Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
تنبيه: وقع في الرواية الثانية في صحيح ابن حَبَّان من حديث ابن مسعود، وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر زيادة: "وبركاته" وهي من زيادة الثقة فيجب قبولها وكلها سنة فمرة بحذفها، ومرة بذكرها.
ويتعجب الحافظ من قول ابن الصلاح: "إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث. "التلخيص" (١/ ٢٧١) إلا أنه عزاء هذه الزيادة أيضًا من حديث ابن مسعود إلى ابن ماجه، والنسخة التي عندنا ليست فيها هذه الزيادة، فلعلها في نسخة كانت عنده.
عن واسع بن حَبَّان أنه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضعَ، الله أكبر كلما رفع، ثم يقول: "السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه "السلام عليكم ورحمة الله" عن يساره.
صحيح: رواه النسائي (١٣٢٠) قال: أخبرنا الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاّج قال: ابن جريج أنبأنا عمرو بن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن عمِّه واسع بن حَبَّان أنه سأل ابن عمر فذكر مثله.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح وقد صحَّحه ابن خزيمة (٥٧٦) فرواه أيضًا عن الحسن بن محمد، وحسَّنه ابن عبد البر: التمهيد (١٦/ ١٨٩)، وابن جريج مدلس إلا أنه صرَّح بالتحديث.
وحجاج هو ابن محمد المِصيص من رجال الجماعة.
ولا يعل بما رواه الشافعي في الأم (١/ ١٢٢) عن مسلم بن خالد وعبد المجيد، عن ابن جريج، به مثله.
ومسلم بن خالد المعروف بالزنجي وعبد المجيد هو ابن عبد العزيز بن أبي روَّاد متكلم فيهما، إلا أنهما صدوقان يُخطئان. ولذا قال البيهقي في المعرفة (٣٨٤٤) بعد أن روى من طريق الشافعي: وكذلك رواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج.
ولكن رواه الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع - قال مرة: عن ابن عمر، ومرة: عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ في كان يُسلم عن يمينه، وعن شماله. رواه الشافعي، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٣٨٤٦).
هكذا رواه الشافعي عنه بالشّك، ورواه الإمام أحمد (٥٤٠٢) عن أبي سلمة، والنسائي (١٣٢١) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن عبد العزيز الدراوردي - عن ابن عمر بدون شك، ولفظ أحمد: فذكر التكير كلما وضع رأسه، وكلما رفعه، وذكر: السلام عليكم ورحمة الله، عن يمينه "السلام عليكم" عن يساره.
فالذي يظهر أن الدّراوردي كان يرويه من وجهين، أو أنه وقع في وهم لسوء حفظه فيكون الصواب أنه من حديث ابن عمر لصحة رواية ابن جريج من طريقه.
стр. 1402
• عن عباس بن سهل بن سعد أنه كان في مجلس، كان فيه أبوه وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي وأنهم تذاكروا صلاة رسول الله ﷺ فذكروا أنه سَلَّم عن يمينه وعن شماله.
حسن: رواه ابن حبان (١٨٦٦) والطبراني في الكبير (٦/ ١٥٨) كلاهما من حديث أبي همام الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، قال حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا الحسن بن الحِرّ قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي فذكره.
وجاء في رواية ابن حَبَّان بلفظ: فلما سَلَّم سَلَّم عن يمينه: "سلام عليكم ورحمة الله وسَلَّم عن شماله: السلام عليكم ورحمة الله".
وإسناده حسن فإن أبا الوليد وهو شجاع بن الوليد تكلم في حفظه وسبق تخريج الحديث مفصلًا في باب رفع اليدين.
• عن أبي مالك الأشعري إنه قال لقومه: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فذكر الصلاة، وسلَّم عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
حسن: رواه الطحاوي في شرحه (١/ ٢٦٩) عن ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا قرة، قال: ثنا بُديل، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: قال أبو مالك الأشعري ... فذكره.
وإسناده حسن لأجل شهر بن حوشب، وسبق تخريج الحديث في باب مقام الصبيان في الصف من رواية أبي داود (٦٧٧) عن عيسى بن شاذان، ثنا عياش الرقام به فذكر صلاة رسول الله ﷺ مختصرًا ولم يذكر فيه السلام.
وعياش الرقَّام هو: عياش بن الوليد البصري، ثقة من رجال البخاري.
وبُديل: هو ابن ميسرة البصري ثقة من رجال مسلم.
فقه الباب:
أحاديث الباب تدل على وجوب التسليم، فإنه تحليل للصلاة، كما أن التكبير تحريم لها. وبه قال جمهور أهل العلم: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: لا يتعين السلام للخروج من الصلاة، بل إذا خرج بما ينافي الصلاة من عمل، أو حدث، أو غير ذلك جاز، إلا أن السلام عنده مسنون، وليس بواجب، والصواب ما قاله الجمهور، لأدلة صحيحة قاطعة.
كما أن أحاديث الباب تدل على التسليمتين، وهو ثابت عن جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر
стр. 1403
وعلي وعمار وابن مسعود وغيرهم، ومن جماعة من التابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحاب مالك، بل قال أهل الظاهر: إنهما واجبتان.
وذهب مالك إلى أنه يُسلم تسليمةً واحدة، واستدل المالكية على كفاية التسليمة الواحدة بعمل أهل المدينة، وهو عمل توارثوه كابرًا عن كابر.
قال ابن عبد البر: "والقول عندي في التسليمة الواحدة، وفي التسليمتين أن ذلك كله صحيح بنقل من لا يجوز عليهم السهر، ولا الغلط في مثل ذلك، معمول به عملًا مستفيضًا بالحجاز التسليمة الواحدة. وبالعراق التسليمتان، وهذا مما يصح به الاحتجاج بالعمل لتواتر النقل كافة عن كافة في ذلك. ومثله لا ينسى، ولا مدخل فيه للوهم، لأنه مما يتكرر به العمل في كل يوم مرات، فصحَّ أن ذلك من المباح والسعة والتخيير" "التمهيد" (١٦/ ١٩٠).
قلت: وقد تقرر في الأصول بأن عمل أهل المدينة ليس بحجة، ولذا قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذه طريقة قد خالفهم فيها سائر الفقهاء، والصواب معهم، والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ لا تدفع ولا ترد بعمل أهل بلد كائنًا من كان" "زاد المعاد" (١/ ٢٦١).
وذكر كثير من أهل العلم أن الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة غير ثابتة، ولكن الصواب أن الأحاديث الواردة في التسليمتين أرجح من التسليمة الواحدة، ولذا جعله البيهقي من الاختلاف المباح (٢/ ٢٥٥).
ورأى بعض أهل العلم أن التسليمة الواحدة كانت في صلاة الليل.
وأما الواجب فهو تسليمة واحدة، والثانية مستحبة. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة.
وقال بعض الحنابلة: الثانية أيضًا واجبة، ولكن لم يرد نصٌّ عن الإمام أحمد بوجوب التسليمتين، وإنما قال: التسليمتان أصحّ عن رسول الله ﷺ .
قال ابن قدامة: وهذا الخلاف في الصّلاة المفروضة، وأما صلاة الجنازة والنافلة وسجود التلاوة فلا خلاف في أنه يخرج منها بتسليمة واحدة.
١٤ - باب ما جاء في تسليمة واحدة
• عن عائشة أنها سُئلتْ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقالت: كان يصلي ثمان ركعات يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب، وما شاء من القرآن، فلا يقعدُ في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه يقعدُ فيها، فيتشهد، ثم يقوم ولا يُسلم. فيصلي ركعة واحدة ثم يجلسُ فيتشهد ويدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة: "السلام عليكم" يرفع بها صوته حتى يُوقِظنا.
стр. 1404
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥٩٨٧) قال: حدثنا بهز بن حكيم، - وقال مرة: أخبرنا - قال: سمعت زرارة بن أوفى يقول: سئلتْ عائشة ... فذكر الحديث. ورواه أيضًا أبو داود (١٣٤٦) من طريق ابن عدي، عن بهز بن حكيم وفيه: "ويُسلم تسليمة واحدة شديدة يكاد يُوقظ أهل البيت من شدّة تسليمه".
وزرارة بن أوفى لم يسمع من عائشة، وإن كان قد سمع من عمران وأبي هريرة وابن عباس، مع أن أعمارهم كانت متقاربة، فإن بينهما سعد بن هشام، كما عند الإمام أحمد (٢٥٩٨٨) وتابعه قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام، عن عائشة كذا رواه النسائي (١٧١٩)، وابن حبان (٢٤٤٢) وهذا إسناد صحيح.
وأصل الحديث في صحيح مسلم (٧٤٦) في سياق طويل عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام عنها قالت فيه: كان النبي ﷺ يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهضُ ولا يُسلم، ثم يقوم فيُصَلِّي التاسعة، ثم يقعدُ فيذكر الله ويحمدُه ويدعوه، ثم يُسلِّم تسليمًا يُسمعنا، ثم يُصلِّي ركعتين بعد ما يُسلِّم وهو قاعد.
فتلك إحدى عشرة ركعة. وسيأتي الحديث بسياقه الطويل في كتاب الوتر.
إن قول مسلم: ثم يُسلم تسليمًا - ليس نصًّا على تسليمة واحدة، لأن المصدر يؤتى به للتأكيد، والذي يدل على العدد هو مصدر المرة - أي تسليمة كما جاء في الروايات الأخرى.
قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٧٠): "روي ابن حبان في صحيحه، وأبو العباس السراج في مسنده عن عائشة - أخرجاه من طريق زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره، ثم يدعو، ثم ينهض ولا يُسلم، ثم يُصلي التاسعة فيجلس، ويذكر الله ويدعو، ثم يُسلِّم تسليمةً. الحديث.
قال: "إسناده على شرط مسلم، ولم يستدركه الحاكم". مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد كما سيأتي، وما صحَّ لا يُعلّه ما لم يصح، وهو ما رواه الترمذي (٢٩٦)، وابن خزيمة (٧٢٩)، وابن حبان (١٩٩٥)، والحاكم (١/ ٢٣٠ - ٢٣١) وعنه البيهقي كلهم من طريق عمرو بن أبي سلمة أبي حفص التنيسي، ثنا زهير بن محمد المكي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أنّ النبي ﷺ كان يُسلم في الصلاة تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه، يميلُ إلى الشق الأيمن شيئًا قليلا".
ورواه ابن ماجه (٩١٩) من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد به، مثله.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وقال البيهقي: تفرد به زهير بن محمد، وروي من وجه آخر عن عائشة موقوفًا".
وقال الترمذيّ: "لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهلُ الشام يَرْوُون عنه مناكيرَ، ورواية أهلِ العراق عنه أشبه وأصح".
стр. 1405
قلت: عمرو بن أبي سلمة من أهل الشام، وعبد الملك بن محمد الصنعاني أيضًا من أهل الشام، ونسبته الصنعاني ليس لصنعاء اليمن، وإنما لأهل صنعاء دمشق.
وقد ذُكر هذا الحديث لابن معين فقال: "عمرو بن أبي سلمة، وزهير ضعيفان لا حجة فيهما":
وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث الذي رواه عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد فقال: "هذا حديث منكر. وهو عن عائشة موقوف". العلل لابن أبي حاتم (١/ ١٤٨).
