Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
والمجد، لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعْطِي لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ".
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٧٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا هُشيم بن بَشير، أخبرنا هشامُ بن حسَّان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره.
• عن أبي سعيد الخُدريّ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا لك الحمدُ، مِلْءَ السماوات والأرض، ومِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهُمَّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعْطِيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ".
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، أخبرنا مروان بن محمد الدمشقيّ، حَدَّثَنَا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قَزْعة، عن أبي سعيد الخدريّ فذكر مثله.
• عن عليّ بن أبي طالب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد مِلْءَ السماوات ومِلْءَ الأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٦) عن محمود بن غيلان، حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسيّ، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، حَدَّثَنِي عَمِّي، عن عبد الرحمن بن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ بن أبي طالب فذكر مثله. قال الترمذيّ: حسن صحيح.
قلت: وهو كما قال. والحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١٤٧) وسمى عم عبد العزيز - الماجشونُ عبد الله بن أبي سلمة في سياق دعاء طويل ابتداء من استفتاح الصّلاة، وهو ما رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧١) عن محمد بن أبي بكر المُقَدّميّ، حَدَّثَنَا يوسف الماجشون حَدَّثَنِي أبيّ، عن عبد الرحمن الأعرج، به فذكر الحديث بطوله، وسبق إيرادهُ كاملًا في استفتاح الصّلاة.
وقوله: حَدَّثَنِي أبي - قلت: هو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، إذ يوسف هو ولد يعقوب، ومن هنا يظهر الخطأ الذي وقع في مسند أبي داود الطيالسي فإنه سمي عم عبد العزيز (عبد الله بن أبي سلمة) والحق أنه والده، وأمّا عمه فهو يعقوب بن أبي سلمة، فإن عبد الله ويعقوب هما ابنا أبي سلمة، وأمّا الماجشون فهو لقب لهم جميعًا.
• عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ حين رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا ولك الحمد".
صحيح: رواه أحمد (٦٣٤٦) عن عبد الرزّاق - وهو في المصنف (٢٩١١)، حَدَّثَنَا معمر، عن
стр. 1332
الزّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر فذكر مثله، وهذا الحديث جزء من الحديث الذي سبق ذكره في باب رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع من الركوع.
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد".
صحيح: رواه النسائيّ (١٠٦٠) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزّاق وهو في المصنف (٢٩١٢)، عن معمر، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
٥ - باب ما جاء في قول الإمام "سمع الله لمن حَمِدَه "
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حَمِدَه، فقولوا: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة، غفر له ما تقدّم من ذنبه".
متفق عليه: رواه مالك في الصّلاة (٤٧) عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السَمَّان، عن أبي هريرة فذكر الحديث، ومن طريقه البخاريّ في الأذان (٧٩٦)، ومسلم في الصّلاة (٤٠٩) وقال: عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ بمعني حديث سُمي.
ويبدو أن مالكًا رحمه الله تعالى كان يروي بهذا الإسناد حديثين، حديث التأمين كما مضى، وحديث التسميع والتحميد، فأخرج البخاريّ حديثين في الموضعين، وأخرج مسلم حديث التسميع والتحميد فقط.
وأمّا قول مسلم: عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ ﷺ بمعنى حديث سُمي فهو ليس في التسميع والتحميد، وإنما هو في التأمين كما رواه هو نفسه قال: حَدَّثَنَا قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن) عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال القارئ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال من خلْفَه آمين، فوافق قولُه قولَ أهل السماء، غفر له ما تقدّم من ذنبه" (٤١٠/ ٧٦).
ورواه عبد الرزّاق (٢٩١٢) ومن طريقه النسائيّ (١٠٦٠) عن معمر، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد".
• عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كُنَّا نُصلِّي يومًا وراء رسول الله ﷺ فلمّا رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حَمِدَه" قال رجل وراءَه: ربنا ولك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلمّا انصرف قال: من المتكلم آنفًا؟ " فقال: أنا، قال: "رأيتُ بضعةً وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها أيُّهم يكتُبهن أول".
стр. 1333
صحيح: رواه مالك في القرآن (٢٥) عن نُعيم بن عبد الله المجمر، عن عليّ بن يحيى الزرقيّ، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع فذكر مثله.
ورواه البخاريّ في الأذان (٧٩٩) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك به مثله، ووهم الحاكم (١/ ٢٢٥) فاستدركه، وقد رواه أيضًا من طريق مالك به.
• عن أنس بن مالك يقول: سقط النَّبِيّ ﷺ عن فَرَسٍ فجُحِشَ شِقُّه الأيْمَنُ، فدخلنا عليه نعودُه، فحضرتِ الصّلاة، فَصَلَّى بنا قاعدًا. فصلَّينا وراءه قعودًا، فلمّا قضى الصّلاة قال: "إنَّما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا سجد فاسْجُدُوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حَمِدَه فقولوا: ربنَّا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قُعودًا أجمعون".
متفق عليه: رواه مسلم في الصّلاة (٤١١) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: فذكر الحديث، ورواه البخاريّ في الأذان (٨٠٥) من طريق سفيان قال غير مرة عن الزّهريّ، قال: سمعت أنس بن مالك فذكر الحديث نحوه، وستأتي بقية الأحاديث في متابعة الإمام، وانظر حديث أبي هريرة في باب التأمين.
وحديث أنس رواه عبد الرزّاق (٢٩٠٩) ومن طريقه الإمام أحمد (١٢٦٥٢) عن معمر، عن الزّهريّ، عن أنس بن مالك مقتصرًا على قوله: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حَمِدَه، فقولوا: ربنا لك الحمد".
وفي الباب حديث أبي موسى رواه مسلم في الصّلاة (٤٠٤). انظر باب التّشهد.
٦ - باب الخرور إلى السجود
• عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك.
صحيح: رواه ابن خزيمة (٦٢٧)، والدارقطني (١٣٠٣)، والحاكم (١/ ٢٢٦)، وعنه البيهقيّ (٢/ ١٠٠)، والطحاوي في شرحه (١/ ٢٥٤)، كلّهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده صحيح ورجاله ثقات، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال أيضًا: فأما القلب في هذا فإنه إلى حديث ابن عمر أميل لروايات في ذلك كثيرة عن الصّحابة والتابعين. انتهى.
وعلَّقه البخاريّ في صحيحه (قبل حديث: ٨٠٣)، وعزاه الحافظ لمن عزوت إليهم.
ولكن رُوي عن ابن عمر خلاف ذلك. روى ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٣) عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن
стр. 1334
عمر. إِلَّا أن إسناده ضعيف من أجل ابن أبي ليلى فإنه سيء الحفظ.
وأمّا ما جاء عن ابن عمر موقوفًا ومرفوعًا أنه قال: "إذا سجد أحدكم فليضع ركبتيه، فإذا رفع فليرفعهما، فإنَّ اليدين تسجدان كما يسجد الوجه" سيأتي تخريجه. فهو يدل على أن السجدة تكون بوضع اليدين على الأرض مثل وضع الوجه عليها.
فهذا لا يعارض المرفوع كما فهم البيهقيّ (٢/ ١٠٠، ١٠١) فقال عقب إخراج حديث الدراوردي: "والمشهور عن عبد الله بن عمر في هذا ما أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد المقرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال ... (فذكره).
ثمّ رواه من طريق إسماعيل ابن علية، عن أيوب بإسناده ورفعه قال: "إنَّ اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، فإذا رفعه فليرفعهما" وكذلك رواه أحمد بن سنان عن إسماعيل. والمقصود منه وضع اليدين في السجود، لا التقديم فيهما" انتهى.
فكأنه يقول: إن المرفوع الذي رواه الدراوردي المقصود منه هذا، لا تقديم وضع اليدين في السجود. ولكن المتبادر من السياقين أنهما يختلفان.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه".
صحيح: رواه أبو داود (٨٤٠)، والنسائي (١٠٩١)، وأحمد (٨٩٥٥)، والدارقطنيّ، والبيهقي (٢/ ٩٩) كلّهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح. محمد بن عبد الله بن الحسن هو المعروف بالنفس الزكية الهاشمي ثقة، وثَّقه النسائيّ وغيره.
وقد أعلَّ البعض بأن الدراوردي تفرّد به عن محمد بن عبد الله بن الحسن.
قلت: ولا يضر تفرده فإنه ثقة، وقد تابعه في الجملة عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن به مختصرًا بلفظ: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته بركة الجمل" رواه أبو داود (٨٤١).
والنسائي (١٠٩٠)، والتِّرمذيّ (٢٦٩) كلّهم من هذا الطريق. وفيه استفهام إنكار.
وعبد الله بن نافع هو: ابن أبي نافع الصائغ، المخزومي مولاهم ثقة من رجال مسلم.
وأعله البخاريّ بالانقطاع فقال في ترجمة محمد بن عبد الله بن حسن في "التاريخ الكبير" (١/ ١٣٩): "محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه، وقال: لا أدري أسمع من أبي الزّناد أم لا؟ ".
قلت: قال ذلك بناء على شرطه المعروف وهو: معرفة اللقاء، ولكن الجمهور خالفوه فاكتفوا بمجرد إمكان اللقاء مع أمْنِ التدليس. ومحمد بن عبد الله بن حسين لم يعرف بالتدليس، وقد عاصر شيخه أبا الزّناد طويلًا فإنه مات سنة (١٤٥ هـ)، ومات شيخه سنة (١٣٠ هـ)، وكان عمره ثلاثًا
стр. 1335
وخمسين سنة.
وبهذا صحَّ الحديث. وقد صحَّحه عبد الحق في الأحكام، وقال النوويّ في "المجموع" (٣/ ٤٢١): "إسناده جيد". وكذا قال أيضًا في الخلاصة (١٢٨٤) وقال: "ولم يضعفه أبو داود".
وقال الحافظ في "بلوغ المرام": "هو أقوى من حديث وائل بن حجر" وهو الآتي.
ولكن أعلّه الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: بأنَّ هذا الحديث وقع فيه وهم من بعض الرواة؛ فإنَّ أوَّل الحديث يخالف آخره، فإنَّه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير؛ فإنَّ البعير إنّما يضع يديه أوَّلًا. ولمَّا علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبنا البعير في يديه، لا في رجليه. فهو إذا برك وضع ركبته أوَّلًا، فهذا هو المنهي عنه. ثمّ قال: وهو فاسدٌ لوجوهٍ:
أحدها: أنَّ البعير إذا برك فإنَّه يضع يديه أوَّلًا، وتبقى رجلاه قائمتين.
والثاني: أنَّ قولهم ركبنا البعير في يديه .. كلام لا يُعقل، ولا يعرفه أهل اللغة، وَإِنَّما الرُّكبة في الرجلين، وإن أُطلق على اللتين في يديه اسم الركبة فعلى سبيل التغليب.
والثالث: أنَّه لو كان كما قالوه ثقال: "فليبرك كما يبرك البعير"، وإنَّ أوَّل ما يمسُّ الأرض من البعير يداه.
ثمّ ذكر ابن القيم بقية الوجوه وهي عشرة في ترجيح حديث وائل بن حجر من عشرة وجوه، فانظرها. انظر زاد المعاد (١/ ٢٢٧).
وحديث وائل بن حجر هو: "رأيتٌ النَّبِيّ ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه".
رواه أبو داود (٨٣٧) واللّفظ له، والتِّرمذيّ (٢٦٨)، والنسائي (١٠٨٩)، وابن ماجة (٨٨٢)، وابن خزيمة (٦٢٦)، والدارقطني (١٣٠٧)، والدارمي (١/ ٣٠٣) كلّهم من طرق عن يزيد بن هارون، نا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر فذكر مثله.
قال الترمذيّ: "حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريك وقال: روي همام، عن عاصم هذا مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر".
قلت: شريك هو: ابن عبد الله النحفي صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، كذا في التقريب.
ولعلَّ هذا مما أخطأ فيه، ولذا قال الدَّارقطنيّ: "تفرّد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به"، ومثله قال أيضًا البخاريّ، وابن أبي داود، والبيهقيّ، بأن شريكًا تفرّد به.
وقال البيهقيّ (٢/ ٩٩): "هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضيّ، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا. هكذا ذكره البخاريّ وغيره من الحفاظ المتقدمين". انتهى. انظر أيضًا "التلخيص" (١/ ٢٥٤).
стр. 1336
فإذا كان شريك لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، فقد روى أصحاب عاصم بن كليب عنه صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ وسبق ذكر بعضه، ولم يذكر أحد منهم ما ذكره شريك.
