Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
التقريب إِلَّا أنَّه خالفه ابن أبي شيبة فرواه في المصنَّف" (١/ ٢٣٢) عن ابن فُضيل وأبي معاوية به موقوفًا. ورواه أيضًا النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" (٨٥٠) عن محمد بن العلاء، عن أبي معاوية موقوفًا. ورُوي موقوقا أيضًا من وجه آخر عن الأعمش.
والخلاصة: أنَّه لم يثبت دعاء الاستفتاح بقوله: "سبحانك اللَّهُمَّ .... ". إِلَّا عن عمر ﵁، والظاهر أنه أخذه من النَّبِيّ ﷺ ؛ لأن عمر بن الخطّاب كغيره من الصّحابة كان أكثر النَّاس بُعدًا من الابتداع في الدين، وكثرة الأحاديث الواردة في هذا الباب تدل على أنَّ له أصلًا وهي تقوي أثر عمر بن الخطّاب.
قال الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاريّ "فتح الباري" (٤/ ٣٤٦): "صحَّ هذا عن عمر بن الخطّاب، رُوي عنه من وجوه كثيرة".
وقال: "قال الإمام أحمد: نذهب فيه إلى حديث عمر، وقد روي فيه وجوه ليست بذاك - فذكر حديث عائشة وأبي هريرة".
فصرَّح بأنْ الأحاديث المرفوعة ليست قويّة، وأن الاعتماد على الموقوف عن الصّحابة؛ لصحة ما رُوي عن عمره انتهى.
١١ - باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال
• عن سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرّجلُ اليد اليُمني على ذراعه اليُسرى في الصّلاة.
قال أبو حازم: لا أعلم إِلَّا أنه يَنْمي ذلك.
صحيح: رواه مالك في قصر الصّلاة (٤٧) عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد فذكره. ومن طريقه أخرجه البخاريّ (٧٤٠).
وقوله: كان الناس يؤمرون ... هذا حكمه الرفع، لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النَّبِيّ ﷺ .
وقوله: ينمي ذلك - بفتح أوله، وسكون النون، وكسر الميم. قال أهل اللغة: نميتُ الحديث إلى غيري - رفعتُه وأسندتُه. صرَّح بذلك معن بن عيسيّ، وابن يونس عن الإسماعيلي والدارقطني. وزاد ابن وهب: ثلاثَتُهم عن مالك بلفظ: "يرفع ذلك، ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه فمراده يرفع ذلك إلى النَّبِيّ ﷺ ، ولو لم يقيده. انظر: "الفتح" (٢/ ٢٢٥).
وقوله: على ذراعه اليُسرى - فإنه يستلزم منه وضعهما على الصدر، وهو الصَّحيح الثابت عن رسول الله ﷺ ، وما رُوي عن وضعهما فوق السرة فهو ضعيف.
وأنصح هنا بالرجوع إلى كتاب "فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور" للعلامة الشّيخ
стр. 1262
محمد حياة السندي بتحقيقي، الطبعة الثالثة عام ١٤١٩ هـ بالمدينة النبوية.
• عن وائل بن حُجْر أنه رأى النَّبِيّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصّلاة. كبَّر - وصف همام حيال أذنيه - ثمّ التحف بثوبه، ثمّ وضع يده اليُمنى على اليُسْرى. فلمّا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثمّ رفعهما، ثمّ كبَّر فركع، فلمّا قال: "سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلمّا سجد، سجد بين كفيه.
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٠١) عن زهير بن حرْب، حَدَّثَنَا عفّان، حَدَّثَنَا همَّام، حَدَّثَنَا محمد بن جحادة، حَدَّثَنِي عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، أنهما حدَّثاه عن أبيه وائل بن حُجْر فذكر الحديث.
وقد أبهم الراوي موضع اليدين، وروى ابن خزيمة في صحيحه (٤٧٩) عن أبي موسى، نا مؤمّل، نا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره".
وقال البيهقيّ في "المعرفة" (٢/ ٣٤٠): "ورويناه في بعض طرق حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر عن النَّبِيّ ﷺ ثمّ وضعهما على صدره".
قلت: حديث ابن خزيمة ذكره النوويّ في "شرح مسلم" (٤/ ١١٥)، و"شرح المهذب" (٣/ ٣١٣)، و"الخلاصة" (١٠٩٦)، والحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٢٤)، وفي "بلوغ المرام" (ص ٥٣)، وفي "التلخيص" (١/ ٢٢٤)، وابن الملقن في "تحفة المحتاج" (١/ ٣٣٦)، وابن عبد الهادي في "المحرر" (١/ ١٨٥).
وسكت هؤلاء جميعًا، ولم يتكلموا على مؤمّل، فهو عندهم إما صحيح بالمتابعات والشواهد، وإما حسن.
قال الشّيخ المحقق عبد الحي اللكنوي في تعليقه على موطأ محمد: "وثبت عند ابن خزيمة وغيره من حديث وائل الوضع على الصدر". التعليق الممجَّد (٢/ ٦٧).
ويقول العلامة المباركفوري: "فالظاهر من كلام الحافظ هذا أن حديث وائل عنده صحيح أو حسن، لأنه ذكر هنا لغرض تعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل، وحديث هُلْب، وحديث عليّ، فضعَّف حديث عليّ وقال: إسناده ضعيف، وسكت عن حديث وائل، وحديث هُلْب، فلو كانا هما أيضًا ضعيفين عنده لبَيَّن ضعفهما". انتهى. انظر "أبكار المنن" (ص ١٩٦).
وأمّا مؤمّل: فهو ابن إسماعيل العدويّ، مولى آل الخطّاب، وقيل مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصريّ، روى عن شعبة والسفيانين وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المدينيّ، وغيرُهم.
قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة.
стр. 1263
وقال عثمان الدَّارميّ: قلت لابن معين: أي شيء حاله؟ فقال: ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق، شديد في السنة، كثير الخطأ.
وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط.
تنبيه: وقع في التهذيب وأصله تهذيب الكمال، وميزان الذّهبيّ (٤/ ٢٢٨)، أن البخاريّ قال في مؤمّل بن إسماعيل: "منكر الحديث".
والبخاري ترجم مؤمّل بن إسماعيل في التاريخ الكبير (٨/ ٤٩)، والصغير (٢١٩) ولم يقل فيه: "منكر الحديث"، بل لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأمّا الضعفاء فلم يترجم له فيه.
فأخشى أن يكون هذا من سبق نظر فإنه ترجم بعد مؤمّل بن إسماعيل، مؤمّل بن سعيد وقال فيه: "منكر الحديث" فتنبه والله أعلم.
فمثل هذا يعتبر حديثه إذا وافق عليه الثّقات الآخرون، وقد وجدنا من وافق على روايته حديث وضع اليدين على الصدر. انظر في ذلك "فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور".
• عن ابن مسعود أنه كان يُصَلِّي فوضع يده اليُسرى على اليُمنى، فرآه النَّبِيّ ﷺ ، فوضع يده اليُمنى على اليُسرى.
حسن: أخرجه أبو داود (٧٥٥)، والنسائي (٨٨٨)، وابن ماجة (٨١١) كلّهم من طريق هشيم بن بشير، عن الحجاج بن أبي زينب، قال: سمعتُ أبا عثمان يحدث عن ابن مسعود فذكره.
قال النوويّ في "شرح المهذب" (٣/ ٣١٢): "إسناده صحيح على شرط مسلم".
قلت: هو كما قال إِلَّا أن الحجاج بن أبي زينب وإن كان من رجال مسلم إِلَّا أن فيه لين.
وخلاصة القول فيه أنه: "صدوق يخطئ".
ورواه أحمد (١٥٠٩٠)، والطَّبرانيّ في "الأوسط" (٧٨٥٣)، والدارقطني (١١٠٦) كلّهم من طريق محمد بن الحسن الواسطيّ، حَدَّثَنَا أبو يوسف الحجّاج - يعني ابن أبي زينب -، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: "مرَّ رسول الله ﷺ برجل وهو يصليّ، وقد وضع يده اليسرى على اليمين، فانتزعها ووضع اليمني على اليسرى".
قال الدَّارقطنيّ في "العلل" (٥/ ٣٣٩): "قول هشيم أصح".
• عن الحارث بن غُطيف أو غُطيف بن الحارث قال: ما نسيتُ من الأشياء، لم أنس أني رأيتُ رسول الله ﷺ واضعًا يمينَه على شماله في الصّلاة.
حسن: رواه أحمد (١٦٩٦٨٥) (٢٢٤٩٧)، والطَّبرانيّ في الكبير (٣/ ٣١٢)، وابن قانع في مُعْجَم الصّحابة (٢/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٠) كلّهم من طريق معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن غُطيف، أو غُطيف بن الحارث فذكره.
стр. 1264
ورجاله ثقات غير يونس بن سيف وثَّقه الدَّارقطنيّ وغيره، وقال ابن سعد: "كان معروفًا".
ومعاوية بن صالح هو: ابن حُدَير بن سعيد الحضرمي الحمصي من رجال مسلم وثَّقه أبو زرعة والنسائي والعجلي وغيرهم، وتكلم فيه يحيى بن سعيد، غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٢٨٣): "رواه أحمد والطبرانيّ، ورجاله ثقات".
ولا مجال للشك في كون الحارث بن غُطيف صحابي أم لا؟ بعد أن ثبت أنه رأى النَّبِيّ ﷺ يصلي واضعًا يمينه على شماله.
وأمّا كونه الحارث بن غُطيف أو غُطيف بن الحارث فهذا الشك من معاوية بن صالح، ونقل ابن السكن عن ابن معين بأن الصواب: الحارث بن غُطيف. "الإصابة" (١/ ٢٨٧).
• عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نُعجل الإفطار، ونُؤخر السحور، وأن نَضرب بأيماننا على شمائلنا".
صحيح: رواه الطبرانيّ في الكبير (١٠٨٥١) عن العباس بن محمد المجاشعي الأصبهانيّ، ثنا محمد بن أبي يعقوب الكرمانيّ، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكر الحديث.
إسناده صحيح، وعباس بن محمد المجاشعيّ الأصبهانيّ ثقة، كما قال أبو نعيم الأصبهاني في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٤٢)، وقول ابن القطّان: "لا يعرف" هو حسب علمه واطلاعه، وإلَّا فهو ثقة، وثَّقه أبو نعيم وهو أعرف به؛ لأنه من بلده.
ورواه أيضًا الطبرانيّ (١١٤٨٥) من وجه آخر قال: حَدَّثَنَا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى، ثنا جدي حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث قال: سمعتُ عطاء بن أبي رياح، قال: سمعتُ ابن عباس فذكر الحديث. ومن طريق حرملة بن يحيى رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١٧٧٠).
وإسناده صحيح، قال الهيثميّ في مجمعه (٢/ ١٠٥): "رواه الطبرانيّ في الكبير ورجاله رجال الصَّحيح".
وأمّا ما رواه الدَّارقطنيّ (١/ ٢٨٤)، وأبو داود الطيالسي (ص ٣٤٦). وعنه البيهقيّ (٤/ ٢٣٨) من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس فذكر مثله، ففيه طلحة بن عمرو قال فيه أحمد: متروك الحديث، وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء. وهذا الطريق الضعيف لا يُعلّ ما ثبت من الطرق الصحيحة.
وأمّا ما رُوي عن عليّ ﵁: "من السنة في الصّلاة وضعُ الأكف على الأكفِ تحت السرة" فهو ضعيف بالاتفاق. رواه أبو داود (٧٥٦) من حديث عبد الرحمن بن إسحاق الكوفيّ، عن زياد بن زيد، عن أبي جحفة، عن عليّ فذكره. وعبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطيّ، قال فيه الإمام أحمد: ليس بشيء منكر الحديث. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرة
стр. 1265
أخرى: متروك، وفيه أيضًا: زياد بن زيد: وهو السُّوائيّ، الأعصم - بمهملتين - الكوفي قال أبو حاتم: "مجهول". "الجرح والتعديل" (٣/ ٥٣٢).
١٢ - باب ما جاء في التعوذ قبل القراءة
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة النحل: ٩٨].
إن الاستعاذة تدفع الوسوسة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة فصلت: ٣٦].
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [سورة المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
فقالت طائفة من أهل العلم: نتعوذ بعد القراءة، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة. والمشهور الذي عليه جمهور أهل العلم أن الاستعاذة لدفع الوسواس فيها إنّما تكون قبل التلاوة. ومعنى الآية عندهم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: إذا أردت القراءة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أي: إذا أردتم القيام. وفي الاستعاذة أحاديث كثيرة يأتي ذكرها في الأذكار والأدعية.