قلت: خلاصة أقوال أهل العلم في هذا الإسناد أنه ضعيف عند ابن معين والبخاري وأبي حاتم والدارقطني وغيرهم.
وصحيح عند ابن خزيمة وابن حَبَّان والحاكم وابن الملقن وغيرهم، ويقوي ما ذهب إليه هؤلاء ما سبق، وعمل عائشة. وهو ما رواه ابن خزيمة والحاكم وغيرهما عن وهيب بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، أنها كانت تسلم تسليمة واحدة.
وتابعه يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة (٧٣٢)، وعبد الوهاب بن عبد المجيد عنده وعند البيهقي (٢/ ١٧٩) كلاهما عن عبيد الله، عن القاسم، قال: رأيت عائشة تسلِّم واحدة. هذا لفظ يحيى.
وزاد عبد الوهاب بن عبد المجيد في حديثه: "ولا تلتفت عن يمينها ولا عن شمالها".
ورواه ابن خزيمة أيضًا من طريق وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يسلم واحدة: "السلام عليكم".
فهذا الموقوف عن عائشة ليس بمعارض للمرفوع، بل مقوٍّ له لاختلاف مخارجه، وما كانت عائشة تخالف رسول الله ﷺ وهي ترى كل يوم كيف يصلي رسول الله ﷺ في بيتها.
ولكن إن صحَّ ما قالت فإنه يحمل على صلاة الليل.
وأما في المفروضة والسنن الراتبة فيجب فيها التسليمة الثانية كما قال الإمام أحمد. لأن الذين رووا عن النبي ﷺ التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض في المسجد وهم أكثر.
وأما جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة فقالوا: الثانية سنة ويجوز الاقتصار على واحدة.
قال ابن خزيمة (١/ ٣٦٠): "باب إباحة الاقتصار على تسليمة واحدة من الصلاة. والدّليل على أن تسليمة واحدة تجزئ، وهذا من الاختلاف المباح، فالمصلي مخيّر بين أن يسلِّم تسليمة واحدة، وبين أن يسلم تسليمتين كمذهب الحجازيين". ثم أخرج حديث عائشة من طريق زهير بن محمد المكي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها.
وقال البيهقي في سننه (٢/ ١٨٠): وروي عن جماعة من الصحابة أنهم سلموا تسليمة واحدة، وهو من الاختلاف المباح، والاقتصار على الجائز، وبالله التوفيق".
قلت: ومن هؤلاء: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر. رواه عنهما ابن أبي شيبة.
• عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يَفْصِلُ بين الوتر والشَّفْع بتسليمةٍ، ويُسْمِعُناها.
стр. 1406
حسن: رواه الإمام أحمد (٥٤٦١) قال: حدثنا عتَّاب بن زياد، حدثنا أبو حمزة - يعني السكري، عن إبراهيم - يعني الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره.
وإسناده حسن، عتَّاب بن زياد الخراساني "صدوق" روي له ابن ماجه، وإبراهيم الصائغ هو: ابن ميمون المروزي "صدوق" أيضًا روي له البخاري معلقًا.
وأما أبو حمزة فهو: محمد بن ميمون السكري ثقة فاضل من رجال الجماعة.
وصحَّحه ابن حبان (٢٤٣٥) فرواه من طريق عتَّاب بن زياد به مثله إلا أنه قال: بتسليم، وأعتقد أنه محرف، فقد رواه أيضًا الطبراني في الأوسط (٧٥٧) من طريق عتَّاب بن زياد به وفيه: بتسليمة - بالتاء للمرة.
ووهم الهيثمي رحمه الله تعالى في "المجمع" (٣٤٦٣) فقال: "فيه إبراهيم بن سعيد وهو ضعيف" وذلك بعد أن عزاه للطبراني في الأوسط مع أن الطبراني نفسه نصَّ على أنه إبراهيم الصائغ وقال: لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم الصائغ إلا أبو حمزة السكريّ.
فلعله التبس عليه إبراهيم الصائغ بإبراهيم بن سعيد المدني أبي إسحاق، وهو من رجال أبي داود "مجهول الحال".
وأما قول الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم إلا أبو حمزة السكري" فليس بعلة قادحة فإن أبا حمزة السكري من كبار أصحاب إبراهيم الصائغ، نصَّ على ذلك النسائي وغيره.
وفي الباب ما روي عن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة".
رواه الطبراني في "الأوسط". مجمع البحرين (٨٧٨) عن معاذ، ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس، فذكره.
ورواه أيضًا البيهقي (٢/ ١٧٩) من طريق عبد الله بن عبد الوهاب.
قال الطبراني: لم يرفعه عن حميد إلا عبد الوهاب.
قلت: ولا يضر تفرده، فإنه ثقة من رجال الشيخين. قال الحافظ في "الدراية (ص ٩٠): "رجاله ثقات".
وأورده الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٤٣٣، ٤٣٤) من جهة البيهقي وسكت عليه.
ولكن خولف عبد الوهاب في الرفع فجعله مالك بن أنس وأبو خالد الأحمر عن حميد من فعل أنس. انظر: ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٤ - ٣٣٨).
وأما البزار - كشف الأستار (٥٦٦) - فرواه عن محمد بن عبد الله المخزومي، ثنا يونس بن محمد، ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يفتتحون القراءة بالحمد لله ربّ العالمين، ويسلمون تسليمة".
ففيه أيوب وهو السختياني لم يسمع من أنس، ولا رآه كما قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ١٨٩)
стр. 1407
وقال: قال أبو بكر البزار وغيره: لا يصح عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة شيء - يعني من جهة الإسناد" انتهى.
والهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢٨٧٨) اكتفى بقوله: "رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح.
وفي الباب أحاديث أخرى عن ابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد، ولكن كلها ضعيفة.
انظر تخريجها في "التحقيق (٢/ ٢٨٧)، ونصب الراية (١/ ٤٣٣).
١٥ - باب من المستحب حذف السلام وهو تخفيفه
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "حذف السلام سنة".
رواه أبو داود (١٠٠٤) عن أحمد بن حنبل، حدثني محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ... فذكره.
وهو في مسند الإمام أحمد (١٠٨٨٥).
قال عيسى: "نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث".
قال أبو داود: سمعت أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي، قال: لما رجع الفريابي من مكة ترك رفع هذا الحديث، وقال: نهاني أحمد بن حنبل عن رفعه".
قلت: ورواه الترمذي (٢٩٧) عن علي بن حجر، أخبرنا عبد الله بن المبارك وهقل بن زياد، عن الأوزاعي، بإسناده عن أبي هريرة موقوفا.
قال علي بن حجر: "قال عبد الله بن المبارك: يعني أن لا يمده مدّا".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي يستحبه أهل العلم، وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: التكبير جزم، والسلام جزم. وهقل، يقال: كان كاتب الأوزاعي"، انتهى كلام الترمذي.
وقال الدارقطني في العلل (٩/ ٢٣٧): "والصحيح عن الأوزاعي أنه موقوف على أبي هريرة".
وقوله: حذف السلام سنة معناه: لا يمد بطوله، وهو مستحب.
١٦ - باب من أحدث في الصلاة كيف يتصرف ؟
• عن عائشة قالت: قال النبيُّ ﷺ : "إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثمَّ لينصرف".
صحيح: رواه أبو داود (١١١٤) وابن ماجه (١٢٢٢) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وإسناده صحيحٌ على شرط الشيخين، وصحَّحه ابن خزيمة (١٠١٩) وابن حبان (٢٢٣٨)
стр. 1408
والحاكم (١/ ١٨٤) ورووه من هذا الوجه.
قال الحاكم: صحيحٌ على شرطهما، ولم يخرجاه.
١٧ - باب انصراف النساء بعد السلام قبل الرجال
• عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم قام النساء حين يقضي تسليمَه، ومكث يسيرًا قبل أن يقوم.
قال ابن شهاب: فأَرى - والله أعلم - أنَّ مكثَه لكي يَنْفُذَ النساءُ قبل أن يُدركهنَّ من انصرف من القوم.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٨٣٧) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعدٍ، حدثنا الزهري، عن هند بنت الحارث، أن أم سلمة ﵂ قالت ... فذكرتِ الحديث.
وقال البخاري أيضًا: وقال ابنُ أبي مريم: أخبرنا نافعُ بن يزيدَ، قال أخبرني جعفر بن ربيعة، أنَّ ابن شهاب كتبَ إليه قال: حدثتني هند بنت الحارث الفِراسية، عن أمِّ سلمة زوج النبي ﷺ وكانت من صواحباتِها - قالت: "كان يُسَلِّمُ فينصرفُ النساء، فيدخُلن بُيوتَهن من قبل أن يَنصَرف رسولُ الله ﷺ ".
وقال ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرتني هند الفراسية، وقال عثمان بن عمر: أخبرنا يونس، عن الزهري، حدثتني هند الفراسية، وقال الزبيدي: أخبرني الزهري أن هند بنت الحارث القرشية أخبرته - وكانت تحت معبد بن المقداد، وهو حليف بني زهرة - وكانت تدخل على أزواج النبي ﷺ ، وقال شعيب، عن الزهري، حدثتني هند القرشية. وقال ابن أبي عتيق، عن الزهري، عن هند الفراسية. وقال الليث: حدثني يحيى بن سعيد، حدثه عن ابن شهاب، عن امرأة من قريش حدثته عن النبي ﷺ (٨٥٠) هذه الروايات كلها ذكرها البخاري. ومراده بيان الاختلاف في نسب هند، فإن منهم من قال: الفراسية، نسبة إلى بني فراس - بكسر الفاء - وهم بطن من كنانة. ومنهم من قال: القُرشية نسبة إلى قريش.
وحديث ابن وهب رواه النسائي (١٣٣٣) وفيه: إن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلَّمن من الصلاة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلَّى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال.
وحديث عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري بإسناده رواه البخاري (٨٦٦) عن عبد الله بن محمد عنه به ولفظه: إن النساء في عهد رسول الله ﷺ كنَّ إذا سلَّمنَ من المكتوبة قُمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلَّى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال.
وقوله: "قال الزبيدي" وصله الطبراني في مسند الشاميين (٢٦١) من طريق عبد الله بن سالم عنه، أخبرني الزهري به. وفيه: إنَّ النساء كنَّ يشهدن الصلاة مع رسول الله ﷺ ، فإذا سلَّم قام
стр. 1409
النساء فانصرفن إلى بيوتهنَّ قبل أن يقوم الرجال.
١٨ - باب ما جاء من انصراف النبي ﷺ عن اليمين
• عن السُدِّي قال: سألت أنسًا: كيف أنصرفُ إذا صلَّيتُ؟ عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثُر ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ ينصرف عن يمينه.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٨) من طريق أبي عوانة وسفيان، كلاهما عن السدي به.
والسدي هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كُريمة أبو محمد الكوفي مختلف فيه لأجل تشبعه. فوثَّقه الإمام أحمد وغيره. وقال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيتُ أحدًا يذكر السدي إلا بخير، وما تركه أحد. ولعل مسلمًا ﵀ ترجَّح لديه أقوالُ هؤلاء، فروي عنه ما يوافق أهل السنة، وتجنب من أحاديثه ما يوافق بدعته. لأن أقل أحواله أنه "صدوق" كما قال ابن عدي. وبالغ فيه الجوزجاني فقال: "كذاب شتام"، وذلك كعادته في الجرح الشديد لأهل الكوفة ومن اتهم بالتشيع، ولأجل ذلك رمي أهل الكوفة الجوزجانِيَّ بالنصب.