وللحديث طريق آخر وهو معلول أيضًا، رواه أبو داود (٨٣٩) وعنه البيهقيّ (٢/ ٩٨) عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه أن النَّبِيّ ﷺ فذكر صفة الصّلاة، وقال: "فلمّا سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه". وعبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئًا كما قال ابن معين والبخاري.
والطريق الآخر رواه شقيق قال: حَدَّثَنِي عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النَّبِيّ ﷺ فذكر مثله، وزاد: "وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه". وشقيق لا يعرف.
وكذلك ما رواه الدَّارقطنيّ (١٣٠٨)، والحاكم (١/ ٢٢٦) - وصحَّحه على شرط الشّيخين -، من طريق حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أنس في حديثٍ فيه: "ثم انحط بالتكبير، فسبقتْ ركبتاه يديه". قال الدَّارقطنيّ: تفرّد به العلاء بن إسماعيل، عن حفص بهذا الإسناد.
وكذا قال أيضًا البيهقيّ (٢/ ٩٩). وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٥٤) وهو "مجهول".
وكذلك ما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه قال: كنَّا نَضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين.
رواه ابن خزيمة (٦٢٨) عن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حَدَّثَنِي أبيّ، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب به.
تفرّد به إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة، عن أبيه وهما ضعيفان، وفي التقريب: إبراهيم بن إسماعيل "ضعيف"، وأبوه إسماعيل بن يحيى "متروك".
قال الحازمي في كتابه "الاعتبار" (ص ٥٥): "أما حديث سعد ففي إسناده مقال، ولو كان محفوظًا لدل على النسخ، غير أن المحفوظ عن مصعب بن سعد، عن أبيه حديث نسخ التطبيق. انتهى.
وقد أعلّه أيضًا الحافظ ابن القيم قائلًا: "وإنَّما هو في قصَّة التطبيق".
وأشار الحافظ إلى رواية ابن خزيمة وقال: "لكنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، وهما ضعيفان". انتهى.
قلت: ويمثل هذا الحديث الضعيف جدًّا بل مكذوب يستدل ابن خزيمة بأن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ! فلو قال عكس ذلك لكان متجهًا؛ لأنَّ وضع اليدين قبل الركبتين يساعد الضعفاء وكبار السن على الخرور إلى السّجود بخلاف وضع الركبتين قبل اليدين. ومن المعلوم أن النَّبِيّ ﷺ لما أسنَّ وثقل اختار الوضع الذي يساعده في أداء الصّلاة، فكان أكثر صلاته النافلة في البيت جالسًا، فليكن من آخر الأمرين منه وضع اليدين قبل الركبتين.
هذه خلاصة ما قيل في أحاديث هذا الباب، وللعلماء نفس طويل في دراسة الأحاديث من المصححين
стр. 1337
والمضعفين، ولا أرى حشد أدلتهم، إنّما أكتفي بما وصلت إليه بعد دراسة هذه الأحاديث سائلًا الله تعالى التوفيق والسَّداد.
ونظرًا لتعارض الأدلة في كيفية الخرور إلى السجود اختلف أهل العلم في هذا الباب كما قال ابن المنذر: فممَّن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه: عمر بن الخطّاب ﵁، وبه قال النخعيّ، ومسلم بن يسار، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأهل الكوفة.
وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله مالك. وقال الأوزاعي: أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل رُكَبهم. قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث. اهـ.
قلت: وهي رواية أخرى عن أحمد أنه يضع يديه قبل ركبتيه لحديث أبي هريرة. المغني (١/ ١٩٣).
وعن مالك وأحمد، رواية بالتخيير؛ لأنَّ ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السنة لا يظهر كما قال النوويّ.
وهذا الاختلاف في الأفضلية، والصلاة صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (٢٢/ ٤٤٩).
٧ - باب الاعتدال في السّجود والنّهي عن افتراش الذِّراعين افتراش الكلب
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "اعتدِلُوا في السجود، ولا يَبْسُط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٢٢)، ومسلم في الصّلاة (٤٩٣) كلاهما من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سمعتُ قتادة، عن أنس فذكره.
• عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ النَّبِيّ ﷺ يأمر بأن يعتدل في السجود، ولا يسجد الرّجل باسطًا ذراعيه كالكلب.
حسن: رواه عبد الرزّاق (٢٩٢٩، ٢٩٣٠) من وجهين: أحدهما عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، أن جابر بن عبد الله قال فذكر الحديث كما سبق، والوجه الثاني: عن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب".
وإسناده حسن لأن سليمان بن موسى وهو الأمويّ، مولاهم أبو أيوب الأشدق فقيه أهل الشام في زمانه يرسل عن جابر وغيره، قال ابن سعد: ثقة، وأثنى عليه راويه ابن جريج، وقال يحيى بن معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، حديثه صحيح عندنا.
وفي الإسناد الثاني: أبو سفيان وهو: طلحة بن نافع القرشي مولاهم، رُوي عن جابر وغيره،
стр. 1338
قال ابن عدي: لا بأس به، روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة. قال عليّ بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إِلَّا أربعة أحاديث وقال: يكتب حديثه وليس بالقوي.
قال الحافظ: لم يخرج البخاريّ له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنها التي عناها شيخه عليّ بن المديني منها: حديثان في الأشربة قرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث اهتز العرش كذلك.
والرابع: في تفسير سورة الجمعة، قرنه بسالم بن أبي الجعد. انتهى.
قلت: وحديث الباب ليس من الأربعة، إِلَّا أنه لا بأس به في الشّواهد مع متابعة سليمان بن موسى له.
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ينهانا أن يفترش أحدنا ذراعيه افتراش الكلب أو السبع.
صحيح: أخرجه عبد الرزّاق (٢٩٣٨) عن عثمان بن مطر، عن حسين، عن بُديل العقيليّ، عن أبي الجوزاء، عن عائشة فذكرت الحديث.
ورجاله ثقات، وإسناده صحيح، حسين هو: ابن ذكوان المعلم المكتب العَوْذي - من رجال الجماعة. وبديل هو: أبن ميسرة العقيلي البصريّ، وثَّقه ابن معين والنسائي والعجلي وابن حبَّان وغيرهم، وهو من رجال مسلم.
والحديث رواه مسلم في الصّلاة (٤٩٨) من طريقين عن حسين المعلم به في سياق طويل في صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ وسبق ذكره بطوله في باب الاعتدال في الرّكوع والسجود.
٨ - باب التجافي في السجود
• عن عبد الله بن مالك بن بُحينة أن النَّبِيّ ﷺ كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتَّى يبدوَ بياضُ إبطيه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٩٠)، ومسلم في الصّلاة (٤٩٥) كلاهما من طريق بكر بن مُضر، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عبد الله بن مالك بن بحينة فذكره.
وفي رواية عند مسلم: "إذا سجد يُجَنِّح في سجوده حتى يُرَى وَضَحُ إبْطيه".
قال النوويّ: التفريج والتجنيح والتخوية بمعنى واحد، ومعناه كله: باعد مرفقيه وعضديه عن جنبيه.
• عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجدت فضَعْ كفَّيك، وارفَع مرفقيك".
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٩٤) عن يحيى بن يحيى قال: أخبرنا عبيد الله بن إياد، عن إياد، عن البراء فذكره.
• عن أبي إسحاق، قال: وصف لنا البراء بن عازب فوضع يديه، واعتمد على ركبتيه، ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يسجد.
стр. 1339
حسن: رواه أبو داود (٨٩٦)، والنسائي (١١٠٤) كلاهما من حديث شريك، عن أبي إسحاق، فذكره.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٦٤٦)، وأحمد (١٨٧٠١)، والبيهقي (٢/ ١١٥) كلّهم من هذا الوجه وزاد أحمد والبيهقي: "وخوَّى". وزاد البيهقيّ: "فبسط يديه".
وشريك هو ابن عبد الله النخعي سيء الحفظ، ولكنه توبع في بعض صفة السجود.
فقد رواه النسائيّ (١١٠٥)، وابن خزيمة (٦٤٧)، والحاكم (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، والبيهقي كلّهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلي جخَّى".
ولمجموع الطريقين يصل الحديث إلى درجة الحسن، وحسَّنه أيضًا النوويّ في "المجموع". (٣/ ٤٣٥، ٤٣٦).
وقوله: "خوَّى" بتشديد الواو - أي باعد مرفقيه وعضديه عن جنبيه.
وقوله: "جخَّى" الذي لا يتمدّد في ركوعه ولا في سجوده.
نقله ابن خزيمة عن النضر بن شميل.
وقال الخطّابي - كما في عون المعبود -: "يريد أنه رفع مؤخره ومال قليلًا هكذا تفسيره".
وفي "النهاية": أي فَتَح عَضُدَيه وجَافاهُما عن جَنْبَيْه ورفع بَطْنه عن الأرض.
• عن ميمونة بنت الحارث زوج النَّبِيّ ﷺ قالت: كان النَّبِيّ ﷺ إذا سجد، لو شاءت بَهْمَةٌ أن تمر بين يديه لمرَّتْ.
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ إذا سجد خَوَّى بيديه (يعني جَنَّحَ) حتَّى يُرَى وَضَحُ إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخِذه اليُسرى.
وفي رواية: إذا سجد جافى حتَّى يَرى من خلْفه وَضَح إبطيه.
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٩٦، ٤٩٧) من طرق عن يزيد بن الأصَمِّ، عن ميمونة ﵂ فذكرت مثله.
وقولها: (بَهْمَة) بفتح الباء، وسكون الهاء. قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: البَهْمَةُ واحدة البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البهم بِهام - بكسر الباء.
(وَضَحُ إبطيه) الوَضَحُ - البياض، أراد به البياض الذي تحت إبطيه، وذلك للمبالغة في التجافى، وإبعاد اليدين عن الجنبين.
(خوَّى) في صلاته، إذا رفع بطنه عن الأرض عند السجود.
• عن عبيد الله بن عبد الله بن الأقرم الخزاعيّ، عن أبيه قال: كنت مع أبي بالقاع من نمرة، فمرتْ ركبةٌ، فإذا رسولُ الله ﷺ قائم يُصَلِّى، قال: فكنتُ أنظر إلى عُفرتي إبطيه إذا سجد، أي بياضِه.
стр. 1340
صحيح: رواه الترمذي (٢٧٤)، والنسائي (١١٠٨)، وابن ماجة (٨٨١) كلهم من طريق داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله الأقرم واللفظ للترمذي.
قال الترمذي: "حسن لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس، ولا نعرف لعبد الله بن أقرم الخُزاعي، عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ " انتهى.
قلت: داود بن قيس هو: الفراء الدباغ أبو سليمان القرشي مولاهم، وثَّقه أحمد وأبو زرعة والنسائي وغيرهم فلا يضر تفرده، وشيخه عبيد الله بن عبد الله ثقة أيضًا. وقد صحَّحه أيضًا الحاكم (١/ ٢٢٧).
• عن جابر بن عبد الله قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا سجد جافَى حتى يُرَى بياضُ إبطيه.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤١٣٨) قال: حدثنا عبد الرزاق، (وهو في مصنفه ٢٩٢٢) ثنا معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، معمر هو: ابن راشد، ومنصور هو: ابن المعتمر، وسالم بن أبي الجعد وإن كان ثقة، ولكنه كثير الإرسال عن كبار الصحابة، وثبت سماعه من جابر بن عبد الله وأنس بن مالك "جامع التحصيل" (٢١٨). والحديث صحَّحه أيضًا ابن خزيمة فأخرجه (٦٤٩) من طريق عبد الرزاق به.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٢٥): رواه أحمد والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد رجال الصحيح.
• عن أبي هريرة قال: لو كنت قُدَّام النبي ﷺ لرأيتُ إِبْطيه، قال أبو مجلز: ألا ترى أنه في الصلاة، ولا يستطيع أن يكون قدام النبي ﷺ .
صحيح: رواه أبو داود (٧٤٦) واللفظ له، والنسائي (١١٠٧) كلاهما من طريق عمران، عن أبي مِجْلَز (لاحق) عن بَشر بن نَهيك، عن أبي هريرة فذكره.
وهذا إسناد صحيح. وعمران هو: ابن حُدير.
ورواه الحاكم (١/ ٢٢٨) من وجه آخر عن عبد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمّه يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا سجد رُئي وضحُ إبطيه. قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
قلت: ليس كما قال، فإن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم العامري من رجال مسلم وحده، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول".