وأمّا كون النَّبِيّ ﷺ يتعوذ ويقول في استعادته: "أعوذ بالله السميع العليم من الشّيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" فهو ضعيف وقد سبق الكلام عليه.
١٣ - باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة
• عن أنس قال: إن النَّبِيّ ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصّلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٧٤٣)، ومسلم في الصّلاة (٣٩٩) كلاهما من حديث شعبة قال: سمعتُ قتادة، يحدث عن أنس واللّفظ للبخاريّ، وفي رواية عند مسلم بزيادة عثمان قال: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفي رواية: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون في أول قراءة، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا في آخرها.
ورواه مالك في الصّلاة (٣٠) عن حميد الطّويل، عن أنس أنه قال: قمتُ وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" إذا افتتح الصّلاة.
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية: استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٩) انظر تفصيله: في باب ما يقول بعد التكبير.
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصّلاة بالتكبير، والقراءة بـ
стр. 1266
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٩٨) من حديث حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة فذكرته بطوله.
هذا هو الصواب، أنهم كانوا يستفتحون الصّلاة به ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأمّا ما رُوي بقراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فكلها معلولة. أشهرُها حديث نُعيم بن عبد الله المجمر قال: صلَّيتُ خلف أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل أم القرآن.
رواه النسائيّ (٢/ ١٣٤) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم، عن شُعيب، ثنا اللّيث، ثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن المجمر فذكره.
ورجاله ثقات غير سعيد بن أبي هلال فإنه مختلط.
وكذلك حديث ابن عباس: كان النَّبِيّ ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رواه الترمذيّ (٣٤٥) من طريق إسماعيل بن حمّاد، عن أبي خالد، عن ابن عباس. وقال: "ليس إسناده بذاك".
قلت: وهو كذلك فإن إسماعيل بن حمّاد متكلم فيه، قال الأزدي: يتكلمون فيه، وذكر له ابن عدي هذا الحديث ثمّ قال: غير محفوظ.
وأبو خالد: يقال له: أبو خالد الوالبي، واسمه: هرمز، وهو كوفيّ، كذا قال الترمذيّ.
سئل أبو زرعة عن أبي خالد الذي روى عن ابن عباس حديث البسملة، روى عنه إسماعيل بن حمّاد بن أبي سليمان فقال: لا أدري من هو؟ لا أعرفه، كذا ذكره ابن أبي حاتم في "الكني" في ترجمة أبي خالد هذا.
وذكر في "الأسماء" في ترجمة أبي خالد الوالي وسماه: "هرمز".
وقال العقيلي في الضعفاء (١/ ٨٠، ٨١) في ترجمة إسماعيل: "حديثه ضعيف، ويحكيه عن مجهول".
وقال ابن عدي: "هذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ وأبو خالد مجهول".
انظر: "نصب الراية" (١/ ٣٢٤).
ثمّ ذكر الزيلعي طرقًا أخرى لحديث ابن عباس من الخطيب وغيره، ثمّ نقل كلام ابن عبد الهادي أنه قال: الجواب، حديث ابن عباس يتوجه من وجوه:
أحدها: الطعن في صحته، فإن مثل هذه الأسانيد لا يقوم بها حجة، لو سِلمتْ من المعارض، فكيف وقد عارضها الأحاديث الصحيحة، وصحة الإسناد يتوقف على ثقة الرجال، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث حتَّى ينتفي منه الشذوذ والعلة.
والثاني: أن المشهور في متنه لفظ "الاستفتاح" لا لفظ "الجهر".
الثالث: إن قوله: جهر، إنّما يدل على وقوعه مرة، وأمّا استمراره فيفتقر إلى دليل من خارج،
стр. 1267
وما روي من أنه لم يزل يجهر بها فباطل.
الرابع: أنه رُوي عن ابن عباس ما يعارض ذلك ثمّ ذكر الحديث. انظر: "نصب الراية" (١/ ٣٤٧).
وكذلك ما رُوي عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سَمِعني أبي وأنا أقرأُ، فقال: أي بُنيَّ محدثٌ، إياك والحدثَ قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغضَ إليه الحدثُ في الإسلام - يعني منه - قال: وقد صليتُ مع النَّبِيّ ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلْها، إذا أنت صليتَ فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
رواه الترمذيّ (٢٤٤)، والنسائي (٢/ ١٣٥)، وابن ماجة (٨١٥) كلّهم من طريق قيس بن عَبَايَة أبي نُعامة الحنفيّ، عن ابن عبد الله بن مغفل فذكر مثله.
وفي رواية النسائيّ: صليتُ خلف رسول الله ﷺ ، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، ﵄ فما سمعتُ أحدًا منهم قرأ. قال الترمذيّ: حسن.
قلت: الصواب أنه ضعيف، فإن ابن عبد الله بن مغفل مجهول، ولم يوثقه أحد، واسمه يزيد كما في رواية الإمام أحمد (١٦٧٨٧) فإنه أخرجه من طريق قيس بن عَبَاية به مثله.
إِلَّا أنه لم يصرح باسمه في الن، ولذا لم يترجمه صاحب التهذيب باسم يزيد بن عبد الله، وإنما ذكره فقط في الأبناء بدون أن يترجم له.
قال النوويّ في "الخلاصة" (١١٣٩) بعد أن نقل من الترمذيّ تحسين الحديث: "ولكن أنكر عليه الحفاظ وقالوا: هو حديث ضعيف، لأن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول.
وممن صرَّح بهذا ابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب البغداديّ، وآخرون، ونُسب الترمذيّ فيه إلى التساهل"، إِلَّا أن الزيلعي وافق على تحسين الترمذيّ، لأن يزيد هذا روى عنه ثلاثة، وبرواية هؤلاء ترتفع الجهالة وقال: والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه. انتهى. "نصب الراية" (١/ ٣٣٢).
ومع هذا كله فإن جهالة الحال لا ترتفع إِلَّا بتوثيق أحد الأئمة، ويزيد بن عبد الله بن مغفل هذا لم يترجمه البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم، ولا ابن حبان في الثّقات، مع تساهله في ذكر المجاهيل.
١٤ - باب ما جاء في القراءة آية آية
• عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمّ يقف، ثمّ يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثمّ يقف ثمّ يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمّ يقف، ثمّ يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ هكذا يقطعه قراءته آية آية.
صحيح: رواه أبو داود (٤٠٠١)، والتِّرمذيّ (٢٩٢٧) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد
стр. 1268
الأمويّ، ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة فذكرته.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب وبه يقول أبو عبيد ويختاره، هكذا روي يحيى بن سعيد الأموي وغيره عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، وليس إسناده بمتصل لأن اللّيث بن سعد روي هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مَمْلك، عن أم سلمة، وحديث اللّيث أصح، وليس في حديث اللّيث وكان يقرأ: "مَلِك يوم الدين"، انتهى.
كذا أعَلَّه الترمذيّ بالانقطاع، والصواب أن كلا الطريقين صحيحان فإن لقاء ابن أبي مليكة بأم سلمة ممكن، ولذا قال الدَّارقطنيّ (١١٨) بعد أن أخرج الحديث. "إسناده صحيح وكلهم ثقات".
وقال الحاكم (٢/ ٢٣١) بعد أن رواه من طريق يحيى بن سعيد: "صحيح على شرط الشيخين".
كما أن ابن جريج توبع عند الإمام أحمد (٦/ ٢٨٨) قال: ثنا وكيع، عن نافع بن عمر. وأبو عامر، ثنا نافع، عن ابن أبي مليكه، عن بعض أزواج النَّبِيّ ﷺ .
قال أبو عامر: قال نافع: أراها حفصة، أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: إنكم لا تستطيعونها قال: فقيل لها: أخبرينا بها، قال: فقرأتْ قراءةً ترسَّلَتْ فيها.
قال أبو عامر: قال نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثمّ قطع ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمّ قطع ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وشيخا أحمد في هذا الحديث هما: وكيع - وهو ابن الجراح، وأبو عامر - وهو عبد الملك بن عمرو العقدي. وأمّا قراءة "مالك يوم الدين" و "ملك يوم الدين" فكلاهما متواتر.
وأمّا ما رواه ابن خزيمة (١/ ٢٤٨) عن محمد بن إسحاق الصنعاني، نا خالد بن خِداش، نا عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكه، عن أم سلمة أن النَّبِيّ ﷺ قرأ في الصّلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فعدها آية، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيتين ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وجمع خمس أصابعه" فهو ضعيف.
قال الذّهبيّ في تلخيص المستدرك (١/ ٢٣٢): "أجمعوا على ضعف عمر بن هارون البلخي". وقال النسائيّ: متروك.
وأشار إلى ضعَّفه أيضًا البيهقيّ (٢/ ٤٤) بعد أن أخرجه من جهة ابن خزيمة، فقال: رواه عمر بن هارون، وليس بالقوي عن ابن جريج فزاد فيه". انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٤٦٤).
١٥ - باب وجوب قراءة سورة الفاتحة
• عن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٧٥٦)، ومسلم في الصّلاة (٣٩٤) كلاهما من حديث
стр. 1269
سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصَّامت فذكر الحديث.
ولمسلم طرق أخرى واللفظ سواء، إِلَّا ما رواه عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهري بهذا الإسناد وزاد فيه: "فصاعدًا".
قال البخاريّ في جزء "خير الكلام في القراءة خلف الإمام" (ص ٣٦) (٥): عامة الثّقات لم يتابع معمرًا في قوله: "فصاعدًا" مع ما أنه قد أثبت فاتحة الكتاب. وقوله: "فصاعدًا" غير معروف.
ثمّ قال: ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وأن عبد الرحمن ربما رُوي عن الزّهريّ، ثمّ أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا؟ .
وقال أيضًا: "وقال إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ معارضًا لما روى الأعرج، عن أبي هريرة، وليس هذا ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وكان عبد الرحمن ممن يحتمل في بعض. وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل المدينة عن عبد الرحمن فلم يحمد، مع أنه لا يعرف له بالمدينة تلميذ إِلَّا موسى الزمْعي روى عنه أشياء في عدة منها اضطراب". انتهى (ص ٨٩ برقم ١٤٦).
قلت: ولكن رواه أبو داود (٨٢٢) من طريق سفيان، عن الزهري هذه الزيارة "فصاعدًا" وعلى قاعدة المحدثين: زيادة الثقة مقبولة، فتكون قراءة القدر الزائد على الفاتحة واجبة، قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٤٢) متعقبًا عليه: "بأنه ورد لرفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، قال البخاريّ في جزء القراءة: هو نظير قوله: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا". انتهى.
يعني أن سورة الفاتحة أدنى ما تجزي به الصّلاة كما تصح أيضًا في حال زيادة القراءة على الفاتحة في حين أن سفيان اختلف عليه أيضًا فرواه البخاريّ ومسلم وغيرهما من طريقه بدون هذه الزيادة. فظهر منه أن بعض الرواة أخطأوا فجعلوا حديث معمر في حديث ابن عيينة، ولذا تُعتبر هذه الزيادة في حديث ابن عيينة شاذة.
قال ابن حبان: "تفرد بها معمر عن الزّهريّ، وأعله البخاريّ في جزء القراءة" التلخيص (١/ ٢٣١).
ورواه الدَّارقطنيّ (١/ ٣٢١) من طريق زياد بن أيوب، نا سفيان به بلفظ: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرّجل فيها فاتحة الكتاب". ومن طريقه رواه البيهقيّ في "القراءة خلف الإمام" (٢٠). قال الدَّارقطنيّ: "إسناده صحيح".
قلت: وهو كما قال، فإن زياد بن أيوب البغداديّ، أبو هاشم الطوسي الأصل "ثقة حافظ" لقَّبه الإمام أحمد - شعبة الصغير - كذا في التقريب.
• عن عبادة بن الصَّامت قال: كنَّا خلف رسول الله في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلتْ عليه القراءةُ فلمّا فرغ قال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم" قلنا: نعم هذًّا يا رسول الله! قال: "لا تفعلوا إِلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن
стр. 1270
لم يقرأ بها".
حسن: رواه أبو داود (٨٢٣)، والتِّرمذيّ (٣١١) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصَّامت فذكره. قال الترمذيّ: "حسن".
قلت: وفي الإسناد محمد بن إسحاق وهو مدلِّس وقد عنعن، ولكن رواه الدَّارقطنيّ (١/ ٣١٩) ومن طريقه البيهقيّ (٢/ ١٦٤) عن ابن صاعد، ثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عميّ، ثنا أبيّ، عن ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي مكحول بهذا وقال فيه: فقال: "إني لأراكم تقرون خلف إمامكم إذا جهر" قلنا: أجل والله يا رسول الله! هذًّا. قال: "فلا تفعلوا إِلَّا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
نقل البيهقيّ عن الدَّارقطنيّ أنه قال: هذا إسناد حسن.