• عن البراء بن عازب قال: كُنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحْبَبنا أن نكون عن يمينه، يُقْبِلُ عَلينا بوجهه.
قال: فسمعتُه يقول: "ربِّ قِني عذابَك يومَ تبعثُ (أو تجمع) عبادك".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٩) عن أبي كُريب، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن مِسْعَر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء ... فذكر مثله.
ورواه وكيع عن مسعر بهذا الإسناد ولم يذكر: "يُقْبل علينا بوجهه"، ومن هذا الوجه رواه ابن خزيمة (١٥٦٣) فقال: حدثنا محمد بن بشار، نا أبو أحمد، نا مسعر، عن ثابت، عن البراء بن عازب فذكر الحديث مثله ولم يذكر "يقبل علينا بوجهه" كما لم يذكر الواسطة بين ثابت بن عبيد والبراء بن عازب.
اختلف في ابن البراء من هو؟ فسماه أبو داود (٦١٥) "عبيد" مع أنه رواه من طريق أبي أحمد الزبيري، عن مِسْعَر به.
وعند أحمد (١٨٥٥٣) في رواية وكيع، وابن خزيمة (١٥٦٤) في رواية سفيان كلاهما عن مَسْعَر اسمه "يزيد بن البراء".
ثم رواه ابن خزيمة (١٥٦٣) من طرق عن وكيع، عن مِسْعَر، عن ثابت بن عبيد، عن البراء بن عازب بدون واسطة. كما سبق ذكره.
وسماه البغوي: ربيع بن البراء، بعد أن رواه من طريق أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد،
стр. 1410
عن ابن البراء، عن البراء، قال ابن البراء: هو: ربيع بن البراء بن عازب، شرح السنة (٣/ ٢١٣).
وعبيد بن البراء "مقبول"، ويزيد بن البراء "صدوق"، وربيع بن البراء "ثقة" وثقه العجلي وابن حبان وغيرهما، ولعل إبهام ابن البراء أولى من ذكره لأجل متابعة بعضه بعضًا، كما أن الإسناد ثابت بدون واسطة. وبهذا انتهى إشكال بعض أهل العلم من هذا الحديث.
١٩ - باب ما جاء من انصراف النبي ﷺ عن اليسار
• عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا يجعلْ أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته، يرى أن حقًّا عليه أن لا ينصرفَ إلا عن يمينه، لقد رأيتُ النبي ﷺ كثيرًا ينصرف عن يساره.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٥٢)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٠٧) كلاهما من طريق الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن الأسود، عن عبد الله بن مسعود ... فذكره.
ولا تعارض بين حديث أنس في قوله: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه، وبين قول ابن مسعود: لقد رأيت النبي ﷺ كثيرًا ينصرف عن يساره، فإن أنس بن مالك يُخبر خبًرا عامًّا، ويخبر ابن مسعود خبرًا خاصًّا بأن النبي ﷺ كان ينصرف عن يساره، لأن حجرته كانت في يساره لما رواه عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه، قال: سمعت رجلًا يسأل عبد الله بن مسعود عن انصراف رسول الله ﷺ من صلاته عن يمينه كان ينصرف، أو عن يساره؟ قال: فقال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله ﷺ ينصرف حيث أراد، كان أكثر انصرافه من صلاته على شقه الأيسر إلى حجرته.
رواه الإمام أحمد (٤٣٨٣) عن يعقوب (وهو: ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال حدثني عن انصراف رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي ... فذكر الحديث.
وإسناده حسن. ومحمد بن إسحاق وإن كان مدلسًا إلا أنه صرَّح بالتحديث.
فكان إنكار ابن مسعود على من يرى وجوب الانصراف عن اليمين، كما أنه لا يَرى وجوب الانصراف عن اليسار، بل جعله لعلة وهي وجود حجرات النبي ﷺ إلى اليسار، فالأمر واسع ولا كراهة في واحد من الأمرين.
يقول ابن عمر: انصرف حيث أحببت على يمينك، وإن شئت على يسارك. انظر: "الموطأ" (١/ ١٦٩).
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره. ذكره الترمذي (٢/ ١٠٠).
وإن استوى الجانبان، فينصرفُ إلى أي جانب شاء، واليمين أولاهما لما كان النبي ﷺ يُحب التيمن.
стр. 1411
فلعل أنس بن مالك هذا الذي أراد بأنه إذا صلَّى ولم يكن له حاجة، ولم يُرد الخروج من المسجد، أو صلَّى في غير مسجده فكثيرًا ما كان ينصرف عن يمينه، وأحيانًا ينصرف على وجهه كما يدل عليه حديث سمرة بن جندب، وحديث البراء بن عازب.
٢٠ - باب إقبال النبيّ ﷺ على أصحابه بعد التسليم
• عن سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٨٤٥) ومسلم في الفضائل (٢٢٧٥) كلاهما من حديث جرير بن حازم، قال: حدثنا أبو رجاء، عن سمرة بن جندب ... فذكره. وزاد مسلم فقال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ ".
وفي الحديث تفاصيل أخرى سيأتي في كتاب الرؤيا.
• عن زيد بن خالد الجُهني قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ صلاة الصُّبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال ... فذكر بقية الحديث.
متفق عليه: رواه مالك في الاستسقاء (٤) عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني فذكره.
ومن طريق مالك رواه البخاري في الأذان (٨٤٦)، ومسلم في الإيمان (٧١).
٢١ - باب ما جاء في انصراف الإمام أحيانًا عن اليمين وأحيانًا عن الشمال
• عن هُلب قال: كان رسولُ الله ﷺ يؤمنا، فينصرفُ على جانبيه جميعًا على يمينه وعلى شماله.
حسن: رواه أبو داود (١٠٤١)، والترمذي (٣٠١)، وابن ماجه (٩٢٩) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن قبيصة بن هُلب، عن أبيه فذكره، واللفظ للترمذي.
قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: وهو كما قال فإن قبيصة بن هُلب لم يوثقة غير العجلي وابن حَبَّان ومثله يحسن حديثه، وقد حسَّنه أيضًا النووي في المجموع (٣/ ٤٩٠) وابن عبد البر في الاستيعاب كما قال الشوكاني في النيل (٢/ ٣٥٦)، وأما الذين رموه بالجهالة فلأجل لم يرو عنه غير سماك بن حرب، فإذا وُثِّق ارتفعتْ عنه الجهالة ولحديثه أصول ثابتة تُقَوِّيه.
• عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيتُ النبي ﷺ ينفتل عن يمينه، وعن يساره في الصلاة.
حسن: رواه ابن ماجه (٩٣١) عن بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن
стр. 1412
حسين المعلم، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده ... فذكره.
وإسناه حسن لأجل عمرو بن شعيب، وبقية رجاله ثقات، وبهذا الإسناد رواه المؤلف أيضًا (١٠٣٨) متنًا آخر وهو: "رأيت رسول الله ﷺ يُصلِّي حافيًا ومنتعلًا".
وهذا المتن رواه أيضًا أبو داود (٦٥٣) من طريق ابن المبارك، عن حسين المعلم به وسيأتي في موضعه، كما رواه أيضًا الترمذي (١٨٨٣) من طريق حسين المعلم به، ولفظه: "يشرب قائمًا وقاعدًا".
فتبين من هذا أن هذا الإسناد يُروى به متن مطولٌ وسيأتي مجزأً في مواضعه. قال الترمذي: "حسن صحيح".
• عن أبي هريرة قال: رأيتُ النبي ﷺ يُصَلِّي حافيًا وناعِلًا، وقائمًا وقاعدًا، ويَنْفَتِلُ عن يمينه وعن يساره.
حسن: رواه الإمام أحمد (٧٣٨٤)، والحميدي (٩٩٧) عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعتُ رجلًا يقول: سمعتُ أبا هريرة ... فذكره كذا عند الحميدي، وفي المسند: عن أبي الأوبر، عن أبي هريرة ... فذكره، ولكن لم يذكر قوله: "وينفتل عن يمينه وعن يساره" وإنما رواه الإمام بإسناد آخر (٧٣٨٥) عن حسين بن محمد، ثنا سفيان وزاد فيه: "وينفتل عن يمينه وعن يساره".
ورواه البيهقي (٢/ ٢٩٥) من طريق سعدان بن نصر، ثنا سفيان به وجمع بين الحديثين. ورجاله ثقات غير أبي الأوبر، المشهور بكنيته، وسماه النسائي والدولابي وأبو أحمد الحاكم وغيرهم: زيادًا، ووثَّقه ابن معين وابن حبان، وصحَّح حديثه، انظر: "تعجيل المنفعة" (٣٤٣).
قلت: أخرج حديثه ابن حبان (٣٦١٠) في كتاب الصوم "لا تصوموا يوم الجمعة فإنه يوم عيد إلا أن تَصِلُوه بأيام".
• عن عائشة قالت: رأيتُ رسول الله ﷺ يشربُ قائمًا وقاعدًا، ويُصَلِّي منتعلًا وحافيًا، وينصرف من الصلاة عن يمينه وعن يساره.
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (١٢٣٥) عن أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حكيم المقوِّم، قال: حدثنا مُخلد بن يزيد الحراني، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عطاء، عن عائشة ... فذكرت الحديث.
ورجاله ثقات غير مُخلد بن يزيد فهو تُكلم من قبل حفظه غير أنه حسن الحديث، وهو من رجال الشيخين، قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٥٥): "رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقات"، وهذا من أجود الأسانيد روي به هذا الحديث.
ورواه النسائي (١٣٦١) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا بقية، قال: حدثنا الزبيدي، أن مكحولًا حدَّثه، أن مسروق بن الأجدع حدَّثه، عن عائشة قالت: "رأيتُ رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا، ويُصَلِّي حافيًا ومنتعلًا، وينصرف عن يمينه وعن شماله.
стр. 1413
ورواه أيضًا أحمد (٢٤٥٦٧) عن عصام بن خالد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عمن سمع مكحولًا، بحدث عن مسروق به مثله.
وفي الإسناد علل منها:
١ - الانقطاع بين مكحول ومسروق. فقد أنكر أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (ص ٣٢٩) أن يكون مكحول - وهو الشامي - قد سمع من مسروق الأجدع.
٢ - عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلف فيه فضعَّفه الإمام أحمد وقال: أحاديثه مناكير، ولكن وثَّقه غيره والخلاصة فيه أنه: "صالح الحديث".
٣ - الراوي المبهم في إسناد الإمام أحمد.
٤ - الاضطراب في إسناد هذا الحديث كما قال به بعض أهل العلم.
وخلاصة القول فيه: الحديث حسن بإسناد الطبراني، ولا يُعَلُّ بالأسانيد الأخرى، كما تقرر في أصول الحديث إذا صحَّ الحديث بإسناد فلا يُعَلُّ بالأسانيد الضّعيفة.
٢٢ - باب الأذكار دبر الصلوات المفروضة
• عن وَرَّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملي عَليَّ المغيرةُ بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي ﷺ : كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٤٤)، ومسلم في المساجد (٥٩٣) كلاهما من طريق ورَّاد مولى المغيرة، به. مثله.