ورواه الشافعي في الأم (١/ ١١٥) معلقًا عن صالح مولى التوأة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد يُرى بياض إبطيه مما يجافي بدنه.
قلت: لعلّ الشافعي ذكره معلقًا لأن طريق صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة لم يصح. فقد
стр. 1341
رواه الطبراني في الأوسط" كما أورده الهيثمي في مجمع البحرين" (٨٣٨) عن أحمد بن رشدين، ثنا روح بن صلاح، ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن صالح مولى التوأة، عن أبي هريرة قال: كأني أنظر إلى بياض إبطي رسول الله ﷺ إذا سجد.
قال الطبراني: لم يروه عن صالح إلا سعيد، تفرد به روح. انتهى.
قلت: روح بن صلاح المصري فه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٠٥)، والدارقطني وغيره، انظر ترجمته في الميزان (١/ ٥٨)، واللسان (٢/ ٤٦٥)، وأما ابن حبان فذكره في الثقات (٨/ ٢٤٤).
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَبْسُط ذِرَاعَيك كبَسْطِ السبع، وادَّعِمْ على رَاحَتَيك، وجَافِ عن ضَبْعَيك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك".
حسن: رواه ابن خزيمة (١٤٥) عن عبد الله بن سعد بن إبراهيم، قال: حدثا عمي، أنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني مسعر بن كدام الهلالي، عن آدم بن علي البكري، عن ابن عمر فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل ابن إسحاق، وهو مدلس ولكنه صرَّح بالتحديث وبقية رجاله ثقات، وعم عبيد الله بن سعد هو: يعقوب بن إبراهيم بن سعد وهو ثقة روى له الجماعة، ورواه أيضًا الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في المجمع (٢٧٦٧): "ورجاله ثقات".
وقوله: ضبْعيك: الضَّبْع بسكون الباء - العضد، والجمع أضباع، مثل فرخ وأفْراخ.
• عن عدي بن عَمِيرة الحضرمي قال: كان النبي ﷺ إذا سجد يُري بياض إِبطَيه، ثم إذا سَلَّم أقْبل بوجهه عن يمينه حتى يُري بياض خدِّ، وعن يساره.
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٨٥١٧) عن معاذ قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا معْتَمِر بن سليمان، قال: قرأتُ على الفُضيل بن ميْسَرة أبي مَعاذٍ، قال: حدثنا أبو حَرِيزٍ، أن قيس بن أبي حازم حدَّثه، عن عدي بن عَمِيرَة فذكر مثله.
قال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن عدي بن عَمِيرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به معتمر. انتهى.
وقال الهيثمي في مجمعه (٢٧٥٤): رواه الطبراني في الأوسط بطوله، وفي الكبير باختصار السلام، ورجال الأوسط ثقات. انتهى
قلت: فيه الفُضيل بن ميسرة أبو معاذ البصري وثَّقه ابن معين.
وقال الإمام أحمد: ليس به بأس، وهو في مرتبة "صدوق" عند الحافظ.
وأبو حَرِيز هو: عبد الله بن حسين الأزدي مختلف فيه.
فوثَّقه أبو زرعة، وابن معين في رواية. وقال الدارقطني: يعتبر به، وضعَّفه ابن معين في رواية أخرى، والنسائي، وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق يخطئ".
قلت: ومثله يحسن حديثه في الشواهد.
стр. 1342
٩ - باب ما روي في الاستعانة بالركب في السجود
لم يثبت في هذا الباب شيء. وأما ما روي عن أبي هريرة قال: اشتكى أصحابُ النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال: "أستعينوا بالركب".
فالصواب أنه مرسل. رواه أبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وصحَّحه الحاكم (١/ ٢٢٦) وقال على شرط مسلم.
قلت: رجاله ثقات غير محمد بن عجلان فهو مختلف فيه فقد وثَّقه جماعة منهم أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وجعله الحافظ في مرتبة لصدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة".
ولذا قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه من حديث الليث عن ابن عجلان، وروى هذا الحديث سفيان بن عيينة وغير واحد عن سُمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي ﷺ نحو هذا، وكأن رواية هؤلاء أصح من رواية الليث، انتهى.
قلت: وهذا الحديث مما اختلط عليه، لأن غيره يرويه عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي ﷺ مرسلًا. وهو الذي رجَّحه الترمذي وقبله البخاري.
وقول الترمذي: من حديث الليث، عن ابن عجلان - أي عن سُمي، لأن المقارنة بين ابن عجلان وغيره عن سُمي. وليس بين الليث بن سعد وبين غيره.
وممن رواه عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش مرسلًا سفيانُ بن عيينة. ومن طريقه رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٩) وسفيانُ بن عيينة أوثقُ من ابن عجلان. وكذلك رواه سفيانُ الثوري.
قال البيهقي (٢/ ١١٧): وكذلك رواه سفيانُ الثوري، عن سُمي، عن النعمان مرسلًا. قال البخاري: "وهذا أصح بإرساله" انتهى.
١٠ - باب السجود على سبعة أعظم
• عن ابن عباس قال: أُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يسجدَ على سبعة أعضاء، ولا يكُفُّ شعرًا، ولا ثوبًا: الجبهةِ واليدين والركبتين والرجلين.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٠٩)، ومسلم في الصلاة (٤٩٠) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره.
وروى عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس وفيه: وعلى الجبهة - وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثيابَ والشعرَ.
стр. 1343
رواه الشيخان - البخاري (٨١٢)، ومسلم - كلاهما من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس به مثله. وفي رواية: ولا نكُفَّ ثوبًا ولا شعرًا.
وقوله: نكفِت من الكفْت هو الضم، وهو بمعنى الكفِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [سورة المرسلات: ٢٥] أي: تجمع الناس في حياتهم وموتهم.
والمراد منه: لا يجمع ثيابه ولا شعره عند السجود، والحكمة في ذلك كما قيل: إنه إذا رفع توبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه بالمتكبر.
• عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبدُ سجد معه سبعةُ أطراف: وجهُه وكفاه وركبتاه وقدماه".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٩١) عن قتيبة بن سعيد، ثنا بكر (وهو ابن مُضَر) عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعيد، عن العباس بن عبد المطلب فذكر الحديث.
يبدو أنّ هذا الحديث سقط في بعض نسخ مسلم، فإنّ الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٣٨٣) عزاه لأصحاب السنن الأربعة، فتنبه.
١١ - باب السجود على الجبهة مع الأنف
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رُئي على جَبْهتِه، وعلى أرْنَبيِه أثرُ طين من صلاة صلاها بالناس.
صحيح: رواه أبو داود (٨٩٤، ٨٩٥) عن ابن المثنى، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا معمر، ورواه أيضًا عن محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري فذكر مثله.
وأصله في الصّحيحين - البخاري في الأذان (٨١٣) عن موسى، قال حدثنا همام، عن يحيى به في حديث طويل وسيأتي في فضل ليلة القدر، ورواه مسلم في الصيام (١١٦٧) من طريق عبد الرزاق به مثله، كما رواه أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير في حديث طويل وسيأتي في الصيام.
• عن أبي حميد الساعدي أنّ النبيّ ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض.
حسن: رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٧٠)، والطحاوي (١٤٩٢)، والبيهقي (٢/ ١٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٦٤٠) كلهم من حديث فليح بن سليمان، حدثني عباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: بل هو حسن فقط من أجل فليح بن سليمان الخزاعي فإنه وإن كان من رجال الجماعة إلا أنه مختلف فيه، والخلاصة فيه: أنه يحسن في الشواهد.
وروي أيضًا عن وائل بن حجر، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض واضعًا جبهته
стр. 1344
وأنفه في سجوده".
رواه الإمام أحمد (١٨٨٦٤) وعنه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٩) عن عبد الصمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا الأعمش، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، فذكره. وعبد الجبار لم يسمع من أبيه.
قال الترمذي عقب إخراج حديث أبي حميد: "والعمل عليه عند أهل العلم أن يسجد الرجل على جبهته وأنفه، فإن سجد على جبهته دون أنفه فقد قال قوم من أهل العلم يجزئه. وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف".
قلت: وبه قال أحمد وإسحاق وهو قول الشافعي أيضًا.
هذا هو الصحيح من فعل النبيّ ﷺ في وضع الأَنْف مع الجبهة على الأرض، وأما ما روي: "من لم يُلْزق أنْفَه بالأرض إذا سجد لم تَجُزْ صلاتُه"، فكلها ضعيفة منها حديث ابن عباس في الكبير (١١٩١٧)، والأوسط (٤١١١) للطبراني وفيه الضحاك بن حُمرة قال البخاري: منكر الحديث مجهول، وضعَّفه غير واحد، وفي التقريب: "ضعيف". وحُمرة: بضم المهملة وبالراء.
ومنها حديث أم عطية: "إن الله لا يقبل صلاة من لا يُصيبُ أنفُه الأرضَ" رواه الطبراني في الكبير (٢٥/ ٥٥)، والأوسط (٤٧٥٨) وفيه سليمان بن محمد القافلاني وهو متروك كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٧٦٣).
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٢) عن ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة قال: مر رسول الله ﷺ على إنسان ساجد لا يَضعُ أنْفَه في الأرض فقال: من صلى صلاة لا يصيبُ الأنفُ ما يُصيبُ الجبينُ لم تُقبل صلاتُه". وهو مرسل.
ورواه الدارقطني (١٣١٩) وعنه البيهقي (٢/ ١٠٤)، والحاكم (١/ ٢٧٠) كلّهم من طريق الجراح بن مخلد، ثنا أبو قتيبة، ثنا سفيان الثوري، ثنا عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال الدراقطني: قال لنا أبو بكر: لم يسنده عن سفيان إلا أبو قتيبة فالصواب عن عاصم عن عكرمة مرسل".
وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقد أوقفه شعبة عن عاصمه. ثم رواه الحاكم من الطريق السابق عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس من قوله. انتهى.
ولكن رواه البيهقي في الموضع المشار إليه أعلاه فقرن شعبة بالثوري في الرفع.
فهذا الحديث دائر بين الإرسال والوقف والرفع.
وقال البيهقي في "المعرفةه (٣/ ٢٣): "وإنما أسنده بذكر ابن عباس فيه أبو قتيبة، عن سفيان وشعبة، عن عاصم، عن عكرمة، وغلط فيه، ورواه سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس
стр. 1345
موقوفًا، قال الترمذي فيما قرأت من كتابه: حديث عكرمة أصح، وكذلك قاله غيره من الحفاظ" انتهى. أي: أن المرسل هو الأصح.
ولكن عارضه قول من قال: أبو قتيبة هو سلم بن قتيبة الشعيري الخراساني ثقة، وثقه أبو داود وأبو زرعة والحاكم وابن حبان وغيرهم. وأخرج له البخاري.
قال ابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٢٥٧): "هو ثقة أخرج عنه البخاري، والرفع زيادة وهي من الثقة مقبولة".
والخلاصة: أن هذا الحديث يقويه فعل النبي ﷺ بأنه كان يضع أنفه مع جبهته عند سجوده، وسبق قول الترمذي من قال من أهل العلم: يجب وضع الأنف مع الجبهة في السجود وهم الجمهور.
١٢ - باب من قال: الاكتفاء بالسجود على الأنف
• عن عبد الله بن عباس قال: قال النبيُّ ﷺ : "أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة. وأشار بيده على أنفه -، واليدين، والركبتين، والرِّجلين".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨١٢)، ومسلم في الصلاة (٤٩٠) كلاهما من حديث وهب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
فقوله: "وأشار بيده على أنفه" دليل لمن قال: بأنه يكفي فيه إصابة الأنف بالأرض في السجدة، وإن كان ابن المنذر نقل إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده.
وذهب الجمهور إلى أنه يجزيء على الجبهة وحدها.
ومن قال غير ذلك جعل الجبهة والأنف عضوًا واحدًا وإلا تكون الأعضاء التي يسجد عليها ثمانية.
١٣ - باب السجود على اليدين مع الجبهة
• عن ابن عمر رفعه قال: "إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما".
صحيح: أخرجه أبو داود (٨٩٢) عن الإمام أحمد، وهو في مسنده (٤٥٠١)، والنسائي (١٠٩٢) عن زياد بن أيوب دَلُّويه - كلاهما عن إسماعيل ابن عليه، أنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله.
وإسناده صحيح، وقد صحَّحه ابن خزيمة (٦٣٠)، والحاكم (١/ ٢٢٦) وعنه رواه البيهقي (٢/ ١٠١)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين"، ثم رواه البيهقي (٢/ ١٠٢) من طريق وُهيب قال: ثنا أيوب به إلا أنه صرح برفعه إلى النبي ﷺ فقال: عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ وإسناده صحيح أيضًا.