قلت: وهو كذلك، ولكن قول الدَّارقطنيّ ليس في هذا الموضع، وإنما قال ذلك بعد أن روي الحديث عن ابن إسحاق بالعنعنة مثل أبي داود والتِّرمذيّ.
وممن صرَّح بتصحيحه ابن خزيمة في صحيحه (١٥٨١)، وابن حبان (١٧٨٥)، قال البيهقيّ في "القراءة خلف الإمام" (١١٤) بعد أن روى هذا الحديث من طريق الدَّارقطنيّ: "وهذا إسناد صحيح؛ ذكر فيه سماع محمد بن إسحاق من مكحول، وأخرج محمد بن إسماعيل البخاريّ ﵀ هذا الحديث في كتاب "وجوب القراءة خلف الإمام" عن أحمد بن خالد الوهبيّ، عن محمد بن إسحاق واحتج به، وقال: رأيت عليّ بن عبد الله المديني يحتج بحديث ابن إسحاق، قال: وقال عليّ، عن ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يتهم ابن إسحاق، ثمّ أورد كلام من وثَّق ابن إسحاق من الأئمة.
قلت: ابن إسحاق لم ينفرد به، بل تابعه زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاريّ، قال نافع: أبطأ عبادةُ بن الصَّامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذّنُ الصّلاة، فصلَّى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتَّى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادةُ يقرأ أم القرآن، فلمّا انصرف قلت لعبادة: سمعتُ تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا رسولُ الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبستْ عليه القراءةُ، فلمّا انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: "هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة"؟ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك قال: "فلا، وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن، فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إِلَّا بأم القرآن".
رواه أبو داود (٨٢٤) ثنا الربيع بن سليمان الأزديّ، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الهيثم بن حُميد، أخبرني زيد بن واقد، فذكر الحديث.
ورواه النسائيّ في "الكبرى" (٩٩٤) و"الصغري" (٩٢٠) عن هشام بن عمار، عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، عن نافع بن محمود بن الربيع، (وتحرف فيهما إلى ربيعة) عن عبادة بن الصَّامت قال: صلى بنا رسولُ الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فقال:
стр. 1271
لا يقرأنَّ أحد منكم إذا جهرتُ بالقراءة إِلَّا بأم القرآن".
ونافع بن محمود "مستور" كما قال الحافظ في التقريب، إِلَّا أن بعض أهل العلم يقبلون مثله في المتابعات وأمّا الذّهبيّ قال في "الكاشف" "ثقة"، وقال الدَّارقطنيّ: بعد أن رواه من طريق زيد بن واقد: كلّهم ثقاته (١/ ٣١٩)، وقال البيهقيّ في كتابه القراءة": "إسناده صحيح" وذكره ابن حبان في الثّقات، وسكت عليه أبو داود والمنذريّ، فلعل الحافظ ابن حجر اغتر بقول ابن عبد البر فإنه قال فيه: "مجهول" أما هو فتقل حكم الدَّارقطنيّ بأنه حديث حسن، وذهب إلى أن مكحولًا يروي عن نافع وأبيه محمود، كلاهما عن عبادة بن الصَّامت حديثين، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصي.
وقال الدَّارقطنيّ: مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع، ومن ابنه نافع بن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعاه من عبادة بن الصَّامت".
ورواه البخاريّ في "جزء القراءة خلف الإمام" (٧١) من طريق زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن أبي ريعة الأنصاريّ، عن عبادة بن الصَّامت فذكر قصة أبي نعيم - وفيه: "لا يقرأن أحدكم إذا جهر بالقراءة إِلَّا بأم القرآن".
ومكحول هو: الدمشقي وُصف بأنه مدلِّس، وقيل: إنه اضطرب في رواية هذا الحديث، ولكن مجيئه من طريق آخر مع وجود شاهد له من حديث أنس (سيأتي) يدل على أنه لم يدلس ولم يضطرب، ولذا صحَّحه كثير من أهل العلم منهم الدارقطنيّ، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقيّ، وغيرهم، ونقل النوويّ في "الخلاصة" (١١٦٣) حكم الترمذيّ والدارقطني والخطيب والبيهقي وأقره.
وأمّا من وقفه، وأرسله فلا يضعف من رفعه ووصله.
قال البيهقيّ: إن من شأن أهل العلم أن يروي الحديث مرة فيوصله، ويرويه أخرى فيُرسله حتَّى إذا سئل عن إسناده فحينئذ بذكره، ويكون الحديث عنده مسندًا وموقوفًا، فيذكره مرة مسندًا ومرة موقوفًا، والحجة قائمة بموصوله وموقوفه، وفي وصل من وصله دلالة على صحة مخرج حديث من أرسله، وإرسال من أرسله شاهد لصحة حديث من وصله، وفي كل ذلك دلالة على انتشار هذا الحديث عن عبادة بن الصَّامت عن النَّبِيّ ﷺ مسندًا، ثمّ من فتواه به موقوفًا، وإنما تعجب من تعجب من قراءته خلف الإمام فيما يجهر الإمام فيه بالقراءة لذهاب من ذهب إلى ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر الإمام فيه بالقراءة حين قال النَّبِيّ ﷺ : "ما لي أنازع القرآن، ولم يسمع استثناء النَّبِيّ ﷺ قراءة فاتحة الكتاب سرًّا، وقوله ﷺ "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، وسمعه عبادة بن الصَّامت وأتقنه وأدَّاه، وأظهر فوجب الرجوع إليه في ذلك". انتهى.
ثمّ رواه من أبي الطيب محمد بن أحمد الذهليّ، ثنا محمد بن سليمان بن فارس، حَدَّثَنِي أبو
стр. 1272
إبراهيم محمد بن يحيى الصفار، - وكان جارنا - ثنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزّهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام".
قال أبو الطيب: قلت لمحمد بن سليمان: خلف الإمام؟ قال: خلف الإمام، وهذا إسناده صحيح، والزيادة التي فيه كالزيادة التي في مكحول وغيره، فهي عن عبادة بن الصَّامت صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة، وعبادة بن الصَّامت ﷺ من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ وفقهائهم" انتهى. (١٣٥).
وقوله: "هذًّا" بتشديد الذال، وتنوينها، أي يهذُّ هذًا. والهذُّ شدةُ الإسراع.
• عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تام".
قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحيانًا أكون وراءَ الإمام، قال: فغمز ذراعي ثمّ قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسيُّ! فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالي: قَسمتُ الصّلاة بيني وبين عَبدي نِصفين، فنصفُها ليّ، ونصفُها لعبديّ، ولعبدي ما سأل".
قال رسول الله ﷺ : "اقرؤا، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله ﵎: حَمِدني عبديّ، ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله: أثنى عليّ عبديّ، ويقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول الله: مجَّدني عبديّ، يقول العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل".
صحيح: رواه مالك في الصّلاة (٣٩) عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره.
ورواه مسلم في الصّلاة (٣٩٥) من طريق مالك ولم يسق لفظه، ورواه من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثله.
قال سفيان: حَدَّثَنِي به العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، دخلت عليه وهو مريض في بيته فسألته أنا عنه. ورواه مسلم أيضًا من حديث ابن جريج، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا السائب مولى بني عبد الله بن هشام بن زهرة، أخبره أنه سمع أبا هريرة مثل حديث سفيان.
ويقول: وفي حديثهما: (أي حديث مالك وابن جريج): "قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصّلاة بيني
стр. 1273
وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونِصْفُها لعبدي".
وقوله: "خِداج": أي نقص، وتقديره: فهي ذات خِداج، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، أو فهي مُخدجَةٌ، فوضع المصدر موضع المفعول، كذا في جامع الأصول.
• عن أبي هريرة مرفوعًا "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
صحيح: رواه ابن خزيمة (٤٩٠) وعنه ابن حبان (١٧٨٩) عن محمد بن يحيى الذهلي قال: حَدَّثَنَا وهب بن جرير، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قال أبو حاتم (ابن حبان): لم يقل في خبر العلاء هذا "لا تجزئ صلاة" إِلَّا شعبة، ولا عنه إِلَّا وهب بن جرير ومحمد بن كثير. انتهى.
وإسناده صحيح. ووهب بن جرير ثقة حافظ، وتابعه محمد بن كثير.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة فقال: "هل قرأ مَعِي منكم أحد آنفًا" فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله! قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "إنِّي أقول: ما لي أُنازع القرآن".
فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسولُ الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
حسن: أخرجه مالك في الصّلاة (٤٤) عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثيّ، عن أبي هريرة فذكر الحديث، وعن مالك رواه أبو داود (٨٢٦)، والتِّرمذيّ (٣١٢)، والنسائي (٩١٩). قال الترمذيّ: حسن.
قلت: وهو كذلك - وأكيمة - بالتصغير هو "عمارة" وقيل: اعمرو"وثَّقه يحيى بن سعيد وابن حبان، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث مقبول".
ورواه ابن ماجة من وجهين: سفيان بن عيينة (٨٤٨) ومعمر (٨٤٩) كلاهما عن الزهري به، إِلَّا أن سفيان لم يذكر "فانتهى الناس عن القراءة ... ".
ورواه أبو داود (٨٢٧) من طريق سفيان، عن الزهري قال: سمعتُ ابن أكيمة يحدثُ سعيدَ بن المسيب قال: سمعت أبا هريرة يقول: وفيه "نظن أنها الصبح".
واختلف الرواة على الزهري في قوله: "فانتهى الناس" هل هو من كلام أبي هريرة أو من كلام الزهري. فقال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: "فانتهى الناس".
ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون معه فيما يجهر به ﷺ .
стр. 1274
قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري.
وقد رجّح البخاريّ أن يكون ذلك من كلام الزهري كما قال أبو داود، وهو الذي رجَّحه أيضًا البيهقيّ في "معرفة السنن" و"السنن الكبري" (٢/ ١٥٧، ١٥٩) لأن أبا هريرة نفسه كان يُفتي بقراءة الفاتحة في نفسه خلف الإمام سواء جهر فيها الإمام أو أخفى.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّرُوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا".
حسن: رواه أبو داود (٦٠٤) مختصرًا، والنسائي (٩٢١)، وابن ماجة (٨٤٦) واللّفظ له، كلّهم من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
قال أبو داود: وهذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، والوهم عندي من أبي خالد. انتهى. انظر للمزيد: "القراءة خلف الإمام للبيهقي" (ص ١٣٣، ١٣٤).
قلت: اختلف أهل العلم في هذه الزيادة، فذهب كبار أئمة الحديث مثل البخاريّ وأبي داود وأبي حاتم وابن معين وابن خزيمة وغيرهم إلى أنها لا تصح، ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان". وممن صحَّح هذه الزيادة الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
فقد قيل له: "أصحيح هو؟ قال: نعم، قيل: لم لم تضعه هنا؟ فقال: ليس كلُّ شيء عندي صحيح وضعتُه هنا، إنّما وضعتُ هنا ما أجمعوا عليه" صحيح مسلم ٣٠٤: ٦٣).
وأمّا قول أبي داود: الوهم عندي من أبي خالد فرد عليه المنذري وغيره بأن أبا خالد - وهو سلمان بن حيان ثقة، احتج به الشيخان، كما أنه لم ينفرد بها، بل تابعه محمد بن سعد الأنصاري وهو ثقة عند النسائيّ (٩٢٣).
قال النسائيّ: كان المخرمي يقول: هو ثقة، يعني محمد بن سعد الأنصاري.
وعلى فرض ثبوته لابد أن نفسر الحديث حتَّى لا يتعارض بعضه ببعض، فقوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" أي استمعوا إلى قراءته، ولا تقرأوا إذا قرأ، فإذا سكت فاقرؤا، لأنه ثبت أن النَّبِيّ ﷺ كان يسكت سكتين، مكتة بعد التكبير، وسكتة بعد قراءة سورة الفاتحة.
واستحبه صاحب المغنيّ، ونقل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب. المغني (١/ ٢٦٦).
قلت: وهذا من أحسن أوجه التوفيق، جمعًا بين الأحاديث الصحيحة في قراءة سورة الفاتحة.
стр. 1275
• عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "لعلكم تقرؤن والإمام يقرأ؟ " مرتين أو ثلاثًا. فقالوا: يا رسول الله! إنا لنفعل. قال: "فلا تفعلوا إِلَّا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب".