وفي رواية عند البخاريّ (١١١٥): كتب معاوية إلى المغيرة: "اكتب إليَّ ما سمعتَ النّبيّ ﷺ يقول خلف الصّلاة" قال روّاد: فأملى عليَّ المغيرة، فذكره.
وقوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" قال النووي: المشهور الذي عليه الجمهور، أنه بفتح الجيم، ومعناه: لا ينفع ذا الغني، والحظ منك غناه. انتهى.
قال الحسن: الجدُّ الغني.
• عن ابن عباس أنّ رفع الصوت بالذِّكر حين ينصرف الناسُ من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ .
وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٤١)، ومسلم في المساجد (٥٨٣: ١٢١) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن أبا معبد مولى ابن عباس
стр. 1414
أخبره، أن ابن عباس أخبره، قال (فذكره).
وفيه دليل لمن استحب من أهل العلم رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، ومنهم ابن حزم الظاهري.
وأما الشّافعيّ فذهب إلى عدم استحباب رفع الصّوت بالتكبير والذِّكر. وحمل قول ابن عباس على أن النبيّ ﷺ جهر به وقتًا يسيرًا ليعلم الناس صفة الذكر لا أنه كان يجهر دائمًا. انظر: "المجموع شرح المهذب" (٣/ ٤٨٧).
وقوله: "كنت أعلم إذا انصرفوا" ظاهره أنه لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره. وهو ما استظهره القاضي عياض، كما في "فتح الباري" (٢/ ٣٢٦).
• عن أبي هريرة قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهلُ الدثور من الأموال بالدرجات العُلى وَالنعيم المقيم: يُصلُّون كما نُصلِّي، ويصومونَ كما نصومُ، ولهم فَضلٌ من أموال يَحُجُّون بها ويعتمرون، ويُجاهدونَ ويتصدَّقون. قال رسول الله ﷺ "ألا أُحدِّثُكم بأمر إن أخذتُم به أدركتم مَنِ سَبقَكم، ولم يُدرِككم أحد بعدَكم، وكنتم خير من أنتم بينَ ظهرانَيه، إلا مَن عَمِلَ مِثلَه، يُسبِّحونَ وتَحمَدونَ وتُكبِّرون خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ"، فاختلَفْنا بيَننا: فقال بعضُنا: نُسبِّحُ ثلاثًا وثلاثين، ونحمدُ ثلاثًا وثلاثين، ونكبِّرُ أربعًا وثلاثين. فرجعتُ إليه، فقال: تقول سبحان الله، والحمدُ لله، والله أكبر، حتى يكونَ منهنَّ كلَهنَّ ثلاثٌ وثلاثون".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٤٣)، ومسلم في المساجد (٦٩٥) كلاهما من طريق معتمر، عن عبد الله، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ... فذكر مثله واللفظ للبخاري وزاد مسلم: "جاء فقراء المهاجرين".
قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله: وذلك فضل الله ﷺ يؤتيه من يشاءُ".
وقوله: الدُّثور بضم المهملة والمثلثة، جمع دَثرُ بفتح ثم سكون، وهو المال الكثير.
وقوله: النعيم المقيم: أي الدائم، وهو نعيم الآخرة وعيش الجنة.
وقال مسلم: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث، عن ابن عجلان قال: سُمي: فحدثتُ بعض أهلي هذا الحديث فقال: وهِمتَ. إنما قال: تُسبِّحُ الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمدُ الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبرُ الله ثلاثًا وثلاثينه.
فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ذلك، فأخذ بيدي فقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبَلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين.
стр. 1415
ثم قال مسلم: وحدثني أمية بن بسطام العَيْشيُّ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا رَوح، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله! ذهب أهلُ الدُّثور بالدرجات العُلى، والنَّعيم المُقيم، بمثل حديث قتيبة عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراءُ المهاجرين ... إلى آخر الحديث. وزاد في الحديث: يقول سُهيل: إحدى عشرة إحدى عشرة. فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون.
قال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٢/ ٢٧٣): "صنيع مسلم يقتضي أنه كان عند سُهيل حديثان متغايران، وقد قيل: إن التغيير من قبل سُهيل، فإنه لم يتابع عليه، وقد سبق التصريح عن أبي هريرة بأن كل كلمة تُقال ثلاثًا وثلاثين". انتهى.
وخلاصة القول: أن قوله "ثلاثًا وثلاثين" يحتمل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وزع كان لكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سهيل بن أبي صالح كما رواه مسلم وكذا البخاري إلا أنه قال: "تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا"، ولكن لم يتابع سهيل على ذلك. والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد - يعني تُسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله أربعًا وثلاثين، تكملة لمائة. وهذا الذي تشهد له الأحاديث الأخرى كما سيأتي.
وسوف يأتي تسمية قائل: ذهب أهل الدثور وهو: أبو ذر الغفاري.
• عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "من سبَّح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمِد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين. فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمامَ المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثلَ زبدَ البحر".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٧) عن عبد الحميد بن بيان الواسطى، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن سُهيل، عن أبي عبيد المذحجِي (قال مسلم: أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك) عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة ... فذكر الحديث.
وقوله: وإن كانت مثل زبد البحر: أي في الكثرة والعظمة مثل زبد البحر، وهو ما يعلو على وجهه عند هيجانه وتموّجه.
• عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يُعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يُعلِّم المعلِّمُ الغِلمانَ الكتابةَ ويقولُ: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دُبُرَ الصلاة: "اللهم أعوذُ بك من الجُبْنِ، وأعوذُ بك أن أرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمر، وأَعُوذُ بك من فتنة الدنيا، وأَعُوذُ بك من عذاب القبر".
صحيح: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٨٢٢) من طريق أبي عوانة، عن عبد الملك بن
стр. 1416
عمير، قال: سمعتُ عمرو بن ميمون الأوّدي قال: كان سعد ... فذكره.
ورواه شعبة (٦٣٦٥، ٦٣٧٠) وزائدة (٦٣٧٤) وعبيدة بن حُميدة كلهم عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه ولم يذكروا أن ذلك كان بعد الصلاة.
• عن أبي الزبير قال: كان ابن الزبير يقول في دُبر كل صلاة حين يُسَلِّمُ: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضلُ وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون".
وقال: كان رسول الله ﷺ يُهلل بهن دُبر كل صلاة.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا هشام، عن أبي الزبير فذكر مثله.
ورواه من طريق الحجاج بن أبي عثمان قال: حدثني أبو الزبير قال: سمعتُ عبد الله بن الزبير يخطب على هذا المنبر وهو يقول: كان رسول الله ﷺ يقول إذا سلَّم في دبر الصلاة، أو الصلوات فذكر مثله.
• عن ثوبان قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته، استغفر الله ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام".
قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: استغفر الله، استغفر الله.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩١) عن داود بن رشيد، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي عمار (اسمه شدَّاد بن عبد الله) عن أبي أسماء، عن ثوبان فذكره.
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا سَلَّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام" - وفي رواية ابن نمير: - يا ذا الجلال والإكرام".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٢) من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة فذكرته.
• عن كعب بن عجرة، عن رسول الله ﷺ قال: "مُعقِّبات لا يَخِيبُ قائلُهن دُبر كل صلاة مكتوبة، ثلاث وثلاثون تسبيحةً، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٩٦) عن الحسن بن عيسى، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا مالك بن مِغْول، قال: سمعتُ الحكم بن عتيبة، يحدث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن
стр. 1417
عُجرة فذكر مثله.
قوله: مُعقِّبات: قال الهروي: قال سمرة: معناه تسبيحات تُفعل أعقاب الصلاة. وقال أبو الهيثم: سُميتْ مُعقِّبات، لأنها تُفعل مرة بعد أخرى. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. [سورة الرعد ١٣/ ١١] أي ملائكة يعقب بعضهم بعضًا. كذا قال النوويّ.
• عن أبي ذر قال: يا رسول الله! ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يُصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها، وليس لنا مال تتصدق به، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر ألا أعلمك كلمات تدرك بهنَّ من سبقك، ولا يلحقك مَنْ خلفَك إلا من أخذ بمثل عملك"؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: تُكبر الله دُبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتسبحه ثلاثًا وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر".
صحيح: رواه أبو داود (١٥٠٤) عن عبد الرحمن بن إبراهيم (وهو دُحيم) حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية قال: حدثني محمد بن أبي عائشة قال: حدثني أبو هريرة قال: قال أبو ذر فذكره. وإسناده صحيح، والوليد بن مسلم مدلس، ولكنه صرّح بالتحديث وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢٠١٥) وهو عند الإمام أحمد (٧٢٤٣) عن الوليد بن مسلم بهذا الإسناد. ورواه ابن ماجه (٩٢٧) عن الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قيل للنبي ﷺ ، وربما قال سفيان: قلت: يا رسول الله! وجاء فيه: "ألا أخبركم بأمر إذا فعلتموه أدركتم من قبلكم، وفُتُّمْ من بعدكم. تحمدون الله في دبر كل صلاة، وتُسِّبحونه، وتكبرونه، ثلاثًا وثلاثين، وثلاثا وثلاثين، وأربعًا وثلاثين".
قال سفيان: لا أدري أيتهن أربع.
قلت: لقد سبق في حديث كعب بن عُجرة أن التكبير يكون أربعًا وثلاثين وهو الذي يؤيده أيضًا حديث زيد بن ثابت الآتي.
وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (٧٤٨) عن عبد الجبار بن العلاء، نا سفيان به مثله، وزاد في آخر الحديث مع قوله: "دبر كل صلاة". "وإذا أويت إلى فراشك".
• عن زيد بن ثابت قال: أمرنا أن نُسبح دُبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمده ثلاثًا وثلاثين، ونُكبره أربعًا وثلاثين، قال: فرأى رجل من الأنصار في المنام فقال: أمركم رسول الله ﷺ أن تُسبحوا في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوا الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبروا أربعًا وثلاثين؛ قال: نعم، قال: فاجعلوا خمسًا
стр. 1418
وعشرين، واجعلوا التهليل معهن، فغدا على النبي ﷺ فحدثه فقال: افعلوا.
(أي التسبيح خمس وعشرون، والتحميد خمس وعشرون، والتكبير خمس وعشرون، ولا إله إلا الله خمس وعشرون فتلك مائة).
صحيح: رواه الترمذي (٣٤١٣)، والنسائي (١٣٥٠) كلاهما من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح، عن زيد بن ثابت فذكر مثله. قال الترمذي: صحيح.
وصححه ابن خزيمة (٧٥٢)، وابن حبان (٢٠١٧) فرويا من طريق عثمان بن عمر، أخبرنا هشام بن حسان به.
وعثمان بن عمر هو: العبدي البصري ثقة من رجال الجماعة، وعنه رواه الإمام أحمد في مسنده (٢١٦٠٠) بالإسناد السابق.
• عن ابن عمر أن رجلًا رأي فيما يرى النائم، قيل له: بأي شيء أمركم نبيكم ﷺ ؟ قال: أمرنا أن نُسَبِّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونُكبِّر أربعًا وثلاثين.
فتلك مائة. قال: سَبِّحوا خمسًا وعشرين، واحمدوا خمسًا وعشرين، وكبروا خمسًا وعشرين، وهَلِّلوا خمسًا وعشرين. فتلك مائة، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "افعلوا كما قال الأنصاري".
