← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فذكر الحديث. قال ابن عدي: هذا بهذا اللّفظ لا يُروى إِلَّا عن شريك من رواية يحيى بن إسحاق عنه، وإنما رواه الناس عن الأعمش بلفظ آخر وهو قول: "الإمام ضَامِنٌ والمؤذِّن مُؤتمن. اللَّهُمَّ أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين". وحديث الأعمش سبق تخريجه. ورواه البيهقيّ في "الكبرى" (٢/ ١٩) من كلام عليّ بن أبي طالب وقال: "ورُوي عن شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا وليس بمحفوظ". وقوله: "فإذا خرج أقام الصّلاة حين يراه" لا يعارض ما ثبت في الصحيحين - البخاريّ في الدعوات (٦٣١٠) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٣٦): "فإذا طلع الفجرُ صلي رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين، ثمّ اضطلع على شقه الأيمن حتَّى يجيءَ المؤذِّنُ فيؤذِنُه" وفي رواية مسلم: "حتَّى يأتيه المؤذِّن للإقامة" فمعنى هذا أن بلالًا كان يراقب خروجَ رسول الله ﷺ ، فإذا رآه يشرع في الإقامة قبل أن يراه الناس. وأحيانا إذا تأخر خروجُ النَّبِيّ ﷺ يذهب إلى بابه لتفقد أحواله، وليُخبره بأن الوقت قد حان، فإن خرج شرع في الإقامة. ٢٧ - باب أن المؤذن يقيم قبل أن يخرج الإمام • عن أبي هريرة قال: أقيمت الصّلاة، فقمنا، فعدَّلْنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسولُ الله ﷺ ، فأتى رسولُ الله ﷺ حتَّى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر، فانصرف وقال لنا: "مكانكم" فلم نزَلْ قيامًا ننتظره حتَّى خرج إلينا وقد اغتسل، ينظفُ رأسُه ماء، فكبر فصلى بنا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٧٥)، ومسلم في المساجد (٦٠٥) - واللّفظ له - كلاهما من طريق يونس، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ٢٨ - باب قيام الناس إذا رأوا الإمام • عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصّلاة فلا تقوموا حتَّى تروْني". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٣٧) ومسلم في المساجد (٦٠٤) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة - وقرنه مسلم بأبي سلمة - عن أبي قتادة فذكر الحديث. وفي البخاريّ: عن مسلم بن إبراهيم قال: حَدَّثَنَا هشام، قال: كتب إليَّ يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة فذكر الحديث. والكتابة أحد وجوه التحمل، ثمّ رواه أيضًا (٦٣٨) عن أبي نعيم، قال: حَدَّثَنَا شيبان، عن يحيى فذكر به مثله وزاد في آخره: "وعليكم بالسكينة"، إِلَّا أن مسلمًا لم يذكر هذه الزيادة في رواية شيبان بعد أن ذكر المتابعات.

стр. 1227

قال المصنف رحمه الله تعالى (أي البخاريّ) وتابعه عليّ بن المبارك. وهذه المتابعة وصلها المصنف في كتاب الجمعة (٩٠٩) فقال: حَدَّثَنَا عمرو بن عليّ، قال: حَدَّثَنِي أبو قُتَيبة، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، لا أعلمه إِلَّا عن أبيه، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: "لا تقوموا حتَّى ترونيّ، وعليكم السكينةُ" وتابعهما معاوية بن سلّام كما ذكره أبو داود (٥٣٩) فقال: ورواه معاوية بن سلّام وعلي بن المبارك عن يحييّ، وقالا فيه: "حتَّى تروني وعليكم السكينة". وهذه الرواية المعلقة وصلها الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن سلّام وشيبان جميعًا عن يحيى. انظر: "فتح الباري" (٢/ ١٢١). ومعنى قوله: "وعليكم السكينة" أي لا يزاحم بعضكم بعضًا عند القيام إلى الصّلاة، فيحاول من هو بعيد من الصف الأوّل أن يُسرع من غير مبالاة من المدافعة والمزاحمة فإن ذلك يخالف الوقار. وبَيَّن ابن رشيد معني آخر وهو قوله: "والنكتة في النهي عن ذلك لئلا يكون مقامهم سببًا لإسراعه في الدخول إلى الصّلاة، فينافي مقصوده من هيئة الوقار". انظر: "فتح الباري". وحديث جابر بن سمرة وحديث أبي هريرة وحديث أبي قتادة يعارضه حديث بلال أنه كان يؤذِّن إذا دحضت، ولا يقيم حتَّى يخرج النَّبِيّ ﷺ فإذا خرج أقام الصّلاة حين يراه، ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث: بأن بلالًا كان يراقب خروج النَّبِيّ ﷺ من حيث لا يراه غيره، أو إِلَّا القليل، فعند أول خروجه يُقيمُ، ولا يقوم الناس حتَّى يروه، ثمّ لا يقوم مقامه حتَّى يعدلوا الصفوف. وقوله في حديث أبي هريرة: "فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النَّبِيّ ﷺ "رواه أبو داود (٥٤١) بإسناد صحيح، وفيه الوليد بن مسلم قد صرَّح بالتحديث، فيحمل هذا على أن النَّبِيّ ﷺ إذا كان في المسجد. أو أنه فعل ذلك مرة أو مرتين لبيان الجواز، وإلَّا فالأصل فيه أن لا تقام الصّلاة إِلَّا إذا خرج الإمام لئلا يطول عليهم القيام، لأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه كما قال القاضي عياض وغيره. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم مني يقوم الناس للصلاة، ومتى يكبر الإمام؟ فمذهب الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة: أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتَّى يفرغ المؤذن من الإقامة، ونقل القاضي عياض عن مالك رحمه الله تعالى وعامة العلماء: أنه يستحب أن يقوموا إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصّلاة، وبه قال أحمد رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة ﵁ والكوفيون: يقومون في الصف إذا قال: "حيَّ على الصّلاة"، فإذا قال: "قد قامتِ الصّلاة" كبَّر الإمام، وقال جمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتَّى يفرغ المؤذن من الإقامة".

стр. 1228

قلت: ويحمل قول الفقهاء على أن الإمام قبل إقامة الصّلاة يُسوِّي الصفوف، ويسدُّ الفرج، ثمّ يأمر المؤذن لإقامة الصّلاة ويكبِّر، قال إبراهيم النخعي: فإذا قال: "قد قامت الصّلاة" كبَّر الإمام. ذكره محمد بن الحسن في كتاب "الآثار" وقال: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة"، إِلَّا فيكون مخالفًا للسنّة الصّحيحة الصريحة. ٢٩ - باب جواز الكلام إذا أقيمت الصّلاة • عن أنس قال: أقيمت الصّلاة، فعرض للنبي ﷺ رجل فحبسه بعد ما أقيمت الصّلاة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٤٣) ومسلم في الحيض (٣٧٦)، وقد مضى الحديث في الطهارة، في باب نوم الجالس لا ينقض الوضوء.

стр. 1229

جموع أبواب صفة الصّلاة من التكبير، والقيام، والقراءة قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: ٢١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ١ - باب قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي " • عن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النَّبِيّ ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلةً، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلمّا ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا - أو قد اشتقنا - سألنا عَمن تركنا بعدنا، فأخبرناه قال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم، ومروهم" وذكر أشياء أحفظُها، أو لا أحفظُها - "وصلُّوا كما رأيتموني أصَلِّي، فإذا حضرتِ الصّلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم ولْيؤمَّكم أكبرُكم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٣١) واللّفظ له، ومسلم في المساجد (٦٧٤) كلاهما عن أبي قِلابة، عن مالك بن الحويرث فذكر مثله، ولم يذكر مسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". والحديث قد سبق ذكره في أبواب الأذان، وسيأتي أيضًا في باب رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه. ٢ - باب ما جاء في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام • عن البراء بن عازب قال: كان رسولُ الله ﷺ صلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرًا. وكان رسول الله ﷺ لا يحب أن يُوَجِّه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٨] فتوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة: ١٤٢]. فصلى مع النَّبِيّ ﷺ رجل، ثمّ خرج بعد ما صلَّى فمَرَّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت.

стр. 1230

المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلَّى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة. فتحرف القومُ حتَّى توجهوا نحو الكعبة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٩٩)، ومسلم في المساجد (٥٢٥) كلاهما من حديث أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، واللّفظ للبخاريّ، وذكره مسلم مختصرًا نحوه، وانفرد البخاريّ فذكر في كتاب الإيمان (٤٠): وهم راكعون، فداروا كما هم قِبَل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يُصَلِّي قبل بيت المقدس وأهلُ الكتاب، فلمّا ولَّى وجْهَه قِبل البيتِ أنكروا ذلك. • عن البراء بن معرور، قال: إنه قال للنبيِّ ﷺ : إني خرجتُ في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيتُ ألا أجعل هذه البِنيةَ مني بظهر، فصليتُ إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتَّى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى؟ قال: "قد كنت على قبلة لو صبرتَ عليها". قال فرجع البراء إلى قبلة النَّبِيّ ﷺ وصلى معنا إلى الشّام. حسن: رواه ابن خزيمة (٤٢٩) من طريق ابن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي معبد بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار -، حَدَّثَنِي أن أباه كعبًا حدَّثه. وخبر كعب بن مالك في خروج الأنصار من المدينة إلى مكة في بيعة العقبة. وذكر في الخبر أن البراء بن معرور قال (فذكره). وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث. وقوله: "هذه البِنيةَ مني بظهر" يعني الكعبة. وفيه دليل على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس. وهو قول ابن عباس كما سيأتي. • عن عبد الله بن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصُّبْحِ، إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسولَ الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوهُهم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. متفق عليه: رواه مالك في القبلة (٦) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر فذكره، ومن طريقه أخرجه البخاريّ في الصّلاة (٤٠٣)، ومسلم في المساجد (٥٢٦). • عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يُصلي نحو بيت المقْدِس فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤]، فمرَّ رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلَّوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة حُوِّلَتْ، فمالُوا كما هم نحو القبلة. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا عفّان، ثنا حمّاد بن

стр. 1231

سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكر مثله، وبقية الأحاديث في تحويل القبلة ستأتي في كتاب التفسير إن شاء الله تعالى. ولا منافاة بين حديث البراء المتقدم فإن فيه: أنهم كانوا في صلاة العصر، وبين حديث ابن عمر وأنس بأنهم كانوا في صلاة الفجر، لاحتمال أن الخبر وصل إلى من هو في داخل المدينة وهم بنو حارثة، وقت العصر، ووصل الخبر إلى من هو في خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء وقت الصبح. انظر "الفتح" (١/ ٥٠٦). • عن أنس بن مالك، قال: جاء منادي رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ القبلة قد حوِّلتْ". والإمام في الصّلاة قد صلّى ركعتين. فقال المنادي: "قد حوّلتِ القبلة إلى الكعبة". فصلّوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة. حسن: رواه أبو بكر بن أبي شيبة (١/ ٣٣٤)، والبزّار - كشف الأستار (٤٢١) - كلاهما من حديث زيد بن الجباب، ثنا جميل بن عبيد أبو النّضر، ثنا ثمامة، عن جدّه أنس بن مالك، فذكره. قال البزّار: "لا نعلم رواه عن ثمامة إِلَّا جميل". وقال الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ١٣): "إسناده حسن". قلت: وهو كما قال، فإنَّ جميل بن عبيد وشيخه ثمامة بن عبد الله بن أنس صدوقان. وقد قال ابن معين في جميل: "ثقة"، وثمامة بن عبد الله بن أنس وثَّقه أحمد والنسائي. قال ابن عدي: "له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس به". • عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرًا، ثمّ صُرف إلى الكعبة. صحيح: رواه أحمد (٢٩٩١)، والبزّار - كشف الأستار (٤١٨) -، والطَّبرانيّ في "الكبير" (١١/ ٦٧) كلّهم من طريق يحيى بن حمّاد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وأبو عوانة هو وضّاح بن عبد الله اليشكري البزّار، المشهور بكنيته. • عن سهل بن سعد، قال: لما حوِّلت القبلة إلى الكعبة، مرّ رجل بأهل قباء، وهم يصلّون. فقال لهم: قد حولت القبلة إلى الكعبة، فاستداروا وإمامهم نحو الكعبة. حسن: رواه الدَّارقطنيّ (١٠٧٤)، والطَّبرانيّ في الكير (٦/ ٢٠٠) كلاهما من حديث عبيد الله بن موسى، حَدَّثَنَا عبد السّلام بن حفص، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ١٤): "رجاله موثقون". • عن ابن عباس قال: كان أولَ ما نسخ اللهُ من القرآن القبلة، وذلك أنَّ رسول

