراء، قلت: قال مثل هذا أيضًا عبد الرحمن وهو ابن مهدي - كما رواه الإمام أحمد (١٥٣٧٨) قال: حدثنا عبد الرحمن ثنا سفيان، عن أبي جعفر - قال عبد الرحمن: ليس هو الفراء - عن أبي سلْمان عنه، قال: كنت أؤذِّن في زمن النبي ﷺ صلاة الصبح، فإذا قلتُ: حيَّ على الفلاح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم الأذان الأول. وتعقبه المزي فقال: "الصحيح أنه الفراء". فإذا ثبت أنه الفراء فهو ثقة فقد وثَّقه أبو داود وغيره. وإن كان غيره فهو مجهول. ثم إن أبا سَلْمان له متابعات منها ما أخرجه عبد الرزاق (١٧٧٩) عن ابن جريج، قال: حدثني عثمان مولاهم، عن أبيه الشيخ مولى أبي محذورة، وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة ... فذكر قصة خروجه إلى حنين وفيه قال له النبي ﷺ : "وإذا أذنت بالأولى من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم". مرتين. ومن طريق عبد الرزاق رواه أبو داود (٥٠١) والإمام أحمد (١٥٣٧٦) عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب مولاهم، عن أبيه مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، أنهما سمعاه من أبي محذورة فذكر الحديثَ الإمامُ أحمد مفصلا، وأبو داود مقتصرًا على ذكر: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح". إلا أن في الإسناد مجاهيل: عثمان وأبوه وأم عبد الملك كلهم مجهولون.

стр. 1194

ومنها: ما رواه أبو داود (٥٠٠) وابن حبان (١٦٨٢) كلاهما من حديث مسدد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت يا رسول الله! علِّمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي وقال: فذكر الأذان وفيه: "فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم". والحارث بن عبيد أبو قدامة صدوق يخطئ. ومنها: ما رواه الدارقطني (١/ ٢٣٨) من طريق عمر بن قيس، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "يا أبا محذورة! ثن الأولى من الأذان من كل صلاة، وقل في الأولى من صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم". وفيه عمر بن قيس المكي ضعفه ابن معين وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم، ولكن رواه أبو داود (٥٠٤) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعتُ جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول: فذكر الحديث وفيه: وكان يقول في الفجر: "الصلاة خير من النوم". وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك ضعَّفه الأزدي، وقال الحافظ: "مجهول". ومنها: ما رواه الدارقطني أيضًا (١/ ٢٣٧) من طريق أبي بكر بن عياش، ثنا عبد العزيز بن رفيع قال: سمعتُ أبا محذورة يقول: كنت غلامًا صبيًا، فأذَّنتُ بين يدي رسول الله ﷺ الفجر يوم حنين، فلما بلغتُ: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح قال رسولُ الله ﷺ : "ألحق فيها: الصلاة خير من النوم". وأبو بكر بن عياش هو: ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ، ووثقه أحمد والعجلي وغيرهما، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، وبقية رجاله ثقات. • عن أنس قال: "من السنة إذا قال المؤذِّن في أذان الفجر حيَّ على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خيرم من النوم". صحيح: رواه الدارقطني (١/ ٢٤٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٤٢٣) عن الحسين بن إسماعيل، ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا أبو أسامة، ثنا ابن عون، عن محمد (ابن سيرين) عن أنس فذكره. قال البيهقي: "وكذلك رواه جماعة عن أبي أسامة وهو إسناد صحيح". قلت: ورواه أيضًا ابن خزيمة (٣٨٦) من طريق محمد بن عثمان العجلي، عن أبي أسامة فذكر مثله. وقول أنس: من السنة - أي من سنة محمد ﷺ وحكمه الرفع كما هو مقرر في علوم الحديث. وفي الباب ما روي عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن أن سعدا كان يؤذن في مسجد رسول الله ﷺ ، قال حفص: حدثني أهلي أن بلالا أتى رسول الله ﷺ يؤذنه لصلاة الفجر، فقالوا: إنه نائم، فنادي بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. فأقرت في أذان الفجر. رواه الدارمي (١٢٢٨) والطبراني في الكبير (٦/ ٤٠) كلاهما من حديث الزهري، عن حفص

стр. 1195

ابن عمر، فذكره. وحفص بن عمر لم يوثقه غير ابن حبان، فهو مقبول؛ أي: إذا توبع. وروي ذلك أيضًا عن عبد الله بن زيد صاحب الأذان، وابن عمر وعائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن بسر، ونعيم بن النحام وفي جميعها مقال. وما روي عن ابن عمر من كراهية التثويب فهو ما أحدثه الناس كما قال إسحاق وهو: إذا أذَّن المؤذن فاستبطأ القومَ قال بين الأذان والإقامة: "قد قامت الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، هذا الذي كره ابن عمر كما روي مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدًّا وقد أذِّن فيه، ونحن نريد أن نُصلي فيه، فثوَّب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: أُخرج بنا من عند هذا المبتدع! ولم يُصل فيه. وأما هو فكان يقول في صلاة الفجر: "الصلاة خير من النوم" وهذا التثويب اختاره أهل العلم ورأوه، انظر: سنن الترمذي (رقم: ١٩٨). وأما قول السّامع: "صدقت وبررت" فلا أصل له. انظر: "التلخيص الحبير" (١/ ٢١١)، و"سبل السّلام" (٢/ ٦٥). ٧ - باب ما جاء في تثنية الأذان وإفراد الإقامة وأن من أذَّن فهو يقيم • عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفعَ الأذانَ، وأن يُوتر الإقامة إلا الإقامة. متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٠٥) ومسلم في الصلاة (٣٧٨) كلاهما من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس فذكره، وبعض طرق الحديث مضى في بدء الأذان. • عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والاقامة مرةً مرةً غير أنه يقول: قد قامتِ الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. حسن: رواه أبو داود (٥١٠)، والنسائي (٦٢٨) كلاهما من حديث شعبة، قال: سمعتُ أبا جعفر يحدث عن مسلم أبي المثنى، عن ابن عمر فذكر الحديث، وصححه ابن خزيمة (٣٧٤). قال شعبة: لم اسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث. وفي رواية عند النسائي (٦٦٩) عن شعبة قال: سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد العريان، عن أبي المثنى مؤذن مسجد الجامع قال: سألت ابن عمر عن الأذان فذكر الحديث. وأبو جعفر هو: محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى المؤذن، وقد ينسب لجد أبيه ولجد جده وهو حسن الحديث، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال الدارقطني: بصري يحدث عن جده ولا بأس بهما، وقال ابن عدي: ليس له من الحديث إلا البير، ومقدار ما له لا يتبيَّن صدقُه

стр. 1196

من كذبه، وقال فيه الحافظ: "صدوق يخطئ" ومثله يحسن حديثه. وأما جده: فمسلم بن مهران بن المثنى وقد ينسب إلى جده فقد وثَّقه أبو زرعة وغيره، وجعله الحافظ في مرتبة "ثقة". هذا هو الصحيح الثابت من تثنية الأذان، وإفراد الإقامة إلا قوله: "قد قامت الصلاة"، فيكرَّر مرتين، وصححه أيضًا الحاكم (١/ ١٩٨) إلا أنه أخطأ في تعيين أبي جعفر فقال: هو عمير بن يزيد بن حبيب الخطمي. والصواب هو: محمد بن إبراهيم بن مسلم كما ذكرت. وهو مؤذن العريان، والخطْمي لم يعرف بأنه مؤذن العريان. وأما ما رواه أبو داود (٥٠٧) من حديث المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، وساق نص الحديث بطوله، واقتصَّ ابن المثنى منه قصة صلاتهم نحو بيت المقدس فقط، قال: الحال الثالث أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فصلى - يعني نحو بيت المقدس - ثلاثة عشر شهرًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فوجهَّه الله تعالى إلى الكعبة، وتم حديثه، وسمي نصرٌ صاحب الرؤيا قال: فجاء عبد الله بن زيد رجلٌ من الأنصار، وقال فيه: فاستقبل القبلة قال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، مرتين، حيَّ على الفلاح، مرتين، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم أمهل هنيَّةً، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه قال: زاد بعدما قال: "حيَّ على الفلاح": "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة", قال: فقال رسول الله ﷺ : "لقنها بلالا" فأذن بها بلال. ورواه أيضًا شعبة، عن عمرو بن مرَّة، قال: سمعت ابن أبي ليلى. /ح/ وحدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، قال: وحدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال: "لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين، أو [قال] المؤمنين، واحدة، حتى لقد هممت أن أَبُثَّ رجالا في الدور يُنادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالًا يقومون على الآطام يُنادون المسلمين بحين الصلاة، حتى نقسوا أو كادوا أن ينقُسوا". قال: فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! إني لما رجعت لِما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذن، ثم قعد قعْدة، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه يقول: "قد قامت الصلاة"، ولولا أن يقول الناس - قال ابن المثنى: أن تقولوا - لقلت:

стр. 1197

إني كنت يقظانًا غير نائم، فقال رسول الله ﷺ ، وقال ابن المثنى: "لقد أراك الله خيرًا" ولم يقل عمرو: "لقد أراك الله خيرًا" فمُر بلالًا فليؤذن، قال: فقال عمر: أما إني قد رأيت مثل الذي رأى، ولكني لما سُبقت استحييت، قال: وحدثنا أصحابنا، قال: وكان الرجل إذا جاء يسأل فيخبر بما سبق من صلاته، وأنهم قاموا مع رسول الله ﷺ من بين قائم وراكع وقاعد ومُصلٍّ مع رسول الله ﷺ ، قال ابن المثنى: قال عمرو: وحدثني بها حصين، عن ابن أبي ليلى: حتى جاء معاذ قال شعبة: وقد سمعتها من حُصين، فقال: لا أراه على حال، إلى قوله: "كذلك فافعلوا". فقد قال البيهقي في "المعرفة" (٢/ ٢٥٧): "حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى في رؤيا عبد الله بن زيد الأذان والإقامة مثنى مثنى، وقول النبي ﷺ : عَلِّمها بلالًا، وحكاية عبد الرحمن أذان بلال وإقامته في بعض الروايات عنه، حديث مختلف فيه على عبد الرحمن، فروي عنه، عن عبد الله بن زيد، وروي عنه قال: حدثنا أصحاب محمد، أن عبد الله بن زيد، وروي عنه، عن معاذ بن جبل في قصة عبد الله بن زيد، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل، ولا من عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان، فغير جائز أن يُحتج بخبرٍ غير ثابتٍ على أخبار ثابتةٍ". قال البيهقي: وكما لم يسمع منهما لم يسمع من بلال، ولا أدرك أذانه وقال: إن عبد الرحمن بن أبي ليلى وُلد لِسِتٍّ بقين من خلافة عمر، ومعاذ بن جبل مات بعمواس عام الطاعون بالشام في خلافة عمر، وتوفي بلال بدمشق سنة عشرين، فصحَّ بهذا كله انقطاع حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى كما قال الشافعي. ثم قال البيهقي: والترجيح بالزيادة إنما يجوز بعد ثبوت الزيادة، وقد ذكرنا ضعْف رواية من روي في قصة تثنية الإقامة، ثم حديث أنس بن مالك الذي قد اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، وحديث ابن عمر فيه دلالة على أن الأمر صار إلى إفراد الإقامة، إن كانت مثنى قبل ذلك. انتهى كلام البيهقي باختصار. وفيه رد لمن يجعل حديث أبي محذورة هذا ناسخًا لحديث أنس بن مالك؛ لأن حديث بلال كان أول ما شرع الأذان، وحديث أبي محذورة كان عام حنين، وبينهما عدة مديدة فقالوا: حديث ضعيف لا يصلح أن يكون ناسخًا لحديث صحيح، أو أقوى منه، لأن من شرط النسخ أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ، ويمنع الجمع بينهما، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن لفظة: "تثنية الإقامة" غير محفوظة في حديث أبي محذورة، إذ حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس بوجه من الوجوه، بل الصحيح الثابت عن أبي محذورة عكس هذا الحديث وهو أن النبي ﷺ أمره أن يشفع الأذان ويُوتر الإقامة. ثم إن حديث أبي محذورة وإن كان وقع بعد فتح مكة، فقد رجع النبي ﷺ إلى المدينة، وأقرَّ بلالًا على أذان عبد الله بن زيد، أخرج الحازمي في كتابه "الناسخ والمنسوخ" من طريق أبي بكر