إسناده جيد: رواه عبد الرزّاق (٢٧٦٦) وعنه الإمام أحمد (١٨٠٧٠)، والبخاري في "جزء القراءة" (٧٣)، والبيهقي في سننه (٢/ ١٦٦) كلّهم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ .
قلت: إسناده حسن، ومحمد بن أبي عائشة، قيل: اسم أبيه عبد الرحمن، وثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وله في صحيح مسلم حديث واحد.
وحسَّنه الحافظ في تلخيصه، وقال البوصيري في "الإتحاف" (٢/ ٣٤٢): "هذا إسناد جيد" بعد أن رواه من طريق مسدد، ثنا يزيد بن زريع، ثنا خالد الحذاء به مثله وزاد في آخره: "إِلَّا أن يقرأ أحدكم بأم الكتاب في نفسه" وعزا قوله: إسناد جيد، إلى البيهقيّ (٢/ ١٦٦) فإنه قال: "هذا إسناد جيد، وقد قيل: عن أبي قلابة، عن أنس. وليس بمحفوظ".
وهو ما رُوي عن أنس بن مالك أنَّ النَّبِيّ ﷺ صلَّى بأصحابه، فلمّا قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: "أتقرؤون في صلاتكم خلف الإمام، والإمام يقرأ؟ ! ، فسكتوا. فقالها ثلاث مرات. فقال قائل، أو قائلون: إنا لفعل. قال: "فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
رواه أبو يعلى (٢٨٠٥)، والطَّبرانيّ في الأوسط (٢٧٠١)، والدارقطني (١/ ٣٤٠)، وابن حبان (١٨٤٤) كلّهم من حديث عبيد الله بن عمرو الرّقيّ، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره.
وراه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١٨٥٢) بهذا الإسناد وقال: "سمع هذا الخبر أبو قلابة عن محمد بن أبي عائشة، عن بعض أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، وسمعه من أنس بن مالك، فالطريقان محفوظان". انتهى.
ولكن قال أبو حاتم: وَهِم فيه عبيد الله بن عمرو: والحديث ما رواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ عن النَّبِيّ ﷺ ، العلل (١/ ١٧٥).
وكذلك قال البخاريّ في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧) بعد أن أورده من طريق عبيد الله بن عمرو. وسبق قول البيهقيّ بأنه ليس بمحفوظ.
• عن رِفاعة بن رافع، أن رجلًا دخل المسجد فذكر قصته، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "إذا قمت فتوجّهت إلى القبلة فكبِّر. ثمّ اقرأ بأمِّ القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ ... ".
حسن: رواه أبو داود (٨٥٩) عن وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، عن عليّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في محمد بن عمرو غير أنه حسن الحديث.
стр. 1276
• عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قال: صلّى رجل، والنبيّ ﷺ ينظر إليه. فلمّا قضى صلاته، قال: "ارجع فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ" ثلاثًا. فقام الرّجل، فلمّا قضى صلاته. قال النَّبِيُّ ﷺ : "ارجع فصلِّ" ثلاثًا. قال: فحلف له: كيف؟ اجتهدت كذا. فقال له: ابدأ فكبِّر، ونحمد الله وتقرأ بأم القرآن، ثمّ تركع ... " فذكر الحديث.
صحيح: رواه البخاريّ في "جزء القراءة" (١٠٠) عن يحيى بن بكير، قال: ثنا عبد الله بن سويد، عن عَيَّاش بن بكير بن عبد الله، عن عليّ بن يحيى، عن أبي السائب، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، فذكره.
وإسناده صحيح، ويحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري وقد ينسب إلى جده.
وحديث مسيء الصّلاة أصله في الصحيحين عن أبي هريرة، ولكن بلفظ: "إذا قمت إلى الصّلاة، فكبِّر، ثمّ اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثمّ اركع ... " فلم يذكر سورة الفاتحة.
وقد قال بعض أهل العلم: قوله: "ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن" أي بعد الفاتحة. فكأن الراوي اختصر الحديث، ولم يذكر الفاتحة لشهرتها. وإن كان جاء ذكرها في حديث أبي هريرة عند البيهقيّ (٢/ ٣٧٣). ولكن من طريق عبد الله بن عمر العمريّ، وهو ضعيف من جهة حفظه، فخالف الثّقات وهم لا يذكرونها.
• عن أبي موسى قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ فبيَّن لنا سنَّتنا، وعلَّمنا صلاتَنا وقال فيما قال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثمّ ليؤمكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، يجبكم الله ... " فذكر الحديث بطوله.
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٠٤) من طرق عن أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشيّ، قال: "صليتُ مع أبي موسى الأشعريّ صلاة ... " فذكر القصة والحديث بطوله.
ثمّ أتبعه رواية سعيد بن أبي عروبة وهشام الاستوائي قال: وثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن سليمان التيمي. كل هؤلاء عن قتادة في هذا الإسناد بمثله.
ثمّ قال: "وفي حديث جرير، عن سليمان، عن قتادة من الزيادة: "وإذا قرأ فأنْصِتِوا" وقال: وليس في حديث أحد منهم" انتهى.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج، فهي خِداج".
حسن: رواه ابن ماجة (٨٤١) عن الوليد بن عمرو بن السُّكَين، حَدَّثَنَا يوسف بن يعقوب
стр. 1277
السَّلُعِيُّ، حَدَّثَنَا حسين المعلِّمُ، عن عمرو بن شعيب فذكره.
ورواه أيضًا الإمام البخاريّ في "جزء القراءة خلف الإمام" (١٥) عن هلال بن بشر، ثنا يوسف بن يعقوب به مثله. وإسناده حسن لأجل عمرو بن شعيب.
ورواه الإمام أحمد (٦٩٠٣) عن نصر بن باب، عن حجَّاج، عن عمرو به، وكرَّره ثلاث مرات يعني: فهي خِداج، ثمّ هي خِداج، ثمّ هي خِداج".
والحجاج هو: ابن أرطاة وهو "صدوق كثير الخطأ والتدليس".
ونصر بن باب تكلم الناس فيه بكلام شديد، ولكن كان الإمام أحمد حسنَ الرأي فيه فقال: ما كان به بأس، ولما قال له عبد الله: سمعتُ أبا خيثمة يعني وهيب بن حرب يقول: نصر بن باب كذاب، فقال الإمام: إني أستغفر الله، كذاب؟ إنّما عابوا عليه أنه حدَّث عن إبراهيم الصائغ، وإبراهيم من أهل بلده لا ينكر أن يكون سمع منه. انظر: "التعجيل" (١١٠٢).
قلت: إنه لم يرو شيئًا منكرًا، كما أنه توبع على روايته، عند ابن ماجة، وله متابعات أخرى عند الإمام أحمد (٧٠١٦)، فرواه عن عبد القدوس بن بكر بن خُنيس أبي الجهم، نا الحجاج، عن عمرو بن شعيب فذكر مثله.
ومن متابعاته أيضًا ما رواه الإمام البخاريّ في "جزء القراءة" (١١) عن موسى بن إسماعيل قال: حَدَّثَنَا أبان بن يزيد، قال: حَدَّثَنَا عامر الأحول، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النَّبِيّ ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي مخدجة، مخدجة، مخدجة".
• عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خِداج".
حسن: رواه ابن ماجة (٨٤٠) قال: حَدَّثَنَا الفضل بن يعقوب الجزريّ، قال: حَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن عائشة فذكر الحديث.
في الإسناد محمد بن إسحاق وهو مدلِّس، وقد عنعن، ولكن رواه الإمام أحمد (٢٦٣٥٦) عن يعقوب (وهو: ابن إبراهيم بن سعد الزهري) قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن ابن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير به مثله، ومن هنا انتفتْ تهمةُ التدليس.
وأمّا ما رُوي عن جماعة من الصّحابة "من كان له إمام فقراءته قراءة له" فكلها ضعيفة، ضعَّفه النوويّ في "الخلاصة" (١١٧٣)، قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصَّحابة كلها معلولة" وأخرجها الدَّارقطنيّ (١/ ٣٢٣)، والبيهقي (٢/ ١٥٩) وبيَّنا عِلَلَها. وأوردها الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٧ - ١٠) ونقل عن هؤلاء وغيرهم عللها.
стр. 1278
١٦ - باب ما زاد على سورة الفاتحة فهو حسن
• عن أبي هريرة قال: في كل صلاة يُقْرأُ، فما أسمعنا رسولُ الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنَّا أَخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأتْ، وإن زدتَ فهو خير".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٧٧٢)، ومسلم في الصّلاة (٣٩٦: ٤٢) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة يقول فذكر مثله.
زاد في مسلم: فقال له رجل: إن لم أزِد على أم القرآن؟ ! فقال: إن زدتَ عليها فهو خير، وإن انتهيت إليها أجزأتْ عنك.
هذه الزيادة تُشْعر بالوقف، ولكن رواه مسلم من حديث أبي أسامة، عن حبيب بن الشهيد قال: سمعتُ عطاءً يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة إِلَّا بقراءة" قال أبو هريرة: فما أَعَلَنَ رسولُ الله ﷺ أعلنَّاه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم، فهذا يُشعر بأن جميع ما قاله أبو هريرة حكمه حكم الرفع.
والمقصود بالقراءة هنا قراءة الفاتحة التي لا تصح الصّلاة إِلَّا بها، وأمّا ما زاد عليها فهو مستحب، هذا الذي يدل عليه الأحاديث الصحيحة، وعليه جمهور أهل العلم: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
• عن أبي هريرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : اخرج فنادِ، أنه لا صلاة إِلَّا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد".
وفي لفظ: "لا صلاة إِلَّا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد".
والبعض لم يذكر لفظ: "فما زاد".
حسن: رواه أبو داود (٨١٩، ٨٢٠)، وأحمد (٩٥٢٩)، والدارقطني (١٢٢٤)، وابن حبان (١٧٩١)، والحاكم (١/ ٢٣٩)، والبيهقي (٢/ ٣٧، ٥٩، ٣٧٥)، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام (٧) كلّهم من طرق عن جعفر بن ميمون، قال: حَدَّثَنَا أبو عثمان النهديّ، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح لا غبار عليه، فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى بن سعيد لا يحدث إِلَّا عن الثّقات".
وقال الذّهبيّ: الصَّحيح لا غبار عليه، وجعفر ثقة".
قلت: ليس كما قالا، فإنَّ جعفر بن ميمون وهو أبو عليّ بياع الأنماط مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين وأحمد والنسائي.
وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثّقات" وأخرج له في "صحيحه"، وقال
стр. 1279
الدَّارقطنيّ: يعتبر به، وقال ابن عدي: لم أر أحاديثه منكرة، وأرجو أنه لا بأس به. فمثله إذا تُوبع يحسن وإلَّا فلا.
فوجدنا أن البيهقيّ رواه أيضًا في القراءة (٤٦) من طريق منصور بن سعد، عن عبد الكريم بن رُشيد، عن أبي عثمان النهديّ، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمره، فنادى في طرق المدينة: أن "لا صلاة إِلَّا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب" ومن هذا الطريق رواه أيضًا الطبرانيّ في الأوسط كما في نصب الراية (١/ ٣٦٧) ولكن في طريقه الحجاج بن أرطاة وهو مدلِّس إِلَّا أنه توبع أيضًا.
وعبد الكريم بن رُشيد أو ابن راشد وثَّقه ابن معين.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. وفي "التقريب": "صدوق". وهي متابعة قوية لجعفر بن ميمون.
وبهذين الطريقين يصح هذا الحديث أو يُحسّن.
• عن أبي سعيد قال: "أُمِرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر".
صحيح: رواه أبو داود (٨١٨)، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد الطّيالسيّ، حَدَّثَنَا همّام، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٤٣): "وسنده قوي". وقال في "التلخيص": إسناده صحيح".
وهمّام هو: ابن يحيى العَوَذيّ ثقة، وثَّقه ابن سعد والعجليّ والحاكم، وقال أبو زرعة: "لا بأس به".
من رجال الجماعة.
وأبو نضرة هو: المنذر بن مالك بن قُطَعة - بضم القاف، وفتح المهملة - العَوَقيّ - بفتح المهملة، والواو، ثمّ قاف - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة، وثَّقه ابن معين وأبو زرعة وأحمد والنسائي وغيرهم.
وصحّحه ابن حبان، فأخرجه في صحيحه (١٧٩٠) من طريق عبد الصّمد، ثنا همّام به، مثله.
وعن عبد الصمد أخرجه الإمام أحمد (١٠٩٩٨).