стр. 1232

الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهودُ، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله ﷺ يحبُّ قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. صحيح: رواه ابن جرير في "تفسيره" (٢/ ٤٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٤٨)، والبيهقي (٢/ ١٢ - ١٣) كلّهم من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وعلي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس، إِلَّا أن الواسطة بينهما معروفة، ولذا صحح أهل العلم هذا الإسناد. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره"، والبيهقي من وجه آخر عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس، قال: "أوّل ما نُسخ من القرآن فيما ذكرنا - والله أعلم - شأن القبلة" فذكره بنحوه. وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس، قال: لما صُرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة - وصُرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة - أتى رسولَ الله ﷺ رفاعةُ بنُ قيس، وقردمُ بنُ عمرو، وكعبُ بن الأشرف، ونافع بن أبي نافع - هكذا قال ابن حميد، وقال أبو كريب: ورافع بن أبي رافع -، والحجاج بن عمرو - حليف كعب بن الأشرف -، والربيع بن الربيع بن أبي الحُقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فقالوا: يا محمد! ما ولَّاك عن قبلتكَ التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعُك ونصدِّقك. وإنّما يريدون فتنته عن دينه، فأنزل الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣ - ١٤٣]. رواه البيهقيّ في "الدلائل" (٢/ ٥٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، والطبري في تفسيره (٢/ ٦١٨ - ٦١٩) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حَدَّثَنِي سعيد بن جبير - أو عكرمة، شك محمد بن أبي محمد -، عن ابن عباس، قال (فذكره). والقصة هذه بكاملها ذكرها ابن هشام في السيرة (١/ ٥٥٠) مع حذف إسنادها. وفيه محمد بن أبي محمد الأنصاري مولى زيد بن ثابت لم يرو عنه غير ابن إسحاق. قال أبو حاتم: "مجهول". وقال الذّهبيّ: "لا يعرف". وقال الحافظ: "مجهول". وأمّا ابن حبان فذكره في "الثّقات".

стр. 1233

وفي الباب ما رُوي أيضًا عن عمارة بن أوس، قال: كنا نصلي إلى بيت المقدس، إذ أتانا آتٍ، وإمامنا راكع ونحن ركوع، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أنزل عليه قرآن، قد أُمر أن يستقبل الكعبة. ألا فاستقبلوها. قال: فانحرف إمامنا وهو راكع، وانحرف القوم حتَّى استقبلوا الكعبة. فصلينا بعض تلك الصّلاة إلى بيت المقدس، وبعضها إلى الكعبة. رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥) عن شبابة، قال: حَدَّثَنَا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس، فذكره. ورجاله ثقات غير قيس وهو ابن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفيّ، ضعيف باتفاق أهل العلم، فإنه قد ابتلي بابن سوء، فكان يدخل في حديثه ما ليس من حديثه، فيحدث به عندما كبر وساء حفظه، فاختلطت أحاديثه بأحاديث غيره. ومن طريقه رواه أيضًا أبو يعلى (١٥٠٦)، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٣)، فقال: "اختلف في الاحتجاج به". وكذلك رُوي عن تويلة بنت أسلم - وهي من المبايعات -، قالت: إنا لبمقامنا نُصلي في بني حارثة. فقال عباد بن بشر بن قيظي: إنَّ رسول الله ﷺ استقبال بيت الحرام - أو الكعبة -. فتحوَّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلَّوا السجدتين الباقيتين نحو الكعبة. رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٢٠٧)، وابن منده - كما في الإصابة في ترجمة عباد بن بشر - كلاهما من طريق إبراهيم بن جعفر بن محمود بن مسلمة الحارثيّ، عن أبيه، عن جدته أم أبيه تويله بنت أسلم، فذكرته. وفيه إبراهيم بن جعفر ولا يعلم له توثيق من الأئمة إِلَّا ما كان من ابن حبان حيث ذكره في الثّقات، وأمّا قول: الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ١٤): "رجاله موثقون" فهو اعتمادا منه على ابن حبان. ٣ - باب وجوب استقبال القبلة • عن أبي هريرة، أنَّ رجلًا دخل المسجد فصلّى، ثمّ جاء فسلَّم على النَّبِيّ ﷺ . فذكر الحديث، وقال: فقال رسول الله ﷺ : "إذا قمت إلى الصّلاة فأسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة، فكبِّر ... " الحديث بطوله. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٦٧)، ومسلم في الصّلاة (٣٩٧: ٤٦) كلاهما من حديث أبي أسامة، حَدَّثَنَا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل وسيأتي. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين المشرق والمغرب قبلة". حسن: رواه الترمذيّ (٣٤٢)، وابن ماجة (١٠١١) كلاهما من حديث أبي معشر، عن محمد

стр. 1234

ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذيّ: "وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، واسمه "نجيح" مولى بني هاشم، قال محمد: لا أروي عنه شيئًا. وقد روى عنه الناس". قلت: نَجيح هو ابن عبد الرحمن السنديّ ضعيف عند جمهور أهل العلم. ولكن قال ابن عدي: "حدّث عنه الثّقات، ومع ضعَّفه بكتب حديثه". إِلَّا أنَّ الحديث قد جاء من وجه آخر وهو ما رواه الترمذيّ (٣٤٤) عن الحسن بن أبي بكر المروزيّ، حَدَّثَنَا المعلى بن منصور، حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر المخزوميّ، عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ ، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن صحيح". ونقل عن البخاريّ أنه قال: "حديث عبد الله بن جعفر المخزوميّ، عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة أقوى من حديث أبي معشر وأصح". قلت: فيه عثمان بن محمد الأخنسي مختلف فيه، فوثقه ابن معين والبخاريّ، وضعّفه النسائيّ. أظن هذا التضعيف ليس على إطلاقه، وإنما وقع ذلك في أحاديثه عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال ابن المديني: "رُوي عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أحاديث مناكير". وحديثنا هذا ليس من رواية سعيد بن المسيب، ولعله لذلك حكم عليه الترمذيّ بأنه حسن صحيح. وللعلماء فيه كلام كثير، وهذه خلاصته. فإذا ضُم هذا بالذي قبله يُحسن؛ لأنه ليس في حديثه ما ينكر عليه. وهذا حكم خاص لأهل المدينة ومن على خطّهم شمالًا وجنوبًا، فإنَّ قبلتهم بين المشرق والمغرب. وأمّا ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" فالصحيح أنه موقوف على عمر، فقد رواه جماعة منهم حمّاد بن سلمة وزائدة ابن قدامة ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله. كما قال البيهقيّ (٢/ ٩). فقد رواه الدَّارقطنيّ (١٠٦١)، والحاكم (١/ ٢٠٦) وعنه البيهقيّ (٢/ ٩) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث. وقد سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: "هذا وهم، الحديث حديث ابن عمر موقوف" العلل لابن أبي حاتم (٥٢٨). وقال البيهقيّ: تفرّد به ابن مجبر. ولكن للحديث إسناد آخر وهو ما أخرجه الدَّارقطنيّ (١٠٦٠)، والحاكم وعنه البيهقيّ من طريق يعقوب بن يوسف الواسطيّ، عن شعيب بن أيوب، ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، (فذكر الحديث). قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين، فإن شعيب بن أيوب ثقة، وقد أسنده".

стр. 1235

ولكن قال البيهقيّ: "تفرّد به يعقوب بن يوسف الخلال، والمشهور رواية الجماعة ... " فذكره كما سبق. وقال: "ورُوي عن أبي هريرة مرفوعًا. ورُوي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن النَّبِيّ ﷺ مرسلًا. ورُوي عن عليّ وابن عباس من قولهما. والمراد به أهل المدينة ومن كان قبلته على سمت أهل المدينة، فيما بين المشرق والمغرب، يطلب قبلتهم، ثمّ يطلب عينها" انتهى. • عن أسامة بن زيد أن النَّبِيّ ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يُصلِّ فيه حتَّى خرج. فلمّا خرج ركع في قُبُل البيت ركعتين، وقال: "هذه القبلة". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٠) من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: إنّما أمرتم بالطواف، ولم تؤمروا بدخوله، قال: لم يكن ينهي عن دخوله، ولكني سمعتُ يقول: أخبرني أسامة بن زيد يقول فذكر الحديث. ولكن رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٩٨) من طريق عبد الرزّاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت ابن عباس قال: لما دخل النَّبِيّ ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يُصلِّ حتَّى خرج منه، فلمّا خرج ركع ركعتين في قُبُل الكعبة وقال: "هذه القبلة" فجعل الحديث من مسند ابن عباس. ورجَّح الحافظ ابن حجر أن يكون من مسند أسامة. والنفي لا يعارض ما رواه بلال من صلاة رسول الله ﷺ في داخل الكعبة، وسيأتي الجمع بينهما في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. ٤ - باب ما رُوي في الاختلاف في القبلة عند التحري في الباب ما رُوي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: "كنا مع النَّبِيّ ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة؟ فصلي كلّ رجل منا على حياله. فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " [سورة البقرة: ١١٥]. رواه الترمذيّ (٣٤٥)، وابن ماجة (١٠٢٠)، والدارقطني (١٠٦٥)، والبيهقي (٢/ ١١)، وابن جرير الطبريّ (٢/ ٥٤)، وعبد بن حميد (٣١٦) كلّهم من طريق أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، فذكره. قال الترمذيّ: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إِلَّا من حديث أشعث بن السمان". قلت: أشعث السمان هذا كذبه هشيم، وقال أحمد: مضطرب، وليس بذاك. وضعّفه يحيى وأبو زرعة والنسائي وغيرهم. إِلَّا أنه لم ينفرد به، بل توبع وإن كانت هذه المتابعة لا تفيد شيئًا. رواه أبو داود الطيالسي (١٢٤١) عنه، وعن عمرو بن قيس كلاهما عن عاصم. ومن طريقه رواه البيهقيّ (٢/ ١٠).

стр. 1236

وعمرو بن قيس هذا، اختلفت نسخ أبي داود الطيالسيّ، فقيل هكذا، وقيل: عمر بن قيس، وهو الذي في سن البيهقي. وعمرو بن قيس ثقة، وعمر بن قيس وهو المعروف بسندل المكي متروك الحديث. وقد رجّح أكثر العلماء بأنه عمر بن قيس المكي الضعيف. ثمّ آفته شيخهما وهو عاصم بن عبيد الله وهو ابن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدوي ضعيف باتفاق أهل العلم. قال البخاريّ وأبو حاتم: "منكر الحديث". وقال العقيلي في ترجمة أشعث بن سعيد السمان: "بأنه منكر الحديث. وحديث عامر بن ربيعة ليس يروي من جهة يثبت متنه". وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر، قال: كنا نصلي مع رسول الله في مسير - أو سير -، فأظل لنا غيم، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة. فصلّي كلّ واحد منا على حدة، فجعل كل واحد منا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبيّ ﷺ فلم يأمرنا بالإعادة وقال: "قد أجزأتْ صلاتُكم". رواه الدَّارقطنيّ (١٠٦٤)، والحاكم (١/ ٢٠٦)، والبيهقي (٢/ ١٠) كلّهم من طريق داود بن عمرو الضبيّ، ثنا محمد بن يزيد الواسطيّ، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث محتج برواته كلّهم غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، وقد تأملت كتاب الشّيخين، فلم يخرجا في هذا الباب شيئًا". وتعقبه الذّهبيّ، فقال: "هو أبو سهل واهٍ". قلت: محمد بن سالم أبو سهل الهمداني ضعيف باتفاق أهل العلم حتَّى قال الدَّارقطنيّ: "إنَّه متروك الحديث". وقال البيهقيّ: "محمد بن سالم، ومحمد بن عبد الله العرزميّ عن عطاء، وهما ضعيفان، وله أسانيد أخرى ولا نصح". وفي الباب أيضًا ما رُوي عن معاذ بن جبل، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة، فلمّا قضى الصّلاة وسلَّم، تجلَّت الشّمس، فقلنا: يا رسول الله صلينا إلى غير القبلة! فقال: "قد رفعتْ صلاتُكم بحقِّها إلى الله ". رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٢٤٨) عن أحمد بن رشدين، حَدَّثَنَا هشام بن سلّام البصريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسيّ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله السكونيّ، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبيه، عن معاذ، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ١٥): "فيه أبو عبلة والد إبراهيم ذكره ابن حبان في "الثّقات" (٤/ ٣٦٧) واسمه شمر بن يقظان". قلت: أبو عبلة لم يرو عنه إِلَّا ابنه، ولم يوثقه أحد فهو في عداد المجهولين.