стр. 1198

الخلال، أخبرني محمد بن علي، أنبأنا الأثرم قال: قيل لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد، لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال: أليس قد رجع النبي إلى المدينة فأقر بلالًا على أذان عبد الله بن زيد؟ وبالإسناد قال الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، قال: ناظرت أبا عبد الله في أذان أبي محذورة، فقال: نعم، قد كان أبو محذورة يؤذن، ويثبت تثنية أذان أبي محذورة، ولكن أذان بلال هو آخر الأذان. انتهى. انظر "نصب الراية" (١/ ٢٧٣). وأما ما رواه أبو داود وابن ماجه من طريق همام بن يحيى، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة قال: علَّمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة فقد سبق ذكره وتضعيفه في باب الترجيع في الأذان. هذه من أصح ما ورد في تثنية الإقامة، وقد رأيت ما فيه من ضعف، فما بال دون هذه فإنها كلها معلولة من انقطاع وإرسال ووقف، انظر في ذلك ما ذكره الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٧٠)، والحافظ في الدراية (١/ ١١٠). وأما ما رُوي مرفوعًا: "من أذَّن فهو يقيم" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٥١٤)، والترمذي (١٩٩)، وابن ماجه (٧١٧) كلهم من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن زياد بن نُعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأمرني فأذَّنتُ، فأراد بلال أن يقيم فقال رسول الله ﷺ : "إن أخا صداء قد أَذَّن، ومن أذَّن فهو يُقيم". وعبد الرحمن بن زياد ضعيف عند أهل العلم. انظر: "المنة الكبرى" (١/ ٣٨٣). قال الترمذي: حديث زياد إنما نعرفه من حديث الإفريقي، والإفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي، قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يُقَوِّي أمره ويقول: هو يقارب الحديث. انتهى. وقال البيهقي في "السنن الكبري" (١/ ٣٩٩) وله شاهد من حديث ابن عمر في إسناده ضعف، ثم روي من طريق سعيد بن راشد المازني، ثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان في مسير له، فحضرت الصلاة فنزل القومُ، فطلبوا بلالًا فلم يجدوه، فقام رجل فأذَّن، ثم جاء بلال، فقال القوم: إن رجلًا قد أذَّن، فمكث القومُ هونًا، ثم إن بلالًا أراد أن يقيم، فقال له النبي ﷺ : مهلًا! يا بلال! فإنما يُقيم من أذّن". قال البيهقي: تفرد به سعيد بن راشد وهو ضعيف. انتهى. قلت: ثم يعارض هذا ما رواه أبو داود (٥١٢) وأحمد (٤/ ٤٢) والبيهقي (١/ ٣٩٩) من طريق محمد بن عمرو الواقفي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن عمه عبد الله بن زيد أنه رأى الأذان في المنام، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأذَّن بلال، قال: وجاء عمي إلى النبي ﷺ فقال: يا

стр. 1199

رسول الله! إني أرى الرؤيا، ويؤذّن بلال، قال: "فأقم أنت" فأقام عمي، ومحمد بن عمرو الواقفي ضعيف. فتعارض حديثان ضعيفان فمن أخذ بحديث الصدائي وهو الشافعي قال: من أذَّن فهو يُقيم، وجعل حديث الصدائي ناسخًا لتأخره، وذهب أكثر أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة إلى جواز ذلك لحديث عبد الله بن زيد، انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٣ ٨٤). ٨ - باب ما جاء في الأذان قبل الفجْرِ • عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا يُنادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ. متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (١٤) عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر فذكر الحديث. ورواه أيضًا (١٥) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله مرسلًا. قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في الإسناد الأول أنه موصول، وأما هذا فرواه يحيى وأكثر الرواة مرسلًا، ووصله القعنبي فقال: عن أبيه. انتهى. قلت: ومن طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي رواه البخاري في الأذان (٦١٧) كما رواه أيضًا (٦٢٠) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن عبد الله بن دينار به مثله. وأما مسلم فرواه في الصوم (١٠٩٢) من أوجه عن ابن شهاب وغيره ولم يخرج من طريق مالك. وهذا الحديث أخرجه أيضًا البخاري في الأذان (٦٢٣) عن إسحاق، وفي الصوم (١٩١٨) عن عبيد بن إسماعيل - كلاهما عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله، وبهذا الإسناد أخرجه أيضًا من مسند عائشة الذي سيأتي. وإسحاق هو: ابن راهويه على القول الراجح عند الحافظ ابن جحر. تنبيه: حديث ابن عمر رواه الإمام أحمد (٥٤٢٤) عن عفان، حدثنا شعبة، قال: عبد الله بن دينار أخبرني قال: سمعتُ ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : إن بلالًا ينادي بليل - أو ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، هكذا رواه عفان عن شعبة على الشك، ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازمًا بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازمًا بالثاني. ولشعبة فيه إسناد آخر فإنه رواه عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة على الشك أيضًا. وسيأتي حديثه، ولذا تجنب الشيخان رواية شعبة. هذا هو الصحيح من حديث ابن عمر. وأما ما رواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذَّن بليلٍ فأمره النبي ﷺ أن ينادي: إن العبد نام" فهو ضعيف لم يثبت انظر: "المنة الكبرى" (٢/ ٣٨٥) فقد رواه

стр. 1200

أبو داود (٣٦٤)، والطحاوي (١/ ١٣٩)، والدارقطني (١/ ٢٤٤)، قال أبو داود: هذا الحديث لم يروه عن أيوب إِلَّا حمّاد بن سلمة، وقال الترمذيّ (١/ ٣٩٤)، "هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روي عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع، عن ابن عمر أن النَّبِيّ ﷺ قال: فذكر الحديث كما سبق، وقال: وروى عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع أن مؤذنا لعمر أذَّن بليل، فأمره عمر أن يُعيد الأذان، وهذا لا يصح أيضًا، لأنه عن نافع، عن عمر منقطع، ولعل حمّاد بن سلمة أراد هذا الحديث". وقال: "والصحيح رواية عبد الله وغير واحد عن نافع عن ابن عمر، والزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل". وقال: "ولو كان حديث حمّاد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنًى، إذ قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ" فإنما أمرهم فيما يستقبلُ، فقال: "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ"، ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذَّن قبل طلوع الفجر لم يقل: إن بلالَّا يؤذِّن بليل" قال عليّ بن المديني: حديث حمّاد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ غير محفوظ، وأخطأ فيه حمّاد بن سلمة". انتهى. وروى البيهقيّ في "الكبري (١/ ٣٨٣) عن شيخه أبي عبد الله الحاكم، ثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: سمعت أبا بكر المطرز، يقول: سمعتُ محمد بن يحيى يقول: حديث حمّاد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالًا أذَّن قبل طلوع الفجر شاذ غير واقع على القلب، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر". وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا شعيب بن حرب، قال: قلت لمالك بن أنس: إن الصبح ينادي لها قبل الفجر فقال: قال رسول الله ﷺ "إن بلالًا يؤذن بليلٍ فكلوا واشربوا" قلت: أليس قد أمره النَّبِيّ ﷺ أن يعيد الأذان؟ قال: لا، لم يزل الأذان عندنا بليلٍ، وقال ابن بكير: قال مالك: لم يزل الصبح ينادي بها قبل الفجر، فأما غيرها من الصّلاة فإنا لم نر ينادي لها إِلَّا بعد أن يحل وقتها". "نصب الراية" (١/ ٢٨٥). قال الترمذيّ: "وقد اختلف أهل العلم في الأذان بالليل، فقال بعض أهل العلم: إذا أذَّن المؤذِّن بالليلِ أجزأه، ولا يعبده، وهو قول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: إذا أذَّن بليلٍ أعاد. وبه قال سفيان الثوري". انتهى. وممن ذهب إلى أن الأذان قبل الفجر لا يجوز: أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأحسن ما استدل له حديث حمّاد بن سلمة، وقد عرفت أنه لا يصح، ومن أدلته ما رواه أبو داود (٥٣٤) قال: حَدَّثَنَا زهير بن حرب، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا جعفر بن بُرقان، عن شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال أن رسول الله ﷺ قال له: "لا تؤذِّن حتَّى يستبين لك الفجر هكذا" ومدَّ يديه عرضًا. قال أبو داود: شداد مولى عياض لم يدرك بلالًا.

стр. 1201

• عن ابن مسعود عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يمنعنَّ أحدكم - أو أحدًا منكم - أَذانُ بلالٍ من سَحوره، فإنه يؤذِّن - أو ينادي - بليلٍ ليرجعَ قائمكم، ولينتبه نائمُكم، وليس أن يقول: الفجرُ أو الصبحُ، وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل - حتَّى يقول هكذا". وقال زهير (وهو ابن معاوية الجعفي) بسَبَّابته إحداهما فوق الأخرى، ثم مدَّها عن يمينه وشماله. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٢١)، ومسلم في الصيام (١٠٩٣) كلاهما من طريق سليمان التيميّ، عن أبي عثمان النهديّ، عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث. • عن عائشة عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا، حتَّى يؤذن ابن أم مكتوم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٢٢) عن إسحاق قال: أخبرنا أبو أسامة قال: عبيد الله حَدَّثَنَا عن القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرت الحديث. ورواه مسلم في الصيام (١٠٩٢) من وجه آخر عن عبيد الله بإسناده إِلَّا أنه لم يسق لفظه، وأحال إلى حديث ابن عمر. ورواه البخاريّ في الصوم (١٩١٩) عن عبد الله بن إسماعيل، عن أبي أسامة به مثله وفيه: "فإنه لا يؤذِّن حتَّى تطلع الفجر" قال القاسم (هو ابن محمد): ولم يكن بين أذانهما إِلَّا أن يرقي ذا وينزل ذا. هذا مرسل لأنَّ القاسم بن محمد تابعي لم يدرك القصة، ولكن جاء موصولًا عن عائشة من طريقه قالت: "ولم يكن بينهما إِلَّا أن ينزل هذا ويصعد هذا". رواه النسائيّ والطحاوي كلاهما عن عبد الله بن عمر، عن القاسم، عنها. ورواه البخاريّ (٦٢٣) أيضًا بإسناد آخر معطوفًا على إسحاق فقال: وحدثني يوسف بن عيسى المروزيّ، قال: حَدَّثَنَا الفضلُ، قال: حَدَّثَنَا عبيد الله بن عمر به مثل حديث إسحاق. • عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ ابن مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا، حتَّى يؤذن بلال، فإن بلالًا لا يؤذِّن حتَّى يرى الفجر". صحيح: أخرجه ابن خزيمة (٤٠٦) من طريق عبد العزيز - يعني ابن محمد - (الدراوردي) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. قال ابن خزيمة: "هذا خبر صحيح من جهة النقل، وليس هذا الخبر يُضاد خبر سالم عن ابن عمر، وخبر قاسم عن عائشة، إذ جائز أن يكون النَّبِيّ ﷺ قد كان جعل الأذان بالليل نوائب بين بلال وبين ابن أم مكتوم، فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن أوَّلًا بالليل، فإذا نزل بلال صعد ابن

