Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
العلاء، حَدَّثَنِي حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ... فذكر مثله إِلَّا أن ابن ماجة زاد فيه: "في صلاة الليل"، قال الترمذيّ: هذا حديث غريب. وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسَلًا. انتهى.
قلت: كامل أبو العلاء مختلف فيه. وثَّقه يحيى بن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة، وضعَّفه الآخرون، والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق يخطئ".
وبقية رجاله ثقات، وحبيب بن أبي ثابت وإن كان وصف بالتدليس إِلَّا أنه ثقة في نفسه، وثَّقه يحيى بن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وإنما نُقِم عليه حديث المستحاضة، وأنها تصلي وإن قُطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم لأنه لم يسمع حديث المستحاضة من عروة، ولا حديث القبلة من أم سلمة بل أرسلهما. وصحَّحه الحاكم (١/ ٢٧١) بعد أن أخرجه من طريق أبي العلاء وقال: "كامل أبو العلاء ممن يجمع حديثه في الكوفيين". والحديث رواه أيضًا البيهقيّ (٢/ ١٢٢) ولم يعلله بشيء.
وأمّا قول الترمذيّ: "روي مرسلًا" فلم أقف على من أرسله.
٢٩ - باب ما جاء من التسوية بين أركان الصّلاة
• عن البراء قال: كان ركوع النَّبِيّ ﷺ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريبًا من السواء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٠١)، ومسلم في الصّلاة (٤٧١ / ... ) كلاهما من طريق شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، واللّفظ للبخاريّ، ولمسلم من طريق أبي عوانة، عن هلال بن أبي حُميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال: رَفَقْتُ الصّلاة مع النَّبِيّ ﷺ فوجدت قيامه فركعتَه فاعتدالَه بعد ركوعه، فسجدتَه، فجلستَه بين السجدتين، فسجدتَه، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريبًا من السواء.
قال النوويّ: "أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلَّا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بألم تنزيل السجدة، وأنه كان يُقام الصّلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثمّ يرجع فيتوضأ، ثمّ يأتي المسجد يدرك الركعة الأوّلى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتَّى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بالطور وبالمرسلات، وفي البخاريّ بالأعراف وأشباه هذا. وكله يدل على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات".
وقال الحافظ ابن حجر: وأجاب بعضهم عن حديث البراء أنَّ المراد بقوله: "قريبًا من السواء" ليس أنَّه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أنَّ صلاته كانت قريبًا معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخفَّ بقية الأركان. "الفتح" (٢/ ٢٨٩).
стр. 1367
جموع أبواب التشهد والسّلام
١ - باب هيئة الجلوس في التشهد
• عن ابن عمر أن النَّبِيّ ﷺ كان إذا جلس في الصّلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبَعه اليُمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليُسرى على ركبته اليُسرى باسطُها عليها.
وفي رواية: كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليُسرى على ركبته اليُسرى، ووضع يده اليُمنى على ركبته اليُمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسَّبابة.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٨٠) الرواية الأوّلى من طريق عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره، والرّواية الثانية من طريق حمّاد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره.
• عن عبد الله بن الزُّبير قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصّلاة جعل قدَمه اليُسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليُمنى، ووضع يده اليُسرى على ركبته اليُسرى، ووضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، وأشار بإصبعِه.
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ : إذا قعد يدعو وضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، ويده اليُسرى على فخذه اليُسرى، وأشار بإصبعه السَّبابة، ووضع إبهامَه على إصبعه الوُسطى، ويُلْقِم كفَّه اليُسرى ركبته.
صحيح: أخرجه مسلم في المساجد (٥٧٩) الرواية الأوّلى من طريق عثمان بن حكيم، حَدَّثَنِي عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه فذكر مثله.
والرّواية الثانية من طريق ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه فذكر مثله.
وقوله: فرش قدمه اليُمنى والمعروف من الأحاديث الصحيحة نصب قدمه اليُمنى، فلعله فرش تارة لبيان الجواز.
وقوله: جعل قدمه اليُسرى بين فخذه وساقه، هو هيئة التورك.
وقوله في حديث ابن عمر: وعقد ثلاثة وخمسين، وفي حديث ابن الزُّبير: أشار بإصبعه السبَّابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى.
стр. 1368
قال النوويّ: هاتان الروايتان محمولتان على حالين، ففعل في وقت هذا، وفي وقت هذا. انتهى.
• عن عليّ بن عبد الرحمن المُعاويّ أنه قال: رآني عبد الله بن عمر، وأنا أعبث بالحصباء في الصّلاة، فلمّا انصرفتُ نهاني وقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، فقلتُ: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنعُ؟ قال: كان إذا جلس في الصّلاة وضع كفَّه اليُمنى، وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفَّه اليُسرى على فخذه اليُسرى، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل.
صحيح: رواه مالك في الصّلاة (٤٨) عن مسلم بن أبي مريم، عن عليّ بن عبد الرحمن المعاوِي به مثله، ورواه مسلم في المساجد (٥٨٠/ ١١٦) عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به مثله.
٢ - باب كيف الجلوس في التشهد الأوّل
• عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره، أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربَّعُ في الصّلاة إذا جلس، قال: ففعلتُه وأنا يومئذ حديثُ السنِّ، فنهاني عبد الله، وقال: إنّما سنَّةُ الصّلاة أن تنصبَ رجلَك اليُمنى، وتَثْنِي رجلَك اليُسرى، فقلت له: فإنك تفعل ذلك. فقال: إن رجْليّ لا تحملاني.
صحيح: رواه مالك في الصّلاة (٥١) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر فذكر مثله، ورواه البخاريّ في الأذان (٨٢٧) عن عبد الله بن مسْلَمة، عن مالك به مثله.
وفي رواية النسائيّ (١١٥٧) وأبي داود (٩٥٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه قال: إن من سنة الصّلاة أن تضجع رجلك اليُسرى، وتنصب اليُمنى. والإضجاع هو الافتراش.
ويظهر من هذا أن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وأبوه القاسم بن محمد كلاهم رويا عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وفي بعض الروايات أن عبد الرحمن بن القاسم يرُوي عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر وكلّها صحيحة.
وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوسَ في التشهد. فنصب رجله اليُمنى، وثني رجله اليُسرى، وجلس على وَرِكِه الأيْسَر، ولم يجلس على قدمه، ثمّ قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك.
ورواه عمرو بن الحارث، عن يحيى، أن القاسم حدَّثه، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: من سنة الصّلاة أن تنصب القدم اليُمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليُسرى.
رواه النسائيّ (١١٥٨) عن الربيع بن سليمان بن داود، قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن بكر بن مضر،
стр. 1369
قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن عمرو بن الحارث فذكره.
• عن وائل بن حجر، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فرأيتُه يرفع يديه إذا افتتح الصّلاة حتَّى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا جلس في الركعتين أضجع اليُسرى ونصب اليُمنى، ووضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، ونصب أصبعه للدعاء، ووضع يده اليُسرى على فخذه اليُسرى. قال: ثمّ أتينهم من قابل فرأيتهم يرفعون أيديهم من البرانس.
حسن: رواه النسائيّ (١١٥٩) عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حَدَّثَنَا سفيان، قال: حَدَّثَنَا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب فإنه من الحديث.
وفي رواية غير سفيان: "ثمّ قعد وافترش رجله اليُسرى".
٣ - باب كيف الجلوس في التّشهد الثاني
• عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، فذكرنا صلاة النَّبِيّ ﷺ فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، فذكر صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ ثمّ قال: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليُسرى، ونصب اليُمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليُسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته".
صحيح: رواه البخاريّ في الأذان (٨٣٨) عن يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا اللّيث، عن خالد (وهو ابن يزيد) عن سعيد (وهو ابن أبي هلال)، عن محمد بن عمرو بن حلْحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء فذكر الحديث. وسبق الحديث بالتفصيل في باب رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه.
وفي الحديث دليل على أن الصّلاة التي فيها تشهدان فهيئة الجلوس في التَّشهد الأوّل مغايرة لهيئة الجلوس في الأخير، إذ في الأخير الجلوس على المقعد متوركًا على الشق الأيسر، وقد جاء التصريح بهذا في حديث يحيى بن سعيد قال: حَدَّثَنَا عبد الحميد بن جعفر قال: حَدَّثَنِي محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد قال: كان النَّبِيّ ﷺ إذا كان في الركعتين اللتين تنقضي فيهما الصّلاة أخّر رجله اليُسرى، وقعد على شقه متوركًا، ثمّ سلم. رواه النسائيّ (١٢٦٢) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن بشار بندار - واللّفظ له - قالا: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد به.
وبه قال الإمام أحمد، وأخذ الشافعي بعموم قوله (في الركعة الأخيرة) أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير في الرباعيات والثلاثيات، وعليه يدلّ حديث ابن مسعود الآتي.
• عن عبد الله بن مسعود، قال: علَّمني رسول الله ﷺ التّشهد في وسط الصّلاة
стр. 1370
وفي آخرها. فكنّا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أنَّ رسول الله ﷺ علَّمه إيَّاه قال: فكان يقول: إذا جلس في وسط الصّلاة وفي آخرها على وركهـ اليُسرى: "التّحيّات لله، والصَّلوات والطّيّبات، السّلام عليك أيُّها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين، أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله". قال: ثمّ إن كان في وسط الصّلاة. نهض حتَّى يفرُغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثمّ يسلِّم.
حسن: رواه الإمام أحمد (٤٣٨٢) عن يعقوب، قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن ابن إسحاق، قال: حَدِّثْنِي عن تشهّد رسول الله ﷺ وفي آخرها عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النَّخعيّ، عن أبيه، عن عبد الله، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنَّه مدلِّس، إذا صرَّح بالتحديث يكون حسن الحديث.
وقد صحَّحه ابن خزيمة (٧٠٢) ورواه من طريق محمد بن إسحاق بإسناده إِلَّا أنه لم يذكر قوله: "في وسط الصّلاة".
وبهذا أخذ مالك رحمه الله تعالى فقال: "يجلسُ متورِّكًا على كل حال، أي في وسط الصّلاة وآخرها. والجلوس بين السجدتين مثل الجلوس في التّشهّد، وقد جاء تفسير الوسط كما سيأتي بقوله: "إذا قعدتم في كلّ ركعتين". وحقيقة التورك: أن ينصب رجله اليُمنى ويجعل باطن رجله اليُسرى تحت فخذه اليُمنى، ويجعل أليتيه على الأرض، قاله الخرقيّ، انظر: المغني (١/ ٢٢٥).
وأمّا الحنفيَّة فسوّوا بين التشهدين فقالوا: يجلس على رجله اليُسرى وينصب اليُمنى.
٤ - باب من قال بوجوب التّشهد الأوّل
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصّلاة إلى أن ذكرت: وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرِش رجله اليُسرى، وينصب رجله اليُمنى، وكان ينهى عن عقبة الشّيطان.
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٩٨) في سياق صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، فذكرت مثله.
وقد تكلم بعض أهل العلم فقالوا: إن أبا الجوزاء لم يدرك عائشة، والصحيح أنه أدركها.
قولها: "في كل ركعتين التحية" فيه مستدل لمن أوجب التّشهد الأوّل، ورواه أبو يعلى (٤٣٥٦ تحقيق الأثري) من طريق عبد السّلام بن حرب، عن بديل به ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كان لا يزيد في الركعتين على التشهد" وفيه حجة لمن يقول: لا يُصلَّى على النَّبِيّ ﷺ في التّشهد الأوّل. وهم الجمهور خلافًا للشافعيّ، انظر للمزيد: باب الصّلاة على النَّبِيّ ﷺ .
стр. 1371
وقولها: كان يفرش رجله اليُسرى وينصب رجله اليُمنى: أي في التّشهد الأوّل لم يكن يتورك بخلاف التّشهد الثانيّ، فإنه كان يتورك فيه، وبهذا تجتمع الأحاديث، ومن حمله على التّشهد الثاني فقد اضطر إلى تأويل حديث أبي حُميد وغيره. ومن المحتمل أيضًا أن يترك التورك أحيانًا لبيان بأنه من السنة وليس بواجب، ومعنى عقبة الشّيطان تقدّم في باب الإقعاء المكروه.
• عن رفاعة بن رافع عن النَّبِيّ ﷺ فذكر حديث المُسِيء صلاته وقال فيه: فإذا جلست في وسط الصّلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليُسرى، ثمّ تشهَّدْ، ثمّ إذا قمتَ فمثل ذلك حتَّى تفرغ من صلاتك".
حسن: رواه أبو داود (٨٦٠) حَدَّثَنَا مؤمّل بن هشام، ثنا إسماعيل، عن محمد بن إسحاق، حدثني عليّ بن يحيى بن خلَّاد بن رافع، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع فذكره. ومحمد بن إسحاق مدلِّس، ولكنه صرَّح بالتحديث.