стр. 1237

وفيه شيخ الطبرانيّ أحمد بن رشدين وهو أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين أبو جعفر المصري المهري كذَّبوه، له ترجمة في "الكامل" (١/ ٢٠١)، والميزان، واللسان (١/ ٥٩٤). وقد قال البيهقيّ: ولم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًّا، وذلك لأنَّ عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري ومحمد بن عبيد الله العرزمي ومحمد بن سالم السكوني كلّهم ضعفاء". قال الترمذيّ عقب حديث عامر بن ربيعة: "وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا. قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة ثمّ استبان له بعد ما صلى أنه صلى لغير القبلة، فإن صلاته جائزة. وبه يقول سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق" انتهى. وبه قال أيضًا أبو حنيفة وأصحابه. وذهب مالك والشافعي إلى أنه يعيد الصّلاة إذا لم يخرج وقتها. ٥ - باب ما جاء في صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ وافتتاحها بالتكبير • عن أبي هريرة يقول: كان رسولُ الله ﷺ إذا قام إلى الصّلاة يُكبِّر حين يقوم، ثمّ يكبِّر حين يركع، ثمّ يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلبَه من الركعة، ثمّ يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثمّ يُكبِّر حين يهويّ، ثمّ يُكبِّر حين يرفع رأسه، ثمّ يكبِّر حين يسجد، ثمّ يُكبِّر حين يرفع رأسه، ثمّ يفعل ذلك في الصّلاة كلها حتَّى يقضيها، ويُكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٧٨٩)، ومسلم في الصّلاة (٣٩٢) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة يقول فذكر الحديث. ورواه مسلم من طريق مالك - وهو في الموطا في الصّلاة (١٩) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة كان يُصَلِّي لهم، فيُكبِّر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: "والله! إني لأشبهُكم صلاةً برسولِ الله ﷺ ". • عن عبد الرحمن بن غَنْم، أن أبا مالك الأشعَري جَمَعَ قومه، فقال: يا معشَرَ الأشعرِيِّين! اجتَمِعُوا وأجْمِعُوا نساءَكم وأبناءكم، أُعلِّمُكُم صلاة النَّبِيِّ ﷺ التي صَلَّى لنا بالمدينة، فاجتَمعُوا وجَمَعُوا نساءَهم وأبناءَهم، فتوضَّأَ وأَراهم كيف يتَوضَّأُ، فأَحصى الوضوءَ إلى أَماكنِه حتَّى لمَّا أن فاءَ الفَيْءُ، وانكسر الظِّلُّ، قام فأَذَّنَ، فصَفَّ الرِّجالَ في أَدنى الصف، وصَفَّ الولْدانَ خلفَهم، وصَفَّ النساءَ خلفَ الولْدان، ثمّ أقام الصّلاة، فتقدَّم فرفع يديه وكَبَّر، فقرأَ بفاتحة الكتاب وسورةٍ يُسِرُّهما، ثمّ كبَّرَ فركع فقال: "سُبْحانَ الله وَبِحَمْدِه" ثلاثَ مِرارٍ، ثمّ قال: "سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه" واستَوى قائمًا، ثمّ كَبَّر وخَرَّ ساجدًا، ثمّ كَبَّر فرفع رأسَه، ثمّ كَبَّر فسجد، ثمّ كَبَّر فانْتَهَضَ قائمًا، فكان تكبيرُه في أول ركعةٍ ستَّ تكبيرات، وكَبَّر حين

стр. 1238

قام إلى الركعة الثانية، فلمّا قَضَى صلاتَه أقبَلَ إلى قومه بوجهه، فقال: احفُظُوا تكبيريّ، وتعلَّموا ركوعي وسجوديّ، فإنها صلاةُ رسول الله ﷺ التي كان يُصلِّي لنا كَذِي الساعة من النهار. ثمّ إنَّ رسول الله ﷺ لما قَضَى صلاته أَقبلَ إلى الناس بوجهه فقال: "يا أَيُّها النَّاسُ! اسمَعُوا واعْقِلُوا، واعلَمُوا أنَّ لله عِبَادًا ليسوا بأنبياء ولا شُهداء يَغْبِطُهم النبيُّون والشُّهداء على مَجالِسِهم وقُرْبهم من الله"، فجَثى رجلٌ من الأعراب من قاصِيَة الناس وألْوَى بيده إلى نبيِّ الله ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله! ناسٌ من الناس، ليسوا بأَنبياءَ ولا شُهداءَ، يَغبِطهم الأنبياءُ والشهداءُ على مجالسهم وقُربِهم من الله؟ ! انعَتْم لنا حِلِّهم لنا - يعني: صِفْهُم لنا، شكلْهم لنا - فسُرَّ وَجْهُ رسول الله ﷺ لسؤال الأعرابيّ، فقال رسول الله ﷺ : "هم ناسٌ من أفْناء النَّاس ونَوازع القَبَائِل، لم تَصِلْ بينهم أرحامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا في الله وَتَصَافَوْا، يَضَعُ الله لهم يومَ القِيامَةِ مَنَابِرَ من نُورٍ، فيُجلِسُهم عليها فيَجْعَلُ وَجُوهَهم نُورًا وثِيابَهم نورًا، يَفْزَعُ النَّاسُ يومَ القِيَامَةِ ولا يَفْزَعُون، وهم أَوليَاءُ الله الَّذِينَ لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُون". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٩٠٦) عن أبي النضر، حَدَّثَنَا عبد الحميد بن بهرام الفَزاريّ، عن شهر بن حوشب، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن غَنْمّ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه فذكر الحديث مثله. قال الهيثميّ في "المجمع" (٢٧٨٨) وفي رواية عنده: فصلَّى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب، وكبَّر اثنتين وعشرين تكبيرة، وفي رواية: عن رسول الله ﷺ أنَّه كان يُسَوِّي بين الأربع ركعاتٍ في القراءة والقيام، ويجعل الركعة الأوّلى هي أطولهن لكي يثوبَ الناس، ويُكبِّر كلما سجد، وكلما ركع، ويُكبِّر كلما نهض بين الركعتين إذا كان جالسًا. قال: رواها كلها أحمد، وروى الطبرانيّ بعضها في الكبير، وفي طرقها كلها: شهر بن حوشب، وفيه كلام وهو ثقة إن شاء الله. انتهى. قلت: وهو كما قال، فإن شهر بن حوشب ليس بمتهم، ولا فاحش الغلط، وقد وثَّقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شية، وقال الإمام أحمد: ليس به بأس، وقال عثمان الدَّارميّ: بلغني أن أحمد كان يُثنى على شهر. وقال الترمذيّ: "قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر، وقال عن البخاريّ: شهر من الحديث، وقوي أمره". قلت: مثله يحسن حديثه إذا لم يأت ما ينكر عليه. وسبق تخريج هذا الحديث باختصار في كتاب الوضوء، باب صفة وضوء النَّبِيِّ ﷺ . ومن أحاديث افتاح الصّلاة بالتكبير: قول النَّبِيّ ﷺ : "تحريم الصّلاة التكبير، وتحليلها التسليم".

стр. 1239

جاء عن عليّ بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدريّ، وابن عباس، وعبد الله بن زيد، وعبد الله بن مسعود، ولكن لم يصح منها إِلَّا حديث عليّ بن أبي طالب، وتم تخريجه في كتاب الوضوء، وأمّا حديث أبي سعيد فقد أخرجه الترمذيّ وابن ماجة، وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب ضعيف، وأمّا حديث ابن عباس، وعبد الله بن زيد، وعبد الله بن مسعود فأخرجه الطبرانيّ، وفي أسانيدهم ضعفاء ومجهولون، انظر للمزيد الموضع المشار إليه. ٦ - باب ما جاء في إتمام التكبيرات في الصّلاة • عن مطرف قال: صليتُ أنا وعمران صلاةً خلف عليّ بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبَّر، وإذا رفع كبَّر، وإذا نهض من الركعتين كبَّر، فلمّا سلَّم أخذ عمران بيدي فقال: لقد صلَّى بنا هذا صلاةَ محمدٍ ﷺ - أو قال: لقد ذكّرني هذا صلاة محمدٍ ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٣٦) ومسلم في الصّلاة (٣٩٣) كلاهما من طريق حمّاد بن زيد قال: حَدَّثَنَا غيلان بن جرير، عن مطرف فذكر مثله، ورواه أيضًا البخاريّ من وجه آخر (٧٨٤) عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير أخي مُطَرّف، عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: صَلَّى مع عليّ ﵁ بالبصرة، فقال: ذكَّرنا هذا الرّجل صلاةً كنا نُصليها مع رسول الله ﷺ فذكر أنه كان يُكبر كلما رفع، وكلما وضع. قال الحافظ في الفتح: "ولأحمد من وجه آخر عن مطرف قال: قلنا - يعني لعمران بن حصين -: يا أبا نُجيد! مَن أوَّل من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفّان حين كبر وضعف صوته، وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر، وروى الطبرانيّ عن أبي هريرة: أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبو عبيد أن أول من تركهـ زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زيادًا تركهـ لترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء". ثمّ قال: "وحكى الطحاويّ أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعل، وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر، وعن بعض السلف أنه كان لا يُكَبِّر سوي تكبيرة الإحرام، وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجهه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد، لكن استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مُصَلٍّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام، وعن أحمد وبعض أهل العلم بالظاهر يجب كله". انتهى. وقول المؤلف: "عن أحمد وبعض أهل العلم بالظاهر يجب كله". علَّق عليه العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: "وهذا القول أظهر من حيث الدليل، لأن رسول الله ﷺ حافظ عليه، وأمر به، وأصل الأمر للوجوب، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي"،

стр. 1240

وأما ما روي عن عثمان ومعاوية من عدم إتمام التكبير فهو محمول على عدم الجهر بذلك، لا أنهما تركاه إحسانًا للظن بهما، وعلى التسليم أن الترك وقع منهما فالحجة مقدمة على رأيهما ﵄، وعن سائر الصحابة أجمعين". انتهى. • عن أبي هريرة أنه كان يصلي لهم، فيكبِّر كلما خَفَضَ ورَفَع. فإذا انصرف قال: والله! إني لأشبهُكم بصلاةِ رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (١٩) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة كان يصلي بهم فذكره. ومن طريق مالك رواه البخاري في الأذان (٧٨٥)، ومسلم في الصلاة (٣٩٣) وقد رواه مسلم من طرق عن ابن شهاب مطولًا ومفصلًا كما سبق في الباب الذي قبله. • عن سعيد بن الحارث، قال: صلَّى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيتُ النبيّ ﷺ . صحيح: رواه البخاري في الأذان (٨٢٥) عن يحيى بن صالح، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، فذكره. ورواه الإمام أحمد (١١١٤٠)، وابن خزيمة (٥٨٠) كلاهما من حديث أبي عامر، قال: حدّثنا فليح بن سليمان، فذكر الحديث. وفيه قصة وهي: عن سعيد بن الحارث، قال: اشتكى أبو هريرة - أو غاب -، فصلّى بنا أبو سعيد الخدريّ، فجهر بالتكبير حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين قال: سمع الله لمن حمده، وحين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين قام بين الركعتين، حتى قضى صلاته على ذلك، فلما صلّى قيل له: قد اختلف الناسُ على صلاتك، فخرج فقام عند المنبر، فقال: أيها الناس! والله! ما أبالي اختلفتْ صلاتُكم أو لم تختلف، هكذا رأيتُ النبيّ ﷺ يصلي. • عن عكرمة قال: رأيت رجلًا عند المقام يُكبِّر في كل خفضٍ ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرتُ ابن عباس قال: "أو ليس تلك صلاةَ النبي ﷺ لا أمَّ لك". صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٨٧) عن عمرو بن عون، قال: حدثنا هُشيم، عن أبي بشر، عن عكرمة فذكره، ورواه أيضًا عن موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة قال: صلَّيتُ خلف شيخٍ بمكة، فكبَّر ثنتين وعشرين تكبيرةً، فقلتُ لابن عباس: إنه أحمقُ. فقال: "ثكِلتْك أمُّك! سنة أبي القاسم ﷺ ". وقال موسى: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، حدثنا عكرمة، أي صرح فيه قتادة بالتحديث. وفي رواية عند أحمد (٢٢٥٧)، والطبراني (١١٩١٨)، والطحاوي (١/ ٢٢١) من طريق عبد الله الداناج - بالنون والجيم - حدثنا عكرمة مولى ابن عباس قال: صلَّيتُ خلف أبي هريرة. قال: فكان إذا