стр. 1202

أم مكتوم فأذَّن بعده بالنهار، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم بدأ ابن أم مكتوم فأذَّن بليلٍ، فإذا نزل صعد بلالٌ فأذَّن بعده بالنهار. وكانت مقالة النَّبِيّ ﷺ أن بلالًا يؤذِّن بليل في الوقت الذي كانت النوبة لبلال في الأذان بليلٍ، وكانت مقالة النَّبِيّ ﷺ أن ابن أم مكتوم يؤذِّن بليلٍ في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم، فكان النَّبِيّ ﷺ يعلم الناس في كل الوقتين أن الأذان الأوّل منهما هو أذان بليلٍ لا بنهار، وأنه لا يمنع من أراد الصوم طعامًا ولا شرابًا، وأن أذان الثاني إنّما يمنع الطعام والشراب، إذ هو بنهار لا بليلٍ". انتهى. قال الحافظ ابن حجر: "وأنكر عليه الضياء وغيره، وقيل: لم يكن نوبًا، وإنَّما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالًا كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتَّى يطلع الفجر ... ثم أردف بابن أم مكتوم وكان يؤذن بليل، واستمر بلال على حالته الأوّلى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها، ثم في آخَّر الأمر أر ابن أم مكتوم لضعفه، ووكل به من يراعي له الفجر، واستقر أذان بلال بليل". "الفتح" (٢/ ١٠٣). وأمّا ما رواه أبو إسحاق عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أذَّن عمرو فكلوا واشربوا، فإنه رجل ضرير البصر، وإذا أذنَّ بلال فارفعوا أيديكم، فإن بلالًا لا يؤذن حتَّى يصبح"، رواه ابن خزيمة (٤٠٧) عن أحمد بن منصور الرماديّ، نا أبو المنذر، نا يونس، عن أبي إسحاق به؛ فقد قال ابن خزيمة: لم أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من الأسود. قلت: لأن أبا إسحاق مدلِّس فلابد من التصريح بالسماع. • عن سمرة بن جندب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يغرَّنَّ أحدَكم نداءُ بلال من السحور، ولا هذا البياضُ حتَّى يستطيرَ". وفي رواية: "لا يمنعنكم من سحوركم أذانُ بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكنِ الفجرُ المستطيرُ في الأفق". صحيح: الرواية الأوّلى أخرجها مسلم في الصيام (١٠٩٤) من طرق عن عبد الله بن سوادة القشيريّ، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، وفي رواية شعبة، عن سوادة به بلفظ: "لا يغرنكم نداءُ بلال، ولا هذا البياض حتَّى يبدوُ الفجرُ، أو قال: حتَّى ينفجر الفجرة ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا النسائيّ (٢١٧١) وقال: قال أبو داود (الطيالسي) عن شعبة: وبسط يديه يمينًا وشمالًا. والرّواية الثانية أخرجها الترمذيّ (٧٠٦) من طريق أبي هلال، عن سوادة به، ورواه أبو داود (٢٣٤٦) من طريق حمّاد بن زيد، عن عبد الله بن سوادة به ولفظه: "لا يمنعن من سحوركم أذانُ بلال، ولا بياض الأفق الذي هكذا حتَّى يستطير". • عن أنيسة بنت خُبيب قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أذَّن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" فإن كانت المرأة منا ليبقى عليها

стр. 1203

شيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتَّى أفرغ من سَحوري. صحيح: رواه النسائيّ (٦٤٠) قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن هُشيم، قال: أخبرنا منصور - يعني ابن زاذان، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنَيسة بنت خُبَيب فذكرت الحديث. ورواه أحمد (٢٧٤٤٠) عن هشيم به وذكر قول أُنَيسة، ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة فرواه (٤٠٤) عن أبي هاشم زياد بن أيوب، عن هُشيم به مثله، إِلَّا أنه علَّله قائلًا: وهذا خبر قد اختلف فيه عن خبيب بن عبد الرحمن، رواه شعبة عنه، عن عمته أُنَيسة فقال: إن ابن أم مكتوم، أو بلال ينادي بليل ... ثم روى من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن خُبَيب به مثله، وكذا رواه أيضًا أحمد (٢٧٤٧٩) عن عفّان، عن شعبة به. ثم قال ابن خزيمَة: فخبر أُنَيسة قد اختلفوا فيه في هذه اللفظة، ولكن قد روى الدراوردي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثل معني خبر منصور بن زاذان في هذه اللفظة. انتهى. قلت: خبر أُنَيسة صحيح، وشك شعبة كونه ابن أم مكتوم أو بلال لا يُزيل اليقين في حديث منصور بن زاذان فإنه ثقة ثبت، ويشهد له حديث عائشة السابق ويقال فيه ما يقال في حديث عائشة. ٩ - باب الأذان في السفر • عن مالك بن الحويرث قال: أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ في نفر من قوميّ، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلمّا رأى شوقنا إلى أهالينا قال: "ارجعوا فكونوا فيهم وعَلِّموهم وصلوا، فإذا حضرتِ الصّلاةُ فليُؤذِّنْ لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبركم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٢٨)، ومسلم في المساجد (١٧٤) كلاهما من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث فذكر الحديث واللّفظ للبخاريّ، وفي لفظ آخر قال: "وصَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي، فإذا حضرت الصّلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" البخاريّ (٦٣١). ورويا من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث قال: أتى رجلان النَّبِيّ ﷺ يريدان السفر فقال النَّبِيّ: إذا أنتما خرجتما فأذِّنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما" كذا في صحيح البخاريّ. وفي صحيح مسلم: أتيت النَّبِيّ ﷺ أنا وصاحب ليّ، فلمّا أردنا الإقفال من عنده قال لنا: فذكر الحديث نحوه. وبقية الأحاديث انظرها في باب استحباب الأذان لمن يصلي وحده. ١٠ - باب الأذان للفائتة والإقامة لها • عن أبي قتادة قال: سِرنا مع النَّبِيّ ﷺ ليلة، فقال بعض القوم: لو عرَّست بنا يا رسول الله! قال: أخاف أن تناموا عن الصّلاة، قال بلال: أنا أوقظكم،

стр. 1204

فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فتام. فاستيقظ النَّبِيّ ﷺ وقد طلع حاجبُ الشّمسِ، فقال: "يا بلال أين ما قلت؟ " قال: ما ألقيتْ عليَّ نومةٌ مثلها قط. قال: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فأذِّن بالناس بالصلاة" فتوضأ، فلمّا ارتفعتِ الشّمسُ وابياضَّتْ قام فصلَّى. متفق عليه: راوه البخاريّ في المواقيت (٥٩٥) وبوَّب عليه بقوله: الأذان بعد ذهاب الوقت، واللّفظ له، ومسلم في المساجد (٦٨١) مفصلًا وفيه: ثم أذَّن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداةَ فصنع كما يصنع كل يوم، كلاهما من أوجه عن أبي قتادة. فقوله: "صنع كما يصنع كلَّ يوم" قد يُفهم منه الإقامة إذ لم تذكر في الحديث. وفي حديث عمران بن حصين الذي سيأتي تصريح لذكر الإقامة، فإنه كان مع الركب في تلك الليلة كما يدل عليه حديث مسلم وفيه: قال: فقال عبد الله بن رباح: إني لأحدِّث هذا الحديث في مسجد الجامع، إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتي كيف تحدث، فإني أحد الركب تلك الليلة؟ قال قلت: فأنت أعلم بالحديث، فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدِّث فأنتم أعلم بحديثكم، قال: فحدثتُ القومَ؛ فقال عمران: لقد شهِدتُ تلك الليلة، وما شعرتُ أن أحدًا حفِظه كما حفِظتَه. انتهى. قوله: حفظتُه - بضم التاء وفتحها وكلاهما حسن. ومن لم ير الأذان للفائت حمل الأذان على الإقامة فهو بعيد، لأنه بعد الأذان توضأ النَّبِيّ ﷺ ، فلمّا ارتفعت الشّمس وابياضتْ قام فصلى، ولم يعهد أنه توضأ في يوم من الأيام بعد الإقامة. • عن أبي هريرة في هذا الخبر - يعني قصة التعريس - قال: فقال رسول الله ﷺ : "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلةُ" قال: فأمر بلالًا فأذَّن وأقام وصلَّى. صحيح: رواه أبو داود (٤٣٦) عن موسى بن إسماعيل: ثنا أبان: ثنا معمر عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكر الحديث. قال أبو داود: رواه مالك وسفيان بن عيينة والأوزاعي وعبد الرزّاق، عن معمر وابن إسحاق لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري هذا، ولم يسنده منهم أحد إِلَّا الأوزاعي وأبان العطّار، عن معمر، انتهى. قلت: ورواه أيضًا مسلم في المساجد (٦٨٠) من وجه آخر عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ولم يذكر فيه الأذان وإنما قال فيه: ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالًا فأقام الصّلاة فصلَّى بهم الصبح، فلمّا قضى الصّلاة قال: "من نسى الصّلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: ١٤]. قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: (للذِّكْرَي).

стр. 1205

ورواه أيضًا مسلم عن يحيى بن سعيد قال: حَدَّثَنَا يزيد بن كيسان، حَدَّثَنَا أبو حازم، عن أبي هريرة فذكر الحديث وفيه: ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصّلاة فصلَّى الغداة. فتبين من هذا أن ذكر الأذان في رواية أبان، عن معمر زيادة. وأبان هو ابن يزيد العطّار أبو يزيد البصري ثقة، وثَّقه ابن معين وابن المديني والعجلي وغيرهم، وهو من رجال الشّيخين، فيجب قبول زيادثه. وإليه ذهب الإمام أحمد بأنه يؤذَّن للفائت ويقام له كما قال الخطّابي. • عن أبي سعيد قال: شَغَلَنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتَّى غربتِ الشمسُ، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [سورة الأحزاب: ] فأمر رسولُ الله ﷺ بلالًا فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يُصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يُصَلِّيها لوقتها، ثم أذَّن للمغرب فصلَّاها كما كان يُصَلِّيها في وقتها. صحيح: رواه النسائيّ (٦٦١) عن عمرو بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى (يعني ابن سعيد القطان) قال: حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، قال: حَدَّثَنَا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه فذكر الحديث. وإسناده صحيح ورجاله ثقات، والذي رواه الشافعي في الأم (١/ ٨٦) عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب به، فيه ذكر لأربع صلوات وهي بزيادة صلاة العشاء، وفيه تفصيل لقوله: قبل أن ينزل في القتال - وهي صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩]. قال الشافعي: "وبهذا كله نأخذ، وفيه دلالة على أن كل من جمع بين صلاتين في وقت الأوّلى منهما أقام لكل واحدة منهما، وأذَّن للأولى، وفي الآخرة يقيم بلا أذان". وهذا الحديث رواه كل من الإمام أحمد (٧١٨٩) وابن خزيمة (٩٩٦) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان، ولكن لم يذكر أحد منهم الأذان في أول الصّلاة، إِلَّا أن يفهم من قول النَّبِيّ ﷺ أنه دعا بلالًا فأمره (أي أن يؤذن) فأقام الظهر - أي بعد الأذان ويبدو أن هذا الذي فهمه النسائيّ فبوَّب بقوله: الأذان للفائت، والبغوي فبوَّب في "شرح السنة" (٣/ ٣٠٢) الأذان للفائة والإقامة لها. ولكن قال البيهقيّ (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣) رواه الشافعي في القديم عن غير واحد عن ابن أبي ذئب لم يُسَمَّ أحدًا منهم وقال في الحديث: فأمر بلالًا فأذَّن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأقام فصلى العشاء. ثم قال البيهقيّ: "هكذا رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه في هذه القصة في إحدى الروايتين عنه، إِلَّا أن أبا عبيدة لم يدرك أباه وهو مرسل جيد". قلت: وهو كما قال فإن حديث عبد الله بن مسعود فيه انقطاع، رواه الترمذيّ (١/ ٣٣٧)،

стр. 1206

والنسائي (٢/ ١٨)، وأحمد (٣٥٥٥) كلّهم من طريق أبي الزُّبير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتَّى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. قال الترمذيّ: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إِلَّا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. انتهى. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٣٩٦). • عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ كان في مسير له فناموا من صلاة الفجر، فاستيقظوا بحرِّ الشّمس، فارتفعوا قليلًا حتَّى استقلت الشّمسُ، ثم أمر مؤذِّنًا فأذَّن، فصلَّى ركعتين قبل الفجر، ثم أقام، ثم صلَّى الفجْرَ. صحيح: رواه أبو داود (٤٤٣) قال: حَدَّثَنَا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عمران بن حصين فذكر الحديث. إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وخالد هو: ابن عبد الله الطحان. قال الحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٤) بعد أن روى الحديث من طريق إسحاق بن شاهين، عن خالد بن عبد الله به وهذا حديث صحيح على ما قدمنا ذكره من صحة سماع الحسن عن عمران بن حصين، ولم يخرجاه". قلت: وفيه الحسن وهو مدلِّس وقد عنعن مع اختلاف في سماعه من عمران بن حصين، والصحيح أنه سمع منه، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر رواه ابن خزيمة (٢/ ٩٩) عن عوف، عن أبي رجاء، قال: حَدَّثَنَا عمران بن حصين، وفيه: "نادي بالصلاة فصلَّى بالناس". وأصله في الصحيحين، وقد سبق ذكره في التيمم. • عن عمرو بن أمية الضمري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فنام عن الصبح حتَّى طلعت الشمسُ، فاستيقظ رسولُ الله ﷺ فقال: "تنحَّوا عن هذا المكان" قال: ثم أمر بلالًا فأذَّن، ثم توضؤا وصلَّوا ركعتي الفجر، ثم أمر بلالًا فأقام الصّلاةَ، فصلى بهم صلاة الصبح. حسن: رواه أبو داود (٤٤٤) قال: حَدَّثَنَا عباس العنبري؛ ح: وحدثنا أحمد بن صالح - وهذا لفظ عباس - أن عبد الله بن يزيد حدَّثهم عن حَيْوة بن شريح، عن عَيَّاش بن عباس - يعني القتباني - أن كليب بن صُبح حدَّثهم أن الزِّبرقان حدَّثه عن عمه عمرو بن أمية الضمري فذكر الحديث. وإسناده حسن لأجل كليب بن صُبح الأصبحي المصري فإنه "صدوق" كما في التقريب وحسنه أيضًا المنذري في مختصره.