جعل بعض المحدثين هذا الحديث شبيهًا بقوله ﷺ للمسيء صلاته: "فاقرأ ما تيسّر من القرآن". أي بعد الفاتحة، جمعًا بين الروايات؛ لأنَّ ضم السورة مع الفاتحة ليس بواجب في قول الجمهور، بل هو مستحب. وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
وأمّا ما رواه الترمذيّ (٢٣٨)، وابن ماجة (٨٣٩) كلاهما من طريق أبي سفيان طريف السّعديّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة - الحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها" واللّفظ لابن ماجة. فهو ضعيف، وإن كان الترمذيّ حسَّنه، فلعلَّه لما ذكره من لفظ الحديث: "مفتاح الصّلاة الطّهور، وتحريمها التّكبير، وتحليلها التسليم". ثمّ ذكره كما ذكره ابن ماجة، وسبق ذكره في كتاب الطهارة (٢٧٦) إِلَّا أنَّ الترمذيّ لم يذكر في هذا الموضع قراءة الحمد لله وسورة من القرآن.
стр. 1280
فلعلّ هذا مما اضطرب فيه أبو سفيان طريف السّعدي لأنه ضعيف، ضعّفه أبو حاتم وابن معين. وقال النسائي: "متروك".
ثم وقفت على كلام البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٣٥٧) في ترجمة طريف بن شهاب أبي سفيان أنه أعل حديث أبي سعيد بعد أن ذكره معلقًا فقال: "وقال ابن فضيل، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أمرنا النبي ﷺ أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر"، بحديث آخر لأبي سعيد وهو ما رواه عن مسدد نا يحيى، عن العوام بن حمزة، نا أبو نضرة، سألت أبا سعيد، عن القراءة خلف الإمام، قال: فاتحة الكتاب.
قال البخاري: "وهذا أولى، لأن أبا هريرة وغير واحد ذكروا عن النبي ﷺ : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقال أبو هريرة: إن زدت فهو خير، وإن لم تفعل أجزأك". انتهى.
قلت: النص الأول لم ينفرد به أبو سفيان طريف بن شهاب عن أبي نضرة، بل تابعه قتادة كما رأيت، بخلاف النص الثاني فإنه تفرد به أبو سفيان طريف بن شهاب، معنى النص الأول يختلف عن معنى النص الثاني، إذ النص الأول يوجب قراءة شيء مع الفاتحة، بخلاف النص الثاني، والله تعالى أعلم.
• عن رفاعة بن رافع الزرقي، وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: جاء رجلٌ ورسول الله ﷺ في المسجد، - فذكر الحديث في إساءته للصلاة ثم ذكر توجيه النبي ﷺ له وجاء فيه -: "ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ".
حسن: رواه أبو داود (٨٥٩) قال: حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد - يعني ابن عمرو - عن علي بن يحيى بن خلاد (عن أبيه) عن رفاعة بن رافع فذكره.
والحديث سيأتي بكامله في باب الاعتدال في الركوع والسجود، ورواه الإمام أحمد (١٨٩٩٥) عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو به وفيه: "ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت".
وصحَّحه ابن حبان (١٧٨٧) فرواه من هذا الطريق.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمر وهو ابن علقمة، حسن الحديث.
وتابعه على هذا اللفظ محمد بن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد به، وفيه: "عن أبيه، عن عمه رفاعة".
• عن جابر بن عبد الله قال: كان معاذ يُصَلِّي مع رسول الله ﷺ العشاء، ثم يرجع فيُصَلِّي بأصحابه ثم ذكر قصة معاذ، قال: قال النبي ﷺ للفتي: "وكيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ " قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنةَ معاذ، فقال رسول الله ﷺ : "إني ومعاذٌ حول هاتين"
стр. 1281
أو نحو هذا.
حسن: رواه أبو داود (٧٩٣) عن يحيى بن حبيب، ثنا خالد بن الحارث، ثنا محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر فذكر نحوه، وعن أبي داود رواه كل من البغوي في "شرح السنة" (٦٠١)، والبيهقي (٣/ ١١٦ - ١١٧).
وصحَّحه ابن خزيمة فرواه في صحيحه (١٦٣٤) عن يحيى بن حبيب الحارثي به مطولًا، ورواه الإمام أحمد (١٤٢٤١) عن يحيى (وهو ابن سعيد) عن ابن عجلان به مختصرًا، ولم يذكر موضع الشاهد كما ذكره أبو داود.
وإسناده حسن لأجل محمد بن عجلان فإنه "صدوق" كما قال الحافظ مع أن كبار أئمة الحديث وثَّقوه منهم أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والعجلي وغيرهم، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة كما أنه كان يضطرب في حديث نافع، وهنا سلم من هذه العلل.
وأما أصل القصة فهي ثابتة في الصحيحين، وسوف تأتي في جموع أبواب الإمامة. والبيهقي رحمه الله تعالى لم يخرج حديث جابر هذا في "باب الاقتصار على فاتحة الكتاب"، وإنما أخرج فيه حديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب".
أخرجه في السنن الكبري (٢/ ٦١)، وأحمد (٢٥٥٠)، وأبو يعلى (٢٥٦١) وابن خزيمة (٥١٣) كلهم من طريق حنظلة السدوسي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكر الحديث، إلا ابن أبي يعلى فإنه رواه من طريق حنظلة عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس فذكره. وإسناده ضعيف، لأن حنظلة السدوسي هو: ابن عبد الله، ضعيف.
قال ابن التركماني، "قال البيهقي في باب "معانقة الرجل الرجل" كان قد اختلط، تركهـ يحيى القطان لاختلاطه، وضعَّفه أحمد وقال: منكر الحديث يحدث بأعاجيب، وقال ابن معين: ليس بشيء تغير في آخر عمره". انتهى.
وكان حديث جابر أحق من أن يخرج في هذا الباب من حديث ابن عباس.
وحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين وغيرهما: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" يفهم منه أن من قرأ فاتحة الكتاب صحت صلاته، والأخذ بمفهوم المخالفة فيه خلاف معروف بين أهل العلم.
١٧ - باب لا يجهر المأموم بالقراءة خلف الإمام
• عن عمران بن حصين قال: صَلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر - أو العصر فقال: "أيكم قرأ خلفي بسبِّح اسم ربك الأعلى" فقال رجل: أنا، ولم أرد بها إلا الخير، قال: "قد علمت أن بعضكم خالجنيها".
стр. 1282
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٣٩٨) عن سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن أبي عوانة، قال سعيد: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين فذكره.
ورواه أبو داود (٨٢٨) من طريق شعبة عن قتادة، وقال له: كأنه كرهه. قال قتادة: لو كرهه نهى عنه.
وقوله: "خالجنيها" أي: جاذبنيها، والخلج: الجذب. وهذا وقوله: "نازعنيها" سواء. وإنما أنكر عليه محاذاته في قراءة السورة حتى تداخلت القراءتان وتجاذبنا، كذا قال الخطابي.
وقال النووي في "شرح مسلم": "والإنكار عليه في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة". انتهى.
وعليه يحمل قول زيد بن ثابت: لا أقرأ مع الإمام في شيء، وفي رواية: لا قراءة مع الإمام في شيء - أي الجهر بالقراءة مع الإمام.
وما جاء في بعض الروايات: فنهي عن القراءة خلف الإمام فهو منكر، تفرد به الحجاج بن أرطاة عن قتادة ولم يوافق عليه من أصحابه أحد.
• عن عبد الله بن مسعود قال: كان الناس يجهرون بالقرآن خلف رسول الله ﷺ فقال لهم رسول الله ﷺ : "خلطتم عليَّ القرآن".
حسن: رواه أحمد (٤٣٠٩) وأبو يعلي - المقصد العلي (٢٦٩)، والبزار - كشف الأستار (٤٨٨) والبخاري في جزء القراءة (ص ١٢٦) كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، واللفظ لأبي يعلى، ولفظ البخاري مثله.
وإسناده حسن لأجل يونس بن أبي إسحاق فإنه مختلف فيه فقال الإمام أحمد: حديثه مضطرب، ووثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا إلا أنه لا يحتج بحديثه، وقال النسائي: ليس به بأس.
والخلاصة كما قال الحافظ في التقريب: "صدوق يهم قليلًا".
قلت: وهو كما قال، إلا أنه لم يهم في هذا الحديث، لأنه موافق لما رواه الثقات من جهر الناس بالقراءة خلف رسول الله ﷺ فإنه لم يخلط عليه إلا بالجهر، فمنعوا من ذلك، وأجيز لهم أن يقرؤا في أنفسهم، وبه بوّبه الإمام البخاري في "جزء القراءة" قائلًا: باب لا يجهر خلف الإمام بالقراءة.
١٨ - باب ما جاء في الجهر بآمين للإمام والمأموم فيما يجهر فيه بالقراءة، وإخفاؤها فيما يخفي فيه
• وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنه من وافق قولُه قول الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه".
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٤٥) عن سُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن
стр. 1283
أبي هريرة فذكر الحديث. وعن مالك رواه البخاري في الأذان (٧٨٢) وفي التفسير (٤٤٧٥).
قال البخاري: "تابعه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ونُعيم المجمر، عن أبي هريرة".
قلت: حديث أبي سلمة رواه مالك، ومن طريقه البخاري في الأذان (٧٨٠) ومسلم في الصلاة عن مالك (٤١٠) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: "آمين".
ورواه مالك أيضًا عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه"
رواه البخاري في الأذان (٧٨١) من طريق مالك، ومسلم من حديث المغيرة، عن أبي الزناد، به مثله.
وحديث نعيم المجمِّر عن أبي هريرة قال: صلَّى بنا أبو هريرة حتى بلغ "ولا الضالين"، قال: "آمين" فقال الناس: "آمين" ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ " رواه النسائي (٢/ ١٣٤).
قال ابن خزيمة في قول النبي ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا" ما بان وثبت أن الإمام يجهر بآمين، إذ معلوم عند من يفهم العلم أن النبي ﷺ لا يأمر المأموم أن يقول: "أمين" عند تأمين الإمام، إلا والمأموم يعلم أن الإمام يقوله: ولو كان الإمام يسر "آمين" لا يجهر به، لم يعلم المأموم أن إمامه قال "آمين" أو لم يقله، ومحال أن يقال للرجل: إذا قال فلان كذا فقل مثل مقالته، وأنت لا تسمع مقالته، هذا عين المحال، وما يتوهمه عالم أن النبي ﷺ يأمر المأموم أن يقول: "آمين" إذا قاله إمامه، وهو لا يسمع تأمين إمامه". (٢/ ٢٨٦).
• عن أبي هريرة، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا فرغ من قراءة أمّ القرآن، رفع صوته وقال: "آمين".
حسن: رواه الدارقطني (١٢٧٤)، وابن حبان (١٨٠٦)، والحاكم (١/ ٢٢٣)، والبيهقي (٢/ ٥٨) كلهم من طريق إسحاق بن إبراهيم الزبيدي، حدّثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، أخبرني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الدارقطني: "هذا إسناد حسن". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: فيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي مختلف فيه. قال أبو حاتم: "شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه".
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ١٦٣) وأخرج عنه في "صحيحه" وحسّن حديثه الدارقطني وصحّحه الحاكم.
стр. 1284
وللحديث إسناد آخر وهو ما رواه أبو داود (٩٣٤)، وابن ماجه (٨٥٣) كلاهما من طريق صفوان بن عيسى، قال: حدثنا بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: ترك الناس التأمين. وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج بها المسجد، ولكن فيه بشر بن رافع الحارثي ضعيف الحديث. وأبو عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، مجهول.
ورواه الدارقطني (١٢٧٢، ١٢٧٣) من طريق بحر السقاء، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وعن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" يرفع بها صوته.
قال الدارقطني: بحر السقاء ضعيف. ويحسن الحديث بمجموع هذين الإسنادين.
• عن أبي موسى الأشعريّ، قال: إنّ رسول الله ﷺ خطبنا فبيَّن لنا سنّتنا، وعلّمنا صلاتنا، فقال: "إذا صليتُم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمّكم أحدكم فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، يجبكم الله .... ".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٠٤) من طرق عن أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطّان بن عبد الله الرقاشي، قال: "صليتُ مع أبي موسى الأشعريّ صلاة ... " فذكر الحديث بطوله.
• عن وائل بن حُجْر قال: سمعتُ النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمين" ومدَّ بها صوته.
حسن: رواه أبو داود (٩٣٢)، والترمذي (٢٤٨) كلاهما من طريق سفيان، عن سلمة بن كُهيل، عن حُجْر بن عَنْبس، عن وائل بن حُجْر، واللفظ للترمذي، ولفظ أبي داود: "ورفع بها صوته".