قال البيهقي: كذا قال: ورواه إسماعيل ابن علية، عن أيوب، فقال: رفعه، ورواه حماد بن زيد
стр. 1346
عن أيوب موقوفًا على ابن عمر، ورواه ابن أبي ليلى عن نافع مرفوعًا".
١٤ - باب نصب القدمين ورصّهما في السجود
• عن عائشة، قالت: فقد رسول الله ﷺ في ليلة من الفراش، فالتمستُه. فوقعتْ يدي على بطْن قدميه وهو في المسجد (أي في السجود) وهما منصوبتان وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، حدثني عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فقدتُ رسول الله ﷺ ، وكان معي على فراشي، فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه، مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة، فسمعته يقول: "أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، أُثني عليك، لا أبلغ كل ما فيك" فلما انصرف قال: "يا عائشة أخذ شيطانكِ" فقالت: أما لك شيطان؟ قال: "ما من آدمي إلا له شيطان" فقلت: وأنت يا رسول الله! قال: "وأنا، ولكني دعوتُ الله عليه فأسلم".
صحيح: رواه ابن خزيمة (٦٥٤) ومن طريقه ابن حبان (١٩٣٣)، والحاكم (١/ ٢٢٨) وعنه البيهقي (٢/ ١١٦) كلهم من حديث سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني عمارة بن غزية، قال: سمعتُ أبا النضر يقول: سمعتُ عروة بن الزبير، يقول: قالت عائشة فذكرت الحديث، إلا أن ابن حبان خالفه في قوله: "يا عائشة أخذك شيطانك، فقال: "يا عائشة أَحَرَّبَكِ شيطانُك، أي: أهاجك وأغضبك.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وصحَّحه أيضًا ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٢٥٦) بعد أن عزاه لابن حبان.
١٥ - باب في اليدين أين تكونان من الرأس عند السجود
• عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ حين سجد ويديه قريبًا من أذنيه.
حسن: رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٠) وعبد الرزاق (٢٩٤٨) كلاهما من طريق سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر فذكره.
وإسناده حسن لأجل عاصم بن كليب، والحديث جزء من الحديث الطويل في وصف صفة صلاة النبي ﷺ وقد سبق تخريجه في باب رفع اليدين، وفي باب وضع اليمين على الشّمال.
стр. 1347
١٦ - باب الاعتماد على الكفين في السجود، وضم أصابعهما وتوجيهها إلى القبلة
• عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله ﷺ يسجد على أليتي الكفّ.
حسن: رواه أحمد (١٨٦٠٤)، وصحَّحه ابن خزيمة (٦٣٩)، وعنه ابن حبان (١٩١٥)، والحاكم (١/ ٢٢٧) ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٠٧) كلهم من حديث الحسين بن واقد، حدّثنا أبو إسحاق، حدثني البراء، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد المروزي فإنه حسن الحديث.
• عن البراء بن عازب، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا ركع بسط ظهره، وإذا سجد وّجه أصابعه قبل القبلة، فتفاجَّ.
حسن: رواه البيهقي (٢/ ١١٣) عن أبي العباس محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا الحسين بن علي الصدائي، حدثني أبي علي بن يزيد، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره.
وأبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي هو السراج صاحب المسند إلا أني لم أجد هذا الحديث في "حديث السراج" المطبوع بتحقيق الأخ ابن عكاشة، ولكن وجدته في "مسند السراج" (٣٥٢) بتحقيق الشيخ إرشاد الحق الأثري.
وإسناده حسن من أجل الكلام في الحسين بن علي الصدائي، ولكن قال الحافظ في "الدّراية": "إسناده صحيح".
قلت: هو مختلف فيه، فقال أحمد: "ما كان به بأس" وتكلّم فيه أبو حاتم غير أنه يحسن حديثه هذا لوجود شواهد متفرقة له.
• عن وائل بن حجر، أنّ النبي ﷺ كان إذا ركع فرَّج أصابعه، وإذا سجد ضمَّ أصابعه.
حسن: رواه ابن خزيمة (٥٩٤)، وابن حبان (١٩٢٠)، والحاكم (١/ ٢٢٧)، والبيهقي (٢/
١١٢) كلهم من حديث الحارث بن عبد الله بن إسماعيل بن عقبة بن الخازن، ثنا هشيم، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل ابن الخازن فإنه حسن الحديث، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "مستقيم الحديث" وقال الذهبي في "الميزان": "صدوق".
وأما قول الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" فهو وهم منه، فإنّ ابن الخازن هذا ليس من رجال التهذيب أصلًا.
ولكن رواه الحاكم (١/ ٢٢٤) من وجه آخر عن عمرو بن عون، ثنا هشيم بإسناده وقال: "على شرط مسلم" وهو كما قال.
стр. 1348
١٧ - باب ما جاء في جلسة الاستراحة
• عن مالك بن الحويرث الليثي أنه رأى النبي ﷺ يُصَلِّي، فإذا كان في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٨٢٣) عن محمد بن الصباح، أخبرنا هُشيم، قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، أخبرنا مالك بن الحويرث فذكره.
وهذه الجلسة تُسمى جلسة الاستراحة كما قال ابن القيم في زاده (١/ ٢٤٠).
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٠٢): "أخذ بها الشافعي، وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها".
يعني ترك قوله بترك الجلوس لحديث مالك بن الحويرث كما في المغني (١/ ٢١٣).
• عن أبي حُميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبو قتادة فذكر الحديث في صفة صلاة النبي ﷺ وفيه: ثم يعود - يعني إلى السجود، ثم يرفع فيقول: الله أكبر، ثم يثني رجله فيقعد عليها معتدلًا حتى يرجع، أو يقر كل عظم موضعه معتدلًا.
صحيح: رواه البيهقي (٢/ ١٢٣) واللفظ له، عن شيخه الحاكم أبي عبد الله، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن سنان، ثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعتُ أبا حُميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبيّ ﷺ ... فذكر مثله.
وإله أشار البيهقي في "المعرفة" (٣/ ٤٢) قائلًا: "وروينا جلسة الاستراحة في حديث أبي حُميد الساعدي" إلا أنه لم يذكره في الباب، والحديث رواه أيضًا أبو داود (٩٦٣) من طريقين؛ عن الإمام أحمد بن حنبل، ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، وعن مسدد، عن يحيي - (وهو ابن سعيد) كلاهما عن عبد الحميد بن جعفر به، في حديث صفة صلاة النبي ﷺ إلا إنه لم يتضح لي موضع الشاهد إلا قوله: "يفتخ بالخاء - أصابع رجليه إذا سجده، ثم يقول: "الله أكبر ويرفع، ويُثني رجله اليُسرى فيقعد عليها، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك"، ولكن الحافظ ابن حجر أكد على أن جميع الروايات عن أبي حُميد لم تتفق على نفي جلسة الاستراحة، بل أخرجه أبو داود أيضًا من وجه آخر عنه بإثباتها، وذلك ردًّا على الطحاوي الذي ادعى بخلو حديث أبي حُميد عنها، انظر: "الفتح" (٢/ ٣٠٢).
قلت: هكذا رواه أبو داود حديث أبي عاصم عن الإمام أحمد، ولم أجده في المسند، وإنما رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٣٥٩٩) عن يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر به في صفة صلاة النبي ﷺ ، والشاهد فيه قوله: "ثم هوى ساجدًّا وقال: الله أكبر ثم جافي، وفتح عَضُديه عن
стр. 1349
بطنه، وفتح أصابع رجليه، ثم ثَنَى رجله اليسرى، وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجدًّا وقال: الله أكبر، ثم ثنى رجله، وقعد عليها حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، ثم نهض، فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك".
ورواه أيضًا الترمذي (٣٠٤) عن محمد بن بشار ومحمد بن المثنَّى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد القطان فذكر صفة صلاة النبي! ﷺ ، والشاهد مثله.
وقوله: فتخ - بالخاء المعجمة - أي فتح أصابع رجليه: أي نصبها وغمز موضع المفاصل منها، وثناها إلى باطن الرجل، وأصل الفتخ: اللين، وفيه يقال للعقاب: فتخاء، لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها" كذا في النهاية.
وأما ما جاء في بعض الروايات: فتح - بالحاء المهملة، فيرى بعض أهل العلم أنه تصحيف، وإن كان معناه قريب منه.
١٨ - باب القعود على العقبين بين السجدتين وهو الإقعاء المباح
• عن أبي الزبير أنه سمع طاوسًا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين؟ فقال: هي السنَّة، فقلنا له: إنا لنراه جفاءً بالرجُلِ فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك محمد ﷺ .
صحيح: أخرجه مسلم في المساجد (٥٣٦) عن إسحاق بن إبراهيم، أنبا محمد بن بكر، أنبأ ابن جريج، أخبرني أبو الزبير فذكر الحديث.
اختلف أهل العلم في حكم الإقعاء وتفسيره؛ فإن كان تفسيره أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو المراد به في حديث ابن عباس فهو مستحبة عند الشافعي، وبه قال أكثر أهل الحديث.
وقد ثبت ذلك عن العبادلة، قال الأعمش، عن عطية: رأيتُ العبادلة يقعون في الصلاة بين السجدتين، يعني عبد الله بن الزبير، وابن عمر، وابن عباس. رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨٥، ٢٨٦) عن أبي معاوية، عن الأعمش. وكذلك رواه أيضًا طاوس، قال معاوية بن خديج: رأيتُ طاوسًا يقعي، فقلتُ: رأيتك تقعي؟ فقال: ما رأيتني أقعي، ولكنها الصلاة. رأيت العبادلة الثلاثة يفعلون ذلك؟ عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، رواه البيهقي (٢/ ١١٩) من طريق سفيان، ثنا أبو زهير معاوية بن خليج فذكر مثله.
قال البيهقي: فهذا الإقعاء المرخص فيه، أو المسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمر، وهو أن بضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع ألْيتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض".
قال الترمذي (٢٨٣) بعد ما روى حديث ابن عباس: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي ﷺ يرون بأسًا بالإقعاء. وهو قول بعض أهل مكة من أهل العلم
стр. 1350
والفقه". انتهى.
وقال المازري في "المعلم" (١/ ٢٧٤): وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يُصلي مُقْعِيًا، قال ابن شُميل: الإقعاء أن يجلس على وركيه، وهو الاحتفاز والاستيفاز.
وقال المازري أيضًا: حكى الثعالبي في أشكال الجلوس عن الأئمة: أن الإنسان إذا ألصق عَقِبيه بأليتيه قيل: أقعى، وإذا استوفز في جلوسه، كأنه يريد أن يثور للقيام، قيل: احتفز واقعنفز، أو قعد القَعْفَزي، فإذا ألصق أليتيه بالأرض، وتوسط سناقيه قيل: قرطس. انتهى.
قلت: ولا منافاة بين هذا الإقعاء الذي ذكره ابن عباس، وفسره ابن شُميل وغيره من أهل اللغة وبين الاقتراش الذي ورد في حديث أبي حُميد وغيره فإنها كلها سنة، وقد قال به أهل العلم والفقه من أهل مكة، ويظهر منه أن النبي ﷺ كان يفعل تارة هذه، وتارة هذه. فلا حاجة إلى تأويل بأن ذلك كان لأجل عذر من مرض وغيره.
وأما إن فسرنا الإقعاء بأن يُلصق ألْيتيه بالأرض، وينصبَ ساقيه، ويضعَ يديه على الأرض كإقعاء الكلب والقرد كما قال الهروي وغيره من أهل اللغة، فهذا الذي ورد النهي في الأحاديث، وإن كان أسانيدها ضعيفة مثل حديث علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تُقْعِ بين السجدتين".
رواه الترمذي (٢٨٢) عن عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب فذكره، قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه من حديث علي إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. وقال: وقد ضعَّف بعض أهل العلم الحارث الأعور". انتهى
قلت: الحارث الأعور مع ضعفه عند أهل العلم فيه أيضًا أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس قد عنعن.
ومثل حديث أبي هريرة قال: "أمرني خليلي بثلاث، ونهاني عن ثلاث، أمرني بركعتي الضحى، وصوم ثلاثة أيام من الشهر، والوتر قبل النوم، ونهاني عن ثلاثة: عن الالتفات في الصلاة كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء القرد، ونقر كنقر الديك"، روي عن أبي هريرة من طريقين: أحدهما من طريق ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، ومن طريقه رواه البيهقي (٢/ ١٢٠)، ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨٥) عن علي بن مسهر، عن ليث به مكتفيا بقوله: "نهاني خليلي أن أقعي كإقعاء القرد".