• عن عبد الله بن مسعود قال: كنَّا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، غير أن نُسَبِّح ونكبِّر ونحمد ربنا، وأن محمدًا ﷺ علَّم فواتح الخير وخواتمه، فقال: "إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السّلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه"، ولْيَتخير أحدكم من الدعاء أعجبَه إليه، فليدعُ الله .
صحيح: رواه النسائيّ (١١٦٣) قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حَدَّثَنَا محمد قال: حَدَّثَنَا شعبةُ قال: سمعت أبا إسحاق يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله فذكره.
وإسناده صحيح، ومحمد هو: ابن جعفر، وعنه رواه أحمد في مسنده (٤١٦٠).
وأبو الأحوص هو: عوف بن مالك بن نضلة الجشمي من رجال مسلم.
وصحه ابن خزيمة (٧٢٠) فرواه من طريق محمد بن جعفر به مثله.
كما صحَّحه أيضًا ابن حبان (١٩٥١) فرواه من وجه آخر عن شعبة به مثله.
ورواه أيضًا النسائيّ (١١٦٢)، والتِّرمذيّ (٢٨٩) كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم الدورقيّ، حَدَّثَنَا عبيد الله الأشجعيّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: علَّمنا رسولُ الله ﷺ : إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: فذكر التّشهد مثله.
قلت: رجاله ثقات غير أبي إسحاق فإنه مدلِّس وقد عنعن، وأكد بعض أهل العلم من عدم سماعه من الأسود بن يزيد.
стр. 1372
٥ - باب من لم ير وجوب التّشهد الأوّل
• عن عبد الله بن بُحينة - وهو من أزدِ شنوءةَ - وهو حليف لبني عبد مناف، وكان من أصحاب النَّبِيّ ﷺ : أن النَّبِيّ صلى بهم الظهرَ، فقام في الركعتين الأَوّلَيين لم يجلس، فقام الناس معه، حتَّى إذا قضى الصّلاة وانتظر الناسُ تسليمَه كبَّر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّمَ، ثمّ سَلَّم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٢٩) ومسلم في المساجد (٥٧٠) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، مولى بني عبد المطلب، قال مرة: مولى ربيعة بن الحارث، عن عبد الله بن بُحينة الأسديّ، فذكر الحديث. واللّفظ للبخاريّ وبوَّب بقوله: "من لم ير التّشهد الأوّل واجبًا، لأن النَّبِيّ ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع".
وبوَّب النسائيّ بقوله: "باب ترك التّشهد الأوّل" (١١٧٧) وفيه: فسبَّحوا فمضى، فلمّا فرغ من صلاته سجد سجدتين ثمّ سلَّم.
٦ - باب ما جاء في الإشارة بالسبّابة في التّشهد
• وعن عبد الله بن الزُّبير قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصّلاة جعل قدَمه اليُسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليُمنى، ووضع يده اليُسرى على ركبته اليُسرى، ووضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، وأشار بإصبعِه.
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، ويده اليُسرى على فخذه اليُسرى، وأشار بإصبعه السَّبابة، ووضع إبهامَه على إصبعه الوُسْطى، ويُلقِمُ كفَّه اليُسرى ركبته.
صحيح: أخرجه مسلم في المساجد (٥٧٩) الرواية الأوّلى من طريق عثمان بن حكيم، حَدَّثَنِي عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه فذكر مثله.
والرّواية الثانية من طريق اللّيث، وأبي خالد الأحمر، كلاهما عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه فذكر مثله.
ورواه أبو داود (٩٨٩)، والنسائي (١٢٧٠)، والبيهقي (٢/ ١٣١) من طريق زياد بن سعد الخراسانيّ، عن محمد بن عجلان.
وزاد فيه: "وكان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يُحرِّكها".
وزياد بن سعد الخراساني ثقة من رجال الجماعة.
قال النّوويّ في "المجموع" (٣/ ٤٥٤): "إسناده صحيح".
стр. 1373
وإسناده حسن فإنَّ محمد بن عجلان صدوق، ثمّ قوله: "لا يحرِّكها هو تفسير تقوله: "يشير بها". ولذا لا منافاة بين اللَّفظين.
• عن ابن عمر أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا قعد في التّشهُّد وضع يده اليُسرى على ركبته اليُسرى، ووضع يده اليُمنى على ركبته اليُمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٨٠) من طريق حمَّاد بن سلمة، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله.
وقوله: "عقد ثلاثة وخمسين، فسّروا هذا العقد بأن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل الإبهام إلى أصل المسبحة، وفي "التلخيص" (١/ ٢٦٢): وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة".
• عن ابن عمر: "أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان إذا جلس في الصّلاة وضع يديه على رُكبتيه، ورفع إصبعه اليُمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليُسرى على ركبته اليُسرى، باسطها عليها".
صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٥٨٠) من طرق عن عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
قال الترمذيّ بعد أن أخرج الحديث وحسَّنه: "والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب
النَّبِيّ ﷺ والتابعين، يختارون الإشارة في التّشهد، وهو قول أصحابنا" يعني أهل الحديث.
• عن عليّ بن عبد الرحمن المُعاوِيِّ أنه قال: رآني عبد الله بن عمر، وأنا أعبث بالحصباء في الصّلاة، فلمّا انصرفتُ نهاني وقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، فقلتُ: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنعُ؟ قال: كان إذا جلس في الصّلاة وضع كفَّه اليُمنى على فخذه اليُمنى، وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفَّه اليُسْرى على فخذه اليُسرى، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل.
صحيح: رواه مالك في الصّلاة (٤٨) عن مسلم بن أبي مريم، عن عليّ بن عبد الرحمن المعاوِي به مثله، ورواه مسلم في المساجد (٥٨٠/ ١١٦) عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به مثله.
• عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصّلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأتبعها بصرَه ثمّ قال: قال رسول الله ﷺ : "لهي أشدُّ على الشّيطان من الحديد، يعني السَّبابة.
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٠٠) والبزّار - كشف الأستار (٥٦٣) كلاهما من طريق محمد بن
стр. 1374
عبد الله أبي أحمد الزُّبيريّ، حَدَّثَنَا كثير بن زيد، عن نافع، فذكر مثله.
وكثير بن زيد هو: الأسلمي ثمّ السهمي مولاهم أبو محمد المدنيّ، مختلف فيه، تكلم فيه النسائيّ، وأمّا ابن معين فاختلف عليه أصحابه. فقال عبد الله بن الدورقي عنه: ليس به بأس، وقال معاوية بن صالح وغيره عنه: صالح، وقال ابن أبي خيثمة عنه: ليس بذاك. ووثَّقه ابن عمار الموصليّ، ومشَّاه أبو زرعة وأحمد وابن عدي وغيرهم. فمثله يحسن حديثه وخاصة في الشواهد، ولذا لم يتكلم عليه البيهقيّ (٢/ ١٣٢) بشيء، وإنما تكلم على محمد بن عمر الواقدي الذي رُوي عن كثير بن زيد بلفظ: "تحريك الإصبع في الصّلاة مذعرة للشيطان" ومن هذا الوجه رواه أيضًا الرّوياني في مسنده (١٤٣٩) وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٤٢٤٧).
قال البيهقيّ: تفرّد به محمد بن عمر الواقدي وئيس بالقوي. وقال: روينا عن مجاهد أنه قال: تحريك الرّجل إصبعه في الجلوس في الصّلاة مقمعة للشيطان" انتهى.
• عن عباس بن سهل الساعديّ، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أَسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ ، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، فذكر صفة صلاة رسول الله، وقال فيه: فافترش رجله اليُسرى، وأقبل بصدر اليُمنى على قبلته، ووضع كفَّه اليُمنى على ركبته اليُمنى، وكفَّه اليُسرى على ركبته اليُسرى، وأشار بإصبعه - يعني السبَّابة.
حسن: رواه أبو داود (٧٣٤) والتِّرمذيّ (٢٩٣) كلاهما من طريق أبي عامر العقدي - هو عبد الملك بن عمرو، قال: أخبرني فُلَيح بن سليمان المدنيّ، حَدَّثَنَا عبَّاس بن سهل. فذكره.
قال الترمذيّ: حسن صحيح.
وصحَّحه ابن خزيمة (٦٨٩) وابن حبَّان (١٨٧١) وروياه عن أبي عامر العقديّ، به مثله.
قلت: في الإسناد فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعيّ، من رجال الجماعة، إِلَّا أنَّه مختلف فيه؛ فقال ابن معين، وأبو حاتم: ليس بالقوي. وقال النائي: ضعيف. ولكن قال الدَّارقطنيّ: مختلف فيه، ولا بأس به. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة مستقيمة، وغرائب، وهو عندي لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثّقات. فمثله يقوي حديثه عند المتابعة، ومن متابعته القاصرة ما رواه عبد الرزّاق (٣٠٤٦) عن إبراهيم بن محمد، عن ابن حلحلة. وهو محمد بن عمرو بن حلحلة الديليّ، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعديّ، أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصّلاة في الركعتين الأوّليين نصب قدمه اليُمنى، وافترش اليُسرى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام .. فذكر الحديث.
وأصل حديث أبي حميد في صحيح البخاريّ، انظر تخريجه بالتفصيل في بابِ رفعِ اليدين عند الركوع، وعند رفعِ الرأسِ منه.
стр. 1375
• عن وائل بن حجر أنه ذكر صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ وجاء فيه: ثمّ جلس فافترش رجله اليُسرى، ووضع يده اليُسرى على فخذه اليُسرى، وحدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليُمنى، وقبض اثنتين، وحلَّق حلْقَةً، ورأيته يقول: هكذا. وحلَّق بشر الإبهام والوسطى، وأشار بالسبابة.
حسن: رواه أبو داود (٧٢٦) واللّفظ له، والنسائي (١٢٦٧) وابن ماجة (٨٦٧) كلّهم من طريق بشر بن المفضل، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن وائل بن حجر .. فذكر الحديث.
وإسناده حسن؛ لأجل عاصم بن كليب؛ فإنَّه "صدوق". وقال النوويّ في "المجموع" (٣/ ٣١٢): رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ورواه البيهقيّ (٣/ ١٣١) من طريق خالد بن عبد الله، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، بلفظ: "ثمّ عقد الخنصر والبنصر، ثمّ حلق الوسطى بالإبهام، وأشار بالسَّبابة".
فبشر بن المفضل، وخالد بن عبد الله - وهو الواسطيّ - ومن تابعهما - كما سيأتي رووه عن عاصم بن كليب فقالوا: "وأشار بالسبابة".
وانفرد زائدة بن قدامة فرواه عن عاصم بن كليب بإسناده ومعناه، وقال فيه: "ثمّ وضع يده اليُمنى على ظهر كفه اليُسرى، والرسغ والساعد"، وقال فيه: "ثمّ جئت بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب" كما عند أبي داود وغيره.
وفي رواية: "فرأيته يُحرِّكها يدعو بها".
رواه أبو داود، والنسائي (٨٨٩) وابن الجارود (٢٠٨) والإمام أحمد (١٨٨٧٠) وابن خزيمة (٧١٤) وابن حبان (١٨٦٠) والبيهقي (٢/ ٢٧، ٢٨) كلّهم من طرق عن زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، بإسناده.
وقد روي هذا الحديث عن عاصم أكثر من عشرة، وهم: عبد الواحد بن زياد، وشعبة، وسفيان الثوريّ، وزهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وسلام بن سليم، وأبو الأحوص، وبشر بن المفضل، وعبد الله بن إدريس، وقيس بن الربيع، وأبو عوانة، وخالد بن عبد الله الواسطيّ، فلم يذكروا في حديثهم "فرأيته يحركها يدعو بهاء؛ ولذا حكم بعض أهل العلم على هذه الزيادة بأنَّها شاذَّة.
قال ابن خزيمة: "ليس في شيء من الأخبار "يحركها" إِلَّا في هذا الخبر ... زائدة ذكره".
وعلى صحة ثبوتها - لأنَّ زائدة بن قُدامة الثقفيّ، أحد الثّقات المشهورين بالتثبت، حتَّى قال الإمام أحمد: المتثبِّون في الحديث أربعةٌ .. وذكر منهم زائدة - فيحمل قوله: "فرأيته يحركها يدعو بها على ما قاله البيهقيّ رحمه الله تعالى (٢/ ١٣٢): "فيحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، فيكون موافقًا لرواية ابن الزُّبير". والله أعلم.
قلت: وفي الباب عن نمير الخزاعيّ قال: "رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يده اليُمنى على فخذه
стр. 1376
اليُمنى في الصّلاة، ويشيرُ بأصبعه".