ورواه النسائي (٨٧٩) وابن ماجه (٨٥٥) من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال: صلَّيتُ مع النبي ﷺ فلما قال: قال: "آمين" فسمعناها. ورواه أيضًا الدارقطني (١٢٧١) من طريق أبي إسحاق به وفيه: "مدَّ بها صوته" وقال: "هذا إسناد صحيح".
وقال الترمذي: "حسن".
ولكن لم يسمع عبد الجبار بن وائل عن أبيه عند أكثر أهل العلم، وإنما أخذه من أهله.
ثم قال الترمذي: "روي شعبة هذا الحديث عن سلمة بن كُهيل، عن حُجْر أبي العَنْبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه أن النبي قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، وخفض بها صوته".
قال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصحُّ من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبةُ في مواضع من هذا الحديث، فقال: "عن حُجْر أبي العنبس" وإنما هو "حُجْر بن عَنْبس" ويُكَنَّى "أبا السكن" وزاد فيه "عن علقمة بن وائل" وليس فيه عن علقمة، وإنما هو: عن حُجْر بن
стр. 1285
عنْبَس، عن وائل بن حُجْر، وقال: "خفض بها صوته" وإنما هو "ومدَّ بها صوته".
قال الترمذي: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة، قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان" انتهى.
ثم روى الترمذي (٢٤٩) عن أبي بكر بن محمد بن أبان، حدثنا عبد الله بن نُمير، حدثنا العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل، عن حُجْر بن عنْبس، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ نحو حديث سفيان عن سلمة بن كُهيل.
وكذلك قال أيضًا الدارقطني (١/ ٣٣٢) بأن شعبة خالفه في إسناده ومتنه، لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: "ورفع صوته بآمين" وهو الصواب. انتهى.
وقال البيهقي في "السنن الكبري" (٢/ ٥٧) بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان: "رواه
العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل، عن سلمة بن كهيل (أي مثل رواية سفيان) وخالفهم شعبة في إسناده ومتنه، ثم روى من طريق أبي داود الطيالسي (وهو في مسنده (١١١٧) بتحقيق التركي) ثنا شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كُهيل قال: سمعتُ حُجرًا أبا العنبس، قال: سمعتُ علقمة بن وائل، يحدث عن وائل - وقد سمعته من وائل، أنه صَلَّى مع النبي ﷺ فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" خفض بها صوته".
ثم ذكر قول البخاري ثم قال: وقد رواه أبو الوليد الطيالسي، عن شعبة نحو رواية الثوري - ثم أسنده عن الحاكم في "الفوائد الكبير" لأبي العباس في حديث شعبة وفيه: "رافعًا بها صوته".
ثم قال: "وقد روى من وجهين آخرين عن وائل بن حُجر، نحو رواية سفيان".
قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٣٧): "وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له".
ومن الأمور المعروفة عند النقاد أن سفيان وشعبة إذا اختلفا في شيء فالقول قول سفيان، فكيف وقد روى شعبة نفسه موافقًا لرواية سفيان، مع متابعة اثنين له، وبهذا صح الجهرُ بالتأمين.
وفي الباب ما روي عن علي بن أبي طالب عند ابن ماجه، وعن ابن عمر عند الدارقطني، وعن أم الحصين عند الطبراني، وفي كلها ضعف.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن السنة في حق الإمام أن يرفع صوته بآمين، ويتبعه من خلفه وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ .
قال عطاء بن أبي رباح: أدركتُ مائتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد - يعني المسجد الحرام - إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رفعوا أصواتهم بآمين".
أخرجه ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢٦٥) عن عبد الله بن محمد، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا علي بن الحسن، قال: ثنا أبو حمزة السكري، عن مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن عطاء بن أبي رباح، فذكره.
стр. 1286
وذكر الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٢/ ٤٣١): قال الربيع: سئل الشافعي عن الإمام هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها مَنْ خلفه أصواتَهم، فقلت: وما الحجّة؟ قال: أخبرنا مالك، وذكر حديث أبي هريرة المتفق على صحته، ثم قال: ففي قول رسول الله ﷺ : "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا" دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين، لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا أن يسمع تأمينه، ثم بينه ابنُ شهاب فقال: كان رسول الله ﷺ بقول: "آمين". فقلت للشافعي: فإنّا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين. فقال: هذا خلاف ما روي صاحبُنا وصاحبكم عن رسول الله ﷺ ".
وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تسبقني بآمين، وكان يؤذن له، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ومن خلفهم: آمين، حتى إن للمسجد للجّةٌ.
وقوله: كان أبو هريرة يقول للإمام: لا تسبقني بآمين، يريد ما ذكره البيهقي بإسناده عن أبي رافع، أنّ أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم، فاشترط أن لا يسبقه بـ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ حتى يعلم أنه قد وصل الصّف، فكان مروان إذا قال، قال أبو هريرة: آمين، يمدُّ بها صوتَه، وقال: إذا وافق تأمينُ أهل الأرض تأمينَ أهل السماء غُفر لهم" انتهى كلام ابن القيم
وقال الترمذي: "وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين، ولا يخفيها. وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق".
١٩ - باب النهي عن مبادرة الإمام بالتأمين
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يُعلمنا يقول: "لا تُبادروا الإمام، إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم! ربنا لك الحمدُ".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤١٥) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه أيضًا من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه إلا قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين وزاد "ولا ترفعوا قبله".
٢٠ - باب ما جاء في فضل التأمين وحسد اليهود عليه وعلى القبلة
• عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما حسَدَتْكم اليهودُ على شيء ما حسدتْكم على السلام والتأمين".
صحيح: رواه ابن ماجه (٨٥٦) عن إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة فذكرت الحديث.
стр. 1287
قال البوصيري في زوائده: "هذا إسناد صحيح احتج مسلم بجميع رواته".
قلت: والحديث أخرجه ابن خزيمة (٥٧٤، ١٥٨٥) من وجه آخر عن أبي بشر الواسطي، نا خالد بن عبد الله، عن سُهيل بن أبي صالح بإسناده بأطول منه وهذا لفظه: "دخل يهودي على رسول الله ﷺ ، فقال: السام عليك يا محمد! فقال النبيُّ ﷺ : "وعليك". فقالت عائشة: فهممتُ أن أتكلم. فعلمت كراهية النبيّ ﷺ لذلك، فسكت. ثم دخل آخر، فقال: السام عليك! فقال: "وعليك". فهممتُ أن أتكلم، فعلمت كراهية النبي ﷺ لذلك. ثم دخل الثالث، فقال: السام عليك! فلم أصبر حتى قلت: وعليك السام وغضب الله ولعنته! إخوان القردة والخنازير، أتحبّون رسول الله ﷺ بما لم يحيه الله، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يحبُّ الفحش ولا التفحش. قالوا قولا فرددنا عليهم. إن اليهود فوم حُسَّد وهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على السلام وعلى آمين".
وللحديث إسناد آخر وهو ما رواه الإمام أحمد (٢٥٠٢٩) عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة، قالت (فذكرت نحوه).
وفيه زيادة: "وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها".
وعلي بن عاصم هو الواسطي تكلّم فيه ابن المديني فقال: كان كثير الغلط. وقال العقيلي: تعرفه بالكذب. وقال البخاري: ليس بالقوي إلا أنه توبع.
رواه البيهقي في سننه (٢/ ٥٦) من طريق سليمان بن كثير، عن حصين بإسناده نحوه بذكر القبلة. وإسناده لا بأس به. وقد تحرف في بعض المصادر: "عمر بن قيس" وهو الماصر إلى "عمرو بن قيس" وهو الملائي ثقة، والماصر "صدوق".
وفي معناه ما رُويَ عن ابن عباس: "ما حسدتْكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين".
رواه ابن ماجه (٨٥٧) وفي إسناده طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي. أطلق عليه الإمام أحمد والنسائي فقال: "متروك".
وكذلك لا يصح ما روي عن معاذ عند الطبراني في "الأوسط"، وعن أنس عند ابن خزيمة (١٥٨٦) وعن غيرهم من أصحاب النبي ﷺ .
٢١ - باب ما جاء في القراءة في صلاة الصبح
• عن أبي بَرزَةَ الأَسْلَمِي قال: كان رسول الله ﷺ يُؤَخِّر العِشاء إلى ثُلُث اللَّيل، ويكره النوم قَبْلَها، والحديثَ بعدَها، وكان يقرأُ في صلاة الفَجْر من المائة إلى السِتِّين. وكان ينصرف حين يعرفُ بعضُنا وجه بَعْضٍ.
стр. 1288
متفق عليه: رواه مسلم في المساجد (٦٤٧) من طريق حماد بن سلمة، عن سيَّار بن سلامة أبي المنهال، قال سمعت أبا برزة الأسلمي فذكر الحديث. وهو جزء من الحديث الطويل في مواقيت الصلاة، اتفق الشيخان على تخريجه متفرقة، فأخرج البخاري في كتاب الأذان - باب القراءة في الفجر من طريق شعبة قال: حدثنا سيَّار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي بَرْزَة فسألناه عن وقت الصلاة فذكر الحديث وفيه: "وكان يقرأ في الركعتين أو أحدهما ما بين الستين إلى المائة". ومسلم في الصلاة (٤٦١) من طريقين أُخرين عن أبي المنهال.
• عن قُطْبة بن مالك قال: صلَّيتُ، وصلَّى بنا رسولُ الله ﷺ فقرأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [سورة ق: ١] حتى قرأ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [سورة ق: ١٠].
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٧) من طريق أبي عوانة، عن زياد بن عِلاقة، عن قُطْبة بن مالك فذكر الحديث.
ورواه أيضًا ابن عيينة، عن زياد بن علاقة به وفيه: سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [سورة ق: ١٠] وفي حديث شعبة عن زياد: فقرأ في أول ركعة: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ وربما قال: ﴿ق﴾ هذه كلَّها في الركعة الأولى.
• عن عمرو بن حريث أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [سورة التكوير: ١٧].
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٦) من طريق ابن بشر، عن مسعر، قال: حدثني الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث فذكر الحديث.
ورواه أيضًا مسلم في الصلاة (٤٧٥) عن محرز بن عون بن أبي عون، حدثنا خلف بن خليفة الأشجعي أبو أحمد، عن الوليد بن سَريع مولى آل عمرو بن حُريث، عن عمرو بن حُريث قال: صلَّيتُ خلْفَ النبي ﷺ الفجر فسمعته يقرأ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [سورة التكوير: ١٥ - ١٦] وكان لا يَحْني رجلٌ مِنَّا ظهره حتى يَسْتَتِمَّ ساجدًّا.
ورواه أبو داود (٨١٦)، وابن ماجه (٨١٧) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أصبغ مولى عمرو بن حُريث، عن عمرو بن حريث قال: كأني أسمع صوت النبي ﷺ يقرأ في صلاة الغداة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ وفي الإسناد أصبغ وثقه ابن معين، والنسائي، وقال ابن حبان: تغير بآخره حتى كُبِّل بالحديد، لا يجوز الاحتجاج بخبره إلا بعد التخليص، وذكره ابن الجارود والعقيلي في الضعفاء.
قلت: لم يُرو عنه في الكتب عن مولاه غير هذا الحديث، وقد أصاب في رواية هذا الحديث لأنه تابعه الوليد بن سريع، عن مولاه كما سبق عند مسلم، والنسائي (٢/ ١٥٧).
• عن جابر بن سمرة قال: إن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر: ﴿ق وَالْقُرْآنِ
стр. 1289
الْمَجِيدِ (١)﴾ وكانت صلاته بعد تخفيفا.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٨) من طريق زائدة، ثنا سماك، عن جابر فذكر الحديث.
ورواه زهير، عن سماك قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: كان يخفف الصلاة، ولا يُصَلِّي صلاة هؤلاء.
ورواه شعبة عن سماك به وفيه: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [سورة الليل: ١] وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك. وفي رواية: كان يقرأ في الظهر به ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: ١]، وفي الصبح بأطول من ذلك.
• عن جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلُّون اليوم، ولكنه كان يُخفف، كانت صلاتُه أخفَّ من صلاتِكم، وكان يقرأ في الفجر "الواقعة" ونحوَها من السور.
حسن: رواه أحمد (٢٠٩٩٥)، والطبراني (١٩١٤) كلاهما من طريق عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٢٧٢٠) قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع جابر بن سمرة فذكر الحديث. وصحّحه ابن خزيمة (٥٣١)، والحاكم (١/ ٢٤٠) من هذا الوجه.
قلت: وإسناده حسن للكلام في سماك بن حرب غير أنه "صدوق".