стр. 1241

ركع وإذا سجد كبَّر. قال: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: "لا أم لك، أو ليس تلك سنةَ رسول الله ﷺ ؟ "، واللفظ لأحمد. وعبد الله الداناج هو: ابن فيروز وهو العالم بالفارسية ثقة. ٧ - باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه • عن ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسَه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا وقال: سمع الله لمن حَمِده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود. متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (١٦) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله، ولم يذكر مالك الرفع عند الركوع. ولكن رواه البخاري في الأذان (٧٣٥) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك بإسناده: "إن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حَذْو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا ... ". قال الحافظ: "عبد الله بن مسلمة هو: القعنبي، وفي روايته هذه عن مالك خلاف ما في روايته عنه في الموطأ. وقد أخرجه الإسماعيلي من روايته بلفظ الموطأ، قال الدارقطني: رواه الشافعي والقعنبي، وسرد جماعة من رواة الموطأ فلم يذكروا فيه الرفع عند الرّكوع، قال: وحدّث به عن مالك في غير الموطأ ابنُ المبارك، وابنُ مهدي والقطان وغيرُهم بإثباته. وقال ابن عبد البر: كل من رواه عن ابن شهاب أثبته غير مالك في الموطأ خاصة". انتهى. قلت: وهو كذلك فقد رواه البخاري في الأذان عن يونس (٧٣٦)، ومسلم في الصلاة (٣٩٠) عن سفيان بن عيينة وابن جريج، كلهم عن الزهري، وفي حديثهم كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، ثم كبَّر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود، ورواه أيضًا من طريق عقيل ويونس، عن الزهري، ولكن لم يسقه بلفظه كاملًا. وقال ابن عبد البر في "التمهيد" وذكر جماعة من أهل العلم أن الوهم في إسقاط الرفع من الركوع إنما وقع من جهة مالك؛ فإن جماعة حُفاظًا رووا عنه الوجهين جميعًا". انتهى. انظر: "نصب الراية" (١/ ٤٠٨). وقد يكون من هؤلاء عبد الله بن مسلمة القعنبي الذي روى عنه البخاري، ولكن يعكر هذا ما ذكره الدارقطني في "غرائب مالك" إن مالكًا لم يذكر في "الموطأ" الرفع عند الركوع، وذكره في غير الموطأ، حدَّث به عشرون نفرًا من الثقات الحفاظ منهم: محمد بن الحسن الشيباني، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب وغيرهم. وخالفهم جماعة من رُواة "الموطأ" فرووه عن مالك: وليس فيه الرفع في الركوع، منهم: الإمام الشافعي

стр. 1242

والقعنبي ويحيى بن يحيى ... وغيرهم". انتهى. قلت: وقد ثبت ذلك عن ابن عمر من غير هذا الطريق، منها ما رواه الإمام أحمد (٦٣٢٨) عن محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب، عن محارب بن دثار، قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع رأسه من الركوع. قال: فقلت له: ما هذا؟ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا قام في الركعتين كبَّر ورفع يديه. ورواه أبو داود (٧٤٣) من طريقين عن محمد بن فُضَيل إلَّا أنَّه لم يذكر فعل ابن عمر. وإسناده حسن لأجل عاصم بن كليب؛ فإنَّه "صدوق". وهو من رجال مسلم. وبقية رجاله رجال الشيخين. وفي حديث ابن عمر دليل على أنه كان يرفع يديه إلى منكبيه، وبه قال الشافعي والجمهور، وأخذ أبو حنيفة بحديث مالك بن الحويرث الذي سيأتي بعده وفيه: أنه كان يرفع يديه حتى يحاذى بهما أذنيه، وفي رواية: فروع أذنيه. والحديثان صحيحان يحملان على جواز رفع اليدين مرة إلى المنكبين، ومرة إلى الأذنين بدون ترجيح أو تفضيل. • عن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلَّى كبَّر، ورفع يَديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدَّث أن رسول الله ﷺ صنع هكذا. متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٣٧)، ومسلم في الصلاة (٣٩١) كلاهما من طريق خالد بن عبد الله، عن خالد (الحذاء) عن أبي قلابة فذكر مثله. ورواه مسلم أيضًا من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث أن رسول الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يحاذِي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذِيَ بهما أذنيه. وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك. ورواه من طريق سعيد، عن قتادة بهذا الإسناد؛ أنه رأى نبي الله ﷺ وقال: حتَّى يحاذِيَ بهما فروع أُذنيه. ورواه أيضًا البخاري (٦٣١) من طريق عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة قال: حدثنا مالك: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلةً. وكان رسولُ الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنا قد اشتَهينا أهلنا - أو قد اشتقنا - سألَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه قال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعَلِّموهم - ومروهم - " وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها - "وصلوا كما رأيتموني أصلِّي ... ". قال ابن خزيمة في صحيحه (٥٨٦) بعد أن رواه من طريق عبد الوهاب الثقفي به: "فقد أمر النبي ﷺ مالك بن الحويرث والشَبَبة الذين كانوا معه أن يصلوا كما رأوا النبي ﷺ يُصَلِّي. وقد

стр. 1243

أعلم مالكُ بن الحويرث أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا كبَّر في الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ففي هذا ما دَلَّ على أنَّ النبيَّ ﷺ قد أمر برفع اليدين، إذا أراد المصلي الركوعَ، وإذا رفع رأسه من الركوع". وأمّا ما جاء في مسند أحمد (١٥٦٠٠)، والنسائي (١٠٨٦، ١٠٨٧) من طريق محمّد بن عدي، عن شعبة عند النسائيّ - وهو خطأ، والصواب: عن سعيد وهو ابن أبي عروبة كما عنده في الرواية الثانية. وكذا عند أحمد (وحقق ذلك المعلقون على مسند أحمد (٣٤/ ١٥٩) فراجعه - عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث. وزاد فيه: "وإذا سجد، ورفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه". وكذلك زاده هشام الدستوائيّ، عن قتادة بإسناده، وفيه: "وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك" أخرجه النسائي. وبوّب عليه النّسائي بقوله: "باب رفع اليدين للسجود" وذكر فيه هذا الحديث، لكن أعقبه بباب بعده: "باب ترك رفع اليدين عند السجود" فجعل آخر الأمرين ترك رفع اليدين عند السّجود، وذكر فيه حديث ابن عمر: "وكان لا يفعل ذلك في السّجود". وله باب آخر باسم: "باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى". وأورد فيه حديث هشام عن قتادة. ثم أعقبه بباب بعده: "باب ترك ذلك بين السجدتين" وذكر فيه حديث ابن عمر المشار إليه قبله. إلا أن هذه الزيادة في رواية هشام لم يذكرها ابن ماجه (٨٥٩) ولا أحمد (٢٠٥٣٥) مع أنهما أخرجاه أيضًا عن هشام الدستوائيّ. فإما أن نقول: إن هذه الزيادة شاذة مخالفة لرواية الجماعة أو نقول: لعلّ النبيَّ ﷺ كان فعل ذلك بعض المرات، ولم يكن من دأبه لنفي عبد الله بن عمر ذلك، وكان من أحرص الناس على اتباع فعل النبيّ ﷺ . وعليه يدل قول البخاريّ في "جزء رفع اليدين" (٩٨): "والذي يقول كان النبيّ ﷺ يرفع يديه عند الركوع وإذا رفع رأسه من الركوع وما زاد على ذلك أبو حميد في عشرة من أصحاب النبيّ ﷺ . كان يرفع يديه إذا قام من السجدتين كلّه صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فيختلفوا في تلك الصلاة بعينها مع أنه لا اختلاف في ذلك إنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم". وكذلك قول الحافظ ابن رجب في "فتح الباري" (٤/ ٣٢٦): "ويجاب عن هذه الروايات كلّها - على تقدير أن يكون ذكرُ الرفع فيها محفوظًا، ولم يكن قد اشتبه بذكر التكبير بالرفع - بأن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة، وإنما كانا قد قدما إليها مرة أو مرتين، فلعلهما رأيا النبي ﷺ فعل ذلك مرة، وقد عارض ذلك نفي ابن عمر، مع شدة ملازمته للنبي ﷺ وشدّة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبيّ ﷺ كان ترك الرفع فيما عدا

стр. 1244

المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين. وقد روي في الرّفع عند السجود وغيره أحاديث معلولة". • عن أبي حميد الساعدي قال: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبَّر جعل يديه حِذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهرَه، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعودَ كلُّ فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلةَ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمُنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليُسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته. صحيح: رواه البخاري في الأذان (٨٢٨) قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليثُ، عن خالد (هو ابن يزيد الجمحمي المصري) عن سعيد (ابن أبي هلال) عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلَة، عن محمد بن عمرو بن عطاء. وحدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد، عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد الساعدي: فذكر الحديث هكذا مختصرًا. ورواه أبو داود (٧٣٠)، والترمذي (٣٠٤)، وابن ماجه (١٠٦١) كلهم من طريق عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعتُ أبا حُميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلمَ؟ فوالله! ما كنت بأكثرنا له تبْعة، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يُكبِّر حتى يقرَّ كلُّ عظم في موضعه معتدلًا ثم يقرأُ، ثم يُكبِّر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصُبُّ رأسه ولا يُقْنِع، ثم يرفع رأسه فيقول: "سمع الله لمن حمده"، ثم يرفع يديه حتى يحاذي [بهما] منكبيه معتدلًا، ثم يقول: "الله أكبر"، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويُثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد ثم يقول: "الله أكبر"، ويرفع [رأسه] ويثنِّي رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بها منكبيه كما كبَّر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخَّر رجله اليسرى وقعد مُتوركًا على شِقّه الأيسر، قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي ﷺ . ورواه أيضًا النسائي (١٠٤٠) من طريق عبد الحمد مختصرًا. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال ابن حبان (١٨٦٦): "سمع هذا الخبر محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، وسمعه عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، فالطريقان محفوظان". انتهى. قلت: وذلك بعد أن رواه عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، قال: حدثنا الوليد بن

стр. 1245

شجاع السكوني، حدثنا أبي، قال حدثنا أبو خيثَمة، قال: حدثنا الحسن بن الحُرِّ، قال: حدثني عيسى بنُ عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، أحد بني مالك. عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي أَنَّهُ كَانَ في مَجْلِسٍ كَانَ فِيه أَبُوهُ - وَكانَ مِنْ أَصْحَاب النبيّ ﷺ وفي المجلس أبو هريرة، وأبو أُسَيدٍ، وأبو حُميد الساعديّ منَ الأنْصَارِ، وَأَنَّهُم تَذَاكَرُوا الصَّلَاةَ. فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فَأَرِنَا، قال: فقام يُصلِّي، وهم ينظرون، فبدأ يُكَبِّرُ ورفع يديه حِذاءَ المَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ كَبَّرَ للرُّكُوع، فرفع يديه أيضًا، ثم أمكن يديه من ركبتيه غير مُقْنِعٍ ولا مُصَوِّبٍ، ثُمَّ رفع رأسه وقال: سمِعَ الله لِمَنْ حمده، اللهم! ربنا لك الحمد، ثم رفع يديه، ثم قال: الله أكبر، فسجد، فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبَّر، فجلس، وتورَّكَ إحدى رجليه، ونصب قَدَمَهُ الأخرَى، ثم كبَّر فَسَجَدَ الأُخْرَى، فكبَّرَ، فقام ولم يتورَّكْ، ثم عادَ، فركع الركعةَ الأخرى، وكَبَّر كذلك، ثم جَلَسَ بَعد الرَّكْعَتَيْنِ حتى إذا هو أرادَ أن ينهضَ للقِيَامِ، كَبَّرَ، ثم ركع الركعتين الأخِيرَتَينِ، فلمَّا سَلَّمَ، سَلَّمَ عن يمينه، سَلامٌ عَليكم ورحمةُ الله، وسَلَّم عن شماله: سَلامٌ علَيْكُمْ ورحمةُ الله. قال الحسن بن الحر: وحدثني عسى أن مما حدَّثه أيضًا في المجلس في التشهد: أن يضع يده اليُسرى على فخذه اليُسرى، ويضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، ثم يشير في الدعاء بإصبع واحدةٍ. انتهى. وهذا الحديث رواه أيضًا أبو داود (٧٣٣) عن علي بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبو بدر (شجاع بن الوليد) حدثني زهير أبو خيثمة به مختصرًا وإسناده حسن فإن شجاع بن الوليد تُكلم في حفظه، ولكن أعله الطحاوي في شرحه (١/ ٢٦١) بأن "محمد بن عمرو غير معروف، ولا متصل عندنا عن أبي حميد، لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل، لأنه قتل مع علي ﵁، وصلى عليه علي، فأين سِنّ محمد بن عمرو بن عطاء من هذا". انتهى. قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٢٣): "محمد بن عمرو هو: ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني، وهو لم يلق أبا قتادة، ولا قارب ذلك، إنما يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وغيره من كبار التابعين، وأما محمد بن عمرو الذي رواه عبد الحميد بن جعفر عنه فهو: محمد بن عمرو بن عطاء تابعي كبير، جزم البخاري بأنه سمع من أبي حميد وغيره، وأخرج الحديث من طريقه". ثم قال: "وللحديث طرق عن أبي حميد - سمى في بعضها - من العشرة: محمد بن مسلمة، وأبو أسيد، وسهل بن سعد. وهذه رواية ابن ماجه من حديث عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه. ورواه ابن خزيمة من طرق أيضًا" انتهى. قلت: وهو كما قال فقد رواه ابن ماجه (٨٦٣) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر،