حسن: رواه النسائي (١٣٥١) أخبرنا عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثني علي بن الفُضَيل بن عياض، عن عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله.
وإسناده حسن، ورجاله ثقات غير عبد العزيز بن أبي روَّاد فإنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. أورده الحافظ في الفتح (٢/ ٣٣٠) وسكت عليه.
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "خَلَّتَانِ لا يُحْصِيهِما رجلٌ مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يُسبحُ الله في دُبُر كل صلاة عشرًا، ويحمدُه عشرًا، ويكبِّره عشرًا، قال: فأنا رأيتُ رسول الله ﷺ يعقِدُها بيده، قال، فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أخذت مضجَعَكَ تُسِّبحُهُ وتكبِّره وتحمدُهُ مائة فتلك مائة باللسان، وألفٌ في الميزان، فأيُّكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيِّئةٍ؟ قالوا: وكيف لا يُحصيهِما؟ ! قال: يأتي أحدكُم الشيطانُ وهو في صلاته فيقول: اذْكُرْ كذا اذْكُرْ كذا، حتى ينتقل فلعله لا يفعل، ويأتيه وهو في مضجعِه، فلا يزال يُنَوِّمه حتى ينام".
стр. 1419
صحيح: رواه الترمذي (٣٤١٠) وهذا لفظه، من طريق إسماعيل ابن علية، وابن ماجه (٩٢٦) قرنه بإسماعيل محمد بن فُضيل، وأبو يحيى التيمي وابن الأجلح، والنسائي (١٣٤٨) من طريق حماد، وأبو داود (١٥٠٢) من طريق الأعمش مختصرًا كلهم عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
قال الترمذي: حسن صحيح، وقد روي شعبة والثوري عن عطاء بن السائب هذا الحديث.
وروى الأعمش هذا الحديث عن عطاء بن السائب مختصرًا" انتهى.
وإسناده صحيح، عطاء بن السائب ثقة، وثّقه الأئمة إلا أنه اختلط في آخر عمره، ولكن رواية حماد بن سلمة، وشعبة، والثوري، والأعمش عنه قبل اختلاطه.
وقوله: "فتلك خمون ومائة": أي ثلاث عشرات وهو الثلاثون في يوم وليلة خمس مرات يبلغ مائة وخمسون
وقوله: "ألف وخمسمائة في الميزان" لأن كل حسنة بعشر أمثالها [١٥٠ ×١٠= ١٥٠٠] وكذلك لما بعده.
• عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ أخذه بيده وقال: "يا معاذ! والله! إني لأحبك" فقال: "أوصيك يا معاذا لا تدعنَّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
صحيح: رواه أبو داود (١٥٢٢) وهذا لفظه، والنسائي (١٣٠٣) كلاهما من طريق حيوة بن شريح، قال: سمعتُ عقبة بن مسلم يقول: حدثني أبو عبد الرحمن الحُبْلي، عن الصُنابحي، عن معاذ بن جبل ... فذكره. وزاد النسائي بعد قول النبي ﷺ لمعاذ "والله إنِّي أحبَك، قال معاذ: وأنا أحبك يا رسول الله!
قال أبو داود: وأوصى بذلك معاذُ الصنابحيَّ، وأوصى به الصُّنابحيُّ أبا عبد الرحمن، وزاد النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٩) وأوصى به أبو عبد الرحمن عقبة بن مسلم. قال النووي في الخلاصة: إسناده صحيح. "نصب الراية" (٢/ ٢٣٥).
وقال الحاكم (٣/ ٢٧٣): صحيح على شرط الشيخين.
قلت: أبو عبد الرحمن الحُبُلي وهو: عبد الله بن يزيد المعافري من رجال مسلم فقط غير أنه ثقة.
• عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسولُ الله ﷺ أن أقرأَ المُعَوِّذاتِ دُبر كل صلاة.
حسن: رواه أبو داود (١٥٢٣)، والنسائي (١٣٣٦) كلاهما عن محمد بن سلمة المرادي، قال: حدثنا ابن وهب، عن الليث بن سعد، أن حنين بن أبي حكيم، حدَّثه عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر فذكره.
ورجاله ثقات غير حُنين بن أبي حكيم الأموي فإنه "صدوق".
стр. 1420
وصحَّحه ابن خزيمة (٧٥٥)، والحاكم (١/ ٢٥٣) فأخرجاه من طريق الليث بن سعد به مثله.
وأخرجه الترمذي (٢٩٠٣) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح به مثله. وقال: "حسن غريب".
قلت: وابن لهيعة فيه كلام معروف ولكن الرواي عنه هنا قتيبة بن سعيد.
• عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي ﷺ إذا سلَّم من الصلاة قال: "اللهم اغفر لي ما قدمتُ، وما أخرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنت، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت".
صحيح: وهذا القدر رواه أبو داود (١٥٠٩) ونص على أنه كان يقول ذلك عند انصرافه من الصلاة، وفي مسلم (٧٧١: ٢٠١، ٢٠٢) في سياق طويل: "يقول بين التشهد والتسليم"، وفي رواية: "إذا سلّم" فلعله كان يقول مرة بين التشهد والتسليم، وأخرى بعد الانصراف من الصلاة.
وسبق مطولًا في الاستفتاح مخرجًا من صحيح مسلم في صلاة المسافرين (٧٧١).
• عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاةٍ مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
حسن: رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٠) قال: أخبرنا الحسين بن بشر بطرسوس، كتبنا عنه قال: حدثنا محمد بن حِمْيَر، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن أبي أمامة ... فذكر الحديث.
ورجاله ثقات غير محمد بن حِمْيَر فقد وثَّقه ابن معين، وقال النسائي: لا بأس به، وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق".
قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٤٥٣): رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح، وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري، ورواه ابن حبان في كتاب الصلاة وصحَّحه، وزاد الطبراني في بعض طرقه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وإسناده بهذه الزيادة جيدٌ أيضًا".
وغفل ابن الجوزي فأدخل هذا الحديث في الموضوعات (١/ ٢٤٤) لكلام في محمد بن حِمْيَر من يعقوب بن سفيان بأنه ليس بقوي، وهو جرح غير مُفسر في حق من وثَّقه يحيى بن معين وأخرج له البخاري وغيره.
وللحديث شاهد من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة ما بينه وبين أن يدخل الجنة إلا أن يموت، فإذا مات دخل الجنة".
رواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢١) من طريق مكي بن إبراهيم، ثنا هاشم بن هاشم، عن عمر بن إبراهيم، عن محمد بن كعب، عن المغيرة بن شعبة ... فذكر الحديث.
стр. 1421
وإسناده ضعيف، فإن فيه عمر بن إبراهيم لم يُوثقه أحد بل قال فيه العُقيلي: لا يتابع عليه. انظر ترجمته في الميزان.
• عن أبي مروان أن كعبًا حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة أن داود نبي الله كان إذا انصرف من صلاته قال: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمةً، وأصلح لي دُنيايَ التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطِك، وأعوذ بعفوك من نِقْمَتِك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ. قال: وحدثني كعب أن صُهيبًا حدَّثه أن محمدًا ﷺ كان يقولهن عند انصرافه من صلاته.
حسن: رواه النسائي (١٣٤٦) أخبرنا عمرو بن سَوَّاد بن الأسود بن عمرو، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني حفص بن ميسرة، عن موسى بن عُقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه ... فذكره.
وصحَّحه ابن خزيمة (٧٤٥)، وابن حبان (٢٠٣٦) فرويا من طريق حفص بن ميسرة به مثله، ورواه البيهقي في الدعوات الكبير (٩٧) من طريق ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة به، وحسَّنه الحافظ في "نتائج الأفكار" (٢/ ٣٣٥).
وأبو مروان هو: الأسلمي مختلف في صحبته فقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
وأما أبو جعفر بن جرير الطبري فذكره في أسماء من روى عن النبي ﷺ فقال: أبو مروان مغيث بن عمرو، وكذلك ذكره أيضًا الواقدي من الصحابة.
فهو لا يخلو من أحد الأمرين إما صحابي، أو تابعي ثقة؛ فإن كان الثاني فهو لا يروي إلا عن صحابي وجهالة الصحابة لا تضر.
وأمّا قول النسائي: أبو مروان الأسلمي غير معروف فقد عرفه غيره.
وأمّا ما رُوي عن عبد الله بن الزّبير أنّه رأى رجلًا رافعًا يديه بدعوات قبل أن يفرغ من صلاته.
فلما فرغ منها قال: "إنّ رسول الله ﷺ لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته". ففيه الفضيل بن سليمان، تكلم فيه.
رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣، ١٤/ ٩٢) عن سليمان بن الحسن العطّار، قال: حدّثنا أبو كامل الجحدريّ، قال: حدّثنا الفضيل بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن أبي يحيى، قال: رأيت عبد الله بن الزّبير أنّه رأى رجلًا، فذكره.
والفضيل بن سليمان هو النّميريّ أبو سليمان البصريّ تكلّم فيه غير واحد من أئمّة الحديث، فقال عبّاس الدّوريّ عن يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن الجنيد عنه: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: لين الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ليس بالقوي. وقال أبو عبيد الآجريّ: سألت
стр. 1422
أبا داود عن الفضيل بن سليمان النميري فقال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث عنه، قال: وسمعت أبا داود يقول: ذهب فضيل بن سليمان والسمتي إلى موسى بن عقبة فاستعارا منه كتابًا فلم يردّاه. وقال النسائيّ: ليس بالقوي.
فمثل هذا لا يقبل تفرّده، فإنّ كل من روى عن صفة صلاة النّبيّ ﷺ لم يذكر أحد منهم أنه ﷺ كان يرفع يديه بعد أن يفرغ من صلاته.
وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع": "رجاله ثقات، فهو اعتمادًا على أنه من رجال الجماعة وأنّ ابن حبان ذكره في "ثقاته" (٧/ ٣١٦).
تنبيه: قوله: "دبر الصلوات" الدبر يُستعمل في معنيين:
أحدهما: آخر شيء مثل دبر الإنسان. والثاني: خارجه.
وأحاديث هذا الباب بعضُها يكون في آخر الصلاة، وبعضُها يكون بعد نهاية الصلاة.
стр. 1423
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل
المرتب على أبواب الفقه [٣]
تأليف
أ. د. أبي أحمد محمد عبد الله الأعظمي المعروف بـ «الضياء»
أستاذ الحديث الشريف وعميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا والمدرس في المسجد النبوي
стр. 1424
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ
(١٢ مج)
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٩ - ٩٢٦٤ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٣)
١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان
ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٩ - ٩٢٦٤ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٣)
طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م
стр. 1425
الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل
[٣]
стр. 1426
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
دار السلام للنشر والتوزيع
شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية
المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦
هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦
www.darussalampublishers.com
E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa
E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com
العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥
الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١
السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢
السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦
جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠
الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١
المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤
خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨
ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦
الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥
الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤
لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨
نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨
سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢
فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣
هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١
ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠
لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢
كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧
إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣
انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١
стр. 1427
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جموع أبواب الإمامة
١ - باب من أحق بالإمامة
• عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يؤُمُ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمُهم هِجْرةً، فإن كانوا في الهِجرة سواءً فأقدمُهم سِلمًا، ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانِه، ولا يَقْعُدْ في بيته على تكرمتِه إلا بإذنه".