стр. 1207

والزِّبرقان هو: ابن عبد الله الضمريّ، روى عن عم أبيه عمرو بن أمية الضمريّ، وعن عمه جعفر بن عمرو بن أمية. قال أحمد بن صالح: الصواب فيه الزِّبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية، عن عمه جعفر بن عمرو، عن عمرو بن أمية. ثم أفرد الحافظ ابن حجر ترجمة الزِّبرقان بن عمرو بن أمية الضمري وقال: لم يفرق البخاريّ فمن بعده بينهما إِلَّا ابن حبان ذكر هذا في ترجمة مفردة عن الذي يرُوي عنه كليب بن صُبح، ثم انتقده قائلًا: لا حجة في تفرقته إذ لم ينص على أنهما اثنان. قلت: وفي كل الأحوال لا يكون عمرو بن أمية عم الزِّبرقان، فلابد من إضافة "عن" ليصبح الزِّبرقان حدَّثه عن عمه، عن عمرو بن أمية الضمري ليستقيم الإسناد. • عن عبد الله بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فقال رسول الله ﷺ : "من يكلؤنا؟ " فقال بلال: أنا، فناموا حتَّى طلعتِ الشّمس، فاستيقظ النَّبِيّ ﷺ فقال: "افعلوا كما كنتم تفعلون" قال: ففعلنا، قال: فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي". صحيح: رواه أبو داود (٤٤٧) عن محمد بن المثنى: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، ثنا: شعبة، عن جامع بن شداد، سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة، سمعتُ عبد الله بن مسعود فذكر الحديث، ورجاله ثقات، وإسناده صحيح. وعبد الرحمن بن أبي علقمة يقال له أيضًا: عبد الرحمن بن علقمة وهو من التابعين، وقيل: كان له صحبة. وقوله: "افعلوا كما كنتم تفعلون" أي: كما كنتم تفعلون في الوقت من وضوء وأذان وإقامة وصلاة. وقد جاء تفصيل ذلك في حديث رواه ابن حبان في صحيحه (١٥٨٠) من حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: سرنا ذات ليلة مع رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! لو أمسينا الأرض فَنُمْنَا، رعَتْ ركائبُنا، قال: فمن يحرسنا؟ " قلت: أنا، قال: فغلبتني عينيّ، فلم توقظني إِلَّا وقد طلعتِ الشّمسُ، ولم يستيقظ رسولُ الله ﷺ إِلَّا بكلامنا، قال: فأمر بلالًا فأذَّن، ثم أقام فصلى بنا، انتهى. انظر "نصب الراية" (١/ ٢٨٢). وفي الباب أحاديث أخرى إِلَّا أنها لم تصح، منها: حديث بلال عند البزّار وفيه انقطاع، وحديث ذي مخبر الحبشي عند أبي داود، وفيه يزيد بن صالح أو صُليح "مقبول"، وحديث ابن عباس عند أبي يعلى والبزّار، والصواب أنه رواه مسروق مرسلًا كما عند ابن أبي شيبة (٢/ ٨٢). ١١ - باب استحباب الأذان لمن يصلي وحده • عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يُغير إذا طلع الفجرُ، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلَّا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله

стр. 1208

الله ﷺ "على الفطرة " ثم قال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، أشهد أن لا إله إِلَّا الله، فقال رسول الله ﷺ : "خرجت من النّار" فنظروا فإذا هو راعي مِعزًى. متفق عليه: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٢) من طريق حمّاد بن سلمة، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك فذكر الحديث، ورواه البخاريّ في الجهاد (٢٩٤٣) من وجه آخر عن أنس بن مالك مختصرًا. وقوله: "على الفطرة" أي: على الإسلام. وقوله: "خرجت من النّار" أي: بالتوحيد. وقوله: "فإذا هو راعي معزى" قال النوويّ: "احتج به بأن الأذان مشروع للمفرد، وهذا هو الصَّحيح في مذهبنا ومذهب غيرنا .. انتهى. • عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يعجبُ ربّكم من راعي غنم في رأس شظيةٍ بجبل يؤذِّن بالصلاة ويُصَلِّي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذِّن ويقيمُ الصّلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنّة". صحيح: رواه أبو داود (١٢٠٣)، والنسائي (١٦١) كلاهما من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عُشَّانة المعافري حدَّثه، عن عقبة بن عامر فذكر الحديث. ومن هذا الطَّريق رواه أيضًا الإمام أحمد (١٧٤٤٣). وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا ابن حبان فأخرجه في صحيحه (١٦٦٠)، من هذا الوجه. وأبو عُشَّانة - بضم المهملة وتشديد المعجمة اسمه: حي بن يؤمن، مشهور بكنيته ثقة، وثَّقه أحمد وأبو داود وغيرهما. وقوله: الشظية: قطعة مرتفعة في رأس الجبل، وقيل: هي الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل كأنّها أنف الجبل. • عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره سمعنا مناديًا يُنادي: الله أكبر الله أكبر فقال نبي الله ﷺ : "على الفطرة" فقال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، فقال نبي الله ﷺ : "خرج من النّار" فابتدرناه، فإذا هو صاحب ماشية أدركتْه الصّلاة فنادى بها. صحيح: رواه أحمد (٣٨٦١) قال: حَدَّثَنَا محمد بن بِشْر، حَدَّثَنَا سعيد (وهو ابن أبي عروبة) حَدَّثَنَا قتادة. وحدثنا عبد الوهّاب (وهو ابن عطاء الخفاف) عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث. ورجاله ثقات غير أن سعيد بن أبي عروبة اختلط، وكان سماع عبد الوهّاب ومحمد بن بشر قبل الاختلاط.

стр. 1209

ورواه أيضًا أبو يعلى (٥٤٠٠) والطَّبرانيّ في الكبير (١٠٠٦٢) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة به مثله. قال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٣٣٤): رواه أحمد وأبو يعلى والطَّبرانيّ في الكبير، ورجال أحمد رجال الصَّحيح. وفي الباب عن أبي جحيفة وأبي سعيد الخدريّ ومعاذ بن جبل وصفوان بن عسَّال وابن عمر كلها ضعيفة. ١٢ - باب جواز أذان الأعمى إذا كان من يُخْبِرُه • عن ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ فكلوا واشربوا حتَّى ينادِيَ ابنُ أم مكتوم" ثم قال: وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتَّى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ. متفق عليه: رواه مالك في الصّلاة (١٥) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله مرسلًا. ولكن رواه القعنبي فقال عن أبيه، ومن طريقه رواه البخاريّ في الأذان (٦١٧) عنه عن مالك به مثله. ورواه مسلم في الصيام (١٠٩٢) من أوجه عن ابن شهاب وغيره. وسبق تخريجه في باب ما جاء في الأذان قبل الفجر. • عن عائشة قالت: كان ابن أم مكتوم يؤذِّن لرسول الله ﷺ وهو أعمى. صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨١) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة. ١٣ - باب النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان • عن أبي الشعثاء قال: كنَّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذَّن المؤذِّن، فقام رجل من المسجد يمشيّ، فأتبعه أبو هريرة بصره حتَّى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وفي رواية: رأى رجلًا يجتاز المسجد خارجًا بعد الأذان، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٥٥) من طريق إبراهيم بن المهاجر، عن أبي الشعثاء به مثله وزاد أبو داود (٥٣٦) من هذا الوجه بأن ذلك في صلاة العصر. والرّواية الثانية رواها أيضًا مسلم ولكن من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، وفيه متابعة لإبراهيم بن مهاجر البجلي وهو مختلف فيه. وقوله: "فقد عصى أبا القاسم" - له حكم الرفع - وقد رواه الإمام أحمد (١٠٩٣٣) من طريق

стр. 1210

المسعودي وشريك كلاهما عن أشعث به نحوه، وزاد شريك في آخره: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنُتم في المسجد فنُودي بالصلاة فلا يخرجْ أحدكم حتَّى يُصَلِّي"، وشريك سيء الحفظ، والمسعودي وإن كان قد اختلط إِلَّا أنه توبع في رواية مسلم. ورواه الطبرانيّ في الأوسط (٣٨٥٤) من وجه آخر عن أبي مصعب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، حَدَّثَنِي أبيّ، وصفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولفظه: "لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه إِلَّا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إِلَّا منافق". قال الطبرانيّ: تفرّد به أبو مصعب، ولم يروه موصولًا عن أبي هريرة غير صفوان وأبي حازم. انتهى. قلت: ولا يضر تفرّد أبي مصعب فإنه ثقة، وهو: أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدنيّ، رُوي عن مالك الموطأ، قال ابن حزم: في موطنه زيادة على مائة حديث، وقدَّمه الدَّارقطنيّ في الموطأ على يحيى بن بكير. انتهى. روي له الجماعة، عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي. وصفوان بن سُليم وأبو حازم "وهو سلمة بن دينار" كلاهما ثقتان، وصحَّحه أيضًا الهيثميّ فقال: "رجاله رجال الصَّحيح" "مجمع الزوائد" (٢/ ٥). وأمّا قوله: "لا يسمع النداء في مسجدي هذا" لا يخصص العموم الوارد في حديث مسلم، وإنما هو عام لجميع المساجد، ويدخل فيه مسجد النَّبِيّ ﷺ لأهميته وخصوصيته دخولًا أوليًّا، فلعل أبا هريرة روى الحديث عامًا، ولما رأى أحدًا قد خرج من مسجد النَّبِيّ ﷺ بعد الأذان استشهد به لدخوله في العموم ولخصوصيته. ١٤ - باب جواز اتخاذ مؤذنين فأكثر للمسجد الواحد • عن ابن عمر قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم الأعمى. صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٠) عن ابن نمير، قال: حَدَّثَنَا أبيّ، حَدَّثَنَا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر مثله. • عن عائشة: كان الرسول الله ﷺ مؤذنان، بلال وابن أم مكتوم. صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٠) عن ابن نمير، ثنا أبيّ، ثنا عبيد الله، ثنا القاسم، عن عائشة، فذكرته. ولم يذكر مسلمُ لفظه وإنما حال على حديث ابن عمر. ورواه ابن أبي شيبة عنها فقالت: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين، بلال، وأبو محذورة، وابن أم مكتوم. (السنن الكبرى للبيهقي: ١/ ٤٢٩، رقم: ٢٠٩٨). رواه عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة. وعنه رواه ابن خزيمة وقال: والخبران صحيحان، فمن قال: كان له مؤذنان أراد اللذين كانا يؤذنان