стр. 1246

قال: حدثنا فُليح بن سليمان، قال: حدثنا عباس بن سهل السّاعدي، قال: اجتمع أبو حميد وأبو أُسيد الساعدي، وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاةَ رسولِ الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ فذكره مختصرًا. ورواه أيضًا أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦٠) كلاهما من طريق فليح بن سليمان به مختصرًا يزيد بضعهم على بعضه. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقول الحافظ: "رواها ابن خزيمة من طرق أيضًا". أي رواه من طرق، وفيه محمد بن عمرو بن عطاء، انظر ابن خزيمة (٥٨٧). وأما عبد الحميد فقال فيه ابن حبان في صحيحه (٣/ ١٧٢): "أحد الثقات المتقنين، قد سبرتُ أخبارَه فلم أره انفرد بحديث منكر لم يُشارَك فيه، وقد وافق فُليحُ بن سليمان وعيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حُميد، عبدَ الحميد بن جعفر في هذا الخبر". انتهى. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٤٩١ - ٤٩٣). • عن أبي هريرة أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا كبَّر للصلاة جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك. صحيح: رواه أبو داود (٧٣٨) حدثنا عبد الملك بن شُعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة ... فذكر الحديث. إسناده صحيح، وقد صححه أيضًا ابن خزيمة، فأخرجه في صحيحه (٦٩٤) من طريق أبي زهير عبد المجيد بن إبراهيم المصري، نا شعيب به وزاد فيه: "ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود" وقال: ورواه عثمان بن الحكم الجُذامي، قال: أنا ابن جريج، أن ابن شهاب أخبره بهذا الإسناد مثله، وقال: كبَّر ورفع يديه حذو منكبيه. حدثنيه أبو اليمن ياسين بن أبي زرارة المصري القتباني، عن عثمان بن الحكم الجُذامي، وقال: سمعتُ يونس يقول: أوَّلُ من قدم مصر بعلم ابن جريج أو بعلم مالك، عثمانُ بن الحكم الجُذاميّ. وقال: سمعتُ أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي يقول: حدثنا ابن أبي مريم، حدثني عثمان بن الحكم الجُذامي وكان من خيار الناس. انتهى. ورواه أيضًا ابن ماجه (٨٦٠) من طريق إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "رأيت رسولَ الله ﷺ يرفع يديه في الصلاة حَذْو منكبيه حين يفتتحُ الصلاة، وحِينَ يركعُ، وحين يسجد". وإسماعيل بن عياش الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده، ومخلط في غيرهم كما في التقريب. قلت: صالح بن كيسان وان كان حجازيًا من غير أهل بلده إلا أن إسماعيل بن عياش لم يختلط

стр. 1247

في هذه الرواية لمتابعة الآخرين له. • عن وائل بن حجر، قال: قلت: لأنظُرنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة، فكبَّر فرفع يديه حتى حاذتا أُذنيه، ثم أَخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين وحلَّق حلقة، ورأيته يقول هكذا، وحلَّق بِشْرٌ الإبهامَ والوُسطى وأشار بالسبابة. حسن: رواه أبو داود (٧٢٦) واللفظ له، والنسائي (١٢٦٧)، وابن ماجه (٨٦٧) كلهم من طريق بِشر بن المفضل، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر فذكره. وسيأتي التخريج مفصلًا في باب وضع اليمين على الشمال. ورواه الإمام أحمد (١٨٨٥٠) عن يونس بن محمد، ثنا عبد الواحد، ثنا عاصم بن كليب به مثله. ومن جهته أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (٥٦٦) وقال: "ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه لم يرفع، وكان ابن عمر إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه كلما خفض ورفع حَصَبَه حتى يرفع". • عن جابر بن عبد الله، كان إذا افتتح الصّلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الرّكوع فعل مثل ذلك، ويقول: "رأيتُ رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك". ورفع إبراهيم بن طهمان يديه إلى أُذنيه. حسن: رواه ابن ماجه (٨٦٨) عن محمد بن يحيى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزّبير، أنّ جابر بن عبد الله كان إذا افتتح الصّلاة ... فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير. ورواه الإمام أحمد (١٤٣٣٠) عن نصر بن باب، عن حجّاج، عن الذّيال بن حرملة، قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاريّ: "كم كنتم يوم الشّجرة؟ قال: كنا ألفًا وأربعمائة". وقال: "وكان رسول الله يرفع يديه في كلّ تكبيرة من الصّلاة". ونصر بن باب الخراسانيّ أبو سهل المروزيّ نزيل بغداد تكلّم فيه البخاريّ، وابن معين، وأبو حاتم وغيرهم، إلّا أنّ الإمام أحمد كان لا يرى به بأسًا، وإنّما أنكروا عليه حيث حدَّث عن إبراهيم الصّائغ. قال الحافظ في "التعجيل" (١١٠٢): "وفي مسند جابر من مسند أحمد بعد أن أخرج حديثًا لنصر بن باب. قال عبد الله: قلت لأبي: سمعتُ أبا خيثمة - يعني زهير بن حرب - يقول: نصر بن باب كذّاب. فقال: إنِّي أستغفرُ الله، كذّاب! ؟ إنّما عابوا عليه أنّه حدّث عن إبراهيم الصّائغ. وإبراهيم من

стр. 1248

أهل بلده لا يُنكر أن يكون سمع منه. انتهى. وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه". وحجّاج هو ابن أرطاة القاضي أحد الفقهاء "صدوق كثير الخطأ والتدليس". والخلاصة: أن إسناد أحمد ضعيف إلّا أنه يقوّي إسناد ابن ماجه في رفع اليدين عند كلّ تكبيرة، لأنه ليس من رواية نصر بن باب عن إبراهيم الصّائغ. وأمّا قصة عدد أصحاب النّبيّ ﷺ في الحديبية فقد ثبتت بأسانيد صحاح، ستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى. • عن أبي بكر الصّديق، قال: صليتُ خلف رسول الله ﷺ فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. حسن: رواه البيهقي في سننه (٢/ ٧٣) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الزاهد - إملاء من أصل كتابه - قال: قال أبو إسمعيل محمد بن إسمعيل السلمى: صليت خلف أبي النعمان محمد بن الفضل فرفع يديه حين افتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع فسألته عن ذلك، فقال: صليت خلف حماد بن زيد فرفع يديه حين افتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فقال: صليت خلف أيوب السختياني فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته فقال: صليت خلف عبد الله بن الزبير فكان يرفع يديه إذا افتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع فسألته، فقال عبد الله بن الزبير: صليت خلف أبي بكر الصديق ﵁ فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع. وقال أبو بكر: "صليت خلف رسول الله ﷺ ... " فذكره، قال البيهقي: رواته ثقات. • عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ أنه إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته، وإذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبَّر. حسن: رواه أبو داود (٧٤٤)، والترمذي (٣٤٢٣)، وابن ماجه (٨٦٤) كلهم عن طريق سليمان بن داود الهاشمي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن فضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الرحمن بن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب فذكر الحديث مثله واللفظ لأبي داود. وأما الترمذي فذكر معه دعاءَ الاستفتاح الذي سيأتي في باب ما جاء في دعاء النبيّ ﷺ في السكتتين بعد التكبير مما أخرجه مسلم من وجه آخر من طريق عبد الرحمن الأعرج. قال الترمذي:

стр. 1249

"حسن صحيح". وصححه أيضًا ابن خزيمة فأخرجه (٥٨٤) من طريق ابن أبي الزناد. قلت: إسناده حسن لأجل عبد الرحمن بن أبي الزناد، فقد وثقه العجلي، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وضعفه ابن معين فقال: "ليس بشيء". ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٤١٢) عن صاحب الإمام قال: "ورأيتُ في علل الخلال عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي قال: سئل أحمد عن حديث علي هذا فقال: صحيح". وقال: وقوله: "وإذا قام من السجدتين - يعني الركعتين" انتهى. وفي الباب ما رُوي عن أنس بن مالك: "أنّ رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع". وفي رواية: "إذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد". رواه ابن ماجه (٨٦٦)، والدارقطني (١١١٩) من حديث عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس، فذكره. ولكن أعلّه الدارقطني بالوقف. وكذا نقل الترمذي في "علله" (١/ ٢١٩) عن البخاري. انظر للمزيد "فتح الباري" لابن رجب (٤/ ٣٢٦) فإنه أكّد فيه بأنه قد روي في الرفع عند السجود وغيره أحاديث معلولة. ولكن لا يمنع هذا أنّ النبي ﷺ فعل ذلك مرة أو مرتين كما سبق، إلّا أنه لم يداوم عليه، فكأن آخر أمره ﷺ ترك الرفع عند السجود، والقيام منه، وبين السجدتين؛ ولذا ادعى الطحاوي وغيره الإجماع على أن لا يرفع بين السّجدتين. وكذلك لا يصح مرفوعًا ما رُوي عن أبي موسى الأشعريّ، قال: "هل أريكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فكبَّر فرفع يديه، ثم كبَّر فرفع يديه للركوع، ثم قال: سمع الله لمن حمده فرفع يديه، ثم قال: هكذا فاصنعوا. ولا يرفع بين السجدتين". رواه الدارقطني (١١٢٤) من طريق إسحاق بن راهويه، أخبرنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن حِطَّان بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعريّ، فذكره. ثم رواه من وجه آخر عن زيد بن الحباب، عن حماد بن سلمة، بإسناده، عن النبيّ ﷺ نحوه وقال: "رفعه هذان عن حماد بن سلمة، ووقفه غيرهما عنه". قلت: وهو يقصد به ابن المبارك فإنه رواه عن حماد بن سلمة، فوقفه على أبي موسى. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي كما قال الشيخ (وهو ابن دقيق العيد) في "الإمام". انظر "نصب الراية" (٢/ ٤١٥). والبيهقي ذكر في باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه في الجزء الثاني من سننه (ص ٦٨) حديث ابن عمر، ومالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وأبي حميد الساعدي، وأبي بكر، وعلي بن أبي طالب، ولم يذكر فيه حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا أو موقوفًا. بل نصَّ

стр. 1250

على رفع الحديث إلى النبيّ ﷺ من حديث أبي موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك عن النبيّ ﷺ . فانظر أين أخرجه؟ . وبعد أن روى البخاري في جزء "رفع اليدين" (١) حديث علي بن أبي طالب من طريق ابن أبي الزناد قال: "وكذلك يُروي عن سبعة عشر نفْسًا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، وعند الرفع منه: أبو قتادة الأنصاري، وأبو أسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مسلمة، وسهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، ووائل بن حجر الحضرمي، ومالك بن الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حميد الساعدي الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأمّ الدرداء ﵃". انتهى. وقال البيهقي في سننه (٢/ ٧٥) بعد أن ذكر قول البخاري: "وقد روينا عن هؤلاء وعن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعقبة بن عامر الجهني وعبد الله بن جابر البياضي". قلت: ومن هؤلاء من كان مع أبي حُميد الساعدي عندما صلّى مثل صلاة رسول الله ﷺ فكان منهم: أبو قتادة، والحارث بن رِبعي، ومحمد بن مسلمة، وسهل بن سعد، وأبو أسيد وغيرهم. ثم اعلم أن حديث رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه متواتر عن النبيّ ﷺ وقد ذكر العراقي في "تقريب الأسانيد" أنه مروي عن خمسين من الصحابة منهم العشرة المبشرة. انتهى. إلا أن فيه رواة الرفع عند الافتتاح فقط، ولذا يرى الشوكاني وغيره أن رواة الرفع عند الركوع والرفع منه نحو عشرين تقريبًا. وقال الأوزاعي: "هذا ما اجتمع عليه علماء الحجاز والشام والبصرة". وقال البخاري: "يروي عدة من أهل الحجاز والعراق والشام والبصرة واليمن". وقال محمد بن نصر المروزي: "لا نعلم مصرًا من الأمصار تركوا بأجمعهم رفع اليدين عند الخفض، والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة؛ فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام. انظر: "طرح التثريب" (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٥). وفيما ذكرنا من أحاديث بعض هؤلاء فيه كفاية عن أحاديث بعضهم التي لا تخلو من مقال، إلا أنه لم يثبت عن أحد من أصحاب النبي ﷺ كما قال البخاري: "أنه لا يرفع يديه، وليس أسانيده أصح من رفع الأيدي"، جزء رفع اليدين (ص ١٦٦). وقال: "وفيما ذكرنا كفاية لمن يفهمه إن شاء الله تعالى" (ص ١٠٦).