• عن رجل من أهل المدينة أنه صلى خلف النبيّ ﷺ قال: فسمعتُه يقرأ في صلاة الفجر: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ و ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٣٩٦) عن يونس، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن رجل من أهل المدينة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقد يكون هذا الرجل من أهل المدينة، هو جابر بن سمرة، كما سبق. وزيادة ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ تحمل على التكرار، مرة كذا، وأخرى كذا. ولا حاجة لتضعيف هذه الزيادة.
• عن عبد الله بن السائب قال: صلَّى لنا النبيُّ ﷺ الصبْحَ بمكة، فاستفتح سورة (المؤمنين) حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى ﵈ أخذتِ النبيَّ ﷺ سَعْلَهٌ فركع، وعبد الله بن السائب حاضر ذلك.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٥) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عبَّاد بن جعفر، يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب، عن عبد الله بن السّائب فذكره.
قال مسلم: وفي حديث عبد الرزاق: "فحذف، فركع".
стр. 1290
وفي حديثه: وعبد الله بن عمرو، ولم يقل: ابن العاص
قلت: وهو كما قال فإن الحفاظ قالوا: ابن العاص غلط، والصواب حذفه فإنه ليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي، بل هو عبد الله بن عمرو الحجازي كذا ذكره البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وخلائق من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين ذكره النووي. وكذا قال أيضًا ابن خزيمة (٥٤٦) بعد أن أخرج الحديث: ليس هو عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي.
• عن معاذ بن عبد الله الجهني، أن رجلًا من جهينة أخبره أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [سورة الزلزلة: ١] في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنَسِي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا.
حسن: رواه أبو داود (٨١٦) عن أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني فذكر مثله.
وإسناده حسن للكلام في ابن أبي هلال وهو: سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، وقيل: مدني، وشيخه معاذ بن عبد الله الجهني غير أنهما "صدوقان" وقال النووي في "الخلاصة" (١٢٢٦): "رواه أبو داود بإسناد صحيح"، وقال الشوكاني في "النيل" (٢/ ٥٤): "رجاله رجال الصحيح".
قلت: معاذ بن عبد الله الجهني لم يخرج له الشيخان، وإنما أخرج له أصحاب السنن والبخاري في خلق أفعال العباد.
وقول الصحابي: "فلا أدري، أنسي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا".
الأصل أن فعل النبيِّ ﷺ يُعدّ مشروعًا، وتردد الصحابي بين النسيان والعمد يحكم للعمد إلا إذا قام الدّليل على خلاف ذلك، ولم أقف على المنع من تكرار سورة واحدة في الركعتين.
ولذا بوب أبو داود وغيره بقوله: باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعنين.
• عن عبد الله بن عمر قال: إن كان رسول الله ﷺ ليؤمُّنا في الفجر بالصافات.
حسن: رواه أحمد (٤٩٨٩)، وأبو يعلى (٥٤٤٥)، وابن حبان (١٨١٧) كلّهم من حديث يزيد بن هارون، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، فذكر الحديث واللفظ له.
ورواه النسائي (٨٢٦) من طريق خالد بن الحارث، عن ابن أبي ذئب به إلا أنه لم يذكر "الصبح" وفيه: "وكان يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا بالصافات".
وصحّحه ابن خزيمة (١٦٠٦) فرواه من طريق عثمان بن عمرو وخالد بن الحارث، قالا: ثنا ابن أبي ذئب - وهذا حديث خالد بن الحارث - عن خاله الحارث بن عبد الرحمن فذكر مثل حديث النسائي وإسناده حسن لأجل الكلام في الحارث بن عبد الرحمن إلا أنه "صدوق".
стр. 1291
• عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إلا من وراء رسول الله ﷺ كان يُصَلِّي بها في صلاة الصبح.
حسن: رواه النسائي (٩٥٠) عن عمران بن يزيد، قال: حدثنا ابن أبي الرجال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم هشام فذكرت الحديث مثله.
ورواه أبا عبد الله بن أحمد، عن الحكم قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال قال: ذكره يحيى بن سعيد، عن عمرة به مثله.
ورجاله ثقات غير عبد الرحمن بن أبي الرجال - بكسر الراء ثم جيم، وثقه أحمد والدارقطني، وقال أبو داود: "ليس به بأس". وقال أبو حاتم: "صالح"، وجعله الحافظ في درجة "صدوق ربما أخطأ" ومثله يحسن حديثه، وقد ثبت قراءة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ في صلاة الصبح من غير طريقه.
ولذا فلا حاجة إلى الحكم عليه بالمخالفة لرواية سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب وغيرهما، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن أختها لأمها وهي: أم هشام بنت الحارثة بن النعمان، وكانت أكبر منها. قالت: أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ من في رسول الله ﷺ يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة" رواه مسلم في الجمعة (٨٧٢).
كما رواه أيضًا من وجه آخر عن أم هشام قالت: "ما حفظت ﴿ق﴾ إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة، قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا".
فلعلها أخذت من وجهين من صلاة الصبح، ومن يوم الجمعة على المنبر، فروتْ مرة بالصبح، وأخرى بالجمعة فلا منافاة بينهما.
• عن عقبة بن عامر قال: كنتُ أقودُ برسولِ الله ﷺ في السفر، فقال رسول الله ﷺ : "يا عقبة! ألا أعلمُك خير سورتين قرئتا؟ " فعلَّمني - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فلم يرني سررتُ بهما جدًّا، فلما نزل لصلاة الصبح، صلى بهما صلاةَ الصُّبح للناس، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة التفت إليَّ فقال: "يا عقبةُ! كيف رأيت؟ ".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٦٢)، والنسائي (٥٤٣٨) كلاهما عن أحمد بن عمرو قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عقبة بن عامر فذكر مثله.
وصحَّحه ابن خزيمة (٥٣٥)، والحاكم (١/ ٢٤٠) كلاهما من طريق معاوية بن صالح، به مثله.
ورواه أيضًا النسائي (٥٤٣٧) عن محمود بن خالد قال: حدثنا الوليد (وهو ابن مسلم) قال: حدثني ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحيم، عن عقبة، فذكر نحوه، وصحَّحه ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه (٥٣٤) من طريق الوليد بن مسلم به مثله. والوليد بن مسلم مدلس إلا أنه صرح بالتحديث.
стр. 1292
والحديث بالوجهين رواه أيضًا الإمام أحمد (١٧٣٩٢) (١٧٢٩٦).
ثم رواه النسائي (٥٤٣٤) قال: أخبرنا موسى بن حزام الترمذي، قال: أنبأنا أبو أسامة، عن سفيان، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين، قال عقبة: فأمنا رسولُ الله ﷺ في صلاة الغداة.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٥٣٦) وقال: وفي حديث أبي أسامة، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعوذتين أمن القرآن هما؟ فأمَّنا بهما رسول الله ﷺ في صلاة الفجر.
ورواه أبو داود (١٤٦٣) من طريق محمد بن إسحاق، والنسائي من طريق محمد بن عجلان - كلاهما عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن عقبة بن عامر. في لفظ أبي داود: "يا عقبة! تعوّذ بهما، فما تعوّذ بمثلهما. قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة". وللحديث أسانيد أخرى.
• عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، عن النبيّ ﷺ أنه صلى صلاة الصّبح، فقرأ "الروم" فالتبس عليه. فلما صلى قال: "ما بال أقوام يصلّون معنا لا يحسنون الطهور، فإنما يلبس علينا القرآن أولئك".
حسن: رواه النسائي (٩٤٧) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: أنبأنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب بن أبي روح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢٣٠٧٢) عن وكيع، عن سفيان، بإسناده، نحوه وزاد فيه: "من شهد معنا الصّلاة فليحسن الطهور".
ورواه أيضًا من طريق شعبة عن عبد الملك بن عمير مختصرًا (٢٣١٢٥).
وإسناده حسن من اجل الكلام في عبد الملك بن عمير، فقد ضعفه أحمد.
وقال النسائي: لا بأس به، وأخرج عنه الشيخان.
وفيه أيضًا شبيب بن أبي روح، روى عنه جمع منهم حريز بن عثمان. وقد قال أبو داود: "شيوخ حريز كلهم ثقات".
ووثقه أيضًا ابن حبان، فمثله يحسّن حديثه، ولا يضر إبهام الصحابي لأن الصحابة كلّهم عدول، وقد قيل: إنه الأغر المزني، رواه البزار - كشف الأستار (٤٧٧) - عن زياد بن يحيى الحساني، ثنا مؤمل، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب بن أبي روح، عن الأغر المزني، فذكر الحديث.
ومؤمل هو ابن إسماعيل. قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١١٩): "هو ثقة، وقيل: إنه كثير الغلط". فلعله وهم في تسمية الصحابي.
стр. 1293
٢٢ - باب القراءة في الفجر يوم الجمعة
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان].
متفق عليه: أخرجه البخاري في الجمعة (٨٩١)، ومسلم في الجمعة (٨٨٠) كلاهما من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الأعرج به وفيه: كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾.
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة ٣٢: ١ - ٢] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان ٧٦: ١] وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة والمنافقين.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
• عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
حسن: رواه ابن ماجه (٨٢٤) قال: حدثنا إسحاق بن منصور قال: أنبأنا إسحاق بن سليمان، قال: أنبأنا عمرو بن أبي قيس، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث.
قال إسحاق: هكذا حدثنا عمرو، عن عبد الله. لا أشك فيه. انتهى.
قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسنادٌ صحيح، رجاله تقات وله شواهد من حديث أبي هريرة رواه النسائي في الصغري". انتهى.
قلت: الصواب أنه حسن فإن عمرو بن أبي قيس مختلف فيه، فوثَّقَه ابن معين، وقال أبو داود: في حديثه خطأ، ولذا جعله الحافظ في درجة: "صدوق له أوهام"، فمثله يحسن حديثه في الشواهد.
وأبو فروة هو: مسلم بن سلم النهدي، ويقال له: الجهني لنزوله فيهم، مشهور بكنيته من رجال الشيخين وهو حسن الحديث.
وقول البوصيري: وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه النسائي في الصغرى. فيه تقصير في العزو، فإن الحديث أخرجه الشيخان كما سبق من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة. ومن الطريق نفسه أخرجه أيضًا النسائي في الصغري (٩٥٥) كما قال البوصيري.
وفي الباب أيضًا روي عن سعد بن أبي وقاص عند ابن ماجه. وفيه الحارث بن نبهان ضعيف،
стр. 1294
وعن علي بن أبي طالب عند الطبراني في "الأوسط"، و "الصغير" وفيه الحارث ضعيف كما قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٦٩).
٢٣ - باب القراءة في الصّبح والظّهر والعصر وفي الصّلوات الأخرى
• عن أبي قتادة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب، وسورتين. يُطَوِّلُ في الأولى، ويُقَصِّر في الثانية، ويُسمع الآية أحيانًا. وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب، وسورتين، وكان يُطَوِّلُ في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويُقَصِّر في الثانية.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان، من طريق شيبان (٧٥٩)، ومسلم في الصلاة من طريق حجَّاج الصواف (٤٥١) كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه فذكر مثله.
وروى أبو داود (٨٠٠) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
ورواه الشيخان - البخاري (٧٧٦) ومسلم، كلاهما من حديث همام بن يحيى - وقرنه مسلم بأبان بن يزيد - كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. وفيه: "وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب" يعني الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخريين، وبه بوَّب البخاري. وفيه ردٌّ على من يقول: "لا يقرأ فيهما شيئًا وإنَّما يسبِّح".
قال ابن خزيمة (٥٠٣) بعد أن رواه من حديث همام بن يحيى وأبان بن يزيد: "كنت أحسب زمانًا أن هذا الخبر في ذكر قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر لم يروه غير أبان بن يزيد، وهمام بن يحيى على ما كنت أسمع أصحابنا من أهل الآثار يقولون، فإذا الأوزاعي مع جلالته قد ذكر في خبره هذه الزيادة".
يعني أنَّه كان يخشى من شذوذ هذه الزيادة، وهي قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين؛ لأنَّ بعض الفقهاء ذهبوا إلى أنَّه لا يقرأ فيهما شيئًا، وإنَّما يسبِّح فقط، حتَّى قويت عنده هذه الزيادة بمتابعة الأوزاعي.
قال ابن خزيمة في تبويبه لهذا الحديث: "ضد قول من زعم أنَّ المصلِّي ظهرًا أو عصرًا مخيَّرٌ بين أن يقرأ في الأخريين منهما بفاتحة الكتاب وبين أن يسبِّحَ في الأُخرين منهما. وخلاف قول من زعم أنَّه يُسبِّح في الأخريين، ولا يقرأ في الأخريين منهما".