ورواه الإمام أحمد (١٠٤٥٠، ١٠٤٨٣) عن طريقين، عن ليث به إلا أنه اكتفى بذكر الشطر الأول من الحديث، ولم يذكر الشطر الثاني، وإن الشطر الأول جاء من طرق صحيحة، وسيأتي في صلاتي الضُّحى والوتر.
والطريق الثاني ما رواه أبو داود الطيالسي (٢٧١٦) قال: حدثنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي
стр. 1351
زياد، عمن سمع أبا هريرة يقول فذكر الحديث بطوله.
ورواه الإمام أحمد (٧٥٩٥) عن محمد بن فُضيل، حدثنا يزيد بن أبي زياد به، وفيه علتان: إحداهما زياد بن أبي زياد فإنه ضعيف، والثانية: جهالة الراوي عن أبي هريرة، وقد سماه شريك في رواية عن يزيد بن أبي زياد بأنه مجاهد، رواه الإمام أحمد (٨١٠٦) عن يحيى بن آدم، حدثنا شريك به، وشريك وشيخه ضعيفان.
وفي هذا المعنى أحاديث أخرى غير ما ذكرتُ وكلها ضعيفة وأكد بذلك النووي وغيره، انظر للمزيد "السنن الكبري" (١/ ١٢٠).
١٩ - باب ما جاء في النهي عن عقبة الشيطان وهو الإقعاء المكروه
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يفرش رجْلَه اليُسرى، وينصبُ رجْلَه اليُمنى، وكان ينهى عن عُقْبةِ الشيطان.
وفي رواية: كان ينهى عن عَقِبِ الشيطان.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٤٨) من طريق حسين المعلم، عن بُديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة في حديث طويل سبق ذكره في بداية القراءة بفاتحة الكتاب، وفي باب الاعتدال في الركوع والسجود.
وقوله: كان ينهى عن عُقْبَة الشيطان - وهو الإقعاء المكروه الذي فسره أهل اللغة كما سبق فإذا جعلنا الإقعاء على نوعين نوع فسره أهل اللغة فيكون مكروهًا، ونوع فسره الفقهاء فيكون مستحبًا وبهذا يمكن الجمع بين الحديثين، ولا نحتاج إلى نسخ ما قاله ابن عباس كما ادعى المازري بأنه لم يعلم ما ورد من الأحاديث الناسخة التي فيها النهي عن الإقعاء.
وأبدى الحافظ ابن حجر احتمالًا آخر، وهو أن يكون النهي الوارد في هذا الحديث للجلوس للتشهد الأخير، ويكون القعود على العقبين بين السجدتين.
انظر "التلخيص" (١/ ٢٥٨) وهو تبع في ذلك البيهقي (١/ ١٢٠) يقول: "فلا يكون منافيا لما روينا عن ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين" انتهين
ومن الإقعاء المكروه أن يجلس الرجل في الصلاة معتمدًا على يده اليسرى لما جاء:
• عن ابن عمر، أنَّ النبي ﷺ نهى رجلًا وهو جالس معتمدًا على يده اليسرى في الصلاة، فقال: إنّها صلاة اليهود".
صحيح: رواه الحاكم (١/ ٢٧٢) من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
стр. 1352
ومن طريقه رواه البيهقي (٢/ ١٣٦) أيضًا مثله.
وتابعه عبد الرزاق عن معمر، وعنه رواه الإمام أحمد (١٣٤٧) - وعنه أبو داود (٩٩٢) - ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة، وهو يعتمد على يديه".
وهذا هو الصحيح من حديث عبد الرزاق الذي رواه أحمد، وأخطأ من جعل الحديث في الاعتماد في الرفع من السجود كما في سنن أبي داود عن أحمد بن محمد بن شبُويه ومحمد بن رافع ومحمد بن عبد الملك الغزال، كلهم عن عبد الرزاق.
قال البيهقي: "والذي يدل عليه رواية أحمد بن حنبل هي المراد بالحديث".
ثم رواه أبو داود (٩٩٤) من طرق عن هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أنه رأى رجلًا يتكئ على يده اليسرى، وهو قاعد في الصلاة.
وفي رواية: "ساقطًا على شقه الأيسر. فقال: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذّبون".
وهي قرينة قوية بأن المقصود من حديث ابن عمر هو الإقعاء المكروه.
٢٠ - باب كيفية النهوض إلى الركعة الثانية وسائر الركعات
• عن أبي قِلابة قال: جاءنا مالك بن الحويرث فصلَّى بنا في مسجدنا هذا فقال: إنِّي لأصَلِّي بكم وما أريد الصلاةَ، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيتُ النبي ﷺ يُصَلِّي، قال أيوب: فقلت لأبي قِلابة: وكيف كانت صلاتُه؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا يعني عمرو بن سلمة، قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يُتم التكبيرَ، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٨٢٤) عن معلي بن أسد، قال: حدثنا وُهيب، عن أيوب، عن أبي قِلابة فذكر مثله.
قال الشافعي في الأم (١/ ١١٧) بعد أن روى حديث مالك بن الحويرث عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قِلابة به مثله: "وبهذا نأخذ فنأمر من قام من سجود، أو جلوس في الصلاة أن يعتمد على الأرض بيديه معًا اتباعًا للسنة".
• عن الأزرق بن قيس قال: رأيتُ ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيده. فقلت لولده ولجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا: لا ولكن هذا يكون.
حسن: رواه البيهقي (٢/ ١٣٥) من حديث كامل بن طلحة، نثا حماد بن سلمة، عن الأزرق، فذكره.
وإسناده حسن من أجل كامل بن طلحة وهو الجحدري فإنه لا بأس به، وهو حسن الحديث. قال البيهقي: وروينا عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يستند على يديه إذا نهض، وكذلك كان يفعل الحسن وغير واحد من التابعين.
стр. 1353
وقوله: "ولكن هذا يكون" إشارة إلى الرفع.
وأما ما رواه الطبراني في الأوسط (٤٠١٩) من حديث يونس بن بكير، قال: حدثنا الهيثم بن علقمة، عن عطية بن قيس بن ثعلبة، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت عبد الله بن عمر وهو يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام.
فقلت: ما هذا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يعجن في الصلاة - يعني يعتمد" فقوله: "يعجن" منكر.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأزرق إلا الهيثم، تفرد به يونس بن بكير".
قلت: يونس بن بكير مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
ولكن شيخه الهيثم بن علقمة "مجهول" ولم يتابعه أحد على قوله: "يعجن".
وقد روي ذلك أيضًا عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن".
قال ابن الصلاح في كلامه على الوسيط: "هذا الحديث لا يصح، ولا يعرف، ولا يجوز أن يحتج به". وقال النووي في "شرح المهذب": هذا حديث ضعيف، أو باطل لا أصل له".
ذكره الحافظ في "التلخيص" (٣٩٢) (١/ ٤٢٣) وأطال الكلام فيه، فليراجعه من شاء.
وأما الاعتماد على اليدين في النهوض، فقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض؛ لأنّ مالك بن الحويرث وصف صلاة النبي ﷺ فقال: "ثم اعتمد على الأرض". كذا ذكره ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢١٣ - ٢١٤).
وأما الإمام أحمد فنقل عنه أنه لا يعتمد على يديه سواء جلس جلسة الاستراحة أو لم يجلس" انتهى.
وقال ابن هانئ: "سألت أبا عبد الله: الرجل ينهض على يديه في الصلاة؟ قال: لا ينهض على يديه إلا أن يكون شيخًا كبيرًا، فينهض على يديه. ولينهض على صدور قدميه".
ثم قال: "رأيت أبا عبد الله (يعني الإمام أحمد) ربما يتوكّأ على يديه إذا قام في الركعة الأخيرة، وربما استوى جالسًا، ثم ينهض". مسائل الإمام أحمد (١/ ٥٤).
وقال النووي في "شرح المهذب" (٣/ ٤٤٤): وقد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يقوم معتمدًا على يديه، وحكى ابن المنذر هذا عن ابن عمر ومكحول وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي زكرياء والقاسم بن عبد الرحمن ومالك وأحمد".
وأما ما رُوي عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميها فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٢٨٨) عن يحيى بن موسى، حدثنا أبو معاوية، حدثنا خالد بن إلياس، عن صالح مولى التواق، عن أبي هريرة فذكر مثله.
قال الترمذي: "خالد بن إلياس ضعيف عند أهل الحديث، ويقال خالد ابن إياس أيضًا".
стр. 1354
وقال البيهقي (٢/ ١٢٤): روي خالد بن إلياس، ويقال: إياس، وهو ضعيف، عن صالح مولى التوأة، عن أبي هريرة فذكر مثله، وقال: حديث مالك بن الحويرث أصح. انتهى.
وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٠٣): وعند سعيد بن منصور بإسناد ضعيف عن أبي هريرة فذكر مثله، وقال: وعن ابن مسعود مثله بإسناد صحيح. انتهى.
قلت: أثر ابن مسعود أخرجه البيهقي ٢/ ١٢٥) وقال: هو عن ابن مسعود صحيح، ومتابعة السنة أولى. وكذلك حديث وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ضعيف أيضًا.
انظر تخريجه في باب الخرور إلى السجود.
وعن المغيرة بن حكيم أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قَدَمَيه، فلما انصرف ذكر له ذلك فقال: إنها ليست من سنة الصلاة، وإنما أفعل هذا من أجل أنّي أشتكي، رواه مالك في الصلاة (٥٠) عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم به مثله.
٢١ - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
• عن ابن عباس قال: كشف رسولُ الله ﷺ الستارة، والناسُ صفوف خَلْف أبي بكر، فقال: "أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم. أو تُرَى له؛ ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الربَّ ، وأما السجودُ فاجتهدوا في الدعاء. فقَمِن أن يُستجاب لكم".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٧٩) من أوجه عن سفيان بن عيينة، قال: أخبرني سليمان بن شحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس فذكر الحديث.
ورواه أيضًا من طريق إسماعيل بن جعفر، أخبرني سليمان بن سحيم به ولفظه: كشف رسول الله ﷺ السِتر، ورأسه معصوب في مَرَضِه الذي مات فيه فقال: "اللهم هل بَلَّغْتُ" ثلاث مرات "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو تُرى له" ثم ذكر بمثل حديث سفيان.
• عن علي بن أبي طالب قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعًا وساجدًا.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٠) من طريق ابن شهاب والوليد بن كثير وزيد بن أسلم كلهم عن إبراهيم بن عبد الله بن خنين، عن أبيه، أنه سمع علي بن أبي طالب فذكره وألفاظهم متقاربة.
ورواه داود بن قيس، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، فأدخل بين أبيه وبين علي بن أبي طالب - عبد الله بن عباس، ورواه مالك في الصلاة (٢٨) عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن أبي طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القَسّي، وعن تختُم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع، ولم يذكر النهي عن القراءة في السجود.
стр. 1355
ومن طريق مالك وغيره رواه مسلم في الصلاة (٤٧٩/ ٢١٣) وقال: ولم يذكروا في رواياتهم النهي عنها في السجود، كما ذكره الزهري وزيد بن أسلم والوليد بن كثير وداود بن قيس، ورواه أيضًا في كتاب اللباس (٢٠٧٨) من طريق مالك مثل الموطأ سواء.
وأما الزهري فروى عنه يونس ولم يذكر النهي عن القراءة في السجود مثل مالك، بينما روي معمر عنه فذكر الركوع والسجود فالذين ذكروا النهي عن القراءة في الركوع والسجود حجة على من لم يذكروا.
٢٢ - باب فضل السجود
• عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، أراد أن يُخرج برحمته من أراد مَن أهل النارِ، أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يُشرك بالله شيئًا ممَّن أراد أن يَرحمه ممَّن يشهد أن لا إله إلَّا الله. فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلَّا أثر السجود. حرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيُصبُّ عليهم ماءُ الحياةِ فينبتون تحته، كما تنبت الحِبَّة في حميل السيلِ".
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب التوحيد (٧٤٣٧) ومسلمٌ في الإيمانِ (١٨٢) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة .. فذكره، في حديثٍ طويلٍ سبق ذكره في الإيمان.