وفي رواية: مكان سِلْمًا السِنَّا".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٧٣) من طريق أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رَجاء، عن أوس بن ضَمْعَجٍ، عن أبي مسعود الأنصاري فذكره.
وقوله: "سِلْمًا" أي إسلامًا.
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ : "إذا كانوا ثلاثةً فليؤُمَّهم أحدُهم. أحقُهم بالإمامة أقرؤُهم".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٧٢) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري فذكر مثله.
٢ - باب تقديم ذوي السِّنِّ
• عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسولَ الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة. وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رقيقًا. فظن أنَّا قد اشتقنا أهلنا. فسألنا عن من تركنا من أهلنا. فأخبرناه فقال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم ومروهم، فإذا حضرتِ الصلاةُ فليؤذِّن لكم أحدُكم. ثم ليؤُمَّكم أكبركم".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٣١)، ومسلم في المساجد (٦٧٤) كلاهما من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث فذكره.
стр. 1428
وفي البخاري: وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها "وصلوا كما رأيتموني أصلي".
٣ - باب تقديم أهل العلم والفضل
• عن عائشة أن النبي ﷺ أرسل إلى أبي بكر بأن يُصلي بالناس، وذلك في مرضه الذي مات فيه، فأتاه الرسولُ فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تُصلي بالناس. فقال أبو بكر - وكان رجلًا رقيقًا - يا عُمر صَلِّ بالناس. فقال له عمر: أنت أحق بذلك. فَصلّى أبو بكر تلك الأيام.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٧)، ومسلم في الصلاة (٤١٨) كلاهما عن أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى، ثَقُل النبيّ ﷺ فقال: أصَلَّى الناس؟ فذكرت القصة التي ستأتي في سيرة النبيّ ﷺ كاملًا.
• عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "مروا أبا بكر فليُصَلِّ للناس" فقالت عائشة: إن أبا بكر يا رسولَ الله! إذا قام مقامك لم يُسمع الناسَ من البكاء. فمُر عمر فليصلّ للناس. قال: "مروا أبا بكر فليُصَلِّ للناس" قالت عائشة: فقلتُ لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُر عمر فليُصَلِّ للناس. ففعلتْ حفصةُ.
فقال رسول الله ﷺ : "إنكنَّ لأَنْتُنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليُصَلِّ للناس". فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيبَ منك خيرًا.
صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة (٨٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرت الحديث.
ورواه البخاري في الأذان (٦٧٩) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به مثله.
• عن أبي موسى قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضُه فقال: "مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامَك لم يستطع أن يُصلي بالناس. قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فعادتْ فقال: "مُري أبا بكر فليُصَلِّ بالناس، فإنكن صواحب يوسف" فأتاه الرسول، فصلَّى بالناس في حياة النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٧٨)، ومسلم في الصلاة (٤٢٠) كلاهما من طريق حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو بُردة، عن أبي موسى فذكره.
• عن أنس بن مالك الأنصاري - وكان تبع النبي ﷺ وخدَمه وصحبَه - أن أبا بكر كان يُصَلِّي في وجَع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يومُ الاثنين وهم صفوف
стр. 1429
في الصلاة، فكشف النبي ﷺ سِتر الحجرةِ ينظر إلينا وهو قائم، كأن وجهَه ورقةُ مصحفٍ، ثم تَبَسَّم يَضْحك، فهَمَمْنا أن نفتتِنَ من الفرح برؤْية النبي ﷺ فنكص أبو بكر على عَقِبيه ليصلَ الصف. وظنَّ أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ أن أتِموا صلاتَكم، وأرخى السِتر، فتُوفي من يومه.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٠)، ومسلم في الصلاة (٤١٩) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكره واللفظ للبخاري.
• عن عبد الله بن عمر قال: لما اشتد برسول الله وَجَعُه، قيل له الصلاة فقال: "مروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس" قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاءُ، قال: "مروه فيُصَلِّي" فعاودتْه قال: "مروه فيُصلِّي، إنكن صواحبُ يوسف".
صحيح: رواه البخاري (٦٨٢) عن يحيى بن سليمان قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه أخبره عن أبيه فذكره.
قال البخاري: تابعه الزّبيديّ وابن أخي الزهري وإسحاق بن يحيى الكلبي، عن الزهريّ، وقال عُقيل ومعمر عن الزهري، عن حمزة، عن النبي ﷺ . انتهى.
• عن عبد الله بن مسعود قال: لما قُبض رسولُ الله ﷺ قالت الأنصار: مِنا أمير ومنكم أمير. فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار! ألستُم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤُمَّ الناسَ؟ فأيكم تطيب نفسُه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.
حسن: رواه النسائي (٧٧٧) عن إسحاق بن إبراهيم وهنَّاد بن السري، عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زِر، عن عبد الله فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٣٣) من وجهين عن معاوية بن عمرو وحسين بن علي كلاهما عن زائدة به، مثله.
وإسناده حسن وعاصم هو: ابن أبي النجود - بنون وجيم، أبو بكر المقرئ قال الحافظ: "صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون".
وصحّحه الحاكم (٣/ ٦٧) بعد أن رواه من طريق حسين بن علي الجعفي، عن زائدة.
• عن سالم بن عبيد قال: أُغْميَ على رسول الله ﷺ في مرضه، ثم أَفَاقَ، فقال: "أحضرتِ الصلاةُ؟ " قالوا: نعم، قال: "مُروا بلالًا فلْيُؤذِّنْ، ومُرُوا أبا بكر فَلْيُصلِّ بالناس"، ثُمَّ أُغْمِيَ عليه، فأفاق، فقال: "أحضرتِ الصلاةُ؟ " قالوا: نعم، قال: "مروا بلالًا فلْيُؤذِّنْ ومُرُوا أبا بكر فلْيُصلِّ بالناس"، ثم أُغْمي عليه، فأفاقَ، فقال: "أحضرتِ الصلاةُ؟ " قالوا: نعم، قال: "مروا بلالًا فلْيُؤذِّنْ ومُرُوا أبا بكر
стр. 1430
فلْيُصلِّ بالناس"، فقالت عائشة: إنَّ أبي رجُلٌ أسيف، فإذا قام ذلك المقام يبكي، لا يستطيعُ، فلو أَمرْتَ غيرهُ، ثم أغْمِيَ عليه. فأفاق، فقال: "مروا بلالًا فلْيُؤذِّنْ ومُرُوا أبا بكر فلْيُصلِّ بالناس. فإنَّكُنَّ صواحِبُ يُوسُفَ، أو صَوَاحِباتُ يُوسُفَ"، قال: فَأُمِرَ بلالٌ فأذَّنَ. وأُمِرَ أبو بكر فَصَلَّى بالناس، ثُمَّ إنَّ رسول الله ﷺ وجد خِفَّةً، فقال: "انْظرُوا لي مَن أَتَّكئ عَلَيه" فجاءت بريرةُ ورجُلٌ آخَرُ، فاتَّكأ عليهِمَا، فَلَمَّا رآهُ أبو بكر، ذهب لِيَنْكِصَ، فأَوْمَأَ إليه، أنِ اثْبُتْ مكانك، ثُمَّ جاء رسولُ الله ﷺ حتَّى جَلَسَ إلى جَنْبِ أبي بكر حتى قَضَى أبو بكر صلاتَهُ. ثم إنَّ رسول الله ﷺ قُبِضَ.
قال أبو عبد الله: هذا حديث غريبٌ، لم يُحدِّث به غير نصر بن علي.
صحيح: رواه ابن ماجه (١٢٣٤)، والترمذي في الشمائل (٣٧٩) كلاهما عن نصر بن علي الجهضميّ، حدثنا عبد الله بن داود، قال: حدثنا سلمة بن نُبَيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نُبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد فذكر مثله.
وإسناده صحيح ورجاله ثقات كما قال البوصيريّ في زوائد ابن ماجه (٤٣٨).
قلت: وهو كما قال فقد صحّحه أيضًا ابن خزيمة، فأخرجه في صحيحه (١٥٤١، ١٦٢٤) من طرق عن عبد الله بن داود به مثله.
سالم بن عبيد هو: الأشجعي من أهل الصفة، والراوي عنه نُبَيط بن شريط من صغار الصحابة.
٤ - باب النهي أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه
• عن أبي مسعود الأنصاري قال: نهى رسولُ الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه، يعني أسفل منه.
حسن: رواه الدّارقطني (٢/ ٨٨) عن أحمد بن محمد بن زياد، ثنا محمد بن غالب، ثنا زكريا بن يحيى الواسطي زحمويه، ثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن أبي مسعود الأنصاري فذكره مثله.
قال الدّارقطني: لم يروه غير زياد البكّاء، ولم يروه غير همام فيما نعلم. انتهى.
قلت: إسناده حسن؛ من أجل زياد البكاء، فهو حسن الحديث، ومن طريقه، رواه الحاكم (١/ ٢١٠).
وقول الدارقطني: لم يروه غير زياد البكاء - يقصد به اللفظ المذكور، وإلا فبمعناه رواه أبو داود (٥٩٧)، والحاكم، وعنه البيهقي (٣/ ١٠٨) عن يعلى بن عبيد، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، أن حذيفة أمَّ الناسَ بالمدائن على دكانٍ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا يُنهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرتُ حين مددتني.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٥٢٣) عن الشافعي، وهو في الأم (١/ ١٥٢) عن سفيان، عن
стр. 1431
الأعمش به وفيه، قال أبو مسعود: أليس قد نُهي عن ذلك؟ فقال له حذيفة: ألم ترني قد تابعتك.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قلت: وهو كما قال، وهذا يدل على أن حذيفة أيضًا ممن كان يعرف الحديث المرفوع.
وقوله: "ألم تعلم أنهم كانوا يُنهون عن ذلك" حكمه المرفوع، لأن الناهي يكون الشارع لا غير.
وأما ما رُوي عن عمار بن ياسر أنه قام على دكان يُصلي، والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه، فأَتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا أمَّ الرجلُ القومَ فلا يقُم في مكان أرفع من مقامهم" أو نحو ذلك، قال عمار: لذلك أتبعتُك حين أخذت على يدي.
فهو حديث ضعيف. رواه أبو داود (٥٩٨) عن أحمد بن إبراهيم، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو خالد، عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصّلاة فتقدّم عمار فذكر الحديث.
وفيه رجل لم يُسّمَّ، وأبو خالد: قال الذهبي: أراه الدالاني وإلا فمجهول.
"الكاشف" (٣/ ٢٩٠).
قلت: إن كان هو الدّالاني فاسمه: يزيد بن عبد الرحمن من أهل واسط، فيقال له أيضًا: الواسطى، وهو مختلف فيه فوثقه أبو حاتم. وقال ابن معين وأحمد: لا بأس به. وتكلم فيه ابن سعد فقال: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات، حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معمولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد بالمعضلات. انظر "تهذيب التهذيب" (١٢/ ٨٢) و"المجروحين" (١١٨٣).
قلت: هذا هو الدالاني، فإن لم يكن هو، فهو رجل آخر حكم عليه الذهبي بأنه مجهول.