стр. 1211

بالمدينة، ومن قال: له ثلاثة أراد أبا محذورة الذي كان يؤذِّن بمكة، انظر: "إتحاف المهرة" (٢/ ١٢٦). وقلت: وكذلك سعد بن عائذ، أو ابن عبد الرحمن مولى الأنصاري المعروف بسعد القرظ كان مؤذن رسول الله ﷺ بقباء كما أخرجه الحاكم (٣/ ٦٠٨) من طريق بقية، ثنا الزبيديّ، عن الزّهريّ، عن حفص بن عمر بن سعد القرظ أن أباه وعمومته أخبروه أن سعد القرظ كان مؤذِّنًا لأهل قباء، فانتقله عمر بن الخطّاب فاتخذه مؤذنًا لمسجد رسول الله ﷺ . سكت عليه الحاكم والذّهبيّ، وفي الإسناد حفص بن عمر بن سعد جعله الحافظ في مرتبة "مقبول". وذلك بعد أن مات رسولُ الله ﷺ وترك بلالٌ الأذان، وانتقل إلى الشام. ويقال له: سعد القُرَظ، لأنه كان يتجر في القرظ، روى البغوي عن القاسم بن الحسن بن محمد بن عمرو بن حفص بن عمرو بن سعد القرظ، عن آبائه أن سعدًا اشتكى إلى النَّبِيّ ﷺ قلة ذات يده، فأمره النَّبِيّ ﷺ بالتجارة، فخرج إلى السوق فاشترى شيئًا من قرظ فباعه فربح فيه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فأمره بلزوم ذلك. ذكره الحافظ في "الإصابة" (٢/ ٢٩). وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "فلم يزل يؤذن في مسجد رسول الله ﷺ إلى أن مات، وتوارث عنه بنوه الأذان فيه إلى زمن مالك وبعده أيضًا". ١٥ - باب كراهية أخذ الأجر على التأذين • عن عثمان بن أبي العاص قال: يا رسول الله! اجعلني إمام قوميّ، قال: "أنت إمامُهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". صحيح: رواه أبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢) كلاهما من طريق حمّاد بن سلمة، ثنا سعيد الجريريّ، عن أبي العلاء، عن مطرف بن عبد الله، عن عثمان بن أبي العاص فذكر الحديث. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٤٢٣)، والحاكم (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) وقال: صحيح على شرط مسلم. قلت: وهو كما قال، وسعيد الجُريري هو: ابن إياس أبو مسعود البصري ثقة إِلَّا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، وحماد بن سلمة ممن سمع منه قبل الاختلاط. ورواه الترمذيّ (٢٠٩) من وجه آخر قال: حَدَّثَنَا هناد، حَدَّثَنَا أبو زُبيد وهو: عَبْثَرُ بن القاسم، عن أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص قال: "إن من آخِر ما عهد إليَّ رسولُ الله ﷺ أن اتخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". ورواه ابن ماجة (٧١٤) من طريق حفص بن غياث، عن أشعث به مثله. قال الترمذيّ: حديث حسن، وفي نسخة: حسن صحيح، والذي نقل عنه الزيلعي وغيره: "حسن" فقط وهو الصواب فإن أشعث هو: ابن سوَّار الكندي النجار ضعَّفه النسائيّ والدارقطني وغيرهما، وقال بعض

стр. 1212

أهل العلم: إنّما هو ابن عبد الملك الحمرانيّ، وهو ثقة فقيه، والصواب هو الأوّل. فيه أيضًا الحسن البصري وهو مدلِّس وقد عنعن، وإن كان ثبت سماعه من عثمان بن أبي العاص، كما قال البزّار. انظر: نصب الراية (١/ ٩٠). وبناء على هذا الحديث، ذهب الحنفية إلى أن أخذ الأجرة على التأذين حرام، وكرهه الشافعية، وأكثر أهل العلم على أن الذي يحرم هو إذا كان الأذان مشروطًا بالأجرة، وإن أُعطي بغير مسألة فلا حرج في ذلك، مثل أن يكون الأمر معروفا بين المؤذنين والمؤسّسات الإسلامية. ١٦ - باب بين كل أذانين صلاة • عن عبد الله بن مغفل المزني أن رسول الله ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة" قالها ثلاثًا: قال في الثالثة: "لمن شاء". وفي رواية: قال في الرابعة "لمن شاء". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٣٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٣٨) كلاهما من طريق عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن المغفل فذكر الحديث. والرّواية الثانية عند مسلم. وقوله: "بين كل أذانين" أي: أذان وإقامة. قال الخطّابي: أراد بالأذانين - الأذان والإقامة، حمل أحد الاسمين على الآخر، كقولهم: الأسودين: التمر والماء، وإنما الأسود أحدهما: وكقولهم: سيرةُ العمرين، يريدون أبا بكر وعمر، ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منهما حقيقة، لأن الأذان في اللغة: الإعلام، فالأذان إعلام بحضور الوقت، والإقامة أذان بفعل الصّلاة. انتهى. وقد جاء استثناء إِلَّا المغرب في بعض الروايات في غير الصحيحين وهي زيادة شاذة مخالفة لما رواه الحفاظ، ذكره الحافظ في الفتح (٢/ ١٠٨) وعزاه للبزار وهي من رواية حبان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مثله، وقال: رواية حيان - وهو بفتح المهملة والنحتانية - شاذة؛ لأنه وإن كان صدوقًا عند البزّار وغيره، ولكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه. ثم قال: وقد نقل ابن الجوزي في الموضوعات عن الفلاس أنه كذَّب حيَّانًا المذكور. • عن أنس بن مالك قال: كان المؤذِّن إذا أذّن قام ناس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ يبتدرون السواري حتَّى يخرج النَّبِيّ ﷺ وهم كذلك يُصَلُّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء. وقال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة: "لم يكن بينهما إِلَّا قليل". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٢٥) من طريق شعبة قال: سمعتُ عمرو بن عامر الأنصاريّ، عن أنس بن مالك فذكر الحديث.

стр. 1213

ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٧) قال: حَدَّثَنَا شيبان بن فرُّوخ، حَدَّثَنَا عبد الوارث، عن عبد العزيز (وهو ابن صُهيب) عن أنس بن مالك قال: كنا بالمدينة، فإذا أَذَّن المؤذِّن لصلاة المغرب ابتدروا السواريّ، فيركعون ركعتين ركعتين، حتَّى إن الرّجل الغريب ليدخل المسجد فيحسِبُ أن الصّلاة قد صُلِّيَتْ من كثرة من يصليها. وفي رواية أخرى عنده: عن مختار بن فُلفل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنَّا نُصلِّي على عهد النَّبِيّ ﷺ ركعتين بعد غروب الشّمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسولُ الله صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليها، فلم يأمرنا ولم يَنْهنا. وقوله: "يبتدرون السواري" أي: يتسارعون ويستبقون إليها للاستتار بها عند الصّلاة. وقوله: لم يكن بين الأذان والإقامة شيء" أي: وقت كثير، يريد أنهم كانوا يُسرعون في الركعتين لقلة ما بين الأذان والإقامة من الوقت. ١٧ - باب ما يقول إذا سمع النداء • عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مِثل ما يقول المؤذن". متفق عليه: رواه مالك في الصّلاة (٢) عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي سعيد، ورواه البخاريّ في الأذان (٦١١)، ومسلم في الصّلاة (٣٨٣) كلاهما من طريق مالك به. وما رواه ابن ماجة (٧١٨) من طريق عباد بن إسحق، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة مثله فهو معلول، والمحفوظ ما رواه مالك من حديث أبي سعيد، وقد أشار إلى هذا الترمذيّ (٢٠٨) عقب حديث أبي سعيد قائلًا: وروى عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري هذا الحديث عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ : ورواية مالك أصح. انتهى. وقال النسائيّ في عمل اليوم والليلة (٣٣) بعد أن روي حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري: خالفه مالك، ثم قال: الصواب حديث مالك، وحديث عبد الرحمن بن إسحاق خطأ، وعبد الرحمن هذا يقال له: عبَّاد بن إسحاق وهو لا بأس به، وعبد الرحمن بن إسحاق يرُوي عنه جماعة من أهل الكوفة وهو ضعيف الحديث. انتهى. وأعلَّه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجة فقال: هذا إسناد معلول والمحفوظ عن الزهري عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ كما أخرجه الأئمة الستة. وكذلك من الشاذ أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٧) من طريق زيد بن حباب، عن مالك به من فعل رسول الله ﷺ أي أنَّه كان يقول مثل ما يقول المؤذِّن. فخالف زيدُ بن حباب الحفاظَ من أصحاب مالك؛ فإنَّهم لم يذكروا من فعل رسول الله ﷺ ، وزيد ممن وصف بأنه كان يهم

стр. 1214

• عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النَّبِيّ ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول: ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرَا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنّة لا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلةَ حلَّتْ له الشفاعة". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٤) من طريق كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره. • عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، قال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصّلاة، قال: لا حول ولا قُوَّة إِلَّا بالله، ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إِلَّا الله. قال: لا إله إِلَّا الله من قَلْبه دخل الجنّة". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٥) حَدَّثَنَا إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جَهْضَم الثقفيّ، حَدَّثَنَا إسماعيل بن جعفر، عن عُمارة بن غَزية، عن خُبيب بن عبد الرحمن بن إساف، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، عن أبيه، عن جده فذكره. • عن سعد بن أبي وقَّاص عن رسول الله لا أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذنَ: أشهد أن لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، رضيتُ بالله ربًا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٦) من طريق اللّيث، عن الحُكيم بن عبد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن سعد بن أبي وقَّاص، فذكره. • عن علقمة بن وقَّاص قال: كُنَّا عند معاوية، فقال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، فقال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: حيَّ على الصّلاة، فقال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله، فقال: حيَّ على الفلاح، فقال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله، فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال: لا إله إِلَّا الله، قال: لا إله إِلَّا الله. قال: هكذا كان رسول

стр. 1215

الله ﷺ يقول - أو نبيُّكم - إذا أذَّن المُؤذن. حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٨٩٦) قال: حَدَّثَنَا يحيي (ابن سعيد) عن محمد بن عمرو قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن جديّ، قال: فذكر الحديث. ومحمد بن عمرو هو: ابن علقمة الليثي صدوق، وأبوه عمرو بن علقمة بن وقَّاص الليثي المدني "مقبول" ذكره ابن حبان في الثّقات (٥/ ١٧٤) هكذا رواه الإمام أحمد بالتفصيل. ورواه النسائيّ (٦٧٧) عن مجاهد بن موسى وإبراهيم بن الحسن المقْسَمِيّ قالا: حَدَّثَنَا حجَّاج، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن يحيى، أن عيسى بن عمر أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقَّاص، عن علقمة بن وقَّاص قال: إنِّي عند معاوية إذ أذَّن مؤذِّنه فقال معاوية كما قال المؤذِّن حتَّى إذا قال: حيَّ على الصّلاة: قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله، فلمّا قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله، وقال بعد ذلك مثل ما قال المؤذِّن ثم قال: سمعتُ رسول الله يقول مثل ذلك. انتهى. ورواه أبو داود الطيالسي (١٠٥٢) قال: حَدَّثَنَا هشام (الدستوائي)، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عيسى بن طلحة، قال: كُنَّا عند معاوية فنادي المنادي بالصلاة، فقال: مِثل ما قال، ثم قال: هكذا سمعت نبيُّكم ﷺ . وأخرجه البخاريّ في الأذان (٦١٢) عن مُعاذ بن فَضالة، قال: حَدَّثَنَا هشام به وفيه: فقال: مثله إلى قوله: "وأشهد أن محمدًا رسول الله" ولم يذكر فيه الحوقلة، ثم رواه عن إسحاق بن راهويه قال: ثنا وهب بن جرير قال: حَدَّثَنَا هشام، عن يحيي نحوه - يعني لم يذكر فيه الحوقلة. ثم قال البخاريّ: قال يحيي: وحدثني بعض إخواننا أنه قال: لما قال حيَّ على الصّلاة، قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله، وقال: هكذا سمعت نبيَّكم ﷺ يقول. فقول البخاريّ: قال يحيي (هو ابن أبي كثير) الظاهر أنه عطف على إسناد إسحاق بن راهويه السابق. وهذا إسناد صحيح غير أن فيه رجلًا مبهمًا في قول يحيى بن أبي كثير: وحدثني بعض إخواننا، هكذا رواه أيضًا الإمام أحمد (١٦٨٢٨) عن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن عُلية) قال: أخبرنا هشام الدستوائي بإسناده إلى أن قال يحيى: فحدثنا رجل: أنه لما قال: حيَّ على الصّلاة، قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله. ولكن رواه ابن خزيمة (٤١٤) من طريق ابن علية به، وجعل: "ولا حول ولا قُوَّة إِلَّا بالله" موصولًا، ولم يذكر قول يحيى بن أبي كثير: حَدَّثَنِي رجل. فالظاهر أَنَّ فيه سقطًا من الناسخ. وقد تحير الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعيين هذا الرّجل الساقط في الإسناد فلم يجزم بشيء. فإذا جعلنا هذا الرّجل المبهم يقوي ما ذكره عمرو بن علقمة الليثي فيكون ذكر الحوقلة في حديث معاوية حسنًا لغيره مع الاحتمال أن يكون هذا المبهم هو عمرو بن علقمة نفسه، كما قال الحافظ، أو أخوه عبد الله بن علقمة، ومثله لا بأس به في الاستشهاد.