رواه النسائيّ (١٢٧١)، وأبو داود (٩٩١)، وابن ماجة (٩١١)، وابن خزيمة (٧١٥)، وابن حبان (١٩٤٦) كلّهم من طريق عصام بن قدامة، عن مالك بن نمير الخزاعيّ، عن أبيه، فذكره.
ومالك بن نمير لا يُعرف كما قال الذّهبيّ، وفي التقريب: "مقبول" أي إذا توبع، وإلَّا فليّن الحديث. وهو لا بأس به في الاستشهاد.
أما الإشارة بالسبابة فلا خلاف بين أهل العلم كما قال ابن عبد البر وغيره، وما قاله بعض الحنفية في كتبهم بأن الإشارة بالسبابة في التّشهد مكروهة، فقد خالفوا الإمام أبا حنيفة نفسه، إذ نقل محمد بن الحسن في موطئه عن الإمام بعد أن روي حديث مالك عن مسلم بن أبي مريم قال:
"وبصنيع رسول الله ﷺ نأخذ، وهو قول أبي حنيفة" انتهى.
قال العلامة عبد الحي اللكنوي: "إنَّ أصحابنا الثلاثة اتفقوا على تجويز الإشارة لثبوتها عن النَّبِيّ ﷺ وأصحابه بروايات متعددة، وطرق متكثرة لا سبيل إلى إنكارها ولا إلى ردِّها"، ووجه نقدًا شديدًا إلى أصحاب الفتاوى كصاحب "الخلاصة" و "البزازية الكبرى" و"العتابية" و"الغياثية" و"الولوجية" و"عمدة المفتي" و"الظهيرية" وغيرها حيث أنهم ذكروا أن المختار هو عدم الإشارة، بل ذكر بعضهم أنها مكروهة. انتهى. "التعليق الممجد على موطأ محمد" (١/ ٤٦٤).
ثمّ إنَّ من السنَّة أن يستمرَّ في الإشارة بالسبَّابة، من بداية التّشهُّد إلى نهاية السّلام، ولا دليل لمن يقول بأنَّ الإشارةَ تكون عند كلمة الشهادة فقط، وهي قوله: "أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله".
٧ - باب موضع البصر عند الإشارة بالسّبابة
• عن عبد الله بن الزُّبير قال: كان النَّبِيّ ﷺ إذا جلس في التّشهد وضع كفَّه اليُسرى على فخذه اليُسرى، وأشار بالسّبابة لا يجاوز بصرُه إشارتَه.
حسن: رواه أبو داود (٩٩٠)، والنسائي (١٢٧٥) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل محمد بن عجلان فإنه صدوق، وصحَّحه ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه (٧١٨)، وابن حبان (١٩٤٤) من طريق يحيى بن سعيد به مثله. وأصل الحديث في صحيح مسلم (٥٧٩) كما سبق من طرق عن ابن عجلان دون قوله: "لا يجاوز بصرُه إشارتَه".
٨ - باب النهي عن الإشارة بأصبعين
• عن سعد بن أبي وقَّاص قال: مرَّ عليَّ النَّبِيُّ ﷺ وأنا أدعو بإصبَعَيَّ فقال: "أَحِّد أحِّد" وأشار بالسبابة.
стр. 1377
صحيح: رواه أبو داود (١٤٩٩)، والنسائي (١٢٧٣) كلاهما من طريق أبي معاوية، قال: حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي صالح، عن سعد بن أبي وقَّاص فذكره. وإسناده صحيح.
وقوله: أحِّد أحِّد - أي أشر بواحدة ليوافق التوحيد.
• عن أبي هريرة أن رجلًا كان يدعو بإصبعيه فقال رسولُ الله ﷺ "أحِّد أحِّد".
حسن: رواه النسائيّ (١٢٧٢)، والتِّرمذيّ (٣٥٥٧) كلاهما عن محمد بن بشار، ثنا صفوان بن عيسيّ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
قال الترمذيّ: حسن صحيح غريب.
قلت: إسناده حسن لأجل محمد بن عجلان، وأمّا القعقاع فهر: ابن حكيم الكناني من رجال مسلم.
قال الترمذيّ: ومعنى هذا الحديث إذا أشار الرّجل بإصبعيه في الدعاء عند الشهادة لا يشير إِلَّا بإصبع واحدة. انتهى.
قلت: والرجل المبهم لعلّه هو سعد بن أبي وقَّاص كما ذكر في الحديث السابق، أو رجل آخر في قصة أخرى.
٩ - باب ما جاء في إخفاء التّشهد
• عن عبد الله بن مسعود، قال: "من السنة أن يخفي التشهد".
حسن: رواه أبو داود (٩٨٦)، والتِّرمذيّ (٢٩١) كلاهما من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
ورواه الحاكم (١/ ٢٦٧) وعنه البيهقيّ (٢/ ١٤٦) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، به، مثله.
قال الترمذيّ: "حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
ومحمد بن إسحاق مدلِّس وقد عنعن، ولكنه توبع.
رواه الحاكم (١/ ٢٣٠) من وجه آخر عن العلاء بن عبد الجبار العطّار، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الحسن بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، فذكره، ومن طريقه رواه أيضًا البيهقيّ (٢/ ١٤٦).
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وهو وهم منه؛ فإنَّ العلاء بن عبد الرحمن ليس من رجال مسلم، وشيخ شيخه الحسن بن عبيد الله ليس من رجال البخاريّ، إِلَّا أنهما ثقتان، والحديث صحيح.
قال الترمذيّ عقب تخريج الحديث: "والعمل عليه عند أهل العلم".
قلت: لا أعلم من خالف في ذلك، بل قال النوويّ في "شرح المهذب" (٣/ ٤٦٣): "أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين وكراهة الجهر بهما، واحتجوا له بحديث ابن مسعود هذا".
стр. 1378
١٠ - باب ما جاء في صيغ التّشهد
تشهد ابن مسعود:
• عن عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا صلَّينا خلف النَّبِيّ ﷺ قلنا: السّلام على جبريل وميكائيل، السّلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ الله هو السّلام، فإذا صلَّى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السّلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتموها أصابت كلَّ عبد لله صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٣١) عن أبي نعيم، قال: حَدَّثَنَا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: قال عبد الله ... فذكر الحديث.
وفي رواية يحيى، عن الأعمش حَدَّثَنِي شقيق، عن عبد الله (٨٣٥) قال: كنا إذا كنا مع النَّبِيّ ﷺ في الصّلاة، قلنا: السّلام على الله من عباده، السّلام على فلان وفلان، فقال النَّبِيّ ﷺ : "لا تقولوا السّلام على الله فإن الله هو السّلام ثمّ ذكر بقية التّشهد مثله، وقال في آخره: "ثمّ يتخيرُ من الدُّعاء أعجَبَه إليه فيدعو".
ورواه أيضًا في الدعوات (٦٣٢٨)، ومسلم في الصّلاة (٤٠٢) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا نقول في الصّلاة خلف رسول الله ﷺ كذا ذكره مسلم وقال أيضًا: "تم يتخيَّرُ من المسألة ما شاء" وفي رواية: "ثمّ ليتخيَّر بعد من المسألة ما شاء".
وفي الصحيحين أيضًا - البخاريّ في الاستئذان (٦٢٦٥) واللّفظ له، ومسلم في الصّلاة كلاهما عن أبي نعيم، قال: حَدَّثَنَا سيف بن سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حَدَّثَنِي عبد الله بن سَخْبَرة قال: سمعتُ ابن مسعود يقول: عَلَّمني رسول الله ﷺ وكفّي بين كفَّيه - التّشهُّدَ كما يُعلِّمني السورةَ من القرآن فذكر مثله إلى قوله: "وأشهد أن محمدًا رسول الله" وقال: وهو بين ظهْرانَينا، فلمّا قُبِض قلنا: السّلام - يعني على النَّبِيّ ﷺ .
يعني أنهم كانوا يقولون في حياة النَّبِيّ ﷺ : السّلام عليك أيها النَّبِيّ" بكاف الخطّاب، فلمّا مات ﵇ عدلوا عن ذلك وقالوا: "السّلام على النَّبِيّ" تركوا الخطّاب، وذكروه بلفظ الغيبة.
وقد صحَّ عن الصّحابة أنّهم كانوا يقولون والنَّبِيّ ﷺ حيٌّ: "السّلام عليك أيّها النَّبِيّ. فلمّا مات قالوا: السّلام على النَّبِيّ".
رواه عبد الرزّاق قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء، أن الصّحابة، فذكره.
وإسناده صحيح، كما قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣١٤).
стр. 1379
ورواه أبو داود (٩٧٠)، والدارقطني (١٣٣٣)، وصحّحه ابن حبان (١٩٦٢) كلّهم من حديث الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيديّ، وأخذ ابن مسعود بيد علقمة، وأخذ النَّبِيّ ﷺ بيد ابن مسعود، فعلَّمه التّشهد كما ذكره الأعمش: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئتَ أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد".
هكذا قال أبو داود، وقال ابن حبان: قال عبد الله بن مسعود: "فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف".
فاختلف أهل العلم في هذه الزيادة، هل هي مرفوعة أو موقوفة على عبد الله بن مسعود؟ .
فذهب الدارقطني إلى أن مَنْ جعله مِنْ كلام ابن مسعود أشبه بالصّواب، وذكر عللها وتبعه في ذلك البيهقيّ.
وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٢/ ١٧٤، ١٧٥): "لا تعلل بها رواية من رفع؛ لأن الرّفع زيادة مقبولة على ما عرف من مذاهب أهل الفقه والأصول. فيحمل على أن ابن مسعود سمعه من النَّبِيّ ﷺ فرواه كذلك مرة، وأفتى به مرة أخرى، وهذا أولى من جعل كلامه، إذ فيه تخطئة الجماعة الذين وصلوه".
قلت: وفي حال ثبوته مرفوعًا فيه دلالة على أن الصّلاة على النَّبِيّ ﷺ في التّشهد غير واجبة، وهو رأي جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء إِلَّا الشافعي ورواية عن أحمد فإنهما ذهبا إلى وجوبها. وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الباب الذي يليه.
شرح ألفاظ الحديث:
قوله: "التشهد" سُمّي بالتشهد للنطق بالشهادة بالوحدانية والرسالة.
قوله: "إنَّ الله هو السلام" معناه أن السّلام اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه السالم من النقائص، وسمات الحدوث، ومن الشريك والنِّدّ.
قوله: "التحيات" جمع تحية وهي المِلك، يقال: حيَّاك الله - أي ملَّكك. كذا في "مختار الصحاح".
قال النوويّ: "التحيات جمع تحية وهي الملك، وقبل البقاء، وقيل العظمة، وقيل الحياة، وإنما قيل التحيات بالجمع، لأن ملوك العرب كان كل واحد منهم تحييه أصحابه بتحية مخصوصة، فقيل: جميع تحياتهم الله تعالى، وهو المستحق لذلك حقيقة". انتهى.
قوله: "فليقل التحيات لله": قال الخطّابي: "فيه إيجاب التّشهد؛ لأن الأمر على الوجوب". انتهى.
قلت: وإليه ذهب جمهور المحدثين بأن التشهدين واجبان، وذهب أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء إلى أنهما سنَّتان، وقال الشافعي: الأوّل سنة، والأخير واجب.
تشهد ابن عباس:
• عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمنا التّشهد كما يُعَلِّمنا السورة
стр. 1380
من القرآن. فكان يقول: "التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٠٣) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث (هو ابن سعد) عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وعن طاوس، عن ابن عباس فذكره، وذكر له وجهًا آخر عن عبد الرحمن بن حميد، حدثني أبو الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس به، فذكره.
قال أبو عوانة في صحيحه (٢٠٢٤): سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: هذا أجود حديث رُوي عن النبي ﷺ في التشهد.
وقوله: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات" قال النووي: تقديره: "والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث ابن مسعود وغيره، ولكن حذفت الواو اختصارًا، وهو جائز معروف في اللغة، ومعنى الحديث: أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى، ولا تصلح حقيقتها لغيره" انتهى.
وأما ما رواه ابن ماجه (٩٠٢)، والنسائي (١١٧٥، ١٢٨١)، والحاكم (١/ ٢٦٦) وعنه البيهقي (٢/ ١٤١، ١٤٢) كلهم من طريق أيمن بن نابل، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما بعلمنا السورة من القرآن: باسم الله وبالله التحيات ... " فهو خطأ مع ما زاده في أول المتن.
قال البيهقي: تفرد به أيمن بن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر. قال أبو عيسى: سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو خطأ، والصواب ما رواه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس".
ذكره الترمذي في "العلل الكبير" (٢/ ٢٢٨).