٥ - باب ما جاء في جواز ذلك للتعليم
• عن أبي حازم بن دينار أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا في المنبر مِمَّ عُوده؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله! إني لأعرف مما هو، ولقد رأيتُه أول يوم وُضِع، وأول يوم جلس عليه رسولُ الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فُلانة - امرأة قد سماها سهلٌ - مُرِي غلامَكِ النجارَ أن يعملَ لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمتُ الناسَ، فأمرتْه فعَملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلتْ إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوُضِعتْ ها هنا، ثم رأيتُ رسول الله ﷺ صلَّى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقري فسجد في أصل المنبر ثم عاد. فلما
стр. 1432
فرغ أقبل على الناس فقال: "أيها الناس! إنما صنعتُ هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي".
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩١٧)، ومسلم في المساجد (٥٤٤) كلاهما عن قتيبة بن سعيد قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القارئ القرشي الإسكندراني قال: حدثنا أبو حازم بن دينار فذكر مثله، واللفظ للبخاري. وفي رواية: فعمل هذه الثلاث درجات.
وقوله: امتروا - من المماراة وهي المجادلة، ويؤيده لما جاء في رواية مسلم: "أن تماروا" ومعناه تجادلوا.
وقوله: طرفاء الغابة - الطرفاء شجر، وهي أربعة أصناف منها الأثل، الواحدة طرفاءة. والغابة: غيضة ذات شجر كثير في جهة الشام من المدينة.
وفي الحديث الجواز للإمام أن يكون في المكان المرتفع إن كان غرضه تعليم الناس، وإلا فيكره ذلك.
٦ - باب إمامة الغلام المميز قبل أن يحتلم
• عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبانُ فنسألهم، ما للناس. ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسلَه، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكُنْتُ أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُقَرُّ في صدري، وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوهُ وقومَه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبِيُّ صادقٌ، فلما كانت وقعةُ أهل الفتح، بادر كلُّ قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قَدِمَ قال: جئْتُكم والله! من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: "صَلُّوا صلاةَ كذا في حين كذا، وصَلُّوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاةُ فَلْيؤَذِّنْ أحدُكم، ولْيؤُمَّكُمْ أكثرُكم قُرْآنا"، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثر قرآنًا مني، لِمَا كنتُ أتلقَى من الركبان، فقدَّموني بينَ أيديهم، وأنا ابنُ ستٍ أو سبع سنين، وكانت عليّ بُردَةٌ، كنتُ إذا سجَدْتُ تقلّصتْ عني، فقالت امرأةٌ من الحي، ألا تُغطُّوا عنا اسْت قارئكم، فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرِحْتُ بشيءٍ فَرحي بذلك القَمِيص.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٠٢) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة قال: قال لي أبو قِلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيتُه فسألتُه فقال: فذكر الحديث.
قوله: قال لي أبو قِلابة - أي قال لأيوب الستخياني.
وقوله: فلقيته - أي أن أيوب لقي عمرو بن سلمة فسأله.
كذا جاء التصريح في سنن النسائي (٦٣٦) وسنن أبي داود (٥٨٥) عن حماد، عن أيوب، عن
стр. 1433
عمرو بن سلمة قال: كنا بحاضِر .. وليس فيه ذكر لأبي قِلابة.
وفي رواية عنده من طريق عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة بهذا الخبر، قال: فكنتُ أؤمهم في بردة موصَّلةٍ فيها فتق، فكنتُ إذا سجدتُ خرجت اسْتِي.
قال الخطابي: وقد اختلف الناس في إمامة الصبي غير البالغ إذا عقل الصلاة، فممن أجاز ذلك الحسنُ وإسحاقُ بن راهويه، وقال الشافعي: يؤمُ الصبي غير المحتلم إذا عقل الصلاة إلّا في الجمعة. وكره الصلاةَ خلف الغلام قبل أن يحتلم عطاءُ والشعبي ومالك والثوري والأوزاعي. وإليه ذهب أصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يُضعف أمر عمرو بن سلمة، وقال مرة: دعه ليس بشيء بيّنٍ، وقال الزهري: إذا اضطروا إليه أمَّهم.
ثم قال الخطابي: "وفي جواز صلاة عمرو بن سلمة لقومه دليل على جواز المفترض خلف المتنفل، لأن صلاة الصبي نافلة".
٧ - باب ما جاء في إمامة الأعمى
• عن محمود بن الربيع الأنصاري أنَّ عِتْبان بن مالك كان يؤُمُّ قومَه وهو أعمى.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٨٦) عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٦٦٧) عن إسماعيل، عن مالك به مثله.
ورواه مسلم في المساجد (الرقم الخاص ٢٦٤) من حديث معمر، عن الزهري به في سياق آخر وفيه: إنه شيخ كبير، قد ذهب بصرُه وهو إمام قومه.
• عن عائشة أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يُصَلِّي بالناس.
حسن: رواه أبو يعلي - المقصد العلي - (٣٠٦) وعنه البيهقي في المعرفة (٥٧٦٨) عن أمية بن بِسْطام، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا حبيب المعلم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله.
وصحّحه ابن حبان فرواه في صحيحه (٢١٣٤) عن الحسن بن سفيان، قال: حدثنا أمية بن بِسْطام، به، مثله.
وإسناده حسن. أميّة بن بِسْطام العيشي "صدوق" كما قال الحافظ، وهو من رجال الشيخين، ولذا قال الهيثمي في "المجمع" (٢٣٢٨): رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
وأورده البوصيري في "الإتحاف" (١٦٠٣) من جهة أبي يعلى وقال: "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".
• عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤمُ الناسَ وهو أعمى. حسن: رواه أبو داود (٥٩٥) عن محمد بن عبد الرحمن العنبري أبي عبد الله، حدثنا ابن
стр. 1434
مهدي، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن فإن عمران القطان وهو ابن دَاوَر - بفتح الواو وبعدها راء - أبو العوَّام القطان مختلف فيه، فضعَّفه أبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البخاريّ والترمذي: صدوق، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه.
والحديث رواه أيضًا الإمام أحمد (١٢٣٤٤)، وأبو يعلى (٣٠٩٨)، والبيهقي (٣/ ٨٨) كلهم من طريق ابن مهدي، به وزادوا قول أنس: "ولقد رأيته يومَ القادسية، ومعه رأيةٌ سوداءُ".
وكان هذا الاستخلاف لأجل الصّلاة فقط كما ذكره أبو داود، وكذلك ذكره الإمام أحمد (١٣٠٠٠) عن بهز، عن أبي العوام القطان به.
قال الخطابي في "معالمه": "إنما ولَّاه النبي ﷺ الصلاةَ دون القضايا والأحكام، فإن الضّرير لا يجوز له أن يَقْضي بين الناس، لأنه لا يدرك الأشخاص، ولا يُثبِت الأعيان، ولا يدري لمن يحكم وعلى من يحكم، وهو مقلد في كل ما يليه من هذه الأمور. والحكم بالتقليد غير جائز". انتهى.
فائدة: روى جماعة من أهل العلم أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة.
• عن عبد الله بن عمير إمام بني خطمة، أنه كان إمامًا لبني خطمة على عهد رسول الله ﷺ وهو أعمى، وغزا معه وهو أعمى.
صحيح: رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٣٩٢) وابن قانع (٢/ ٩٩) كلاهما من طريق جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمير، فذكره.
قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٢/ ٣٥٤): "روى الحسن بن سفيان والبغوي من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عُمير أنه كان إمام بني خطمة وهو أعمى على عهد رسول الله ﷺ . وجاهد مع النبي ﷺ وهو أعمى. ورجاله ثقات ولكن قال ابن منده: لم يتابع جرير عليه، وقال أبو معاوية: عن هشام عن أبيه، عن عدي بن عمير، عن أبيه، وكانت له صحبة، وكان يؤم قومه وهو مكفوف". وقال في ترجمة عمير بن عدي (٦٠٧٣): من الاحتمال أن يكون مات في حياة النبي ﷺ [أي: عمير بن عدي] فقام ولده مقامه، [أي: عبد الله].
٨ - باب إمامة العبد والمولى
• عن ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأوَّلون العُصْبَة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمُّهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرَهم قرآنًا.
صحيح رواه البخاري في الأذان (٦٩٢) عن إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه أبو داود (٥٨٨) عن الهيثم بن خالد الجهني، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله به وزاد الهيثم: "وفيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد".
стр. 1435
• عن عامر بن واثلة؛ أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعُسْفان. وكان عمر يستعمله على مكة. فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبْزى. قال: من ابن أَبْزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفتَ عليهم مولى؟ قال: إنه قارئٌ لكتاب الله . وإنه عالم بالفرائض.
قال عمر: أما إن نبيَّكُم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقومًا، ويضعُ به آخرين".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨١٧) عن زهير بن حرب، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن ابن شهاب، عن عامر بن واثلة فذكره.
وجاء عن عائشة أنها كان يؤمها غلامها اسمه ذكوان من المصحف. علَّقه البخاري، ووصله ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" (٧٩٧) قال: أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر، نا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به.
وأخرجه أيضًا من طريق وكيع، وعنه ابن أبي شيبة (٢/ ١٢١ بتحقيق اللّحام) عن هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة، عن عائشة أنها كان يؤمُّها مُدبَّرٌ لها.
ورواه الشافعي في "الأم" (١/ ١٦٥) من طريق ابن جُريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي - هو وعبيد بن عمير، والمسور بن مخرمة، وناس كثير فيؤمُّهم أبو عمرو مولى عائشة، وهو يومئذ غلام لم يُعتق. وأبو عمرو المذكور هو ذكوان، كانت عائشة قد دبَّرتْه وقالت: إذا واريتني فأنت حر.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي ذر أنه انتهى إلى الرّبذة وقد أقيمت الصّلاة فإذا عبد يؤمهم. فقال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ أن أسمع وأطيع ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف. أصله في صحيح مسلم (١٨٣٧) إلا أنه لم يذكر فيه قصة إمامة العبد. فعزو البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٨٨) إلى مسلم لبيان أصل الحديث وهو قوله: "أوصاني خليلي ﷺ ... ".
٩ - باب من من أمَّ قومًا وهم له كارهون
• عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا تُرفع صلاتُهم فوق رؤُوسهم شبرًا. رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتتْ وزوجُها عليها ساخط، وأخوان متصَارِمان".
حسن: رواه ابن ماجه (٩٧١) قال: حدثنا محمد بن عمر بن هيَّاج، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، قال: حدثنا عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكر الحديث.
وإسناده حسن فإن عبيدة بن الأسود وهو: ابن سعيد الهمداني قال فيه أبو حاتم: ما بحديثه بأس.
стр. 1436
وأمّا ما قاله ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٣٧): "يعتبر حديثه إذا روى، وبين السّماع في روايته وكان فوقه ودونه ثقات" ففيه إشارة إلى أنه مدلس. ولذا أورده الحافظ ابن حجر في "تعريف أهل التقديس" (رقم ٨٦). في المرتبة الثالثة من المدلسين، وهم الذين أكثروا من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرَّحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم.
والتحقيق أنّ عبيدة بن الأسود لم يكن معروفًا بالتدليس، ولذا لم يذكره الذهبي والحلبي والعلائي من المدلسين، كما لم يصفه أحد قبل ابن حبان بالتدليس، كما هو نفسه صحَّح هذا الحديث، فأخرجه في صحيحه (١٧٥٧) عن الحسن بن سفيان، حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، عن عبيدة بن الأسود به مثله.