стр. 1216

• عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذِّن يتشهد قال: "وأنا وأنا". حسن: رواه أبو داود (٥٢٦) قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن مهديّ، ثنا عليّ بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرت الحديث. وإسناده حسن، ورجاله ثقات غير إبراهيم بن مهدي المصيصي البغدادي فإنه "مقبول" كما قال الحافظ، والحق أنه صدوق، فإنه ممن وثَّقه أبو حاتم مع ابن حبان، ثم رواه ابن حبان (١٦٨٣) والحاكم (١/ ٢٠٤) من وجه آخر من طريق هشام بن عروة به مثله، وفيه متابعة قوية لإبراهيم بن مهدي. ورواه الإمام أحمد (٢٤٩٣٣) عن عفّان قال: حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، قال: حَدَّثَنِي عمرو بن ميمون بن مهران، قال: أخبرني أبي قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا سمع المنادي قال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله وأشهد أن محمدًا رسولُ الله". ورجاله ثقات غير أن ميمون بن مهران قد اختلف في سماعه من عائشة والصواب أنه سمع منها لأنه ولد سنة سبع عشرة، وتوفي سنة ست عشرة ومائة ولم يذكر العلائي في جامع التحصيل أنه لم يدرك عائشة، ونص في التهذيب أنه رُوي عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وابن عمر وابن الزُّبير وصفية بنت شيبة وأم الدّرداء من الصّحابة. ١٨ - باب يُجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء • عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: سمعتُ معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذَّن المؤذِّن قال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، فقال معاوية: وأنا، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا، فلمّا قضى التأذين قال: "يا أيها الناس، إني سمعتُ رسول الله ﷺ على هذا المجلس - حين أذَّن المؤذِّن - يقول ما سمعتم مني من مقالتي". صحيح: رواه البخاريّ في الجمعة (٩١٤) قال: حَدَّثَنَا ابن مقاتل: قال: أخبرنا عبد الله (وهو: ابن المبارك) قال: أخبرنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حُنيف، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف فذكر الحديث. وبوّب عليه البخاريّ بقوله: يُجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء. قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد: تعلم العلم وتعليمه من الامام وهو على المنبر، وأن الخطيب يجيب المؤذِّن وهو على المنبر، وأن قول المجيب "وأنا كذلك" ونحوه يكفي في إجابة المؤذِّن. ١٩ - باب الدعاء بين الأذان والإقامة • عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة فادعوا". حسن: رواه أبو داود (٥٢١) والتِّرمذيّ (٢١٢) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٦٨ - ٧٠)

стр. 1217

كلّهم من طرق عن زيد العَمّي، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك فذكر الحديث. قال الترمذيّ: حسن وفي نسخة: حسن صحيح. والأوّل قريب من الصواب؛ لأن في إسناده زيد العَمِّي زيد بن الحواريّ، أبو الحواري البصريّ، اختلف في سبب نسبته هذه، فقيل: هو منسوب إلى "بني العم" وهو بطن من بني تميم، وقال عليّ بن مصعب: سمي العَمِّي لأنه كان كلما سئل عن شيء قال: حتَّى أسأل عَمِّي، وهو ضعيف فقد ضعَّفه أبو حاتم والنسائي وابن سعد وابن المدينيّ، وقال ابن حبان: يروي عن أنس أحاديث موضوعة لا أصول لها. فمثله لا يحسن حديثه فضلًا من تصحيحه. ولكن للحديث طرق أخرى ولذا أدخلته في الجامع، ومن هذه الطرق ما رواه الإمام أحمد في مسنده (١٢٥٨٤) قال: حَدَّثَنَا أسود وحسين بن محمد قالا: حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس فذكر الحديث ورواه أيضًا أبو يعلى (٣٦٧٩) من طريق إسرائيل به، وأشار إليه الترمذيّ بقوله: "وقد رواه أبو إسحاق الهمدانيّ، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ مثل هذا". ورجاله ثقات غير أبي إسحاق وهو عمرو بن عبد الله السبيعي المشهور بكنيته وهو تابعي ثقة إِلَّا أنه كان يدلس وهو من المرتبة الثالثة عند الحافظ ابن حجر الذين لم يحتج الأئمة من أحاديثهم إِلَّا بما صرحوا فيه بالسماع، ولكن تابعه ابنه يونس فرواه الإمام أحمد (١٣٣٥٧) عن إسماعيل بن عمر قال: حَدَّثَنَا يونس - وهو بن أبي إسحاق - قال: حَدَّثَنَا بُريد بن أبي مريم عن أنس فذكر الحديث. ويونس بن أبي إسحاق صدوق ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (٤٢٦، ٤٢٧) وقال: يريد الدعوة المجابة. وأسود هو: ابن عامر الملقب بشاذان، ثقة من رجال الجماعة وحسين بن محمد هو: ابن بهرام المروَّذي - بتشديد الواو وبذال معجمة - ثقة من رجال الجماعة. هذه من أجود الأسانيد التي رُوي عنها هذا الدعاء. لا أعلم حديثًا صحيحًا غير حديث أنس في هذا الباب. ٢٠ - الدعاء عند سماع النداء • عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمعُ النداءَ: اللَّهُمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّتْ له شفاعتي يوم القيامة". صحيح: رواه البخاريّ في الأذان (٦١٤) وفي التفسير (٤٧١٩) في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] عن عليّ بن عَيَّاش قال: حَدَّثَنَا شعيب بن أبي حمزة، عن

стр. 1218

محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله فذكره. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النَّبِيّ ﷺ " ... ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنّة لا تنبغي لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّتْ له شفاعتي". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٤) من طريق كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره. • عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لا يسألها عبد في الدُّنيا إِلَّا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة". حسن: أخرجه الطبرانيّ في الأوسط - مجمع البحرين (٦٣٩) قال: حَدَّثَنَا أحمد - يعني ابن عليّ الأبار، ثنا الوليد بن عبد الملك الحرانيّ، ثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس فذكره. قال الطبرانيّ: لم يروه عن ابن أبي ذئب إِلَّا موسى. وقال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (١/ ٣٣٣) فيه الوليد بن عبد الملك الحرانيّ، وقد ذكره ابن حبان في الثّقات (٩/ ٢٢٧) وقال: "مستقيم الحديث إذا روى عن الثّقات"، قال الهيثميّ: "وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة" انتهى. قلت: موسى بن أعين الراوي عنه من رجال الشّيخين، وثَّقه أبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم، والاسناد حسن لأجل الوليد بن عبد الملك نفسه فإنه لم يبلغ درجة الثقة. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: "صدوق". "الجرح والتعديل" (٩/ ١٠). ولحديث ابن عباس هذا أسانيد أخرى، من أجودها ما رواه عبد بن حميد في "المنتخب" (ص ٥٨٥) (٦٨٧) عن عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيد، عن محمد بن عمرو بن عطاء عنه مثله. وموسى بن عبيدة - وهو ابن نشيط الربذيّ، ضعيف. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة، وأحمد بن منيع من طريق موسى بن عبيدة "المطالب العالية" (١/ ١٣٦) رقم (٢٥٥). • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله! إنَّ المؤذنين يَفْضُلوننا. فقال رسول الله ﷺ : "قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسلْ تُعطه". حسن: رواه أبو داود (٥٢٤) واللّفظ له، وأحمد (٦٦٠١) والبيهقي (١/ ٤١٠) كلّهم من طريق حُييّ، عن أبي عبد الرحمن - يعني الحُبلِّي، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وحُييّ هو: ابن عبد الله بن شريح المعافري المصريّ، مختلف فيه؛ فقال البخاريّ: فيه نظر.

стр. 1219

وقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال النسائيُّ ليس بالقويِّ. ولكن قال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة. قلت: وهنا روى عنه ابن وهب وهو ثقة، وحسَّنه أيضًا الحافظ في "نتائج الأفكار" (١/ ٣٧٨). وأمّا ما رواه مالك في الصّلاة (٧) عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي أنَّه قال: "ساعتان يفتح لهما أبواب السماء، وقلَّ داعٍ تُردُّ عليه دعوته: حين يحضرُ النداء للصلاة، والصفُّ في سبيل الله". فهو موقوف. قال ابن عبد البرِّ في التمهيد (٢١/ ١٣٨): "هكذا هو موقوف على سهل بن سعد في الموطأ عند جماعة الرواة، ومثله لا يقال من جهة الرأي. وقد رواه أيوب بن سويد ومحمد بن خالد وإسماعيل بن عمر عن مالك مرفوعًا". ثمَّ أسند عن هؤلاء. وخالف موسى بن يعقوب مالكًا فرواه عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا. رواه أبو داود (٢٥٤٠) وابن خزيمة (٤١٩) والحاكم (١/ ١٩٨) والبيهقي (١/ ٤١٠) كلّهم من هذا الوجه. ولفظه: "ثنتان لا تُردَّان، أو قلَّما تُردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا". قال الحاكم: "هذا حديث ينفرد به موسى بن يعقوب، وقد رُوي عن مالك، عن أبي حازم، وموسى بن يعقوب ممن يوجد عنه التفرد". وقال البيهقيّ: رفعه الزمعي - موسى بن يعقوب، ووقَّفه مالك بن أنس الإمام". انتهى. قلت: الظاهر أنَّ موسى بن يعقوب أخطأ في رفع هذا الحديث؛ لأنَّه وُصِف بسوء الحفظ. وقال ابن المديني: ضعيف الحديث منكر الحديث. وضعَّفه النسائيُّ وغيره. وأشار الحافظ إلى أنَّه مختلف فيه ولكنَّه قال: "حديث حسن صحيح". "نتائج الأفكار" (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠) فلعلَّه لأجل الشواهد. فالخُلاصة: أنَّه يُحسَّن حديثه إذا لم يُخالف، وقد خالف هنا إمامًا من الأئمة وهو مالك بن أنس. وورد في سؤال الوسيلة عند سماع الأذان من حديث أبي الدّرداء وابن مسعود مرفوعًا وفي إسنادهما ضعف، قاله ابن رجب في "فتحه" (٣/ ٤٦٤). قلت: وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، أخرج بعضها الطبرانيّ في "كتاب الدعاء" وهي كلُّها ضعيفة. ٢١ - باب ماذا يقول إذا قال المؤذِّن: حيَّ على الصّلاة حيَّ على الفلاح • عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال المؤذِّن: الله أكبر، الله أكبر. قال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. إلى أن قال: حيَّ على الصّلاة. قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله. ثم قال: حيَّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا

стр. 1220

بالله. ثمّ قال: الله أكبر، الله أكبر. قال: الله أكبر الله أكبر. ثمّ قال: لا إله إِلَّا الله، قال: لا إله إِلَّا الله من قلبه دخل الجنّة". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٥) من طريق حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، عن أبيه، عن جدِّه عمر بن الخطّاب فذكر الحديث بطوله. وقوله: "الحول" معناه: الحركة. أي لا حركة لي ولا استطاعة إِلَّا بمشيئة الله. ويُقال في التعبير عن قولهم: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله" الحوقلة. الحاء والواو من الحول. والقاف من القوة. واللام من اسم الله تعالى. هو مثل البسملة في بسم الله. والحمدلة في الحمد لله. • عن عيسى بن طلحة قال: دخلنا على معاوية، فنادي المنادي بالصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر. فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر. ثمّ قال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله. فقال معاوية: وأنا أشهد. ثمّ قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال معاوية: وأنا أشهد. ثمّ قال: حيَّ على الصّلاة. فقال معاوية: لا حول ولا قُوَّة إِلَّا بالله. ثمّ قال: حيَّ على الفلاح. فقال معاوية: لا حول ولا قُوَّة إِلَّا بالله. ثمّ قال: هكذا سمعت نبيكم ﷺ يقول. حسن: رواه ابن خزيمة (٤١٤) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقيّ، ثنا ابن علية (وهو إسماعيل بن إبراهيم) عن هشام الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة فذكر مثله. هكذا رواه ابن خزيمة ذكر الحوقلة متصلًا. وأورده البخاريّ في الأذان (٦١٣) قائلًا: وقال يحبي: وحدثني بعض إخواننا أنَّه قال: لما قال: حيَّ على الصّلاة قال: لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله. وقال: هكذا سمعنا نبيَّكم ﷺ يقول. فأبهم البخاريّ الذين حدث عنهم يحيى بن أبي كثير. فلم يثبت عنده من هم الذين حدثوا به ولنا ذكر "الحوقلة" مقطوعًا .. ولم يصل شراح البخاريّ إلى تعيين المبهمين، إنّما قال كلٌّ بما أدّى إليه اجتهاده. وهذا الحديث بتمامه أخرجه الإمام أحمد (١٦٨٢٨) عن إسماعيل بن إبراهيم (وهو ابن علية) وأبي عامر العقَدي قالا: حَدَّثَنَا هشام به مثله، إِلَّا "الحوقلة" فإنَّه ذكره أيضًا مقطوعًا. ولحديث معاوية طريق آخر رواه البخاريّ (٩٠٤) كما سبق في باب إجابة الامام على المنبر إذا سمع النداء، وليس فيه ذكر الحوقلة. فلا أدري كيف ساق ابن خزيمة متن الحديث بتمامه مع ذكر الحوقلة بهذا الإسناد، ولكن يقوي عمله هذا بما رواه الإمام أحمد (١٦٣٨١) والنسائي في المجتبي (٦٧٧) وفي "عمل اليوم والليلة" (٣٥٣) والبغوي في شرحه (٤٢٢) كلُّهم من طريق ابن جريج، قال: حَدَّثَنِي عمرو بن يحيى المازنيّ،