وقال النسائي في الموضع الثاني (٣/ ٤٣): "لا نعلم أحدًا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ".
تشهد أبي موسى الأشعري:
• عن أبي موسى الأشعري قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا فبيَّن لنا سنَّتنا، وعلَّمنا صلاتنا فقال: "وإذا كان عند القعدة فليكُن من أوّل قول أحدكم: التحيات الطيّبات الصلوات لله، السلام عليك أيُّها النبي ورحمةُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٠٤) عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشي قال: صليتُ مع أبي
стр. 1381
موسى الأشعري صلاة، ثم ذكر حديثا طويلًا ومنه هذا.
تشهد ابن عمر:
• عن ابن عمر: عن رسول الله ﷺ في التشهد: "التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته" - قال ابن عمر: زدتُ فيها: بركاته - السلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين، أشهد أن لا إله إلا الله" - قال ابن عمر: زدت فيها: وحده لا شريك له - "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
صحيح: رواه أبو داود (٩٧١) عن نصر بن علي، حدثني أبي، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، سمعتُ مجاهدًا يحدث عن ابن عمر ... فذكر الحديث.
وإسناده صحيح ورجاله ثقات غير أن شعبة تكلم في أبي بشر، وزعم أنه لم يسمع شيئًا من مجاهد، ولكن جاء في الإسناد: سمعتُ مجاهدًا. وهذا نص في السماع.
رواه أيضًا الدارقطني (١/ ٣٥١) عن أبي بكر بن أبي داود، ثنا نصر بن علي به مثله وقال: هذا إسناد صحيح، وقد تابعه على رفعه ابن أبي عدي، عن شعبة، ووقَّفه غيرهما. انتهى.
وقول ابن عمر: زدت فيه "وبركاته" و"وحده لا شريك له" هذه الزيادة ليست من عند نفسه، بل إنه لم يسمع هذه من النبيّ ﷺ ولكنه سمعها من أبي موسى الأشعريّ كما يدل عليه ما رواه الإمام أحمد (٥٣٦٠) عن عفان، قال: حدثنا أبان بن يزيد، قال: حدثنا قتادة، حدثني عبد الله بن باباه المكي، قال: صليت إلى جنب عبد الله بن عمر، قال: فلما قضى الصلاة ضرب يده على فخذه، فقال: ألا أعلمك تحية الصلاة كما كان رسول الله ﷺ يعلمنا: قتلا على هؤلاء الكلمات. يعني قول أبي موسى الأشعري في التشهد. وإسناده صحيح.
وفي تشهد أبي موسى الأشعري هؤلاء الكلمات موجودة. فالذي يظهر أنه أخذ من النبي ﷺ مختصرًا، والباقي من أبي موسى الأشعريّ، وكلها مرفوعة.
وأما ما روي عنه: كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلم المُكتب الولدان، فهو ضعيف، رواه مسدد، ثنا هُشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، ثنا محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر ... فذكره.
ورواه أيضًا عن عبد الواحد، ثنا عبد الرحمن به وزاد "على المنبر" "المطالب العالية" (٥٣٤) و "إتحاف الخيرة" (١٩٧٤، ١٩٧٥). وقال البوصيري: رجاله ثقات، وهشيم هو: ابن أبي بشير.
قلت: ليس كما قال فإن عبد الرحمن بن إسحاق وهو: أبو شيبة الواسطي الأنصاري ضعيف، ضَعَّفه أحمد وابن معين وابن سعد ويعقوب بن سفيان وأبو داود والنسائي وابن حبان، وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، وضعَّفه أيضًا الساجي والعقيلي وغيرهم. فلعله اشتبه عليه برجل آخر.
стр. 1382
تشهد عمر بن الخطاب:
• عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يعلِّم النّاس التّشهد على المنبر، فيقول: "قولوا: التحيات لله، الزكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله".
صحيح: رواه مالك في الصلاة (٥٧) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، فذكره.
ورواه أيضًا عبد الرزاق (٢/ ٢٠٢) وعنه البيهقي (٢/ ١٤٤) عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، فذكر نحوه.
قال معمر: كان الزهري يأخذ به ويقول: علَّمه الناس على المنبر، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون لا ينكرونه، قال معمر: وأنا آخذ به. قال عبد الرزاق: وأنا آخذ به.
تشهد عائشة:
• عن القاسم بن محمد أنه أخبره، أنّ عائشة زوج النبيّ ﷺ كانت تقول إذا تشهدتْ: "التحيات الطيبات، الصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم".
صحيح: رواه مالك في الصلاة (٥٩، ٦٠) من وجهين: عن عبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري كلاهما عن القاسم بن محمد ... فذكر الحديث.
قال البيهقي بعد أن رواه من طريق مالك: وروي عن محمد بن صالح بن دينار، عن القاسم بن محمد مرفوعًا. والصحيح موقوف.
ولا خلاف بين أهل العلم على أن المصلي بالخيار من هذه التشهدات يختار ما يشاء، وإنما الخلاف في الأفضلية.
فاختار أكثر أهل العلم تشهد ابن مسعود، ومن هؤلاء: سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب الشافعي إلى تشهد ابن عباس.
وذهب مالك إلى تشهد عمر بن الخطاب لأنه علّمه الناس على المنبر. انظر شرح السنة (٣/ ١٧٣).
١١ - باب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد
• عن أبي حُميد الساعدي قال: قالوا: يا رسول الله! كيف نُصلِّي عليك؟ فقال:
стр. 1383
"قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وأزواجِه وذريتِه، كما صليتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجِه وذريتِه، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٦٦) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيم الزرقي، أنه قال: أخبرني أبو حُميد الساعدي ... فذكره.
ورواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٩)، ومسلم في الصلاة (٤٠٧) كلاهما من طريق مالك بن أنس به مثله.
• عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتانا رسولُ الله ﷺ في مجلس سعد بن عبادة: فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نُصلي عليك يا رسول الله! فكيف نُصلي عليك؟ قال: فسكت رسولُ الله ﷺ حتى تمنَّينا أنه لم يسأله ثم قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم".
صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة (٦٧) عن نعيم بن عبد الله المُجْمِر، عن محمد بن عبد الله بن زيد، أنه أخبره عن أبي مسعود الأنصاري ... فذكر مثله.
ورواه مسلم في الصلاة (٤٠٥) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به مثله.
وزاد ابنُ خزيمة وغيره: "كيف نصلي عليك إذا نحن صلّينا عليك في صلاتنا".
• عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرة فقال: ألا أهدي لك هديةً؟ إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نُسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: "فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليَّت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
متفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٥٧)، ومسلم في الصلاة (٤٠٦) كلاهما من طريق شعبة، حدَّثنا الحكم، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره.
وفي رواية عند البخاري (٣٣٧٠) من طريق عبد الله بن عيسى، سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعبُ بن عُجرة. فقال: ألا أهدي لك هديةً سمعتُها من النبي ﷺ ؟ فقلتُ: بلى، فأَهْدِها لي. فقال: سألنا رسولَ الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاةُ عليكم أهل البيت، فإن الله قد علَّمنا كيف نُسلم؟ فذكر مثله إلا أنه زاد فيه: "كما صليت على إبراهيم" "كما باركت على إبراهيم" ولم يذكر الحكم في حديثه: "إبراهيم" وإنما ذكر فيه: "آل إبراهيم" في الموضعين.
стр. 1384
والأحاديث الصحيحة مصرحة بثلاثة ألفاظ: "إبراهيم" وحده، "وآل إبراهيم" وحده، والجمع بينهما "إبراهيم وآله" وذلك يعود إلى الرواة اختصارًا وتفصيلًا، وليس فيه شيء من النكارة.
قوله: "قد عرفنا كيف نسلم عليك" أي عَلِمناه في التشهد وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
• عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله! هذا السلام عليك، فكيف نُصَلِّي؟ قال: "قولوا: اللَّهم صَلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صلَّيتَ على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم".
صحيح: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٥٨) عن إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد (هو ابن الهاد)، عن عبد الله بن خَبَّاب، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
• عن فَضالة بن عُبيد صاحب رسول الله ﷺ يقول: سمع رسولُ الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يُمجّد اللهَ، ولم يُصلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "عَجِل هذا" ثم دعاه فقال له، أو لغيره: "إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يُصَلِّي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧) كلاهما من طريق عبد الله بن يزيد المُقرئ، ثنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانيء حُميد بن هانئ، أن أبا علي عمرو بن مالك الجَنْبيَّ أخبره، أنه سمع فَضالة بن عبيد ... فذكر مثله.
واللفظ لأبي داود، وإسناده صحيح. ورجاله رجال مسلم غير عمرو بن مالك إلا أنه أيضًا ثقة.
وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحَّحه ابن خزيمة (٧١٠)، والحاكم (١/ ٢٣٠)، كلاهما من طريق المقرئ به مثله.
ورواه النسائي (١٢٨٤) عن محمد بن سلمة قال: حدثنا ابن وهب، عن أبي هانيء به وفيه: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في الصلاة، لم يحمدِ الله، ولم يُصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "عَجِلتَ أيها المُصلِّي" ثم علَّمهم رسول الله ﷺ ، فسمع رسول الله ﷺ رجلًا يصلي فمجَّد الله، وحَمِده، وصلى على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "ادعُ تُجَب، وسَلْ تُعط".
ورواه أيضًا الترمذي (٣٤٧٦) عن قتيبة بن سعيد، ثنا رشدين بن سعد، عن أبي هانئ به وفيه: بينا رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلَّى فقال: اللهم اغفر لي، وارحمني، فقال رسول الله ﷺ : "عجِلت أيها المصلي، إذا صلَّيت فقعدتَ فاحمد الله بما هو أهلُه، وصَلِّ عليَّ ثم ادعه" قال: ثم صلَّى رجل آخر بعد ذلك فحمِد الله، وصلى على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "أيها المصلي ادعُ تُجب".
قال الترمذي: حسن، ثم أشار إلى حديث حيوة بن شريح.
стр. 1385
قلت: رشدين بن سعد - بكسر الراء وسكون المعجمة ضعيف.
ولكن تابعه حيوة بن شريح، وابن وهب، كما مضى، وتابعهم أيضًا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب القرشي، عن عمه، قال: حدثني أبو هانئ به نحوه، رواه ابن خزيمة (٧٠٩) وأحمد بن عبد الرحمن ضعيف تغير بآخره، ولكن لا بأس به في المتابعات، ولعل الترمذي حسن إسناده لأجلها.
• عن طلحة بن عُبيد الله قال: قلنا يا رسول الله! كيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللَّهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد".
حسن: رواه النسائي (١٢٩٠) عن إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا محمد بن بشر، قال: حدثنا مجمع بن يحيى، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه فذكر الحديث ورجاله ثقات غير مجمع بن يحي فإنه صدوق، ولذا حَسّنَ الحافظ إسناده في التلخيص (١/ ٢٦٨).
• عن أبي هريرة قال: سألوا رسول الله ﷺ كيف نُصلِّي عليك؟ قال: "قولوا: اللَّهم صَلِّ على محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم".
صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٥٦٥) حدثنا أحمد بن عبدة، أنبأ سُلَيم بن أخضر، ثنا داود بن قيس، عن نُعيم، عن أبي هريرة ... فذكر الحديث.
قاله البزار: لا نعلمه إلا من حديث داود، عن نعيم، عن أبي هريرة.
قلت: داود بن قيس هو: الفراء الدباغ، ولا يضر تفرده فإنه ثقة، وثقه أحمد وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وهو من رجال مسلم.
ونُعيم هو: ابن عبد الله المجمر أبو عبد الله المدني مولى آل عمر بن الخطاب، كان يُجمِّر المسجد، ثقة روى له الجماعة؛ ولذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢٨٧٠): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح".
وقال الحافظ في طنتائج الأفكار" (٢/ ٢٠٨): "هذا حديث صحيح، أخرجه البزار عن أحمد بن عبدة به، وعلَّق على قول البزار قائلًا: "رجاله رجال الصّحيح".
• عن زيد بن خارجة، قال: سألت رسولَ الله ﷺ كيف الصلاة عليك؟ قال: "صلوا واجتهدوا، ثم قولوا: اللَّهم باركْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧١٤) حدثنا علي بن بَحْر، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا عثمان
стр. 1386
ابن حكيم، حدثنا خالد بن سلمة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة حين عرَّس على ابنه فقال: يا أبا عيسى كيف بلغك في الصلاة على النبي ﷺ ؟ فقال موسى: سألتُ زيد بن خارجة عن الصلاة على النبي ﷺ فقال زيد: أنا سألت رسول الله ﷺ نفسي: كيف الصلاة عليك؟ ... فذكر الحديث.
ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (٥١٤٣) من طريق عثمان بن حكيم، وليس فيه أن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة، وفيه: قد عرفنا كيف نُسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؟ فذكر مثله، ورواه أيضًا النسائي (١٢٩٢) من طريق عثمان بن حكيم إلا أنه اخنصره. ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
وأما أحاديث فضل الصلاة على النبي ﷺ عمومًا فستأتي في كتاب الدعوات.
فقه الباب:
أحاديث هذا الباب تدلُّ على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة في التشهد، وهو أمر لا خلاف فيه بين أهل العلم، وإنما الخلاف في وجوبها فقال جماعة من الصّحابة والتابعين، والإمامان الشّافعي وأحمد: إنّها واجبة، واستدلوا بقوله: "قولوا".
وقال جمهور أهل العلم: إنها ليست بواجبة، لأنّها ليست جزءًا من الصلوات التي أمر النّبيّ ﷺ أن
نصليها كما نراه.
ثم اختلف القائلون بوجوبها فمن رأى أنه لا تخصيص للتشهد الثاني قال بوجوبها في التّشهدين.
ومن رأى أن التّشهد الأوّل ليس محلًّا للصّلاة على النّبيّ ﷺ لأنّه شرع فيه التخفيف كما جاء
في صفة صلاة النبيّ ﷺ "أنّه إذا كان في الرّكعتين الأوّليين كأنّه على الرّصف (الحجارة المحماة) حتى يقوم". قال بعدم وجوبها في التّشهّد الأوّل.
رواه أبو داود والترمذي والنسائي. قال الترمذي: "حسن".
والصّواب أنّه منقطع؛ لأنّه من رواية أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود.
وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
وقالوا أيضًا: في تشهد عبد الله بن مسعود، قال النّبيّ ﷺ : "ثم يتخيّر من الدّعاء أعجبه إليه فيدعو". إشارة إلى أنّ التّشهّد الأوّل ليس فيه من الأدعية؛ لأنّ المقصود منه التّخفيف والإسراع. ولكن من صلّى على النّبيّ ﷺ في التشهّد الأول لا ينكر عليه؛ لأنّ الصّلاة على النّبيّ ﷺ من أفضل القربات.
وعقد الحافظ ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام" فصلين:
فصل في الصلاة على النبي ﷺ في آخر التشهد وقال: هو أهمها وآكدها، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته، واختلفوا في وجوبه فيها، ثم ذكر أدلة المانعين والموجبين وأطال.
والفصل الثاني: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول.
стр. 1387
وقال: "وقد اختُلف فيه، فقال الشافعي ﵀ في "الأم" (١/ ١٠٢) يصلي على النبيّ ﷺ في التشهد الأول. هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد. لكنه يستحب وليس بواجب. وقال في القديم: لا يزيد على التشهد. وهذه رواية المزني عنه، وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة ومالك رحمهم الله تعالى وغيرهم".
ثم ذكر الأحاديث التي استدلّ بها للشافعي في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وخلص إلى القول بأن المراد من الصلاة على النبي ﷺ في هذه الأحاديث وغيرها هو التشهد الأخير دون الأول.
قلت: أما الأحاديث في الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهد الأول فمع ضعفها إنها غير مقيدة بالتشهد الأول، ومن هذه الأحاديث:
١ - حديث ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التّشهد: "التحيات الطيبات، الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله" ثم يصلي على النبي ﷺ .
رواه الدارقطني (١٣٣٠) من طرق عن خارجة بن مصعب، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
قال الدارقطني: موسى بن عبيدة وخارجة ضعيفان.
٢ - وحديث بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بريدة، إذا جلستَ في صلاتك، فلا تترك الصّلاة عليَّ، فإنّها زكاة الصلاة، وسلِّم على جميع أنبياء الله ورسله، وسلِّم على عباد الله الصّالحين".
رواه الدارقطني (١٣٤٠) من طرق عن سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
قال الدارقطني: عمرو بن شمر وجابر الجعفي ضعيفان.
٣ - وحديث عائشة، قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقبل صلاة إلا بطهور، وبالصلاة عليَّ".
رواه الدارقطني (١٣٤١) من وجه آخر عن سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، قال: قال الشعبي: سمعت مسروق بن الأجدع يقول: قالت عائشة (فذكرته).
وفيه أيضًا عمرو بن شمر، وجابر الجعفي ضعيفان كما قال الدارقطني.
وقد أشار البيهقي (٢/ ٣٧٩) إلى هذا بقوله: "رُوي فيه عن عائشة مرفوعًا، وإسناده ضعيف".
٤ - وحديث ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة، فليقل: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل
стр. 1388
محمد كما صليت وباركت وترحّمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد".
رواه الحاكم (١/ ٢٦٩) وعنه البيهقي (٢/ ٣٧٩) من حديث يحيى بن السباق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، فذكره.
قال الحاكم بعد أن نقل عن ابن مسعود قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو لنفسه. قال: أسند هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود بإسناد صحيح" ثم ذكر ما سبق. وفيه رجل لم يسم، فكيف يكون بإسناد صحيح.
٥ - وعن ابن مسعود أيضًا قال: علمني رسول الله ﷺ التشهد كما كان يعلمنا السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل بيته، كما صليتَ على آل إبراهيم وعلى آل بيته، كما باركتَ على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهمَّ بارك علينا معهم، صلواتُ الله وصلاة المؤمنين على محمد النبي الأميّ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال: وكان مجاهد يقول: إذا سلَّم فبلغ: "وعلى عباد الله الصّالحين" فقد سلَّم على أهل السماء والأرض.
رواه الدارقطني (١٣٣٨) عن أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، حدثنا عثمان بن صالح الخياط، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، قال: حدثني مجاهد، قال: أخذ بيدي ابن أبي ليلى أو أبو معمر، قال: علمني ابن مسعود التشهد وقال: كما علمنيه رسول الله ﷺ ، فذكره.
قال الدارقطني: ابن مجاهد ضعيف الحديث.
٦ - وحديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل الساعدي قال: سمعت أبي يحدث عن جدي أنّ النبيَّ ﷺ قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر الله عليه، ولا صلاة لمن يصل على نبي الله في صلاته".
رواه الحاكم (١/ ٢٦٩) وقال: "لم يخرج هذا الحديث على شرطهما، فإنهما لم يخرجا عبد المهيمن" تعقبه الذهبي فقال: "عبد المهيمن واه".
وقال البيهقي: "عبد المهيمن ضعيف لا يحتج برواياته".
والخلاصة: أن هذه الأحاديث لا يصح منها شيء، وإن دلَّ بمجموعها على الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهد، فليكن ذلك في التشهد الأخير.
قال الحافظ ابن القيم: "أما التشهد الأول فليس محله، وهو القديم من قولي الشافعي، وهو الذي صحّحه كثير من أصحابه؛ لأن التشهد الأول المشروع فيه التخفيف".
ثم نقل على لسان المعارضين قولهم: أما ما استدللتم به من الأحاديث فمع ضعفها بموسى بن عبيدة، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفي لا تدل، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير دون الأول لما
стр. 1389
ذكرنا من الأدلة" جلاء الأفهام (ص ٥١١).
قلت: وأحسن ما جاء في هذا الباب ما رواه أبو عوانة في "صحيحه" (٢٠٦٠، ٢٢٩٥) عن الحسن بن علي بن عفان، ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: انطلقت إلى عبد الله بن عباس فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض، وذكر الحديث، وفيه:
قال سعد بن هشام: قلت لعائشة: يا أمَّ المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعدّ له سواكهـ وطهوره من الليل، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ثم يسلم تسليمة يُسمعنا، أو تسليم يسمعنا.
والحديث في "صحيح مسلم" (٧٤٦: ١٣٩) رواه عن محمد بن المثنى العنزي، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد بإسناده، فذكره بطوله.
وفيه: "لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله وبحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم" فذكره.
ورواه أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سعيد بإسناده وقال: ساق الحديث بقصته، ولم يذكر لفظه.
فإن قصد مسلم رواية محمد بن المثنى فليس فيها الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، وإن قصد غير ذلك فمن عادته أنه يذكر الزيادات، وحيث أنه أبهم، فالظاهر أن الصلاة على النبي ﷺ في الركعة الثامنة غير موجودة.
فالزيادة التي في صحيح أبي عوانة إما أن يحكم عليها بالشذوذ، لأنه لم يذكر أحد ممن وصف وتر النبيّ ﷺ في الليل أنه يصلي على النبيّ ﷺ في التشهد الأول، أو كان يفعل أحيانًا لا دائمًا وخاصة في صلاة الليل دون النهار.
١٢ - باب ما جاء من الأدعية قبل التسليم
• عن عائشة زوج النبي ﷺ إنها أخبرت أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: "اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم".
فقال له قائل: ما أكثر - ما نستعيذ من المَغْرَم يا رسول الله! فقال: "إن الرجل إذا غَرِم حدَّث فكذَب، ووَعَدَ فأخْلَف".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٣٢)، ومسلم في المساجد (٥٨٩) كلاهما من طريق أبي اليمان، أخبرنا شُعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته ...
стр. 1390
فذكرت الحديث.
وروياه أيضًا مختصرًا من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري بلفظ: كان رسول الله ﷺ يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال"، رواه البخاري في كتاب الفتن (٧١٢٩) عن عبد العزيز بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن سعد، ومسلم في المساجد (٥٨٧) عن عمرو الناقد وزهير بن حرب قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، به مثله.
• عن عائشة قالت: إن يهوديةً دخلت عليها، فذكرت عذابَ القبر، فقالت لها: أعاذكِ الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: "نعم، عذاب القبر حق".
قالت عائشة: فما رأيتُ رسول الله ﷺ بعد صلَّى إلا تعوَّذ من عذاب القبر.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٧٢)، ومسلم في المساجد (٥٨٦/ ١٢٦) كلاهما من طريق أشعث، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ... فذكرت مثله.
وفي رواية أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: دخلتْ عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالت لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فكذَّبتُهما، ولم أُنْعم أن أصدقهما فخرجتا. ودخل عليَّ النبيُّ ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عُجُز المدينة دخلتا عليَّ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم فقال: "صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلها".
قالت: فما رأيتُ بعد في صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.
رواه البخاري في الدعوات (٦٣٦٦)، ومسلم في المساجد (٥٨٦/ ١٢٥) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل به.
• عن فروة بن نوفل قال: قلت لعائشة: حدثيني بشيء كان رسول الله ﷺ يدعو به في صلاته، قالت: نعم، كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهم إني أعوذُ بك من شَرِّ ما عملتُ، ومن شَرِّ ما لم أعملْ".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (٢٧١٦) عن يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم واللفظ ليحيى قالا: أخبرنا جرير، عن منصور، عن هلال، عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: سألت عائشة ... فذكر الحديث، ومسلم ساق لفظ يحب، وليس في روايته أنه كان يدعو به في صلاته، وإنما ذكره إسحاق بن إبراهيم، وعنه رواه النسائي (١٣٠٧) بالسند المذكور عند مسلم، والمتن الذي سقتُه منه. وكذا لم يرو أبو داود (١٥٥٠) وابن ماجه (٣٨٣٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم، فلم يذكرا أيضًا أن ذلك كان في الصلاة.
• عن عائشة قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللَّهم حاسبني
стр. 1391
حسابًا يسيرًا" فلما انصرف قلت: يا نبي الله! ما الحساب اليسير؟ قال: "أن يَنظُرَ في كتابه، فيتجاوَزَ عنه، إنه من نُوقش الحساب يومئذ يا عائشةُ! هلك. وكلُّ ما يصيبُ المؤمنَ يكفِّرُ الله عنه حتى الشوكة تشوكُه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٢١٥) قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ... فذكرت الحديث. ورجاله ثقات ومحمد بن إسحاق مدلس ولكنه صرح بالتحديث، وصحَّحه ابن خزيمة (٨٤٩) بعد أن رواه من طريق إسماعيل وهو ابن علية، والحاكم (١/ ٥٧، ٢٥٥) بعد أن رواه من طريق الإمام أحمد وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتفقا على حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من نُوقش الحساب عذب" والطبراني في الأوسط (٣٦٦٢) من طريق محمد بن مسْلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه، عن عائشة فذكرت الحديث دون قوله: في بعض صلاته.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن عروة إلا محمد بن إسحاق، تفرد به محمد بن مسلمة.