стр. 1251

وروى من طريق ابن عجلان قال: سمعتُ النعمان بن أبي عياش يقول: "لكل شيء زينةٌ، وزينة الصلاة أن ترفع يديك إذا كَبَّرْتَ، وإذا ركعتَ، وإذا رفعتَ رأسك من الركوع". (ص ١٥٢). انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٤٩٢). وقول البخاري: "وليس أسانيده أصح من رفع الأيدي" إشارة إلى رد ما أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٦) عن عبد الله بن مسعود وعَلِيّ وأصحابهما، وما رواه غيره عن ابن عمر بأنهم ما كانوا يرفعون أيديهم إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة. ففي قوله إشارة واضحة بأن أحاديث الثبوت أولى من أحاديث النفي. ٨ - باب من قال: لا يُسن رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه • عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنّها أذناب خيل شُمْسْ؛ اسكنوا في الصّلاة". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٣٠) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طَرفة، عن جابر بن سمرة، فذكره. إلا أنه ﷺ لم يرد به المنع من رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه؛ لأنه جاء تفسيره في صحيح مسلم نفسه، وهو قول جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله - وأشار إلى الجانبين - فقال رسول الله ﷺ : "علامَ تؤمئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس؛ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله". وقال أيضًا: صليتُ مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنكم؟ تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمس! إذا سلَّم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده". وقوله: "شُمْس" بضم الأول وسكون الثاني - جمع شموس، وهو النّفور من النواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته. وفي الباب ما روي عن عبد الله بن مسعود، قال: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة". رواه أبو داود (٧٤٨)، والترمذي (٢٥٧)، وأحمد (١/ ٣٨٨) كلهم من حديث وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال عبد الله بن مسعود، فذكره. قال الترمذي: "حسن". ونقل عن ابن المبارك بعد إخراج حديث ابن عمر أنه قال: قد ثبت حديث من يرفع يديه، وذكر حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، ولم يثبت حديث ابن مسعود: "أن النبي ﷺ لم يرفع يديه إلا

стр. 1252

أول مرة". انتهى. وقال أبو داود: "هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ". انتهى. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله: أن النبي ﷺ قام فكبَّر فرفع يديه، ثم لم يَعُد. قال أبي: هذا خطأ؛ يقال: وهم فيه الثوري. روى هذا الحديث عن عاصم جماعة، فقالوا كلهم: إن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبَّق، وجعلهما بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما رواه الثوري". انتهى. "العلل" (٢٥٨). وكذلك جعل البخاري في جزء رفع اليدين (برقم: ٣١) - الخطأ من الثوري، فقد روى من طريق ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، ثنا علقمة أن عبد الله قال: علَّمنا رسول الله ﷺ الصلاة فقام فكبَّر، ورفع يديه، ثم ركع فطبّق يديه فجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدًا فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل ذلك في أول الإسلام ثم أمرنا بهذا. قال البخاري: "وهذا هو المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود". انتهى. ونقل عن الإمام أحمد ويحيى بن آدم أنهما ضعَّفا هذا الحديث. ونقل الدارقطني (١/ ٢٩٣) قول ابن المبارك: "لم يثبت عندي حديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ رفع يديه أول مرة، ثم لم يرفع، وقد ثبت عندي حديث من يرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع. قال ابن المبارك: ذكره عبيد الله العمري ومالك ومعمر وسفيان ويونس ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ". انتهى. وثبت من هذا أن صحة الإسناد لا تستلزم صحة الحديث لاحتمال وجود شذوذ في المتن كما وقع هنا في رواية الثوري. وعلى فرض ثبوت الصحة فإن المثبت مقدم على النافي، وقد صحت الأحاديث الكثيرة في إثبات رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام إلى الركعة الثالثة، فلا يجوز ترك العمل على هذه الأحاديث الصحيحة المخرجة في الصحيحين وغيرهما لحديث ابن مسعود لاحتمال خطأ بعض الرواة، سواء كان ذلك من سفيان كما قال أبو حاتم والبخاري، أو من تلميذه والراوي عنه وهو وكيع كما قال غيرهما، ومن الجائز كما قال ابن الجوزي في التحقيق (٣/ ٢٥): "أن يكون علقمة لم يضبط، أو ابن مسعود قد خفي عليه هذا من رسول الله ﷺ كما خَفِي على غيره مثل نسخ التطبيق". انتهى. ونقل الزيلعي (١/ ٣٩٧) عن صاحب "التقيح" (٢/ ١٤٠ - ١٤١) أنه قال: قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق: "وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يُستغرب، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق، ونسي

стр. 1253

كيف قيام الاثنين خلف الإمام، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيف جمع النبي ﷺ بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي ﷺ : ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [سورة الليل: ٣] وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين". انتهى. وفي الباب ما رُوي أيضًا عن البراء: "أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود". رواه أبو داود (٧٤٩) حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء فذكره. وفيه يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم ضعيف، قال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، وقال ابن معين: "ليس بالقوي"، وقال الإمام أحمد: "ليس حديثه بذاك"، وقال ابن حبان: "كان صدوقًا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، وكان يلقن ما لُقِّن فوقعت المناكير في حديثه. وقال الدارقطني (١/ ٢٩٤): "وإنما لُقن يزيد في آخر عمره، [ثم لم يعد] فتلقنه وكان قد اختلط"، ورواه أيضًا من طريق علي بن عاصم، نا محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب فذكر الحديث، قال علي بن عاصم، فلما قدمت الكوفة، قيل لي إن يزيد حي فأتيته فحدَّثني بهذا الحديث فقال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة فكبَّر، ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه، فقلت له: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد، قال: لا أحفظ هذا، فعاودتُه فقال: ما أحفظه". وقال الحافظ في التلخيص: "اتفق الحفاظ على أن قوله: "ثم لم يعد" مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد. ورواه عنه بدونها شعبة، والثوري، وخالد الطحان، وزهير، وغيرهم من الحفاظ، وقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد، وقال عثمان الدارمي عن أحمد بن حنبل: لا يصح، وكذا ضعَّفه البخاري، وأحمد، ويحيى، والدارمي، والحميدي، وغير واحد. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واه، قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه: "ثم لا يعود". فلما لقَّنوه تلقَّن فكان يذكرها". انتهى. قال البخاري: "وكذلك روى الحفاظ الذين سمعوا من يزيد قديمًا منهم: الثوري وشعبة وزهير ليس فيه: "ثم لا يعود". انتهى. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن يزيد نحو حديث شريك لم يقل "ثم لا يعود" قال سفيان: قال لنا بالكوفة بعد: "ثم لا يعود". قال أبو داود: وروى هذا الحديث هُشيم، وخالد، وابن إدريس، عن يزيد لم يذكروا "ثم لا يعود".

стр. 1254

ثم رواه من طريق وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: "رأيت رسول الله ﷺ رفع يَديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف". قال أبو داود: "هذا الحديث ليس بصحيح". قلت: في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال فيه الإمام أحمد: "كان سيء الحفظ مضطرب الحديث" وقال أبو زرعة: "ليس بالقوي" وقال ابن حبان: "كان فاحش الخطأ، ردي الحفظ، فكثرت المناكير في روايته". وقال أبو أحمد الحاكم: "عامة أحاديثه مقلوبة". وقال البخاري في "جزء رفع اليدين" (ص ١٢٢): "وإنما روى ابن أبي ليلى هذا من حفظه، فأما من حدَّث عن ابن أبي ليلى من كتابه فإنَّما حدَّث عن بن أبي ليلى، عن يزيد فرجع الحديث إلى تلقين يزيد، والمحفوظ ما روى عنه الثوري وشعبة وابن عيينة قديمًا". وليس فيه: "ثم لم يرفع". وقال البيهقي في "المعرفة" (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠): "وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن، عن البراء. ومحمد بن عبد الرحمن أضعف عند أهل العلم بالحديث من يزيد بن أبي زياد. واختلف عليه في إسناده، فقيل: هكذا، وقيل: عنه عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، وقيل عنه، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، فعاد الحديث إلى يزيد، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي ينكر حديث الحكم وعيسى ويقول: "هو حديث يزيد بن أبي زياد". وفي الباب ما رُوي عن أنس بن مالك في "الأباطيل" (٣٩٢)، وعن أبي هريرة (٣٩٠) وهما موضوعان ولذا أدخلهما الجوزقاني في "أباطيله". ٩ - باب ما يقول بعد التكبير • عن أبي هريرة قال: كان رسولُ الله ﷺ يسكتُ بين التكبير وبين القراءةِ إسكاتةً - قال أحسبه قال: هُنَيَّةً - فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! إسكاتُك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من الخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنَس، اللَّهم اغسِل خطايايَ بالماء والثلج والبَرد". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٤٤)، ومسلم في المساجد (٥٩٨) كلاهما من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عُمارة بن القَعْقاع، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: حدثنا أبو هريرة، فذكر الحديث، واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم: "اغسِلْني من خطايايَ بالثلج والماء والبَرد". وزاد أيضًا: "كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

стр. 1255

الْعَالَمِينَ﴾ " ولم يسكتْ. • عن أبي هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يسكت. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٩) معلقًا قال: وحُدِّثتُ عن يحيى بن حسان ويونس المؤدِّب وغيرهما قالوا: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا عمارةُ بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة. قال: سمعت أبا هريرة فذكر الحديث. قال المازري في "المعلم" (١/ ٢٨٣): "هذا الحديث مقطوع من الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة في هذا الكتاب". ووصله الحافظ أبو بكر البزَّار فرواه عن أبي الحسن محمد بن مسكين اليمامي، نزيل البصرة، عن يحيى بن حسَّان التنيسي بإسناده. ومحمد بن مسكين روى عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما. انظر: "غرر الفوائد المجموعة" لرشيد الدين العطَّار. ووصله أيضًا الحاكم في المستدرك (١/ ٢١٥، ٢١٦) عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجي، ثنا عبد الواحد بن زياد به مثله. ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي (٢/ ١٩٦، ١٩٧) كما رواه أيضًا من طريق آخر عن عبد الواحد بن زياد. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وقال البيهقي: "وهو حديث صحيح، ويحتمل أنه أراد به أنه لا يسكت في الثانية كسكوته في الأولى للاستفتاح". • عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجَّهتُ وجهي للذي فطر السماواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسكي ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عَنِّي سيِّئَها لا يصرف عني سيِّئَها إلا أنت. لبيك وسعديك، والخيرُ كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركتَ وتعاليتَ، استغفرك وأتوبُ إليك". وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سَمْعي وبصري، ومُخي وعظْمِي وعصبي". وإذا رفع قال: "اللهم ربنا لك الحمدُ مِلأَ السماوات ومِلأَ الأرضِ ومِلأَ ما

стр. 1256

بينهما، ومِلأَ ما شئت من شيء بعدُ". وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجْهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمْعَه، وبصرَه، تبارك الله أحسنُ الخالقين". ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مِنِّي، أنت المقدِّمُ، وأنت المؤخِّر لا إله إلا أنت". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧١) عن محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا يوسف الماجشون، حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، فذكر مثله. قوله: "أنا بك وإليك" أي: التجائي وانتمائي إليك، وتوفيقي بك. • عن أنس: أن رجلًا جاء فدخل الصفَّ، وقد حفزه النَفَسِّ فقال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، فلما قضى رسولُ الله ﷺ صلاته قال: "أيكم المتكلم بالكلمات؟ " فأرَمَّ القومُ، فقال: "أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا" فقال رجل: جئتُ وقد حفزني النَّفَسُ فقلتُها. فقال: "لقد رأيتُ اثني عشر مَلَكًا يبتدرونها، أيُّهم يرفعُها". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٠٠) من حديث قتاده وثابت وحميد، عن أنس فذكره. وقوله: "فأرمَّ القومُ" أي سكتوا. • عن ابن عمر قال: بينما نحن نُصلِّي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ : "من القائل كلمة كذا وكذا؟ " فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله! قال: "عجبتُ لها، فتحت لها أبواب السماء". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٠١) من حديث أبي الزبير، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عمر فذكر مثله. • عن سمرة بن جندب وعمران بن حصين أنهما تذاكرا، فحدث سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب، وكان في كتابه إليهما - أو في رده إليهما: أن سمرة قد حفظ.