٢٣ - باب الأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود
• عن ابن عباس قال: كشف رسول الله الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: "أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو تُرى له، ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظِّموا فيه الربَّ ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يُستجاب لكم".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٧٩) من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سُحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره، وسبق ذكر الحديث في باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد فأكثرِوا الدُّعاء".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٢) من طريق سُمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح
стр. 1356
ذكوان، يحدث عن أبي هريرة ... فذكر الحديث.
٢٤ - باب ما جاء في الحث على كثرة السجود
• عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيتُ ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخْبِرني بعَمل أعملُه يُدخلني الله به الجنةَ، أو قال: قلت: بأحبِّ الأعمال إلى الله. فسكت ثم سألتُه فسكت، ثم سألتُه الثالثة. فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "عليك بكثرة السجود لله. فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً".
قال معدانُ: ثم لقيتُ أبا الدرداء فسألتُه. فقال لي مثل ما قال لي ثوبان.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٨) من طريق الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المُعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليَعْمَري فذكر مثله.
• عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنتُ أبيتُ مع رسول الله ﷺ فأتيتُه بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سَلْ" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "أو غير ذلك" قلت: هو ذاك، قال: "فَأعِنِّي على نفسِك بكثرة السجود".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٩) من طريق الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي فذكر مثله، وفي الحديث دليل لمن يقول: إن تكثير السجود أفضل من تطويل القيام. ولكن لما عارضه حديث جابر في صحيح مسلم أن النبيَّ ﷺ قال: "أفضل الصلاة طول القنوت" توقف الإمام أحمد عن الترجيح. والمراد بالقنوت القيام.
ورواه الإمام أحمد (١٦٥٧٩) من طريق أُخرى أتمّ من هذا عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني محمّد بن عمرو بن عطاء، عن نُعيم بن مُجمر، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أخْدُم رسول الله ﷺ وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع، حتى يصلى رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول: لعلّها أن تحدث لرسول الله ﷺ حاجة، فما أزال أسمعه يقول رسول الله ﷺ : سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله وبحمده" حتى أملَّ فارجع، أو تغلبني عيني، فأرقد. قال: فقال لي يومًا لِما يرى من خفَّتي له وخدمتي إياه: "سلني يا ربيعة أُعطك" قال: فقلت: أَنظر في أمري يا رسول الله! ثم أعلمك ذلك. قال: ففكّرت في نفسي، فعرفت أنَّ الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رِزقًا سيكفيني ويأتيني. قال: فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي، فإنّه من الله بالمنزل الذي هو به. قال: فجئته فقال: "ما فعلت يا ربيعة؟ " قال: فقلت: نَعَم يا رسول الله! أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيُعتقني من النار. قال: فقال: "من أمرك بهذا ياربيعة؟ " قال: فقلت: لا والذي بعثك بالحقّ! ما أمرني به أحدٌ، لكنك لما قُلت سلني أُعطك، وكنت من الله بالمنزل
стр. 1357
الذي أنت به، نظرت في أمري وعرفت أنّ الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي رزقًا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي. قال: فصمت رسول الله ﷺ طويلًا، ثمّ قال لي: "إنِّي فاعلٌ، فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود".
إسناده حسن لأجل محمّد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث.
• عن خادم للنبي ﷺ رجل أو امرأة قال: كان النبي ﷺ مما يقول للخادم: "ألك حاجة؟ " قال: حتى كان ذات يوم، فقال: يا رسول الله حاجتي. قال: "ما حاجتك؟ " قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة. قال: ومن دلك على هذا؟ " قال: ربّي. قال: "إمّا لا فأعنِّي بكثرة السجود".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٠٧٦) عن عفان، حدثنا خالد - يعني الواسطي -، قال: حدثنا عمرو بن يحيى الأنصاري، عن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم، عن خادم للنبي ﷺ فذكره.
قال الهيثمي (٢/ ٢٤٩): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال؛ فرجاله رجال الشيخين غير زياد بن أبي زياد، واسم أبي زياد؛ ميسرة من رجال مسلم. وإسناده صحيح، والخادم المبهم في هذا الحديث قد يكون هو ربيعة بن كعب نفسه إلا أنه سأل في الحديث الأول الذي عند مسلم، مرافقة النبي ﷺ في الجنة، وفي هذا الحديث سأل أن يُعتقه الله من النار، فلعلّ هذا سؤال آخر بعد إجابته النبيّ ﷺ بسؤاله الأوّل.
وقوله: "إمَّا لا" بكسر الهمزة، وتشديد الميم، بإدغام نون "إن" الشرطية في ميم "ما" الزائدة، والتقدير: لا تترك هذه الحاجة، فكن أنت معينًا لي على قضائها بكثرة السّجود. أفاده السِّندي.
• عن أبي فاطمة قال: قلت يا رسول الله! أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله. قال: "عليك بالسجود، فإنّك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله درجة، وحطَّ بها عنك خطيئة".
حسن: رواه ابن ماجه (١٤٢٢) عن هشام بن عمار وعبد الرحمن بن إبراهيم الدّمشقيان قالا: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة أنّ أبا فاطمة قال: فذكر الحديث. والوليد بن مسلم مدلس إلا أنه صرّح بالتحديث.
وعبد الرحمن بن ثابت مختلف فيه، والخلاصة أنه حسن الحديث، إلا ما يروي في تأييد مذهبه في القدر، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول.
قال ابن عدي: "له أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه، وأبوه ثقة".
والحديث في مسند الإمام أحمد (١٥٥٢٧) من طريق ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن زيد، عن كثير الأعرج الصدفي، قال: سمعت أبا فاطمة وهو معنا بذي العواري يقول ... فذكر الحديث.
стр. 1358
وابن لهيعة فيه كلام مشهور، ولكن في بعض الأسانيد بروي عنه عبد الله بن المبارك كما في زهده (١٢٩٦) وعبد الله بن يزيد المقرئ، وقتيبة بن سعيد وسماع هؤلاء كان قديمًا.
وكثير الأعرج الصدفي لا يُعرف، ولكن المحفوظ أنه من حديث كثير بن مُرَّة كما قال المزي وغيره. وللحديث أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحّها.
• عن الأحنف بن قيس قال: دخلت بيت المقدس، فوجدت فيه رجلًا يُكثِر السجود، فوجدت في نفسي من ذلك، فلمَّا انصرف قلت: أتدري على شفع انصرفت أم على وتر؟ قال: إن أك لا أدري، فإنّ الله يدري. ثمّ قال: أخبرني حِبِّي أبو القاسم ﷺ ثمّ بكى ثمّ قال: أخبرني حِبِّي أبو القاسم ﷺ ثمّ بكى ثمّ قال: أخبرني حِبِّي أبو القاسم ﷺ أنه قال: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلّا رفعه الله بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة".
قال: قلت: أخبرني من أنت يرحمك الله؟
قال: أنا أبو ذرٍّ صاحب رسول الله ﷺ . فتقاصَرَتْ إِليَّ نَفْسِي.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢١٤٥٢) عن عبد الرزاق - وهو في مصنَّفه (٣٠٦١ - ٤٨٤٧) قال: سمعت الأوزاعي يقول: أخبرني هارون بن رئاب، عن الأحنف بن قيس فذكره. ورواه البزّار (٣٩٠٣) من طريق الأوزاعي به.
وإسناده صحيح. وللحديث أسانيد أخرى رواه الإمام أحمد والطحاوي والبيهقي وغيرهم، غير أن ما ذكرته هو أصحّها.
وفي معناه ما رُوي عن عبادة بن الصامت أنّه سمع النبي ﷺ يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلّا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فأكثروا من السجود".
رواه ابن ماجه (١٤٣٤) عن العباس بن عثمان الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن خالد بن يزيد المُرِّي، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن الصُّنابحي، عن عبادة بن الصامت فذكره. وإسناده ضعيف لتدليس الوليد بن مسلم؛ فإنّه لم يُصرِّح بالسماع، وإنّه وُصف بتدليس التسوية.
٢٥ - باب ما يقال في الركوع والسجود
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأوَّلُ القرآن.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٨)، ومسلم في الصلاة (٤٨٤) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عائشة فذكرت الحديث.
وقوله: يتأول القرآن - فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ
стр. 1359
النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر].
ففي صحيح البخاري (٤٩٦٧) من طريق الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: ما صلَّى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها: "سبحانك ربَّنا وبحمدك اللهم اغفر لي".
وفي مسلم: ما رأيتُ النّبيَّ ﷺ منذ نزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يُصَلِّي صلاة إلا دعا، أو قال فيها: "سبحانك ربي وبحمدك اللهم اغفر لي" رواه من طريق الأعمش به، ورواه من طريق داود، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ من قول: "سبحان الله وبحمده، وأستغفرُ الله وأتوبُ إليه" قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تُكْثِرُ من قول "سبحان الله وبحمده أستغفرُ الله وأتوبُ إليه" فقال: "خَبَّرني ربي أني سأَرَى علامةً في أمَّتي، فإذا رأيتُها أكثرتُ من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله أتوبُ إليه، فقد رأتُيها. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتحُ مكة ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ ".
• عن عائشة قالت: افتقدتُ النبي ﷺ ذات ليلة، فظننتُ أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسَّسْتُ ثم رجعتُ فإذا هو راكع، أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت".
فقلت: بأبي أنت وأمي! إني لفي شأن، وإنك لفي آخر.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٥) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: قلت
العطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أَّما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. فأخبرني ابن أبي
مليكة، عن عائشة قالت ... فذكرتِ الحديث.
• عن عائشة قالت: فقدتُ رسول الله ﷺ ليلة من الفراش. فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سَخَطِك، وبمعافاتِك من عقوبتِك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، حدثني عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة ... فذكرت الحديث.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده "وسُبُّوحٌ قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٧٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بِشْر العبدي،
стр. 1360
حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عائشة نَبَّأته ... فذكرتِ الحديث.
ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية.
ومعنى قُدُوس: المطهَّرِ من كل ما لا يليق بالخالق.
• عن حذيفة أنه صلَّى مع النَّبِيّ ﷺ فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" وما مر بآية رحمة إِلَّا وقف عندها، فسأل، ولا بأية عذاب إِلَّا وقف عندها فتعوذ.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧٢) من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صِلة بن زفر، عن حذيفة في حديث طويل وسيأتي في صلاة الليل.
• وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللَّهُمَّ اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوَّلَه وآخِرَه، وعلانيتَه وسِرُّه".
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٨٣) من طريق سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ... فذكر الحديث.
• عن عليّ بن أبي طالب قال: كان النَّبِيّ ﷺ يقول إذا ركع: "اللَّهُمَّ؛ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سَمعِي وبَصَرِيّ، ومُخِّي وعَظْمِي وعصبي".
وإذا سجد يقول: "اللَّهُمَّ! لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وَجْهِي لِلذِي خلقَه، وصوَّره، وشقَّ سَمْعَه، وبصرَه، تبارك الله أحسنُ الخالقين".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧١) انظر باب ما جاء من دعاء النَّبِيّ ﷺ في السكتين بعد التكبير.
• عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قُمت مع رسول الله ﷺ ليلةً، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمةٍ إِلَّا وقف فسأل، ولا يمر بأية عذابٍ إِلَّا وقف فتعوذ، قال: ثمّ ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" ثمّ سجد بقدر قيامه، ثمّ قال في سجوده مثل ذلك، ثمّ قام فقرأ بآل عمران، ثمّ قرأ سورة سورة.
حسن: رواه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي (١١٣٢) والتِّرمذيّ في الشمائل (٣٠٦) كلّهم من طريق معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس الكنديّ، يقول: سمعت عاصم بن حميد، يقول سمعت عوف بن مالك يقول ... فذكر الحديث.
ورجاله ثقات وإسناده حسن فإن عاصم بن حميد وهو: السكونيّ، قال الدَّارقطنيّ: ثقة، وذكره
стр. 1361
ابن حبان في الثّقات، والخلاصة فيه أنه: "صدوق".
• عن جابر بن عبد الله، عن النَّبِيّ ﷺ أنه كان يقول في سجوده: "اللَّهُمَّ لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، وأنت ربيّ، سجد وجهي للذي خلقَه وصوَّره، وشقَّ سمعَه وبصَرَه، تبارك الله أحسن الخالقين".
صحيح: رواه النسائيّ (١١٢٧) عن يحيى بن عثمان قال: أخبرنا أبو حيوة، قال: حَدَّثَنَا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النَّبِيّ ﷺ فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
• عن جابر بن عبد الله، عن النَّبِيّ ﷺ كان إذا ركع قال: "اللَّهُمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، وعليك توكلتُ، أنت ربيّ، خَشَع سَمْعِي وبَصَرِي ودَمِي ولَحْمِي وعَظْمي وعَصَبِي لله ربّ العالمين".