قلت: وليس الأمر كما قال فقد روي عن محمد بن إسحاق - إسماعيلُ ابن علية، أيضًا كما أن يحيى بن عروة لم ينفرد به فقد تابعه عبد الواحد بن حمزة كما أن محمد بن إسحاق لم ينفرد به، فقد تابعه عبد الواحد بن زياد. رواه الإمام أحمد (٢٥٥١٥) عن يونس بن محمد، عنه قال: حدثنا عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعتُ عبَّاد بن الزبير، يقول سمعت أم المؤمنين عائشة تقول: سألت رسول الله ﷺ عن الحساب اليسير، فقلت يا رسول الله! ما الحساب اليسير؟ فقال: "الرجل تُعْرضُ عليه ذنوبُه، ثم يتجاوزُ له عنها، إنه من نُوقش الحساب هلك، ولا يصيبُ عبدًا شوكةٌ فما فوقها إلا قاصَّ الله بها من خطاياه".
وعبد الواحد بن زياد ثقة من رجال الجماعة، وسياقه وإن كان يختلف إلا أن أصل الحديث واحد.
• عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٧٧)، ومسلم في المساجد (٥٨٨/ ١٣١) كلاهما من حديث هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة ... فذكر الحديث.
وزاد مسلم: "إذا تشهَّد أحدكم فليستعِذْ بالله من أربع: يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال".
وفي رواية: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوَّذْ بالله من أربع - فذكر مثله.
وفي رواية: "عُوذوا بالله من عذاب الله، عُوذوا بالله من عذاب القبر، عُوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات".
стр. 1392
هذه الروايات كلها في صحيح مسلم من أوجه عن أبي هريرة.
• عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ لرجل: "ما تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهَّدُ ثم أسألُ الله الجنةَ، وأعوذ به من النار. أما والله! ما أُحْسِنُ دَندنتك ولا دندنة معاذ. فقال ﷺ : "حولها نُدَنْدِنُ".
صحيح: رواه ابن ماجه (٩١٠، ٣٨٤٧) عن يوسف بن موسى القطَّان، قال: حدثنا جرير (ابن عبد الحميد) عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده صحيح، صحَّحه أيضًا ابن خزيمة (٧٢٥) فرواه عن يوسف بن موسى به مثله، وابن حبان (٨٦٨) فرواه من طريق جرير بن عبد الحميد به مثله.
وأما أبو داود (٧٩٢) فرواه عن عثمان بن أبي شيبة، ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن سليمان، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي ﷺ فذكر مثله. ورجاله ثقات.
وقوله: ما أحسن دندنتك - أي مسألتك الخفية. والدندنة: أن يتكلم الرجل بكلام نسمع نغمتُه، ولا يفهم، وهو أرفع من الهينمة قليلًا، والضمير في "حولها" للجنة أي حول تحصيلها، أو للنار - أي حول التعوذ من النار، كذا في "النهاية" (٢/ ١٣٧).
• عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ كان يُعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورةَ من القرآن، يقول: "قولوا: اللَّهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنَّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٠) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس ... فذكره.
قال مسلم: بلغني أن طَاوسًا قال لابنه: أدعوتَ بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك. لأن طَاوسًا رواه عن ثلاثة، أو أربعة. أو كما قال.
قال النووي: ظاهر كلام طاوس أنه حمل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته. وجمهور العلماء على أنه مستحب ليس بواجب، ولعل طاوُسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه" انتهى.
وممن ذهب إلى عدم وجوبه الإمام البخاري فإنه بوَّب بقوله: "باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب" واستدل لذلك بحديث عبد الله بن مسعود: "ثم يتخيَّرُ من الدعاء أعجَبَه إليه فيدعو" فإنه بصرف صيغة الأمر في قوله: "فليستعذ بالله من أربع" من الوجوب إلى الندب، وبه قال جمهور العلماء.
وكذلك الصّلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، إلا أن الشافعي قال بوجوبه بعد التشهد.
стр. 1393
وأما الأدعية فإن الجمهور أجازوا من الأدعية في الصلاة بما يختار المُصلى من أمر الدنيا والآخرة لما ذكر في تشهد ابن مسعود "ثم يتخير من المسألة ما شاء" وفي رواية: "ثم يتخيَّر بعد من المسألة ما شاء".
وقيد أبو حنيفة ومن وافقه بأنه لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، أو ثبت في الحديث، ولكن ظاهر حديث ابن مسعود يؤيد لما ذهب إليه الجمهور، وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة (١/ ٢٩٦) من طريق عمير بن سعيد قال: كان عبد الله (بن مسعود) يعلمنا التشهد في الصلاة، ثم يقول: إذا فرع أحدكم من التشهد في الصلاة فليقل: اللَّهم إني أسألك من الخير كله ما علمتُ منه، وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله ما عملتُ منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار، ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفِّر عنَّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
فهذا الدعاء ليس مما ورد كله في القرآن ولا في السنة إلا أن عبد الله بن مسعود كان يعلم أصحابه.
• عن أبي بكر الصديق أنه قال لرسول الله ﷺ : عَلِّمنِي دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندِك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٣٤)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٥) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق فذكر مثله.
ورواهما أيضًا - البخاري في التوحيد (٧٣٨٨)، ومسلم في الذكر من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو، وزاد مسلم مع عمرو بن الحارث رجلًا مبهما كلاهما - عن يزيد بن أبي حبيب به مثله.
وهذا الرجل المبهم هو: ابن لهيعة كما بيَّن ذلك ابن خزيمة في روايته. ذكره الحافظ في الفتح (٢/ ٣٢٠).
• عن علي بن أبي طالب يقول النبي ﷺ بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" الحديث.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧١) من طريق يوسف الماجشون، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن أبي رافع، عن علي.
انظر الحديث بطوله في باب الاستفتاح.
ولكن رواه أبو داود (٧٦١) من طريق عبد الله بن الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب،
стр. 1394
عن عبد الرحمن الأعرج به: يقول عند انصرافه من الصلاة.
فإن صحَّ هذا فيحمل على أنه مرة كان يقول به في الصلاة، وأخرى عند انصرافه منها.
• عن محْجَن بن الأدْرَعِ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد وهو يقول: اللَّهم! إني أسألك يا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "قد غفر له، قد غفر له" ثلاثًا.
صحيح: رواه أبو داود (٩٨٥)، والنسائي (١٣٠١) كلاهما من طريق عبد الوارث، حدثنا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي، أن محجن بن الأدْرع حدثه فذكر مثله.
وإسناده صحيح ورجاله ثقات، وقد صحَّحه ابن خزيمة (٧٢٤)، والحاكم (١/ ٢٦٧) فروياه من طريق عبد الوارث به مثله، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
• عن بريدة بن الحُصيب الأسلمي أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: اللَّهم إنِّي أسألك أَني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٩٣، ١٤٩٤) من وجهين: من طريق يحيى، عن مالك بن مغول، ومن طريق زيد بن حُباب قال: حدثنا مالك بن مغول، وابن ماجه (٣٨٥٧) من طريق وكيع، عن مالك بن مغول، والترمذي (٣٤٧٥) من طريق زيد بن حُباب، عن زهير بن معاوية، عن مالك بن مِغول، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ... فذكر الحديث.
قال الترمذي: قال زيد: فذكرتُه لزهير بن معاوية بعد ذلك بسِينن فقال: حدثني أبو إسحاق، عن مالك بن مِغول، قال زيد: ثم ذكرتُه لسفيان الثوري فحدثني عن مالك. قال الترمذي: حسن غريب. وروى شريك هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن بريدة، عن أبيه، وإنما أخذه أبو إسحاق الهمداني عن مالك بن مغول، وإنما دلَّسه، وروى شريك هذا الحديث عن أبي إسحاق، انتهى كلام الترمذي.
ويظهر من كلام الترمذي أن أبا إسحاق مدلس قد دلَّس فيه، والرّاوي عنه شريك وهو سيء الحفظ، ولكن لا يضر تدليسه فقد رواه أيضًا سفيان الثوري ووكيع عن مالك بن مِغْول كما أن زيد بن حُباب أيضًا ممن سمعه من مالك بن مِغول بعد أن سمعه من سفيان الثوري أوَّلًا.
ولذا صحَّحه كثير من أهل العلم.
منهم ابن حبان (٨٩١)، والحاكم (١/ ٥٠٤) بعد أن روياه من طريق مالك بن مغول قال الحاكم:
стр. 1395
صحيح على شرط الشيخين، وقال: وله شاهد صحيح على شرط مسلم قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصغار، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا الحسن بن الصباح، ثنا الأسود بن عامر، أنبأ شريك، عن أبي إسحاق، عن ابن بريدة، عن أبيه.
وقال المنذري في "مختصر أبي داود" (٢/ ١٤٥): وقال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وهو إسناد لا مطعن فيه، ولا أعلم أنه روي في هذا الباب حديث أجود إسنادا منه، وهو يدل على بطلان مذهب من ذهب إلى نفي القول بأن الله اسمًا هو الاسم الأعظم" انتهى.
• عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يُصلِّي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحَمْد، لا إله إلا أنت المنان، بديعُ السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم! فقال النبي ﷺ : "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئل به أَعْطَى".
حسن: رواه أبو داود (١٤٩٥)، والنسائي (١٣٠٠) كلاهما من طريق خلف بن خليفة، عن حفص بن أخي أنس، عن أنس بن مالك فذكر مثله.
وصحَّحه ابن حبان (٨٩٣)، والحاكم (١/ ٥٠٣، ٥٠٤) فروياه من طريق خلف بن خليفة به وجاء فيهما: فلما ركع وسجد وتشهَّد، دعا فقال في دعائه فذكرا مثله. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
قلت: حفص ابن أخي أنس بن مالك أبو عمر المدني، قيل: هو ابن عبد الله، أو ابن عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل ابن عمر بن عبد الله، أو عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن محمد بن عبد الله ليس من رجال مسلم، إلا أنه ثقة، وثَّقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: حفص بن عبد الله بن أبي طلحة أخو إسحاق ابن أخي أنس لأمه. وكذا ذكره أيضًا في صحيحه.
وخلف بن خليفة، وإن كان من رجال مسلم إلا أنه قد اختلط، ولكنه توبع فقد رواه ابن ماجه (٣٨٥٨)، والإمام أحمد (١٢٢٠٥) عن وكيع، حدثني أبو خزيمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك فذكر مثله وفيه: "لقد سألت الله باسم الله الأعظم ... " كذا في مسند الإمام أحمد.
وأبو خزيمة هو: العبدي البصري، اسمه نصر بن مرداس "صالح صدوق"، ورواه الترمذي (٣٥٤٤) من وجه آخر عن عاصم الأحول وثابت، عن أنس نحوه، قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث ثابت عن أنس، وقد روي من غير هذا الوجه عن أنس" انتهى. وفيه سعيد بن زربي ضعيف.
ثم قال الحاكم: وقد روي من وجه آخر عن أنس بن مالك، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الربيع بن سليمان، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله الفهري، عن إبراهيم بن عبيد، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: اللَّهم إني أسألك بأن لك
стр. 1396
الحمدَ لا إله إلا أنت، أنت المنان، بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام، أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار. فقال النبي ﷺ : "لقد كاد يدعو الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى".
ورواه الإمام أحمد (١٣٧٩٨) عن إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضْل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد العزيز بن مسلم، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن أنس بن مالك قال: مرَّ رسول الله ﷺ بأبي عيَّاش زيد بن صامت الزُّرقي وهو يُصَلِّي وهو يقول فذكر مثله غير أنه لم يذكر فيه: "أسألك الجنة وأعوذ بك من النار". فقال النبي ﷺ : "لقد دعا الله باسمه الأعظم إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى".
ومحمد بن إسحاق مدلس ولكنه توبع، وعبد العزيز بن مسلم هو المدني، مولى آل رفاعة لم يُوثقه إلا ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" وبمجموع هذه الطرق يصل الحديث إلى درجة الحسن.
وبقية أحاديث هذا الباب ستأتي في كتاب الدّعوات.
• عن أنس بن مالك قال: جاءت أم سُلَيم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! عَلِّمني كلماتٍ أدعو بهنَّ في صلاتي. قال: "سَبِّحي الله عشرًا، واحمديه عشرًا، ثم سَليه حاجتَكِ يَقُلْ: نعم نعم".
حسن: رواه النسائي (١٢٩٩)، والترمذي (٤٨١) كلاهما من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس فذكر مثله.
وإسناده حسن فإنَّ عكرمة بن عمار وإن كان من رجال مسلم إلا أنه "صدوق يغلط".
وصحَّحه ابن خزيمة (٨٥٠)، وابن حبان (٢٠١١)، والحاكم (١/ ٢٥٥، ٣١٧) بعد ما رووا عن عكرمة بن عمار. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ولكن أعله أبو حاتم بالإرسال فقال: رواه الأوزاعي، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أم سُليم، وهو مرسل، وهو أشبه من حديث عكرمة بن عمار. نقله الحافظ في "النكت الظراف" (١/ ٨٥) عن ابن أبي حاتم، عن أبيه. انتهى.