стр. 1257

صحيح: رواه أبو داود (٧٧٩)، واللفظ له، والترمذي (٢٥١)، وابن ماجه (٨٤٤، ٨٤٥) كلهم من طرق عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. قال الترمذي: "حسن". وقد صحَّحه ابن خزيمة (١٥٧٨)، وابن حبان (١٨٠٧)، والحاكم (١/ ٢١٥)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتفقا على حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا كبَّر سكت بين التكبير والقراءة، وحديث سمرة لا يتوهم متوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة، فإنه قد سمع منه". قلت: لقد سبق القول بأن أهل العلم منهم البخاري وعلي بن المديني وغيرهما ذهبوا إلى سماع الحسن من سمرة مطلقًا، وقال يحيى بن سعيد القطان وجماعة: هي كتاب، كتبه سمرة لبنيه، فكان الحسن يروي منه، وهي وجادة، والوجادة نوع من أنواع تحمل الحديث المتصل، فإذا صحَّ الحديث إلى الحسن فهو صحيح، وعليه اعتمد أصحاب الصحاح - غير الشيخين -، والسنن، والمسانيد فأخرجوا هذا الحديث في كتبهم. وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول الشامي في قراءة المأموم فاتحة الكتاب في سكتة الإمام. قال الترمذي: "وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة. وبه قال أحمد وإسحاق وأصحابنا". وأما الذين ذهبوا إلى تضعيف هذا الحديث فقالوا: إنّ الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، وهو مع جلالة قدره مدلس؛ كما أن الرواة اختلفوا عليه. فقال يونس وأشعث عنه: إن السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة كلها قبل الركوع. وقال قتادة عنه بعد قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقد أشار إلى بعض هذا الاختلاف أبو داود في "سننه". وجمع بعض أهل العلم هذه السكتات فقالوا: هي ثلاثة: الأولى: بعد تكبيرة الإحرام لدعاء الاستفتاح. الثانية: بعد الفاتحة ليقرأ المأموم سورة الفاتحة. والثالثة: بعد قراءة السورة قبل الركوع، وتكون خفيفة لترويح النفس فقط؛ ولذا قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور: "حق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى، وسكتة بعد فراغه بقراءة فاتحة الكتاب، وبعد الفراغ بالقراءة؛ ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب". انظر: "الاستذكار" (٤/ ٢٣٨). ١٠ - باب الاستفتاح بقوله: "سبحانك اللهمّ وبحمدك " • عن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهمَّ وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك.

стр. 1258

صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٣٩٩: ٥٢) عن محمد بن مهران الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن عبدة، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، فذكره. وهذا منقطع؛ لأنَّ عبدة وهو: ابن أبي لبابة الأسدي مولاهم، ويقال: مولى قريش، لم يسمع من عمر بن الخطاب، نقل النووي في شرح مسلم عن أبي علي الغساني قال: "هكذا وقع عن عبدة أنَّ عمر، وهو مرسل". قال النووي: يعني أنَّ عبدة لم يسمع من عمر. انتهى. وقال المنذري: "وعبدة لا يُعرف له سماع من عمر، وإنَّما سمع من ابنه عبد الله، ويقال: إنه رأى عمر رؤية". انتهى. وقال صاحب "التنقيح": "وإنَّما أخرجه مسلم في صحيحه لأنَّه سمعه مع غيره". قلت: ولكن جاء موصولًا عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: كان عمر إذا افتتح الصلاة رفع صوته يُسمعنا: سبحانك اللهمَّ ... رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٢) عن أبي معاوية. ورواه الحاكم (١/ ٢٣٥) من طريق أبي معاوية عن الأعمش، عن الأسود، عن عمر، وسقط فيه "إبراهيم" ورواه البيهقي في سننه (٢/ ٣٤) من وجه آخر عن إبراهيم، عن الأسود به مثله. قال الحاكم: "وقد أُسند هذا الحديث عن عمر ولا يصحُّ". وقال الذهبي: "أخطأ من رفعه عنه". وقال الدارقطني في "العلل": وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عمر، عن النبيِّ ﷺ ، وخالفه إبراهيم النخعي فرواه عن الأسود، عن عمر قوله. وهو الصحيح" انتهى. انظر: "نصب الراية" (١/ ٣٢٣). وقد اتفق أهل العلم على أن الصحيح هو من قول عمر بن الخطاب ﵁ وكفى به دليلًا؛ لأنه لم يوجد له معارض، بل تؤيده أحاديث الباب التي ستأتي وإن كان لا يسلم أحد منها من مقال. قال البيهقي: "وأصح ما روي فيه الأثر الموقوف على عمر بن الخطاب". قال ابن خزيمة: رحمه الله تعالى (١/ ٢٤٠): "وهذا صحيح عن عمر بن الخطاب أنَّه كان يستفتح الصلاة مثل حديث حارثة (الآتي بعد قليل) لا عن النبي ﷺ ، ولست أكره الافتتاح بقوله: "سبحانك اللهمَّ وبحمدك" على ما ثبت عن الفاروق ﵁ أنه كان يستفتح الصلاة، غير أنَّ الافتتاح بما ثبت عن النبيِّ ﷺ في خبر عليِّ بن أبي طالبٍ، وأبي هريرة، وغيرهما بنقل العدل، عن العدل موصولًا إليه ﷺ أحبُّ إليَّ وأولى بالاستعمال، إذ اتباع سنة النبي ﷺ أفضل وخيرٌ من غيرها" انتهى. وقال الترمذي: "أشهر حديث في هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري". قلت: حديث أبي سعيد الخدري هو ما رواه أبو داود (٧٧٥) والترمذي (٢٤٢) والنسائي (٨٩٩، ٩٠٠) وابن ماجه (٨٠٤) كلهم من طرق عن جعفر بن سليمان الضُّبعي، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبَّر ثمَّ يقول: "سبحانك اللهمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك" ثمّ يقول: "لا إله

стр. 1259

إلا الله" ثلاثًا، ثم يقول: "الله أكبر كبيرًا" ثلاثًا "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" ثمَّ يقرأ. واللفظ لأبي داود والترمذيّ. قال الترمذي: "وقد تُكلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلَّم في علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لا يصحُّ هذا الحديث". وقال أبو داود: "وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر". ورواه أيضًا ابن خزيمة (٤٦٧) من طريق جعفر بن سليمان الضُّبعي به، وفيه: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل إلى الصلاة كبَّر ثلاثًا ثمّ قال: ... ثمَّ ذكر مثله. وقال: وهذا الخبر لم يسمع في الدعاء لا في قديم الدهر ولا في حديثه، استعمل هذا الخبر على وجهه، ولا حكي لنا عن من لم نشاهده من العلماء أنه كان يكبر لافتتاح الصلاة ثلاث تكبيرات". وقال النووي في "المجموع" (٣/ ٣٢٠): "ضعَّفه الترمذي وغيره، وهو ضعيف. وقال: وروى الاستفتاح: "سبحانك اللهم وبحمدك" جماعة من الصحابة، وأحاديثه كلها ضعيفة" انتهى. قلت: ومن هذه الأحاديث الضعيفة حديث عائشة قالت: كان النبيُّ ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". رواه الترمذي (٢٤٣) وابن ماجه (٨٠٦) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن حارثة بن أبي رجال، عن عمرة، عن عائشة فذكرت الحديث. وحارثة بن أبي الرجال ضعيف. وقال البيهقي (٢/ ٣٤): "هذا لم نكتبه إلَّا من حديث حارثة وهو ضعيف". وقال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه". قلت: إن قصد به أنه لا يروى مسندًا إلا من هذا الوجه، فهو صحيح، وإلّا فقد رواه أبو داود (٧٧٦) والحاكم (١/ ٢٣٥) من طريق عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة فذكرت مثله، فهو منقطع؛ فإن أبا الجوزاء لم يدرك عائشة، إلا أن الحاكم صحَّح هذا الإسناد. وأعلّه أبو داود بعلة أخرى قائلًا: "وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام (عنه) وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئًا من هذا". انتهى. وردّه صاحب الإمام (ابن دقيق العيد)، وهذا ما قاله ملخصًا: "طلْقٌ أخرج له البخاريّ في "صحيحه"، وعبد السّلام وثّقه أبو حاتم، وأخرج له الشيخان في "صحيحيهما"، وكذا من فوقه إلى عائشة. وكونه ليس بمشهور عن عبد السلام لا يقدح فيه إذا كان راويه ثقة، وكون الجماعة لم يذكروا عن بُديل شيئًا من هذا قد عرف ما يقوله أهل الفقه والأصول فيه، ويحتمل أن يقال: هما حديثان لتباعد ألفاظهما". انظر الجوهر النقي (٢/ ٣٤، ٣٥)، ولكن بقي فيه الانقطاع، وإليه أشار الحافظ في "التلخيص" بقوله: "رجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع".

стр. 1260

ونقل البيهقيّ قول أبي داود وأقرَّه وقال بعد ذلك: وروي في الاستفتاح: "سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، حديث آخر عن ليث، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه مرفوعًا، وليس بالقويّ، وروي ذلك مرفوعًا عن حميد عن أنس، وروي من وجه آخر عن عائشة، وأصح ما روي فيه الأثر الموقوف على عمر بن الخطّاب، ثمّ رواه عن شيخه الحاكم أبي عبد الله. انتهى. وحديث جبير بن مطعم أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان إذا افتتح الصّلاة قال: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا - ثلاث مرات. اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الشّيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه". رواه أبو داود (٧٦٤) وابن ماجة (٨٠٧) وأحمد (١٦٧٨٤)، والبيهقي (٢/ ٣٥) كلّهم من طرق عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزيّ، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنَّه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة. قال عمرو: لا أدري أي صلاة هي؟ فقال: "الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، والحمد لله كثيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا - ثلاثًا، أعوذ بالله من الشّيطان من نفخه ونفثه وهمزه. قال: "نفثه": الشعر. ونفخها: الكبر. وهمزه": الموتة. وعاصم هو: ابن عمير العنزيّ، تفرّد بالرواية عنه عمرو بن مرة، ولم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في الثّقات كعادته في ذكر المجاهيل، وقد اختلف في اسمه أيضًا مما يدل على أنه لم يكن معروفًا عند المحدثين. وفي الباب أيضًا حديث أنس، رواه محمد بن الصلت، عن أبي خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ في افتتاح الصّلاة "سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك". قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "هذا حديثٌ كذِب، لا أصل له، ومحمد بن الصلت لا بأس به، وقد كتبت عنه". (العلل: ٣٧٤). فمن نظر إلى مجموع هذه الأحاديث قال: إنَّ بعضها يقوي البعض، ويصير حسنًا لغيره. ويؤيده أثر عمر بن الخطّاب. وقد روي أيضًا بإسناد صحيح عن ابن مسعود إِلَّا أنه لم يذكر فيه: "افتتاح الصّلاة" وهو قوله ﷺ : "إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله أن يقول العبد: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإنَّ أبغض الكلام إلى الله أن يقول الرّجل للرجل: اتقِّ الله. فيقول: عليك نفسك". رواه النسائيّ في العمل اليوم والليلة" (٨٤٩) عن محمد بن يحيى بن محمد، قال: حَدَّثَنَا محمد بن سعيد بن الأصفهانيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وإسناده صحيح، ومحمد بن سعيد بن سليمان أبو جعفر بن الأصفهاني وإن كان "ثقة ثبتًا" كما في