صحيح: رواه النسائيّ (١٠٥١) عن يحيى بن عثمان الحمصيّ، حَدَّثَنَا أبو حيوة، حَدَّثَنَا شُعيب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ... فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، وأبو حيوة هو: شريح بن يزيد الحمصي الحضرمي.
ذكر جابر بن عبد الله اللفظين من الحديث، فالظاهر أنه ﷺ كان يقول: مرة كذا، ومرة كذا.
• عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ كان يسبح في ركوعه "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا، وفي سجوده "سبحان ربي الأعلى".
حسن: رواه البزّار "كشف الأستار" (٥٣٨) عن محمد بن صالح بن العوَّام، عن عبد الرحمن بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده، عن أبي بكرة. فذكره.
وإسناده حسن من أجل بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة؛ فإنه حسن الحديث، إذا كان لحديثه أصل ولم يخطئ، ولذا قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
• عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ صلى، فلمّا ركع قال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرات، ثمّ رفع رأسه.
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٣/ ٣٢١، ٣٢٢)، وأحمد (٢٢٩٠٦) كلاهما من طرق عن عبد الحميد بن بهرام الفزاريّ، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري ... فذكره. والسياق للطبرانيّ، وسياق أحمد أطول.
وإسناده حسن من أجل شهر بن حوشب.
قال الهيثميّ في مجمع الزوائد (٢٧٨٠): "فيه شهر بن حوشب، وفيه بعض كلام، وقد وثَّقه غير واحد".
• عن حذيفة بن اليمان أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا ركع: "سبحان ربي
стр. 1362
العظيم" ثلاث مرات، وإذا سجد قال: "سبحان ربي الأعلى" ثلاث مرات.
حسن: رواه ابن ماجة (٨٨٨) عن محمد بن رُمْح المِصري قال: أنبأنا ابن لَهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأزهر، عن حذيفة فذكره.
وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام معروف. وأبو الأزهر المصري روى عنه اثنان، ولم يوثقه أحدٌ.
ولكن رواه ابن خزيمة (٦٠٤) من طريق ابن أبي ليلى، عن الشعبيّ، عن صلة، عن حذيفة أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا.
وفيه ابن أبي ليلى اسمه محمد بن عبد الرحمن وهو سيء الحفظ، إِلَّا أنه توبع في الإسناد الأوّل، وبهذين الإسنادين يصير الحديث حسنًا على رسم الترمذيّ، إذْ ليس فيه متهم.
وفي معناه ما رُوي عن عقبة بن عامر فرواه أبو داود (٨٦٩)، وابن ماجة (٨٨٧) كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب الغافقيّ، قال: سمعتُ عمي إياس بن عامر (وأبهمه أبو داود) يقول: سمعتُ عقبة بن عامر الجهني يقول: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحاقة: ٥٢] قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم". ولمَّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: ١]. قال: "اجعلوها في سجودكم".
وإياس بن عامر مجهول، أو ضعيف، قال الذّهبيّ: ليس بالقويّ، وقد تفرّد بالرواية عنه ابن أخيه موسى بن أيوب، أو أيوب بن موسى هكذا رواه أبو داود (٨٧٠) من طريق اللّيث بن سعد، عن أيوب بن موسى، أو موسى بن أيوب، عن رجل من قومه، عن عقبة بن عامر بمعناه وزاد قال: فكان رسول الله ﷺ إذا ركع قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا. وإذا سجد قال: "سبحان ربي الأعلى وبحمده" ثلاثًا.
قال أبو داود: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة. وقال: انفرد أهل مصر بإسناد هذين الحديثين. انتهى.
رواه أيضًا ابن خزيمة (٦٠٠) من طريق موسى بن أيوب، قال: سمعتُ عمي إياس بن عامر فذكر الحديث ولم يذكر فيه العدد.
وكذلك ما رُوي عن ابن مسعود بلفظ: "إذا ركع أحدكم فليقُل في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثًا، فإذا فعل ذلك فقد تم ركوعه، وإذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثًا، فإذا فعل ذلك فقد تم سجوده، وذلك أدناه".
رواه أبو داود (٨٨٦)، والتِّرمذيّ (٢٦١)، وابن ماجة (٨٩٠) كلّهم من طريق ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهُذليّ، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود ... فذكر الحديث. وفيه علتان:
إحداهما: إسحاق بن يزيد الهذلي قالوا فيه: إنه مجهول، فإنه لم يرو عنه إِلَّا ابن أبي ذئب.
والثانية: فيه انقطاع كما قال الترمذيّ: "ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق
стр. 1363
ابن مسعود". وقال أبو داود: "هذا مرسل، عون لم يدرك عبد الله". وأعله أيضًا البخاريّ بالإرسال "التاريخ الكبير" (١/ ٤٠٥).
قلت: عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وإن كان ثقة عابدًا، إِلَّا إنه كان كثير الإرسال، وعبد الله بن مسعود الصحابي الجليل هو عم أبيه.
وكذلك ما رُوي عن جبير بن مطعم فرواه البزّار "كشف الأستار" (٥٣٧) من طريق عبد العزيز بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا، وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ثلاثًا.
قال البزّار: "لا نعلمه يروى عن جبير إِلَّا من هذا الوجه، وعبد العزيز بن عبيد الله صالح الحديث، وليس بالقويّ، وقد روى عنه أهل العلم واحتملوا حديثه" مسند البزّار (٣٤٤٧)، وعزاه الهيثميّ إلى الطبرانيّ في الكبير أيضًا.
وكذلك لم يصح قول أنس: ما صلَّيْتُ وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه برسول الله ﷺ من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات.
رواه أبو داود (٨٨٨)، والنسائي (١١٣٥) كلاهما من طريق وهب بن مأنوس، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول: سمعتُ أنس بن مالك فذكره.
وفي إسناده وهب بن مأنوس "مستور"، ومن طريقه رواه أيضًا أحمد (١٢٦٦١).
فمن أخذ بهذه الأحاديث قال: من السنة أن لا يُسَبِّح أقل من ثلاث مرات، وإليه يشير الترمذيّ عقب قول ابن مسعود: والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبون أن لا ينقص الرّجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات. ورُوي عن عبد الله بن المبارك قال: أستحبُّ للإمام أن يُسبِّح خمس تسبيحات، لكي يدرك من خلفه ثلاث تسبيحات. وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم".
ومن رأى أن هذه الأحاديث معارضة للأحاديث الصحيحة بأن ركوعه وسجوده كان بقدر قيامه لم يأخذ بهذه الأحاديث، وجعل الأصل في ذلك بلا محدود. والصحيح الجمع بين هذه الأحاديث فأقل التسبيح والتحميد هو الثلاث، وأكثره لا حد فيه. وبالله التوفيق.
٢٦ - باب ما جاء من أدعية الركوع والسجود
• عن عبد الله بن عباس قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة بنت الحارث، وبات رسول الله ﷺ عندها فرأيتُه قام لحاجته، فأتى القرية فحل شناقَها، ثمّ توضأ وضوءًا بين الوضوئين، ثمّ أتى فراشه فنام، ثمّ قام قومة أخرى، فأتى القربة فحلَّ شناقها، ثمّ توضأ وضوءًا هو الوضوء، ثمّ قام فصلَّى، وكان يقول في سجوده: "اللَّهُمَّ اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي
стр. 1364
نورًا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا، وأعظم لي نورًا" ثمّ نام حتَّى نفخ، فأتاه بلال فأيقظه للصلاة.
صحيح: رواه النسائيّ (١١٢٠) عن هنَّاد بن السريّ، عن أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن سلمة بن كُهيل، عن رِشْدين - وهو كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ... فذكر الحديث.
ونص النسائيّ أن هذا الدعاء كان يدعو به النَّبِيّ ﷺ في السجود.
وعن هناد رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٦٣/ ١٨٨) ولم يذكر بهذا التفصيل، وإنما ذكره في حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، وفيه: "فجعل يقول في صلاته أو في سجوده" ورواه البخاريّ في كتاب الدعاء (٦٣١٦) من حديث سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، وذكر الدعاء كما أنه أيضًا لم ينص على أنه كان يدعو به في السجود، وسبق ذكر الحديث في الوضوء، وسوف يأتي في الدعاء أيضًا.
٢٧ - باب المكث بين السجدتين
• عن أنس بن مالك قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيتُ النَّبِيّ ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: كان أنس يصنع شيئًا لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتَّى يقول القائل: قد نَسِيَ، وبين السجدتين حتَّى يقول القائل: قد نَسِيَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٢١)، ومسلم في الصّلاة (٤٧٢) كلاهما من طريق حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس واللّفظ للبخاريّ.
وفي رواية أخرى عند مسلم (٤٧٣) عن أنس قال: ما صلَّيتُ خلْف أحدٍ أوجزَ صلاةً
من صلاة رسول الله ﷺ في تمام. كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلمّا كان عمر بن الخطّاب مدَّ في صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده" قام حتَّى نقولَ: "قد أوهم" ثمّ يسجدُ ويقعدُ بين السجدتين حتَّى نقولَ: قد أوهم.
وقوله: قد أوهم معناه أي أسقط ما بعده، أو معناه قد أوهم في وهم الناس - أي في ذهنهم أنه تركهـ. قال الحافظ ابن القيم ﵀: "وهذه السنةُ تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصّحابة، ولهذا قال ثابت: وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه يمكث بين السجدتين .. ".
انظر: "زاد المعاد" (١/ ٢٣٩).
قلت: وهذا المكث ثابت في حديث رفاعة بن رافع وغيره أيضًا.
٢٨ - باب ما يقول بين السجدتين
• عن حذيفة أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول بين السجدتين: "ربّ اغفر لي ربّ اغفر لي".
حسن: رواه ابن ماجة (٨٩٧) من طريقين: أحدهما عن عليّ بن محمد قال: حَدَّثَنَا حفص بن
стр. 1365
غِياث، قال: حَدَّثَنَا العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة ... فذكر مثله، وصحَّحه الحاكم (١/ ٢٧١) على شرط الشّيخين.
ومن طريق العلاء بن المسيب رواه أيضًا النسائيّ (١٦٦٤) في حديث أطول منه وقال: "هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة بن يزيد لا أعلمه سمع من حذيفة شيئًا، وغير العلاء بن المسيب قال في هذا الحديث: عن طلحة، عن رجل، عن حذيفة". انتهى.
قلت: لعلّه يقصد به شعبة فإنه رواه عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة رواه أبو داود (٨٧٤)، والنسائي (١١٤٥) كلاهما من طرق عن شعبة به.
وفيه: وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، وكان يقول: ربّ اغفر ليّ، ربّ اغفر لي" واللّفظ لأبي داود، وعن شعبة رواه أبو داود الطيالي (٤١٦) وفيه: ثمّ رفع رأسه من الركوع، فقام مثل ركوعه فقال: "إنَّ لربي الحمدَ" ثمّ سجد ... وقال: يقول بين السجدتين ... فذكر مثله. وقال: "شعبة يرى أنه صلة بن زفر - عن حذيفة".
وقال مثله أيضًا البزّار (٢٩٣٥) بأن الرّجل من بني عبس يرونه صلة.
قلت: حديث صلة بن زفر عن حذيفة رواه مسلم (٧٧٢) مطوَّلًا، وسيأتي في صلاة الليل، وسبق جزء منه في باب ما يقال في الركوع والسجود، وليس فيه ذكر ما يقال بين السجدتين إِلَّا ما رواه ابن ماجة من الوجه الثاني عن عليّ بن محمد، قال: حَدَّثَنَا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن المستورد بن الأَحنف، عن صِلة بن زُفَر، عن حذيفة أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول بين السَّجْدتين: "ربِّ اغفر ليّ، ربِّ اغفر لي".
وحديث شعبة نفسه رواه أبو داود الطيالسي (٤١٥) ومن طريقه الترمذيّ (٢٦٢)، وأبو داود (٨٧١)، والنسائي (١٠٠٨) كلاهما من طرق عن شعبة، عن الأعمش قال: سمعتُ سعد بن عُبيدة، يحدثُ عن المستورد بن الأَحنف، عن صِلة بن زُفر، عن حذيفة أنه صلى مع النَّبِيّ ﷺ بالليل فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" وما أتى على آية رحمة إِلَّا وقف فسأل، ولا أتى على آية عذاب إِلَّا وقف فتعوذ.