فمن أخذ بقول أبي حاتم ضعَّف هذا الحديث، لأن الإرسال نوع من أنواع الحديث الضعيف، ومن لم يأخذ به نظر إلى ظاهر الإسناد فإنه متصل، فلعل إسحاق بن أبي طلحة أرسل أولًا، ثم أسنده بذكر أنس ولا يصح العكس.
• عن عمار بن ياسر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في صلاته: "اللَّهم بعلمك الغَيبَ، وقدرتك على الخَلْقِ أحْيِنِي ما علِمتَ الحياةَ خيرًا لي، وتوفَّني إذا علِمتَ الوفاة خيرًا لي، اللَّهم أسألك خشيتَك - يعني في الغيب والشّهادة، وأسألك
стр. 1397
كلمةَ الحقِّ في الرِّضا والغَضَب، وأسألك القَصْدَ في الفَقْر والغِنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قُرَّةَ عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذَّةَ النظر إلى وجهِك، والشوقَ إلى لقائِك في غير ضَرَّاء مُضِرَّةٍ، ولا فِتنة مُضِلَّةٍ، اللَّهم زَيِّنَا بزينةِ الإيمان، واجْعَلنا هُداةً مُهتَدين".
صحيح: رواه النسائي (١٣٠٥) من طريق حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب بن مالك، عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة، فأوجز فيها، فقال له بعض القوم، لقد خفَّفتَ - أو أوجزتَ الصلاة. قال: ما عَلَيَّ ذلك، فقد دعوتُ فيها دعوات سمعتُهن من رسول الله ﷺ ، فلما قام، تبعه رجل من القوم، هو أبي (أي أبو عطاء) غير أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم، فذكر الدعاء.
وإسناده صحيح، عطاء بن السائب ثقة، وثّقه الأئمة غير أنه اختلط، لكن رواية حماد بن زيد عنه كانت قبل الاختلاط.
ومن طريق حماد بن زيد رواه أيضًا ابن حبان (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٥٢٤) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وتابعه حماد بن سلمة، ومن طريقه رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٤٤)، وفُضيل بن غزوان، ومن طريقه رواه أبو يعلى (١٦٢١ تحقيق الأثري) ثلاثتهم عن عطاء بن السائب به مثله. إلا أن سماع فُضيل من عطاء كان بعد اختلاطه، ولكن متابعة حمادين له تؤكد أنه لم يختلط في هذا الحديث.
ولذا استدل بهذا الحديث كثير من المحدثين على رؤية المؤمنين الرب يوم القيامة منهم: الإمام ابن خزيمة في كتابه "التوحيد" (ص ١٢) وابن منده في "الرد على الجهمية" (٨٦) واللالكائي في "أصول اعتقاد أهل السنة" (٨٤٤)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٤٤).
وللحديث طريق آخر رواه النسائي (١٣٠٦)، والطبراني في الدعاء (٦٢٥)، والبزار في مسنده (١٣٩٢)، والإمام أحمد في مسنده (١٨٣٢٥) كلهم من طريق شريك، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز قال: صلى بنا عمار صلاة، فأوجز فيها، فأنكروا ذلك فقال: ألم أتِمَّ الركوعَ والسجودَ؟ قالوا: بلى، قال: أما إني قد دعوتُ فيهما بدعاء، كان رسول الله ﷺ يدعو به فذكر الدعاء.
وفيه شريك بن عبد الله النخعي تُكلم في حفظه، إلا أنه لم يُخطئ في رواية هذا الحديث لمتابعات له في الجملة.
• عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن جده، قال: دخلتُ على النبي ﷺ وهو يُصَلِّي، وقد وضع يَده اليُسرى على فخذه اليُسرى، ووضع يده اليُمنى على فخذه اليُمنى، وقبض أصابعه، وبسط السبَّابة وهو يقول: "يا مُقَلِّبَ القلوب! ثبِّتْ قَلْبي على دينك".
стр. 1398
حسن: رواه الترمذي (٣٥٨٧) عن عقبة بن مُكْرَم، حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، حدثنا عبد الله بن مَعْدان، أخبرني عاصم بن كليب الجرميُّ، عن أبيه، عن جدّه قال ... فذكر الحديث.
قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه.
قلت: لعله حكم عليه بالغرابة لأجل عبد الله بن معدان فإنه لم يُوثِّقه أحد غير ابن حبان، فهو "مقبول" عند الحافظ، إلا أن ابن معين قال فيه: "صالح" وكذلك تابعه صفوان. رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده قال: ثنا سيار، ثنا محمد بن حمران، ثنا صفوان، عن عاصم بن كليب به.
وزاد فيه "دخلت المسجد ورسول الله ﷺ في الصلاة، وبقية الحديث مثله.
ولم أستطع تعيين صفوان، إلا أن أحدًا ممن يُسمى بصفوان لم يتهم، فمتابعته لعبد الله بن معدان يجعل الحديث حسنًا لغيره.
١٣ - باب ما جاء في السلام للتحليل من الصلاة
• عن سعد بن أبي وقاص قال: كنتُ أرى رسولَ الله ﷺ يُسَلِّم عن يمينه، وعن يساره، حتى أرى بياضَ خدِّه.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٨٢) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عن أبيه فذكره.
• عن جابر بن سَمُرة قال: كنَّا إذا صلَّينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السّلام عليكم ورحمة الله، السّلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : "عَلام تُومئون بأيديكم كأنها أذنابُ خيل شُمُس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يُسَلِّم على أخيه من على يمينه وشماله".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٣١) من طريق مسعر، حدثني عبيد الله ابن القِبْطية، ، عن جابر بن سمرة فذكر مثله، وفي رواية قال: صلَّيت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلَّمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم السلام عليكم. فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنكم؟ تُشيرون بأيديكم كأنها أذْناب خَيل شُمُس، إذا سلَّم أحدكم فليلتفِتْ إلى صاجه، ولا يُومِئ بيده" رواه أيضًا مسلم من وجه آخر عن فرات القزَّاز، عن عبيد الله، عن جابر بن سمرة به.
وفي رواية: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنهما أذناب خيل شُمُس، اسكنوا في الصلاة".
رواه أيضًا مسلم من وجه آخر عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سمرة فذكر مثله.
قوله: خيل شُمُس: جمع شَموس مثل رَسول ورُسُل، وهي التي لا تستقر، بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.
стр. 1399
وقوله: ما لي أراكم رافعي أيديكم - المراد بالرفع المنهي عنه هنا، رفعهم أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين كما صرَّح به في الرواية الأولى.
• عن أبي معمر، أن أميرًا كان بمكة يُسَلِّم تسليمتين. فقال عبد الله: أنَّى عَلِقَها؟ .
قال الحكم في حديثه: إن رسول الله ﷺ كان يفعلُه.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٨١) عن زهير بن حرب، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن الحكم ومنصور، عن مجاهد، عن أبي معمر فذكر مثله.
ورواه أيضًا عن الإمام أحمد بن حنبل في المسند (٤٢٣٩) فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، قال شعبة: (رفعه مرة) أن أميرًا، أو رجلًا فذكر مثله.
وقوله: أنَّى عَلِقَها - بفتح العين وكسر اللام - أي من أين حصل على هذه السنة وظفر بها. كذا في شرح النووي.
قال البيهقي (٢/ ١٧٧) بعد أن أخرج هذا الحديث من طريق مسلم: "ولهذا الحديث شواهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ ".
قلت: وهو الآتي.
• عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يُسلم عن يمينه، وعن شماله، حتى يُرى بياض خده "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".
حسن: رواه أبو داود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، والنسائي (١٠٨٤، ١٣٢٠)، وابن ماجه (٩١٤) كلهم من طرق عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكر مثله، واللفظ لأبي داود. قال الترمذي: "حسن صحيح".
ولكن نقل أبو داود عن شعبة أنه كان ينكر أن يكون حديث أبي إسحاق مرفوعًا.
قلت: وأبو إسحاق هو: السبيعي مدلس ومختلط، ولكن من الرواة من روى عنه قبل الاختلاط منهم سفيان الثوري وقد ساق أبو داود أسانيد كثيرة عن أبي إسحاق، ولذا صحّحه ابن خزيمة (٧٢٨)، وابن حبان (١٩٩٠، ١٩٩٣) بعد أن روياه من طريقه، ونقل الحافظ عن العقيلي: والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين، ولا يصح في تسليمة واحدة شيء. التلخيص (١/ ٢٧٠).
فلعله لم يدلس في هذا الحديث ولم يختلط فيه لوجود طرق كثيرة، ليس فيها أبو إسحاق.
منها ما رواه عبد الرزاق (٣١٢٧) عن معمر والثوري، عن حماد، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: ما نسيتُ فيما نسيت عن رسول الله ﷺ أنه كان يُسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله" حتى نرى بياض خده، وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة
стр. 1400
الله" حتى نرى بياض خده أيضًا.
ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في الكبير (١٠١٧٧)، والإمام أحمد (٣٨٨٧) ولكن تحرف فيه "حماد" إلى "جابر" وإسناده صحيح.
ومنها ما رواه ابن حبان (١٩٩٤)، والبيهقي (٢/ ١٧٧) كلاهما من طريق زكريا (وهو ابن أبي زائدة) عن الشعبي، عن مسروق به مثله.
• عن وائل بن حجر قال: صلَّيتُ مع النبي ﷺ فكان يُسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
حسن: رواه أبو داود (٩٩٧) قال: حدثنا عبدة بن عبد الله، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كُهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه فذكر الحديث.
إسناده حسن لأجل موسى بن قيس فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، كما في التقريب، وبقية رجاله ثقات، ولكن علقمة بن وائل اختلف في سماعه من أبيه، فنقل العلائي في "جامع التحصيل" (٥٣٧) عن ابن معين أنه قال: "لم يسمع من أبيه شيئًا" وأثبت سماعه آخرون، وإنما الذي لم يسمع من أبيه هو عبد الجبار بن وائل، ولذا صحَّح إسناد أبي داود عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (١/ ٤١٣)، والزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٤٣٢)، والنووي في المجموع (٣/ ٤٧٩)، والحافظ في "بلوغ المرام" وسكت عليه المنذري في "المختصر".
والتبس الأمر على الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٧١) فقال: "حديث وائل بن حجر رواه أبو داود والطبراني من حديث عبد الجبار بن وائل، عن أبيه ولم يسمع منه، كذا قال عبد الجبار، وهو وهم منه فإن أبا داود لم يرو عن عبد الجبار، وإنما رواه عن علقمة، فأصاب في "بلوغ المرام" والذي رواه من طريق عبد الجبار بن وائل هو أبو داود الطيالسي (١١١٥) قال: حدثنا المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل قال: حدثني بعض أهل بيتي، عن أبي، أنه صلى مع النبي ﷺ فسلم عن يمينه وعن يساره.
وفيه رجل مبهم من أهل بيته، وأظن هو أخوه علقمة، لأن عبد الجبار يروي عن أخيه علقمة، عن أبيه، إن ثبت هذا فرجع الحديث إلى علقمة بن وائل.
وللحديث إسناد آخر: رواه أبو داود الطيالسي (١١١٤) وابن أبي شيبة (١/ ٢٩٨)، وأحمد (١٨٨٥٣)، والبيهقي (٢/ ٢٦)، والطبراني (٢٢/ ٤١) كلهم من طريق شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا البختري، يحدث عن عبد الرحمن بن اليحصبي، عن وائل بن حجر أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يُكبر إذا خفض، وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير، ويسلم عن يمينه وعن يساره. واللفظ لأبي داود الطيالسي.
وعبد الرحمن بن اليحصِبي لم يُوثّقه غير ابن حبان. فهو "مقبول" لأنه توبع.
стр. 1401
تنبيه: وقع في الرواية الثانية في صحيح ابن حَبَّان من حديث ابن مسعود، وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر زيادة: "وبركاته" وهي من زيادة الثقة فيجب قبولها وكلها سنة فمرة بحذفها، ومرة بذكرها.
ويتعجب الحافظ من قول ابن الصلاح: "إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث. "التلخيص" (١/ ٢٧١) إلا أنه عزاء هذه الزيادة أيضًا من حديث ابن مسعود إلى ابن ماجه، والنسخة التي عندنا ليست فيها هذه الزيادة، فلعلها في نسخة كانت عنده.
عن واسع بن حَبَّان أنه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضعَ، الله أكبر كلما رفع، ثم يقول: "السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه "السلام عليكم ورحمة الله" عن يساره.
صحيح: رواه النسائي (١٣٢٠) قال: أخبرنا الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاّج قال: ابن جريج أنبأنا عمرو بن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن عمِّه واسع بن حَبَّان أنه سأل ابن عمر فذكر مثله.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح وقد صحَّحه ابن خزيمة (٥٧٦) فرواه أيضًا عن الحسن بن محمد، وحسَّنه ابن عبد البر: التمهيد (١٦/ ١٨٩)، وابن جريج مدلس إلا أنه صرَّح بالتحديث.