قلت: حديث الأوزاعي رواه البخاري (٧٧٨) عن محمد بن يوسف، عنه، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثير. إلا أنه لم يذكر في حديثه قراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين. وأرجع الحافظ هذا الاختلاف إلى أصحاب الأوزاعي بأنَّهم لم يتَّفِقوا عليه.
стр. 1295
وقوله: "كان يقول في الركعة الأولى من صلاة الصبح - وهكذا في العصر" والظهر في رواية.
هذه الصفة من صلاة رسول الله ﷺ لها شاهد من حديث أبي مالك الأشعري. رواه أحمد (٢٢٩١١) عن أبي النضر، حدثنا أبو معاوية - يعني شيان -، وليث، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعريّ، عن رسول الله ﷺ أنه كان يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام، ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن لكي يثوبَ الناس. ويجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان، ويكبر كلما سجد، وكلما رفع، ويكبر كلما نهض بين الركعتين إذا كان جالسًا. وشهر بن حوشب فيه كلام معروف، إلا أن هذا الحديث له شواهد صحيحة.
وتطويل الركعة الأولى في الرباعيات أو الثنائيات لم يرد في الأحاديث الصحيحة الأخرى - وهي كما يأتي، فيحمل هذا على أنه كان يفعل أحيانًا هكذا وأخرى يسوي بينهما.
• عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يُصَلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق! (كنية سعد) إن هؤلاء يزعمون أنك لا تُحسن تُصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله! فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركدُ في الأُولَيين، وأخِفُّ في الأُخْريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق! فأرسل معه رجلًا، أو رجلين، إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبسٍ، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، قال: أما إذا نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يَقْسِم بالسوية، ولا يعدل في القضية.
قال سعد: أما والله! لأدْعُونَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءٌ وسمعةٌ فأطل عمره، وأطِل فقره، وعَرِّضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهُنَّ.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٥٥) ومسلم في الصلاة (٤٥٣) كلاهما من طريق عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة واللفظ للبخاري، وأما مسلم فذكره مختصرًا بدون قصة دعوة سعد على أسامة بن قتادة.
وقوله: فأركد في الأولين - أي أقيم طويلًا يعني أطون فيهما القراءة.
قوله: فأرسل معه رجلًا هو: محمد بن مسلمة، فإن كان رجلان فيكون الثاني هو: عبد الله بن أرقم.
стр. 1296
وقوله: "صلاة العشاء" كذا هنا، وسيأتي أيضًا في القراءة في صلاة العشاء. وفي رواية: "صلاتي العشي" كما عند البخاري (٧٥٨) والمراد منها الظهر والعصر.
• عن أبي معمر قال: قلنا لخبَّاب: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بم كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٤٦) من طريق الأعمش قال: سمعت عمارة بن عمير، يُحدث عن أبي معمر قال: فذكر الحديث. وأبو معمر هو: عبد الله بن سَخْبرة - بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة - الأزدي الكوفيّ.
• عن أبي سعيد الخدري قال: إن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك. وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك.
وفي رواية: فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة] وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخرين من العصر على النصف من ذلك.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٢) من طريق منصور، عن الوليد بن أبي بشر، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد فذكره. وفي رواية أخرى (٤٥٤) قال: لقد كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها.
• عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الصبح بأطول من ذلك.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٦٠) من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة فذكره.
وهو في مسند أبي داود الطيالسي (٨٠٠) من هذا الوجه وفيه: "يقرأ في الظهر والعصر - بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها، ويقرأ في الصبح بأطول من ذلك. وهذا اللفظ أخرجه مسلم (٤٥٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة به.
ورواه ابن خزيمة (٥١٠) من طريق أبي داود الطيالسي، بإسناده، وفيه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها والباقي مثله.
стр. 1297
• عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ و ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ونحوهما من السور.
حسن: رواه أبو داود (٨٠٥) والترمذي (٣٠٧) والنسائي (٩٧٩) والدارمي (١٢٩٣) كلّهم من طريق حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة فذكره، وزاد الدارمي: ﴿وَالْعَصْر﴾.
قال الترمذي: حسن صحيح. كذا في نسخة، ونقل المنذري عن الترمذي تحسينه فقط، وهو الصّواب فإن سماك بن حرب ليس في مرتبة "ثقة" بل وقد تغير بآخره، ولكن يحسن حديثه.
• عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب قال: دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم، فقلنا لشاب منا: سَلْ ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا. فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خَمشًا هذه شر من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلَّغ ما أرسل به، وما اختصَّنا دون الناس بشيْء إلا بثلاث خصال: "أمرنا أن نُسْبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا نُنزي الحمار على الفرس".
حسن: رواه أبو داود (٨٠٨) واللفظ له، والترمذي (١٧٠١) والنسائي (١٤١) وابن ماجه (٤٢٦) كلهم من طرق عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله به فذكر مثله، قال الترمذي: حسن صحيح؛ إلا أن ابن ماجه اختصره.
قلت: إسناده حسن لأجل أبي جهضم موسى بن سالم فإنه صدوق، وسبق تخريجه في كتاب الوضوء - باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة.
اختلفت الروايات عن ابن عباس في قراءة رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فروي عنه النفي كما في هذه الرواية، ثم التردد فيه كما رواه أبو داود (٨٠٩) عن زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ .
ثم اليقين بالقراءة كما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٦) عن يزيد بن هارون قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر. ورواه أيضًا عن علي بن شيبة قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: شهدت ابن عباس فسمعتُه يقول: لا تُصلِّ صلاة إلا قرأت فيها ولو بفاتحة الكتاب. ورواه أيضًا عن أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي وموسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي العالية البراء قال: سألت ابن عباس، أو سئل عن القراءة في الظهر والعصر؟ فقال: هو إمامك (أي القرآن) فاقرأ منه ما قلَّ
стр. 1298
وما كثر، وليس من القرآن شيء قليل.
ثم قال الطحاوي بعد أن روى القراءة في الظهر والعصر عن عدد من الصّحابة منهم: أبو قتادة، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن سمرة وغيرهم: "فلما ثبت بما ذكرنا من رسول الله ﷺ تحقيق القراءة في الظهر والعصر، وانتفى ما روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، رجعنا إلى النظر بعد ذلك، هل نجد فيه ما يدل على صحة أحد القولين اللذين ذكرنا ... " ثم رجَّع بالأدلة القاطعة وجوب القراءة في الظهر والعصر.
• عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان.
قال سليمان: فصلينا وراء ذلك الإنسان وكان يُطيل الأُولَيين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويُخَفِّفُ في العصر ويقرأ في المغرب بقصار المُفَصَّل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهِها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.
حسن: رواه النسائي (٩٨٢، ٩٨٣) واللفظ له، وابن ماجه (٨٢٧) مختصرًا كلاهما من طريق الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل الضحاك بن عثمان فإنه حسن الحديث.
وصحَّحه ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه (٥٢٠)، وابن حبان (١٨٣٧)، وأحمد (٨٣٦٦) كلهم من هذا الطريق.
وفيه يقول أبو هريرة: "ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان - لأمير كان بالمدينة".
يقول سليمان بن يسار: "فصلَّيت أنا وراءه فكان يُطيل في الأُوليين، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر. وكان يقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، وفي الأُوليين من العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطول المفصل" انتهى.
ولم أقف على اسم هذا الأمير، وقد قيل اسمه عمرو بن سلمة، وليس هو عمر بن عبد العزيز كما سيأتي في حديث الضّحاك بن عثمان، فإنه ولد بعد وفاة أبي هريرة.
• عن أنس بن مالك، قال: ما رأيتُ أحدًا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز.
قال الضّحاك: فصليتُ خلف عمر بن عبد العزيز فكان يصنع مثل ما قال سليمان بن يسار.
حسن: رواه أحمد (٨٣٦٦) عن أبي بكر الحنفي، حدّثنا الضحاك بن عثمان، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، فذكر الحديث كما سبق.
стр. 1299
وقال الضحاك: وحدثني من سمع أنس بن مالك يقول (فذكره).
وكذا ذكره أيضًا البيهقي (٢/ ٣٨٨) وقال (فذكر الحديث بنحوه) بالإسنادين جميعًا.
ولم يسم هنا الضحاك عمن سمع حديث أنس، وصرَّح في موضع آخر أنه هو يحيى بن سعيد أو شريك بن أبي نمر لا يُدرى أيهما حدثه عن أنس.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٣٢) عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن يحيى بن سعيد أو عن شريك بن أبي نمر، به.
قال الضحاك: وكنت أصلي خلفه، فكان يطيل الأوليين من الظهر إلى آخره.
ولأنس حديث آخر ذكر فيه وصف صلاته مجملًا.
• عن أنس أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
صحيح: رواه البزار "كشف الأستار" (٤٨٢) عن محمد بن معمر، ثنا روح بن عبادة، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت وقتادة وحُميد، عن أنس فذكر الحديث.
ورجاله تقات وإسناده صحيح، قال الهيثمي (٢٦٨٧)، "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط".
ورواه ابن خزيمة (٥١٢)، وابن حبان (١٨٢٤) كلاهما من حديث محمد بن معمر بن ربعي القيسي، قال: حدثنا روح بن عبادة بإسناده مثله.
وفيه: "أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ .... ".
وأخرجه النسائي (٩٧٣) من وجه آخر عن أنس نحوه.
وقال البوصيري في "الإتحاف" (١٨٥٠) بعد أن رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عبادة بن سفيان بن حسين، أنبأنا أبو عبيدة، عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. قال: رواه البزار بإسناد صحيح: إن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. انتهى.
• عن زيد بن أسلم، قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: صليتُم؟ قلنا: نعم. قال: يا جارية! هلُمّي لي وَضُوءًا ما صليتُ وراء إمام أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من إمامكم هذا.
قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يُتم الركوع والسجود ويخفّف القيام والقعود.
حسن: رواه النسائي (٩٨١) عن قتيبة، قال: حدّثنا العطَّاف بن خالد، عن زيد بن أسلم، قال (فذكره). وإسناده حسن من أجل الكلام في العطّاف بن خالد المخزوميّ إلا أنه حسن الحديث إذا
стр. 1300
لم يخالف.
وله إسناد آخر وهو ما رواه أحمد (١٣٦٧٢) عن إبراهيم بن خالد، قال: أخبرني أمية بن شبل، عن عثمان بن يَزْدريه، قال: خرجتُ إلى المدينة مع عمر بن يزيد، وعمر بن عبد العزيز عامل عليها قبل أن يُستخلف. قال: فسمعتُ أنس بن مالك - وكان به وضع شديد، قال: وكان عمر يصلي بنا فقال أنس: ما رأيتُ أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى، كان يخفف في تمام. وإسناده حسن.
وهذا يقوي ما رواه أبو داود (٨٨٨)، والنسائي (١١٣٥)، والإمام أحمد (١٢٦٦١) كلهم من حديث عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، حدثني أبي، عن وهب بن مانوس، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليتُ وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى - بعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات.
ووهب بن مانوس ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٥٥٧) ولم أجد من وثقه غيره؛ ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مستور".
• عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ونحوها.
حسن: رواه ابن خزيمة (٥١١) عن محمد بن حرب الواسطي، ثنا زيد بن الحباب، عن الحسن بن واقد قاضي مرو، قال: أخبرني عبد الله بن بريدة، عن أبيه فذكر الحديث. وإسناده حسن لأجل الحسين بن واقد فإنه "صدوق" لأن أكثر النقاد قالوا: إنه لا بأس به، وهو من رجال مسلم، وأما الحافظ فجعله في مرتبة "ثقة له أوهام" وهو أحق أن يقال فيه: "صدوق" وسيأتي حديث آخر عن بريدة الأسلمي بهذا الإسناد في باب القراءة في صلاة العشاء، وفي الإسناد أيضًا زيد بن الحباب وهو ممن يحسن حديثه.
• عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: كانت تعرف قراءة النبي ﷺ في الظهر بتحريك لحيته.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣١٥٣) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي الزعراء، عن أبي الأحوص، عن بعض أصحاب النبي ﷺ .
ورواه ايضًا ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٢) عن وكيع، عن سفيان به مثله.
وأورده البوصيري في "إتحاف المهرة" (١٨٥١) من ابن أبي شيبة وأحمد وقال: "هذا إسناد رجاله ثقات، وأبو الزعراء هو: عمرو بن عمرو". انتهى.
قلت: وهو كما قال، فإن عمرو بن عمرو بن مالك أبو الزعراء وإن لم يخرج عنه الشيخان إلا
следующие страницы →