وليس فيه ذكر ما يقال بين السجدتين، فالظاهر والله أعلم أن الحديث له طريقان: طريق صلة بن زفر عن حذيفة وهو المشهور، وليس فيه ذكر ما يقال بين السجدتين.
وطريق العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة، وفيه ذكر ما يقال بين السجدتين، وهو مرسل لكن يشهد له حديث ابن عباس الآتي.
• عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول بين السجدتين: "اللَّهُمَّ اغفر ليّ، وارحمنيّ، وعافنيّ، واهدِنيّ، وارزُقْنِي".
حسن: رواه أبو داود (٨٥٠)، والتِّرمذيّ (٢٨٤)، وابن ماجة (٨٩٨) كلّهم من طريق كامل أبي
стр. 1366
العلاء، حَدَّثَنِي حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ... فذكر مثله إِلَّا أن ابن ماجة زاد فيه: "في صلاة الليل"، قال الترمذيّ: هذا حديث غريب. وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسَلًا. انتهى.
قلت: كامل أبو العلاء مختلف فيه. وثَّقه يحيى بن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة، وضعَّفه الآخرون، والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق يخطئ".
وبقية رجاله ثقات، وحبيب بن أبي ثابت وإن كان وصف بالتدليس إِلَّا أنه ثقة في نفسه، وثَّقه يحيى بن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وإنما نُقِم عليه حديث المستحاضة، وأنها تصلي وإن قُطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم لأنه لم يسمع حديث المستحاضة من عروة، ولا حديث القبلة من أم سلمة بل أرسلهما. وصحَّحه الحاكم (١/ ٢٧١) بعد أن أخرجه من طريق أبي العلاء وقال: "كامل أبو العلاء ممن يجمع حديثه في الكوفيين". والحديث رواه أيضًا البيهقيّ (٢/ ١٢٢) ولم يعلله بشيء.
وأمّا قول الترمذيّ: "روي مرسلًا" فلم أقف على من أرسله.
٢٩ - باب ما جاء من التسوية بين أركان الصّلاة
• عن البراء قال: كان ركوع النَّبِيّ ﷺ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريبًا من السواء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٠١)، ومسلم في الصّلاة (٤٧١ / ... ) كلاهما من طريق شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، واللّفظ للبخاريّ، ولمسلم من طريق أبي عوانة، عن هلال بن أبي حُميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال: رَفَقْتُ الصّلاة مع النَّبِيّ ﷺ فوجدت قيامه فركعتَه فاعتدالَه بعد ركوعه، فسجدتَه، فجلستَه بين السجدتين، فسجدتَه، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريبًا من السواء.
قال النوويّ: "أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلَّا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بألم تنزيل السجدة، وأنه كان يُقام الصّلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثمّ يرجع فيتوضأ، ثمّ يأتي المسجد يدرك الركعة الأوّلى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتَّى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بالطور وبالمرسلات، وفي البخاريّ بالأعراف وأشباه هذا. وكله يدل على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات".
وقال الحافظ ابن حجر: وأجاب بعضهم عن حديث البراء أنَّ المراد بقوله: "قريبًا من السواء" ليس أنَّه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أنَّ صلاته كانت قريبًا معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخفَّ بقية الأركان. "الفتح" (٢/ ٢٨٩).
стр. 1367
جموع أبواب التشهد والسّلام
١ - باب هيئة الجلوس في التشهد
• عن ابن عمر أن النَّبِيّ ﷺ كان إذا جلس في الصّلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبَعه اليُمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليُسرى على ركبته اليُسرى باسطُها عليها.
وفي رواية: كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليُسرى على ركبته اليُسرى، ووضع يده اليُمنى على ركبته اليُمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسَّبابة.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٨٠) الرواية الأوّلى من طريق عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره، والرّواية الثانية من طريق حمّاد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره.
• عن عبد الله بن الزُّبير قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصّلاة جعل قدَمه اليُسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليُمنى، ووضع يده اليُسرى على ركبته اليُسرى، ووضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، وأشار بإصبعِه.
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ : إذا قعد يدعو وضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، ويده اليُسرى على فخذه اليُسرى، وأشار بإصبعه السَّبابة، ووضع إبهامَه على إصبعه الوُسطى، ويُلْقِم كفَّه اليُسرى ركبته.
صحيح: أخرجه مسلم في المساجد (٥٧٩) الرواية الأوّلى من طريق عثمان بن حكيم، حَدَّثَنِي عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه فذكر مثله.
والرّواية الثانية من طريق ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه فذكر مثله.
وقوله: فرش قدمه اليُمنى والمعروف من الأحاديث الصحيحة نصب قدمه اليُمنى، فلعله فرش تارة لبيان الجواز.
وقوله: جعل قدمه اليُسرى بين فخذه وساقه، هو هيئة التورك.
وقوله في حديث ابن عمر: وعقد ثلاثة وخمسين، وفي حديث ابن الزُّبير: أشار بإصبعه السبَّابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى.
стр. 1368
قال النوويّ: هاتان الروايتان محمولتان على حالين، ففعل في وقت هذا، وفي وقت هذا. انتهى.
• عن عليّ بن عبد الرحمن المُعاويّ أنه قال: رآني عبد الله بن عمر، وأنا أعبث بالحصباء في الصّلاة، فلمّا انصرفتُ نهاني وقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، فقلتُ: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنعُ؟ قال: كان إذا جلس في الصّلاة وضع كفَّه اليُمنى، وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفَّه اليُسرى على فخذه اليُسرى، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل.
صحيح: رواه مالك في الصّلاة (٤٨) عن مسلم بن أبي مريم، عن عليّ بن عبد الرحمن المعاوِي به مثله، ورواه مسلم في المساجد (٥٨٠/ ١١٦) عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به مثله.
٢ - باب كيف الجلوس في التشهد الأوّل
• عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره، أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربَّعُ في الصّلاة إذا جلس، قال: ففعلتُه وأنا يومئذ حديثُ السنِّ، فنهاني عبد الله، وقال: إنّما سنَّةُ الصّلاة أن تنصبَ رجلَك اليُمنى، وتَثْنِي رجلَك اليُسرى، فقلت له: فإنك تفعل ذلك. فقال: إن رجْليّ لا تحملاني.
صحيح: رواه مالك في الصّلاة (٥١) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر فذكر مثله، ورواه البخاريّ في الأذان (٨٢٧) عن عبد الله بن مسْلَمة، عن مالك به مثله.
وفي رواية النسائيّ (١١٥٧) وأبي داود (٩٥٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه قال: إن من سنة الصّلاة أن تضجع رجلك اليُسرى، وتنصب اليُمنى. والإضجاع هو الافتراش.
ويظهر من هذا أن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وأبوه القاسم بن محمد كلاهم رويا عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وفي بعض الروايات أن عبد الرحمن بن القاسم يرُوي عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر وكلّها صحيحة.
وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوسَ في التشهد. فنصب رجله اليُمنى، وثني رجله اليُسرى، وجلس على وَرِكِه الأيْسَر، ولم يجلس على قدمه، ثمّ قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك.
ورواه عمرو بن الحارث، عن يحيى، أن القاسم حدَّثه، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: من سنة الصّلاة أن تنصب القدم اليُمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليُسرى.
رواه النسائيّ (١١٥٨) عن الربيع بن سليمان بن داود، قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن بكر بن مضر،
стр. 1369
قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن عمرو بن الحارث فذكره.
• عن وائل بن حجر، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فرأيتُه يرفع يديه إذا افتتح الصّلاة حتَّى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا جلس في الركعتين أضجع اليُسرى ونصب اليُمنى، ووضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، ونصب أصبعه للدعاء، ووضع يده اليُسرى على فخذه اليُسرى. قال: ثمّ أتينهم من قابل فرأيتهم يرفعون أيديهم من البرانس.
حسن: رواه النسائيّ (١١٥٩) عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حَدَّثَنَا سفيان، قال: حَدَّثَنَا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب فإنه من الحديث.
وفي رواية غير سفيان: "ثمّ قعد وافترش رجله اليُسرى".
٣ - باب كيف الجلوس في التّشهد الثاني
• عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، فذكرنا صلاة النَّبِيّ ﷺ فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، فذكر صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ ثمّ قال: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليُسرى، ونصب اليُمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليُسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته".
صحيح: رواه البخاريّ في الأذان (٨٣٨) عن يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا اللّيث، عن خالد (وهو ابن يزيد) عن سعيد (وهو ابن أبي هلال)، عن محمد بن عمرو بن حلْحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء فذكر الحديث. وسبق الحديث بالتفصيل في باب رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه.
وفي الحديث دليل على أن الصّلاة التي فيها تشهدان فهيئة الجلوس في التَّشهد الأوّل مغايرة لهيئة الجلوس في الأخير، إذ في الأخير الجلوس على المقعد متوركًا على الشق الأيسر، وقد جاء التصريح بهذا في حديث يحيى بن سعيد قال: حَدَّثَنَا عبد الحميد بن جعفر قال: حَدَّثَنِي محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد قال: كان النَّبِيّ ﷺ إذا كان في الركعتين اللتين تنقضي فيهما الصّلاة أخّر رجله اليُسرى، وقعد على شقه متوركًا، ثمّ سلم. رواه النسائيّ (١٢٦٢) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن بشار بندار - واللّفظ له - قالا: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد به.
وبه قال الإمام أحمد، وأخذ الشافعي بعموم قوله (في الركعة الأخيرة) أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير في الرباعيات والثلاثيات، وعليه يدلّ حديث ابن مسعود الآتي.
• عن عبد الله بن مسعود، قال: علَّمني رسول الله ﷺ التّشهد في وسط الصّلاة
стр. 1370
وفي آخرها. فكنّا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أنَّ رسول الله ﷺ علَّمه إيَّاه قال: فكان يقول: إذا جلس في وسط الصّلاة وفي آخرها على وركهـ اليُسرى: "التّحيّات لله، والصَّلوات والطّيّبات، السّلام عليك أيُّها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين، أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله". قال: ثمّ إن كان في وسط الصّلاة. نهض حتَّى يفرُغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثمّ يسلِّم.
حسن: رواه الإمام أحمد (٤٣٨٢) عن يعقوب، قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن ابن إسحاق، قال: حَدِّثْنِي عن تشهّد رسول الله ﷺ وفي آخرها عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النَّخعيّ، عن أبيه، عن عبد الله، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنَّه مدلِّس، إذا صرَّح بالتحديث يكون حسن الحديث.
وقد صحَّحه ابن خزيمة (٧٠٢) ورواه من طريق محمد بن إسحاق بإسناده إِلَّا أنه لم يذكر قوله: "في وسط الصّلاة".
وبهذا أخذ مالك رحمه الله تعالى فقال: "يجلسُ متورِّكًا على كل حال، أي في وسط الصّلاة وآخرها. والجلوس بين السجدتين مثل الجلوس في التّشهّد، وقد جاء تفسير الوسط كما سيأتي بقوله: "إذا قعدتم في كلّ ركعتين". وحقيقة التورك: أن ينصب رجله اليُمنى ويجعل باطن رجله اليُسرى تحت فخذه اليُمنى، ويجعل أليتيه على الأرض، قاله الخرقيّ، انظر: المغني (١/ ٢٢٥).
وأمّا الحنفيَّة فسوّوا بين التشهدين فقالوا: يجلس على رجله اليُسرى وينصب اليُمنى.
٤ - باب من قال بوجوب التّشهد الأوّل
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصّلاة إلى أن ذكرت: وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرِش رجله اليُسرى، وينصب رجله اليُمنى، وكان ينهى عن عقبة الشّيطان.
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٩٨) في سياق صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، فذكرت مثله.
وقد تكلم بعض أهل العلم فقالوا: إن أبا الجوزاء لم يدرك عائشة، والصحيح أنه أدركها.
قولها: "في كل ركعتين التحية" فيه مستدل لمن أوجب التّشهد الأوّل، ورواه أبو يعلى (٤٣٥٦ تحقيق الأثري) من طريق عبد السّلام بن حرب، عن بديل به ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كان لا يزيد في الركعتين على التشهد" وفيه حجة لمن يقول: لا يُصلَّى على النَّبِيّ ﷺ في التّشهد الأوّل. وهم الجمهور خلافًا للشافعيّ، انظر للمزيد: باب الصّلاة على النَّبِيّ ﷺ .
следующие страницы →