وحجاج هو ابن محمد المِصيص من رجال الجماعة.
ولا يعل بما رواه الشافعي في الأم (١/ ١٢٢) عن مسلم بن خالد وعبد المجيد، عن ابن جريج، به مثله.
ومسلم بن خالد المعروف بالزنجي وعبد المجيد هو ابن عبد العزيز بن أبي روَّاد متكلم فيهما، إلا أنهما صدوقان يُخطئان. ولذا قال البيهقي في المعرفة (٣٨٤٤) بعد أن روى من طريق الشافعي: وكذلك رواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج.
ولكن رواه الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع - قال مرة: عن ابن عمر، ومرة: عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ في كان يُسلم عن يمينه، وعن شماله. رواه الشافعي، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٣٨٤٦).
هكذا رواه الشافعي عنه بالشّك، ورواه الإمام أحمد (٥٤٠٢) عن أبي سلمة، والنسائي (١٣٢١) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن عبد العزيز الدراوردي - عن ابن عمر بدون شك، ولفظ أحمد: فذكر التكير كلما وضع رأسه، وكلما رفعه، وذكر: السلام عليكم ورحمة الله، عن يمينه "السلام عليكم" عن يساره.
فالذي يظهر أن الدّراوردي كان يرويه من وجهين، أو أنه وقع في وهم لسوء حفظه فيكون الصواب أنه من حديث ابن عمر لصحة رواية ابن جريج من طريقه.
стр. 1402
• عن عباس بن سهل بن سعد أنه كان في مجلس، كان فيه أبوه وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي وأنهم تذاكروا صلاة رسول الله ﷺ فذكروا أنه سَلَّم عن يمينه وعن شماله.
حسن: رواه ابن حبان (١٨٦٦) والطبراني في الكبير (٦/ ١٥٨) كلاهما من حديث أبي همام الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، قال حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا الحسن بن الحِرّ قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي فذكره.
وجاء في رواية ابن حَبَّان بلفظ: فلما سَلَّم سَلَّم عن يمينه: "سلام عليكم ورحمة الله وسَلَّم عن شماله: السلام عليكم ورحمة الله".
وإسناده حسن فإن أبا الوليد وهو شجاع بن الوليد تكلم في حفظه وسبق تخريج الحديث مفصلًا في باب رفع اليدين.
• عن أبي مالك الأشعري إنه قال لقومه: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فذكر الصلاة، وسلَّم عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
حسن: رواه الطحاوي في شرحه (١/ ٢٦٩) عن ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا قرة، قال: ثنا بُديل، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: قال أبو مالك الأشعري ... فذكره.
وإسناده حسن لأجل شهر بن حوشب، وسبق تخريج الحديث في باب مقام الصبيان في الصف من رواية أبي داود (٦٧٧) عن عيسى بن شاذان، ثنا عياش الرقام به فذكر صلاة رسول الله ﷺ مختصرًا ولم يذكر فيه السلام.
وعياش الرقَّام هو: عياش بن الوليد البصري، ثقة من رجال البخاري.
وبُديل: هو ابن ميسرة البصري ثقة من رجال مسلم.
فقه الباب:
أحاديث الباب تدل على وجوب التسليم، فإنه تحليل للصلاة، كما أن التكبير تحريم لها. وبه قال جمهور أهل العلم: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: لا يتعين السلام للخروج من الصلاة، بل إذا خرج بما ينافي الصلاة من عمل، أو حدث، أو غير ذلك جاز، إلا أن السلام عنده مسنون، وليس بواجب، والصواب ما قاله الجمهور، لأدلة صحيحة قاطعة.
كما أن أحاديث الباب تدل على التسليمتين، وهو ثابت عن جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر
стр. 1403
وعلي وعمار وابن مسعود وغيرهم، ومن جماعة من التابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحاب مالك، بل قال أهل الظاهر: إنهما واجبتان.
وذهب مالك إلى أنه يُسلم تسليمةً واحدة، واستدل المالكية على كفاية التسليمة الواحدة بعمل أهل المدينة، وهو عمل توارثوه كابرًا عن كابر.
قال ابن عبد البر: "والقول عندي في التسليمة الواحدة، وفي التسليمتين أن ذلك كله صحيح بنقل من لا يجوز عليهم السهر، ولا الغلط في مثل ذلك، معمول به عملًا مستفيضًا بالحجاز التسليمة الواحدة. وبالعراق التسليمتان، وهذا مما يصح به الاحتجاج بالعمل لتواتر النقل كافة عن كافة في ذلك. ومثله لا ينسى، ولا مدخل فيه للوهم، لأنه مما يتكرر به العمل في كل يوم مرات، فصحَّ أن ذلك من المباح والسعة والتخيير" "التمهيد" (١٦/ ١٩٠).
قلت: وقد تقرر في الأصول بأن عمل أهل المدينة ليس بحجة، ولذا قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذه طريقة قد خالفهم فيها سائر الفقهاء، والصواب معهم، والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ لا تدفع ولا ترد بعمل أهل بلد كائنًا من كان" "زاد المعاد" (١/ ٢٦١).
وذكر كثير من أهل العلم أن الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة غير ثابتة، ولكن الصواب أن الأحاديث الواردة في التسليمتين أرجح من التسليمة الواحدة، ولذا جعله البيهقي من الاختلاف المباح (٢/ ٢٥٥).
ورأى بعض أهل العلم أن التسليمة الواحدة كانت في صلاة الليل.
وأما الواجب فهو تسليمة واحدة، والثانية مستحبة. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة.
وقال بعض الحنابلة: الثانية أيضًا واجبة، ولكن لم يرد نصٌّ عن الإمام أحمد بوجوب التسليمتين، وإنما قال: التسليمتان أصحّ عن رسول الله ﷺ .
قال ابن قدامة: وهذا الخلاف في الصّلاة المفروضة، وأما صلاة الجنازة والنافلة وسجود التلاوة فلا خلاف في أنه يخرج منها بتسليمة واحدة.
١٤ - باب ما جاء في تسليمة واحدة
• عن عائشة أنها سُئلتْ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقالت: كان يصلي ثمان ركعات يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب، وما شاء من القرآن، فلا يقعدُ في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه يقعدُ فيها، فيتشهد، ثم يقوم ولا يُسلم. فيصلي ركعة واحدة ثم يجلسُ فيتشهد ويدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة: "السلام عليكم" يرفع بها صوته حتى يُوقِظنا.
стр. 1404
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥٩٨٧) قال: حدثنا بهز بن حكيم، - وقال مرة: أخبرنا - قال: سمعت زرارة بن أوفى يقول: سئلتْ عائشة ... فذكر الحديث. ورواه أيضًا أبو داود (١٣٤٦) من طريق ابن عدي، عن بهز بن حكيم وفيه: "ويُسلم تسليمة واحدة شديدة يكاد يُوقظ أهل البيت من شدّة تسليمه".
وزرارة بن أوفى لم يسمع من عائشة، وإن كان قد سمع من عمران وأبي هريرة وابن عباس، مع أن أعمارهم كانت متقاربة، فإن بينهما سعد بن هشام، كما عند الإمام أحمد (٢٥٩٨٨) وتابعه قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام، عن عائشة كذا رواه النسائي (١٧١٩)، وابن حبان (٢٤٤٢) وهذا إسناد صحيح.
وأصل الحديث في صحيح مسلم (٧٤٦) في سياق طويل عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام عنها قالت فيه: كان النبي ﷺ يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهضُ ولا يُسلم، ثم يقوم فيُصَلِّي التاسعة، ثم يقعدُ فيذكر الله ويحمدُه ويدعوه، ثم يُسلِّم تسليمًا يُسمعنا، ثم يُصلِّي ركعتين بعد ما يُسلِّم وهو قاعد.
فتلك إحدى عشرة ركعة. وسيأتي الحديث بسياقه الطويل في كتاب الوتر.
إن قول مسلم: ثم يُسلم تسليمًا - ليس نصًّا على تسليمة واحدة، لأن المصدر يؤتى به للتأكيد، والذي يدل على العدد هو مصدر المرة - أي تسليمة كما جاء في الروايات الأخرى.
قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٧٠): "روي ابن حبان في صحيحه، وأبو العباس السراج في مسنده عن عائشة - أخرجاه من طريق زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره، ثم يدعو، ثم ينهض ولا يُسلم، ثم يُصلي التاسعة فيجلس، ويذكر الله ويدعو، ثم يُسلِّم تسليمةً. الحديث.
قال: "إسناده على شرط مسلم، ولم يستدركه الحاكم". مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد كما سيأتي، وما صحَّ لا يُعلّه ما لم يصح، وهو ما رواه الترمذي (٢٩٦)، وابن خزيمة (٧٢٩)، وابن حبان (١٩٩٥)، والحاكم (١/ ٢٣٠ - ٢٣١) وعنه البيهقي كلهم من طريق عمرو بن أبي سلمة أبي حفص التنيسي، ثنا زهير بن محمد المكي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أنّ النبي ﷺ كان يُسلم في الصلاة تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه، يميلُ إلى الشق الأيمن شيئًا قليلا".
ورواه ابن ماجه (٩١٩) من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد به، مثله.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وقال البيهقي: تفرد به زهير بن محمد، وروي من وجه آخر عن عائشة موقوفًا".
وقال الترمذيّ: "لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهلُ الشام يَرْوُون عنه مناكيرَ، ورواية أهلِ العراق عنه أشبه وأصح".
стр. 1405
قلت: عمرو بن أبي سلمة من أهل الشام، وعبد الملك بن محمد الصنعاني أيضًا من أهل الشام، ونسبته الصنعاني ليس لصنعاء اليمن، وإنما لأهل صنعاء دمشق.
وقد ذُكر هذا الحديث لابن معين فقال: "عمرو بن أبي سلمة، وزهير ضعيفان لا حجة فيهما":
وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث الذي رواه عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد فقال: "هذا حديث منكر. وهو عن عائشة موقوف". العلل لابن أبي حاتم (١/ ١٤٨).
قلت: خلاصة أقوال أهل العلم في هذا الإسناد أنه ضعيف عند ابن معين والبخاري وأبي حاتم والدارقطني وغيرهم.
وصحيح عند ابن خزيمة وابن حَبَّان والحاكم وابن الملقن وغيرهم، ويقوي ما ذهب إليه هؤلاء ما سبق، وعمل عائشة. وهو ما رواه ابن خزيمة والحاكم وغيرهما عن وهيب بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، أنها كانت تسلم تسليمة واحدة.
وتابعه يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة (٧٣٢)، وعبد الوهاب بن عبد المجيد عنده وعند البيهقي (٢/ ١٧٩) كلاهما عن عبيد الله، عن القاسم، قال: رأيت عائشة تسلِّم واحدة. هذا لفظ يحيى.
وزاد عبد الوهاب بن عبد المجيد في حديثه: "ولا تلتفت عن يمينها ولا عن شمالها".
ورواه ابن خزيمة أيضًا من طريق وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يسلم واحدة: "السلام عليكم".
فهذا الموقوف عن عائشة ليس بمعارض للمرفوع، بل مقوٍّ له لاختلاف مخارجه، وما كانت عائشة تخالف رسول الله ﷺ وهي ترى كل يوم كيف يصلي رسول الله ﷺ في بيتها.
ولكن إن صحَّ ما قالت فإنه يحمل على صلاة الليل.
وأما في المفروضة والسنن الراتبة فيجب فيها التسليمة الثانية كما قال الإمام أحمد. لأن الذين رووا عن النبي ﷺ التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض في المسجد وهم أكثر.
وأما جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة فقالوا: الثانية سنة ويجوز الاقتصار على واحدة.
قال ابن خزيمة (١/ ٣٦٠): "باب إباحة الاقتصار على تسليمة واحدة من الصلاة. والدّليل على أن تسليمة واحدة تجزئ، وهذا من الاختلاف المباح، فالمصلي مخيّر بين أن يسلِّم تسليمة واحدة، وبين أن يسلم تسليمتين كمذهب الحجازيين". ثم أخرج حديث عائشة من طريق زهير بن محمد المكي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها.
وقال البيهقي في سننه (٢/ ١٨٠): وروي عن جماعة من الصحابة أنهم سلموا تسليمة واحدة، وهو من الاختلاف المباح، والاقتصار على الجائز، وبالله التوفيق".
قلت: ومن هؤلاء: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر. رواه عنهما ابن أبي شيبة.
• عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يَفْصِلُ بين الوتر والشَّفْع بتسليمةٍ، ويُسْمِعُناها.
следующие страницы →