стр. 1261

التقريب إِلَّا أنَّه خالفه ابن أبي شيبة فرواه في المصنَّف" (١/ ٢٣٢) عن ابن فُضيل وأبي معاوية به موقوفًا. ورواه أيضًا النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" (٨٥٠) عن محمد بن العلاء، عن أبي معاوية موقوفًا. ورُوي موقوقا أيضًا من وجه آخر عن الأعمش. والخلاصة: أنَّه لم يثبت دعاء الاستفتاح بقوله: "سبحانك اللَّهُمَّ .... ". إِلَّا عن عمر ﵁، والظاهر أنه أخذه من النَّبِيّ ﷺ ؛ لأن عمر بن الخطّاب كغيره من الصّحابة كان أكثر النَّاس بُعدًا من الابتداع في الدين، وكثرة الأحاديث الواردة في هذا الباب تدل على أنَّ له أصلًا وهي تقوي أثر عمر بن الخطّاب. قال الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاريّ "فتح الباري" (٤/ ٣٤٦): "صحَّ هذا عن عمر بن الخطّاب، رُوي عنه من وجوه كثيرة". وقال: "قال الإمام أحمد: نذهب فيه إلى حديث عمر، وقد روي فيه وجوه ليست بذاك - فذكر حديث عائشة وأبي هريرة". فصرَّح بأنْ الأحاديث المرفوعة ليست قويّة، وأن الاعتماد على الموقوف عن الصّحابة؛ لصحة ما رُوي عن عمره انتهى. ١١ - باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال • عن سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرّجلُ اليد اليُمني على ذراعه اليُسرى في الصّلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إِلَّا أنه يَنْمي ذلك. صحيح: رواه مالك في قصر الصّلاة (٤٧) عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد فذكره. ومن طريقه أخرجه البخاريّ (٧٤٠). وقوله: كان الناس يؤمرون ... هذا حكمه الرفع، لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النَّبِيّ ﷺ . وقوله: ينمي ذلك - بفتح أوله، وسكون النون، وكسر الميم. قال أهل اللغة: نميتُ الحديث إلى غيري - رفعتُه وأسندتُه. صرَّح بذلك معن بن عيسيّ، وابن يونس عن الإسماعيلي والدارقطني. وزاد ابن وهب: ثلاثَتُهم عن مالك بلفظ: "يرفع ذلك، ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه فمراده يرفع ذلك إلى النَّبِيّ ﷺ ، ولو لم يقيده. انظر: "الفتح" (٢/ ٢٢٥). وقوله: على ذراعه اليُسرى - فإنه يستلزم منه وضعهما على الصدر، وهو الصَّحيح الثابت عن رسول الله ﷺ ، وما رُوي عن وضعهما فوق السرة فهو ضعيف. وأنصح هنا بالرجوع إلى كتاب "فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور" للعلامة الشّيخ

стр. 1262

محمد حياة السندي بتحقيقي، الطبعة الثالثة عام ١٤١٩ هـ بالمدينة النبوية. • عن وائل بن حُجْر أنه رأى النَّبِيّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصّلاة. كبَّر - وصف همام حيال أذنيه - ثمّ التحف بثوبه، ثمّ وضع يده اليُمنى على اليُسْرى. فلمّا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثمّ رفعهما، ثمّ كبَّر فركع، فلمّا قال: "سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلمّا سجد، سجد بين كفيه. صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٠١) عن زهير بن حرْب، حَدَّثَنَا عفّان، حَدَّثَنَا همَّام، حَدَّثَنَا محمد بن جحادة، حَدَّثَنِي عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، أنهما حدَّثاه عن أبيه وائل بن حُجْر فذكر الحديث. وقد أبهم الراوي موضع اليدين، وروى ابن خزيمة في صحيحه (٤٧٩) عن أبي موسى، نا مؤمّل، نا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". وقال البيهقيّ في "المعرفة" (٢/ ٣٤٠): "ورويناه في بعض طرق حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر عن النَّبِيّ ﷺ ثمّ وضعهما على صدره". قلت: حديث ابن خزيمة ذكره النوويّ في "شرح مسلم" (٤/ ١١٥)، و"شرح المهذب" (٣/ ٣١٣)، و"الخلاصة" (١٠٩٦)، والحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٢٤)، وفي "بلوغ المرام" (ص ٥٣)، وفي "التلخيص" (١/ ٢٢٤)، وابن الملقن في "تحفة المحتاج" (١/ ٣٣٦)، وابن عبد الهادي في "المحرر" (١/ ١٨٥). وسكت هؤلاء جميعًا، ولم يتكلموا على مؤمّل، فهو عندهم إما صحيح بالمتابعات والشواهد، وإما حسن. قال الشّيخ المحقق عبد الحي اللكنوي في تعليقه على موطأ محمد: "وثبت عند ابن خزيمة وغيره من حديث وائل الوضع على الصدر". التعليق الممجَّد (٢/ ٦٧). ويقول العلامة المباركفوري: "فالظاهر من كلام الحافظ هذا أن حديث وائل عنده صحيح أو حسن، لأنه ذكر هنا لغرض تعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل، وحديث هُلْب، وحديث عليّ، فضعَّف حديث عليّ وقال: إسناده ضعيف، وسكت عن حديث وائل، وحديث هُلْب، فلو كانا هما أيضًا ضعيفين عنده لبَيَّن ضعفهما". انتهى. انظر "أبكار المنن" (ص ١٩٦). وأمّا مؤمّل: فهو ابن إسماعيل العدويّ، مولى آل الخطّاب، وقيل مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصريّ، روى عن شعبة والسفيانين وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المدينيّ، وغيرُهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة.

стр. 1263

وقال عثمان الدَّارميّ: قلت لابن معين: أي شيء حاله؟ فقال: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، شديد في السنة، كثير الخطأ. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. تنبيه: وقع في التهذيب وأصله تهذيب الكمال، وميزان الذّهبيّ (٤/ ٢٢٨)، أن البخاريّ قال في مؤمّل بن إسماعيل: "منكر الحديث". والبخاري ترجم مؤمّل بن إسماعيل في التاريخ الكبير (٨/ ٤٩)، والصغير (٢١٩) ولم يقل فيه: "منكر الحديث"، بل لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأمّا الضعفاء فلم يترجم له فيه. فأخشى أن يكون هذا من سبق نظر فإنه ترجم بعد مؤمّل بن إسماعيل، مؤمّل بن سعيد وقال فيه: "منكر الحديث" فتنبه والله أعلم. فمثل هذا يعتبر حديثه إذا وافق عليه الثّقات الآخرون، وقد وجدنا من وافق على روايته حديث وضع اليدين على الصدر. انظر في ذلك "فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور". • عن ابن مسعود أنه كان يُصَلِّي فوضع يده اليُسرى على اليُمنى، فرآه النَّبِيّ ﷺ ، فوضع يده اليُمنى على اليُسرى. حسن: أخرجه أبو داود (٧٥٥)، والنسائي (٨٨٨)، وابن ماجة (٨١١) كلّهم من طريق هشيم بن بشير، عن الحجاج بن أبي زينب، قال: سمعتُ أبا عثمان يحدث عن ابن مسعود فذكره. قال النوويّ في "شرح المهذب" (٣/ ٣١٢): "إسناده صحيح على شرط مسلم". قلت: هو كما قال إِلَّا أن الحجاج بن أبي زينب وإن كان من رجال مسلم إِلَّا أن فيه لين. وخلاصة القول فيه أنه: "صدوق يخطئ". ورواه أحمد (١٥٠٩٠)، والطَّبرانيّ في "الأوسط" (٧٨٥٣)، والدارقطني (١١٠٦) كلّهم من طريق محمد بن الحسن الواسطيّ، حَدَّثَنَا أبو يوسف الحجّاج - يعني ابن أبي زينب -، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: "مرَّ رسول الله ﷺ برجل وهو يصليّ، وقد وضع يده اليسرى على اليمين، فانتزعها ووضع اليمني على اليسرى". قال الدَّارقطنيّ في "العلل" (٥/ ٣٣٩): "قول هشيم أصح". • عن الحارث بن غُطيف أو غُطيف بن الحارث قال: ما نسيتُ من الأشياء، لم أنس أني رأيتُ رسول الله ﷺ واضعًا يمينَه على شماله في الصّلاة. حسن: رواه أحمد (١٦٩٦٨٥) (٢٢٤٩٧)، والطَّبرانيّ في الكبير (٣/ ٣١٢)، وابن قانع في مُعْجَم الصّحابة (٢/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٠) كلّهم من طريق معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن غُطيف، أو غُطيف بن الحارث فذكره.

стр. 1264

ورجاله ثقات غير يونس بن سيف وثَّقه الدَّارقطنيّ وغيره، وقال ابن سعد: "كان معروفًا". ومعاوية بن صالح هو: ابن حُدَير بن سعيد الحضرمي الحمصي من رجال مسلم وثَّقه أبو زرعة والنسائي والعجلي وغيرهم، وتكلم فيه يحيى بن سعيد، غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. قال الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٢٨٣): "رواه أحمد والطبرانيّ، ورجاله ثقات". ولا مجال للشك في كون الحارث بن غُطيف صحابي أم لا؟ بعد أن ثبت أنه رأى النَّبِيّ ﷺ يصلي واضعًا يمينه على شماله. وأمّا كونه الحارث بن غُطيف أو غُطيف بن الحارث فهذا الشك من معاوية بن صالح، ونقل ابن السكن عن ابن معين بأن الصواب: الحارث بن غُطيف. "الإصابة" (١/ ٢٨٧). • عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نُعجل الإفطار، ونُؤخر السحور، وأن نَضرب بأيماننا على شمائلنا". صحيح: رواه الطبرانيّ في الكبير (١٠٨٥١) عن العباس بن محمد المجاشعي الأصبهانيّ، ثنا محمد بن أبي يعقوب الكرمانيّ، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكر الحديث. إسناده صحيح، وعباس بن محمد المجاشعيّ الأصبهانيّ ثقة، كما قال أبو نعيم الأصبهاني في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٤٢)، وقول ابن القطّان: "لا يعرف" هو حسب علمه واطلاعه، وإلَّا فهو ثقة، وثَّقه أبو نعيم وهو أعرف به؛ لأنه من بلده. ورواه أيضًا الطبرانيّ (١١٤٨٥) من وجه آخر قال: حَدَّثَنَا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى، ثنا جدي حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث قال: سمعتُ عطاء بن أبي رياح، قال: سمعتُ ابن عباس فذكر الحديث. ومن طريق حرملة بن يحيى رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١٧٧٠). وإسناده صحيح، قال الهيثميّ في مجمعه (٢/ ١٠٥): "رواه الطبرانيّ في الكبير ورجاله رجال الصَّحيح". وأمّا ما رواه الدَّارقطنيّ (١/ ٢٨٤)، وأبو داود الطيالسي (ص ٣٤٦). وعنه البيهقيّ (٤/ ٢٣٨) من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس فذكر مثله، ففيه طلحة بن عمرو قال فيه أحمد: متروك الحديث، وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء. وهذا الطريق الضعيف لا يُعلّ ما ثبت من الطرق الصحيحة. وأمّا ما رُوي عن عليّ ﵁: "من السنة في الصّلاة وضعُ الأكف على الأكفِ تحت السرة" فهو ضعيف بالاتفاق. رواه أبو داود (٧٥٦) من حديث عبد الرحمن بن إسحاق الكوفيّ، عن زياد بن زيد، عن أبي جحفة، عن عليّ فذكره. وعبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطيّ، قال فيه الإمام أحمد: ليس بشيء منكر الحديث. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرة

стр. 1265

أخرى: متروك، وفيه أيضًا: زياد بن زيد: وهو السُّوائيّ، الأعصم - بمهملتين - الكوفي قال أبو حاتم: "مجهول". "الجرح والتعديل" (٣/ ٥٣٢). ١٢ - باب ما جاء في التعوذ قبل القراءة قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة النحل: ٩٨]. إن الاستعاذة تدفع الوسوسة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة فصلت: ٣٦]. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [سورة المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]. فقالت طائفة من أهل العلم: نتعوذ بعد القراءة، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة. والمشهور الذي عليه جمهور أهل العلم أن الاستعاذة لدفع الوسواس فيها إنّما تكون قبل التلاوة. ومعنى الآية عندهم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: إذا أردت القراءة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أي: إذا أردتم القيام. وفي الاستعاذة أحاديث كثيرة يأتي ذكرها في الأذكار والأدعية. وأمّا كون النَّبِيّ ﷺ يتعوذ ويقول في استعادته: "أعوذ بالله السميع العليم من الشّيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" فهو ضعيف وقد سبق الكلام عليه. ١٣ - باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة • عن أنس قال: إن النَّبِيّ ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصّلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٧٤٣)، ومسلم في الصّلاة (٣٩٩) كلاهما من حديث شعبة قال: سمعتُ قتادة، يحدث عن أنس واللّفظ للبخاريّ، وفي رواية عند مسلم بزيادة عثمان قال: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفي رواية: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون في أول قراءة، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا في آخرها. ورواه مالك في الصّلاة (٣٠) عن حميد الطّويل، عن أنس أنه قال: قمتُ وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" إذا افتتح الصّلاة. • عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية: استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٩) انظر تفصيله: في باب ما يقول بعد التكبير. • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصّلاة بالتكبير، والقراءة بـ
следующие страницы →