стр. 1221

أنَّ عيسى بن عمر أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقَّاص، أنَّ علقمة بن وقَّاص قال: إنِّي لعند معاوية إذ أذَّن مؤذِّنه فقال: كما قال المؤذِّن حتَّى إذا قال: حيَّ على الصّلاة. قال معاوية: "لا حول ولا قُوة إِلَّا بالله" وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ثمّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ قال ذلك. وفيه عيسى بن عمر ويقال: ابن عُمير حجازي. قال الدَّارقطنيّ: مدني معروف يُعتبر به، ولكن قال الذّهبيُّ: لا يعرف. واعتمده الحافظ في "التقريب، فقال: مقبول". وشيخه عبد الله بن علقمة بن وقَّاص الليثي أيضًا "مقبول" أي حيث يُتابع، وقد توبع؛ تابعه أخوه عمرو بن علقمة بن وقَّاص. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٦٨٩٦) وابن خزيمة (٤١٦) وعنه ابن حبّان (١٦٨٧) كلّهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عمرو قال: حَدَّثَنِي أبي عن جدِّي. أي عن عمرو بن علقمة، عن علقمة بن وقَّاص فذكر الحديث بتمامه. وعمرو بن علقمة بن وقَّاص أيضًا "مقبول" يعني عند المتابعة. وهذه المتابعات مع الشاهد من حديث عمر بن الخطّاب يقوي حديث معاوية بن أبي سفيان، وقد أشار إليه الحافظ أيضًا. ولحديث معاوية أسانيد أُخرى غير أنَّ ما ذكرته هي أصحُّها. انظر مزيدًا من التخريج في باب ما يقول إذا سمع النداء. ٢٢ - باب في الصّلاة على النَّبِيّ ﷺ عند الأذان • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه سمع النَّبِيّ ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليَّ؛ فإنَّه من صلَّى عليّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنَّها منزلة في الجنَّة لا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعةُ". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٣٨٤) عن محمد بن سلمة المراديّ، حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره. ٢٣ - باب ما يقول إذا سمع الإقامة لم يثبت في هذا الباب شيءٌ. وإنَّما فيه ما رُوي عن أبي أُمامة، أو عن بعض أصحاب النَّبِيّ ﷺ أنَّ بلالًا أخذ في الإقامة فلمّا أن قال: قد قامت الصّلاة. قال النَّبِيُّ ﷺ : "أقامها الله وأدامها، وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر ﵁ في الأذان. إِلَّا أنَّه ضعيف، رواه أبو داود (٥٢٨) عن سليمان بن داود العتكيّ، حَدَّثَنَا محمد بن ثابت، حَدَّثَنِي رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي

стр. 1222

أمامة، أو عن بعض أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فذكر مثله. سكت عليه أبو داود، وقال المنذري في مختصر أبي داود: "في إسناده رجل مجهول. وشهر بن حوشب تكلَّم فيه غير واحد، ووثقه الإمام أحمد ويحيى" اهـ. قلت: وفيه علة ثالثة، وهي محمد بن ثابت العبديّ، مختلف فيه فتكلَّم فيه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وابن عدي. ووثقه العجلي وهو لم يتابع على توثيقه، ولذا قال النوويّ في "المجموع" (٣/ ١٢٢): "هو حديث ضعيف، لأنَّ الرّجل مجهول، ومحمد بن ثابت ضعيف بالاتفاق، وشهر مختلف في عدالته". وضعف هذا الحديث الحافظ ابن حجر أيضًا في "التلخيص"، والبيهقي أشار إلى ضعَّفه بعد أن رواه من طريق أبي داود قائلًا: وهذا إن صحَّ، شاهد لما استحسنه الشافعي ﵀ من قولهم: اللَّهُمَّ أقمها وأدمها، واجعلنا من صالح أهلها عملًا" "السنن الكبرى" (١/ ٤١١). ٢٤ - باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامنٌ والمؤذن مُؤْتَمن، اللَّهُمَّ أَرْشِد الأئمة واغفر للمؤذنين". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٠٧) قال: حَدَّثَنَا هناد، حَدَّثَنَا أبو الأحوص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وهذا إسناد رجاله ثقات، وقد اختلف على الأعمش. فرواه سفيان الثوري عند الإمام أحمد (٩٩٤٢) وزائدة عند أبي داود الطيالسي (٢٥٢٦) وشريك عند الإمام أحمد (٩٤٧٨/ ١) كل هؤلاء وغيرهم مثل حديث أبي الأحوص وأبي معاوية عن الأعمش متصلا. ورواه محمد بن فضيل عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عنه وحديثه عند أبي داود (٥١٧) عن الإمام أحمد وهو في مسنده (٧١٦٩) فأدخل بين الأعمش وأبي صالح رجلًا غير مسمى. فاختلف أهل العلم في سماع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح: فقال ابن معين: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح. والتحقيق في ذلك أن الأعمش سمع هذا الحديث أولًا عن رجل، عن أبي صالح، ثمّ تيسر له السماع من أبي صالح مباشرة، وعليه أكثر أصحابه منهم: معمر والثوري وأبو الأحوص وأبو معاوية وحفص بن غياث وجرير بن عبد الحميد وغيرهم، وقد صرَّح الأعمش في بعض رواياته أنه سمع من أبي صالح. ثمّ اختلف أيضًا على أبي صالح، فقيل عنه، عن أبي هريرة رواه عنه ابنه سهيل، عن أبيه أبي صالح انظر ابن خزيمة (٣/ ١٦) ولكن قال الإمام أحمد: هذا الحديث لم يسمعه سهيل من أبيه،

стр. 1223

وإنما سمعه من الأعمش كذا نقله البيهقيّ (١/ ٤٣٠) ولكن سهيل ثقة، ولم يعرف بالتدليس، وقد روي كثيرًا عن أبيه، فعنعنته محمولة على السماع. وكذلك رواه أبو إسحاق السبيعيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. رواه الإمام أحمد (٨٩٠٩ و ١٠٦٦) عن موسى بن داود، ثنا زهير، عن أبي إسحاق به، وصحَّحه ابن خزيمة (٣/ ١٦) فرواه من طريقه. وخالفه نافع بن سليمان فرواه عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، رواه الإمام أحمد (٢٤٣٦٣) عن أبي عبد الرحمن، ثنا حيوة بن شريح، قال: حَدَّثَنِي نافع بن سليمان به مثله. وقد أنكر بعض أهل العلم أن يكون لأبي صالح ولد اسمه محمد ولذا اختلفت أقوال أهل العلم في هذه الروايات فنقل الترمذيّ عن أبي زرعة قوله: حديث أبي صالح عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة، ونقل عن البخاريّ أنه قال: حديث أبي صالح، عن عائشة أصح، وذكر عن عليّ بن المديني أنه لم يثبتْ حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح عن عائشة. انتهى. ونقل الحافظ في التلخيص (١/ ٢٠٧) عن ابن حبان: أنه صحَّح طريقين فقال: قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعًا. قلت: هذا الذي يدل عليه الصناعة الحديثية إن ثبت وجود محمد بن أبي صالح، وإلَّا فحديث أبي صالح عن أبي هريرة أصح، وبه قال أكثر أهل العلم منهم أبو زرعة والعقيلي والدارقطني وغيرهم. • عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الإمام ضامنٌ، والمؤذِّن موتَمن. اللَّهُمَّ ارشد الأئمَّة واغفر للمؤذِّنين". صحيح: رواه أبو العباس السراج في "مسنده" (٧٢) عن محمد بن عقيل، حَدَّثَنَا حفص. وحدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، قال: حَدَّثَنِي أبيّ، قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بن طهمان، حَدَّثَنَا سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر فذكر الحديث. وإسناده صحيح، ونقل الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٠٧) تصحيحه من الضياء في "المختارة" بعد عزوه إلى أبي العباس السراج، ولكن رواه البيهقيّ (١/ ٤٣١) من طريق حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان. وأعلَّه بما رواه عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يُغفر للمؤذِّن مدى صوته، ويشهد له كل رطبٍ ويابس سمع صوته". هذا القدر مرفوعًا دون الحديث الآخر. انتهى. قلت: حديث عمار بن رُزَيق سبق تخريجه في باب رفع الصوت بالنداء، وفضل الأذان. وردَّ ابن التركماني على البيهقيّ قائلًا: "إنَّ كان البيهقيّ قصد بذلك زيادة غيره لا سيما مع انفصال أحد المتنين عن الآخر في المعنى، فهما حديثان مستقلان، فبعض الرواة روى أحدهما، وبعضهم شارك

стр. 1224

في ذلك وانفرد بالحديث الآخر". قلت: ما قاله ابن التركماني كلام وجيه حسب الصناعة الحديثية. وقوله: "الإمام ضامن" قال أهل اللغة: الضامن في كلام العرب معناه الراعيّ، والضمان معناه: الرعاية. والإمام ضامن معناه: أنه يحفظ الصّلاة، وعدد الركعات على القوم، وقيل معناه: ضامن الدعاء بعمهم به، ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء، وقد تأوله قوم على أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال، وكذلك يتحمل القيام أيضًا إذا أدركهـ راكعًا. أفاده الخطّابي. • عن أبي عليّ الهمداني أنه خرج في سفينة فيها عقبة بن عامر الجُهنيّ، فحانت صلاة من الصلوات، فأمرنا أن يؤمَّنا، وقلنا له: إنك أحقُّنا بذلك، أنت صاحب رسول الله ﷺ فأبى فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أم الناس فأصاب فالصلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه، ولا عليهم". حسن: رواه أبو داود (٥٨٠) وابن ماجة (٩٨٣) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي عليّ الهمداني فذكر الحديث. وإسناده حسن، فإن عبد الرحمن بن حرملة حسن الحديث إذا لم يخطئ، وهو من رجال مسلم، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وأبو عليّ هو: ثمامة بن شُفيّ، وثَّقه النسائيّ وغيره من رجال مسلم، وأخرجه الحاكم (١/ ٢١٠) من طريق عبد الرحمن بن حرملة، وصحّحه. وفي الباب عن سهل بن سعد، وسلامة بنت الحر أخت حرشة، وابن عمر، وواثلة، وأبي محذورة، وأبي أمامة، وكلها معلولة لم يسلم منها إِلَّا ما ذكرت. ٢٥ - باب إدخال الاصبع في الأُذُن عند الأذان • عن أبي جحيفة قال: أتيت النَّبِيّ ﷺ بمكة وهو في قُبَّةٍ حمراء من أدَم، فخرج بلالٌ فأذَّن. فكنتُ أتتبعُ فَمه ههنا وههنا، قال: ثمّ خرج رسولُ الله ﷺ وعليه حُلَّةٌ حمراءُ بُرودٌ يمانية قِطري. وقال موسى: قال: رأيتُ بلالًا خرج إلى الأبطح فأذَّن فلمّا بلغ: "حيَّ على الصّلاة، حيَّ على الفلاح" لوى عُنُقَه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر، ثمّ دخل فأخرج العنزة ... وساق حديثه. صحيح: رواه أبو داود (٥٢٠) عن موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا قيس - يعني ابن الربيع - ح