وصحَّح هذا الإسناد البوصيريّ في زوائد ابن ماجه فقال: "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
وفي الإسناد أيضًا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي قال فيه أبو حاتم: "شيخ لا أرى في حديثه إنكارًا"، وقال الدارقطني: "صالح يعتبر به"، وذكره ابن حبان في الثقات.
وحديث ابن عباس في هذا الباب من أمثل الأحاديث، وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو وأنس وأبي أمامة وطلحة.
فأما حديث عبد الله بن عمرو فهذا لفظه: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاةً. من تقدم قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دِبارًا - والدبار: أن يأتيها بعد أن تفوته - ورجل اعتبد محرره".
رواه أبو داود (٥٩٣)، وابن ماجه (٩٧٠) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عمران بن عبد المعافري، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
وفيه عبد الرحمن بن زياد وشيخه عمران ضعيفان.
وأما حديث أنس: "لعن رسولُ الله ﷺ ثلاثة: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حيَّ على الفلاح ثم لم يجب" فهو ضعيف. رواه الترمذي (٣٥٨) عن عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي، عن الفضل بن دَلْهَم، عن الحسن قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول فذكر الحديث.
قال الترمذي: حديث أنس لا يَصح، لأنه قد رُوي هذا الحديث عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسل. وقال أيضًا: "ومحمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعَّفه وليس بالحافظ". انتهى.
قلت: وهو كما قال، فقد حكى البخاري عن أحمد أنه كذَّبه، وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: "أحاديثه موضوعة، ليس بشيء"، وأما ابن معين فوثَقه في بعض الروايات، والحجة لمن علم على من لم يعلم.
وكذلك حديث أبي أمامة، رواه الترمذي (٣٦٠) عن محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن الحسن، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا أبو غالب قال: سمعتُ أبا أمامة يقول: قال رسول الله
стр. 1437
- ﷺ : "ثلاثة لا تُجاوز صلاتُهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتتْ وزوجها عليها ساخط، وإمامُ قوم وهم له كارهون".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأبو غالب اسمه: حزَوَّر".
قلت: ليس كما قال، فإنه ضعيف، فإن أبا غالب ضعيف، ضعَّفه ابن سعد والنسائي، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات، وأما الدارقطني فوثَّقه، والحجة لمن علم على من لم يعلم، وقد ضعَّفه أيضًا البيهقي فقال: ليس بالقوي "السنن الكبرى" (٣/ ١٢٨).
وأما حديث طلحة بن عبيد الله فلفظه: أنه صَلَّى بقوم، فلما انصرف قال: إني نسيتُ أن أستأمركم قبل أن أتقدم، أرضيتُم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله ﷺ قال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيما رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون لم تجزْ صلاتُه أذْنَيه" رواه الطبراني في الكبير من رواية سليمان بن أيوب الطلحي قال فيه أبو زرعة: عامة أحاديثه لا يتابع عليها، وقال صاحب الميزان: صاحب مناكير، وقد وُثِّق، كذا في "مجمع الزوائد" (٢٣٤٤).
١٠ - بابُ إذا تأخَّر الإمام تقام الصلاة
• عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم، وحانتِ الصلاةُ، فجاء المؤذِّن إلى أبي بكر الصديق، فقال: أتُصلي للناس فأُقيم؟ قال: نعم، فصلَّى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلَّصَ حتى وقف في الصفِّ، فصفَّق الناسُ، وكان أبو بكر لا يلتفتُ في صلاته، فلما أكثر الناسُ من التصفيق، التفت أبو بكر، فرأى رسولَ الله ﷺ ، فأشار إليه رسولُ الله ﷺ أن امكثْ مكانكَ، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر حتى استوى في الصف. وتقدم رسولُ الله ﷺ فصَلَّى. ثم انصرف، فقال: "يا أبا بكر، ما منعك أن تثبتَ إذ أمرتُك" فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قُحافة أن يُصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليُسَبِّح، فإنه إذا سبَّح التُفِتَ إليه، إنما التصفيق للنساء".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٦١) عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٦٨٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الصلاة (٤٢١) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
стр. 1438
• عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك، قال المغيرة: فتبرَّز رسولُ الله ﷺ قِبل الغائِط فحملت معه إداوةً قبل صلاة الفجر.
قال المغيرة: فأقبلتُ معه حتى نجدَ الناسَ قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلَّى لهم، فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلَّى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلَّم عبد الرحمن بن عوف، قام رسولُ الله ﷺ يُتم صلاتَه، فأفزعَ ذلك المسلمين. فأَكْثَرُوا التسبيحَ، فلما قضى النبي ﷺ صلاتَه أقبل عليهم، ثم قال: "أحسنتُم" أو قال: "قد أصبتُم" يغبِطُهم أن صلُّوا الصلاة لوقتها.
وفي رواية: قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال النبي ﷺ : "دعه".
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٤١) عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد - من ولد المغيرة بن شعبة، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة.
ورواه الشيخان من غير طريق مالك لأسباب. ذكرتها في المسح على الخفين - عن طريق عروة بن المغيرة، عن أبيه، واللفظ لمسلم (٢٧٤).
١١ - باب أمر الأئمةِ بتخفيف الصّلاة
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدُكم بالناس فليخفِّف، فإن فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صَلَّى أحدكم لنفسه فليُطَوِّل ما شاء".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (١٣) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٧٠٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به مثله، ورواه مسلم في الصلاة (٤٦٧) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به، وزاد فيه: "فإن فيهم الصغير" كما رواه أيضًا من طرق أخرى عن أبي هريرة وفي بعض طرقه: "فإن فيهم ذا الحاجة".
• عن أبي مسعود أن رجلًا قال: والله! يا رسول الله! إني لأتأخَّرُ عن صلاةِ الغَداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ في موعظةٍ أشَدَّ غضبًا منه يومئذ، ثم قال: "إن منكم مُنَفِّرين، فأيكم ما صَلَّى بالناس فليتجوزْ، فإن فيهم الضّعيفَ والكبيرَ وذا الحاجة".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٠٢)، ومسلم في الصلاة (٤٦٦) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعتُ قيسًا، قال: أخبرني أبو مسعود الأنصاري فذكر الحديث، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل يُصَلِّي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع
стр. 1439
فيومُّ قومَه، فصَلَّى العِشاءَ فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجلُ، فكأن معاذًا تناول منه، فبلغ النبيَّ ﷺ فقال: "فتَّان فتَّان فتَّان" (ثلاث مِرار) أو قال: "فاتنا فاتنا فاتنا" وأمره بسورتين من أوسطِ المفصَّل. قال عمرو: لا أحفظهما.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٠١)، ومسلم في الصلاة (٤٦٥) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله به، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: فانحرف الرجل فسَلَّم، ثم صلَّى وحده وانصرف. فقالوا له: أنافَقْتَ؟ يا فلان! قال: لا والله! ولآتينَّ رسولَ الله ﷺ فلأُخْبِرنَّه. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا أصحابُ نواضِح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلَّى معك العشاءَ، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال: "يا معاذ أفتَّان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا". قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: "اقرأ في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿وَالضُّحَى﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " فقال عمرو: نحو هذا.
• عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يُوجز الصّلاة ويكملُها.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٠٦)، ومسلم في الصّلاة (٤٦٩) كلاهما من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس فذكره واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم: "كان يُوجز في الصلاة ويُتم".
ورواه أيضًا عن قتادة, عن أنس قال: "إن رسول الله ﷺ كان من أخفِّ الناس صلاة في تمام".
والمراد بالإيجاز مع الإكمال: الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض.
• عن أنس بن مالك قال: ما صلَّيتُ خلْفَ أحد أوجزَ صلاةً من صلاة رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاةُ رسول الله ﷺ متقاربة. وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مَدَّ في صلاة الفَجْرِ، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده" قام حتى نقولَ: قد أوهم، ثمَّ يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٧٣) عن أبي بكر بن نافع العَبْدي، ثنا بهز، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٢١١٦) عن إسماعيل ابن عُلية، عن حُميد، عن أنس مختصرًا بقوله: "كان صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وصلاة أبي بكر حتى مدَّ عمر في صلاة الصُّبح".
• عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أن النبي ﷺ قال له: "أُمَّ قومَك" قال قلت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي شيئًا، قال: "ادْنُه" فجلَّسني بين يديه، ثم وضع
стр. 1440
كفَّه في صَدْري بين ثدْييَّ. ثم قال: "تحوَّل" فوضعها في ظهري بين كتِفيَّ، ثم قال: "أُمَّ قومَك، فمن أم قوما فليخفِّفْ، فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيفَ، وإنَّ فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصلِّ كيف شاء".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٦٨) عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا أبي، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا موسى بن طلحة، حدثني عثمان بن أبي العاص الثقفي فذكره.
ورواه أيضًا من وجه آخر عن سعيد بن المسيب قال: حدَّث عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عَهِد إليَّ رسول الله ﷺ : "إذا أمَمْتَ قومًا فأخفَّ بهم الصلاة".
وذلك عندما أمَّره على الطائف كما في رواية ابن ماجه (٩٨٧) من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص.
وفي حديث أبي داود (٥٣١) طلب من النبي ﷺ أن يجعله إمامًا لقومه فقال: "أنت إمامهم، واقد بأضعفهم". انظر للمزيد: كتاب الأذان.
• عن عبد الله بن عمر قال: كان رسولُ ﷺ الله لا يأمر بالتخفيف، ويؤُمنا بالصّافات.
حسن: رواه النسائي (٨٢٦) عن إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن ابن أبي ذئب، قال: أخبرني الحارث بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر فذكره.
وإسناده حسن لأجل الحارث بن عبد الرحمن فهو "صدوق"، وبقية الرجال ثقات.
وصحّحه ابن خزيمة (١٦٠٦)، وابن حبان (١٨١٧) وأخرجه أيضًا أحمد (٤٧٩٦، ٤٩٨٩) والطبراني في الكبير (١٣١٩٤) كلهم من طرق عن ابن أبي ذئب، وفي بعض طرقه: "كان يؤمنا في الفجر الصافات".
انظر القراءة في الصُّبح.
• عن نافع بن سرجس، قال: عُدنا أبا واقد البكريّ - وقال ابن بكر: البدريّ - في وجعه الذي مات فيه، فسمعته يقول: "كان النبيّ ﷺ أخف النّاس صلاة على النّاس، وأطول النّاس صلاة لنفسه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٨٩٩)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٥٠) كلاهما من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٣٨١٩) - وقرنه الإمام أحمد بابن بكر - كلاهما عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عثمان، عن نافع بن سرجس، قال (فذكره).
وإسناده حسن من أجل نافع بن سرجس فإنه حسن الحديث، وله طرق أخرى عن عبد الله بن عثمان وهو ابن خُشيم مختصرًا.
وأما ما رُوي عن جابر، قال: إنّ رسول الله صلى - الله عليه وسلم - كان أشدّ الناس تخفيفًا في الصلاة. فرواه الإمام أحمد (١٤٦٢٣، ١٤٦٥٥، ١٤٧٤٨) من طرق عن ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الزبير، عن
следующие страницы →