стр. 1225

وحدثنا محمد بن سليمان الأنباريّ، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، جميعًا عن عون بن أبي حجيفة، عن أبيه فذكر الحديث. قلت: الإسناد الأوّل فيه قيس بن الربيع ضعَّفه عليّ بن المديني والنسائي والدارقطني وغيرهم. ولكن تابعه سفيان إِلَّا في قوله: "ولم يستدر" وقد ثبت ذلك في روايات أخرى. فقد رواه الترمذيّ (١٩٧) والحاكم (١/ ٢٠٢) من حديث عبد الرزّاق، عن سفيان وفيه: "رأيت بلالًا يُؤذِّن ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه" وقال: "حسن صحيح". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين. والمراد منه التواء العنق يمينًا وشمالًا كما ذكره النسائيّ (٢/ ١٢) بقوله: ينحرف يمينًا وشمالًا. وأمّا إدخال الاصبعين في الأذنين فهو صحيح. قال الترمذيّ: "حديث أبي جحيفة حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يُدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان. وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة أيضًا، يُدخل إصبعيه في أذنيه وهو قول الأوزاعي" انتهى. قلت: أصل حديث أبي جحيفة في الصحيحين. وسبق ذكره في الطهارة في باب استعمال فضل الوضوء إِلَّا أن البخاريّ لم يسق لفظ الحديث كاملًا كما لم يذكر هو ولا مسلم إدخال الاصبعين في الأذنين. ٢٦ - باب في المؤذن ينتظر الإمام، فإذا رآه يقيم • عن جابر بن سمرة قال: كان بلال يؤذِّن إذا دحضتْ، فلا يُقيم حتَّى يخرجَ النَّبِيّ ﷺ ، فإذا خرج أقام الصّلاةَ حين يراه. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٠٦) عن سلمة بن شبيب، ثنا الحسن بن أعين، ثنا زهير، ثنا سماك بن حرْب، عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث. ورواه أبو داود (٥٣٧) والتِّرمذيّ (٢٠٢) من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب وفيه: "كان مؤذن رسول الله ﷺ يؤذن، ثمّ يُمْهِل، فإذا رأى النَّبِيَّ ﷺ قد خرج أقام الصّلاة". ولم يُسم الترمذيّ اسم المؤذِّنِ، وسماه أبو داود بأنه بلال. قال الترمذيّ: هكذا قال بعض أهل العلم: "إنَّ المؤذِّن أملكُ بالأذان، والإمام أملك بالإقامة". قلت: قول الترمذيّ هو الصواب، وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "المؤذِّن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة، اللَّهُمَّ أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين" فهو ضعيف، رواه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٣٢٧) عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن فروخ، ثنا عليّ بن أشكاب، ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة

стр. 1226

فذكر الحديث. قال ابن عدي: هذا بهذا اللّفظ لا يُروى إِلَّا عن شريك من رواية يحيى بن إسحاق عنه، وإنما رواه الناس عن الأعمش بلفظ آخر وهو قول: "الإمام ضَامِنٌ والمؤذِّن مُؤتمن. اللَّهُمَّ أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين". وحديث الأعمش سبق تخريجه. ورواه البيهقيّ في "الكبرى" (٢/ ١٩) من كلام عليّ بن أبي طالب وقال: "ورُوي عن شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا وليس بمحفوظ". وقوله: "فإذا خرج أقام الصّلاة حين يراه" لا يعارض ما ثبت في الصحيحين - البخاريّ في الدعوات (٦٣١٠) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٣٦): "فإذا طلع الفجرُ صلي رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين، ثمّ اضطلع على شقه الأيمن حتَّى يجيءَ المؤذِّنُ فيؤذِنُه" وفي رواية مسلم: "حتَّى يأتيه المؤذِّن للإقامة" فمعنى هذا أن بلالًا كان يراقب خروجَ رسول الله ﷺ ، فإذا رآه يشرع في الإقامة قبل أن يراه الناس. وأحيانا إذا تأخر خروجُ النَّبِيّ ﷺ يذهب إلى بابه لتفقد أحواله، وليُخبره بأن الوقت قد حان، فإن خرج شرع في الإقامة. ٢٧ - باب أن المؤذن يقيم قبل أن يخرج الإمام • عن أبي هريرة قال: أقيمت الصّلاة، فقمنا، فعدَّلْنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسولُ الله ﷺ ، فأتى رسولُ الله ﷺ حتَّى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر، فانصرف وقال لنا: "مكانكم" فلم نزَلْ قيامًا ننتظره حتَّى خرج إلينا وقد اغتسل، ينظفُ رأسُه ماء، فكبر فصلى بنا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٧٥)، ومسلم في المساجد (٦٠٥) - واللّفظ له - كلاهما من طريق يونس، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ٢٨ - باب قيام الناس إذا رأوا الإمام • عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصّلاة فلا تقوموا حتَّى تروْني". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٣٧) ومسلم في المساجد (٦٠٤) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة - وقرنه مسلم بأبي سلمة - عن أبي قتادة فذكر الحديث. وفي البخاريّ: عن مسلم بن إبراهيم قال: حَدَّثَنَا هشام، قال: كتب إليَّ يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة فذكر الحديث. والكتابة أحد وجوه التحمل، ثمّ رواه أيضًا (٦٣٨) عن أبي نعيم، قال: حَدَّثَنَا شيبان، عن يحيى فذكر به مثله وزاد في آخره: "وعليكم بالسكينة"، إِلَّا أن مسلمًا لم يذكر هذه الزيادة في رواية شيبان بعد أن ذكر المتابعات.

стр. 1227

قال المصنف رحمه الله تعالى (أي البخاريّ) وتابعه عليّ بن المبارك. وهذه المتابعة وصلها المصنف في كتاب الجمعة (٩٠٩) فقال: حَدَّثَنَا عمرو بن عليّ، قال: حَدَّثَنِي أبو قُتَيبة، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، لا أعلمه إِلَّا عن أبيه، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: "لا تقوموا حتَّى ترونيّ، وعليكم السكينةُ" وتابعهما معاوية بن سلّام كما ذكره أبو داود (٥٣٩) فقال: ورواه معاوية بن سلّام وعلي بن المبارك عن يحييّ، وقالا فيه: "حتَّى تروني وعليكم السكينة". وهذه الرواية المعلقة وصلها الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن سلّام وشيبان جميعًا عن يحيى. انظر: "فتح الباري" (٢/ ١٢١). ومعنى قوله: "وعليكم السكينة" أي لا يزاحم بعضكم بعضًا عند القيام إلى الصّلاة، فيحاول من هو بعيد من الصف الأوّل أن يُسرع من غير مبالاة من المدافعة والمزاحمة فإن ذلك يخالف الوقار. وبَيَّن ابن رشيد معني آخر وهو قوله: "والنكتة في النهي عن ذلك لئلا يكون مقامهم سببًا لإسراعه في الدخول إلى الصّلاة، فينافي مقصوده من هيئة الوقار". انظر: "فتح الباري". وحديث جابر بن سمرة وحديث أبي هريرة وحديث أبي قتادة يعارضه حديث بلال أنه كان يؤذِّن إذا دحضت، ولا يقيم حتَّى يخرج النَّبِيّ ﷺ فإذا خرج أقام الصّلاة حين يراه، ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث: بأن بلالًا كان يراقب خروج النَّبِيّ ﷺ من حيث لا يراه غيره، أو إِلَّا القليل، فعند أول خروجه يُقيمُ، ولا يقوم الناس حتَّى يروه، ثمّ لا يقوم مقامه حتَّى يعدلوا الصفوف. وقوله في حديث أبي هريرة: "فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النَّبِيّ ﷺ "رواه أبو داود (٥٤١) بإسناد صحيح، وفيه الوليد بن مسلم قد صرَّح بالتحديث، فيحمل هذا على أن النَّبِيّ ﷺ إذا كان في المسجد. أو أنه فعل ذلك مرة أو مرتين لبيان الجواز، وإلَّا فالأصل فيه أن لا تقام الصّلاة إِلَّا إذا خرج الإمام لئلا يطول عليهم القيام، لأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه كما قال القاضي عياض وغيره. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم مني يقوم الناس للصلاة، ومتى يكبر الإمام؟ فمذهب الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة: أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتَّى يفرغ المؤذن من الإقامة، ونقل القاضي عياض عن مالك رحمه الله تعالى وعامة العلماء: أنه يستحب أن يقوموا إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصّلاة، وبه قال أحمد رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة ﵁ والكوفيون: يقومون في الصف إذا قال: "حيَّ على الصّلاة"، فإذا قال: "قد قامتِ الصّلاة" كبَّر الإمام، وقال جمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتَّى يفرغ المؤذن من الإقامة".

стр. 1228

قلت: ويحمل قول الفقهاء على أن الإمام قبل إقامة الصّلاة يُسوِّي الصفوف، ويسدُّ الفرج، ثمّ يأمر المؤذن لإقامة الصّلاة ويكبِّر، قال إبراهيم النخعي: فإذا قال: "قد قامت الصّلاة" كبَّر الإمام. ذكره محمد بن الحسن في كتاب "الآثار" وقال: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة"، إِلَّا فيكون مخالفًا للسنّة الصّحيحة الصريحة. ٢٩ - باب جواز الكلام إذا أقيمت الصّلاة • عن أنس قال: أقيمت الصّلاة، فعرض للنبي ﷺ رجل فحبسه بعد ما أقيمت الصّلاة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٤٣) ومسلم في الحيض (٣٧٦)، وقد مضى الحديث في الطهارة، في باب نوم الجالس لا ينقض الوضوء.

стр. 1229

جموع أبواب صفة الصّلاة من التكبير، والقيام، والقراءة قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: ٢١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ١ - باب قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي " • عن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النَّبِيّ ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلةً، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلمّا ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا - أو قد اشتقنا - سألنا عَمن تركنا بعدنا، فأخبرناه قال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم، ومروهم" وذكر أشياء أحفظُها، أو لا أحفظُها - "وصلُّوا كما رأيتموني أصَلِّي، فإذا حضرتِ الصّلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم ولْيؤمَّكم أكبرُكم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٣١) واللّفظ له، ومسلم في المساجد (٦٧٤) كلاهما عن أبي قِلابة، عن مالك بن الحويرث فذكر مثله، ولم يذكر مسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". والحديث قد سبق ذكره في أبواب الأذان، وسيأتي أيضًا في باب رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه. ٢ - باب ما جاء في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام • عن البراء بن عازب قال: كان رسولُ الله ﷺ صلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرًا. وكان رسول الله ﷺ لا يحب أن يُوَجِّه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٨] فتوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة: ١٤٢]. فصلى مع النَّبِيّ ﷺ رجل، ثمّ خرج بعد ما صلَّى فمَرَّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت.

стр. 1230

المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلَّى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة. فتحرف القومُ حتَّى توجهوا نحو الكعبة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٩٩)، ومسلم في المساجد (٥٢٥) كلاهما من حديث أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، واللّفظ للبخاريّ، وذكره مسلم مختصرًا نحوه، وانفرد البخاريّ فذكر في كتاب الإيمان (٤٠): وهم راكعون، فداروا كما هم قِبَل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يُصَلِّي قبل بيت المقدس وأهلُ الكتاب، فلمّا ولَّى وجْهَه قِبل البيتِ أنكروا ذلك. • عن البراء بن معرور، قال: إنه قال للنبيِّ ﷺ : إني خرجتُ في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيتُ ألا أجعل هذه البِنيةَ مني بظهر، فصليتُ إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتَّى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى؟ قال: "قد كنت على قبلة لو صبرتَ عليها". قال فرجع البراء إلى قبلة النَّبِيّ ﷺ وصلى معنا إلى الشّام. حسن: رواه ابن خزيمة (٤٢٩) من طريق ابن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي معبد بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار -، حَدَّثَنِي أن أباه كعبًا حدَّثه. وخبر كعب بن مالك في خروج الأنصار من المدينة إلى مكة في بيعة العقبة. وذكر في الخبر أن البراء بن معرور قال (فذكره). وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث. وقوله: "هذه البِنيةَ مني بظهر" يعني الكعبة. وفيه دليل على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس. وهو قول ابن عباس كما سيأتي. • عن عبد الله بن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصُّبْحِ، إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسولَ الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوهُهم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. متفق عليه: رواه مالك في القبلة (٦) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر فذكره، ومن طريقه أخرجه البخاريّ في الصّلاة (٤٠٣)، ومسلم في المساجد (٥٢٦). • عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يُصلي نحو بيت المقْدِس فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤]، فمرَّ رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلَّوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة حُوِّلَتْ، فمالُوا كما هم نحو القبلة. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا عفّان، ثنا حمّاد بن
следующие страницы →